وإن لم يبلغ أهل الديوان هذا العدد ضم إليهم العصبة، فإن لم يكن الجاني من أهل ديوان، وقلنا: إن العصبة يعقلون عنه، فإذا وجد هذا العدد في العشيرة، فلا يضم إليهم الفصيلة، وإلا ضمت إليهم.. وهكذا.
وفي المذهب قول ثالث، وهو: أنه لا حد للعاقلة، وإنما ذلك يترك للاجتهاد، وظاهر كلام ابن عرفة أنه المذهب.
الرأي الثاني: أما المذاهب الأخرى كالحنفية والشافعية والزيدية، فلم تحدد عددا؛ لأنه لما حددت ما يجب على كل فرد لم تحتج لمثل هذا التحديد؛ لأنه إذا زاد الواجب عن المقدار المحدد لكل شخص عندهم يضم إليهم من يليهم حسب الترتيب الذي أورده كل مذهب.
وإذا كنا قد رجحنا فيما تقدم أن يترك التحديد على كل فرد للاجتهاد، فإنه على ضوء هذا الاجتهاد سيتحدد عدد العاقلة؛ لأننا إذا أوجبنا عن طريق الاجتهاد على كل فرد نصف دينار في السنة والدية ألف دينار، مقسمة على ثلاث سنين، وجب ألا يقل عدد العاقلة عن ثلثي الألف وهو "٦٦٧" تقريبا، حتى يمكن أن يحصل منهم في كل عام ثلث الدية، ويصح أن يزيد عددها فيقل الواجب على كل فرد.
رابعًا: المدة التي تتحمل العاقلة فيها الدية:
اختلف الفقهاء في تأجيل الدية في القتل الخطأ إلى رأيين:
أولهما: ما أورده في نيل الأوطار من أنه حكي في البحر عن بعض الناس أن الدية تكون حالة؛ وذلك لأنه لم يرد عن النبي ﷺ تأجليها.
ثانيهما: وهو رأي جمهور الفقهاء أنها تكون مؤجلة، ولهم في مقدار الأجل قولان:
стр. 422
الأول: ما روي عن ربيعة أنها تكون مؤجلة لمدة خمس سنوات.
الثاني: وهو رأي الأكثر "الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة، الزيدية، الإمامية" أنها تكون مؤجلة لمدة ثلاث سنوات، وقد استدلوا على هذا بما يأتي:
١- ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، وقد قال هذا أيضا علي وعبد الله بن عباس ﵄.
٢- وقد عزاه الإمام الشافعي في المختصر إلى قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
٣- الإجماع، وذلك أنه لما قضى عمر بهذا كان بمحضر من الصحابة رضوان الله عليهم، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا، وقد نقل الإجماع الرافعي، والترمذي في جامعه، وابن المنذر.
وتقسم الدية على هذه السنوات الثلاث، في كل سنة ثلث الدية.
وتجب في آخر السنة، وقد قال الرافعي في تعليل هذا: إنه "كان سبب هذا أن الفوائد كالزروع والثمار تتكرر في كل سنة، فاعتبر مضيها ليجتمع عندهم ما يتوقعونه فيواسون عن تمكن".
كما قال الحنفية: إنها تؤخذ من ثلاث عطايا إن كان القاتل من أهل الديوان "وهم المقاتلة من الرجال الأحرار البالغين العاقلين"؛ لأنهم لهم في كل
стр. 423
سنة عطية، فإن عجلت العطايا الثلاث في سنة واحدة يؤخذ الكل في سنة واحدة، وإن تأخرت يتأخر حق الأخذ، وإن لم يكن من أهل الديوان تؤخذ منه، ومن قبيلته من النسب، في ثلاث سنين.
خامسا: لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا، ولا ما دون أرش الموضحة:
هذه الصور منها ما اتفق الفقهاء عليه ومنها ما اختلفوا فيه، ونوضح فيما يلي آراءهم في كل مسألة متوخين الإيجاز، وحصر الموضوع فيما تتحمله العاقلة دون غيره:
أ- القتل العمد أو شبه العمد:
قد أوضحنا فيما تقدم أن الدية في القتل العمد "سواء تصالحوا عليها أو وجبت بعد العفو عن القصاص" على قول من رأى أن الواجب أحد الشيئين القصاص أو الدية، أو في الصور التي وجبت فيها الدية، كقتل الوالد ولده ... " هذه الدية تجب في مال القاتل ولا تتحمل العاقلة منها شيئا١.
أما الجناية شبه العمد، فإن الفقهاء قد اختلفوا في تحمل العاقلة الدية الواجبة فيها، وقد أضحنا فيما تقدم آراءهم وأدلتهم، ورجحنا أن تتحمل العاقلة هذه الدية٢.
ب- موقف العاقلة من جناية العبد على غيره، أو جناية الغير عليه خطأ:
اختص الفقهاء جناية العبد على الغير، أو جناية الغير عليه بأبحاث
стр. 424
موسعة، ونكتفي هنا ببحث موقف العاقلة من هاتين الجنايتين إذا كانت الجناية خطأ بإيجاز:
١- جناية العبد على غيره خطأ:
إذا ارتكب العبد جناية خطأ على غيره فإن للفقهاء رأيين في تحمل العاقلة دية المجني عليه:
أولهما: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية" ألا تتحمل العاقلة دية المجني عليه "وإنما تتعلق الجناية برقبته، كما صرح الشافعية والحنابلة. أو يخير المولى بين أن يدفعه بالجناية أو يفديه، كما قال الحنفية والزيدية" وقد حكى البيهقي الإجماع على ألا تتحمل العاقلة هذه الجناية، إلا أن هذا الإجماع لم يسلم؛ لما سيأتي إيضاحه في الرأي الثاني، وقد استدلوا لهذا الرأي بدليلين:
الأول: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة" رواه الدارقطني، وقد فسروا هذا الخبر بأن المراد به أن العاقلة لا تعقل الجناية عمدا ولا جناية العبد على غيره، كما يدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس: "لا تحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما جنى المملوك" فإن هذا الخبر نص في عدم تحمل العاقلة جناية المملوك.
الثاني: قالوا: إن المعنى المعقول من تحمل العاقلة عن أحد أفرادها هو التناصر، ولا تناصر بالعبد، فلا تتحمل العاقلة عنه.
وأيضا فإن تحمل العاقلة جناية الحر جاء على خلاف الأصل؛ أي: أنه جاء على خلاف القياس "فإن القياس أن يتحمل الجاني جنايته لا أن يتحملها غيره"، وما جاء على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس.
стр. 425
الرأي الثاني: يرى الظاهرية أن تتحمل عاقلة العبد جنايته على غيره خطأ -سواء كان عبدا أم مدبرا، أم أم ولد، أم مكاتبا- وقد استدلوا بعموم ما قضى به رسول الله ﷺ من إيجاب الدية على العصبة، فقد قضى أن الدية والغرة على عصبة الجاني، وقوله ﷺ : "على كل بطن عقولة" ولم يخص حرا من عبد، فلو أراد ﷺ أن يخص حرا من عبد لبينه، فكل ما لم يبينه ﵊ فهو باطل.. وقد حكم ﵊ بأن على كل بطن عقولة، والبطون هي الولادات، أبا بعد أب، وهو في العجم كما هو في العرب، وفي الأحرار كما هو في العبيد، فيجب أن تكون الدية على عصبة العبد الجاني إن كان يعرف له نسب وكان له عصبة.
فإن اعترض بأنهم لا يرثونه، أجيب بأن الدية على العصبة لا على الورثة بنص حكم النبي ﷺ .
ولعل هذا الرأي أيضا يقول: إن الأخبار المستدل بها موقوفة، ولا حجة إلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم١.
стр. 426
٢- الجناية على العبد:
أما الجناية على العبد خطأ فقد اختلف الفقهاء في تحمل العاقلة موجب هذه الجناية إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى المالكية والحنابلة "وهو قول ابن عباس، والشعبي والثوري، ومكحول، والنخعي، والليث، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأبي ثور" أن العاقلة لا تحمل العبد، فإذا قتل شخص عبدا، وجبت قيمته في مال القاتل لا شيء على عاقلته خطأ كان أم عمدا.
وقد استدلوا بما روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ... " وقالوا: إنه قد روي عن ابن عباس موقوفا عليه، ولم نعرف له في الصحابة مخالفا، فيكون إجماعا، ولأن الواجب في العبد القيمة، والقيمة تختلف باختلاف صفاته، فلم تحمله العاقلة كسائر القيم ...
الرأي الثاني: يرى الحنفية والشافعية في الأظهر "الجديد" وهو قول الحكم وحماد، والزيدية والإمامية، والظاهرية: أن تحمل العاقلة ديته "قيمته"؛ لأنه آدمي يجب بقتله القصاص والكفارة فحملت العاقلة بدله كالحر١.
