الستة؟ فقال: أحفظها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظ "مسند" أحمد، وما يفوت "المسند" من الكتب الستة إلا قليل، أو قال: وما في الكتب هو في "المسند" يعني إلا قليل، وأصله في "المسند"، فأنا أحفظها بهذا الوجه.
وفي كشف الظنون: جمع غريبه أبو عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بغلام ثعلب في كتاب، وتوفي سنة "٣٤٥"، واختصره الشيخ الإمام سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن الشافعي المتوفى سنة "٨٠٥هـ" خمس وثمانمائة، وعليه تعليقه للسيوطي في إعرابه سماها: الزبرجد، وقد شرح المسند أبو الحسن بن عبد الهادي السندي، نزيل المدينة المنورة المتوفى سنة "١١٣٩هـ" شرحًا كبيرًا نحوًا من خمسين كراسة كبار، واختصره الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي١.
وقال الحافظ ابن الجزري: أقام الله تعالى لترتيبه شيخنا خاتمة الحفاظ أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك كترتيب الأطراف، تعب فيه تعبًا كثيرًا، ثم إن شيخنا الإمام مؤرخ الإسلام وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير -رحمه الله تعالى- "ت ٧٧٤هـ" أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، وجهد نفسه كثيرًا، وتعب فيه تعبًا عظيمًا، فجاء لا نظير له في العالم وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه قبل أن يكمله كف بصره ومات، وقال رحمه الله تعالى: لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص حتى ذهب بصري معه، ولعل الله أن يقيض له من يكمله مع أنه سهل. فإن معجم الطبراني الكبير لم يكن فيه شيء من مسند أبي هريرة ﵁.
واسم هذا الكتاب الذي ألفه ابن كثير "جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم
стр. 387
سنن"، ويوجد منه في دار الكتب المصرية ثمانية أجزاء١، وقد رتب المسند على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين، وكذا الحافظ ناصر الدين بن رزيق وغيره، ورتبه على حروف المعجم الحافظ أبو بكر محمد بن أبي محمد عبد الله المقدسي الحنبلي٢، وقد رتب المسند على الأبواب ترتيبًا متقنًا مهذبًا الشيخ المحدث العلامة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الشهير بالساعاتي، وجعله سبعة أقسام: قسم التوحيد وأصول الدين، وقسم الفقه، وقسم التفسير، وقسم الترغيب، وقسم الترهيب، وقسم التاريخ، وقسم القيامة وأحوال الآخرة، على هذا الترتيب، وكل قسم من هذه الأقسام السبعة يشتمل على جملة كتب، وكل كتاب يندرج تحته جملة أبواب، وبعض الأبواب يدخل فيه جملة فصول، وفي أكثر تراجم الأبواب ما يدل على مغزى أحاديث الباب، وسمى هذا الكتاب "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، ثم شرح كتابه هذا وخرج أحاديثه في كتاب آخر سماه "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني" جعله معه.
ويكفي لتعليل هذه العناية الكبرى التي لقيها هذا "المسند" أن نذكر ما قاله فيه ابن الجزري٣ حين وصفه فقال: هو كتاب لم يُروَ على وجه الأرض كتاب في الحديث أعلى منه.
стр. 388
الفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري
ابن خزيمة
...
الفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري
كانت السمة الغالبة على علماء هذا القرن وما بعده جمع ما تفرق في كتب السابقين، أو اختصار مصنفاتهم، أو تهذيبها، أو ترتيبها، أو شرحها، أو الجمع بينها.
كما وجد من بين علماء هذا القرن طائفة كبيرة كان لها دور في تدوين الحديث، وبطريقة استقلالية على نمط التدوين في القرن السابق، ومن هؤلاء:
ابن خزيمة:
هو: الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري "٢٢٣-٣١١هـ".
يذكر أبو عبد الله الحاكم أن مؤلفات ابن خزيمة تزيد على مائة وأربعين، ولا نعلم في الوقت الحاضر إلا كتاب التوحيد الذي طُبع من قبل، وهذا الجزء المتبقي من صحيحه، وكتاب آخر له باسم: "شأن الدعاء وتفسير الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ "، ومن عادة ابن خزيمة أنه يحيل كثيرًا إلى مؤلفاته ويذكرها في ثنايا كتبه، كما هو واضح في كتابيه: التوحيد، وصحيحه:
١- كتاب الأشربة١.
٢- كتاب الإمامة٢.
٣- كتاب الأهوال٣.
٤- كتاب الإيمان٤.
٥- كتاب الأيمان والنذور٥.
٦- كتاب البر والصلة٦.
стр. 389
٧- كتاب البيوع١.
٨- كتاب التفسير٢.
٩- كتاب التوبة٣.
١٠- كتاب التوكل٤.
١١- كتاب الجنائز٥.
١٢- كتاب الجهاد٦.
١٣- كتاب الدعاء٧.
١٤- كتاب الدعوات٨.
١٥- كتاب ذكر نعيم الجنة٩.
١٦- كتاب ذكر نعيم الآخرة١٠.
١٧- كتاب الصدقات١١.
١٨- كتاب الصدقات من كتابه الكبير١٢.
١٩- كتاب صفة نزول القرآن١٣.
٢٠- كتاب المختصر من كتاب الصلاة١٤.
٢١- كتاب الصلاة الكبير١٥.
٢٢- كتاب الصلاة١٦.
стр. 390
٢٣- كتاب الصيام١.
٢٤- كتاب الطب والرقى٢.
٢٥- كتاب الظهار٣.
٢٦- كتاب الفتن٤.
٢٧- كتاب القراءة خلف الإمام٥.
٢٨- فضل علي بن أبي طالب٦.
٢٩- كتاب القدر٧.
٣٠- كتاب الكبير٨.
٣١- كتاب اللباس٩.
٣٢- كتاب معاني القرآن١٠.
٣٣- كتاب المناسك١١.
٣٤- كتاب الورع١٢.
٣٥- كتاب الوصايا١٣.
قال الأعظمي: "وبعد تقصي أسماء هذه الكتب من كتابي ابن خزيمة يعترضني تساؤل: ترى هل ألَّف ابن خزيمة هذه الكتب، وسماها بهذه الأسماء، وكل منها كتاب مستقل قائم بذاته، أم أنها في الواقع أسماء لأجزاء صغيرة تكوِّن -مجتمعة- كتابًا واحدًا كبيرًا، أم البعض منها كتب كبيرة والبعض الآخر أجزاء من كتاب كبير؟
ولعل الاحتمال الأخير هو الأرجح، والذي دفعنا لهذا أننا نرى أسلوب المحدثين في كتبهم على هذه الشاكلة، كل كتاب منها يشتمل على عديد من الكتب، فمثلًا كتاب صحيح البخاري يشتمل على:
стр. 391
١- كتاب الإيمان.
٢- كتاب العلم.
٣- كتاب الوضوء.
٤- كتاب الغسل.
٥- كتاب الحيض.
٦- كتاب التيمم.
٧- كتاب الصلاة.
وهلم جرًّا، وابن خزيمة لا بد أنه سلك هذا الطريق، ويتقوى هذا الظن بمقارنة كتاباته بعضها ببعض، فمثلًا:
١- يقول ابن خزيمة في كتاب التوحيد "ص٤٢": " ... عن سعيد بن يسار أبي الحباب أنه سمع أبا هريرة بهذا الحديث موقوفًا ... خرجت هذا الباب في كتاب الصدقات أول باب من أبواب صدقة التطوع".
