"وخرج بالاسم الفعل نحو: يدعو"، وجعله علمًا عارض، "و" خرج "بالمعرب" المبني أصالة "نحو: هو". وأما أسماء البلدان نحو: سنبو١ والبيهو في الإقليم الصعيدي، فالظاهر أنها غير عربية كـ: سمندو٢.
"و" خرج "بذكر الضم نحو: دلو"، فإن ما قبل الواو ساكن، "و" خرج "باللزوم نحو: هذا أبوك" فإن الواو فيه ليست بلازمة، فإنها تقلب ألفًا في النصب وياء في الجر، "وتقول: يا علاء، بإبدال الواو همزة لتطرفها بعد ألف زائدة كما في كساء" فإن أصله: كساو، لأنه من "كسوت" فأبدلت الواو همزة لما ذكر. "وتقول: يا كرا بإبدال الواو ألفًا لتحريكها وانفتاح ما قبلها" ولم يكن بعدها ساكن "كما في العصا".
والعلاوة بكسر العين المهملة: ما علقته على البعير بعد تمام الوقر، والكروان، بفتح الكاف والراء: طائر طويل العنق، وهو ذكر الحبارى.
стр. 1017
فصل:
"يختص ما فيه تاء التأنيث بأحكام منها: أنه لا يشترط لترخيمه علمية"، بل مطلق التعريف فيه كاف ولو بالقصد، "ولا زيادة على ثلاثة أحرف، كما مر" في قوله: "ثم إن كان المنادى مختومًا بتاء التأنيث جاز ترخيمه مطلقًا، تقول في هبة علما: يا هب، وفي جارية لمعينة: يا جاري".
"و" منها: "أنه إذا حذف منه التاء توفر من الحذف ولم يستتبع حذفها حذف حرف قبلها"، لأن تاء التأنيث في حكم كلمة منفصلة عما قبلها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٠٩-
.............................. ... ........... والذي قد رخما
٦١٠-
بحذفها وفره بعد ... ... ........................
"فتقول في" ترخيم "عقنباة"، بفتح العين المهملة والقاف وبسكون النون بعدها موحدة فألف فتاء تأنيث، صفة للعقاب، يقال: عقاب عقنباة أي: ذو مخاليب حداد: "يا عقنبا" بالألف، ولا تحذف لما مر.
"و" منها أنه لا يرخم إلا على نية المحذوف" خوف الالتباس بالمذكر "تقول في" ترخيم "مسلمة" بضم الميم، "وحارثة" بالحاء المهملة، والثاء المثلثة، "وحفصة: يا مسلم ويا حارث ويا حفص، بالفتح" فيهن، ولا تقول: يا مسلم ويا حارث ويا حفص، بالضم فيهن على لغة من لا ينتظر المحذوف "لئلا يلتبس بنداء" مذكر لا ترخيم فيه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦١٨-
والتزم الأول في كمسلمه ... ................................
"فإن لم يخف لبس١ جاز" ترخيمه على لغة من لا ينتظر المحذوف، "كما في نحو: همزة" علمًا، بضم الهاء٢ وفتح الميم والزاي، وهو المغتاب يستوي فيه المذكر والمؤنث
стр. 1018
يقال: رجل همزة وامرأة همزة، وفي التنزيل: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] . "ومسلمة" بفتح الميم، علم رجل، وليست التاء فيه للفرق بين المذكر والمؤنث، فتقول إذا رخمتهما على لغة من لا ينتظر: يا همز ويا مسلم، بالضم فيهما، إذ لا لبس بذلك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦١٨-
...................................... ... وجواز الوجهين في كمسلمه
"و" منها "أن نداءه مرخمًا أكثر من ندائه تامًّا" من غير ترخيم "كقوله"، وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٧٣٦-
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أراد: يا فاطمة. و"أزمعت" بزاي وعين مهملة: أي أحكمت عزمك، والصرم: القطع، والإجمال: الإحسان.
"ولكن يشاركه في هذا" الحكم الأخير "مالك وغامر وحارث"، فترخيمهن أكثر من ترك الترخيم لكثرة استعمالهن في النداء. ووجه اختصاص ما فيه تاء التأنيث بذلك أنه لا يتوقف على كثرة استعماله، فافترقا.
стр. 1019
فصل:
"ويجوز ترخيم غير المنادى بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون ذلك في الضرورة".
الشرط: "الثاني: أن يصلح الاسم" المراد ترخيمه "للنداء" أي لمباشرة حرف النداء، وإليها أشار الناظم بقوله:
٦١٩-
ولاضطرار رخموا دون ندا ... ما للندا يصلح..............
في الضرورة، "فلا يجوز" ترخيم الضرورة "في نحو: الغلام"، مما فيه "أل" لأنه لا يصلح لمباشرة حرف النداء، ومن ثم خطئ من جعل من ترخيم الضرورة١ قول العجاج: [من الرجز]
٧٣٧-
أوالفا مكة من ورق الحمي
بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وأصله: الحمام، بالتخفيف، فحذف المين الثانية وقلبت الألف ياء للقافية. وقيل: حذفت الألف وأبدلت الميم ياء، ويحتمل أن يكون حذف منه الألف والميم للضرورة كقوله: [من الكامل]
٧٣٨-
درس المنا بمتالع فأبان ... ..............................
وكسرت الميم الأولى للقافية والياء إشباع، ورق، بضم الواو: جمع ورقاء، وهي التي في لونها بياض إلى سواد.
стр. 1020
الشرط "الثالث: أن يكون" المرخم في الضرورة "إما زائدًا على الثلاثة" وذلك مأخوذ من قول الناظم:
٦١٩-
............................ ... ............. نحو أحمدا
"أو" مختوما "بتاء التأنيث"، فالأول "كقوله"، وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٧٣٩-
لنعم الفتى يعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر
أراد: ابن مالك، فرخمه في غير النداء ضرورة، وترك ما بقي كأنه اسم برأسه، ونونه على لغة من لا ينتظر. ويعشو: يسير في العشاء، وهو الظلام١، والخصر، بفتح الخاء والصاد المهملتين: شدة البرد. والثاني كقول الأسود بن يعفر: [من الطويل]
٧٤٠-
وهذا ردائي عنده يستعيره ... ليسلبني حقي أمال بن حنظل
أراد: ابن حنظلة، فرخمه في غير النداء ضرورة.
"ولا يمتنع" الترخيم في الضرورة "على لغة من ينتظر المحذوف" عند سيبويه٢ وجمهور البصريين٣، "خلافًا للمبرد"٤، قالوا: "ودليلنا" القياس على النداء والسماع، ومنه قول أوس التميمي: [من البسيط]
٧٤١-
إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته ... أو أمتدحه فإن الناس قد علموا
стр. 1021
أراد: ابن حارثة، فرخمها بحذف التاء على لغة من ينتظر، وقوله: وهو جري: [من الوافر]
٧٤٢-
ألا أضحت حبالكم رماما ... وأضحت منك شاسعة أماما
أراد: أمامة، بضم الهمزة، علم امراة، فرخمها بحذف التاء على لغة من ينتظر. ورماما: جمع رمة، بضم الراء المهملة، وهي القطعة البالية من الحبل، وأنشده المبرد١:
................................. ... وما عهدي كعهدك يا أماما
قال ابن مالك في شرح الكافية٢: والإنصاف يقتضي تقرير الروايتين، ولا ترفع إحداهما بالأخرى. ا. هـ.
وفهم من عدم اشتراط التعريف في ترخيم الضرورة أنه يجيء في النكرات، كقوله: [من الخفيف]
٧٤٣-
ليس حي على المنون بخال ... .....................................
أي: بخالد.
стр. 1022
باب المنصوب على الاختصاص:
والاختصاص في الأصل اختصصته بكذا، أي خصصته١ به، وفي الاصطلاح: تخصيص حكم علق بضمير بما٢ تأخر عنه من اسم ظاهر معرف.