الترجيح: الذي يظهر لنا هو رجحان الرأي الثاني لما يأتي:
أولا: أن ما روي عن عمر "فيما نقلنا في الفقرة السابقة" قال الحافظ: هو منقطع "وفي إسناده عبد الملك بن حسين، وهو ضعيف، قال البيهقي: والمحفوظ أنه عن عامر الشعبي من قوله"، وأيضا أثر ابن عباس أخرجه البيهقي، وقد روي موقوفا.
стр. 427
وقد أجيب عن هذه الآثار بأن المراد أن العاقلة لا تعقل الجناية الواقعة من العبد على غيره، كما يدل على ذلك قول ابن عباس الذي ذكرناه في الفقرة السابقة: "لا تعقل العاقلة عمدا ولا صلحا لا اعترافا ولا ما جنى المملوك".
ثانيا: روي عن عكرمة عن ابن عباس أن مكاتبا قتل "بالبناء للمجهول" على عهد رسول الله ﷺ فأمر ﵇ أن يودى ما أدى دية الحر، وما لا دية المملوك، والمعنى أن المكاتب إن كان قد أدى نصف ما عليه من مال الكتابة مثلا، وبقي عليه النصف، فإن النصف تدفع ديته دية الحر والنصف الآخر تدفع ديته دية المملوك.
وقد روي عن يحيى بن كثير أنه قال: إن علي بن أبي طالب ومروان كانا يقولان في المكاتب: إنه يؤدي منه دية الحر بقدر ما أدى، وما رق منه دية العبد.
فقد سمى رسول الله ﷺ ما يؤدى في قتل العبد دية، وسماه دية أيضا علي بن أبي طالب، وهو حجة في اللغة، وإذا سمي دية، فالدية في قتل النفس خطأ على العاقلة، كما صح عن رسول الله ﷺ .
ج- اعتراف الجاني بالجناية:
إذا اعترف الجني بارتكابه الجناية، فإن أقر على نفسه بارتكابها، فإما أن تكون الجناية عمدا، أو شبه عمد، أو خطأ. فإن كانت عمدا أخذ بها وعوقب بعقوبتها: من قصاص أو دية أو غيرهما كما سبق توضيحه. وإن كانت شبه عمد فقد سبق أن أوضحنا خلاف الفقهاء في وجوب الدية في شبه العمد على العاقلة. وإن كانت الجناية خطأ وأقر بها الجاني ولم تثبت بالبينة ولم تصدقه العاقلة فهل تتحمل العاقلة الدية؟
стр. 428
اختلف الفقهاء في وجوب الدية على العاقلة إذا أقر الجاني بالجناية إلى أربعة أقوال:
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء "الحنفية والمالكية على المعتمد، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية، وهو قول ابن عباس والشعبي والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وسليمان من موسى، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق" أنه تجب الدية على الجاني المقر بالجناية في ماله ولا تحمل العاقلة معه شيئا.
الدليل: وقد استدلوا بالحديث المروي عن ابن عباس -الذي ذكرناه آنفا- ولأنه لو وجب عليهم دفع الدية لوجب بإقرار غيرهم عليهم، ولا يقبل إقرار شخص على غيره.
ولأن الجاني يتهم في هذا الإقرار، وموضع التهمة أنه قد يواطئ من يقر له بالجناية؛ ليأخذ الدية من عاقلته، فيقاسمه إياها١.
الرأي الثاني: قال أبو ثور، وابن عبد الحكيم: لا يلزم المقر شيء، ولا يصح إقراره؛ لأنه مقر على غيره، لا على نفسه؛ لأنه لما لم يثبت موجب إقراره -وهو تحمل العاقلة الدية- كان إقراره باطلا، كما لو أقر على غيره.
الرأي الثالث: يرى الظاهرية أن الاعتراف بالقتل الخطأ لا يلزم العاقلة تحمل الدية؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ، وكذلك لأن المقر بقتل الخطأ ليس مقرا على نفسه؛ لأن الدية فيما أقر به على العاقلة، لا عليه، وإذا كان غير مقر على نفسه، فيجب ألا يصدق على العاقلة، إلا أنه كان عدلا حلف أولياء
стр. 429
القتيل معه، واستحقوا الدية على العاقلة، فإن نكلوا فلا شيء لهم، فلو أقر اثنان عدلان بقتل خطأ، وجبت الدية على عواقلهما بلا يمين؛ لأنهما شاهدا عدل على العاقلة.
الرأي الرابع: يرى الطخيخي من المالكية١ أنه إن كان المقر بالقتل خطأ مأمونا ثقة، وليس بذي قرابة للمقتول، ولا صديقا ملاطفا له، ولم يهتم في إغناء ورثة مقتوله، ولا رشوة منهم على إقراره، فإن إقراره لوث يحلف بسببه أولياء المقتول خمسين يمينا، وتحمل الدية العاقلة، فيكون حمل العاقلة للدية سببه القسامة مع اللوث، لا لمجرد إقراره.
الترجيح: ونرى رجحان الرأي الأول، وهو رأي جمهور الفقهاء، وذلك لما يأتي:
١- أن موجب القول الثاني إهدار الاعتراف الصادر من شخص عاقل، مع أنه يجب صون كلام العقلاء عن العبث، ويترتب على إهدار إقراره عدم وجوب صون كلام العقلاء عن العبث، ويترتب على إهدار إقراره عدم وجوب دية المقتول على أحد، وعدم تسليمها إلى أهل المجني عليه، وفي هذا تعطيل لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ، وهذا الشخص قد قتل، واعتراف بالقتل، إلا أ Results
النوع الأول: الدية
القتيل معه، واستحقوا الدية على العاقلة، فإن نكلوا فلا شيء لهم، فلو أقر اثنان عدلان بقتل خطأ، وجبت الدية على عواقلهما بلا يمين؛ لأنهما شاهدا عدل على العاقلة.
الرأي الرابع: يرى الطخيخي من المالكية١ أنه إن كان المقر بالقتل خطأ مأمونا ثقة، وليس بذي قرابة للمقتول، ولا صديقا ملاطفا له، ولم يهتم في إغناء ورثة مقتوله، ولا رشوة منهم على إقراره، فإن إقراره لوث يحلف بسببه أولياء المقتول خمسين يمينا، وتحمل الدية العاقلة، فيكون حمل العاقلة للدية سببه القسامة مع اللوث، لا لمجرد إقراره.
الترجيح: ونرى رجحان الرأي الأول، وهو رأي جمهور الفقهاء، وذلك لما يأتي:
١- أن موجب القول الثاني إهدار الاعتراف الصادر من شخص عاقل، مع أنه يجب صون كلام العقلاء عن العبث، ويترتب على إهدار إقراره عدم وجوب صون كلام العقلاء عن العبث، ويترتب على إهدار إقراره عدم وجوب دية المقتول على أحد، وعدم تسليمها إلى أهل المجني عليه، وفي هذا تعطيل لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ، وهذا الشخص قد قتل، واعتراف بالقتل، إلا أنه لما كان متهما في هذا الإقرار كان موجب الجناية عليه هو، لا على العاقلة.
٢- أنه يقاس إقراره هنا على إقراره بإتلاف المال، ووجهه أنه إذا أقر على نفسه بإتلاف مال، أو بجناية لا تحمل العاقلة ديتها صح إقراره ولزمه ضمان ذلك، فكذلك يصح إقراره هنا قياسا عليه.
стр. 430
٣- ولأن محل الجناية مضمون، فيضمن إذا اعترف به كسائر المحال المضمون، وإنما سقطت عنه الدية في محل الوفاق "وهو حالة البينة" لتحمل العاقلة للدية بالنص، فإذا لم تتحملها وجبت عليه كجناية المرتد.
٤- وأما قول للظاهرية "وكذا قول الطخيخي": إنه غير مقر على نفسه فيجب ألا يصدق على العاقلة إلا أنه إذا كان عدلا حلف أولياء القتيل معه، واستحقوا الدية.
هذا القول لنا عليه اعتراضان؛ أولهما: أنه لا يمتنع عقلا أن يكون هناك تواطؤ وأنهم قد يحلفون كذبا، وثانيهما: أن المقر ليس مقرا على غيره، بل هو مقر على نفسه؛ إذ إنه حين يقر إنما يقر بما فعله هو، وهي الجناية، وأما وجوب الدية فهو أمر يرتبه المشرع الحكيم على أثر وقوع الجناية فيجعله إما على الجاني أو على العاقلة، وإذا كان مقرا على نفسه، فحينئذ يكون هو الملزم بما يترتب على إقراره من آثار.. وقد وردت الآثار المبينة لإلزامه بالدية وعدم إلزام العاقلة بها، وهذه الآثار يقويها أنها تتمشى مع القواعد العامة في ضمان إتلاف الأموال وغيرها من المحال المصونة كما ذكرنا آنفا.
