الناصب١ "الرابع: إذن"، والصحيح أنها بسيطة، لا مركبة من "إذ، وأن" أو "إذا، وأن"، وعلى البساطة فالصحيح أنها الناصبة بنفسها لا "أن" مضمرة بعدها. "وهي" على القول بالحرفية "حرف جواب وجزاء"، عند سيبويه٢.
وقال الشلوبين٣: هي كذلك في كل موضع. وقال الفارسي٣: في الأكثر. وقد تتمحض للجواب بدليل أنه يقال: أحبك. فتقول: إذا أظنك صادقًا، إذ لا مجازاة هنا. قال الرضي٤: لأن الشرط والجزاء إما في الاستقبال أو في الماضي، ولا مدخل للجزاء في الحال.
والمراد بكونها للجواب، أن تقع في كلام يجاب به كلام آخر ملفوظ به١ أو مقدر، سواء وقعت في صدره، أو في حشوه، أو في آخره.
والمراد بكونها للجزاء، أن يكون مضمون الكلام الذي هي فيه جزأ٥ لمضمون كلام آخر. وكان القياس إلغاءها لعدم اختصاصها، ومن ثم قالوا: "وشرط إعمالها ثلاثة أمور:
أحدها: أن تتصدر" في أول الجواب، لأنها حينئذ في أشرف محالها. "فإن وقعت حشوا" في الكلام بأن اعتمد ما بعدها على ما قبلها "أهملت"، وذلك في ثلاث مسائل:
إحداها: أن يكون ما بعدها خبرا عما قبلها، نحو: أنا إذن أكرمك.
الثانية: أن تكون جوابًا لشرط ما قبلها نحو: إن تأتني إذن أكرمك.
الثالثة: أن تكون٦ جواب قسم قبلها مذكور نحو: والله إذن لا أخرج، أو مقدر، "كقوله" وهو كثير عزة: [من الطويل]
٨١٦-
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذن لا أقيلها
стр. 1122
برفع أقيلها، لأن إذن لم تتصدر جواب قسم مقدر. والتقدير: والله لئن وجواب الشرط محذوف، وأهملت إذن لوقوعها بين القسم وجوابه لا بين الشرط وجوابه، خلافًا لما وقع في المعنى١، تبعًا للشارح٢، وضمير "مثلها" عائد على المقالة التي قالها عبد العزيز بن مروان لـ"كثير". وذلك أن كثيرًا امتدح عبد العزيز بقصيدة، فأعجب بها، فقال له: تمن عليّ أعطك، فتمنى أن يكون كاتبًا له، فلم يجبه إلى ذلك وأعطاه جائزة والمعنى: إن عاد الأمير إلى تمنيتي، وأمكنني منها، لم أترك مقالتي الأولى، وأتمنى عليه أن أكون كاتبا له كما فعلت أولا. وعبد العزيز هذا هو أبو السيد عمر بن عبد العزيز بن مروان ﵁. "وأما قوله": [من الرجز]
٨١٧-
لا تتركني فيهم شطيرا ... إني إذن أهلك أو أطيرا
بنصب "أهلك" بـ"إذن" مع أنها وقعت حشوا بين اسم "إن" وخبرها. "فضرورة أو" لا ضرورة "والخبر" أي خبر "إن" "محذوف، أي: إني لا أستطيع ذلك"، أو: لا أقدر عليه، ثم استأنف بـ"إذن" فنصب، وجملة "إني" على هذا معترضة بين "إذن" وما هي جواب له. والأصل: لا تتركني؛ إذن، أهلك. وذهب الفراء إلى عدم اشتراط التصدر. والشطير؛ بشين معجمة؛ الغريب، وقال الأصمعي: البعيد، وهو مفعول ثان للتركني، لا حال. وإلى هذا الشرط أشار الناظم بقوله:
٦٨٠-
.......................... ... إن صدرت............
فإن كان السابق عليها؛ أي على إذن؛ واوًا أو فاء، جاز النصب والرفع باعتبارين. فالرفع باعتبار كون ما بعد العاطف من تمام ما قبله، بسبب ربطه بعض الكلام ببعض، والنصب باعتبار كون ما بعد العاطف جملة مستقلة والفعل فيها بعد "إذن" غير معتمد على ما قبلها.
стр. 1123
"وقد قرئ" في الشواذ: ""وإذًا لا يلبثوا" [الإسراء: ٧٦] "فإذا لا يؤتوا"" [النساء: ٥٣] بالنصب، بحذف النون فيهما، والأولى قراءة ابن مسعود١، والثانية قراءة أبي بن كعب٢، "والغالب الرفع، وقرأ به السبعة" فيهما، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله٣:
٦٨١-
................. وانصب وارفعا ... إذا إذن من بعد عطف وقعا
قال في المغني٤: "والتحقيق أنه إذا قيل، إن تزرني أزرك وإذن أحسن إليك، فإن قدرت العطف على الجواب جزمت وبطل علم إذن لوقوعها حشوا، أو على الجملتين معًا، جاز الرفع والنصب لتقدم العاطف، وقيل: يتعين النصب، لأن ما بعدها مستأنف، أو لأن المعطوف على الأول أولى". انتهى.
الأمر الثاني: "أن يكون" المضارع بعدها "مستقبلا" قياسًا على بقية النواصب، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٦٨٠-
ونصبوا بإذن المستقبلا ... .............................
"فيجب الرفع في نحو: إذن تصدق جوابًا لمن قال: أنا أحب زيدًا"، لأنه حال، ولا مدخل للجزاء في الحال كما تقدم آنفًا.
الأمر "الثالث: أن يتصلا"، أي أن يكون المضارع متصلا بها لضعفها مع الفصل عن العمل فيما بعدها. وإليه الإشارة بقول الناظم:
٦٨٠-
........................... ... .... والفعل بعد موصلا
"أو يفصل بينهما القسم"، وهو المشار إليه بقول الناظم:
٦٨١-
أو قبله اليمين............. ... ............................
"كقوله": [من الوافر]
٨١٨-
إذن والله نرميهم بحرب ... تشيب الطفل من قبل المشيب
стр. 1124
فنصب "نرميهم" بـ"إذن" مع وجود الفصل بالقسم. لأنه زائد مؤكد فلم يمنع الفصل به من النصب هنا، كما لم يمنع من الجر في قولهم: إن الشاة لتجتر فتسمع صوت؛ والله؛ ربها. حكاه أبو عبيدة١. و"اشتريته بوالله ألف". حكاه أبن كيسان عن الكسائي١، بخلاف الفصل بغير القسم، ولو كان ظرفًا أو عديله فإنه جزء من الجملة، فلا تقوى "إذن" معه على العمل فيما بعدها.
واغتفر في المغني٢ الفصل بـ"لا" النافية، وابن عصفور٣ الفصل بالظرف، وابن بابشاذ الفصل بالنداء أو الدعاء، والكسائي وهشام الفصل بمعمول الفعل، والأرجح حينئذ عند الكسائي النصب، وعند هشام الرفع. وحكى سيبويه٤ عن بعض العرب إلغاء "إذن" مع استيفاء شروط العمل. وهو القياس لأنها غير مختصة، وإنما أعملها الأكثرون حملًا على "ظن" لأنها مثلها في جواز تقديمها على الجملة، وتأخيرها عنها، وتوسطها بين جزأيها، كما حملت "ما" على "ليس" لأنها مثلها في نفي الحال٥.
والمراجع في ذلك كله إلى٦ السماع.
стр. 1125
فصل:
"ينصب المضارع بأن مضمرة وجوبًا في خمسة مواضع:
أحدها بعد اللام إن سبقت بكون ناقص ماض" لفظًا ومعنى، أو معنى لا لفظًا "منفي" الأول: بـ"ما" والثاني: بـ"لم" ودون غيرهما من أدوات النفي."نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤] ، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧] فـ"يظلم" و"يغفر"، منصوبان بـ"أن" مضمرة بعد اللام عند البصريين، لا باللام. واللام متعلقة بمحذوف، لا زائدة، وذلك المحذوف هو الخبر لا الفعل الذي دخلت عليه اللام. وخالفهم الكوفيون فيهن١.
وقد صرح بالخبر الذي زعمه البصريون من قال: [من الوافر]
٨١٩-
سموت ولم تكن أهلًا لتسمو ... ولكن المضيع قد يصاب
فهذا بمنزلة ما قدروه من قولك: ما كان زيد مريدًا للفعل أو مقدرًا له. واحتج الكوفيون بقوله: [من الطويل]
٨٢٠-
لقد عذلتني أم عمرو ولم أكن ... مقالتها ما كنت حيا لأسمعا
إذ لو كانت "أن" هي الناصبة لأسمع. لزم تقديم معمول صلتها عليها، وذلك ممتنع. وعورض بمجيء ذلك في صريح "أن" في قوله: [من الرجز]
٨٢١-
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
стр. 1126
والجواب واحد، وعلة امتناع ذكر "أن" بعد لام الجحود أن: ما كان ليفعل، رد على من قال: كان سيفعل. فاللام في مقابلة السين، فكما لا تذكر "أن" مع السين كذلك لا تذكر مع اللام. وزعم بعضهم أنه يجوز إظهار "أن" بشرط حذف اللام. محتجًّا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ [يونس: ٣٧] , ورد بأن "أن" يفترى في تأويل مصدر مخبر به عن القرآن وهو مصدر مثله. وفي هذا الرد نظر، لأن المراد بالقرآن المقروء لا القراءة. والحق أن هذا ليس مما نحن فيه؛ لأن الكلام فيما الخبر فيه مزيد ونحوه.