والباعث عليه فخر أو تواضع أو زيادة بيان، فالأول نحو: علي؛ أيها الجواد؛ يعتمد الفقير. والثاني نحو: إني؛ أيها العبد؛ فقير إلى عفو الله. والثالث نحو: نحن؛ العرب؛ أقرى الناس للضيف٣.
وهو خبر استعمل بصورة النداء توسعا، كما استعمل الخبر بصيغة الأمر، نحو: أحسن بزيد: والأمر بصيغة الخبر نحو: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . "و" المنصوب على الاختصاص "هو اسم" ظاهر غير نكرة ولا مبهم، "معمول لـ: أخص" مضارع "خص" "واجب الحذف"، كما يجب حذف ناصب المنادى.
"فإن كان" المنصوب على الاختصاص "أيها" في التذكير، إفرادًا وتثنية وجمعًا، "أو: أيتها" في التأنيث إفرادًا وتثنية وجمعًا، "استعملا" في الاختصاص "كما يستعملان في النداء، فيضمان" لفظًا وينصبان محلا، ويتصل بهما "ها" التنبيه وجوبًا، "ويوصفان لزومًا باسم لازم الرفع" مراعاة للفظيهما، "محلى بـ: أل" الجنسية. "نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل" فأنا أفعل" مبتدأ وخبر: وأيها: في موضع نصب على الاختصاص بفعل محذوف وتقديره "أخص" و"الرجل": نعت "أي" على اللفظ.
стр. 1023
"واللهم اغفر لنا أيتها العصابة"١ بكسر العين، فأيتها؛ بالضم في موضع نصب على الاختصاص بفعل محذوف تقديره "أخص" والعصابة: نعت "أيتها" على اللفظ، وجملة الاختصاص في المثالين في موضع نصب على الحال. والمعنى: أنا أفعل كذا مخصوصًا من بين الرجال، واللهم اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب.
وما ذكره من أن أيها وأيتها مبنيان على الضم في موضع نصب بفعل الاختصاص محذوفًا هو مذهب الجمهور، وذهب الأخفش إلى أن كلا منهما منادى، قال٢: ولا ينكر أن ينادي الإنسان نفسه. ألا ترى إلى قول عمر ﵁: "كل الناس أفقه منك يا عمر".
وذهب السيرافي٣ إلى أن "أيا" في الاختصاص معربة، وزعم أنها تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، [والتقدير: أنا أفعل كذا هو أيها الرجل، أي المخصوص به. والثاني أن يكون مبتدأ والخبر محذوف] ٤ والتقدير: أيها الرجل المخصوص أنا المذكور.
"وإن كان" المنصوب على الاختصاص "غيرهما" أي غير أيها وأيتها "نصب" لفظًا، سواء كان [لفظه] ٥ مفردًا أم مضافًا، فالأول "نحو: نحن"؛ العرب، أقرى الناس للضيف. والثاني [نحو] ٥ قوله ﷺ : "إنا " معاشر الأنبياء لا نورث " " ٦، فالعرب ومعاشر: منصوبان على الاختصاص بفعل محذوف وجوبًا تقديره: أخص العرب وأخص معاشر الأنبياء. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٢٠-
الاختصاص كنداء........ ... ............................
البيتين٧.
стр. 1024
والمنصوب على الاختصاص يشارك المنادى في ثلاثة أحكام:
أحدها: إفادة الاختصاص بالمتكلم، كما أن المنادى يفيد الاختصاص بالمخاطب.
والثاني: أن كل واحد منهما لا يكون إلا للحاضر.
والثالث١: أن الاختصاص واقع في معرض التوكيد، والنداء قد٢ يكون كذلك، كقولك لمن هو مصغ إليك: كان الأمر كذا يا فلان.
"ويفارق المنادى في أحكام" لفظية ومعنوية: فأما الأحكام اللفظية فأمور:
"أحدها: أنه ليس معه حرف نداء لا لفظًا ولا تقديرًا"، بخلاف المنادى فإنه لا يخلو عن ذلك.
"الثاني: أنه لا يقع في أول الكلام بل في أثنائه" أي وسطه، "كالواقع بعد: نحن" في المثال، وبعد "أنا" "في الحديث المتقدم"، وهذا الحديث بلفظ "نحن". قال الحافظ٣: غير موجود، وإنما الموجود في سنن النسائي الكبرى: إنا معاشر الأنبياء٤. كما شرحنا. "أو بعد تمامه" أي الكلام "كالواقع بعد "أنا" و"لنا"٥ في المثالين قبله" وهما "أنا أفعل كذا أيها الرجل" و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" فالمخصوص وهو "أيها" في المثال الأول "أيتها" في المثال الثاني وقعا بعد تمام الكلام، لأن كلا من قولك "أنا أفعل كذا" و"اللهم اغفر لنا" كلام تام٦ بخلاف المنادى، فإنه يقع في أول الكلام، نحو: يا الله اغفر لنا.
"والثالث: أنه يشترط أن يكون المقدم٧ عليه اسما بمعناه" في التكلم والخطاب، "والغالب كونه" أي: [كون] ٨ المقدم على المخصوص "ضمير تكلم" يخصه أو يشارك فيه، فالأول نحو: أنا أفعل كذا أيها الرجل، والثاني نحو: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة.
стр. 1025
"وقد يكون" المقدم "ضمير خطاب كقول بعضهم: بك؛ الله؛ نرجو الفضل"، فـ"بك" متعلق بـ"نرجو"، والله: منصوب على الاختصاص، والفضل: مفعول "نرجو". وفي هذا المثال شذوذان: كونه بعد ضمير خطاب، وكونه علمًا. قاله في الشذور١.
ولا يكون المتقدم ضمير غائب ولا اسما ظاهرًا، فلا يجوز: بهم معشر العرب؛ ختمت المكارم، ولا: بزيد؛ العالم؛ يقتدي الناس٢.
"والرابع والخامس: أنه يقل كونه علمًا، وأنه ينتصب مع كونه مفردا" معرفة٣، "كما في هذا المثال" وهو: بك؛ الله؛ نرجو الفضل، ومثله: سبحانك الله العظيم، والمنادى يكثر كونه علما، ويضم مع كونه مفردًا.
والسادس: أن يكون بـ"أل" قياسًا كقولهم: نحن؛ العرب؛ أقرى الناس للضيف، والمنادى لا يكون كذلك.
والسابع والثامن والتاسع والعاشر: أن لا يكون نكرة ولا اسم إشارة ولا موصولا ولا ضميرًا. قاله في الارتشاف٤. والمنادى يكون كذلك.
الحادي عشر: أن "أيا" هنا لا توصف باسم الإشارة، وتوصف به في النداء.
الثاني عشر: أن صفة "أي" هنا واجبة الرفع٥ بلا خلاف، كما قاله في الارتشاف٦، وفي الثاني طرقها٧ خلاف، أجاز المازني نصبها.
الثالث عشر: أن أيا هنا اختلف في ضمتها: هل هي إعراب أو بناء، وفي النداء بناء بلا خلاف.
[الرابع عشر: العامل المحذوف هنا لم يعوض عنه شيء وعوض عنه في النداء حرف.
الخامس عشر: أن العامل المحذوف] ٨ هنا فعل الاختصاص، وفي النداء فعل الدعاء٩.
стр. 1026
والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر: أنه لا يكون تاليًا لحرف النداء، وأنه لا يعنى به إلا نفس المتكلم، وأنه لا يجوز فيه الترخيم.
والتاسع عشر والعشرون: أنه لا يستغاث به، وأنه لا يندب.
وأما الأحكام المعنوية فأمور:
أحدها: أن الكلام مع الاختصاص خبر، ومع النداء إنشاء.
والثاني: أن الغرض من ذكره تخصيص مدلوه من بين أمثاله بما نسب إليه.