إلا أن العاقلة إن صدقته في إقراره كانوا متحملين للدية؛ لأنه في هذه الحالة تنتفي التهمة ويبعد الشك.
د- الصلح عن الجناية:
إذا صالح الجاني ولي الدم على مال، فإما أن يصالحه عن دمه العمد، أو عن غيره، وقد نص الحديث المتقدم على أنه: "لا تحمل العاقلة عمدا ... ولا صلحا" فهل الصلح هو الصلح عن دم العمد، أم الصلح عن غير العمد؟ للفقهاء تفسيرات:
التفسير الأول: فسره القاضي ابن أبي يعلى الحنبلي بأن يصالح
стр. 431
الأولياء عن دم العمد إلى الدية، ويراجع ما نص عليه الحنفية والظاهرية والزيدية١.
التفسير الثاني: وقد فسر ابن عباس والزهري والشعبي والنووي والليث والشافعي والإمامية كون العاقلة لا تحمل الصلح، بأن يدعي عليه القتل فينكره ويصالح المدعى عليه المدعي على مال يدفعه إليه، فإن هذا المال المصالح عليه لا تحمله العاقلة؛ لأنه مال ثبت بمصالحته واختياره فلم تحمله العاقلة كالذي ثبت بإقراره واعترافه، ولأنه لو حملته العاقلة أدى إلى أن يصالح الشخص بمال غيره ويوجب على الغير حقا بقوله.
وقد رجح ابن قدامة المقدسي "الحنبلي" التفسير الثاني، قال: "إنه الأولى؛ لأن التفسير الأولى عمد فيستغنى عنه بذكر العمد"؛ أي: أنه يريد أن يقول: ما دام القتل عمدا فإن العمد لا تحمله العاقلة بنص الأثر: "لا تحمل العاقلة عمدًا ... " أي: لا تحمل ما وجب بالقتل العمد، وحينئذ فقوله: "ولا صلحا" تكون واردة في غير ذلك، وهو ما قلنا.
هـ- ما تحمله العاقلة من الدية:
لما كان الواجب بالجناية من الديات تارة يكون كل الدية، وأخرى يكون نصفها أو أقل أو أكثر حسب كون الجناية واقعة على النفس أو على ما دونها، فهل تتحمل العاقلة ما وجب من الدية قليلا كان أم كثيرًا أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك إلى أربعة آراء:
الرأي الأول: قال سعيد بن المسيب، وعطاء، ومالك، وإسحاق وعبد العزيز، وعمر بن أبي سلمة: لا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية.
الدليل: وقد استدلوا بما روي عن عمر ﵁ أنه قضى في الدية
стр. 432
ألا يحمل منها شيء حتى تبلغ عقل المأمومة.
ولأن مقتضى الأصل وجوب الضمان على الجاني؛ لأن الضمان موجب جنايته ويدل ما أتلفه، فكان عليه كسائر المتلفات والجنايات، وإنما خولف في الثلث فصاعدا تخفيفا عن الجاني؛ لكونه كثيرا يجحف به، وقد قال النبي ﷺ حينما سأله سعد بن أبي وقاص عما يوصي به: "الثلث والثلث كثير ... " ١، ففيما دونه يبقى على الأصل، ومقتضى الدليل.
فقد جعل النبي ﷺ الثلث كثيرًا، وإذا كان كثيرا فلا تتحمله العاقلة وتتحمل ما دونه.
الرأي الثاني: قال الزهري: إن العاقلة لا تحمل الثلث فما دونه.
الرأي الثالث: قال الثوري والحنفية والزيدية والإمامية على الأشهر: لا تحمل العاقلة أقل من نصف عشر الدية، وتتحمل نصف العشر فصاعدا.
وقد استدلوا بما يأتي٢:
١- بما روي عن ابن عباس ﵄ موقوفا ومرفوعا إلى رسول الله ﷺ : "لا تعقل العواقل عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا، ولا ما دون أرش الموضحة"، وأرش الموضحة نصف عشر بدل النفس.
стр. 433
٢- قد روى الإمامية أن الإمام محمد الباقر قال: قضى أمير المؤمنين ﵁ أنه لا يحمل على العاقلة إلا الموضحة فصاعدا.
٣- ولأن تحمل العاقلة للتحرز عن للإجحاف ولا إجحاف في القليل، وإنما هو الكثير، والتقدير الفاصل عرف بالسمع.
وهذا التحديد إنما يكون حينما تكون الجناية فيما دون النفس، فأما بدل النفس فتتحمله العاقلة، وإن كان الواجب على العاقلة أقل من نصف العشر، ألا ترى أن القتلة إذا كانوا مائة كانت الدية على عواقلهم، وإن كان نصيب كل واحد منهم مائة درهم؛ لأنها بدل النفس، وكذلك من قتل عبدا قيمته مائة وخمسون درهما، فإنه تتحمله العاقلة.
الرأي الرابع: نقل ابن قدامة المقدسي أن الصحيح عن الشافعي أن العاقلة تحمل الكثير والقليل؛ لأن من حمل الكثير حمل القليل كالجاني في العمد.
وقد يضاف إلى هذا أن الأدلة التي أثبتت تحمل العاقلة الدية عامة ولم تفصل.
الترجيح: ونرى رجحان الرأي الثالث؛ وذلك لما يأتي:
أولا: أن التقدير الذي اعتمد عليه الرأي الأول هو تقدير مبني على استنتاج من النص الوارد في الوصية، أخذ منه اعتبار الثلث كثيرا، وإذا كان كثيرا لا تتحمله العاقلة، وهذا الاستدلال قد يكون قويا إذا لم يرد أثر، وقد ورد هذا الأثر وهو ما روي عن ابن عباس بزيادة: "ولا ما دون أرش الموضحة"، وإن كان الأثر ضعيفا فقد قوي بأمرين؛ أولهما: ما روي عن الإمام محمد الباقر ﵁، وثانيهما: أنه يحقق المقصود من تحمل العاقلة الدية، وهو التخفيف عن الجاني؛ لأن الثلث -بنص الحديث- كثير.
стр. 434
ثانيا: أن النبي ﷺ قد ثبت عنه أنه: جعل الغرة في الجنين على العاقلة، وقيمة الغرة نصف عشر الدية١، وإذا ثبت هذا كان هو الحد الأدنى لما تتحمله العاقلة، وأما ما دونه، فإنها لا تتحمله؛ لأنه ليس فيه أرش مقدر.
عاقلة غير المسلم:
اتفق الفقهاء على أنه لا يعقل مسلم عن غير مسلم، ولا غير مسلم عن مسلم؛ وذلك لأنه لا موالاة بينهم ولا توارث، فلا مناصرة، وإذا كان الشأن كذلك، فهل تعقل عنه عاقلته؟ للفقهاء رأيان:
الرأي الأول: يرى الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة -على إحدى الروايتين- والزيدية: أنه تعقل عن غير المسلم عاقلته، كما تعقل عن المسلم عاقلته، إلا أنهم اختلفوا هل يعقل اليهودي عن النصراني والعكس؟ بهذا قال الحنفية -عدا أبي يوسف- والشافعية؛ لأن الكفر كله ملة واحدة. وقال أبو يوسف والمالكية ورأي ثان في مذهب الشافعية والحنابلة: لا يعقل أحدهما عن الآخر؛ نظرا لوجود عداوة بين الاثنين بها ينقطع التناصر.
الرأي الثاني: يرى الإمامية -ورواية في مذهب الحنابلة- أن غير المسلمين لا يتعاقلون؛ لأن المعاقلة تثبت في حق المسلم على خلاف الأصل تخفيفا عنه ومعونة له فلا يلحق به غير المسلم، إذا كانوا لا يتعاقلون فإن الجاني يدفع الدية، فإن عجز فالإمام٢
الترجيح: الذي نراه راجحا هو رأي جمهور الفقهاء؛ لأنهم إذا قبلوا عقد الذمة كان لهم ما لنا وعليهم ما علينا، كما قال الرسول ﷺ وإذا ثبت حق المواساة والمعونة للمسلم على المسلم ثبت هذا الحق أيضا لغير المسلم على غير المسلم، كما ثبت حق التوارث بين كل٣.
стр. 435
النوع الثاني: الكفارة:
الكفارة لغة: الكفارة على وزن فعالة "بتشديد العين" مأخوذة من الكَفر "بفتح الكاف" بمعنى التغطية والستر، وكل شيء غطى شيئا فقد كفره؛ أي: ستره.
الكفارة اصطلاحا: هي ما أوجب الشرع فعله بسب حنث في يمين أو ظهار أو قتل ...