والحديث المذكور أعلاه نجده في الورقة "٢٤٦ب" من صحيح ابن خزيمة، جماع أبواب صدقة التطوع، باب في فضل الصدقة.
٢- ذكر ابن خزمية في كتاب التوحيد "ص٧٨" شهود الملائكة صلاة العصر وصلاة الفجر، فقال: "خرجت هذا الباب بتمامه في كتاب الصلاة وكتاب الإمامة".
والحديث المشار إليه موجود بتمامه في كتاب الصلاة من صحيح ابن خزيمة، الحديث رقم "٣٢١، ٣٢٢"، وأشار إلى هذا الحديث في كتاب الإمامة، فقال: "أمليت في أول كتاب الصلاة".
٣- وفي كتاب التوحيد "ص٩"، ذكر حديثًا في فضائل الصيام، وقال: "قد أمليت أخبار النبي ﷺ ... بعضه في كتاب الصيام وبعضه في كتاب الجهاد"، ونجد الحديث ذاته موجودًا في صحيح ابن خزيمة ورقة "٢١٧ب".
إذن من المحتمل أن بعض هذه الكتب التي أوردت أسماءها في قائمة مؤلفات ابن خزيمة أجزاء من كتبه الكبيرة١.
стр. 392
الطحاوي:
هو: أبو جعفر بن أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي، المصري، الطحاوي "٢٣٩-٣٢١هـ".
نشأ في بيت علم وفضل، وكان شافعيًّا، ثم تحول بعد سن العشرين إلى المذهب الحنفي، وكان ذا علم وفقه، عارفًا بالقراءات، واسع المعرفة بطرق الحديث ومتونه وعلله وأحواله ورجاله.
- من مصنفاته في الحديث وعلومه:
"شرح معاني الآثار": وسبب تأليفه أن بعض أصحاب طلب منه أن يصنف كتابًا في الآثار المأثورة عن رسول الله ﷺ في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد والزندقة أن بعضها ينقض بعضًا لقلة علمهم بناسخها ومنسوخها، فصنف هذا الكتاب وجعله أبوابًا، وذكر في كل باب ما فيه من الناسخ والمنسوخ وتأويل العلماء وشرحه ابن قطلوبغا "ت ٨٧٩هـ" في كتاب "الإيثار برجال معاني الآثار". وأيضًا شرحه العيني "ت ٨٥٥هـ".
وله أيضًا: "مشكل الآثار"، و"صحيح الآثار"، و"سنن الشافعي"، و"الرد على كتاب المدلسين"، و"جزء في التسوية بين حدثنا وأخبرنا"، وقد لخصه ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله"٢، ونقل العيني بعضها في "نخب الأفكار"
стр. 393
عند شرحه لكلمة الآثار في أول الكتاب١، و"شرح الآثار" لمحمد بن الحسن، الذي ذكر فيه ما رُوي عن أبي حنيفة من الآثار، و"المشكاة".
стр. 394
الدارقطني:
هو: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ "ت ٣٨٥هـ" إمام عصره في الجرح والتعديل، وحسن التأليف، واتساع الرواية.
- ومن مصنفاته١:
١- "الإلزامات على صحيحي البخاري ومسلم" جمع فيه ما وجده على شرط الشيخين من أحاديث لم يذكرها الشيخان، وألزمهما ذكرها، ورتبه على المسانيد "مطبوع في مجلد لطيف مع كتابه التالي" وهو:
٢- التتبع: انتقد فيه عليهما أحاديث رأى خروجها على شرطيهما، وفي تتبعه على الشيخين نظر، وقد رد عليه الحافظ ابن حجر في هدى الساري، والإمام النووي في شرح صحيح مسلم.
٣- العلل "طبع بعضه".
٤- السنن: "وهو مطبوع أكثر من طبعة، وصنيعه فيه يدل على تمكنه من الفقه ومعرفته بالاختلاف في الأحكام.
٥- الغرائب والأفراد "مخطوط".
٦- أحاديث الصفات، أو الصفات "مطبوع".
٧- أحاديث النزول "مطبوع".
٨- كتاب الأسخياء "مخطوط".
٩- "عشرون حديثًا من كتاب الصفات".
١٠- كتاب الرؤيا "مطبوع".
стр. 395
١١- كتاب غريب الحديث.
١٢- كتاب الفوائد المنتقاة الحسان لابن معروف.
١٣- كتاب الفوائد المنتخبة أو المنتقاة.
١٤- كتاب الفوائد المنتقاة من الغرائب الحسان.
١٥- ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته من الثقات عند البخاري.
١٦- أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عند مسلم "مطبوع".
١٧- كتاب أسماء الصحابة التي اتفق فيها البخاري ومسلم، وما انفرد به أحدهما عن الآخر.
١٨- كتاب رجال البخاري ومسلم.
١٩- "بيان ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وما انفرد به أحدهما عن الآخر" رسالة صغيرة.
٢٠- ذكر قوم أخرج لهم البخاري ومسلم في صحيحهما، وضعفهم النسائي في كتاب الضعفاء.
٢١- المؤتلف والمختلف "مطبوع".
٢٢- الأحاديث التي خُولف فيها الإمام مالك.
٢٣- سؤالات أبي ذر عبد بن أحمد الهروي للدارقطني.
٢٤- سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني "مطبوع".
٢٥- سؤالات عبد الغني بن سعيد الأزدي له.
٢٦- سؤالات حمزة بن يوسف السهمي له "مطبوع".
стр. 396
٢٧- سؤالات أبي نعيم له "مخطوط بدار الكتب المصرية".
٢٨- السؤالات لأبي عبد الرحمن السلمي له.
٢٩- أخبار عمرو بن عبيد.
٣٠- كتاب في بيان نزول الجبار كل ليلة في رمضان، وليلة النصف من شعبان، ويوم عرفات إلى السماء الدنيا.
٣١- "الإخوة والأخوات" "مطبوع".
٣٢- كتاب فيه أربعون حديثًا من مسند بريد بن عبد الله بن أبي بردة.
٣٣- الأحاديث الرباعيات.
٣٤- تصحيف المحدثين، ذكره ابن خير الإشبيلي في فهرسة ما رواه عن شيوخه "ص٤٨١".
٣٥- الْمُدَبَّج" في المصدر السابق.
٣٦- "الجهر بالبسملة في الصلاة" أشار إليه الفخر الرازي في كتابه أحكام البسملة، والسيوطي في تدريب الراوي "١/ ٣٣٦".
٣٧- حديث أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي النيسابوري عن شيوخه.
٣٨- المستجاد من الحديث.
٣٩- الضعفاء والمتروكين "مطبوع".
٤٠- الجرح والتعديل، نسبه له ابن حجر في التهذيب "٢/ ١٤"، "٥/ ٢٦٧، ٢٦٨".
٤١- غرائب مالك، ذكره ابن حجر في لسان الميزان "٤/ ٦٠، ٧٧".
٤٢- الذيل على التاريخ الكبير للبخاري، ذكره السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ" "ص٢٢٠، ٢٢٢".