والثالث: أنه مفيد لفخر أو تواضع أو زيادة بيان، بخلاف النداء فيهما.
стр. 1027
باب التحذير:
"وهو" في الأصل مصدر "حذر" بالتشديد، والمراد به هنا "تنبيه المخاطب على أمر مكروه لتجتنبه". ويكون بثلاثة أشياء: بـ"إياك" وأخواته. وبما ناب عنها من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب، نحو: نفسك، وبذكر المحذر منه، نحو: الأسد.
"فإن ذكر المحذر بلفظ "إيا" فالعامل" في محلها١ النصب فعل "محذوف لزومًا"، لأنه لما كثر التحذير بلفظ "إيا" جعلوه بدلا من اللفظ بالفعل، والتزموا معه إضمار العامل، "سواء عطفت عليه" المحذر منه، نحو: إياك والشر، "أم كررته" نحو: [من الطويل]
٧٤٤-
إياك إياك المراء..... ... ........................
"أم لم تعطف ولم تكرر" نحو: إياك الأسد، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٢٢-
إياك والشر ونحوه نصب ... محذر بما استتاره وجب
٦٢٣-
ودون عطف ذا لإيا انسب..... ... .....................................
"تقول" إذا عطفت عليه المحذر منه: "إياك والأسد" فإياك: في محل نصب بفعل محذوف تقديره: أحذر، ونحوه، ثم قيل: يجب تقديره بعد "إياك" والأصل: إياك أحذر، لأنه لو قدر قبله لاتصل به، فقيل: أحذرك، فيلزم تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره٢ المتصل، وذلك خاص بأفعال القلوب وما ألحق بها.
стр. 1028
"و" قيل: "الأصل: احذر تلاقي نفسك، والأسد ثم حذف الفعل" وهو احذر "وفاعله" وهو ضمير المخاطب المستتر فيه، فصار "تلاقي نفسك والأسد" "ثم" حذف "المضاف الأول" وهو "تلاقي"، "وأنيب عنه الثاني" وهو "نفسك" "فانتصب" فصار "نفسك والأسد"، "ثم" حذف المضاف الثاني وهو "نفس" "وأنيب عنه الثالث" في التركيب وهو الكاف، "فانتصب" بعد أن كان مجرورًا بالإضافة، "وانفصل" لتعذر اتصاله فصار "إياك".
واختلف في إعراب ما بعد الواو فقيل: هو معطوف على "إياك" والتقدير: احذر نفسك أن تدنو من الأسد والأسد أن يدنو منك، وهذا مذهب كثيرين منهم السيرافي. واختاره ابن عصفور١.
واعترض بأن "إياك" محذر و"الأسد" محذر منه، والعطف يقتضي المشاركة في المعنى. وأجيب بأن مقتضى العطف الاشتراك في معنى الخوف، فلا يمتنع أن يكون أحدهما خائفًا والآخر مخوفًا منه. قاله الفخر الرازي في شرح المفصل. وذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أن ما بعد الواو منصوب بفعل آخر محذوف، فهو عندهما من قبيل عطف الجمل٣. واختار ابن مالك قولا ثالثا، وهو أن يكون معطوفًا عطف مفرد لا على التقدير الأول، بل على تقدير: اتق تلاقي نفسك والأسد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. قال: ولا شك في أن هذا أقل تكلفًا. انتهى. وظاهر صنيع الموضح موافقته.
"وتقول" إذا لم تعطف ولم تكرر: "إياك من الأسد"، واختلف في تحقيق العامل المحذوف فقال الجمهور: عامله فعل متعد لواحد، "والأصل: باعد نفسك من الأسد، ثم حذف "باعد" وفاعله" المستتر فيه فصار: نفسك من الأسد، "و" حذف "المضاف" وهو "نفس"، فانفصل الضمير وانتصب فصار: إياك من الأسد، فـ"إياك" منصوب "باعد" محذوفًا، و"من الأسد": متعلق بذلك المحذوف.
"وقيل": عامله فعل متعد لاثنين. و"التقدير: أحذرك من الأسد". قاله ابن الناظم٣ تبعًا لأبي البقاء٤، فحذف "أحذر"٥ وفاعله وانفصل الضمير لتعذر اتصاله
стр. 1029
"فنحو: إياك الأسد"، بحذف "من" ونصب "الأسد"، "ممتنع على التقدير، الأول، وهو قول الجمهور"، لما يلزم عليه من حذف "من" ونصب المجرور، وهو غير مطرد إلا مع "أن" و"أن" و"كي" كما تقدم في باب التعدي واللزوم، "وجائز على" التقدير "الثاني، وهو رأي ابن الناظم١" وأبي البقاء٢، لأن "أحذر" يتعدى إلى اثنين من غير واسطه، قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠] فالكلام على تقدير الجمهور إنشائي، وعلى تقدير ابن الناظم خبري.
"ولا خلاف في جواز: إياك أن تفعل"، على التقديرين، فجوازه على الأول لصلاحيته لتقدير: من" أي من أن تفعل، لأن حرف الجري حذف مع "أن" قياسًا مطردًا, كما تقدم، وجوازه على الثاني واضح لتعدي الفعل إليه بنفسه من غير تقدير واسطة.
"ولا يكون "إيا" في هذا الباب لمتكلم"، لأن المتكلم لا يحذر نفسه، "وشذ قول عمر ﵁: لتذك" من التذكية "لكم الأسل"٣ بفتح الهمزة والسين المهملة، وفي آخر لام، وهو هنا ما رق وأرهف من الحديد كالسيف والسكين ونحوهما. وفي كتاب٤ الضياء: الأسل: شجر الرماح، ويقال لكل نبت له شوك طويل، "والرماح": جمع رمح، "والسهام": جمع سهم.
"وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب", فقيل: الكلام جملتان، ثم قال الزجاج: أصله: "إياي وحذف الأرنب وإياكم وحذف الأرنب"، فحذف من كل جملة ما أثبت في الأخرى.
"و" قال الجمهور: "أصله: إياي باعدوا عن حذف الأرنب، وباعدوا أنفسكم أن يحذف أحدكم الأرنب، ثم حذف من الأول المحذور" وهو "حذف الأرنب" "و" حذف "من الثاني المحذر" وهو "باعدوا أنفسكم" وقيل: الكلام جملة واحدة.
ثم اختلف فقيل: حذفت أربعة أشياء، وأصله: إياي باعدوا عن حذف الأرنب وحذف الأرنب عني، فحذف فعل وفاعل ومفعول مقيد، وما عطف على هذا المفعول المقيد
стр. 1030
فإن الواو عطفت بشيئين على شيئين. وقال السيرافي: حذف شيئان فقط، وأصله: باعدوني وحذف الأرنب.
ولا يخفى ما في هذه الأقول من الضعف، أما قول الزجاج فإن فيه دعوى حذف "إياكم" ولا يليق حذفهما لما استقر لها في هذا الباب من أنها بدل من اللفظ بالفعل، وأما ما اختاره الموضح ففيه حذف من الأول لدلالة الثاني [عليه] ١، وهو قليل وفيه مخالفة لما يفهم من صنيعه في "إياك والأسد" أنهما جملة واحدة. وأما القول الثالث فيه كثرة حذف وتكرار، فإن مباعدتهم له عن حذف الأرنب مباعدة لحذف الأرنب عنه، وكذا هو في قول السيرافي، وإن لم يصرح به، فإن "باعدوني" ليس أمرًا بالمباعدة المطلقة، بل بالمباعدة عن شيء خاص، وكذا مباعدة حذف الأرنب إنما هي عنه، فمرجع القولين الأخيرين إلى قول واحد، وإن ظن شارحون أنهما غيران.
" ولا يكون" "إيا" في هذا الباب "لغائب"، لاختصاص التحذير بالمخاطب، "وشذ قول بعضهم"، أي العرب: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب٢". قال سيبويه٣: حدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمعه من أعرابي. والشواب: بالشين المعجمة وفي آخره موحدة مشددة: جمع "شابة". ويروى: السوءات، بالسين المهملة: جمع سوءة٤.