والمعنى اللغوي متحقق في المعنى الاصطلاحي؛ لأنها شعرت تكفيرا للذنب، وسترا له كما أنها قربة، تقرب الإنسان من ربه، فتعتبر بمثابة التوبة إلا أنها توبة بفعل معين، وقد حدد المشرع الأفعال التي تؤدى بها، فهي عقوبة فيها معنى العبادة، وهي حق من حقوق الله تعالى١.
стр. 436
ونوضح حقيقة هذا النوع من العقوبة في أربعة مسائل: الأولى: من يتحمل الكفارة، الثانية: شروط وجوبها، الثالثة: وجوبها على كل المشاركين في القتل، الرابعة: نوع الكفارة.
المسألة الأولى: من يتحمل الكفارة:
اتفق الفقهاء على أن الكفارة تجب في مال القاتل، وقد استدلوا بما يأتي:
١- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية.
٢- ولأن القاتل قد سلمت له الحياة في الدنيا، وهي من أعظم النعم ورفعت عنه المؤاخذة في الآخرة، مع جواز المؤاخذة؛ وذلك لأنه كان في وسع الخاطئ في الجملة حفظ نفسه عن الوقوع في الخطأ، وهذا أيضا نعمة فكان وجوب الشكر لهذه النعمة موافقا للعقل، فبين الله تعالى مقداره وجنسه بهذه الآية؛ ليقدر العبد على أداء ما وجب عليه من أصل الشكر بتعضيد العقل.
٣- ولأن فعل الخطأ جناية، ولله تعالى المؤاخذة عليه بطريق العدل؛ لأنه مقدور الامتناع عن الوقوع فيه بالتكلف والجهد، وإذا كان جناية فلا بد لها من التكفير والتوبة، فجعلت الكفارة توبة عن القتل الخطأ بمنزلة التوبة الحقيقة في غيره من الجنايات، إلا أنه جعل التحرير أو الصوم توبة له دون التوبة الحقيقة لخفة الجناية بسبب الخطأ؛ إذ الخطأ معفو في الجملة، وجائز العفو عن هذا النوع، فخفت توبته لخفة في الجناية، فكان تحرير الرقبة في هذه الجناية بمنزلة التوبة في سائر الجنايات.
стр. 437
المسألة الثانية: شروط وجوب الكفارة:
لإيجاب الكفارة على القاتل شروط، بعضها يرجع إلى القاتل، وبعضها يرجع إلى المقتول، وثالثها يرجع إلى الفعل القاتل، ونوضح كل هذا فيما يأتي:
أولا: الشروط التي يلزم توافرها في القاتل:
اختلف الفقهاء في الشروط التي يلزم توافرها في القاتل حتى يجب عليه أداء الكفارة، ونورد هذه الشروط مشفوعة بآراء الفقهاء:
١- اشتراط التكليف "البلوغ والعقل":
اختلف الفقهاء في اشتراط أن يكون القاتل بالغا عاقلا حتى تجب عليه الكفارة إلى رأيين:
أولهما: يرى الحنفية والزيدية: أنه يشترط لإيجاب الكفارة على القاتل خطأ أن يكون بالغا عاقلا، فلا تجب على الصبي والمجنون؛ لأن الكفارة عبادة، والصبي والمجنون لا يخاطبان بالشرائع أصلا، فلا تجب الكفارة عليهما كما لا تجب الصلاة والصيام.
ثانيهما: يرى المالكية والشافعية والحنابلة والإمامية: أنه لا يشترط بلوغ القاتل أو عقله، فتجب الكفارة على القاتل صبيا كان أم مجنونا؛ لأن الكفارة حق مالي يتعلق بالقتل، وقد وجد القتل منهما فتتعلق بهما، كما تعلقت الدية.
وقد أجابوا عن أدلة الرأي الأول بأن الكفارة تفارق الصلاة والصيام؛ لأن الصلاة والصيام عبادتان بدنيتان، والكفارة عبادة مالية،
стр. 438
فأشتبهت نفقات الأقارب، ونفقات الأقارب تجب على الصبي والمجنون، كذا الكفارة.
وكذلك كفارة اليمين تفارق كفارة القتل؛ لأن كفارة اليمين لا تجب على الصبي والمجنون؛ لأنها تتعلق بالقول، ولا قول لهما، وكفارة القتل تتعلق بالفعل، وفعلهما متحقق، وقد أوجب الضمان عليهما ويتعلق بالفعل لا يتعلق بالقول١.
ب- اشتراط إسلام القاتل:
اختلف الفقهاء في اشتراط إسلام القاتل في وجوب الكفارة عليه إلى رأيين:
أولهما: يرى الحنفية والمالكية والزيدية: أنه يشترط إسلام القاتل في إيجاب الكفارة؛ لأن غير المسلم غير مخاطب بشرائع هي عبادات، والكفارة عبادة، فلا يخاطب بها، ولأن الكفارة قربة، وهو ليس من أهل القرب.
وثانيهما: يرى الشافعية والحنابلة والإمامية: أنه لا يشترط إسلام القاتل في إيجاب الكفارة، فإن كان القاتل غير مسلم لزمته الكفارة، كما تلزمه الدية؛ لأنه ما دام في أرض دار الإسلام فإنه ملتزم بأحكام هذه الدار، ومن أحكامها أن تلزم الكفارة القاتل، فتجب عليه.
ولما كانت الكفارة كما هو في نص الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا
стр. 439
خَطَأً ... ﴾ هي تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن القائلين بإيجابها على غير المسلم يواجهون أمرين؛ أولهما: كيف يتصور أن يعتق رقبة مسلمة؟ وقد أجاب الشافعية عن هذا بأنه يتصور إعتاق عبد مسلم في صور؛ منها: أن يسلم العبد في ملكه، أو يرثه، أو يقول لمسلم: أعتق عبدك عن كفارتي، فإنه يصح على الأصح، وإن لم يتيسر له إعتاق عبد مسلم فهل يصوم؟ وهذا هو الأمر الثاني: قال القاضي الحسين: لا يكفر بالصوم؛ لأنه ليس من أهله.
ج- اشتراط حرية القاتل:
اختلف الفقهاء أيضا في اشتراط حرية القاتل في وجوب الكفارة إلى رأيين أيضا:
أولهما: يرى المالكية: أنه يشترط حرية القاتل لإيجاب الكفارة عليه؛ ذلك لأن العبد لا يصح عتقه، والكفارة إعتاق رقبة مؤمنة ...
ثانيهما: يرى الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية: أنه لا يشترط لإيجاب الكفارة كون القاتل حرا؛ بل تجب وإن كان عبدا؛ لأن موجب الجناية التي يرتكبها العبد يتعلق به؛ إذ لو كان موجبها القصاص أو الضمان فإنهما يتعلقان به، فكذلك تتعلق الكفارة به.
ولما كان النوع الأول من الكفارة وهو الإعتاق لا يتمكن منه العبد -لعدم مالكيته أو قصور يده عن التملك؛ لأنه وما ملكت يداه لسيده- لذلك قالوا: إنه يكفر بالصوم.
الترجيح: والذي أرجحه هو عدم اشتراط كون القاتل عاقلا بالغا، مسلمًا، حرًّا، بل كل من قتل وجبت عليه الكفارة، كما وجبت الدية؛ لما يأتي:
стр. 440
١- لأن الدية تجب في جميع هذه الأحوال سواء كان القاتل بالغا عاقلا أم لم يكن، مسلما أم معاهدا، حرا أم غير حر، وقد جمعت الآية الكريمة بين الدية والكفارة، وجعلتهما موجب هذه الجناية، فلا نملك إسقاط أي عقوبة منهما باشتراط هذه الشروط.
٢- أنه وإن كان في الكفارة معنى العبادة، ففيها أيضا معنى العقوبة، ومعنى العقوبة يظهر لنا ويرجح أثناء عدم ظهور معنى العبادة كوسيلة للتنبيه والتحذير من الوقوع في مثل هذا العمل مرة أخرى.
وهي أيضا حق مالي يجب بنفس الفعل، وإذا كان حقا ماليا أمكن أن نتصور تحمل الصبي والمجنون إياه كالنفقات.
وعلى هذا فكل من قتل وجبت عليه الكفارة، فإن أمكن أداؤها بالعتق كان العتق، وإلا كان بالصيام، وسنتناول ما تؤدَّى به الكفارة في المسألة الرابعة.