[وزعم بعضهم أن الحكم لا يختص بـ"كان"، بل في سائر أخواتها، نحو: ما أصبح زيد ليفعل] ١، وزعم بعضهم أنه يجوز في "ظن" قياسًا على "كان"، نحو: ما ظننت زيدًا ليفعل. ووسع بعضهم الدائرة, فأجاز ذلك في كل فعل تقدمه نفي، نحو: ما جاء زيد ليفعل كذا. "وتسمى هذا اللام، لام الجحود"، من تسمية العام بالخاص، فإن الجحود عبارة عن إنكار الحق، لا عن مطلق النفي، والنحويون أطلقوه وأرادوا الثاني. وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٦٨٣-
.................................. ... وبعد نفي كان حتما أضمرا
الموضع "الثاني: بعد: أو" العاطفة "إذا صلح في موضعها: حتى" المرادفة إلى "نحو: لألزمنك أو تقضيني حقي" أي: حتى تقضيني. وقوله: [من الطويل]
٨٢٢-
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الأمال إلا لصابر
أي حتى٢ أدرك.
"أو" صلح في موضعها "إلا" الاستثنائية "نحو: لأقتلنه"؛ أي الكافر؛ "أو يسلم" أي: إلا أن يسلم٣، "وقوله" وهو زياد الأعجم: [من الوافر]
٨٢٣-
وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما
стр. 1127
أي: إلا أن تستقيم فلا أكسر كعوبها، ولا يصلح هنا معنى؛ إلى؛ لأن الاستقامة١ لا تكون غاية للكسر. وغمزت؛ بالغين والزاي المعجمتين: عصرت، والقناة: بالقاف، والنون: الرمح. والكعوب: النواشز في أطراف الأنانبيب. وهذه استعارة تمثيلية.
شبه حاله إذا أخذ في إصلاح قوم اتصفوا بالفساد، فلا يكف عن حسم المواد التي تنشأ عنها فسادهم إلا أن يحصل صلاحهم بحالة إذا غمز قناة معوجة حيث يكسر ما ارتفع من أطرافها ارتفاعًا يمنع من اعتدالها، ولا يفارق ذلك إلا أن تستقيم.
و"أن" والفعل في هذه الأمثلة ونحوها مؤول بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل المتقدم. أي: ليكونن لزوم مني أو قضاء منه لحقي، وليكونن استسهال مني للصعب أو إدراك للمني، وليكونن قتل مني [للكافر] ٢، أو إسلام منه، وليكونن كسر مني لكعوبها. أو استقامة منها. وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٨٤-
كذاك بعد أو إذا يصلح في ... موضوعها حتى أو الا............
الموضع "الثالث: بعد: حتى" الجارة، "إن كان الفعل مستقبلا باعتبار" زمن "التكلم" بما قبلها، "نحو: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ " [الحجرات: ٩] فـ"تفيء" مستقبل باعتبار زمن التكلم بالأمر بالقتال، وإلقائه إلى المخاطب به، "أو" مستقبلا "باعتبار ما قبلها" من غير اعتبار تكلم، "نحو: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ " [البقرة: ٢١٤] فإن قول الرسول وإن كان ماضيًا بالنسبة إلى زمن الإخبار وقصه علينا، إلا أنه مستقبل بالنسبة إلى زلزالهم. ولـ"حتى" التي ينتصب الفعل بعدها معنيان، فتارة تكون بمعنى "كي" التعليلية، وذلك إذا كان ما قبلها علة لما بعدها. نحو: أسلم حتى تدخل الجنة. وتارة تكون بمعنى "إلى" الغائية. وذلك إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، نحو: لأسيرن حتى تطلع الشمس. إذا عرفت ذلك فالمثال الأول من أمثلة الموضح مما يصلح للمعنيين معًا، فيحتمل أن يكون المعنى: كي تفيء أو: إلى أن تفيء، والمثال الثاني "حتى" فيه بمعنى "إلى" خاصة أي: إلى أن يقول الرسول، وإلى هذا الموضع٣ أشار الناظم بقوله:
стр. 1128
٦٨٥-
وبعد حتى هكذا إضمار إن ... حتم..........................
"ويرفع الفعل بعدها إن كان حالا"، أو مؤولا بالحال، "مسببا" عما قبلها، "فضلة"، ثم الكلام قبله، "نحو: مرض زيد حتى لا يرجونه"، فلا يرجونه حال لأنه في قوة قولك: فهو الآن إلا يرجى، ومسببا عما قبلها لأن عدم الرجاء مسبب عن المرض، وفضلة لأن الكلام ثم قبله بالجملة الفعلية.
"ومنه "حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ"" [البقرة: ٢١٤] برفع "يقول" في "قراءة نافع، لأنه مؤول بالحال، أي: حتى حالة الرسول، والذين آمنوا أنهم يقولون ذلك" حينئذ.
وللحال المؤول تفسير آخر، وهو أن يفرض ما كان واقعًا في الزمن الماضي، واقعا في هذا الزمن، فيعبر عنه المضارع المرفوع. وفائدة تأويله بالحال، تصوير تلك الحال العجيبة واستحضار صورتها في مشاهدة السامع ليتعجب منها. وإنما وجب رفع الفعل بعد "حتى" عند إرادة الحال، حقيقة أو مجازًا، لأن نصبه يؤدي إلى تقدير "أن" وهي للاستقبال، والحال ينافي الاستقبال١.
وإنما اشترطت السببية ليحصل الربط معنى، وذلك لأنه لما لم يتعلق ما بعدها بما قبلها لفظا، زال الاتصال اللفظي، فشرطت السببية الموجبة للاتصال المعنوي جبرًا لما فات من الاتصال اللفظي، وإنما اشترطت الفضلية لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر، وذلك أنه إذا رفع كانت "حتى" حرف ابتداء، فالجملة الواقعة بعدها مستأنفة، فإن فقد شرط من الثلاثة، وجب النصب. فيجب النصب في مثل: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] لانتفاء الحال.
"ويجب النصب في مثل: لأسيرن حتى تطلع الشمس". خلافًا للكوفيين. "و: ما سرت" إلى البلدة "حتى أدخلها، و: أسرت حتى تدخلها، لانتفاء السببية" فيهن. أما الأول فلأن طلوع الشمس لا يتسبب عن السير. وأما الثاني فلأن الدخول لا يتسبب عن عدم السير. وأما الثالث فلأن السبب لم يتحقق وجوده, فلو رفع لزم أن يكون مستأنفًا مقطوعًا بوقوعه. وما قبله سبب له. وذلك لا يصح لأن ما قبلها غير سبب فيلزم وقوع المسبب مع نفي السبب أو الشك فيه. قاله المرادي٢.
стр. 1129
"بخلاف: أيهم سار حتى يدخلها"، و: متى سرت حتى تدخلها؛ برفعهما، "فإن السير ثابت" محقق، "وإنما الشك في" عين "الفاعل" في الأول، وفي عين الزمان في الثاني. وأجاز الأخفش الرفع بعد النفي على أن يكون أصل الكلام إيجابًا، ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره لا على ما قبل "حتى" خاصة، ولو عرضت هذه المسألة بهذا المعنى على سيبويه لم يمنع الرفع فيها، وإنما منعه إذا كان النفي مسلطًا على السبب خاصة، وكل أحد يمنع ذلك.
"و" يجب النصب "في نحو: سيري"؛ بفتح السين؛ "حتى أدخلها، لعدم الفضلية"، فـ"سيري" مبتدأ، و"حتى أدخلها" خبره، ولو رفع الفعل لصار المبتدأ وبلا نسبة في خبر.
"وكذلك" يجب النصب في مثل: "كان سيري أمس حتى أدخلها، إن قدرت "كان" ناقصة"، وحتى أدخلها الخبر، "ولم تقدر الظرف" وهو "أمس" "خبرًا" لـ"كان"، بل قدرته متعلقًا بنفس السير، فإن قدرت "كان" تامة، و"أمس" متعلقًا بـ"سيري"، أو ناقصة، و"أمس" متعلقًا باستقرار محذوف على أنه خبر "كان" رفعت، لأن ما بعد "حتى" حال مسبب, فضلة, و"حتى" فيه ابتدائية، وعلامة كونه حالا أو مؤولا به, صلاحية جعل الفاء في موضع "حتى". وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٨٦-
وتلو حتى حالا أو مؤولا ... به ارفعن وانصب المستقبلا
الموضع "الرابع والخامس: بعد "فاء" السببية، و" بعد "واو المعية"، حال كونهما "مسبوقين بنفي أو طلب محضين"، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٦٨٧-
وبعد فالجواب نفي أو طلب ... محضين.........................
٦٨٨-
والواو كالفا إن تفد مفهوم مع ... ....................................
فالنفي يشمل ما كان بحرف، أو فعل، أو اسم، وما كان تقليلا مرادًا به النفي.