والمعنى: إذا بلغ الرجل ستين سنه فلا يتولع بشابة ولا يفعل سوءة. والكلام جملة واحدة، "والتقدير: فليحذر تلاقي نفسه وأنفس الشواب". فحذف الفعل وفاعله ثم المضاف الأول وأنيب عنه الثاني، ثم الثاني وأنيب عنه الثالث، فانتصب وانفصل، وأبدل "أنفس" بـ"أيا". لأنها تلاقيها في المعنى.
"وفيه شذوذان" آخران٥:
"أحدهما: اجتماع حذف الفعل" المجزوم بلام الأمر "وحذف حرف الأمر" وهو اللام، مع أن لام الأمر لا تحذف إلا في الضرورة كقوله: [من الطويل]
стр. 1031
٧٤٥-
محمد تفد نفسك كل نفس ... ....................................
أي: لتفد، فحذفها مع مجزومها أشد.
"و" الشذوذ "الثاني: إقامة المضمر وهو "إيا" الثانية مقام الظاهر وهو: الأنفس"، وإضافتها إلى الشواب، "لأن المستحق للإضافة إلى الأسماء الظاهرة اتفاقًا وإلى المضمرات على الأصح "إنما هو المظهر لا المضمر"، لأن الإضافة إما للتعريف, وإما للتخصيص، والضمير غني عن ذلك، لأنه١ أعرف المعارف؟
وذهب الخليل إلى أن "إياه" ضميران٢ أضيف أحدهما إلى الآخر٣، وإلى الشذوذ أشار الناظم بقوله:
٦٢٥-
وشذ إياي وإياه أشد ... وعن سبيل القصد من قاس انتبذ
"وإن ذكر المحذر"؛ بفتح الذال المعجمة؛ "بغير لفظ "إيا"٤ أو اقتصر على ذكر المحذر منه فإنما يجب الحذف" للعامل "إن كررت أو عطفت، فالأول" وهو ذكر المحذر بغير لفظ "إيا" مع التكرار، "نحو: نفسك نفسك"، ومع العطف نحو٥: نفسك وعينك.
"والثاني"، وهو الاقتصار على ذكر المحذر منه بغير لفظ "إيا" مع التكرار، "نحو: الأسد الأسد، و" مع العطف نحو: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] فالعامل في هذه الأمثلة الأربعة محذوف وجوبًا، لأن العطف كالبدل من اللفظ بالفعل، والتكرار بمنزلة العطف.
стр. 1032
"وفي غير ذلك يجوز الإظهار" للعامل "كقوله" وهو جرير: [من البسيط]
٧٤٦-
خل الطريق لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
فأظهر العامل وهو "خل" لأن المحذر منه وهو "الطريق" خال من التكرار والعطف. والمنار، بفتح الميم وتخفيف النون: حدود الأرض، والبرزة: الأرض الواسعة، والباء للظرفية، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٢٣-
............................. وما ... سواه ستر فعله لن يلزما
٤٢٤-
إلا مع العطف أو التكرار ... .............................
стр. 1033
باب الإغراء:
بالمد، "وهو" في الأصل مصدر "أغريت"، والمراد به هنا "تنبيه المخاطب على أمر محمود ليفعله".
"وحكم الاسم" المنصوب "فيه حكم" الاسم في "التحذير الذي لم يذكر فيه "إيا" فلا يلزم حذف عامله إلا في عطف أو تكرار"، لما تقدم، "كقولك" في العطف: "المروءة والنجدة"، بنصبهما، "بتقدير "الزم"، وقوله"، وهو مسكين الدارمي في التكرار: [من الطويل]
٧٤٧-
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
بنصب "أخاك" بتقدير "الزم" وجوبًا، و"أخاك" الثاني: توكيد، والهيجا، بالقصر هنا، والأكثر فيها١ المد: الحرب.
стр. 1034
ولا يعطف في التحذير والإغراء إلا بالواو خاصة، لأن المراد فيهما الجمع والاقتران في الزمان، فإن فقد العطف والتكرار جاز إظهار العامل نحو: الزم أخاك.
"ويقال: الصلاة جامعة"، بنصبهما، "فتنصب "الصلاة" بتقدير: احضروا و"جامعة" على الحال" من "الصلاة"، وناصبها "احضروا" المحذوف، "ولو صرح بالعامل" في "الصلاة" "لجاز"؛ لعدم١ العطف والتكرار. ويقال برفعهما على الابتداء والخبر، ويرفع الأول على الابتداء، ,حذف الخبر، ونصب "جامعة" على الحال، ونصب الأول على الإغراء، ورفع الثاني على الخبرية لمبتدأ محذوف. وإلى حكم الإغراء أشار الناظم بقوله:
٦٣٦-
وكمحذر بلا إيا اجعلا ... مغرى به في كل ما قد فصلا
стр. 1035
باب أسماء الأفعال
مدخل
...
باب أسماء الأفعال:
وهل هي أسماء لألفاظ الأفعال١ أو لمعانيها من الأحداث والأزمنة. أو أسماء للمصادر النائبة عن الأفعال، أو هي أفعال؟ أقوال: قال بالأول جمهور البصريين، وبالثاني صاحب البسيط، ونسبه إلى ظاهر قول سيبويه والجماعة، وبالثالث جماعة من البصريين، وبالرابع الكوفيون٢، وعلى القول: إنها أفعال حقيقة أو أسماء لألفاظ الأفعال لا مواضع لها من الإعراب عند الأخفش وطائفة. واختاره ابن مالك٣.
وعلى القول: إنها أسماء لمعاني الأفعال، موضعها رفع بالابتداء، وأغنى مرفوعها عن الخبر، وهو مذهب بعض النحويين.
وعلى القول: إنها أسماء للمصادر النائبة عن الأفعال، موضعها نصب بأفعالها النائبة عنها لوقوعها موقع ما هو في موضع نصب، وهو قول المازني وطائفة، والصحيح أن كلا منها اسم لفعل، وأنه لا موضع لها من الإعراب.
"واسم الفعل ما ناب عن الفعل معنى واستعمالا كـ: شتان" فإنه اسم ناب عن فعل ماض وهو "افترق"، "و: صه" فإنه اسم ناب عن فعل أمر وهو "اسكت"، "و: أوه" فإنه اسم ناب عن فعل مضارع٤ هو "أتوجع". [والمراد بالمعنى كونه يفيد ما يفيده الفعل الذي هو نائب عنه من الحدث والزمان] ٥، "والمراد بالاستعمال كونه" أبدًا
стр. 1036
"عاملا غير معمول" لعامل يقتضي الفاعلية والمفعولية. "فخرجت" الحروف نحو "إن" وأخواتها، فإنها وإن نابت عن الفعل في المعنى والاستعمال لكنها قد تهمل إذا اتصلت بها "ما" الكافة، فليست أبدًا عاملة، وخرجت "المصادر والصفات" النائبة عن أفعالها "في نحو: ضربًا زيدًا"، فإنه نائب عن "اضرب"، "و: أقائم الزيدان" فإنه نائب عن "يقوم"، "فإن العوامل"١ اللفظية والمعنوية "تدخل عليها" فتعمل فيها، ألا ترى أن "ضربًا" منصوب بما ناب عنه، وهو "اضرب"، و"أقائم" مرفوع بالابتداء.
"و" اسم الفعل "وروده بمعنى الأمر كثير كـ: صه ومه وآمين" فـ"صه" "بمعنى "اسكت"، و" "مه" بمعنى "انكفف" لا بمعنى "اكفف" لأن اكفف يتعدى و"مه" لا يتعدى. قاله في شرح الشذور٢ تبعًا لغيره٣.