стр. 397
٤٣- ذكر من روى عن الشافعي، ذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء "ص١٠٣"١.
فالدارقطني بهذه المصنفات القيمة المكتبة الإسلامية، وأثرى جانب الحديث خاصة فيها.
стр. 398
الطبراني:
هو: أبو القاسم سليمان بن أحمد "ت ٣٦٠هـ"، إمام كبير، وحافظ جليل، واسع الرواية، كثير الشيوخ.
- من مصنفاته: المعاجم الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير "مطبوعة".
المعجم الكبير: جمع فيه مسانيد الصحابة مرتبين على حروف المعجم، ما عدا مسند أبي هريرة، فإنه أفرده في مصنف، يقال: جمع فيه "٥٢٠.٠٠٠" خمسمائة وعشرين ألف حديث، وإذا أُطلق المعجم في كلام العلماء فالكبير هو المراد.
المعجم الأوسط: صنفه مرتبًا على أسماء شيوخه، وبلغوا نحو ألفي رجل، فأتى عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب الأفراد للدارقطني، ويقال: فيه ثلاثين ألف حديث، وقد تعب في تصنيفه جدًّا، فكان يقول: "هذا الكتاب روحي".
قال الذهبي: "وفيه كل نفيس: عزيز ومنكر".
المعجم الصغير: جمع فيه نحو ألف وخمسمائة حديث عن ألف شيخ.
- ومن مصنفاته أيضًا:
كتاب الدعاء" "مطبوع".
كتاب "السنة".
كتاب "حديث الشاميين" "مطبوع".
كتاب "الطوالات" "طبع مع المعجم الكبير".
كتاب "النوادر".
كتاب "مسند سفيان".
стр. 399
كتاب "الأوائل".
وكتاب في "التفسير".
كتاب "مسند شعبة".
كتاب "مسند العبادلة".
كتاب "مسند أبي هريرة".
كتاب "أخبار عمر بن عبد العزيز".
كتاب "عشرة النساء" "مطبوع".
كتاب "فضل رمضان".
كتاب "الفرائض".
стр. 400
ابن حبان:
هو: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، أبو حاتم البستي التميمي الحافظ "ت ٣٥٤هـ".
قال فيه الحاكم: "كان من أوعية العلم، والفقه، والحديث، واللغة، والوعظ، من عقلاء الرجال".
وقال ابن السمعاني: إمام عصره، رحل فيما بين الشاش والإسكندرية.
- ومن مصنفاته المطبوعة:
المسند الصحيح: واسمه الكامل كما سماه ابن حبان: "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قَطْع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها".
قال الخطيب البغدادي: كان ثقة نبيلًا، وله التصانيف الكثيرة منها: المسند الصحيح المسمى: الأنواع والتقاسيم، قال فيه: لعلنا كتبنا عن ألف شيخ ما بين الشاش والإسكندرية.
وكتابه هذا على ترتيب مخترع، فلا هو على الأبواب، ولا هو على المسانيد، رتَّبه على خمسة أقسام؛ وهي: الأوامر، والنواهي، والأخبار، والإباحات، وأفعال النبي ﷺ ونوَّع كل واحد من هذه الخمسة إلى أنواع؛ لذا كان الكشف في كتابه عسيرًا جدًّا.
وقد رتبه بعض المتأخرين؛ وهو: علاء الدين علي بن بَلْبَاز الفارسي المتوفَّى سنة "٩٣٧هـ" على الأبواب، وسماه: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان".
قالوا: وأصح مَن صنَّف في الصحيح المجرد بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان، وقد نسبوا إليه التساهل في التصحيح، إلا أن تساهله أقل من تساهل الحاكم. قال الحازم: "ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم"١.
стр. 401
ومن مصنفاته المطبوعة أيضًا:
"مشاهير علماء الأمصار"، و"الثقات"، و"معرفة المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين"، و"روضة العقلاء ونزهة الفضلاء".
وقال شعيب الأرناءوط في مقدمته لكتاب "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" للأمير علاء الدين علي بن بلباز الفارسي "ت ٧٣٩هـ" طبع مؤسسة الرسالة "١/ ٢٨، ٢٩":
"إن الناظر في تآليف ابن حبان يجد أنه لم يكن حاطب ليل، ولا ناقلًا للنصوص من هنا وهناك لجمعها في مكان واحد فحسب؛ وإنما يلحظ من خلال تآليفه عقلًا محققًا، وفكرًا عميقًا، ونظرًا ثاقبًا، كان يشبع المسائل بحثًا وتمحيصًا، ودراسة واستقصاء واستنباطًا، وتصانيفه تشهد على تلك الحدود العظيمة، والمعاناة الشديدة التي بذلها لإخراج مصنفاته تنبض بالأصالة والإبداع، وهذا ما دعا ياقوت إلى القول كما سبق: أخرج من علوم الحديث ما عَجَزَ عنه غيره، وشهد بذلك أيضًا تلميذه الحاكم، فقال: صنَّف فخرج له من التصنيف في الحديث ما لم يسبق إليه".
стр. 402
ابن السكن:
أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، البغدادي، نزيل مصر، والمتوفَّى بها "٣٥٣ هـ"، حافظ كبير، وأحد الأئمة، سمع بالعراق، والشام، والجزيرة، وخراسان، وما رواء النهر، وكان ثقة حجة، تُوفي عن تسع وخمسين سنة.
- من مصنفاته:
"الصحيح المنتقى"، ويُسمى أيضًا: "السنن الصحاح المأثورة عن النبي ﷺ "، ألفه على الأبواب الفقهية، وضمنه ما صح عنده من السنن المأثورة مع حذف الأسانيد قال: وما ذكرته في كتابي هذا مجملًا فهو مما أجمعوا على صحته، وما ذكرته بعد ذلك -مما يختاره أحد من الأئمة الذين سميتهم- فقد بينت حجته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون غيره، وما ذكرته مما ينفرد به أحد من أهل النقل للحديث بينت علته، ودللت على انفراده دون غيره١.
стр. 403
الحاكم النيسابوري "٣٢١-٤٠٥ه ـ":
هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد، المعروف بالحاكم النيسابوري، أحد الحفاظ الكبار المعدودين، برع في معرفة الحديث وفنونه وصنف التصانيف الكبيرة، وهو ثقة حجة.
- من مصنفاته:
المستدرك على الصحيحين، والعلل، والأمالي، وفوائد الشيوخ، وأمالي العشيات، ومعرفة علوم الحديث، وغيرها من المصنفات التي بلغت "١٥٠٠" ألفًا وخمسمائة جزء١.
стр. 404
- وأحاديثه في "المستدرك على الصحيحين" على قسمين:
ق٠.
سم أودع فيه الأحاديث التي رأى أنها على شرط الشيخين، أو أحدهما، ولم يخرجاه، وقسم أودع فيه الأحاديث التي يرى أنها صحيحة الإسناد.
فأما القسم الأول: فهو الذي يقول فيه: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، أو "صحيح على شرط البخاري "أو مسلم" ولم يخرجاه".
وأما القسم الثاني: فهو الذي يقول فيه: "صحيح الإسناد"، دون أن يذكر أنه على شرطهما، أو على شرط أحدهما، وقد يورد في القسم الثاني ما لم يصح عنده منبهًا عليه.