ثانيا: الشروط التي تشترط في المقتول:
هذا النوع من الشروط منه ما اتفق عليه ومنه ما اختلف فيه، ونوضح هذه الشروط:
أ- اشتراط عصمة المقتول:
اتفق الفقهاء "الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة١" على أنه يشترط إيجاب الكفارة على القاتل خطأ أن يكون المقتول معصوما، فلو قتل شخص إنسانا غير معصوم الدم، والعصمة تكون بالإسلام٢، أو بدار الإسلام
стр. 441
وبألا يقترف الإنسان جرما يستحق عليه القتل، كما لو قتل مرتدا، أو زنديقا، أو حربيا، أو باغيا، أو صائلا، أو زانيا محصنا، أو مستحق القصاص بالنسبة لولي الدم، فإن هؤلاء جميعا دمهم مباح، فلا تجب بقتل أحد منهم كفارة؛ لأن قتلهم مأمور به من المشرع الحكيم؛ نظرا لما ارتكبوه من جرائم، والكفارة لا تجب لمحو المأمور به.
ب- اشتراط إسلام المقتول:
اختلف الفقهاء في اشتراط كون المقتول مسلما لإيجاب الكفارة على القاتل على رأيين:
أولهما: يرى المالكية والإمامية وهو قول الحسن: أنه يشترط لإيجاب الكفارة على القاتل كون المقتول مسلما، ودليلهم أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ فمفهومه أنه لا كفارة في غير المؤمن.
ثانيهما: يرى الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية: أنه لا يشترط في إيجاب الكفارة على القاتل كون المقتول مسلما، بل تجب الكفارة على القاتل، مسلما كان المقتول أو معاهدا، ذميا أم مستأمنا.
وقد استدلوا بما يأتي:
١- قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... ﴾ الآية١، والمعاهد -ذميا كان أم مستأمنا- له ميثاق، وبمنطوق الآية يكون على قاتله الدية والكفارة، وهذا المنطوق يقدم
стр. 442
على مفهوم قوله تعالى في صدر الآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ .
٢- أن المقتول آدمي قتل ظلما، فوجبت الكفارة بقتله كالمسلم.
الترجيح: وأرى رجحان الرأي الثاني؛ لما ذكر من أدلة.
ج- اشتراط حرية المقتول:
إذا قتل شخص إنسانا حرا وجبت الكفارة عليه إذا توافرت الشروط الأخرى، وذلك باتفاق الفقهاء، أما إذا قتل عبدا، فهل تجب في قتله الكفارة سواء كان عبد غيره أم عبد نفسه؟ اختلف الفقهاء في إيجابها إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: يرى المالكية: أنه إذا قتل الحر المسلم رقيقا مملوكا لنفسه أو لغيره فإنه يندب له دفع الكفارة.
الرأي الثاني: يرى الشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية: أنه يجب على من قتل عبدا لنفسه أو لغيره دفع الكفارة، وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ من غير فصل بين حر وعبد.
الرأي الثالث: يرى الحنفية: أنه لو قتل عبد غيره خطأ وجب عليه إخراج الكفارة لعموم الآية، وأما إن قتل عبد نفسه فجنايته هدر١.
الترجيح: وأرى رجحان الرأي الثاني؛ لأنه قاتل نفس خطأ، وعلى قاتل النفس بنص الآية الكفارة، ولم تفصل الآية بين كون المقتول حرا أم عبدا، عبدا لنفسه أم عبدا لغيره.
стр. 443
د- اشتراط كون المقتول ظاهر الحياة:
اختلف الفقهاء في إيجاب الكفارة على من ضرب امرأة فألقت جنينا ميتا إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية والزيدية: أنه لا تجب الكفارة على من ضرب امرأة فألقت جنينا ميتا؛ وذلك لأن النبي ﷺ لم يوجب الكفارة حين أوجب الغرة في المرأة التي ألقت جنينا١، ولأن الكفارة فيها معنى العقوبة؛ لأنها شرعت زاجرة، وفيها معنى العبادة؛ لأنها تتأدى بالصوم، وقد عرف وجوبها في النفوس المطلقة فلا يتعداها إلى ما لا يعتبر نفسا كاملة، بدليل أنه لا تجب فيه الدية، وإنما تجب فيه غرة؛ لأن العقوبة لا يجري فيها القياس، إلا أنه إذا تبرع بالكفارة كان أفضل له ويستغفر ربه مما صنع؛ لأنه ارتكب محظورا يستدعي التقرب إلى الله تعالى.
الرأي الثاني: يرى المالكية: أنه يندب لقاتل الجنين أن يؤدي الكفارة.
الرأي الثالث: يرى الحسن، وعطاء، والزهري، والحكم، والشافعية، والحنابلة، والإمامية: أنه تجب الكفارة في قتل الجنين كما تجب الغرة، قد استدلوا على ذلك بما يأتي:
١- قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً ... ﴾ الآية، وهذا الجنين إن كان من قوم مؤمنين، أو كان أحد أبويه مؤمنا، فهو محكوم بإيمانه تبعا، يرثه ورثته المؤمنون ولا يرث الكافر منه شيئا، وإن كان من أهل الذمة فهو من قوم بيننا وبينهم ميثاق، وفي قتل أي من هؤلاء الكفارة، فكذلك في قتل هذا الجنين الكفارة.
стр. 444
٢- ولأنه نفس مضمونة بالدية "الغرة" فوجبت في قتلها الكفارة كالكبير.
الرد على أدلة الرأي الأول: وقد ردوا على ما استدل به أصحاب الرأي الأول بأن ترك النبي ﷺ ذكر الكفارة لا يمنع وجوبها؛ لأنه ﷺ قال: "في النفس مائة من الإبل" ١، فذكر الدية في مواضع ولم يذكر الكفارة ... وإنما لم يذكرها لأن الآية أغنت عن ذكر الكفارة فاكتفى بها.
٣- كما ذكر الشافعية أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى بإيجاب الكفارة في قتل الجنين٢.
الترجيح: والرأي الثاني هو الذي أراه راجحا؛ للأدلة التي ذكرت له، ولأن الكفارة وجبت بدلا عن تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإن كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة، والتصرف فيما حل له تصرف الأحياء، وكان لله سبحانه فيه حق، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من اسم العبودية -صغيرا كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو ذميا- ما يتميز به عن البهائم والدواب، ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا، والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ضمن القاتل الكفارة.
هـ- اشتراط وقوع الجناية على نفس الغير:
رأينا فيما تقدم أن الفقهاء تناولوا بالبحث الجناية إذا وقعت على نفس الغير، أما إذا وقعت من الإنسان على نفسه، فسيأتي بحث ذلك في موضعه.
стр. 445
ثالثا: ما يشترط في الفعل القاتل:
سبق أن بحثنا موجب القتل العمد وشبه العمد، وبينا آراء الفقهاء في إيجاب الكفارة في هذين النوعين من الجناية، ونبين هنا آراءهم في القتل الخطأ، ولما كان للفقهاء تقسيمات لهذا النوع من الجناية -كما سبق أن أوضحنا- وهي: الخطأ المحض، وما جرى مجرى الخطأ، والقتل بسبب، والأولان يعتبران من القتل بالمباشرة، وأما الأخير فيعتبر قتلا بواسطة، وليس قتلا بالمباشرة؛ لذلك رأينا الفقهاء يختلفون في إيجاب الكفارة في النوع الأخير إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية والزيدية والإمامية: أنه تجب الكفارة إذا تم القتل بالمباشرة كما في الخطأ المحض، وما جرى مجراه، كالنائم ينقلب على غيره، أما القتل بالتسبيب، كحفر البئر في غير ملكه فلا تجب عليه الكفارة؛ لأن الكفارة تجب بالقتل، والقتل معدوم منه حقيقة؛ لأن الحفر ليس بقتل أصلا، وإذا كان كذلك فلا يترتب عليه دية ولا كفارة ولا حرمان من الميراث؛ إلا أنه ألحق بالقتل في حق الضمان "الدية" على خلاف القياس؛ صيانة للدماء عن الهدر، فيبقى في حق وجوب الكفارة والحرمان من الميراث على الأصل١.
الرأي الثاني: يرى المالكية والشافعية والحنابلة: أنه تجب الكفارة في القتل الخطأ، سواء كان بالمباشرة أم بالتسبيب، وذلك قياسا لها على الضمان، فكما أنه يجب الضمان بكليهما، كذلك تجب الكفارة، ولأن هذا الفعل
стр. 446
القاتل سبب لإتلاف الآدمي، وهذا السبب تعلق به ضمانه فتعلقت به الكفارة.
وكذلك قالوا: إن القتل بسبب تجب به الكفارة وذلك كما في المكره، فإنه إذا أكره إنسانا على قتل فإن الكفارة تجب عليه من غير مباشرة، وكذلك من أمر من لا يميز بأن يقتل إنسانا فقتله، كانت على الآمر الكفارة، وكذا لو شهد اثنان زورا على إنسان بأنه قتل عمدا، فاقتص منه، فإن الشهود تلزمهم الكفارة.