فالأول "نحو: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ " [فاطر: ٣٦] ، والثاني نحو: ليس زيد حاضرًا فيكلمك. والثالث: نحو أنت غير آت فتحدثنا. والرابع نحو: قلما تأتنا فتحدثنا. "و" النفي مع الواو كذلك نحو: " ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقس الباقي. والطالب يشمل: الأمر، والنهي والدعاء، والعرض، والتحضيض، والتمني، والاستفهام. فهذه سبعة، مع النفي صارت ثمانية. "و" زاد الفراء الترجي.
стр. 1130
مثل الفاء بعد التمني: " ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ " [النساء: ٧٣] . ومثال الواو بعده: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧] بالنصب في قراءة حمزة وحفص١.
"و" مثال الفاء بعد النهي: " ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ " [طه: ٨١] . "و" مثال الواو بعده "قوله"، وهو أبو الأسود الدؤلي: [من الكامل]
٨٢٤-
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وشرط النهي عدم النقض بإلا، فلو نقضت النهي بإلا لم يجز النصب نحو: لا تضرب إلا عمرًا فيغضب، فيجب في "يغضب" الرفع. قاله في شرح الشذور٢ تبعًا لسيبويه٣.
"و" مثال الفاء بعد الأمر "قوله"، وهو أبو النجم العجلي: [من الرجز]
٨٢٥-
يا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا
стр. 1131
والعنق؛ بفتحتين؛ ضرب من السير. والفسيح: الواسع.
"و" مثال الواو بعده "قوله"، وهوالأعشى، أو الحطيئة، فيما زعم ابن يعيش١. أبو ربيعة بن جشم، فيما زعم الزمخشري٢، أبو دثار بن شيبان النمري، فيما زعم ابن بري: [من الوافر]
٨٢٦-
فقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان
فـ"أدعو" مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الواو. و"أندى" أفعل، من الندى؛ بفتحتين؛ وهو بعد الصوت، و"لصوت" بكسر اللام، متعلق به. و"أن ينادي"، بفتح الهمزة وكسر الدال خبر "إن"، و"داعيان": تثنية داع، فاعل ينادي. والمعنى: فقلت لها ينبغي أن يجتمع دعائي ودعاؤك، فإن أرفع صوت وأبعده دعاء داعيين معًا.
"وقد اجتمع" النصب في جوابي "الطلب والنفي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ ؛ الآية" وتمامها: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] "لأن تطردهم جواب النفي"، وهو: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، "وتكون، جواب النهي"، وهو: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ ، على طريق اللف والنشر٣ من غير
стр. 1132
ترتيب، فاندفع ما يقال إن هذه الآية ظاهرها أن: فتكون، جواب "فتطردهم"، أو هما جوابان للطلب أو النفي، والجواب لا يجاب، والشيء الواحد لا يكون له جوابان، كما١ نص عليه النحاة.
ومثال الفاء بعد الدعاء١ قوله: [من الرمل]
٨٢٧-
رب وفقني فلا أعدل عن ... سنن الساعين في خير سنن
وبعد العرض قوله: [من البسيط]
٨٢٨-
يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما ... قد حدثوك فما راء كمن سمعا
وبعد التحضيض قولك: هلا اتقيت الله فيغفر لك. وهو والعرض متقاربان يجعلهما التنبيه على الفعل، إلا أن في التحضيض زيادة توكيد وحث، وفي العرض لينا ورفقًا. وبعد الاستفهام قوله: [من البسيط]
٨٢٩-
لاهل تعرفون لباناتي فأرجو أن ... تقضي فيرتد بعض الروح للجسد
وشرط الاستفهام أن لا يتضمن وقوع الفعل نحو: لم ضربته فيجازيك. فإن الضرب إذا وقع يتعذر سبك مصدر مستقبل منه٢، والترجي سيأتي.
قال في شرح الشذور٣: "ولم يسمع نصب الفعل بعد الواو إلا بعد واحد من أربعة وهي: النفي، والنهي، والأمر، والتمني، ولذلك اقتصر الموضح في التمثيل عليها". وقال أبو حيان٤: "ولا أحفظه بعد الدعاء، والعرض، والتحضيض، والترجي، فينبغي أن لا يقدم على١ ذلك إلا بسماع". انتهى.
стр. 1133
واحترز الناظم بتقييد النفي والطلب بمحضين من النفي التالي تقريرًا بالهمزة، ومن النفي المتلو بنفي آخر. ومن النفي المنتقض بإلا. فالأول نحو: ألم تأتني فأحسن إليك، بالرفع إذا لم ترد الاستفهام الحقيقي، وإنما أردت أن تحمل مخاطبك على الإقرار والاعتراف بإتيانه إليك وإحسانك إليه.
قال الشيخ عبد القاهر في شرح مختصره: "معنى قولنا الهمزة للتقرير، أنك ألجأت المخاطب إلى الإقرار بأمر قد كان، تقول: أضربت زيدًا، ولا يكون غرضك أن يعلمك أمرًا لم تكن تعلمه، ولكن أردت أن تقرره أي تحمله على أن يقر بفعل قد فعله". انتهى.
والمعنى: أنت أتيتني فأحسنت إليك. على حد قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أي: الله كاف عبده، لأن نفي النفي إثبات. قال في التخليص١: "وهذا مراد من قال: إن الهمزة فيه للتقرير، أي بما دخله النفي لا بالنفي". انتهى.
فثبت بهذا أن الاستفهام التقريري يتضمن ثبوت الفعل، فلا ينصب المضارع في جوابه، لعدم تمحض النفي. وما ورد منه٢ منصوبًا فلمراعاة صورة النفي وإن كان تقريرًا، أو لأنه جواب الاستفهام.
"و" الثاني "نحو: ما تزال تأتينا فتحدثنا، و" الثالث نحو: "ما تأتينا إلا وتحدثنا". فإن معناهما الإثبات، فلذلك وجب رفع الفعل بعدهما. أما الأول فلأن "زال" للنفي، وقد دخل عليها النفي، ونفي النفي إثبات. وأما الثاني فلانتقاض النفي بإلا. ولك في نحو: ما تأتينا٣ فأكرمك، أربع أوجه:
أحدها: أن تقدر الفاء لمجرد عطف لفظ الفعل٤ على لفظ ما قبلها، فليكون شريكه في إعرابه، فيجب هنا الرفع لأن الفعل الذي قبلها مرفوع والمعطوف شريك المعطوف عليه، وكأنك قلت: ما تأتيني فما أكرمك، فهو شريكه في النفي الداخل عليه.
الثاني: أن يقدر٥ الفاء لمجرد السببية، ويقدر٥ الفعل الذي بعدها مستأنفًا،
стр. 1134
ومعنى استئنافه أن يقدر١ خبرًا لمبتدأ محذوف، فيجب الرفع أيضًا، لخلو الفعل من الناصب والجازم، والمعنى: ما تأتينا٢ فأنا أكرمك لكونك لم تأتني، وذلك إذا كنت كارهًا لإتيانه. والفرق بين هذا الوجه الذي قبله في النفي، أن النفي في الذي قبله، يشمل ما قبل الفاء وما بعدها، وفي هذا الوجه انصب النفي فيه٣ إلى ما قبل الفاء خاصة.
الثالث: أن تقدر الفاء لعطف مصدر الفعل الذي بعدها على٤ المصدر المؤول مما قبلها، ويقدر٥ النفي منصبا على المعطوف دون المعطوف عليه، فيجب حينئذ النصب.
والمعنى: ما يكون منك إتيان يعقبه مني٤ إكرام، بل يكون منك إتيان ولا يكون مني إكرام.
الرابع: أن يقدر٦ الفاء أيضًا، لعطف مصدر الفعل الذي بعدها، على المصدر المؤول مما قبلها، ولكن يقدر النفي منصبًا على المعطوف عليه، فينتفي المعطوف لأنه مسبب عنه. وقد انتفى. "ويكون المعنى: ما يكون منك إتيان، فكيف يكون مني إكرام، والحاصل في الرفع وجهان وفي النصب وجهان.
"و" احترز "من الطلب باسم الفعل، و" من الطلب "بما لفظه الخبر، وسيأتي" الكلام عليهما بعد أسطر.
"و" احترز "بتقييد الفاء بالسببية، و" تقييد "الواو بالمعية من" الفاء والواو "العاطفتين على صريح الفعل" إذا لم يشعروا بسببية ولا معية. "ومن الاستئنافيتين". فالفاء العاطفة على صريح الفعل "نحو: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] فإنها للعطف". فعطفت "يعتذرون" على لفظ "يؤذن"٧ فهو شريك له في رفعه، وفي النفي الداخل عليه. وكأنه قيل: ولا يؤذن لهم فلا يعتذورن٨. ولو قرئ بالنسب على أنه جواب النفي لم يمتنع٩. والمعنى: لو أذن لهم لاعتذروا مثل: ﴿لَا يُقْضَى
стр. 1135
عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] ولكنه أوثر الرفع للتناسب رءوس الآي. قاله الفراء١.
وفرق ابن عصفور بأن الإذن والاعتذار منفيان بالقصد، وانتفاء الموت لازم عن انتفاء القضاء عليهم. ولم يقصد نفيه كما قصد٢ نفي الاعتذار، وبأنه لو وقع القضاء عليهم لماتوا. وليس الإذن سببًا للاعتذار.