وقد عرف الحاكم بالتساهل في الحكم على الأسانيد؛ ولذا لخص الذهبي "ت ٧٤٨هـ" المستدرك، وتعقبه في العديد من أحاديثه، وبيَّن أسباب ضعفها؛ ولكنه وافقه في التصحيح على معظمه.
وزعم أبو سعد الماليني بأنه ليس في المستدرك حديث على شرط الشيخين، وهذا زعم باطل، رد عليه الحافظ الذهبي مبينًا أن في المستدرك جملة كبيرة من الأحاديث على شرط الشيخين، وأخرى كبيرة على شرط أحدهما، ويبلغ مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه الربع مما صح سنده، وإن كان فيه علة، وبقي الربع الأخير الذي فيه المناكير والواهيات، وما حكم عليه بعضهم بالوضع "مثل ابن الجوزي الذي ذكر في الموضوعات نحو ستين حديثًا".
وقد اعتذر الحافظ ابن حجر العسقلاني عن التساهل الواقع في مستدرك الحاكم فقال: إنما وقع للحاكم التساهل؛ لأنه سود الكتاب لينقحه، فعاجلته المنية، ولم يتيسر له تحريره وتنقيحه قال: وقد وجدت قريبًا من نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: "إلى هنا انتهى إملاء الحاكم"١.
стр. 405
ثم قال -أي الحافظ ابن حجر: "وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا طريق الإجازة" ... ثم قال: "والتساهل على قدر المملي قليل جدًّا بالنسبة إلى ما بعده"١.
وقد علل السخاوي وجود الأحاديث الضعيفة، وعدة موضوعات في المستدرك، بأن الذي حمل الحاكم على ذلك تعصبه لما رُمي به من التشيع، وقد يكون السبب أنه صنفه في أواخر عمره، وحُكي أنه حصل للحاكم تغير في آخر عمره، وأصابته غفلة أثناء تأليفه المستدرك٢.
وأرى أن الأحاديث التي صححها الحاكم ووافقه على تصحيحها الحافظ الذهبي صحيحة؛ لأن الحاكم إمام في الحديث له مكانته التي لا يعترض عليها معتدل، وكون الذهبي يوافقه على التصحيح، فهذا يجعلنا نطمئن إلى صحة الحديث الذي يوافقه على تصحيحه، ويؤكد لنا الحاكم أنه لم يكن متساهلًا فيه، خاصة وأن الذهبي حجة في هذا الباب، فإن وجد حديث صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، ولم نجد إمامًا وافق الحاكم على تصحيحه، "إن لم يكن من قبيل الصحيح، فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به؛ إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه" كما قال الحافظ ابن الصلاح٣؛ وذلك لأن إمامة الحاكم في علوم الحديث -مع عدم تعقب الحافظ الذهبي عليه بالتضعيف- كفيل بقبول الحديث، خاصة إذا كان هذا الحديث لم يتناوله أحد من الأئمة المعتمدين في الحكم على الحديث الشريف، أما صنيع المنتسبين لعلوم الحديث من المتأخرين فلا يلتفت إليهم، ولا يؤخذ بأحكامهم؛ لضعفهم وقلة تخصصهم وعدم خبرتهم وسوء فهمهم من جهة، ولتسرعهم في الأحكام من جهة أخرى٤.
стр. 406
الفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس إلى السقوط الخلافة العباسية [من عام "٤٠٠هـ" حتى عام "٦٥٦ه ـ"]
الجمع بين الصحيحين
...
الفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس إلى سقوط الخلافة العباسية "من عام ٤٠٠هـ حتى عام ٦٥٦هـ"
كان القرن الرابع امتدادًا للقرن الثالث من حيث وجود الأئمة والحفاظ الذين كانوا في علوم السُّنة، والذين كانوا يدونون كتبهم من محفوظاتهم ومسموعاتهم عن شيوخهم.
وبمطلع القرن الخامس أصبح العمل قاصرًا على الجمع، أو الترتيب، أو التهذيب لكتب السابقين، ومن ذلك:
أ- الجمع بين الصحيحين:
ام بعض العلماء بالجمع بين أحاديث صحيحي البخاري ومسلم في مصنف واحد، ومن العلماء الذين جمعوا بينهما:
١- إسماعيل بن أحمد، المعروف بابن الفرات "ت ٤١٤هـ".
٢- محمد بن نصر الحميدي الأندلسي "ت ٤٨٨هـ". ويقال: إنه زاد عليهما زيادات.
٣- الحسين بن مسعود البغوي "ت ٥١٦هـ".
٤- محمد بن عبد الحق الإشبيلي "ت ٥٨٢هـ".
٥- أحمد بن محمد القرطبي المعروف بابن أبي حجة "ت ٦٤٢هـ".
стр. 407
ب- الجمع بين الكتب الستة "الصحيحين، والموطأ، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي":
١- جمع بينها أحمد بن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي "ت ٥٣٥هـ" في كتابه "تجريد الصحاح"، لكنه لم يحسن في ترتيبه وتهذيبه، وترك بعضًا من حديث الستة، ولما جاء أبو السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي "٥٤٤ -٦٠٦ هـ" هذب كتابه، ورتب أبوابه، وأضاف إليه ما
فاته من الأصول، وشرح غريبه، وبيَّن مشكل إعرابه، وخفيَّ المعنى وحذف أسانيده، ولم يذكر إلا راوي الحديث من صحابي أو تابعي، كما ذكر المخرج له من الستة، ولم يذكر من أقوال التابعين إلا النادر، ورتب أبوابه على حروف المعجم وسماه: "جامع الأصول لأحاديث الرسول"١، فجاء كتابًا عظيمًا سهل العسير وقرب البعيد، وهو بدار الكتب المصرية في عشرة أجزاء متوسطة.
وقام بتحقيقه وعزو أحاديثه عبد القادر الأرناءوط، صدر عن دار الفكر ببيروت في أحد عشر مجلدًا بفهارسه.
٢- وجمع بينها أيضًا عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي، والمعروف بابن الخراط "ت ٥٨٢هـ".
стр. 408
ج- الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة:
١- "مصابيح السنة" للإمام حسين بن مسعود البغوي "ت ٥١٦هـ" جمع فيه "٤٤٨٤" من الأحاديث الصحاح والحسان، وهو يريد بالصحاح ما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وبالحسان ما أخرجه١ أبو داود والترمذي وغيرهما، وما كان فيها من ضعيف أو غريب بيَّنه، ولا يذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا، وقد اعتنى العلماء بهذه المصابيح عناية عظيمة، فشرحوها شروحًا كثيرة، وهذبها محمد بن عبد الله الخطيب، وذيل أبوابها، فذكر الصحابي الذي روى الحديث والكتاب الذي أخرجه، وزاد على كل باب من الصحاح والحسان فصلًا ثالثًا عدا بعض الأبواب، وكان ذلك سنة "٧٣٧هـ"، وسمى كتابه هذا "مشكاة المصابيح"، وقد شرح المشكاة كثيرون منهم القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي سنة "٦٨٥هـ".
стр. 409
٢- جامع المسانيد والألقاب، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي "ت ٥٩٧هـ" جمع فيه بين الصحيحين، ومسند أحمد، وجامع الترمذي، وقد رتبه العباس أحمد بن عبد الله المكي المعروف بالمحب الطبري "ت ٩٦٤هـ"١.