الترجيح: ونرى رجحان الرأي الثاني؛ لما ذكروه من أدلة، وأيضا فإن السبب الذي أدى إلى القتل هو فعل غير مشروع قام به الجاني خطأ؛ إذ حفره في غير ملكه يشكل تعديا على حق الناس في المرور سالمين، ومن هنا فإن موقفه لا يقل عن النائم ينقلب على غيره، بل يزيد، وقد قالوافي هذه الحالة: إنه تجب الكفارة فكذلك تلك، وقد سبق أن رجحنا أنه لا فرق بين القتل مباشرة أو تسبيبا في إيجاب القصاص وسائر العقوبات المقدرة للجناية عمدا، فكذلك هنا في القتل الخطأ لا نفرق بين الحالتين فتجب الكفارة في القتل مباشرة وتسبيبا١.
المسألة الثالثة: وجوبها على كل من اشترك في القتل خطأ:
إذا اشترك جماعة في قتل شخص خطأ، فهل يلزم كل واحد منهم كفارة، أو يشتركون في كفارة واحدة؟ للفقهاء رأيان:
стр. 447
الرأي الأول: يرى أكثر أهل العلم "ومنهم الحسن وعكرمة، والنخعي والحارث العكلي، والثوري، والحنفية، والمالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة": أنه يلزم كل واحد منهم كفارة؛ لأن الكفارة لا تتبعض، وهي من موجب قتل الآدمي، فكملت في حق كل واحد من المشتركين كالقصاص.
الرأي الثاني: يرى أبو ثور، والأوزاعي فيما حكي عنه، وعلى الصحيح في مذهب الشافعية، ورواية حكاها أبو الخطاب عن الإمام أحمد: أن على الجميع كفارة واحدة؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ و"من" يتناول الواحد والجماعة، ولم يوجب النص إلا كفارة واحدة ودية واحدة، والدية لا تتعدد فكذلك الكفارة، ولأنها كفارة قتل، فلم تتعدد بتعدد القاتلين مع اتحاد المقتول، ككفارة الصيد في الحرم.
وقد أجيب عن أدلة الرأي الثاني بما يأتي:
١- لا يصح قياس الكفارة على الدية في التبعيض؛ لأن الدية بدل عن النفس، وهي واحدة، والكفارة لتكفير القتل، وكل واحد قاتل، ولأن في الكفارة معنى العبادة، والعبادة الواجبة على الجماعة لا تتبعض، فلا تتبعض الكفارة.
٢- وأيضا فإن الكفارة هنا تخالف كفارة الصيد، فإن كفارة الصيد تجب بدلا عن الصيد؛ ولهذا تجب في أبعاضه.
وقد وضح من هذا رجحان هذا الرأي وبخاصة أن الكفارة هي لجبر ما قد يقع الإنسان فيه من تقصير، وما يترتب عليه من ذنب وإثم، وأنها وسيلة إلى إصلاح عَلاقة الإنسان بربه، ومثل ذلك يحرص عليه.
стр. 448
المسألة الرابعة: ما تؤدى به الكفارة:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... ﴾ فقد نصت الآية على أن الكفارة هي تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
إلا أنه يبقى بعد هذا أن نتساءل عن الحكم فيما إذا لم يستطع تحرير رقبة مؤمنة، ولم يستطع صيام شهرين متتابعين؟
اختلف الفقهاء في الحكم في هذه الحالة إلى رأيين:
الرأي الأول: يرى الحنفية والمالكية، والأظهر في مذهب الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة، والزيدية والإمامية: أنه يثبت الصيام في ذمته، ولا يجب الإطعام كما يجب في كفارة الظهار؛ لأن الله تعالى لم يذكره، ولو وجب لذكره، ولأنه من المقادير، والمقادير لا تعرف إلا سماعا، ولأن المذكور كل الواجب؛ لوقوع الفاء في الجواب، أو لكونه كل المذكور.
الرأي الثاني: روي عن الإمام أحمد "رواية أخرى" والشافعية "في الظاهر": أنه يطعم ستين مسكينا ككفارة الظهار والفطر في رمضان، وهذا التقدير وإن لم يكن في هذه الآية التي بينت عقوبة القتل خطأ فقد ذكر ذلك في نظيره، وهوكفارتا الظهار والفطر في رمضان، فيقاس هذا عليهما.
وعلى هذا الرأي إن عجز عن الإطعام أيضا ثبت الإطعام في ذمته حتى يقدر عليه١.
الترجيح: ونرجح الأخذ بالرأي الثاني أخذا بالقياس على كفارتي الظهار والفطر في رمضان؛ لأن في الأخذ به تحقيق المعنى المقصود من شرعية الكفارة، فحيث يتعذر الإعتاق، ويتعذر الصيام، لأي سبب كان من الأسباب المعتد بها شرعا، فحينئذ إما أن تسقط هذه العقوبة، وفي هذا بعد عما قصده المشرع الحكيم من تطبيقها، وإما أن نقيسها على الكفارات الأخرى، وقد نص فيها على أنه إن لم يتمكن فإطعام ستين مسكينا، وحينئذ تنفيذ عليه العقوبة بصورة اعتد بها المشرع الحكيم في جبر جرم آخر ارتكب، خاصة وأن القول بذلك يؤدي إلى إمكان أن يتحمل غير المسلم الكفارة، على الرأي الذي رجحناه فيما تقدم؛ حيث إنه قد لا يتيسر له إعتاق رقبة مؤمنة، ولا يتأتى منه الصيام، فيمكن حينئذ أن نوجب عليه الإطعام كعقوبة مالية، حتى تصبح العقوبة واحدة بالنسبة للجميع.. ويكون من الممكن أداؤها.
стр. 449
النوع الثالث: الحرمان من الميراث:
يترك المقتول للورثة شيئين؛ أولهما: المال الذي يملكه حتى موته، وثانيهما: ديته التي تؤخذ من القاتل ومن عاقلته، فهل القاتل خطأ يحرم من ميراث كليهما، أو من ميراث أحدهما، أو لا يحرم؟ للفقهاء ثلاثة آراء:
أحدها: يرى الإمامية "في رأي مرجوح": أن القاتل خطأ يرث مطلقا من المال ومن الدية، واستدلوا بما روي عن عبد الله بن سنان عن جعفر الصادق ﵁ في رجل قتل أمه: أيرثها؟ قال: إن كان خطأ ورثها، وإن كان عمدا لم يرثها، وقالوا: إن ترك التفصيل دليل العموم فيما تركه مطلقا ومما تركه الدية، فتورث الدية كما يورث المال إن كان للقتل خطأ.
стр. 450
إلا أن ما استدلوا به هو أثر عن جعفر الصادق ﵁ وهو لا يعارض الأحاديث الصحيحة والواردة في الباب، والتي سيأتي ذكرها في الرأي الثاني والثالث.
الثاني: يرى المالكية، والنخعي، والزيدية، والإمامية على أظهر الأقوال: أن القتل الخطأ لا يمنع القاتل من ميراث مال المقتول، ولكن يمنعه من أن يرث من ديته، وقد استدلوا بما يأتي:
١- روي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته يوم فتح مكة: "لا توارث بين أهل ملتين مختلفتين، والمرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا، فإن قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ماله ولا من ديته، وإن قتله خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته" رواه الدارقطني من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص١.
وقال الإمامية: إن هذا القول جامع بين النصين، ولأن الدية يجب على القاتل دفعها إلى الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ .
فلو قلنا: إنه يرث من الدية، فحينئذ لا تدفع الدية كاملة إلى أهله؛ حيث إنه سيستحق بعض الدية باعتباره وارثا، فيدفع إلى الورثة نصيبهم، ويدفع إلى نفسه نصيبه ودفع القاتل إلى نفسه لا يعقل؛ إذ إنه يؤدي إلى أن توجب الجناية دفع شيء إلى الجاني، والمعقول أن توجب دفع شيء إلى المجني عليه٢.
الرأي الثالث: يرى الحنفية "مع مراعاة أن الحنفية يجعلون القتل بسبب
стр. 451
غير مانع من الميراث وسيأتي "إيضاحه" والشافعية.. ورأي مرجوح للإمامية وهو قول أكثر أهل العلم: أنه لا يرث العاقل خطأ من ميراث مقتوله ولا من ديته.
وقد استدلوا بأحاديث وآثار بعضها عام في الدلالة على حرمان القاتل من الميراث، وبعضها خاص بالجناية خطأ.
أما الأول: فمنها ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يرث القاتل شيئا" رواه أبو داود١.
وما روي عن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه سلم يقول: "ليس لقاتل ميراث" رواه مالك في الموطأ وأحمد وابن ماجه٢.
فهذان الحديثان يدلان على حرمان القاتل من الميراث مطلقا عمدا كان القتل أم خطأ، كان الميراث مال المقتول أم ديته.
стр. 452
وأما الثاني:
١- فما روي عن عمر بن شيبة بن أبي كثير الأشجعي -عند الطبراني في قصة- أنه قتل امرأته خطأ فقال ﷺ : "اعقلها ولا ترثها".