ورد بأن ذلك غير مطرد, فإن "آمين" لا يتعدى و"استجب" يتعدى. "و" آمين، بالمد وبالقصر وبالإمالة لا بتشديد اللام بمعنى "استجب، ونزال" بالنون والزاي والبناء على الكسر بمعنى "انزل" "وبابه"، وهو منقاس من كل فعل ثلاثي تام متصرف، ولا ينقاس في غيره، وشذ "دراك" من أدرك، و"بدار" من بادر، قال: [من الرجز]
٧٤٨-
بدارها من إبل بدارها
وأجاز ابن طلحة بناءه من "أفعل" قياسًا على "دراك" وعلى بنائهم فعلي التعجب من "أفعل" وشذ قرقار بمعنى قرقر، أي: صوت، من قرقر بطنه، وأجاز الأخفش أن يقال: دحراج وقرطاس، قياسًا على قرقار٤. ولا يجوز من هب ودع: وهاب وداع، للجمود، ولا كوان قائمًا للنقص، ويجوز من التامة.
ولم يقس المبرد شيئًا من الباب لأنه ابتداع لما لم يمسع من الأسماء٥. ورد
стр. 1037
بأنه باب واحد كثر استعماله على منهاج واحد، فكان حقيقًا بالاتساع وإن فقد السماع. وبناؤه على الحركة لالتقاء الساكنين، وكانت كسرة على الأصل، وبنو أسد تفتحه إتباعًا وتخفيفًا. "و" وروده "بمعنى الماضي المضارع" المبدوء بالهمزة "قليل كـ: شتان، وهيهات".
فـ شتان: بفتح النون، وفي فصيح ثعلب١ أن الفراء كان يكسرها "بمعنى افترق"، كذا أطلق الجمهور وقيده الزمخشري٢ بكون الافتراق في المعاني والأحوال، قال ابن عمرون: كالعلم والجهل والصحة والسقم، قال: ولا تستعمل في غير ذلك، لا تقول: شتان الخصمان عن مجلس الحكم، ولا: شتان المتبايعان عن مجلس العقد، بمعنى افترقا عنه. انتهى.
وهيهات٣: حكى الصغاني فيها ستا وثلاثين لغة: هيهات، وأيهات، وهيهان، وأيهان، وهيهاه، وأيهاه، كل واحدة٤ من هذه الست مضمومة الآخر ومفتوحته ومكسورته، وكل واحدة منها منونة وغير منونة، فتلك ست وثلاثون.
وحكى غيره، هيهاك، وأيهاك، بكاف الخطاب. وأيهاء، وأيها، وهيهاء، فهذه إحدى وأربعون لغة، وكلهم بمعنى بعد.
"وأوه، وأف" فـ"أوه" "بمعنى أتوجع، و" أف"؛ وفيها أربعون لغة؛ ذكرتها في صدر الكتاب٥ وكلها بمعنى "أتضجر".
"و: وا، و: وي، و: واها"، الثلاثة٦ "بمعنى: أعجب" بفتح الهمزة، "كقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ " [القصص: ٨٢] فـ"وي": اسم فعل مضارع بمعنى "أعجب" والكاف: حرف تعليل وأن: مصدرية مؤكدة, أي: أعجب لعدم فلاح الكافرين". هذا قول الخليل وسيبويه٧. وقال أبو الحسن٨ "وي" "بمعنى"٩ "أعجب"، والكاف: حرف خطاب، وقيل: الكاف للتشبيه بمعنى الظن، فهما كلمتان.
стр. 1038
وقال الكسائي: "وي"١ محذوف من "ويلك"، قال عنترة: [من الكامل] .
٧٤٩-
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر أقدم
فهما كلمة واحدة. "وقول الشاعر": [من الرجز] .
٥٧٠-
وا بأبي أنت وفوك الأشنب ... كأنما ذر عليه الزرنب
أو زنجبيل وهو عندي أطيب
[فـ"وا" اسم بمعنى أعجب، و"بأبي": جار ومجرور، خبر مقدم، و"أنت" بكسر التاء: مبتدأ مؤخر، و"فوك"، بكسر الكاف: مبتدأ] ٢ و"الأشنب": من الشنب، بفتح الشين المعجمة والنون: حدة في الأسنان. ويقال: برد وعذوبة. كذا قاله الجوهري٣.
و"كأنما ذر" بالبناء للمجهول٤: خبر "فوك"٥ وهو من ذررت الحب، بالذال المعجمة.
و"الزرنب" كـ: جعفر: ضرب من النبات الرائحة كرائحة الأترج، وورقه كورق الطرفاء، وقيل: كورق الخلاف٦.
стр. 1039
"وقول الآخر"، وهو أبو النجم على ما قاله الجوهري١: [من الرجز]
٧٥١-
واها لسلمى واهًا واها ... هي المنى لو أننا نلناها
فـ"واها": اسم فعل بمعنى أعجب، قال الجوهري: إذا تعجبت من طيب شيء قلت: واهًا له، أي: ما أطيبه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٢٧-
ما نب عن فعل....... ... ..........................
البيتين٢.
стр. 1040
فصل:
"اسم الفعل ضربان:
أحدهما" مرتجل، وهو "ما وضع من أول الأمر كذلك": أي اسما للفعل "كـ: شتان، و: صه, و: وي"؛ فإنها موضوعة من أول أسماء لتلك الأفعال.
"والثاني": منقول، وهو "ما" وضع من أول الأمر لغير اسم الفعل ثم "نقل من غيره إليه، وهو"؛ أي المنقول بالنسبة إلى المنقول عنه؛ "نوعان":
أحدهما: "منقول من ظرف" للمكان، "أو جار ومجرور"، فالمنقول من الجار والمجرور "نحو: عليك" زيدًا، فإنه نقل عن موضوعه الأصلي، واستعمل اسم فعل "بمعنى الزم" زيدًا، "ومنه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ " [المائدة/ ١٠٥] فـ"عليكم": اسم فعل، وفاعله مستتر فيه وجوبًا، و"أنفسكم": مفعول به على حذف مضاف، "أي: الزموا شأن أنفسكم. و" المنقول من ظرف المكان نحو: "دونك زيدًا، بمعنى: خذه، و: مكانك، بمعنى: اثبت١، و: أمامك، بمعنى: تقدم، و: وراءك، بمعنى: تأخر. و" من المنقول من الجار والمجرور: "إليك، بمعنى: تنح"، وكان المناسب أن يذكره مع "عليك" ولكنه ذكر المتعدي من الظرف والجار والمجرور على حدة، والقاصر منهما على حدة، وذكر أربعة ظروف، واحد متعد وهو "دونك" وثلاثة قاصرة وهي "مكانك" و"أمامك" و"وراءك" وهي منقسمة بالنسبة لما أنت فيه، ولما تقدمك، ولما تأخر عنك. وذكر جارين ومجرورين، أحدهما متعد وهو "عليك" والثاني قاصر وهو "إليك". وزعم الكوفيون أن "إليك" تأتي بمعنى "أمسك" فتتعدى بنفسها. قيل: وقد تتعدى "عليك" بالباء كقول الأخطل: [من الكامل]
٧٥٢-
فعليك بالحجاج لا تعدل به ... أحدًا إذا نزلت عليك أمور
وفيه بحث لاحتمال أن تكون الباء زائدة.
стр. 1041
وشذ مجيء "علي" اسم فعل مضارع بمعنى "الزم" و"عليه" اسم فعل لـ"يلزم"، والباب كله سماعي عند البصريين، والكسائي يقيس بقية الظروف على ما سمع بشرط الخطاب، نحو: عليك. واختلف في الكاف المتصلة بـ"عليك"١ وأخواته، فقال ابن بابشاذ: حرف خطاب وقال الجمهور: ضمير المخاطب، ثم اختلفوا في موضعها من الإعراب، فقال الكسائي: نصب على المفعولية، وقال الفراء: رفع على المفعولية، وقال البصريون: جر، فقيل: على ما كان قبل إقامته مقام الفعل بناء على أنها أسماء للأفعال, وقيل: الجر بالإضافة بناء على أنها أسماء للمصادر، واختاره الموضح في "الحواشي" فقال إن "علي" مثلا اسم للزوم، تقول: "عليك" بمعنى "إلزامك" فللكاف موضع خفض ورفع. ا. هـ.