٣ - "بحر الأسانيد" للإمام الحافظ الحسن بن أحمد السمرقندي "ت ٤٩١هـ" فيه مائة ألف حديث رتبة وهذبه، ويقال: إنه لم يقع في الإسلام مثله٢.
стр. 410
د- كتب منتقاة في أحاديث الأحكام والمواعظ، ومنها:
١- كتاب "منتقى الأخبار في الأحكام": للحافظ مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني، المعروف بابن تيمية، الحنبلي، في سنة "٦٥٢هـ"، انتقاه من: صحيحي البخاري، ومسلم، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، والسنن للنسائي، وأبي داود، وابن ماجه، واستغنى بالعزو إلى هذه الكتب عن الإطالة بذكر الأسانيد، وهو كتاب جليل الفائدة لولا إطلاقه العزو إلى الأئمة دون بيان درجة الحديث.
وقد بيَّن ذلك محدث اليمن محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة "١٢٥٠هـ" في كتابه "نيل الأوطار" الذي شرح به منتقى الأخبار، وهو مطبوع بمصر في ثمانية أجزاء.
٢- السنن الكبرى للبيهقي: أحمد بن حسين المتوفَّى سنة "٤٥٨هـ"، وهو مطبوع أكثر من طبعة، في عشرة مجلدات، وزيد في بعض الطبعات مجلد للفهارس.
قال ابن الصلاح: ما تم كتاب في السُّنة أجمع للأدلة من كتاب "السنن الكبرى" للبيهقي، وكأنه لم يترك في سائر أقطار الأرض حديثًا إلا وقد وضعه في كتابه، وقد طبع في الهند، وعمل له في آخره فهرس بأسماء الصحابة والتابعين
стр. 411
ومسانيدهم ومروياتهم، وللبيهقي أيضًا السنن الصغري، قيل: إنه لم يصنف في الإسلام مثلها "مطبوع حديثًا في أربعة مجلدات"١.
٣- الأحكام الصغرى: للحافظ أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، المعروف بابن الخراط "ت ٥٨٢هـ" قال فيها: "جمعت في هذا الكتاب متفرقًا من حديث رسول الله ﷺ في لوازم الشرع وأحكامه وحلاله وحرامه، وفي ضروب من الترغيب والترغيب أخرجتها من كتب الأئمة وهداة الأمة، أبو عبيد الله مالك بن أنس، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، وبقية الكتب الستة، وفيها أحاديث من كتب أخرى"٢.
٤- عمدة الأحكام: للإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، المقدسي، الدمشقي، المتوفى سنة "٦٠٠هـ" جمع فيها أحاديث الأحكام التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وقد شرحها شرحًا وسطًا ابن دقيق العيد، وقد طبعت بمصر مع الشرح في أربعة أجزاء صغيرة.
٥- الترغيب والترهيب: للحافظ الحجة عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، المنذري، المتوفى سنة "٦٥٦هـ"، وهو من أحسن الكتب في جمع الحديث،
стр. 412
هـ- كتب الأطراف:
اهتم بعض العلماء بعمل ما يُسمى بكتب الأطراف، وطريقتهم فيها أن يذكروا طرفًا من الحديث يدل على بقيته، ثم هم يجمعون أسانيده إما على وجه الاستيعاب، وإما مقيدة بكتب مخصوصة، ومن هذه الكتب:
١- أطراف الصحيحين: للحافظ إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، المتوفى سنة "٤٠٠هـ".
٢- وأطراف الصحيحين: لأبي محمد خلف بن محمد الواسطي سنة "٤٠١هـ"، قال الحافظ ابن عساكر: وكتاب خلف أحسنهما ترتيبًا ورسمًا وأقلهما خطأ ووهمًا، ويوجد بدار الكتب المصرية في أربعة مجلدات.
٣- وأطرافهما أيضًا لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني سنة "٤٣٠هـ".
٤- أطراف السنن الأربعة: لأبي القاسم علي بن الحسن، المعروف بابن عساكر الدمشقي "٥٧١هـ" في ثلاثة مجلدات مرتبًا على حروف المعجم، واسمه "الأشراف على معرفة الأطراف".
٥- أطراف الكتبة الستة١: لمحمد بن طاهر المقدسي "ت ٥٠٧هـ"، ولكثرة أوهامه وترتيبه المختل، لخصه الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن الحسين الحسيني الدمشقي "٧٦٥هـ"، ورتبه أحسن ترتيب٢.
стр. 413
الفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية إلى عصرنا الحاضر
المبحث الأول: السنة من عام ٦٥٦هـ حتى عام ٩١١ ه ـ
مدخل
...
الفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية إلى عصرنا الحاضر
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: السُّنَّة من عام ٦٥٦هـ حتى عام ٩١١هـ ـ
بعد سقوط الخلافة العباسية على أيدي التتار سنة "٦٥٦هـ"، وبعد هزيمة التتار على أيدي المصريين في "عين جالوت" أصبحت القاهرة عاصمة الخلافة العباسية، وإن كانت السلطة الحقيقة في أيدي المماليك، وقبل نهاية القرن السابع الهجري أصبح الأتراك مسيطرين على جميع المماليك الإسلامية ما عدا البلاد المغربية التي كانت تخضع لبرابرة المغرب، وفي مستهل القرن الثامن الهجري بدأ ظهور العثمانيين في آسيا الصغرى "وتشمل تركيا الآن"، وأخذت الدولة العثمانية تتسع رقعتها وتستولي على ما جاورها من الممالك والدويلات حتى فتحوا القسطنطينية في منتصف القرن التاسع الهجري، واتخذوها عاصمة لهم، ثم فتحوا مصر، وأزالوا الخلافة العباسية، ولقبوا ملوكهم بالخلفاء، ومن هذا الوقت انتقلت الخلافة الإسلامية إلى القسطنطينية، وأصبحت مصر ولاية عثمانية، فضاع مركزها السياسي والعلمي.
وسقطت دولة الأندلس، وانطفأ نور الإسلام في هذه البلاد بعد أن مكث بها نحوًا من ثمانية قرون.
ثم أخذت دول أوربا الغاشمة تعمل جهدها على إضعاف المسلمين منتهزة غفلتهم واختلافهم، فأوقعت بينهم الفتنة حتى مزقت شمل الدولة الإسلامية، وقضت على الخلافة العثمانية، وعبثوا بحقوق المسلمين، وحجروا عليهم واستعبدوهم.