٢- وما روي عن عدي الجزامي -نحو الحديث المتقدم- أخرجه الخطابي، ولفظه في سنن البيهقي: أن عديا كانت له امرأتان اقتتلتا فرمى إحداهما، فماتت، فلما قدم الرسول ﷺ أتاه فذكر له ذلك فقال له: "اعقلها ولا ترثها".
٣- وأخرج البيهقي أيضا أن رجلا رمى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك فأراد نصيبه من ميراثها فقال له إخوته: لا حق لك، فارتفعوا إلى علي ﵁ فقال له: حقك من ميراثها الحجر، وأغرمه الدية، ولم يعطه من ميراثها شيئا.
وأخرج البيهقي أيضا عن جابر بن زيد أنه قال: "أيما رجل قتل رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث له منها، وأيما امرأة قتلت رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث لها منهما".
وقد قضى بذلك عمر بن الخطاب وعلي وشريح وغيرهم من قضاة المسلمين.
وقالوا أيضا: إن جناية قتل المورث تضمنت تهمة استعجال القاتل ميراث مقتوله، والقتل الخطأ يتضمن هذا؛ لاحتمال أنه قصد قتله إلا أنه أظهر الخطأ من نفسه، فالتهمة موجودة؛ لأن الفرق بين العمد والخطأ إنما هو في قصد القتل وعدمه، والقصد أمر باطني لا اطلاع لأحد عليه، وإنما يستدل بالقرائن، وقد يقصد الوارث قتل المورث، وخوفا من موجب القتل
стр. 453
العمد يحكم جنايته إحكاما تاما؛ بحيث تظهر في صورة الخطأ، فالتهمة في القتل الخطأ موجودة.
اختلافهم في القتل بسبب:
سبق أن بينا أن القتل الخطأ وما يأخذ حكمه أنواع، فالخطأ إما خطأ في القصد أو في الفعل أو فيهما، وما يأخذ حكمه، هو ما جرى مجرى الخطأ، كالنائم يتقلب على غيره فيقتله، وكذا القتل بسبب كحفر بئر في الطريق أو إلقاء حجر، والقتل في الأوليين تم بالمباشرة، وفي الأخير تم بالتسبيب.
ولقد اتفق هؤلاء الفقهاء -أصحاب الرأي الثالث- على أن القتل بالمباشرة يمنع من الميراث، واختلف الحنفية مع الشافعية في كون القتل بالتسبيب مانعا من الميراث، فقال الشافعية: إنه يمنع من الميراث كالقتل بالمباشرة.
وقال الحنفية: إنه غير مانع من الميراث؛ وذلك أن حرمان الميراث يتعلق بالقتل حقيقة، والتسبيب ليس قتلا حقيقة؛ لأن القتل ما يحل في الحي فيؤثر في إزهاق الروح، والتسبيب ليس كذلك؛ لأنه فعل في غيره تعدى أثره إلى هذا الإنسان الحي، كما أوقد نارا في داره فأحرق دار جاره فإنه لا ضمان عليه.
فالمتسبب ليس بقاتل حقيقة ولا متهم؛ لأنه لا يعلم أن مورثه يقع في البئر، وهو متهم في الخطأ وما جرى مجراه لاحتمال أنه قصد ذلك في الباطن١، فيمنع الميراث فيما ترد فيه التهمة لا يمنعه فيما لا ترد فيه التهمة.
стр. 454
ما أخذ به قانون المواريث المصري:
نص قانون المواريث المصري رقم ٧٧ لسنة ١٩٤٣م في المادة الخامسة على أنه "من موانع الإرث قتل المورث عمدا، سواء أكان للقاتل فاعلا أصليا أم شريكا أم كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام وتنفيذه، إذا كان القتل بلا حق ولا عذر، وكان القاتل عاقلا بالغا من العمر خمس عشرة سنة، وبعد من الأعذار تجاوز حق الدفاع الشرعي".
ومن هنا يتبين لنا أن القانون مأخوذ من الرأي الأول الذي يجعل القاتل خطأ يرث مطلقا من مال المقتول أو من ديته؛ لأنه لم يجعل القتل الخطأ مانعا من ميراث أي منهما.
نظرة على عقوبة القتلى الخطأ في الفقه الإسلامي:
رأينا فيما تقدم أن عقوبة القتل الخطأ في الفقه الإسلامي جمعت بين الدية التي تدفع لورثة المقتول وهي حق من حقوق العباد -على الطريق الذي فصلناه -وبين الكفارة، وهي حق من حقق الله تعالى، وبين الحرمان من الميراث "أو الوصية" على الخلاف الذي تقدم- وهو حق من حقوق الله تعالى أيضا، ولا يأبى الفقه الإسلامي العقوبة التعزيرية إذا وجدت دواع راجحة لتوقيعها على المرتكب جناية خطأ، حتى يتخذ الجاني من وسائل الحيطة والحذر ما يجنبه ويجنب غيره الوقوع في مثل ذلك.
стр. 455
موقف قانون العقوبات من القتل خطأ:
نص قانون العقوبات المصري في المادة ٢٣٨ على أن: "من تسبب خطأ في موت شخص بأن كان ذلك ناشئا عن إهماله، أو رعونته، أو عدم احتراسه، أو عدم مراعاته القوانين والمقررات واللوائح والأنظمة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر بغرامة لا تقل عن عشرين جنيها ولا تجاوز مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وتكون عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ست سنين، وغرامة لا تقل عن خمسين جنيها ولا تجاوز أربعمائة جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا وقعت الجريمة نتيجة إخلال الجاني بما تفرضه عليه أصول مهنته أو حرفته، أو كان عند ارتكابه الخطأ الذي نجم عنه الحادث متعاطيا عقاقير مخدرة أيا كان نوعها، أو كان في حالة سكر بين، أو لم يقدم المساعدة وقت الحاديث لمن وقعت عليه الجريمة، أو لم يطلب هذه المساعدة مع تمكنه من ذلك.
وتكون العقوبة الأشغال الشاقة لمدة لا تزيد على خمس سنين إذا نشأ عن الخطأ وفاة أكثر من خمسة أشخاص.
فإذا توافر ظرف آخر من الظروف المشددة الواردة في الفقرة الثانية تكون العقوبة بالأشغال الشاقة المؤقتة".
ومن هذا النص يتقين لنا أن قانون العقوبات جعل عقوبة القتل خطأ عقوبة تعزيرية، سواء تمت بالحبس أو بالأشغال الشاقة أو بالغرامة، وهذا النوع من العقوبة سبق أن بينا أنه نوع من العقوبات التعزيرية في الفقه الإسلامي الذي يترك أمر تقديرها لاجتهاد الحاكم أو من يقوم مقامه.
ونضيف إلى ذلك أنه بجانب هذه العقوبة التي قررها قانون العقوبات
стр. 456
نصت المادة ٥٢٤ من القانون المدني على أنه: "كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض".
وقد سبق أن ناقشنا الفرق بين التعويض الذي يقرره القانون وبين الدية التي تفرضها الشريعة، وبينا الآثار العميقة للفرد والمجتمع في الأخذ بالشريعة، وآثار ذلك على منع الجريمة، فضلا عن عدم ضياع دية المقتول عند إعسار القاتل أو عاقلته أو موته.
العقوبة الدنيوية لقاتل نفسه "عمدا، أو شبه عمد، أو خطأ":
بينا فيما تقدم عقوبة قاتل غيره عمدا أو شبه عمد أو خطأ، ونبين هنا العقوبة الدنيوية لقاتل نفسه كذلك. أما العقوبة الأخروية له فقد سبق أن بيناها عند بيان هذه العقوبة لقاتل غيره، والباحث في الفقه الإسلامي يجد أن عقوبته تدور بين أمرين لا ثالث لها؛ هما: الدية والكفارة، أما القصاص والتعزير فلا يتأتى تطبيق شيء منهما لفوات محل تطبيق العقوبة البدنية، ولا يراد الحرمان من الميراث بداهة، ونبين آراء الفقهاء في إيجاب الدية والكفارة في الجنايات الثلاث:
أولا: أما إن قتل نفسه عمدا فقد اتفق الفقهاء على أنه لا تجب عليه دية لا في ماله ولا على عاقلته، أما أنه لا تجب عليه دية فلأنه لا معنى لإيجابها في ماله، ثم ردها إلى ورثته؛ لأنه على كلا الحالتين المال كله مآله إلى الورثة فإيجابها في هذا المال لا معنى له، ولا يحقق فائدة، وما كان على هذه المثابة فإنه لا يشرع، ثم إن الدية إنما تجب بدلا عن القصاص الواجب، فهي عوض عن إيحاء النفس، والنفس هنا قد فاتت وذهبت بفعل صاحبها ظاهرا فلا تجب الدية، وأما أنها لا تجب على العاقلة فلأن العاقلة لا تحمل عمدا
стр. 457
بنص الحديث "كما تقدم"، ولأنه لا عذر للقاتل في القتل العمد، وإذا لم يكن له عذر فإنه لا يستحق التخفيف، والعاقلة إنما تحمل عن الجاني ما يستدعي التخفيف عنه؛ لأنها تتحمل عنه مواساة ومعاونة وتآزرا معه فيما وقع فيه خطأ ودون قصد.. أما ما كان عمدا فإنه لا يتلاءم مع المعنى الذي يهدف إليه المشرع من وراء معنى العاقلة وما تتحمله.