واستفدنا من ذلك٢ أن اسم الفعل إنما هو الجار فقط والمجرور خارج عنه، وذلك خلال ما صرح به هنا.
"و" النوع الثاني: "منقول من مصدر، وهو نوعان: مصدر استعمل فعله ومصدر أهمل فعله، فا" لنوع "الأول نحو: رويد زيدًا، فإنهم قالوا: أروده إروادا بمعنى أمهله إمهالا، ثم صغروا الإرواد" الذي هو مصدر "أرود" "تصغير الترخيم"، فحذفوا الهمزة والألف الزائدتين، وأوقعوا التصغير على أصوله فقالوا: رويدًا، وسمي تصغير ترخيم لما فيه من حذف الزوائد، والترخيم حذف، "وأقاموه مقام فعله" الدال على الأمر.
"واستعملوه تارة مضافًا إلى مفعوله فقالوا: رويد زيد، وتارة منونًا ناصبًا للمفعول" به "فقالوا: رويدًا زيدًا"، فـ"رويدا" فيهما بمعنى "أرود" وفاعله مستتر فيه وجوبًا، لأنه نائب عن فعل أمر، و"زيدًا" مفعول به مجرور في الأول، منصوب في الثاني. وتارة منونًا غير ناصب للمفعول، فقالوا: رويدًا يا زيد.
وقد لا يقيمونه مقام فعله فيستعملونه منصوبًا حالا عند سيبويه٣، نحو: ساروا رويدًا، أي: مرودين، أو حال كون السير رويدًا، أو نعتًا لمصدر مذكور أو مقدر، فالأول، نحو: ساروا سيرًا رويدًا، والثاني نحو: ساروا رويدًا.
стр. 1042
"ثم [إنهم] ١ نقلوه" من المصدرية "وسموا به فعله فقالوا: رويد زيدًا"٢ بفتح الدال من "رويد" ونصبها من زيد.
"والدليل على أن" رويدًا "هذا" المفتوح "اسم فعل" لا مصدر "كونه مبنيًا"، ولو كان مصدرًا كان معربًا. "والدليل على بنائه كونه غير منون"، ولو كان معربًا كان منونًا، والدليل على أنه مصغر ضم أوله وفتح ثانيه واجتلاب ياء ثالثة، والدليل على أن تصغير إرواد تصغير ترخيم، كما قال البصريون، مجيئه متعديًا، ولو كان تصغير رود٣ بمعنى المهل٤ والرفق، مثل٥ قولهم: يمشي على رود، أي على مهل، كما قال الفراء٦، كان قاصرًا.
"و" النوع "الثاني": المهمل فعله، نحو "قولهم: بله زيدًا" أي: دعه، "فإنه في الأصل مصدر فعل مهمل"، وذلك الفعل المهمل "مرادف لـ: دع"، و"دع" لا مصدر له من لفظه وإنما له مصدر من معناه وهو الترك، "يقال: بله زيد، بالإضافة إلى المفعول كما يقال: ترك زيد" بالإضافة إلى المفعول، وأما ما جاء في الحديث: "من ودعهم الجمعة" ٧ فنادر، "ثم قيل" بعد أن نقلوه وسموا به فعله: "بله زيدًا، بنصب المفعول٨ وبناء: بله" على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا، لأنه نائب عن فعل أمر. و"بله" هذا اسم فعل، والدليل "على أنه اسم فعل" كونه مبنيًا، والدليل على بنائه كونه غير منون، وسكت الموضح عن هذا التعليل لأنه٩ لا يتم به التقريب، فإن
стр. 1043
"بله" المرادفة١ لـ"كيف" تشاركها في البناء وعدم التنوين، يقال: بله زيد، برفع زيد على الابتداء، وبله: خبر مقدم، أي كيف زيد، وبذلك يتم لـ"بله" ثلاثة أوجه: مصدر واسم مرادف لكيف، وقد روي بالأوجه الثلاثة قول الشاعر يصف السيوف: [من الكامل]
٧٥٣-
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكف كأنها لم تخلق
وقد تأتي لغير ذلك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٢٩-
والفعل من أسمائه عليكا ... وهكذا دونك مع إليكا
٦٣٠-
كذا رويد بله ناصبين ... ويعملان الخفض مصدرين
стр. 1044
فصل:
"يعمل اسم الفعل عمل مسماه" في التعدي واللزوم غالبًا، فإن كان مسماه لازمًا كان اسم فعله كذلك، فيقتصر على الفعل، "تقول: هيهات نجد، كما تقول بعدت نجد، قال" جرير: [من الطويل]
٧٥٤-
فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات خل بالعقيق نواصله
فالعقيق: فاعل هيهات الأول، وخل: فاعل هيهات الثالث، وهيهات الثاني لا فاعل له، لأنه لم يؤت به للإسناد بل لمجرد التقوية، والتوكيد للأول.
"و" إذا كان مسماه ما لا يكتفي بمرفوع واحد كان اسم فعله كذلك، "تقول شتان زيد وعمرو، كما تقول: افترق زيد وعمرو"، لأن الافتراق من المعاني النسبية التي لا تقوم إلا باثنين فصاعدًا. "و" إن كان مسماه متعديًا كان اسم فعله كذلك، تقول: "دراك زيدًا"، بنصب المفعول، "كما تقول: أدرك زيدًا"، بالنصب، وفي بعض النسخ: تراك زيدًا، بالتاء والراء والكاف، وهي أحسن، لأن دراك شاذ، لأنه من أدرك، وتراك مقيس لأنه من ترك، ومن غير الغالب، آمين وإيه، فإنهما لم يحفظ لهما مفعول ومسماهما متعد نحو: رب استجب دعائي وزدني علمًا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٣١-
وما لما تنوب عنه من عمل ... لها...............................
"وقد يكون اسم الفعل مشتركًا بين أفعال سميت به، فيستعمل على أوجه باعتبارها"، فيعمل عملها، فيصل إلى المفعول به بنفسه إذا كان بمعنى فعل متعد، وبحرف١ جر إن كان بمعنى فعل لازم، "قالوا: حيهل الثريد"، بالنصب، "بمعنى: ائت الثريد"، وهو خبز مغموس٢ بمرق اللحم.
стр. 1045
"و" قالوا: "حيهل على الخير" بـ"على" "أي: أقبل على الخير"، وهو ضد الشر، "وقالوا: إذا ذكر الصالحون فحيهل بعمر"١ فعدوه بالباء، وحذفوا المضاف، "أي: أسرعوا بذكره"، والمراد به عمر بن الخطاب ﵁، كما قال الحريري في المقامة التاسعة، وهو أثر يروى عن ابن مسعود ﵁.
ولكن اسم الفعل يخالف مسماه، فإن الفعل يجوز تقديم معموله المنصوب عليه، "ولا يجوز تقديم معمول اسم الفعل عليه" لقصور درجته عن الفعل لكونه فرعه في العمل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٣١-
........................... ... وأخر ما لذي فيه العمل
"خلافًا للكسائي" في إجازته تقديم معموله عليه إلحاقًا للفرع بأصله٢، "وأما" ما احتج به وهو قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله": أي الشخص، وهي جارية من بني مازن: [من الرجز]
٧٥٥-
يا أيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
"فمؤولان"، وتأويل الآية أن "كتاب الله" مصدر منصوب بفعل محذوف، وعليكم: متعلق به أو بالعامل المحذوف، والتقدير: كتب الله ذلك كتابًا عليكم، فحذف الفعل وأضيف المصدر إلى فاعليه على حد: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] ودل على ذلك المحذوف قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لأن التحريم يستلزم الكتابة. قاله الموضح في شرح القطر٣. وتأويل البيت أن "دلوي": مبتدأ، ودونك: خبره، وفيه نظر، لأن المعنى ليس على الخبر المحض حتى يخبر عن الدلو بكونه دونه.
стр. 1046
وجوز ابن مالك أن يكون "دلوي" منصوبًا بـ"دونك" مضمرة مدلولا عليها بـ"دونك" الملفوظة١، مستندًا لقول سيبويه في "زيدًا عليك"٢ كأنك قلت: عليك زيدًا. وفيما قاله نظر، لأن اسم الفعل لا يعمل محذوفًا، كما صرح به الموضح في متن القطر٣. وأما ما استند إليه من كلام سيبويه فمحمول على تفسير المعنى لا على تفسير الإعراب؟
وجوز بعضهم أن يكون "دلوي" منصوبًا بفعل محذوف دل عليه السياق، أي: تناول دلوي، وسكت عن "دونك". والمائح: من ماح، بالحاء المهملة، [وهو] ٤ الذي ينزل٥ البئر فيملأ الدلو إذا قل ماؤها.
стр. 1047
فصل:
"وما نون من هذه الأسماء" النائبة عن الأفعال تنوين تنكير "فهو نكرة وقد التزم ذلك" التنكير "في: واها وويها، كما التزم تنكير نحو: أحد وعريب" بفتح العين المهملة وكسر الراء. "وديار" بفتح الدال وتشديد الياء، كلاهما مرادف لـ"أحد"، وأطلق أحدًا وله استعمالات.
أحدها: مرادف الأول١، وهو المستعمل في العدد، نحو: أحد عشر.
الثاني: مرادف الواحد بمعنى المنفرد، نحو: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] .
الثالث: مرادف إنسان، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] .
الرابع: أن يكون اسما عامًّا في جميع من يعقل، نحو: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد﴾ [الحاقة: ٤٧] وهو المراد هنا، وهذا ملازم للتنكير غالبًا, ومن تعريفه قوله: [من البسيط]
٧٥٦-
وليس يظلمني في حب غانية ... إلا كعمرو وما عمرو من الأحد
قاله الموضح في الحواشي.
"وما لم ينون منها فهو معرفة، وقد التزم ذلك" التعريف "في نزال" بالنون والزاي، "وتراك" بالتاء والراء "وبابهما"، وهو كل فعل ثلاثي تام متصرف، كما التزم التعريف في المضمرات والإشارات والموصولات المعينة، أما إذا أريد بها غير معين فإنها تستعمل استعمال النكرات فتوصف بالنكرة، نحو: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] . قاله الموضح في باب الاستثناء.
وفي ضمير الغائب أقوال:
стр. 1048
ثالثها: إن رجع إلى واجب التنكير كـ: ربه رجلا، فنكرة، وإن رجع إلى جائز التعريف كـ: جاء فأكرمته، فهو معرفة كالراجع إلى معرفة، والصحيح أنه معرفة مطلقًا.
"وما استعمل بالوجهين"، بالتنوين وتركه، "فعلى معنيين": التعريف والتنكير:"وقد جاء على ذلك صه ومه وإيه، وألفاظ أخر" نحو: أف، فما نون منها فهو نكرة، وما لم ينون فهو معرفة. "كما جاء التعريف والتنكير في نحو: كتاب ورجل وفرس"، فمع التنوين نكرات وبدونه مع "أل" أو الإضافة معارف. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٣٢-
واحكم بتنكير الذي ينون ... منها وتعريف سواه بين
وذهب بعضهم إلى أن أسماء الأفعال كلها معارف. ما نون منها وما لم ينون، وأنها أعلام أجناس معنوية كـ: سبحان.
قال في البسيط: وهو ظاهر قول ابن خروف، والجميع مبني على الصحيح. وقال الفارسي وابن جني: ما كان منها ظرفًا فحركته إعرابية. نقله الموضح في الحواشي وقال: ينبغي أن لا يقولا به فيما كان مصدرًا نحو: رويد وبله. ا. هـ.
стр. 1049
باب أسماء الأصوات:
والدليل على اسميتها وجود التنوين في بعضها، وإذا ثبت النوع ثبت الجنس، ويستشكل صدق حد الكلمة عليها، لأنها ليست دالة على معنى مفرد، لأن المخاطب، بها من لا يعقل، فهي بمنزلة النعيق للغنم.
والجواب أن الدلالة كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه العالم بالوضع معناه، وهذا كذلك، إذ لم يقل: إن حقيقة الدلالة كون اللفظ١ يخاطب به من يعقل لإفهام معناه، حتى يرد ما ذكر، والنعيق لا أحرف له فلا لفظ فيه. قاله الموضح في حواشيه٢ ومن خطه نقلت٣.
"وهي نوعان:
أحدهما: ما خوطب به ما لا يعقل مما يشبه اسم الفعل" في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب لتحمله الضمير٤، واسم٥ الصوت مفرد لعدم تحمله الضمير٦، وهذا النوع قسمان: أحدهما أن يكون لدعاء ما لا يعقل، والثاني لزجره.
فالدعاء "كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جئ جئ" بكسر الجيم فيهما مكررين "مهموزين" كالأمر من "جاء" قاله السمين، وفي المحكم أنهما أمر للإبل بورود الماء. ا. هـ.
стр. 1050
يقال: جأجأت الإبل، إذا دعوتها لتشرب فقلت: جئ جئ. نقله الجوهري عن الأموي١ وأقره. والاسم "الجيء" على مثل البيع٣، والأصل: جأ، بهمزتين ساكنة فمتحركة، أبدلت الهمزة الأولى ياء. ويقال في الإبل إذا دعيت للعلف: هأ هأ، والاسم "الهيء". قال أبو عمرو: الهيء: الطعام، والجيء: الشراب، قال: [من الهزج]
٧٥٧-
وما كان على الجيء ... ولا الهيء امتداحيكا
"و" كقولهم "في دعاء الضأن: حاحا، و" في دعاء "المعز: عاعا" بالحاء المهملة في الأول، وبالعين المهملة في الثاني، حال كونهما "غير مهموزين، والفعل منهما حاحيت وعاعيت". قال سيبويه٣: وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها٤، لأن قولك: حاحيت، إنما هو صوت بنيت منه فعلا، يعني على فعللت وليست فاعلت. قال: والذي يدلك على أنها ليست فاعلت قولهم في الاسم: الحيحاء والعيعاء، بالفتح فيهما. ا. هـ.
"والمصدر: حيحاء وعيعاء"، بكسر أولهما، وأصلهما: حيحاي وعيعاي، أبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. قال الراجز وقد نطق بالفعل والمصدر جميعًا: [من الرجز]
٧٥٨-
يا عنز هذا شجر وماء ... عاعيت لو ينفعني العيعاء
"و" الزجر كقولهم "في زجر البغل: عدس" بفتح العين والدال المهملتين وبإهمال السين، "قال" يزيد بن مفرغ الحميري يهجو عباد بن زياد بن أبي سفيان: [من الطويل]
٧٥٩-
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق
فـ"عدس": [صوت] ٥ يزجر به البغل، وقد يسمى البغل به، والتقدير على التسمية به: يا عدس، فحذف حرف النداء. "وإمارة" بكسر الهمز [ة] ٦: أي أمر وحكم.
стр. 1051
"وقولنا: مما يشبه الفعل، احتراز من نحو قوله"، وهو النابغة الذبياني: [من البسيط]
٧٦٠-
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
فإن قوله: "يا دار مية"، خطاب لما لا يعقل، ولكنه لم يشبه اسم الفعل لكونه غير مكتفى به، ولذلك احتاج إلى قوله: "أقوت"، وخاطب الدار توجعًا منه لما رأى تغيرها. وذهب الكوفيون إلى أن قوله "يا دار مية" اسم موصول، و"بالعلياء": صلته. والعلياء: ما ارتفع من الأرض، والسند: عطف على العلياء، وسند الجبل: ارتفاعه، حيث يسند فيه، أي: يصعد، والفاء فيه بمعنى الواو، وأقوت، بالقاف، خلت. والسالف: الماضي، والأمد: الدهر. "وقوله"، وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٧٦١-
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فـ"أيها الليل" خطاب لما لا يعقل، ولكنه لم يشبه اسم الفعل لكونه غير مكتفى به، ولهذا احتاج إلى قوله: انجلي.
النوع "الثاني: ما حكي به صوت" مسموع، والمحكي صوته قسمان: حيوان وغيره، فالأول "كـ: غاق". بالغين المعجمة والقاف. "لحكاية صوت الغراب"، و"شيب" لحكاية صوت مشافر الإبل عند الشرب. "و" الثاني نحو: "طاق"، بالطاء المهملة والقاف، حكاية "لصوت الضرب، و: طق"، بفتح الطاء المهملة، حكاية "لصوت وقع الحجارة" بعضها على بعض، "و: قب"، بفتح القاف وسكون الموحدة، حكاية "لصوت وقع السيف على الضريبة"، وهي الدرقة.
"والنوعان" من أسماء الأصوت "مبنيان لشبههما بالحروف المهملة" كلام الابتداء "في أنها لا عاملة ولا معمولة، كما أن أسماء الأفعال بنيت لشبهها بالحروف المهملة"
стр. 1052
كـ: "ليت" "في أنها عاملة غير معمولة؛ وقد مضى ذلك في أول" هذا "الكتاب"١، بخلاف أسماء الأصوات فإنه لم يتقدم لبنائها ذكر فيتعين حمل قول الناظم:
٦٣٤-
..................................... ... والزم بنا النوعين فهو قد وجب
على نوعي أسماء الأصوات، وهما المذكوران في قوله:
٦٣٣-
وما به خوطب ما لا يعقل ... من مشبه اسم الفعل صوتا يجعل
٦٣٤-
كذا الذي أجدى حكاية كقب ... ...................................
وربما أعرب بعض أسماء الأصوات لتركيبه فقط، أو لتركيبه مع نقله عن معناه وجعله اسما للمحكي صوته أو للمصوت له به، فيكون حينئذ مرادفًا لاسم متمكن.
فالأول كقوله: [من الطويل]
٧٢٦-
........................................... ... كما رعت بالحوب الظماء الصواديا
يروى الحوب، بالوجهين: على الحكاية وعدمها، أي: كما رعت بهذا اللفظ الذي يصوت به. وهو "حوب" بفتح الحاء المهملة، والباء الموحدة، وهو زجر للإبل، وأما "جوت"، بضم الجيم وبالتاء المثناة فوق، المفتوحة، فهو لدعاء الإبل لا لزجرها.
والثاني كقوله: [من الرجز]
٧٦٢-
إذ لمتي مثل جناح غاق
فهذا بمنزلة قوله: مثال جناح غراب.
والثالث كقوله: [من الكامل]
٧٦٤-
ووقعت في عدس كأني لم أزل
قال الموضح في حواشيه: وهذان النوعان الأخيران ينبغي أن لا يجوز فيهما إلا الإعراب.
стр. 1053
باب نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة
مدخل
...
باب نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة:
"لتوكيد الفعل نونان: ثقيلة وخفيفة نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ﴾ " [يوسف: ٣٢] .
وهما أصلان عند البصريين لتخالف بعض أحكامهما، كإبدال الخفيفة ألفًا في نحو: "وليكونا"، وحذفها في نحو: [من الخفيف]
٧٦٥-
لا تهين الفقير....... ... ...........................
وكلاهما ممتنع في الثقيلة. قاله سيبويه١.
وعورض بأن الفرع قد يختص بما ليس للأصل أحيانًا، وقد قال سيبويه نفسه في "أن" المفتوحة فرع المكسورة، ولها إذا خففت أحكام تختصها٢ ومذهب
стр. 1054
الكوفيين أن الخفيفة فرع الثقيلة١، وذكر الخليل أن التوكيد بالثقيلة أشد من التوكيد بالخفيفة٢. ا. هـ. ويدل له: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ﴾ [يوسف: ٣٢] فإن امرأة العزير كانت أشد حرصًا على سجنه من كينونته صاغرًا.
"ويؤكد بهما الأمر مطلقًا" من غير شرط، لأنه مستقبل دائمًا، وسواء في ذلك الأمر بالصيغة نحو: قومن، والأمر باللام نحو: ليقومن زيد، بكسر اللام، والدعاء نحو: [من الرجز]
٧٦٦-
فأنزلن سكينة علينا
"ولا يؤكد بهما الماضي" لفظًا ومعنى "مطلقًا" لأنهما يخلصان مدخولهما للاستقبال، وذلك ينافي الماضي، وأما قوله ﷺ : "فإما أدركن أحد منكم الدجال" وقول الشاعر: [من الكامل]
٧٦٧-
دامن سعدك إن رحمت متيما ... .....................................
فهذان الفعلان مستقبلان معنى.
"وأما المضارع" المجرد من لام الأمر "فله حالات:
إحدها: أن يكون توكيده بهما واجبًا"، أي لا بد منه، "وذلك إذا كان مثبتًا مستقبلا، جوابًا لقسم، غير مفصول من لامه"، أي لام القسم، "بفاصل نحو: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ " [الأنبياء: ٧٥] فـ"أكيدن": فعل مضارع مثبت مستقبل جواب قسم، وهو: تالله، وليس مفصولا من لام القسم بفاصل.
"ولا يجوز توكيده بهما إذا كان منفيًّا" لفظًا أو تقديرًا، فالأول نحو: والله لا أقوم، والثاني "نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ " [يوسف: ٨٥] فـ"تفتأ" منفي بلا محذوفة. "إذ التقدير: لا تفتأ"، وحذف "لا" في جواب القسم مطرد.
стр. 1055
"أو كان" المضارع "حالا كقراءة ابن كثير: "لأقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ"١ [القيامة: ١] ، وقول الشاعر": [من المتقارب]
٧٦٨-
يمينا لأبغض كل امرئ ... يزخرف قولا ولا يفعل
فـ"أقسم" في الآية و"أبغض" في البيت معناهما الحال لدخول اللام عليهما. وأنما لم يؤكدا بالنون، لكونها تخلص الفعل للاستقبال وذلك ينافي الحال.
"أو كان" المضارع "مفصولا من اللام" بمعموله أو بحرف تنفيس فالأول "مثل" قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨] "و" الثاني "نحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] فـ"يعطيك" على جواب القسم وهو: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] والمعطوف على الجواب جواب.
وقول البيضاوي٢ تبعًا للزمخشري٣: واللام في: "ولسوف يعطيك" للابتداء، دخلت على الخبر بعد حذف المبتدأ، والتقدير: لأنت سوف يعطيك، لا للقسم، فإنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، مخالف لما عليه الجمهور من أن ذلك مع اتصال اللام بالفعل لا مع انفصاله عنها، فإذا حصل فصل بينهما امتنعت النون وثبتت لام القسم وحدها كقوله: [من الخفيف] .
٧٦٩-
فوربي لسوف يجزى الذي أسـ ... ـلفه المرء سيئا أو جميلا
أنشده ابن مالك شاهدًا على ذلك.
"و" الحالة "الثانية: أن يكون" توكيده بهما "قريبًا من الواجب، وذلك إذا كان" المضارع "شرطًا لـ: أن" الشرطية "المؤكدة بـ: ما" الزائدة "نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ [الأنفال: ٥٨] من الأجوف، ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾ [الزخرف/ ٤١] من السالم، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦] من الناقص، "ومن ترك توكيده قوله": [من البسيط]