وانعدمت الرحلة بين العلماء، وانقطع الاتصال العلمي بين سكان البلدان الإسلامية المختلفة بعدما كانت مثابة للناس وآمنًا -وخاصة العلماء- لنشر الدين، واللُّقْيَا، والاستفادة العلمية. وفيما يلي توضيح لمنهج العلماء وطريقتهم في خدمة السُّنَّة في هذه الفترة:
стр. 414
أولًا: منهج العلماء في خدمة السُّنَّة في هذه الفترة:
نتيجة للأحداث التاريخية الخطيرة التي مرت بها الأمة الإسلامية خلال هذه الفترة، ضعفت همم العلماء عن الرحلة إلى الأقطار، فانقرضت الرواية الشفاهية، وحل محلها الإجازة والمكاتبة، اللهم إلا على أيدي أفراد قلائل جدًّا كانوا يرحلون إلى الأقطار، ويجلسون للإملاء، ويكتب عنهم أتباعهم وتلاميذهم الأمالي، ومن هؤلاء:
- الإمام الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي الأثري "٧٢٥-٨٠٦هـ" حافظ العصر، وصاحب المصنفات النفيسة في الحديث الشريف، ومجالسه للإملاء تزيد على أربعمائة مجلس، قال تلميذه ابن حجر: "شرع في إملاء الحديث من سنة "٧٩٦هـ" فأحيا الله به السُّنَّة بعد أن كانت داثرة، فأملَى أكثر من أربعمائة مجلس غالبها من حفظه متقنة، مهذبة، محررة، كثيرة الفوائد الحديثية".
ومن مصنفاته: "المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" "مطبوع"، و"إكمال شرح الترمذي" لابن سيد الناس، و"طرح التثريب في شرح التقريب" أكمله بعده ولده ولي الدين العراقي "مطبوع"، و"التقييد والإيضاح" مطبوع"، و"ألفية الحديث وشرحها" "مطبوع"، و"المستخرج على المستدرك للحاكم" "مطبوع"، وغيرها.
стр. 415
- ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني:
وهو: شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن حجر الكناني، العسقلاني، أبو الفضل "ولد بمصر ٧٧٣هـ"، ونشأ يتيمًا حيث توفي أبوه سنة "٧٧٩هـ" في رجب، واهتم أولًا بالأدب والشعر حتى بلغ فيه الغاية، ثم طلب الحديث سنة "٧٩٤هـ" فسمع ورحل، وبرع في الحديث، ولقد لازم في الحديث شيخه أبا الفضل العراقي، ولازم في الفقه والعربية شيخه الشمس بن القطان، ولازم في الفقه: الإبناسي، والبلقيني، وابن الملقن.
واجتهد في حفظ الحديث الشريف ومعرفة العلل حتى صار سيد الحفاظ والمحدثين والمحققين، قال عنه الإمام السيوطي: "وختم به الفن"، وقال غيره: انتهت إليه الرحلة والرياسة في الحديث في الدنيا بأجمعها، فلم يكن في عصره حافظ سواه، ألف كتبًا كثيرة، وأملى أكثر من ألف مجلس، وأملى في خانقاه بيبرس نحوًا من عشرين سنة، وباشر القضاء في مصر في عهد الملك الأشرف.
وتوفي ليلة السبت الموافق الثامن والعشرين من ذي الحجة، سنة "٨٥٢هـ"، وله تصانيف جمة وكلها نفيسة؛ لأهميتها الكبيرة وفائدتها العظيمة، ومن هذه التصانيف:
١- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، بدأ تصنيفه سنة "٨١٧هـ"، وانتهى منه في أول يوم من رجب سنة "٨٤٢هـ" "مطبوع".
٢- الإصابة في تمييز الصحابة "مطبوع".
٣- لسان الميزان "مطبوع".
٤- تهذيب التهذيب "مطبوع".
٥- تقريب التهذيب "مطبوع".
٦- تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة "مطبوع".
٧- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة "مطبوع".
стр. 416
٨- شرح نخبة الفكر "مطبوع".
٩- تبصير المنتبه بتحرير المشتبه "مطبوع".
١٠- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس "مطبوع".
١١- القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد "مطبوع".
١٢- تغليق التعليق "مطبوع".
١٣- الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف "مطبوع".
١٤- ردع المجرم عن سب المسلم "مطبوع".
١٥- النكت على ابن الصلاح "مطبوع".
١٦- تخريج أحاديث الرافعي والهداية والكشاف "مطبوع".
١٧- تسديد القوس على مسند الفردوس "مطبوع".
١٨- نزاهة الألباب في الألقاب "مطبوع".
١٩- التشويق إلى وصل التعليق.
٢٠- المقترب في المضطرب.
- ومنهم: تلميذ الحافظ ابن حجر العسقلاني، وهو: الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي القاهري الشافعي١ "ولد في ربيع الأول ٨٣١هـ"، وتوفي بالمدينة يوم الجمعة ١٧ من ذي القعدة سنة "٩٠٢هـ". جَدَّ في الرحلة، واهتم بملازمة شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني، وسمع منه الكثير من الحديث، وكان أكثر الآخذين عنه والمستفيدين منه، حتى حمل عنه ما لم يشاركه فيه غيره.
стр. 417
قال الشوكاني في "البدر الطالع"١: "وبالجملة فهو من الأئمة الكبار، حتى قال تلميذه جار الله بن فهد: ... والله العظيم لم أرَ في الحفاظ المتأخرين مثله، ويعلم ذلك كل من اطلع على مؤلفاته، أو شاهده، وهو عارف بفنه، منصف في تراجمه، ورحم الله جدي حيث قال في ترجمته: إنه انفرد بفنه، وطار اسمه في الآفاق به، وكثرت مصنفاته فيه وفي غيره، وكثير منها طار شرقًا وغربًا، شامًا ويمنًا، ولا أعلم الآن من يعرف علوم الحديث مثله، ولا أكثر تصنيفًا ولا أحسن، وكذلك أخذها عنه علماء الآفاق من المشايخ والطلبة والرفاق، وله اليد الطولى في المعرفة بأسماء الرجال، وأحوال الرواة، والجرح والتعديل، وإليه يُشار في ذلك، وقد قال بعض العلماء: لم يأتِ بعد الحافظ الذهبي مثله، سلك هذا المسلك، وبعده مات فن الحديث، وأسف الناس على فقده، ولم يخلف بعده مثله".
وقد سمع الكثير جدًّا على المسندين والشام والحجاز، وانتقى وخرَّج لنفسه ولغيره.
وقال السخاوي في كتابه "فتح المغيث": "أمليت بمكة وبعدة أماكن من القاهرة وبلغ عدة ما أمليته من المجالس إلى الآن نحو الستمائة والأعمال بالنيات".
وقد بدأ السخاوي التصنيف قبل بلوغه التاسعة عشر من عمره. ذكر أبو جعفر البلوي في "ثبته"٢ أن علي بن عياد البكري أخبره أن السخاوي كتب له إجازة عامة وأحاله على فهرسته، وأخبر أن له مائة وستين تأليفًا، وأن بينه وبين النبي ﷺ عشرة رجال في الحديث.
ونص السخاوي في "الضوء اللامع"٣ أن ذلك كان سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، وظل يواصل التصنيف حتى بلغت مصنفاته عند وفاته نيفًا وأربعمائة، كما ذكر الكتاني في "فهرس الفهارس"٤.
стр. 418
ومن مصنفاته المطبوعة: "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، و"الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ"، و"المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة"، و"فتح المغيث شرح ألفية الحديث"، و"القول البديع في أحكام الصلاة على الحبيب الشفيع، و"التحفة اللطيفة في أخبار المدينة الشريفة، و"الابتهاج بأذكار المسافر والحاج"، و"تخريج أحاديث العادلين"، و"الفخر المتوالي فيمن انتسب للنبي ﷺ من الخدم والموالي".