وأما الكفارة، فقد اختلف الفقهاء في إيجابها على من قتل نفسه عمدا، فيرى جمهور الفقهاء أنها لا تجب وبخاصة من يرون عدم إيجاب الكفارة في قتل الغير عمدا، وهم "الحنفية والحنابلة والزيدية والثوري وأبو ثور" للأدلة التي سبق النص عليه، ويرى الشافعية إيجاب الكفارة في القتل العمد أو شبهه أو الخطأ، سواء قتل نفسه أو غيره، فقد جاء في مغني المحتاج: "وتجب الكفارة بقتل مسلم ولو بدار الحرب وذمي وجنين، وعبد نفسه، وبقتل نفسه؛ لأنه قتل نفس معصومة، فتجب فيه كفارة لحق الله تعالى، فتخرج من تركته، أما إذا لم تكن نفسه معصومة بأن كانت مهدرة، فينبغي -كما قال الزركشي- ألا تجب، وفي قتل نفسه وجه: أنه لا يجب لها الكفارة كما لا يجب ضمانها بالمال".
ثانيا: وأما إن قتل نفسه قتلا شبه عمد، فإنه يلزمنا أن نذكر بعض الأمثلة التي أوردها الفقهاء لمثل هذا القتل، ثم نتبعها ببيان ما يجب فيه من دية أو كفارة، أما الأولى فمن صوره: إمساك الحية مع الظن أنها لا تقتل، أو أن يأكل كثيرا حتى يبشم، أو المشي على الحبال في الهواء، والجري في المواضع البعيدة مما يفعله أرباب البطالة والشطارة، وكل ذلك يعتبر قتلا شبه عمد إذا لم يقصد بشيء من ذلك قتل نفسه؛ لأن هذه الأفعال تقتل غالبا، ويمكن أن يقاس على ذلك الألعاب التي يغلب فيها ذلك كالمصارعة والملاكمة.
وأما ما يجب فيه من دية أو كفارة، فأما الدية فقد اختلف الفقهاء في إيجابها، فيرى البعض إيجابها على العاقلة "في رأي للشافعية -غير المشهور-
стр. 458
ورأي للحنابلة" معتبرين أن هذه الجناية تساوي جناية الإنسان على غيره خطأ أو شبه عمد، فكما وجبت على العاقلة دية قاتل غيره خطأ أوشبه عمد، فكذلك تجب هنا في الحالتين.
ويرى جمهور الفقهاء أنه لا تجب الدية في هذه الجناية؛ لأنه لا عذر له في اقترافه الفعل الموجب لها؛ إذ لم يكن معذورا، فإنه يشبه العمد المحض، والعمد المحض لا تجب فيه الدية، فكذلك هنا.
وهو رأي الحنفية والمالكية والشافعية "المشهور" والحنابلة.
والناظر إلى هذين الرأيين على ضوء التطور الصناعي في هذا العصر يجد أن كثيرا من الناس يباشرون بعض الأعمال التي تكتنفها بعض المخاطر؛ كعمال المناجم، ومصانع الحديد والصلب، وما شاكل ذلك من الصناعات والأعمال؛ طلبا لرزقهم، وسدا لحاجتهم، وتنمية لاقتصاد دولتهم.
وقد يترتب على مباشرتهم لهذه الأعمال ذهاب أرواحهم أو أعضائهم أو حدوث أضرار جسمانية، فما الموقف من هؤلاء في ظل الفقه الإسلامي؟
إنني أرى أن هذا العمل الذي يقوم به العامل والذي يحتاج إليه الفرد والدولة لا بد من أن يكون محاطا ببعض الضمانات الكفيلة بسد الثغرات التي تنتج عن استمرار العمل والإنتاج، وهذه الضمانات هي إيجاب الدية لمن قتل منهم أثناء تأديته عمله، وتكون هذه الدية على العاقلة؛ لأنه قتل شبه عمد؛ إذ العمل قد يؤدي إلى القتل، والقتل غير مقصود، وفي شبه العمد الدية على العاقلة، فكذلك هنا.
فإن لم تكن له عاقلة كانت ديته من بيت المال، ولا يمكن قياس هذا القتل على القتل العمد، حتى لا تجب الدية على العاقلة؛ لأن العمد أن يقصد الفعل ... ويقصد به القتل، وقد سبق أن بينا مدلول العاقلة في الفقه
стр. 459
الإسلامي، ويمكن اعتبار كل العاملين في مصنع من المصانع عاقلة، كل منهم يعقل عن الآخر إذا ما توافرت شروط العاقلة فيهم وفي كل فرد منهم.
وأما إيجاب الكفارة فيرى بعض الفقهاء "الحنابلة" إيجابها في ماله، وقد يستدل لهذا الرأي بأن القتل هنا قد وقع خطأ؛ لأنه لم يرد قتل نفسه، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وهو قد وقع قتله لنفسه خطأ، بينما يرى جمهور الفقهاء عدم إيجابها عليه؛ وذلك لانعدام خطابه بها بسبب موته، وإذا انعدم خطاب الشرع له بها -بسبب الموت- لم تجب عليه كسائر الأحكام.
ثالثا: وأما إن قتل نفسه خطأ أو قطع عضوا من أعضائه، فقد اختلف في إيجاب الدية والكفارة أيضا:
فإما إيجاب الدية على العاقلة -كما هو الشأن في الجناية خطأ على الغير- فيرى بعض الحنابلة "القاضي" أن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه، أو أرش جرحه إذا كان أكثر من الثلث، وهو قول الأوزاعي وإسحاق؛ وذلك لما روي أن رجلا ساق حمارا فضربه بعصا كانت معه، فطارت شظية ففقأت عينه، فجعل عمر ديته على عاقلته، وقال: "هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد"، ولم نعرف لعمر مخالفا في عصره، ولأنها جناية خطأ، فكان عقلها على عاقلته كما لو قتل غيره، فعلى هذا الرأي إن كانت العاقلة الورثة لم يجب شيء؛ لأنه لا يجب للإنسان شيء على نفسه، وإن كان بعضهم وارثا سقط عنه ما يقابل نصيبه، وعليه ما زاد على نصيبه، وله ما بقي إن كان نصيبه من الدية أكثر من الواجب عليه.
ويرى أكثر أهل العلم "الحنفية والمالكية والشافعية وقول للحنابلة
стр. 460
وربيعة والثوري" أن جنايته هدر؛ وذلك لأن عامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فرجع سيفه على نفسه، فمات ولم يبلغنا أن النبي ﷺ قضى فيه بدية، ولا غيرها، ولو وجبت لبينه النبي ﷺ ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد، ولأن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني وتخفيفا عنه، وليس على الجاني هاهنا شيء يحتاج إليه الإعانة والمواساة فيه، فلا وجه لإيجابه، ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية على غيره، فإنه لو لم تحمل العاقلة موجب الجناية خطأ على الغير لأجحف به وجوب الدية لكثرتها.
وأما الكفارة، فيرى الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية: أنه لا يجب هنا في النفس كفارة، كما لا يجب ضمانها بالمال.
ويرى الشافعية والحنابلة: أن من قتل نفسه خطأ وجبت الكفارة في ماله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾ الآية، ولأنه آدمي مؤمن مقتول خطأ فوجبت الكفارة على قاتله، كما لو قتله غيره.
الترجيح: رجح ابن قدامة المقدسي "الحنبلي" الرأي الأول قائلا: "إنه الأقرب إلى الصواب إن شاء الله، فإن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ، ولم يأمر النبي ﷺ فيه بكفارة، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ إنما أريد بها إذا قتل غيره، بدليل قوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ وقاتل نفسه لا تجب فيه دية بدليل قتل عامر بن الأكوع.
ولكن ما ذكره من الأثر يمكن الرد عليه، بأن الرسول ﷺ قضى في الجنين بغرة، ولم يقض بالكفارة، وقد سبق أن قيل: إن الغرة ثابتة بالحديث، والكفارة ثابتة بالقرآن، وأحاديث الرسول ﷺ التي وضحت الديات لم تذكر الكفارة اعتمادا على