"و" الفاء الاستئنافية، نحو "قوله"، وهو جميل صاحب بثينة: [من الطويل]
٨٣٠-
ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق
فـ"ينطق": مرفوع، وهو مبني على مبتدأ محذوف٣، أي: فهو ينطق، ولا يضر اقترانه بالفاء "فإنها" فيه "للاستئناف" لا للعطف ولا للسببية، "إذا العطف يقتضي الجزم" لما بعدها، لكونه معطوفًا على مجزوم، وهو: "تسأل". "والسببية تقتضي النصب" له لكونه في جواب الاستفهام.
ونوزع في اقتضاء السببية النصب، فإنه قد جاء الرفع مع تحقق السببية في: ﴿لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ، كما صرح به بعضهم. ودفع بأن اقتضاءها النصب صحيح على قول الأكثر. قال في المغنى: "والتحقيق أن الفاء فيه للعطف، وأن المعتمد بالعطف الجملة. لا الفعل وحده وإنما يقدر النحويون كلمة "هو" ليبينوا٤ أن الفعل ليس المعتمد بالعطف". انتهى. والربع: المنزل، والقواء، بفتح القاف، ومده أكثر من قصره: الخالي الذي لا أنيس به. والبيداء: القفر الذي يبيد من يسلك٥، فيه، أي: يهلكه، والسملق، بفتح السين المهملة: القاع الأملس الصفصف٦.
стр. 1136
"وتقول مع الواو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن١؛ بالرفع" على الاستئناف؛ "إذا نهيته عن الأول فقط" وأبحت له الثاني، فكأنك قلت: لا تأكل السمك ولك شرب٢ اللبن. "فلإن قدرت النهي عن الجمع" بينهما، "نصبت" على إرادة المعية، وكأنك قلت: لا تأكل السمك مع شرب٣ اللبن، "أو" قدرت النهي "عن كل منهما" على حدته. "جزمت" على العطف، وكأنك قلت: لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن.
والفرق بين النصب والجزم في حالتي العطف أنه في النصب من عطف مصدر مؤول من "أن" والفعل، على مصدر متصيد من الفعل السابق لئلا يلزم عطف المصدر على الفعل. وفي الجزم من عطف الفعل على الفعل.
"وإذا سقطت الفاء" من المضارع الواقع "بعد الطلب" المحض "وقصد" بالفعل الذي سقطت منه الفاء، "معنى الجزاء" للطلب السابق عليه، "جزم الفعل"، والمراد بقصد الجزاء أنك تقدره مسببًا عن ذلك الطلب المتقدم، كما أن جزاء الشرط مسبب٤ عن فعل الشرط.
واختلف في تحقيق جازمه، فالجمهور يجعلونه "جوابًا لشرط مقدر"، فيكون مجزومًا عندهم٥ بأداة شرط مقدرة هي وفعل الشرط "لا" جوابًا "للطلب" المتقدم، فيكون مجزومًا بنفس الطلب، وهو قول الخليل وسيبويه٦ والسيرافي٧ والفارسي٨.
ثم اختلفوا في علته، فقال الخليل وسيبويه٦: إنما جزم الطلب "لتضمنه معنى" حرف "الشرط"، كما أن أسماء الشرط إنما جزمت لذلك، وقال الفارسي والسيرافي: لنيابته مناقب الجازم الذي هو حرف الشرط المقدر، كما أن النصب بضربًا، في قولك: ضربًا زيدًا، لنيابته عن اضرب، لا لتضمنه معناه. " خلافًا لزاعمي ذلك".
стр. 1137
ومذهب الجمهور أرجح، لأن الحذف والتضمين وإن اشتركا في أنهما خلاف الأصل لكن في التضمين تغيير معنى الأصل، ولا كذلك الحذف. ولأن نائب الشيء يؤدي معناه والطلب لا يؤدي معنى الشرط، ولأن الأرجح في: ضربا زيدًا، أن زيدًا منصوب بالفعل المحذوف لا بالمصدر لعدم حلوله محل فعل مقرون بحرف مصدري، وذلك "نحو: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١] تقدم الطلب وهو "تعالوا" وتأخر المضارع المجرد من الفاء وهو "أتل" وقصد به الجزاء١ فجزم بحرف شرط مقدر. والتقدير: تعالوا إن تأتوني، أتل عليكم فالتلاوة عليهم مسببة عن مجيئهم. وعلامة جزمه حذف الواو.
ومثله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ﴾ [مريم: ٢٥] فإنه مجزوم باتفاق السبعة. بخلاف ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] , [وإنما أريد: خذ منهم صدقة مطهرة لهم] ٢. فـ"تطهرهم": مرفوع باتفاق السبعة، وإن كان مسبوقًا بالطلب، وهو: خذ، لكونه ليس مقصودًا به معنى: أن تأخذ منهم صدقة تطهرهم، وإنما أريد: خذ منهم صدقة مطهرة لهم فتطهرهم، صفة لصدقة، ولو قرئ بالجزم على معنى الجزاء لم يمتنع في القياس.
وبخلاف نحو: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ [مريم: ٥، ٦] في قراءة الرفع٣ فإنه قدره" مع فاعله جملة في موضع نصب "صفة لـ"وليا" لا جوابًا لـ"هب"، كما قدره من جزم"٤، وقس على ذلك بقية أنواع الطلب، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٨٩-
وبعد غير النفي جزما اعتمد ... إن تسقط الفا والجزاء قد قصد
وأما النفي فلا يجزم الفعل في جوابه. فلا يقال: ما تأتينا تحدثنا بجزم "تحدثنا" خلافًا للزجاجي. والكوفيين، ولا سماع معهم ولا قياس لأن الجزم يتوقف على السببية، ولا يكون انتفاء الإتيان سببًا للتحديث.
"وشرط غير الكسائي" من النحويين. "لصحة الجزم بعد النهي، صحة" وقوع "إن لا، في موضعه"، وهو أن تضع موضع النهي شرطًا مقرونًا بـ"لا" النافية,
стр. 1138
مع صحة المعنى، قاله الموضح في شرح القطر١، والمرادي في شرح النظم٢. وظاهر قول الناظم:
٦٩٠-
وشرط جزم بعد النهي أن تضع ... إن قبل لا دون تخالف يقع
أنك "تضع "إن" قبل "لا الناهية، بالهاء. وشرحه على ذلك الشاطبي. "فمن ثم"؛ بفتح التاء المثلثة؛ أي من أجل هذا الشرط "جاز: لا تدن من الأسد تسلم؛ بالجزم"، لصحة قولك: إن لا تدن من الأسد تسلم، لأن السلامة مسببة عن عدم الدنو. "ووجب الرفع في نحو: لا تدن من الأسد يأكلك"، لعدم صحة قولك: إن لا تدن من الأسد يأكلك. لأن الأكل لا يتسبب عن عدم الدنو، وإنما يتسبب عن الدنو نفسه٣.
ولهذا الشرط أجمعت السبعة على الرفع٤ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] . "وأما" قوله ﷺ : "من أكل من هذه الشجرة "فلا يقرب مسجدنا يؤذنا" بريح الثوم"٥. "فالجزم" في "يؤذنا"؛ بحذف الياء؛ "على الإبدال" من "يقرب" بدل اشتمال، "لا" على الجواب" للنهي، لعدم صحة: إن لا يقرب يؤذنا، لأن الإيذاء إنما يتسبب عن القرب لا عن عدمه. ولم يشترط الكسائي، قيل: والكوفيون قاطبة، هذا الشرط، واحتجوا بالقياس على النصب، فإنه يجوز: لا تدن من الأسد فيأكلك، بالنصب، وفي التنزيل: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] ، وبقول أبي طلحة٦ للنبي ﷺ : "لا تشرف يصبك سهم"٧، ويروى: لا تتطاول يصبك، وبالحديث: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" ٨.
стр. 1139
وأجاب البصريون بأنه لو صح القياس على النصب، لصح الجزم بعد النفي قياسًا على النصب. و"يصبك": بدل من "تشرف"، أو "تتطاول". و"يضرب" مدغم. وفي رد القياس نظر فإنهم قائلون بجواز الجزم بعد النفي. كما تقدم.
"وألحق الكسائي في جواز النصب بالأمر", بالفعل، "ما دل على معناه، أي الأمر، "من اسم فعل"١ مطلقًا، سواء أكان فيه لفظ الفعل أم لا، "نحو: نزال فنكرمك"، و: صه فنحدثك.
ووافقه بن جني، وابن عصفور بعد: نزال وتراك، ونحوه، مما فيه معنى الفعل وحروفه، ومنعاه بعد: صه ومه ونحوهما، مما فيه معنى الفعل دون حروفه٢، "أو" ما دل على الأمر "من خبر" مثبت"، "نحو: حسبك حديث فينام الناس"، بنصب "ينام" عند الكسائي خاصة٣، فـ"حسبك: مبتدأ، وحديث: خبره، والجملة متضمنة معنى اكفف. وعبر الموضح بنحو دون، كقولهم لأن المسموع حسبك ينام الناس٤.
واختلف في إعرابه؛ فقال المرادي٥: مبتدأ وخبره محذوف، أي: حسبك السكوت، وهو لا يظهر.
وقال جماعة منهم ابن طاهر٦: إنه مبتدأ وبلا نسبة في خبر. لأنه في معنى ما لا يخبر عنه.
ومذهب الجمهور منع النصب بعد اسم الفعل والخبر المثبت، لأن النصب إنما هو بإضمار أن، والفاء عاطفة على مصدر متوهم، و"نزال"، و"حسبك"، ونحوهما، لا تدل على مصدر لأنها غير مشتقة، "ولا خلاف في جواز الجزم بعدهما"، أي بعد اسم الفعل والخبر المثبت "إذا سقطت الفاء"، لعدم مقتضى السبك. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٩١-
والأمر إن كان بغير افعل فلا ... تنصب جوابه وجزمه اقبلا
"كقوله"، وهو عمرو بن الإطنابة الأنصاري [من الوافر]
стр. 1140
٨٣١-
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
فجزم "تحمدي" في جواب اسم الفعل، وهو مكانك، فإنه في معنى اثبتي. و"قولي": مبتدأ خبره: مكانك تحمدي، على حق قولي: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] .
وجشأت، بالجيم والشين المعجمة والهمزة: ارتفعت، وجاشت، بالجيم والشين المعجمة، غثت، من الغثيان.
"وقولهم"، أي العرب: "اتقى الله امرؤ فعل خيرًا يثب عليه" يجزم "يثب" لأن "اتقى" و"فعل" وإن كان فعلين ماضيين ظاهرهما الخبر، إلا أن المراد بهما الطلب، "أي: ليتق الله وليفعل". فلذلك جزم في جوابهما.
"وألحق الفراء الترجي بالتمني"١ في نصب الفعل المقرون بالفاء بعده بأن مضمرة وجوبًا "بدليل قراءة حفص" عن عاصم ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٧] بالنصب"٢ في جواب ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] ، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٩٦٢-
والفعل بعد الفاء في الرجا نصب ... كنصب ما إلى التمني ينتسب
ومذهب البصريين أن الترجي ليس له جواب منصوب. وتأولوا قراءة النصب بأن "لعل" أشربت معنى "ليت"، لكثرة استعمالها في توقع المرجو، وتوقع المرجو ملازم للتمني.
وفي الارتشاف٣: وسماع الجزم بعد الترجي يدل على صحة مذهب الفراء، ومن وافقه من الكوفيين.
стр. 1141
فصل:
"وينصب" المضارع "بأن مضمرة جوازًا بعد" أحرف "خمسة أيضًا"، مصدر آض، إذا عاد:
"أحدها: اللام" الجارة١، "إذا لم يسبقها كون ناقص، ماض" منفي، "ولم يقترن الفعل بلا"، وهو المشار إليه بقول الناظم:
٦٨٢-
.......................... ... ............... وإن عدم
٦٨٣-
لا فأن اعمل مظهرًا أو مضمرا ... ....................................
"نحو: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] ، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ " [الزمر: ١٢] فأضمرت في: "لنسلم"، وأظهرت في: "أكون"، وما ذكره إلى أن الناصب هو اللام، وجوزوا إظهار "أن" بعدها توكيدا٢.
وقال ثعلب الناصب اللام، كما قالوا، ولكن لنيابتها عن "أن" المحذوفة، وقال ابن كيسان والسيرافي٣: يجوز أن يكون الناصب "أن" المقدرة بعدها، وأن يكون "كي" ولا تتعين "أن" لذلك، ودليلهم صحة إظهار "كي" بعدها، فتحصل لنا قولان إذا قلنا اللام ناصبة، وقولان إذا قلنا: إنها غير ناصبة.
ودخل تحت قوله اللام، لام العاقبة، نحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ولام التوكيد، وهي الزائدة، نحو: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . "فإن سبقت" اللام "بالكون المذكور، وجب إضمار "إن" كما مر" حكمه وتعليله. "وإن قُرن الفعل وبلا نسبة في نافية، أو" زائدة.
стр. 1142
"مؤكدة، وجب إظهارها" لئلا يتوالى مثلان، وهما: "لام" كي، و"لام" لا، من غير إدغام، وهو ركيك في الكلام. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٨٢-
وبين لا ولام جر التزم ... إظهار أن.................
"نحو": ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] ، بإدغام النون في "لا" النافية، لتقارب مخرجيهما. ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] بإدغام النون في "لا" المؤكدة.
والحاصل، أن لـ"أن" بعد اللام ثلاث حالات: وجوب الإضمار بعد لام الجحود، ووجوب الإظهار وذلك إذا اقترن الفعل بـ"لا" وجواز الأمرين، وذلك بعد "لام" كي، و"لام" العاقبة، و"لام" التوكيد.
"و" الأحرف "الأربعة الباقية" من الأحرف الخمسة التي تضمر أن بعدها جوازًا: "أو، و: الواو، و: الفاء، و: ثم، إذا كان العطف" بها "على اسم" صريح "ليس في تأويل الفعل"، وهو١ نوعان: مصدره وغيره. فغير المصدر، كقول الحصين ابن الحمام٢ المري: [من الطويل]
٨٣٢-
ولولا رجال من رزام أعزة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما
فـ"أسوءك": معطوف على "رجال"، وهو ليس في تأويل الفعل، و"رزام":
حي من نمير. والمصدر "نحو": ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] في قراءة غير نافع؛ بالنصب"٣، بإضمار "أن" بعد "أو". والتقدير: أو أن يرسل، وأن يرسل في تأويل مصدر منصوب. "عطفًا على وحيا٤". والتقدير: إلا وحيًا أو إرسالا، ووحيًا مصدر ليس في تأويل الفعل.
"وقوله"، وهو الشخص المسمى ميسون الكلابية، زوج معاوية بن أبي سفيان
стр. 1143
رضي الله عنه، وأم ابنه يزيد: [من الوافر]
٨٣٣-
ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلى من لبس الشفوف
فـ"تقر" منصوب بـ"أن" مضمرة جوازًا، وهي والفعل في تأويل مصدر مرفوع بالعطف على "لبس", [والتقدير: ولبس عباءة وقرة عيني. و"لبس"] ١: بالواو العاطفة على قولها قبله٢:
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف
وفي بعض النسخ: للبس، باللام، وهو تحريف نبه عليه الموضح في شرح بانت سعاد٣. "وقوله": [من البسيط]
٨٣٤-
لولا توقع معتر فأرضيه ... ما كنت أوثر إترابا على ترب
فـ"أرضيه": منصوب بـ"أن" مضمرة جوازًا بعد الفاء، و"أن، وأرضى"، في تأويل مصدر معطوف على توقع، والتقدير: لولا توقع معتر فإرضائي إياه، وتوقع ليس
стр. 1144
في تأويل الفعل. و"المعتر"، بالعين المهملة والتاء المثناء فوق: المعترض للمعروف.
و"الأتراب" جمع ترب، بكسر التاء المثناة فوق وسكون الراء، وترب الرجل: من يولد في الوقت الذي ولد١ فيه، فيساوي في السن٢.
والمعنى: لولا توقع من يصرف عن فعل المعروف، وإرضاؤه، ما آثر الشاعر المساوي لغيره في السن، على المساوي له في سنه. "وقوله"، وهو أنس بن مدركة الخثعمي: [من البسيط]
٨٣٥-
إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر
فـ"أعقله": مضارع منصوب بـ"أن" مضمرة جوازًا بعد "ثم"، و"أن أعقله": في تأويل مصدر معطوف على قتلي، والتقدير: وقتلي سليكا ثم عقلي إياه. وقتلي ليس في تأويل الفعل. وسليكا، بالتصغير، اسم رجل، مفعول قتلى، وكالثور: خبر أن، والمراد بالثور ذكر البقر لأن البقر تتبعه، فإذا عاف الماء، عافته، فيضرب ليرد الماء لترد معه.
وقيل: المراد بالثور, ثور الطحلب، وهو الذي يعلو على الماء، فيصد البقر عنه، فيضربه صاحب البقر ليفحص عن الماء فيشربه، والمناسب للتشبيه، الأول, الغرض من وقوع الفعل به تخويف غيره.
واحترز الموضح بقوله: ليس في تأويل الفعل، عن الاسم الواقع صلة للألف واللام، فإنه في تأويل الفعل. "وتقول: الطائر فيغضب زيد الذباب٣، بالرفع" في يغضب "وجوبًا لأن الاسم" وهو طائر "في تأويل الفعل"، و"أل" الداخلة عليه اسم موصول مرفوع بالابتداء, نقل إعرابها إلى ما بعدها لكونها على صورة الحرف. ويغضب زيد: جملة معطوفة على صلة "أل", ولعطفها بالفاء، لم تحتج لرابط، والذباب: خبر المبتدأ. وصح عطف الفعل في الاسم. لأن الاسم هنا في تأويل الفعل لكونه صلة
стр. 1145
الموصول، "أي: الذي يطير"، فيغضب زيد الذباب. فتحصل من كلامه أولًا وآخرًا.
أن لـ"الفاء"، و"الواو"، و"أو"١، حالتين.
حالة يجب فيها إضمار "أن" بعدهن. وحالة يجوز. فيجب إذا كانت الفاء للسببية، والواو للمعية، بعد النفي أو طلب محضين، و"أو" بمعنى: "إلى" أو: "إلا".
ويجوز إذا عطفن على اسم خالص من التأويل بالفعل و"أن" ثم تشاركهن في الجواز دون الوجوب. وأطلق في النظم العاطف فقال:
٦٩٣-
وإن على اسم خالص فعل عطف ... تنصبه أن ثابتا او منحذف
"لوا ينتصب" الفعل المضارع "بأن مضمرة في غير هذه المواضع العشرة".
وهي الخمسة المذكورة في وجوب إضمار "أن" والخمسة المذكورة في جوازه. "إلا شاذًا" وهي في ذلك "كله"٢ على قسمين: تارة٣ يكون في الكلام مثلها، فيحسن حذفها. وتارة لا يكون٣.
قالأول: "كقول بعضهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"٤ بنصب "١٦٩/ ب" "تسمع" بإضمار "أن"، والذي حسن حذفها من "تسمع"، ذكرها في "أن تراه" قاله الموضح في شرح الشذور. وقوله طرفة: "من الطويل"
٨٣٦-
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
بنصب: أحضر، بأن مضمرة، ويؤيده: وأن أشهد.
стр. 1146
والثاني، كقول عامر الهذلي: [من الطويل]
٨٣٧-
........................................... ... ونهنهت نفسي بعدما كدت أفعله
بالنصب.
"وقول آخر: خذ اللص قبل يأخذك"١ بالنصب. "وقراءة بعضهم: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمَغَه" [الأنبياء: ١٨] بنصب يدمغه٢. وقراءة الحسن "تأمروني أعبدَ" [الزمر: ٦٤] . فحذفت "أن" فيهن وليس معها ما يحسن حذفها، والجميع شاذ، وإليه أشار الناظم بقوله:
٦٩٤-
وشذ حذف أن ونصب في سوى ... ما مر فاقبل منه ما عدل روى
وفيه إرشاد إلى أنه لا يقاس عليه. وذهب الكوفيون ومن وافقهم من البصريين، إلى أنه يقاس عليه. وأجاز الأخفش حذف "أن" قياسًا، ولكن بشرط رفع الفعل، مثل: ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] ، و"تسمعُ بالمعيدي". في رواية الرفع فيهما. وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا يجوز حذفها إلا في الأماكن العشرة المذكورة، رفعت أو نصبت.
стр. 1147
فصل:
"وجازم الفعل نوعان: جازم فعل١ واحد، وهو" أحرف "أربعة":
أحدها: "لا الطلبية، نهيًا كانت، نحو: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] أو دعاء نحو: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أو التماسًا، نحو: لا تفعل. فالنهي عن الأعلى، والدعاء من الأدنى، والالتماس من المساوي.
"وجزمها فعلي المتكلم"٢، المبدوء بالهمزة والمبدوء بالنون، حال كونهما "مبنيين للفاعل، نادر، كقوله"، وهو النابغة الذبياني: [من البسيط]
٨٣٨-
لا أعرفن ربربا حورا مدامعها ... مردفات على أعقاب أكوار
فـ"لا" ناهية، و"أعرف" مجزوم بها ومؤكد بالنون الخفيفة، مسند إلى ضمير المتكلم. وهذا النوع مما أقيم فيها المسبب مقام السبب أي: لا يكن٣ ربرب فأعرفه، والربرب: براءين مهملتين وباءين موحدتين: القطيع من البقر الوحشية، والحور، بضم الحاء المهملة، جمع حوراء، من الحور، بفتحتين: وهو شدة بياض العين في شدة سوادها.
ومدامعها مرفوع بحوراء، وأراد بها العيون لأنها مواضع الدمع في إطلاق الحال
стр. 1148
وإرادة المحل. ومردفات: حال من ربربا، لوصفه بما بعده، والأعقاب: جمع عقب، وعقب كل شيء: آخره، والأكوار: جمع كور، بضم الكاف: وهو الرجل بأداته. "وقوله"، وهو الوليد بن عقبة، لا الفرزدق: [من الطويل]
٨٣٩-
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدًا ما دام فيها الجراضم
فـ"لا" ناهية، أو دعائية، كما في المغني١، و"نعد": مجزوم بها، وهو مسند إلى المتكلم المعظم نفسه، وهو على النهي نادر؛ لأن المتكلم لا ينهى نفسه إلا على المجاز، تنزيلا له منزلة الأجنبي. و"دمشق"، بكسر الدال المهملة وفتح الميم، وقد تكسر، كما في القاموس، وبالشين المعجمة: قصبة الشام، والجراضم، بضم الجيم وبالضاد المهملة: الأكول الواسع البطن، وعنى به معاوية ﵁.
"ويكثر" جزمها فعلي المتكلم، مبنيين للمفعول. "نحو: لا أخرج، و: لا نخرج، لأن المنهي غير المتكلم"، وهو الفاعل المحذوف النائب عنه ضمير المتكلم، والأصل: لا يخرجني أحد، ولا يخرجنا أحد. فحذف الفاعل، وأنيب عنه ضمير المتكلم، [وعدل عن الفعل المبدوء بياء الغيبية، إلى المبدوء بالهمزة والنون، ليتمكن من الإسناد إلى ضمير المتكلم] ٢، على حد الالتفات من الغيبية إلى التكلم٣.
وما ذكره من التفصيل بين المبني للفاعل والمبني٤ للمفعول، طريقة لبعضهم، وعبارة الشارح٥: وتصحب فعل المخاطب والغائب كثيرًا، وقد تصحب فعل المتكلم، فسوى بين المخاطب والغائب في الكثرة، ولم يفصل في المتكلم بين المبني للفاعل والمبني للمفعول، وهو موافق لظاهر الكافية٦ والتسهيل٧.
стр. 1149
وليس أصل "لا" الطلبية، لام الأمر زيدت عليها الألف، فانفتحت، خلافًا لبعضهم، وليست "لا" النافية. والجزم بعدها بلام الأمر مضمرة قبلها، وحذفت كراهة اجتماع لامين، خلافًا للكسائي.
"و" الثاني: "اللام الطلبية أمر كانت، نحو: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ [الطلاق: ٧] ، أو دعاء، نحو: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] أو التماسًا، نحو: ليقم.
فالأمر من الأعلى، والدعاء من الأدنى، والالتماس من المساوي. "وجزمها فعلي المتكلم". والمبدوء بالهمزة والمبدوء بالنون، حال كونهما "مبنيين للفاعل قليل"، لأن المتكلم لا يأمر نفسه. نحو قوله ﷺ : "قوموا فلأصل لكم" ١ أي لأجلكم. والفاء زائدة. "و" قوله تعالى: " ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ " [العنكبوت: ١٢] فأصل ونحمل: مجزومان بلام الأمر. فعلامة جزم الأول: حذف الياء، وعلامة جزم الثاني: السكون. "وأقل منه جزمها فعل الفاعل المخاطب، نحو قوله تعالى: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا" [يونس: ٨٥] بالتاء المثناة فوق٢، في قراءة لعثمان وأبي وأنس وزيد. "ونحو" قوله ﷺ : "لتأخذوا مصافكم" ٣.
وقول الشاعر: [من الخفيف]
٨٤٠-
لتقم أنت يا ابن خير قريش ... كي لتقضي حوائج المسلمينا
وزعم الزجاجي أنها لغة جيدة. والجمهور جعلوا جزمها لفعل المخاطب، أقل من جزمها لفعل المتكلم. "و" قالوا: "الأكثر الاستغناء عن هذا"، وهو جزم فعل المخاطب "بفعل الأمر"، نحو افرحوا، وخذوا، وقم. وأصل لام الطلب السكون، لأن الأصل عدم الحركة، لكن منع منه أنها قد تكون في الابتداء, والابتداء بالساكن متعذر فكسرت، وقد تفتح عند سليم، فإذا دخل عليها الواو أو الفاء أو ثم، رجعت إلى سكونها الأصلي غالبًا.
"و" الثالث والرابع: "لم ولما" أختها "ويشتركان في أمور في: الحرفية" والاختصاص بالمضارع "والنفي، والقلب للمضي" وجواز دخول همزة الاستفهام
стр. 1150
عليهما، فكل منهما حرف يختص بالمضارع وينفي معناه١، ويقلب زمانه إلى المضي، وفاقًا للمبرد, لأنه يقلب اللفظ الماضي إلى المضارع٢، خلافًا لأبي موسى، ونسب إلى سيبويه٣.
"وتنفرد لم" عن لما، "بمصاحبة أداءة الشرط، نحو: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ " [المائدة: ٦٧] ولا يجوز: إن لما تفعل؛ لأن الشرط يليه مثبت لم. تقول: إن قام زيد قام عمرو، ولا يليه مثبت لما، لا تقول: إن قد قام زيد. فعودل بين النفي والإثبات. وإنما لم تقع بعد الشرط، لأنها تقتضي تحقيق وقوعه وتقريبه من الحال. والشرط يقتضي احتمال وقوعه وعدمه، وقلبه إلى الاستقبال.
"و" تنفرد لم أيضًا "بجواز انقطاع نفي منفيها"، نحو: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] لأن المعنى أنه قد كان بعد ذلك شيئًا مذكورًا، قاله الموضح في شرح القطر٤، تبعًا لابن مالك٥.
وقال في الحواشي: لا دليل في هذا، لأن قبله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ فالنفي إنما هو باعتبار ما ذكر من ذلك الحين لا مطلقًا، انتهى.
بخلاف لما، فإن نفي منفيها مستمر إلى زمن الحال. "ومن ثم" أي ومن أجل أن نفي منفي لم يجوز انقطاعه. جاز أن يقال في لم: "لم يكن" الإنسان شيئًا مذكورًا، "ثم كان" شيئًا مذكورًا.
"وامتنع في لما" أن يقال: "لما يكن ثم كان" لما فيه من التناقض، لأن امتداد النفي واستمراره إلى زمن التكلم يمنع من الإخبار بأن ذلك النفي المستمر نفيه وجد في الماضي. نعم الإخبار بأنه سيكون يستقبل صحيح ولا ينافي استمرار النفي في الحال. قاله الدماميني.
"وتنفرد لما" عن لم، "بجواز حذف مجزومها، كـ: قاربت المدينة ولما"، بحذف المجزوم، "أي: ولما أدخلها". وذلك لأنها نفي لـ"قد فعل"، والفعل قد يحذف
стр. 1151
بعد "قد"، كقوله: [من الكامل]
٨٤١-
........................ ... ............. وكأن قد
"فأما قوله"، وهو إبراهيم بن علي بن محمد الهرمي: [من الكامل]
٨٤٢-
احفظ وديعتك التى استودعتها ... يوم الأعازب إن وصلت وإن لم
أي: وإن لم تصل. "فضرورة". والأعازب، يروى بالعين المهملة والزاي المعجمة، وبالغين المعجمة والراء المهملة: التباعد.
"و" تنفرد لما أيضًا "بتوقع ثبوته"، أي ثبوت منفيها. "نحو: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] أي: إلى الآن ما ذاقوه وسوف يذوقونه. ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ " [الحجرات: ١٤] أي: إلى الآن ما دخل في قلوبكم وسوف يدخل. ولم لا تقتضي ذلك.
والعلة فيه أن لما لنفي قد فعل، وهو مفيد للتوقع، بخلاف لم فإنها لنفي فعل، ولا دلالة فيه على التوقع، والتوقع في فلما غالب، لا لازم، كما أن التوقع بـ"قد"، كذلك، ومن غير الغالب: ندم إبليس ولما ينفعه الندم١.
"ومن ثم"، أي ومن أجل أن "لما" يغلب عليها التوقع؛ "امتنع" أن يقال: "لما يجتمع الضدان" لاستحالة اجتماعهما. وتوقع المستحيل محال.
стр. 1152
وقد تتقارض "أن" المصدرية، و"لم" فتجزم بـ"أن"، وتنصب بـ"لم"، وقد تهمل "لم" حملا على "لا" النافية، فيرتفع بعدها الفعل، كقوله: [من البسيط]
٨٤٣-
............................... ... ......... لم يوفون بالجار
ومن ثم قال الفراء: أصل لم: "لا" فأبدلت الألف ميمًا، كما قال في "لن"، أصلها "لا" فأبدلت الألف نونًا، والصحيح في لما، قول الجمهور: إنها مركبة من "لم" و"ما" وقيل بسيطة.
"و" النوع الثاني: "جازم فعلين، وهو" إحدى عشرة كلمة، وهي بالنظر إلى الخلاف في حقيقتها وعدمه، "أربعة أنواع":
"حرف باتفاق، وهو إن"، بكسر الهمزة وسكون النون، وهي أم الباب.
"وحرف على الأصح، وهو إذما"، فقال سيبويه١: إنها حرف بمنزلة "إن" الشرطية فإذا قلت: إذما تقم أقم، فمعناه: إن تقسم أقم. وقال المبرد، وابن السراج، والفارسي: إنها ظرف زمان وإن المعنى في المثال: متى تقم أقم. واحتجوا بأنها قبل دخول "ما" كانت اسمًا٢. والأصل عدم التغيير. وأجيب بأن التغيير قد تحقق بدليل أنها كانت للماضي فصارت للمستقبل، فدل عى أنها نزع منها ذلك المعنى البتة، واعترض بأنه لا يلزم من تغيير زمانها، تغيير ذاتها كالمضارع. فإنه موضوع لأحد الزمانين، الحال أو الاستقبال، وإذا دخل عليه "لم"، انقلب زمانه إلى المضي مع بقاء ذاته على أصلها.
"واسم باتفاق، وهو: من" بفتح الميم، "و: ما، و: متى، و: أي، و: أين، و: أيان، و: أنى، و: حيثما".
"واسم على الأصح، وهو مهما"، فقال الجمهور، إنها اسم بدليل عود الضمير عليها في قوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢] . وزعم السهيلي، وابن يسعون، بمهملتين، أنها حرف.
стр. 1153
وهذه الأنواع الأربعة، ستة أقسام:
أحدها: ما وضع لمجرد تعليق الجواب على الشرط، وهو "إن، وإذما" نحو: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال: ١٩] ، و"إذما تقم أقم".
والثاني: ما وضع للدلالة على من يعقل، ثم ضمن معنى الشرط، وهو من، نحو: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] .
والثالث: ما وضع للدلالة على ما لا يعقل، ثم ضمن معنى الشرط، وهو "ما، ومهما" نحو: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢] الآية.
والرابع: ما وضع للدلالة على الزمان ثم ضمن معنى الشرط، وهو "متى"، و"أيان" نحو: [من الوافر]
٨٤٤-
..................................... ... متى أضع العمامة تعرفوني
ونحو: إيان نؤمنك، تأمن غيرنا.
والخامس: ما وضع للدلالة على المكان ثم ضمن معنى الشرط، وهو: أين وأنى وحيثما نحو: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٨٧] ، ونحو: [من الطويل]
٨٤٥-
... أنى تأتها تشتجر بها ... ..............................
ونحو: [من الخفيف]
٨٤٦-
حيثما تستقم يقدر لك اللـ ... ـه نجاحا......................
والسادس: ما هو متردد بين أنواع الاسم الأربعة، وهو "أي"، فإنها بحسب ما تضاف إليه. فهي في "أيهم يقم أقم معه" من باب من، وفي "أي الدواب تركب أركب" من باب ما، وفي "أي يوم تصم أصم" من باب متى، وفي "أي مكان تجلس أجلس" من باب أين.
стр. 1154
"و" هذه الكلمات "كل منهن يقتضي فعلين، يسمى أولهما شرطًا" لتعليق الحكم عليه، "و" يسمى "ثانيهما جوابًا" لأنه مرتب على الشرط كما يرتب الجواب على السؤال. "وجزاء" لأن مضمونه جزاء لمضمون الشرط. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٦٨٩-
فعلين يقتضين شرط قدما ... يتلو الجزاء وجوابًا وسما
وفهم من قوله: "وجازم لفعلين"، أن أداة الشرط جازمة لهما معًا. وهو مذهب الجمهور من البصريين١ واختاره ابن عصفور٢ والأبدي.
واعترض بأن الجازم كالجار، فلا يعمل في شيئين، وبأنه ليس لنا ما يتعدد عمله إلا ويختلف كرفع ونصب. ويجاب بالفرق بأن الجازم لما كان لتعليق حكم على آخر عمل فيهما، بخلاف الجار، وبأن تعدد العمل قد عهد من غير اختلاف، كمفعولي "ظن"، ومفاعيل أعلم.
وقيل: الشرط مجزوم بالأداة، والجواب مجزوم بالشرط، كما أن المبتدأ مرفوع بالابتداء والخبر مرفوع بالمبتدأ، ونسب إلى الأخفش، واختاره في التسهيل٣.
وقيل: الشرط والجواب تجازما، كما قال الكوفيون في المبتدأ والخبر أنهما ترافقا، وهذا نقله ابن جني عن الأخفش٤.
وقيل: الأداة والشرط كلاهما جزم الجواب، كما قيل الابتداء والمبتدأ كلاهما رفع الخبر، ونسب هذا القول لـ: سيبويه والخليل٥، ورد بأن العامل المركب لا يحذف أحد جزأيه ويبقى الآخر، وفعل الشرط قد يحذف، وبأن العامل المركب لا يفصل بين جزأيه، وقد جاء الفصل، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] وأجيب بأن فعل الشرط هو المحذوف، وهذا مفسر له.
وقيل: الجواب مجزوم بالجوار، قاله الكوفيون قياسًا للجزم على الجر٦، ورد بأنه قد يكون بينهما معمولات فاصلة فلا تجاور.
стр. 1155
"و" لا يشترط في الشرط والجزاء أن يكونا من نوع واحد، بل تارة "يكونان مضارعين نحو: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال: ١٩] . "و" تارة يكونان "ماضيين نحو: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] . "و" تارة يكونان مختلفين، "ماضيا فمضارعًا نحو: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] .
وفي الخاطريات لابن جني: قال أبو بكر: إنما حسن لأن الاعتماد في المعنى على خبر "كان"، وهو مضارع، فكأنه قال: ومن يرد نزد، وليس مثل قولك إن آتيتني آتك، قال الموضح: فتتبعت ما ورد به التنزيل من ذلك، فإذا فعل الشرط فيه كلمة "كان".
"و" تارة يكونان "عكسه"، مضارعًا فماضيًا، "وهو قليل" حتى خصه الجمهور بالشعر، ومذهب الفراء١، ومن تبعه، جوازه في الاختيار. "نحو" قوله ﷺ : "من يقم ليلة القدر إيمانا واحتساب غفر له". رواه البخاري٢.
"ومنه: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ" أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] ، فـ"ظلت": ماض وهو معطوف على الجواب، وهو ننزل، فيكون جوابًا "لأن تابع الجواب جواب.
ورد الناظم" في شرح التسهيل٣ "بهذين" الحديث والآية "ونحوهما، على الأكثرين، إذ خصوا هذا النوع بالضرورة". وقالوا: لأنا إذا أعلمنا الأداة في لفظ الشرط، ثم جئنا بالجواب ماضيًا، كنا قد هيأنا العامل للعمل. ثم قطعناه عنه، وهو غير جائز، وللأكثرين أن يجيبوا عن الحديث بأنه يجوز روايته بالمعنى، فليس نصًّا في الدليل. وعن الآية بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، ويتحصل من قول الناظم:
٦٩٩-
وماضيين أو مضارعين ... تلفيهما أو متخالفين
تسع صور لأن الشرط له ثلاثة أحوال: فإنه يكون ماضي اللفظ، أو مضارعًا عاريًا من "لم" أو مصحوبًا بها، والجزاء كذلك. وإذا ضربت ثلاثًا في ثلاث، بلغت تسعًا، منها ثمان تجوز في الاختيار اتفاقًا، وواحدة مختلف فيها، وهي أن يكون الشرط مضارعًا والجزاء ماضيًا عاريًا من "لم"، كما في الحديث والآية.
стр. 1156
"ورفع الجواب المسبوق بماض أو بمضارع منفي بـ"لم" قوي، كقوله" وهو زهير يمدح هرم بن سنان: [من البسيط]
٨٤٧-
وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
يرفع يقول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٠٠-
وبعد ماض رفعك الجزا حسن ... ..................................
والذي حسن ذلك أن الأداء لما لم تعمل في لفظ الشرط لكونه ماضيًا مع قربه، فلا تعمل في الجواب مع بعده، والمراد بالخليل هنا: الفقير المختل الحال، وليس المراد به الصديق. والمسألة، مصدر سأل، يقال: سأله سؤالا ومسألة. ويروى مسغبة، مكان مسألة، وعلى هذا أنشده الجوهري١. والمسغبة، المجاعة. والحرام، بفتح الحاء المهملة وكسر الراء، مصدر كالحرمان، ومعناه: المنع. وهو مبتدأ حذف خبره، أي: لا غائب مالي ولا عندي حرمان. على أحد الاحتمالات. "ونحو: إن لم تقم أقوم" برفع أقوم، لأن مجزوم "لم" لا عمل للأداة فيه فهو كالماضي. "ورفع الجواب في غير ذلك ضعيف". وإليه أشار الناظم بقوله:
٧٠٠-
........................... ... ورفعه بعد مضارع وهن
"كقوله"، وهو أبو ذؤيب الهذلي: [من الطويل]
٨٤٨-
فقلت تحمل فوق طوقك إنها ... مطبعة من يأتها لا يضيرها
стр. 1157
برفع "يضيرها". "وعليه قراءة طلحة بن سليمان" في الشواذ: ""أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ"" [النساء" ٧٨] برفع "يدرككم"١. ووجه ضعفه أن الأداة قد عملت في فعل الشرط. فكان القياس عملها في الجواب. وتخريجه عن سيبويه على نية التقديم والتأخير. أو إضمار الفاء، والأول عنده أولى إن تقدم عل الشرط ما يطلب المرفوع المذكور. كقوله: [من الرجز]
٨٤٩-
.............................. ... إنك إن يصرع أخوك تصرع
والمبرد يقطع بتقدير٢ الفاء فيهما٣. لأن ما يحل محلا يمكن أن يكون له، لا ينوي به غيره. وهذان التخريجان ضعيفان، لأن التقديم والتأخير يحوج إلى جواب، ودعوى حذفه وجعل المذكور دليله خلاف الأصل وخلاف فرض المسألة، لأن الغرض أنه الجواب. وإضمار الفاء مع غير القول مختص بالضرورة.
стр. 1158
فصل:
يشترط في الشرط ستة أمور:
أحدها: أن يكون فعلا غير ماضي١ المعنى فلا يجوز: إن قام زيد أمس قمت. وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] ، فالمعنى: إن ثبت أني كنت قلته.
والثاني: أن لا يكون طلبًا، فلا يجوز: إن قم، و: إن لا تقم.
والثالث: أن لا يكون جامدًا، فلا يجوز: إن عسى، ولا: إن ليس.
والرابع: أن لا يكون مقرونًا بحرف تنفيس٢، فلا يجوز: إن سوف يقم.
والخامس: أن لا يكون مقرونًا بـ"قد" فلا يجوز: إن قد قام، ولا: إن قد يقم.
والسادس: أن لا يكون مقرونًا بحرف نفي غير "لم، ولا"، فلا يجوز: إن لما تقم٣، ولا: إن لن تقم٤.
إذا تمهد ذلك فتقول٥: كل جواب يصلح٦ جعله شرطًا بأن يكون٧ ماضي اللفظ دون المعنى، مجردًا من "قد" وغيرها، أو مضارعًا مجردًا، أو منفيًّا بـ"لم، أو لا"، فالأكثر خلوه من الفاء، ويجوز اقترافه بها، ويبقى الماضي على حاله ويرفع المضارع، نحو: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠] ، ونحو ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ [الجن: ١٣] قاله الشارح٨، وقال غيره: إذا رفع المضارع فالجواب جملة اسمية. والتقدير: فهو لا يخاف٩.
стр. 1159
"وكل جواب يمتنع جعله شرطًا" لخلوه عما شرط، "فإن الفاء تجب فيه" لتربطه بشرط، لأن الجزم الحاصل به الربط مفقود، وليس على تقدير [الظهور] ١.
وخصت الفاء بذلك لما فيها من معنى السببية، ولمناسبتها للجزاء معنى. "وذلك" من حيث إن معناه التعقيب بلا فصل. كما أن الجزاء يتعب على الشرط كذلك.
والممتنع جعله شرطًا. "الجملة الاسمية، نحو: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ " [الأنعام: ١٧] فـ"هو" مبتدأ و"قدير" خبره. "وعلى كل شيء" تتعلق بـ"قدير". فإن قلت: "قدير" صفة مشبهة فكيف تقدم معمولها عليها. قلت: قد مضى، في بابها؛ أن عملها في الظرف وعديله لما فليها من رائحة الفعل، وذلك لا يمنع التقديم.
والجملة الطلبية نحو: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] وقس عليه بقية أنواع الطلب من النهي والدعاء، ولو بصيغة الخر والاستفهام والعرض والتحضيض٢ والتمني والترجي. ولا نطيل بأمثلتها، فالذكي ينال بمثال الواحد ما لا يناله الغبي بألف شاهد.
وقد تكون الجملة الواحدة اسمية طلبية في آن واحد، وقد اجتمعتا٣ في قوله تعالى ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠] فجملة: "من ذا الذي ينصركم" اسمية، لأن صدره اسم وهو "من" وطلبية لأن "من" فيها استفهامية وهي مبتدأ، و"ذا" اسم إشارة خبرها، "والذي": نعت له أو بيان، ويحتمل أن تكون "ذا" ملغاة، والخبر الموصول والجملة جواب الشرط.
"والتي فعلها" ماضي المعنى، نحو: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف: ٢٦] قاله الموضح في شرح الشذور٤. وقال الشاطبي٥: هو على إضمار "قد" أي: فقد صدقت.
"والتي فعلها جامد، نحو: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩] ﴿فَعَسَى رَبِّي " أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ [الكهف: ٤٠] . "أو مقرون بـ"قد"، نحو:
стр. 1160
﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ" لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٧] "أو تنفيس نحو: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] ، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] . "أو "لن"، نحو: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥] .
يقم فإن أقوم.
والحاصل أن الفاء تدخل لامتناع الجملة من أن تقع شرطًا. إما لذاتها أو لما اقترن بها من نفي أو إثبات، فالأول ثلاثة أنواع: الجملة الاسمية، والجملة الطلبية، والجملة التي فعلها جامد. والثاني ثلاثة أنواع أيضًا: "ما، ولن، وإن" النافيات. والثالث ثلاثة أنواع أيضًا: "قد" لفظًا أو تقديرًا، و"السين، وسوف".
"وقد تحذف" الفاء في الندرة كقوله ﷺ لأبي بن كعب لما سأله عن اللقطة: "فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها". أخرجه البخاري١. أو "في الضرورة، كقوله"، وهو عبد الرحمن بن حسان -رضي الله عنه٢: [من البسيط]
٥٨٠-
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان
أراد: فالله يشكرها.
وعن المبرد أنه منع ذلك مطلقًا، وزعم أن الرواية٣:
من يفعل الخير فالرحمن يشكره ... .........................................