- ومنهم: الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن سابق الدين، الخضيري، السيوطي "٨٤٩-٩١١هـ" "الإمام، والحافظ، والمحدث، والمؤرخ، والأديب، والمفسر....".
لما حج السيوطي شرب من ماء زمزم ليصل في الفقه إلى رتبة الحافظ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر العسقلاني، وكان يقول: "لو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها لقدرت على ذلك من فضل الله".
ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس، وخلا بنفسه في روضة المقياس على النيل منزويًا عن الناس، فألف أكثر كتبه، وكان الأغنياء والأمراء يزورونه ويعرضون عليه الأموال والهدايا فيردها، وطلبه السلطان مرارًا فلم يحضر إليه، وأرسل إليه هدايا فردها، وبقي على ذلك إلى أن مات.
وقد أحصيت مصنفاته في أحد الفهارس فبلغت "٧٢٥" مؤلفًا، منها الكتاب الضخم، ومنها الرسالة الصغيرة.
- ومنهم: أبو عبد الله ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي السعدي الصالحي "٥٦٩هـ-٦٤٣هـ" سمع من الدمشقيين، والبغداديين، والأصفهانيين، والنيسابوريين، والهرويين، وكتب عن أكثر من خمسمائة شيخ، وكتب، وصنف، وصحح، وجرح، ووثق وعدل.
стр. 419
قال تلميذه عمر بن الحاجب: "شيخنا أبو عبد الله، شيخ وقته، ونسيج وحده في الرواية، مجتهدًا في العبادة".
وقال الحافظ المزي: "الضياء أعلم بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغني".
روى عنه الحافظ ابن نقطة، وابن النجار، والبرزالي، وعمر بن الحاجب، وتوفي سنة "٦٤٣هـ"، وله مصنفات في أكثر العلوم، وأجلها مصنفات في علم الحديث، ومنها كتابه المشهور "الأحاديث المختارة" التي صحح فيها ما لم يُسبق إلى تصحيحه وسُلِّم له قوله فيها.
وذكر ابن تيمية والزركشي أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح الترمذي وابن حبان.
- ومنهم الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل عماد الدين بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، القرشي "ت ٧٧٤هـ" كانت له الرياسة في التفسير، والحديث، والتاريخ.
ومن مصنفاته: جامع المسانيد، وعلوم الحديث، والتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل، والاجتهاد في طلب الجهاد، والبداية والنهاية، وتفسير القرآن العظيم.
ومن الملاحظ أن هذه الفترة المشار إليها لم تكن طريقة الرواية بالمشافهة والإملاء منتشرة فيها مثل العصور الأولى، ولم يهتم بها إلا القلائل من أمثال الحافظ ابن حجر، ومن قبله الحافظ زين الدين العراقي، وكان جل علماء الحديث في هذا الدور يعكفون على كتب الأولين بالجمع، والشرح، والاختصار، والتخريج، ونحو ذلك، ثم انعدمت العناية بالحديث وعكف بعض العلماء على الفروع إلا قلائل في مختلف الأقطار.
стр. 420
ثانيًا: طريقة العلماء في خدمة الحديث الشريف في هذه الفترة
عكف علماء الحديث في هذه الفترة على كتب السابقين، فتناولوها بالترتيب، والانتقاء، والتخريج، والتهذيب، والجمع بين الكتب، وعمل الأطراف، وإخراج الزوائد، وإليك توضيح ذلك:
أولًا: تخريج أحاديث بعض المصنفات والمؤلفات المختلفة
معظم العلماء لم يهتموا بتخريج الأحاديث التي تشتمل عليها مصنفاتهم في التفسير، أو العقيدة، أو الفقه، أو التصوف، ونحوها، وأيضًا لم يهتموا ببيان درجتها من صحة أو ضعف، فاهتم بعض العلماء في هذه الفترة بجمع أحاديث بعض هذه المصنفات في مصنف مستقل وبيَّن درجتها، ومن أمثلة ذلك:
١- تخريج أحاديث تفسير الكشاف: للحافظ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي نسبة إلى زيلع "ميناء على ساحل البحر الأحمر"، الحنفي، المتوفى بالقاهرة سنة "٧٦٢هـ"، استوعب ما في الكشاف من الأحاديث المرفوعة التي يذكرها الزمخشري على سبيل الإشارة، ولم يتعرض غالبًا للآثار الموقوفة، وهو غير الزيلعي عثمان بن علي بن محمد شارح الكنز في فقه الحنفية المتوفى سنة "٧٤٣هـ". كان جمال الدين الزيلعي هذا مرافقًا لزين الدين العراقي في مطالعة الكتب الحديثية لتخريج الكتب التي كانا قد اعتنيا بتخريج أحاديثها، فالعراقي خرج أحاديث الإحياء للغزالي، والأحاديث التي يشير إليها الترمذي في كل باب، والزيلعي خرج أحاديث الكشاف وأحاديث الهداية في فقه الحنفية.
٢- الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف: للحافظ ابن حجر العسقلاني، لخصه من تخريج الزيلعي، وزاد عليه ما أغفله من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، وهذا الكتاب مطبوع مع آخر جزء من الكشاف.
٣- تخريج أحاديث المختصر: لابن الحاجب في الأصول لابن حجر، وابن الملقن، ومحمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي المتوفى سنة "٧٢٤هـ".
стр. 421
٤- تخريج أحاديث الهداية في فقه الحنفية: لجمال الدين الزيلعي المتقدم سماه "نصب الراية لأحاديث الهداية" وهو مطبوع بمصر، ومنه استمد كثير ممن جاء بعده من شُرَّاح الهداية، كما استمد منه الحافظ ابن حجر في تاريخه كثيرًا، وهو شاهد على تبحر جمال الدين الزيلعي في الحديث، وأسماء الرجال وسعة نظره في فروع الحديث، وللحافظ ابن حجر "الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية" مطبوع بدهلي سنة "١٣٥٠هـ".
٥- تخريج أحاديث الإحياء للغزالي: لزين الدين العراقي، وله عليها تخريجان: كبير وصغير، والأخير هو المتداول المطبوع من كتاب الإحياء بمصر.
٦- تخريج أحاديث الأذكار للنووي، والأربعين له، وأحاديث المصابيح، والمشكاة: للحافظ ابن حجر، ولم يكمل تخريج الأذكار، وسمى تخريج المصابيح والمشكاة "هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة".
٧- تخريج أحاديث "الشفاء للقاضي عياض": للحافظ السيوطي سماه "مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا".
٨- تخريج أحاديث "منهاج الأصول للبيضاوي": لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي "٧٢٧-٧٧١هـ".
كما خرَّجه أحاديثه أيضًا ابن الملقن الحافظ والمحدث عمر بن علي أبو الحسن بن أحمد بن محمد الأنصاري الشافعي، الملقب بسراج الدين، الأندلسي الأصلي ثم المصري "٧٢٣-٨٠٤هـ"، والحافظ زين الدين العراقي "٧٢٥-٨٠٦هـ".
هذا وكتب التخاريج كثيرة جدًّا، وهي رمز صادق لأعمال المحدثين وجهودهم في الكشف عن قيمة الأحاديث المتناثرة في كتب العلوم المختلفة حتى لا يغتر الناس بما يجدونه منها؛ بل ينبغي لهم الرجوع إلى تلك التخاريج ليعلموا الصحيح منها من العليل١.
стр. 422
ثانيًا: تخريج أحاديث اشتهرت على الألسنة
يدور على ألسنة الناس في كل زمان أحاديث يذكرونها على سبيل الأمثال والحكم، بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، وبعضها موضوع مكذوب، وأكثر ما يروج هذا على ألسنة العامة، ومن لا علم عندهم من الخاصة، ولم يهمل هذا النوع من الأحاديث أهل الحديث وحفاظ الأمة، فصنفوا فيها كتبًا، وبينوا درجتها، ومن ذلك كتاب: "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي "٨٣١-٩٠٢هـ"، وقد اختصر المقاصد تلميذ السخاوي عبد الرحمن بن الديبع الشيباني وسمى مختصره: "تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على الألسنة من الحديث".
ثالثًا: كتب الأطراف
وهي الكتب التي تهتم بذكر طرف من الحديث يدل على بقيته، وغالبًا تكون مقيدة بكتب مخصوصة، ومنها:
١- كتاب "إتحاف المهرة بأطراف العشرة" للحافظ ابن حجر العسقلاني، والعشرة هي: الموطأ، مسند الشافعي، مسند أحمد، مسند الدارمي، صحيح ابن خزيمة، منتقى ابن الجارود، صحيح ابن حبان، مستدرك الحاكم، مستخرج أبي عوانة، شرح معاني الآثار، سنن الدارقطني، وإنما زاد العدد واحدًا؛ لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه سوى قدر ربعه.
٢- أطراف مسند الإمام أحمد لابن حجر أيضًا، أفرده من "كتاب إتحاف المهرة"، ويسمى "أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي".
٣- أطراف الأحاديث المختارة للضياء المقدسي لابن حجر العسقلاني.
٤- أطراف مسند الفرودس لابن حجر العسقلاني أيضًا.
٥- أطراف صحيح ابن حبان لأبي الفضل العراقي.
٦- أطراف المسانيد العشرة لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن أبي بكر الكناني البوصيري الشافعي نزيل القاهرة، المتوفى سنة "٨٤٠هـ"، ويريد بالمسانيد
стр. 423
العشرة: مسند أبي داود الطيالسي، ومسند أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، ومسند مسدد بن مسرهد، ومسند محمد بن يحيى بن عمر العدني، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند أحمد بن منيع، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة، ومسند أبي يعلى الموصلي١.
رابعًا: كتب الزوائد
لا يوجد مصنف في الحديث الشريف استوعب جميع الأحاديث النبوية، مهما كانت ضخامة المصنف أو كبر حجمه؛ وإنما جمع كل مصنف في كتابه ما تيسر له، أو ما رآه على شرطه، فجاء المتأخرون وأخرجوا الأحاديث الزائدة في كتاب على آخر في مصنفات خاصة لهم، وسموا ذلك بكتب الزوائد، ومن أشهر هذه الكتب ما يأتي:
١- كتاب زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الخمسة.
٢- كتاب إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة "أي: على الكتب الستة" والمسانيد العشرة هي: مسند أبي داود الطيالسي، والحميدي، ومسدد، وابن أبي عمر، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن حميد، والحارث بن محمد بن أبي أسامة، وأبي يعلى الموصلي.
٣- كتاب زوائد السنن الكبرى للبيهقي، على الكتب الستة أيضًا، ويسمى فوائد المنتقى لزوائد البيهقي.
وهذه الكتب الثلاثة للحافظ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم البوصيري المتوفَّى سنة "٨٤٠هـ".
٤- كتاب المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية للحافظ ابن حجر
стр. 424
"٧٧٣-٨٥٢هـ" على الكتب الستة، والمسانيد الثمانية هي: مسند ابن أبي عمر العدني، ومسند أبي بكر الحميدي، ومسند مسدد، ومسند الطيالسي، ومسند ابن منيع، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث.
وله أيضًا زوائد مسند البزار، ومسند أحمد على الكتب الستة.
٥- كتاب "زوائد مسند أحمد على الكتب الستة" وكتاب "زوائد مسند البزار على الكتب الستة" ويسمى "البحر الزخار في زوائد مسند البزار"، وكتاب "زوائد مسند أبي يعلى الموصلي على الكتب الستة"، وكتاب "زوائد المعجم الكبير للطبراني على الكتب الستة"، واسمه "البدر المنير في زوائد المعجم الكبير"، وكتاب "زوائد المعجم الأوسط والأصغر" للطبراني على الكتب الستة واسمه "مجمع البحرين في زوائد المعجمين"، وهذه الكتب كلها للحافظ نور الدين أبي الحسين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي "بالمثلثة" المصري المتوفى سنة "٨٠٧هـ"، وهو رفيق أبي الفضل العراقي في سماع الحديث وصهره وتلميذه، ثم إنه جمع هذه الكتب كلها في كتاب عظيم سماه "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" مع حذف الأسانيد والتمييز بين الصحيح والحسن والضعيف، فهو كتاب نفيس "مطبوع"، وللهيثمي أيضًا كتاب زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين في مجلد سماه "مورد الظمآن إلى زوائد ابن حبان"، وكتب الزوائد كثيرة جدًّا، وفي هذا القدر كفاية١.
خامسًا: الجوامع
وهي الجمع بين عدة مصنفات حديثية في مصنف واحد، ومنها:
١- كتاب "جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن" للحافظ إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي المعروف بابن كثير "ت ٧٧٤هـ" جمع فيه بين الصحيحين،
стр. 425
وسنن النسائي، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، ومسانيد: أحمد، والبزار، وأبي يعلى، والمعجم الكبير للطبراني.
٢- جمع الجوامع للحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفَّى سنة "٩١١هـ" جمع فيه بين الكتب الستة وغيرها، وقد قصد في كتابه هذا جميع الأحاديث النبوية بأسرها، وقال المناوي: إنه مات قبل أن يتمه، ولقد اشتمل على كثير من الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة، وقد هذب ترتيبه علاء الدين علي بن حسام الهندي "ت ٩٧٥هـ" في كتابه "كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال"، ثم اختصر كنز العمال في كتاب أسماه "منتخب كنز العمال"، وقد طبع المنتخب مع مسند أحمد بمصر، كما طبع كنز العمال بالهند، وقد اختصر السيوطي كتابه هذا، وسمى المختصر "الجامع الصغير في حديث البشير النذير"١.
- كتب جامعة لأحاديث الأحكام: من ذلك ما يأتي:
١- كتاب "الإلمام في أحاديث الأحكام" لابن دقيق العيد المتوفى سنة "٧٠٢هـ"، جمع فيه متون الأحكام مع حذف الأسانيد، وشرحه في كتابه الإمام، لكن لم يكمل شرحه، ويقال: إن شرحه هذا لم يؤلف أعظم منه في بابه لما فيه من الاستنباطات والفوائد٢.
٢- كتاب "تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" للحافظ زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي "٧٢٥-٨٠٦هـ"، جمع فيه أحاديث الأحكام لابنه أبي زرعة، قال في خطبته: "وبعد، فقد أردت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرًا في أحاديث الأحكام يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث ألا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار يُستغنى بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار.