الفصل الثاني في شروط ما يخبر عنه:
فيجب استحضارها عند إرادة الإخبار:
"اعلم أن الإخبار إن كان بالذي أو أحد١ فروعها" من التأنيث والتثنية والجمع. "اشترط للمخبر عنه سبعة شروط:
أحدها: أن يكون قابلا للتأخير"، لما مر من أنه يجب تأخيره. "فلا يخبر عن أيهم" في الاستفهام "من قولك: "أيهم في الدار؟ " لأنك تقول حينئذ: "الذي هو في الدار أيهم". فتزيل الاستفهام عن صدريته". وأجاز ذلك ابن عصفور بشرط تقدمه نحو: أيهم الذي هو في الدار فـ"أيهم": خبر مقدم، و"الذي": مبتدأ مؤخر. وقال ابن الضائع: بل "أيهم" مبتدأ، و"الذي": خبره.
والأقرب قول ابن عصفور، وإن كان الأصح عند الجمهور المنع مطلقًا٢. "وكذا القول في جميع أسماء الاستفهام و" أسماء "الشرط، و"كم" الخبرية، و"ما" التعجبية، وضمير الشأن"، على القول بأن له صدر الكلام. "لا يخبر عن شيء منها لما ذكرنا" من إزالة ما له صدر الكلام عن صدريته، وبيان ذلك أنك تقول في الإخبار عن اسم الشرط من قولنا: "أيهم يكرمني أكرمه": الذي هو يكرمني أكرمه أيهم١. وعن "كم" الخبرية من قولنا: كم عبد ملكت؟ [الذي إياه عبد ملكت] ٣ كم. وعن "ما" التعجبية من قولنا: "ما أحسن زيدًا": الذي هو أحسن زيدًا ما. وعن ضمير الشأن من قولنا: "هو زيد قائم": الذي هو زيد قائم هو. فتزيل ما له صدر الكلام عن صدريته، وثم مانع آخر وهو أن الضمير الحال محل المخبر عنه لا يتضمن معناه ولا يعمل عمله.
стр. 1192
أما في مسألة الاستفهام فلأن الضمير لا يستفهم به، وأما في مسألة الشرط فلأن الضمير لا يجزم، وأما في مسألة "كم" فلأن الضمير لا يضاف. وأما في مسألة "ما" التعجبية فلأن الضمير لا يخبر عنه بأفعل في التعجب، وأما في مسألة ضمير الشأن فلأن ضمير الشأن لا يتقدم على الجملة الواقعة صلة الموصول.
"وفي التسهيل١ أن الشرط أن يقبل الاسم أو خلفه، التأخير. وذلك لأن الضمائر المتصلة كالتاء من: "قمت"، يخبر عنها مع أنها لا تتأخر، ولكن يتأخر خلفها، وهو الضمير المنفصل. تقول" إذا أخبرت عن التاء من "قمت": "الذي نام أنا". فعلى هذا يصير المتصل منفصلا لكونه خبرًا ويصير المتكلم غائبًا لعوده على: الذي فلذلك عزاه للتسهيل.
الشرط "الثاني: أن يكون" المخبر منه "قابلا للتعريف، فلا يخبر عن الحال والتمييز" مما هو ملازم للتنكير. "لأنك لو قلت في: جاء زيد ضاحكًا"، وفي: "ملكت تسعين نعجة": "الذي جاء زيد إياه ضاحك"، والتي ملكت تسعين إياها نعجة، "لكنت [قد] ٢ نصبت الضمير" في الأول "على الحال"، وفي الثاني على التمييز، "وذلك ممتنع، لأن الحال" والتمييز كل منهما "واجب التنكير، وكذا القول في نحوه. وهذا القيد"٣: وهو قبول التعريف المذكور في النظم في قوله:
٧٢١-
قبول تأخير وتعريف لما ... أخبر عنه ههنا قد حتما
"لم يذكره" [الناظم] ٤ "في التسهيل" بهذا اللفظ، وذكر بلفظ غيره فقال١: منوبًا عنه بضمير. قال شراحه، أبو حيان٥ ومتابعوه: المرادي٦ وابن عقيل٧ وناظر الجيش والسمين واللفظ له.
قوله: منوبًا عنه بضمير، أي عن ذلك الاسم الذي تريد أن تخبر عنه. وتحرز بذلك من الأسماء التي يجوز إضمارها٨، كالحال والتمييز، والأسماء العاملة عمل الفعل,
стр. 1193
نحو: اسم الفاعل واسم المفعول. وأمثلة المبالغة، والمصادر، والصفات المشبهة، وأسماء الأفعال. انتهى.
الشرط "الثالث: أن يكون" المخبر عنه "قابلا للاستغناء عنه بالأجنبي" في صحة وقوعه قبل الإخبار، كـ زيد من: "ضربت زيدًا"، فإنه يصح وقوع عمرو مثلا موقعه في تركيب آخر، فتقول: ضربت عمرًا، بخلاف الهاء في: "زيد ضربه"، فلا يصح وقوع أجنبي موقعها لفوات العائد إلى المبتدأ. "فلا يخبر عن الهاء من نحو: "زيد ضربته"، لأنها لا يستغنى عنها بالأجنبي، كـ: "عمرو وبكر" لما ذكرنا.
"وإنما امتنع الإخبار عما هو كذلك، لأنك لو أخبرت عنه لقلت: الذي زيد ضربته هو، فالضمير المنفصل" وهو "هو" المتأخر في آخر التركيب، "هو الذي كان متصلا بالفعل قبل الإخبار, والضمير المتصل الآن" وهو الهاء، "خلف عن ذلك الضمير الذي كان متصلا بالفعل، ففصلته وأخرته.
ثم هذا الضمير" المنصوب "المتصل"، وهو الهاء من ضربته. "إن قدرته رابطًا للخبر بالمبتدأ، الذي هو: زيد، بقي الموصول"، وهو الذي "بلا عائد، وإن قدرته عائدًا على الموصول، بقي الخبر بلا رابط"، ولا سبيل إلى كونه عائدًا عليهما، إذ عود ضمير مفرد على شيئين محال هذا١ من جهة الصناعة، وأما من جهة المعنى فقال: الفارسي: لا فائدة في هذا الإخبار، لأن الخبر حينئذ لا زيادة فيه على المبتدأ، فهو كقولك: الذاهب جاريته صاحبها. انتهى.
الشرط "الرابع: أن يكون" المخبر عنه "قابلا للاستغناء عنه بالمضمر، فلا يخبر [عن المجرور] ٢ بـ"حتى"، أو بـ"مذ"، أو بـ"منذ" لأنهن لا يجررن إلا الظاهر، والإخبار يستدعي إقامة ضمير مقام المخبر عنه؛ كما تقدم" أول الباب: فلا يخبر عن رأسها من قولك "أكلت السمكة حتى رأسها"، بالجر، فلا تقل: الذي أكلت حتاه رأسها، ولا عن يومين من قولنا: "ما رأيته مذ أو منذ يومين"، فلا تقل: اللذان، ما رأيته مذهما، أو منذهما، يومان، لأن "حتى" و"مذ" و"منذ" لا يجررن ضميرًا. وإلى هذين الشرطين أشار الناظم بقوله:
٧٢٢-
كذا الغنى عنه بأجنبي أو ... بمضمر شرط...............
стр. 1194
وكذلك لا يجوز الإخبار عن مضاف دون مضاف إليه، ولا عن مصدر عامل دون معموله، ولا عن موصوف دون صفته١، ولا عن صفة دون موصوفها.
"فـ" على هذا "إذا قيل: "سر أبا زيد قرب من عمرو الكريم"، جاز الإخبار عن زيد" خاصة. "وامتنع الإخبار عن الباقي، لأن الضمير" يخلف زيدًا و"لا يخلفهن". تقول في الإخبار عن زيد: "الذي سر أباه قرب من عمرو الكريم زيد". ولا تقل في الإخبار عن الأب وحده: "الذي سر أبا زيد قرب من عمرو الكريم أب" ولا عن قرب: "الذي سر أبا٢ زيد هو من عمرو الكريم قرب". ولا عن عمرو: "الذي سر أبا زيد قرب منه الكريم عمرو". ولا عن الكريم: "الذي سر أبا زيد قرب من عمرو هو الكريم". "أما: "الأب" فلأن الضمير" الحال محله "لا يضاف، وأما "القرب" فلأن الضمير" الحال محله "لا يتعلق به جار ومجرور وغيره" من المعمولات، عند البصريين.
وذهب الكوفيون إلى أن ضمير المصدر يعمل عمل المصدر، "وأما، "عمرو الكريم" فلأن الضمير" الحال محل عمرو، "لا يوصف، و" الضمير الحال محل الكريم، "لا يوصف به، نعم إن أخبرت عن المضاف والمضاف إليه معًا". وهما: "أبا زيد"، أو عن العامل ومعموله معًا، وهما: "قرب من عمرو" أو عن الموصوف وصفته، وهما: "عمرو الكريم". "فأخرت ذلك" المخبر عنه برمته، "وجعلت مكانه ضميرًا" مطابقًا له في معناه وإعرابه، "جاز" ذلك، "فتقول في الأخبار عن المتضايفين" وهما: أبا زيد: "الذي سره قرب من عمرو الكريم أبو زيد، وكذا الباقي". فتقول في الإخبار عن العامل ومعموله: "الذي سر أبا زيد قرب من عمرو الكريم". ففي: "سر", ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية وهو خلف عن: "قرب" وكان القياس أن يوضع في محله، لكن ضرورة الاتصال ألجأت إلى تقديمه٣ واتصاله بعامله، فاستتر فيه. وتقول في الإخبار عن الموصوف وصفته معًا وهما: عمرو الكريم: الذي سر أبا زيد قرب منه عمرو الكريم.
الشرط "الخامس: جواز وروده في الإثبات، فلا يخبر عن: أحد، من نحو:
стр. 1195
"ما جاءني أحد"، لأنه لو قيل: الذي ما جاءني أحد، لزم وقوع: "أحد" في الإيجاب"، فإنه خبر "الذي"، وفاعل "جاءني"، ضمير مستتر فيه، وهو ضمير "أحد".
ونص في التسهيل في باب العدد١ على أن نفي ضمير: أحد، مسوغ لوقوع: أحد في الإيجاب، كقوله: [من الطويل]
٨٦٩-
إذا أحد لم يعنه شأن طارق ... ...................................
فإن قلت: الضيمر في جاءني يعود على الموصول، لا على: أحد، قلت: أحد: خبر الموصول، والخبر في هذا الباب نفس المبتدأ.
الشرط "السادس: كونه في جملة خبرية، فلا يخبر عن الاسم" المعمول لفعل طلب كالواقع "في مثل: اضرب زيدًا"، فلا تقل في الإخبار عن زيد: الذي أضربه زيد.
"لأن الطلب لا يقع صلة" للموصول، لما مر في بابه.
الشرط "السابع: أن لا يكون" المخبر عنه "في إحدى جملتين مستقلتين"، ليس في الأخرى منهما ضميره، ولا بين الجملتين عطف بالفاء. وذلك "نحو: زيد من قولك: قام زيد وقعد عمرو". فلا يقال: الذي قام وقعد عمرو زيد، لأن جملة: "قعد عمرو" ليس فيها ضمير يعود على الموصول، ولا هي معطوفة بالفاء، فلا يصلح أن تكون معطوفة على جملة الصلاة، "بخلاف" ما إذا كان في إحدى جملتين غير مستقلتين، كالشرط والجزاء، نحو: إن قام زيد قعد عمرو". فيحوز الإخبار عن زيد، فتقول: الذي إن قام قعد عمرو وزيد، لأن الشرط والجزاء كالجملة الواحدة، بخلاف ما إذا كان في إحدى جملتين مستقلتين وتضمنت الثانية ضميره، أو كانت معطوفة بالفاء، فإنه يجوز الإخبار لحصول الرابط٢ بين الجملتين بالضمير أو بالفاء.
فالأول: كالمتنازع فيه من نحو: "ضربني وضربت زيدًا"، ونحو: "أكرمني وأكرمته عمرو" تقول في الإخبار عن زيد: "الذي ضربني وضربته زيد"، وعن عمرو: "الذي أكرمني وأكرمته عمرو".
والثاني: كأحد المرفوعين، من نحو: "يطير الذباب فيغضب زيد"، تقول في الإخبار عن الذباب "الذي يطير فيغضب زيد الذباب"، وفي الإخبار عن زيد: "الذي
стр. 1196
يطير الذباب فيغضب زيد"، ويكتفى بضمير واحد في الجملتين الموصول بهما، لأن ما في الفاء من معنى السببية نزلهما١ منزلة الشرط والجزاء، فجاز لذلك قولك: "الذي إن يطر فيغضب زيد الذباب".
"وإن كان الإخبار بالألف واللام، اشترط عشرة أمور: هذه السبعة، وثلاثة أخر وهي: أن يكون المخبر عنه من جملة فعلية، وأن يكون فعلها متصرفًا" ليصاغ منه الوصف الصريح، وأن يكون الفعل مقدمًا غير مسبوق بشيء. وفي بعض النسخ مثبتًا. "فلا يخبر بـ"أل" عن زيد من قولك: زيد أخوك"، لأنه في جملة اسمية لا يصاغ منها صلة "أل" "ولا من قولك: عسى زيد أن يقوم"، لأن الفعل جامد. "ولا من قولك: ما زال زيد عالمًا، لأن الفعل غير مقدم، بل النفي متقدم عليه، و"أل" لا يفصل بينها وبين صلتها بنفي ولا غيره، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٣-
وأخبروا هنا بأل عن بعض ما ... يكون منه الفعل قد تقدما
٧٢٤-
إن صح صوع صلة منه لأل ... ................................
فيخبر عن المفعول النائب عن الفاعل من نحو: ضرب زيد، فتقول: المضروب زيد، "ويخبر عن كل من الفاعل والمفعول في نحو قولك: وقى الله البطل. فتقول" إذا أخبرت عن الفاعل: "الواقي البطل الله، و" تقول إذا أخبرت عن المفعول: "الواقيه الله البطل", برفع الأول على الفاعلية، والثاني على الخبرية. "ولا يجوز لك أن تحذف الهاء" من: "الواقيه"، خلافًا للشارح٢، "لأن عائد الألف واللام لا يحذف إلا في الضرورة كقوله: [من البسيط]
٨٧٠-
ما المستفز الهوى محمود عاقبة ... ولو أتيح له صفو بلا كدر
أي: المستفزه.
стр. 1197
فصل:
"وإذا رفعت١ صلة: أل" اسما ظاهرًا، كالمثال المتقدم، فلا إشكال فيه، وإذا رفعت "ضميرًا"، فلا يخلو إما أن يكون "راجعا إلى نفس: أل" وإما أن يكون راجعًا إلى غيرها. فإن كان راجعًا إلى نفس "أل". "استتر" ذلك الضمير "في الصلة" وجوبًا، "ولم يبرز" لكون الصفة جارية على من هي له. "تقول في الإخبار عن التاء من: بلغت" من أخويك إلى العمرين رسالة"، "في المثال المتقدم: "المبلغ من أخويك إلى العمرين رسالة أنا". ففي "المبلغ" ضمير مستتر" مرفوع على الفاعلية، ولم يبرز "لأنه في المعنى لـ"أل"، لأنه"أي الضمير المستر، "خلف عن ضمير٢ المتكلم" المؤخر المجعول خبرًا، "و"أل" للمتكلم، لأن خبرها" "أنا" وهو ضمير المتكلم. والمبتدأ" في هذا الباب "نفس الخبر"، والصفة نفس٣ موصوفها، فيكون الضمير المستتر في: المبلغ يرجع إلى "أل"، فلذلك وجب استتاره. "وإن رفعت صلة "أل" ضمير" راجعا "لغير "أل" وجب بروزه وانفصاله" من الصلة لما تقرر [من] ٤ أن الصلة٥ إذا جرت على غير من هي له، امتنع أن ترفع ضمير مستتر، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٥-
وإن يكن ما رفعت صلة أل ... ضمير غيرها أبين وانفصل
"ما إذا أخبرت عن شيء من بقية أسماء المثال" المتقدم، "تقول في الإخبار عن الأخوين: "المبلغ أنا منهما إلى العمرين رسالة أخواك"، و" تقول في الإخبار "عن العمرين: "المبلغ أنا من أخويك إليهم رسالة العمرون, و" تقول في الإخبار "عن الرسالة: المبلغها أنا من أخويك إلى العمرين رسالة"، بالرفع٦.
стр. 1198
فـ"أنا" فيهن فاعل المبلغ، وهو ضمير منفصل لأنه لغير "أل" "وذلك لأن التبليغ فعل المتكلم"، لأن فعله مسند إلى المتكلم في: بلغت، "و"أل" فيهن لغير المتكلم لأنها نفس الخبر الذي أخرته"، وهو: الأخوان في الأول: والعمرون في الثاني، والرسالة في الثالث، ولا فرق في ذلك بين المتنازع فيه وغيره.
تقول في الإخبار بـ"أل" عن المتنازع فيه من نحو: ضربت وضربني زيد: "الضارب أنا والضاربي زيد". وإنما أبرزنا فاعل الأول لأن "أل" الأولى، كـ"أل" الثانية في أنها نفس الخبر الذي هو: زيد. والضرب الأول ليس لزيد.
وتقول في الإخبار بـ"أل" عن غير المتنازع فيه على رأي الأخفش فإنه يغير الترتيب بأن يقدم المتنازع فيه ويجعله معمولا للأول بعدما كان معمولا للثاني، إذا أخبرت عن التاء من: "ضربت"، في المثال المذكور: "الضارب زيدًا، والضاربه هو أنا". قدمت "زيدًا" وجعلته لأول المتنازعين لأنه كان يطلبه منصوبًا، وأضمرت في الوصف الأول ضميرًا غائبًا عائدًا على "ألا" عوضًا عن التاء١ المخبر عنها، ليصح له٢ أن يعود على الموصول، فاستتر في الوصف بجريانه على ما٣ هو له، لأن "أل" نفس "أنا" لأن الذي فعل الضرب هو "أنا" في المعنى. ثم جئت بموصول ثان لأن "أل" لا تفصل من صلتها، فلا يصح أن تعطف وصفًا على وصف هو صلة لـ"أل"، وأتيت مكان ياء المتكلم بهاء الغيبة ليعود إلى "أل"، وفصلت ضمير الفاعل وهو "هو" لأن الصفة جرت على غير صاحبها، لأن "أل" نفس "أنا". والذي فعل الضرب ثانيًا إنما هو زيد، كما أن فاعل الضرب في الجملة الأولى٤ هو المتكلم. وهذا أولى مما ذهب إليه المازني من مراعاة الترتيب الأصلي بأن يؤتى لكل من الموصولين بخبر يخصه غير خبر الآخر٥، لفظًا ومعنى، فعلى هذا تقول في الإخبار عن تاء المتكلم الفوقانية في المثال المذكور: "الضاربه أنا هو، والضاربه زيد أنا". ووجهه أنا أخبرنا أولا عن الفاعل، وهو التاء الفوقانية ففصلناه وأخرناه، وأوقعنا "أل" الأولى على المضروب، كما أوقعنا "أل"٦
стр. 1199
الثانية على الضارب. ثم وصلنا١ صلته بضمير المفعول العائد على "أل"، ثم أبرزنا ضمير الفاعل لجريان الصفة على غير من هي له، ثم جئنا بضمير المفعول خبرًا عن الموصول الأول، ثم جئنا بهاء الغائب مكان ياء المتكلم لتعود٢ على "أل"، وذكرنا فاعل الوصف بعد ذلك وهو زيد، ثم جئنا بالمخبر عنه وهو: أنا. ثم يقال لمن قال بموافقة المازني وشرح كلامه بما٣ تقدم: عليك مؤاخذة من ثلاثة أوجه.
أحدها: أنك سئلت عن الإخبار عن الفاعل، فأخبرت عن المفعول في الجملة الأولى، وعن الفاعل في الجملة الثانية.
والوجه الثاني: أنك أخرت المخبر عنه من الجملة الأولى التي كان فيها، إلى الجملة الأخرى بعدها.
والوجه الثالث: أن قولك: "هو" في الجملة الأولى لا يعلم له مرجع إلا بتقديم الجملة الثانية، والغرض أنها متأخرة.
واختار الموضح في الحواشي أن يقال: الضاربه أنا والضاربه زيد أنا. فتأتي للوصف الأول بمفعول يعود على زيد وهو الهاء. وتفصل الفاعل وهو "أنا" وتجعله خبرًا وتجعل مكان التاء التي فصلتها ضميرًا مثلها في المعنى والإعراب، لكن تجعله غائبًا ليعود على الموصول. وتجعله مستترًا، لأن "أل" هي نفس الخبر الذي هو "أنا" والضرب فعل المتكلم، فجرت الصفة على صاحبها، وتأتي للوصف الثاني بالهاء مكان ياء المتكلم وهي المفعول والعائد، وزيد: الفاعل، وأنا: الخبر، انتهى.
стр. 1200
باب العدد
مدخل
...
باب العدد:
بفتحتين، وهو ما ساوى نصف مجموع حاشيتيه، القريبتين أو البعيدتين على السواء، [كـ: الاثنين] ١ فإن حاشيته السفلى واحد٢، والعليا ثلاثة، ومجموع ذلك أربعة، ونصف الأربعة اثنان، وهو المطلوب. ومن ثم قيل: الواحد ليس بعدد لأنه لا حاشية له سفلى حتى تضم مع العليا. والمراد به هنا الألفاظ الدالة على المعدود، كما يقال الجمع، للفظ الدال على الجماعة.
"اعلم أن الواحد والاثنين يخالفان الثلاثة والعشرة وما بينهما في حكمين:
أحدهما: أنهما يذكران مع المذكر، فتقول: واحد، اثنان، ويؤنثان مع المؤنث، فتقول: واحدة، واثنتان"، على لغة الحجازيين، و"ثنتان" على لغة بني تميم.
ويشاركهما في ذلك ما وازن فاعلا مطلقًا، والعشرة إذا ركبت، فتقول: الجزء الثالث والثالث عشر، والمقامة الثالثة والثالثة عشرة. "والثلاثة وأخواتها تجري على عكس ذلك"، فتؤنث مع المذكر وتذكر مع المؤنث. "فتقول: ثلاثة رجال بالتاء, وثلاث إماء٣، بتركها. قال الله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ " [الحاقة: ٧] . وقال ابن مالك٤. وإنما حذفت التاء من عدد المؤنث وأثبتت في عدد المذكر في هذا القسم، لأن
стр. 1201
الثلاثة وأخواتها أسماء جماعات كـ: "زمرة وأمة وفرقة"، فالأصل أن تكون١ بالتاء لتوافق نظائرها، فاستصحب الأصل مع المذكر لتقدم رتبته، وحذفت مع المؤنث فرقًا لتأخر رتبته. انتهى.
"و" الحكم "الثاني" من حكمي٢ واحد واثنين: "أنهما لا يجمع بينهما وبين المعدود، لا تقول: واحد رجل، ولا: اثنا رجلين، لأن قولك: رجل، يفيد الجنسية والوحدة وقولك: رجلان، يفيد الجنسية وشفع الواحد، فلا حاجة إلى الجمع بينهما"، فأما قوله: [من الرجز]
٨٧١-
......................... ... ............ ثنتا حنظل
فقليل٣.
وأما البواقي، وهي الثلاثة والعشرة وما بينهما، فلها ثلاثة أحوال: الأول: أن يقصد بها العدد المطلق. والثاني: أن يقصد بها معدود ولا يذكر، والثالث: أن يقصد بها معدود ويذكر.
فأما لو قصد بها العدد المطلق، فإنها كلها بالتاء، نحو: ثلاثة نصف ستة، ولا تنصرف لأنها أعلام مؤنثة، خلافًا لبعضهم؛ وأما إذا أريد بها معدود ولم يذكر في اللفظ.
стр. 1202
فالفصيح أن تكون١ بالتاء للمذكر وبحذفها للمؤنث، كما لو ذكر المعدود: فتقول: "صمت خمسة"، تريد أيامًا، و"سهرت خمسة"، تريد ليالي.
ويجوز أن تحذف التاء كما٢ في المذكر، كالحديث: "ثم أتبعه بست من شوال"، وأما إذا قصد بها معدود وذكر. "فلا تستفاد العدة والجنس إلا من العدد والمعدود جميعًا، ذلك لأن قولك: "ثلاثة" يفيد العدة دون الجنس. وقولك: "رجال"، يفيد الجنس دون العدة، فإذا قصدت الإفادتين"، وهما العدة والجنس. "جمعت بين الكلمتين" وهما: العدد والمعدود. فقتل: ثلاثة رجال. وثلاث إماء، بالتاء مع المذكر، وبعدمها مع المؤنث، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٦-
ثلاثة بالتاء قل للعشره ... في عد ما آحاده مذكره
٧٢٧-
في الضد جرد........ ... ........................
стр. 1203
فصل:
ألفاظ الأعداد بالنسبة إلى الاستعمال أربعة أنواع:
مفرد، وهو عشرة ألفاظ: واحد واثنان١ وعشرون وتسعون وما بينهما.
ومضاف، وهو أيضًا عشرة ألفاظ. مائة وألف وثلاثة وعشرة وما بينهما.
ومركب، وهو تسعة ألفاظ: أحد عشر وتسعة عشر وما بينهما.
ومعطوف وهو: أحد وعشرون، وتسعة وتسعون وما بينهما، فمميز العشرين، والتسعين وما بينهما، والأحد عشر والتسعة عشر وما بينهما، والأحد والعشرين، والتسعة والتسعين وما بينهما، مفرد منصوب. و"مميز الثلاثة والعشرة وما بينهما إن كان اسم جنس ". وهو ما يفرق بينه وبين مفرده بالتاء غالبًا. "كـ: "شجر وتمر". أو اسم جمع"، وهو ما دل على الجمع، وليس له مفرد من لفظه غالبًا"، "كـ: "قوم ورهط"، خفض بـ"من" تقول: "ثلاثة" من الشجر غرستها"، و"خمسة "من التمر" أكلتها"، "و"عشرة من القوم" لقيتهم"، و"تسعة من الرهط صحبتهم". "قال الله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ " [البقرة: ٢٦٠] . وعلل الأخفش امتناع الإضافة إلى اسم الجنس بأنه قد يقع على الواحد، ولا يضاف هذا الجمع إلى الواحد فكذا ما أشبهه.
قال الموضح في الحواشي: قلت وكذا اسم الجمع بالنسبة إلى الصيغة، فإن صيغته كصيغة الواحد، وإن كان لا ينطبق٢ على الواحد، والدليل على أنه يعامل لفظًا معاملة الواحد، أنه قد يعود عليه ضمير الواحد، ويفرد الخبر عنه، نحو: الركب سائر. انتهى.
"وقد يخفض" مميز اسمي الجنس والجمع، "بإضافة العدد" إليه، فاسم الجمع "نحو: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] . وفي الحديث: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة"٣. وقال الشاعر": [من الوافر]
стр. 1204
٨٧٢-
ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد جار الزمان على عيالي
والذود من الإبل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها. كذا في الصحاح١. وذاله الأولى معجمة، والثانية مهملة. و"الأنفس": جمع نفس، وهي مؤنثة، وإنما أنت عددها، لأن النفس كثر استعمالها مقصودًا بها إنسان قاله المرادي٢. واسم الجنس كقول جندل بن المثنى: [من الرجز]
٨٧٣-
كأن خصييه من التدلدل ... ظرف عجوز فليه ثنتا حنظل
فـ"حنظل": اسم جنس مخفوض بالإضافة على حد: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] قاله الموضح، واتفق الجميع على الخفض بـ"من". وأما بالإضافة ففيه مذاهب:
أحدها: الجواز على قلة، وهو ظاهر كلام الموضح هنا٣، تبعًا لابن عصفور٤.
والثاني: الاقتصار على ما سمع، وهو مذهب الأكثرين٥.
والثالث: التفصيل في اسم الجمع، فإن كان مما يستعمل للقليل فقط نحو: "نفر ورهط، وذود"، جاز. وإن كان مما يستعمل للقليل والكثير، كـ: "قوم ونسوة"، لم يجز.
حكاه الفارسي عن أبي عثمان المازني. وعلله المبرد بأن العدد لا يضاف لواحد ولا لما يدل على الكثرة، وأما: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فمسموع. انتهى.
"وإن كان" مميزها "جمعا، خفض بإضافة العدد إليه، نحو: ثلاثة رجال"
وثلاث إماء، "ويعتبر التذكير والتأنيث مع اسمي الجمع والجنس بحسب حالهما" باعتبار
стр. 1205
عود الضمير عليهما١، تذكيرًا وتأنيثًا، "فيعطى العدد عكس ما يستحقه ضميرهما"٢، مذكرًا، أنت العدد، وإن كان مؤنثًا ذكر.
"فتقول" في اسم الجنس: "ثلاثة من الغنم" عندي، "بالتاء" في ثلاثة، "لأنك تقول: غنم كثير، بالتذكير" للضمير المستتر في: كثير، "وثلاث من البط، بترك التاء" من ثلاثة٣، "لأنك تقول: بط كثيرة، بالتأنيث" للضمير المستتر في: كثيرة.
"و" تقول: "ثلاثة من البقر"، بالتاء، "أو: ثلاث"، بتركها، "لأن" ضمير البقر يجوز فيه التذكير والتأنيث باعتبارين، وذلك أن٤ "في البقر لغتين: التذكير والتأنيث، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] بتذكير الضمير، "وقرئ: تشابهت" بتأنيثه٥.
وحاصل ما ذكره من أمثلة اسم الجنس ثلاثة أنواع: ما فيه لغتان، التذكير فقط [وهو: الغنم. وما فيه لغة التأنيث فقط وهو: البط, وما فيه لغتان، التذكير والتأنيث وهو: البقر، ولم يمثل] ٦ لاسم الجمع، وفصل فيه ابن عصفور فقال٧: إن كان لمن يعقل فحكمه حكم المذكر كـ: القوم والرهط والنفر. وإن كان لما لا يعقل فحكمه حكم المؤنث كـ: الجامل والباقر.
"و" التذكير والتأنيث "يعتبران مع الجمع بحال مفرده" فإن كان مفرده مذكرًا أنت عدده، وإن كان مؤنثًا ذكر، "فلذلك تقول: إصطبلات" جمع إصطبل، بقطع الهمزة المكسورة. "وثلاثة حمامات" جمع حمام؛ بتشديد الميم؛ "بالتاء فيهما" اعتبارًا بالإصطبل والحمام فإنهما مذكران، ولا تقول: ثلاث، بتركها؛ "اعتبارًا بالجمع، خلافًا للبغداديين" والكسائي٨. ونقل سيبويه والفرء أن كلام العرب على خلاف ذلك٩.
стр. 1206
وتقول: ثلاث سحابات؛ بترك التاء؛ اعتبارًا بالسحابة فإنها مؤنثة، "ولا يعتبر من حال الواحد حال لفظه" في التأنيث والتذكير "حتى يقال: ثلاث طلحات؛ بترك التاء" نظرا إلى تأنيث لفظ واحده وهو: طلحة، "ولا" يعتبر "حال معناه" تذكيرًا وتأنيثًا، "حتى يقال: ثلاث أشخص؛ بتركها" أيضًا؛ نظرًا إلى تأنيث معنى واحده وهو شخص، "تريد: نسوة"، لأن الشخص يقع على المذكر والمؤنث١. "بل ينظر إلى ما يستحقه المفرد باعتبار ضميره، فيعكس حكمه في العدد، فكما تقول: طلحة حضر، وهند شخص جميل, بالتذكير فيهما تقول: ثلاثة طلحات، وثلاثة أشخص؛ بالتاء فيهما؛ فأما قوله" وهو عمر بن أبي ربيعة: [من الطويل]
٨٧٤-
فكان مجني دون من كنت أتقى ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
"فضرورة".
وكان القياس فيه: ثلاثة شخوص؛ بالتاء؛ ولكنه كنى بالشخوص عن النساء. "والذي سهل ذلك قوله: كاعبان ومعصر"، أي: هن كاعبان ومعصر، "فاتصل باللفظ ما يعضد المعنى المراد" وهو التأنيث. "ومع ذلك فليس بقياس خلافًا للناظم"، بل قال٢: إن اقترن باللفظ ما يرجح جانب المعنى، ترجح. والكاعب: الجارية حين يبدو ثديها للنهود. والمعصر؛ بضم الميم وكسر الصاد المهملة، الجارية أول ما أدركت، سميت بذلك لكونها دخلت في عصر الشباب، قاله الخليل. "وإذا كان المعدود صفة" منونا موصوفها، "فالمعتبر" في التذكير والتأنيث "حال الموصوف المنوي لا حالها". فإن كان الموصوف مذكرًا، أنث العدد، وإن كان مؤنثًا ذكر. "قال الله تعالى": ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] بترك التاء؛ لأن الموصوف مؤنث، "أي: عشر حسنات أمثالها، ولولا ذلك" الاعتبار "لقيل: عشرة" بالتاء "لأن المثل" الذي هو
стр. 1207
واحد الأمثال "مذكر. و" تقدم أنه يعتبر مع الجمع حال مفرده. "تقول: عندي ثلاثة ربعات، بالتاء" في ثلاثة "إن قدرت" الموصوف "رجالا، وبتركها إن قدرت" [الموصوف] ١ "نساء"، لأن ربعات؛ بفتح الباء؛ في الأصل اسم. ثم استعملت في الصفة، وهي جمع ربعة؛ بسكونها؛ يوصف به المذكر والمؤنث. يقال: رجل ربعة وامرأة ربعة: وهي المربوع لا طويل ولا قصير.
واعتبار توهم الموصوف كاعتبار نيته. "ولهذا" ترى العرب "يقولون: ثلاثة دواب؛ بالتاء؛ إن٢ قصدوا ذكورا، لأن الدابة" وهي لغة كل ما يدب على الأرض "صفة في الأصل" غلبت عليها الاسمية. "فكأنهم قالوا: ثلاثة أحمرة"، جمع حمار، "دواب، وسمع" من كلامهم: "ثلاث دواب ذكور"، بترك التاء، لأنهم" اعتبروا تأنيث اللفظ، و"أجروا الدابة مجرى" الاسم "الجامد" نظرًا إلى الحال. "فلا يجرونها على موصوف"، قال ابن مالك٣ أخذًا من قول ابن عصفور٤: وأما ثلاث دواب فعلى جعل الدابة اسمًا.
стр. 1208
فصل:
"الأعداد التي تضاف للمعدود عشرة، وهي نوعان:
أحدهما: الثلاثة والعشرة وما بينهما" وذلك ثمانية ألفاظ، "وحق ما تضاف إليه أن يكون جمعًا مكسرًا" ليطابق العدد المعدود لفظًا، "من أبنية القلة" ليتطابقا معنى.
وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٧-
............. والمميز اجرر ... جمعا بلفظ قلة في الأكثر
"نحو: ثلاثة أفلس" من الجوامد، "وأربعة أعبد" من المشتقات الجارية مجرى الجوامد.
و: ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] من المائعات، وثمانية أحمال، وتسعة حبية، وعشرة أرغفة.
"وقد يختلف كل واحد من هذه الأمور الثلاثة"، وهي: الجمع والتكسير والقلة. "فيضاف للمفرد" في مسألتين:
إحداهما: أن يكون اسم جمع، وذلك قليل نحو: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] ، و: "خمس ذود"١.
والثانية: في لفظ واحد. "وذلك إن كان نحو: ثلاثمائة وتسعمائة"، لأن المائة وإن أفردت لفظًا فهي جمع معنى، لأنها عشر عشرات وهو عدد قليل. قاله الموضح في الحواشي.
"وشذ في الضرورة قوله"، وهو الفرزدق: [من الطويل]
٨٧٥-
ثلاث مئين للملوك وفى بها ... ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم
ووجه شذوذه أن المائة إذا جمعت كان أقل مفهوماتها ثلاثمائة، وهو مما يفيد الكثرة فكان غير مناسب٢.
стр. 1209
"ويضاف لجمع التصحيح في مسألتين:
إحداهما: أن يهمل تكسير الكلمة، نحو: ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] و: خمس صلوات و: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] فإن: سماء وصلاة وبقرة، لم يسمع لها جمع تكسير أصلا، فضلا عن أن يكون للقلة فلما لم يسمع لها جمع تكسير أضيف إليها وهي جمع تصحيح لأنه يفيد القلة عند سيبويه وأتباعه١.
"والثانية: أن يجاور"؛ بالراء المهملة؛ "ما أهمل تكسيره"، وإن كان هو مسموع التكسير "نحو: ﴿سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] فإنه" كسر على: سنابل. ولكنه "في التنزيل مجاور لـ: سبع بقرات" المهمل تكسيره، فلذلك حسن تصحيحه وقد جاء في التنزيل مكسرًا نحو: ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
وبقي مسألتان:
إحداهما: أن يكون تكسير الكلمة غير مقيس نحو: ثلاث سعادات فإن٢ جمع سعاد على: سعائد، خلاف القياس. كذا قال ابن مالك٣. وهو مبني على أن فعائل إنما يطرد في المؤنث، بالعلامة نحو: رسالة ورسائل، وأن نحو: عجائز، يحفظ ولا يقاء عليه.
والثانية: أن يكون تكسير الكلمة قليل الاستعمال نحو: ﴿تِسْعَ آَيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] قال الموضح: كذا ظهر لي، فإن تكسير آية على: آي جائز لكنه ليس بالفاشي. وجعلها ابن مالك مما أهمل تكسيره. قال: وفيه نظر.
"ويضاف لبناء الكثرة في مسألتين:
إحداهما: ان يهمل بناء القلة: نحو: ثلاث جوار، وأربعة رجال، وخمسة دراهم". فإن جارية ورجلا ودرهمًا، لم يستعمل لها جمع قلة. وأما أرجل فجمع: رجل، بكسر الراء وسكون الجيم.
"والثانية: أن يكون له بناء قلة، ولكنه شاذ قياسًا أو سماعًا، فينزل لذلك منزلة المعدوم" ويعدل عنه٤ إلى جمع الكثرة.
"فالأول" وهو الشاذ قياسًا "نحو: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن جمع: قرء؛ بالفتح؛ على أقراء، شاذ" كما سيأتي في باب جمع التكسير. نعم إن جعل قروء
стр. 1210
جمعًا لـ: قرء؛ بالضم؛ كان قياسًا. والقرء بالفتح والضم؛ يطلق على الطهر والحيض.
"والثاني": وهو الشاذ سماعًا "نحو: ثلاثة شسوع"؛ بمعجمة فمهملة؛ "فإن أشساعًا" وإن كان قياسًا لأن مفرده: شسع، بكسر أوله١ وسكون ثانيه: أحد سيور النعل١، وأفعال قياس فيه كـ: حمل وأحمال؛ بالحاء المهملة؛ ولكنه "قليل الاستعمال".
"النوع الثاني" من النوعين: "المائة والألف، وحقهما أن يضافًا إلى مفرد نحو": ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، "و" نحو: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت: ١٤] وإنما كان حقهما ذلك؛ لأن المائة اجتمع فيها ما افترق في عشرة وعشرين من الإضافة والإفراد، لأنها مشتملة عليهما، فأخذت من العشرة الخفض ومن العشرين الإفراد. والألف عوض من٢ عشر مائة، هي تميز٣ بمفرد مخفوض، فعوملت الألف معاملة ما عوضت منه. "وقد تضاف المائة إلى جمع، كقراءة الأخوين حمزة والكسائي: "ثلاثمائة سنين" [الكهف: ٢٥] بحذف التنوين للإضافة٤.
قيل: ووجه تشبيه المائة بالعشرة إذ كانت تعشيرًا للعشرات، والعشرة تعشيرًا للآحاد، وقيل: إنه من وضع الجمع موضع المفرد. ومن نون فقيل: هو عطف بيان، أو بدل من ثلاثمائة٥.
ورد بأن البدل على نية طرح الأول. وعلى تقدير طرحه يكون لمعنى: ولبثوا في كهفهم سنين. فيفوت التنصيص على كمية العدد. ويجاب بأن نية الطرح غالبة لا لازمة. ولا يكون: سنين تمييزًا لأنه يقتضي أنهم أقل ما لبثوا: تسعمائة وتسع سنين.
قاله الموضح في الحواشي. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٢٨-
ومائة والألف للفرد أضف ... ومائة بالجمع نزرا قد ردف
"وقد تميز" المائة "بمفرد منصوب٦، كقوله"، وهو الربيع بن ضبع
стр. 1211
الفزاري: [من الوافر]
٨٧٦-
إذا عاش الفتى مائتين عامًا ... فقد ذهب المسرة والفتاء
فـ"عامًا": تمييز منصوب بعد مائتين.
قال ابن مالك١: وذلك يقوي ما أجازه ابن كيسان من نحو: الألف درهما والمائة دينارًا بالنصب. ويؤيده قوله حذيفة ﵁: "ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة" بالنصب، فأجرى "أل" في تصحيح نصب التمييز مجرى التنوين والنون، وروي بحفض مائة، على زيادة "أل"، أو تقدير مضاف مماثل لمصحوب "أل" أو إبدال مائة من المخفوض على إنابة المفرد عن الجمع مثل: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] ، والحق أن البيت ضرورة، والرواية شاذة.
стр. 1212
فصل:
"فإذا تجاوزت العشرة جئت بكلمتين:
الأولى: النيف" بفتح النون وتشديد الياء مكسورة؛ وقد تخفف١ كـ: هين، وأصله الواو، من ناف ينوف إذا زاد. وقال أبو زيد٢: "وهو التسعة فما دونها"، وقال أبو جعفر النحاس في شرح المعلقات٣: النيف من العدد: ما جاوز العقد إلى الثلاثة. هذا قول أهل اللغة، وفي الصحاح والقاموس٤: كل ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني. انتهى.
والعقد ما كان من مرتبة العشرات أو المئات أو الألوف، "وحكمت لها"، أي للكلمة الأولى وهي النيف، "في التذكير والتأنيث بما ثبت لها قبل ذلك" التركيب، "فأجرت الثلاثة والتسعة وما بينهما على خلاف القياس، و" أجريت "ما دون ذلك" وهو: الأحد٥ والاثنان "على القياس, إلا أنك تأتي بأحد وإحدى" بإبدال الواو همزة فيهما.
إلا أن الأول شاذ لازم٦ غالبًا. والثاني: مطرد على الأصح كـ: إشاح وإكاف، ولهذا نبهوا على الأصل في أحد فقالوا: وحد. ولم ينبهوا عليه في إحدى، وأتوا بأحد وإحدى مع التركيب "مكان واحد وواحدة" مع الإفراد، خوف الالتباس بالصفة.
"ويبنى الجميع" من النيف والعقد بعد التركيب "على الفتح"، ليعادل خفته ثقل التركيب، أما بناء الكلمة الأولى فلأنها منزلة صدر الكلمة من عجزها، وأما
стр. 1213
بناء الثانية فلتضمنها حرف العطف، وقيل: لوقوعها موقع التنوين، "إلا اثنين واثنتين فتعربهما" بالألف رفعًا وبالياء جرًّا ونصبًا "كالمثنى"، لوقوع ما بعدهما موقع النون وليسا مضافين للعقد. وقيل: مضافان إليه. وعليهما فالعقد لتضمنه معنى حرف العطف.
وذهب ابن كيسان وابن درستويه إلى أن اثنين واثنتين مبنيان مركبان مع العقد كسار أخواتهما١.
ورد بأنهما لو كانا مبنيين لزما الياء لأنها نظير الفتحة في الواحد، ولهذا قالوا: لا يدين بها٢ لك "وإلا: ثماني، فلك فتح الياء" لأنها مفتوحة في ثمانية، قاله السهيلي في الروض. "و" لك "إسكانها" كما في: معدي كرب.
"ويقل حذفها مع بقاء كسر النون" لأنها ياء زائدة فحذفت وبقيت الكسرة دليلا عليها فأشبهت: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ٦] "و" يقل٣ حذفها "مع فتحها"، أي النون لأنها لما كانت تضم الآخر إذا كان الآخر نون، كقوله: [من الرجز]
٨٧٧-
لها ثنايا أربع حسان ... وأربع فثغرها ثمان
جعلت فتحة بناء على التركيب.
"والكلمة الثانية" من الكلمتين: "العشرة، ويرجع بها إلى القياس" في "التذكير مع المذكر والتأنيث مع المؤنث"، فتجردها من التاء مع المذكر وتؤنثها مع المؤنث، رجوعًا إلى الأصل، لئلا يجمع بين علامتي تأنيث، "وتبنيها على الفتح مطلقًا" سواء أكانت مع انثني واثنتين أم مع غيرهما. أما بناؤها مع اثنين واثنتين فلأنها واقعة موقع النون المحذوفة لشبه الإضافة. والاسم إذا وقع موقع الحرف بني. وأما بناؤها مع غيرهما فلأنها واقعة موقع التنوين، وهو حرف مبني على السكون، وخالفت في البناء حكم ما وقعت موقعه تنبيهًا على الفرعية، واختير الفتح طلبًا للتخفيف.
стр. 1214
"وإذا كانت" العشرة مختومة "بالتاء سكنت" أنت "شينها في لغة الحجازيين"، فإنهم ينطقون بها ساكنة كراهة، توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة.
"وكسرتها في لغة" أكثر بني "تميم"١ تشبيها بتاء كيف. "وبعضهم"، وهم الأقلون من بني تميم "يفتحها". إبقاء لها على أصلها من الفتح، وبذلك قرأ يزيد بن القعقاع: "فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشَرَةَ عَيْنًا"٢ [البقرة: ٦٠] وبعضهم يسكن العين من عشرة فيقول: أحدَ عْشَرَ، احترازًا من توالي المتحركات. قاله في المفصل٣.
"وقد تبين بما٤ ذكرنا أنك تقول": عندي "أحد عشر عبدًا، واثنا عشر رجلا، بتذكيرهما" أي: النيف والعقد من المثالين، و"ثلاثة عشر عبدًا بتأنيث الأول" وهو ثلاثة، "وتذكير الثاني" وهو عشر. "وتقول": عندي "إحدى عشرة أمة، واثنتا عشرة جارية، بتأنيثهما، أي: النيف والعقد من المثالين.
وإنما جمعوا بين تأنيثين في: إحدى عشرة لاختلاف لفظي العلامتين، وفي اثنتا عشر إما لأن التاء بدل من الياء، وليست للتأنيث. أو لأنها زائدة للإلحاق بـ"أصبهان". وإما لأن "اثنان واثنتان" معربان، وعشرة مبنية، والمبني غير المعرب فكأنهما اسمان: مضاف ومضاف إليه، وإما لأنهما متضايفان حقيقة بدليل حذف النون.
قال الموضح: كل ذلك قد قيل، والسؤال عندي من أصله ليس بالقوي لأنهم قالوا في اسم الفاعل: خامس عشر في المذكر، وخامسة عشرة في المؤنث فأنثوا الكلمتين جميعًا وبنوهما على الفتح، وذلك مجمع عليه، وكذا في الباقي فدل على أنهم اعتبروا حالة الكلمتين قبل التركيب. انتهى.
"و" تقول: عندي "ثلاث عشرة جارية، بتذكير" الجزء "الأول وتأنيث" الجزء "الثاني" وإلى هذا الفصل أشار الناظم بقوله:
стр. 1215
٧٢٩-
وأحد اذكر وصلنه بعشر ... ...............................
الأبيات الستة١.
"فإذا جاوزت التسعة عشر في التذكير، والتسع عشرة في التأنيث، استوى لفظًا المذكر والمؤنث تقول": عندي "عشرون عبدًا"، وعشرون أمة وثلاثون عبدًا "وثلاثون أمة". والمدار في التذكير والتأنيث على التمييز، "وتمييز ذلك كله مفرد منصوب نحو: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] ، ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] ، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ " [الأعراف: ١٤٢] ، ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] ، ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] ، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ، " ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ " [ص: ٢٣] .
"وأما قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا " أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] ، "فـ: أسباطا" ليس بتمييز لأنه جمع؛ وإنما هو "بدل من اثنتي عشرة"، بدل كل من كل، "والتمييز محذوف أي: اثنتي عشرة فرقة"، قاله الشلوبين وابن أبي الربيع وغيرهما. "ولو كان: أسباطًا، تمييزًا" عن اثنتي عشرة، "لذكر"؛ بتشديد الكاف؛ "العددان" ولقيل: اثني عشر بتذكيرهما وتجريدهما من علامة التأنيث، "لأن السبط" واحد الأسباط "مذكر"، فكان يجب أن تجرد التاء من عدده.
"وزعم الناظم" في شرح الكافية٢ "أنه" لا حذف، وأن أسباطا "تمييز، وأن ذكر "أمما" رجح حكم التأنيث" في أسباطًا لكونه وصف بـ"أمما" جمع أمة، "كما رجحه"؛ أي التأنيث، في شخوص "ذكر كاعبان ومعصر في قوله": [من الطويل]
стр. 1216
٨٧٨-
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
وكان القياس: ثلاثة شخوص، لأن الشخص مذكر، ولكنه لما فسره بـ: كاعبان ومعصر، وهما مؤنثان رجح تأنيثه، وما ذكره الناظم في الآية، مخالفًا في شرح التسهيل١ "إن أسباطا بدل لا تمييز"، انتهى.
والقول بالبدلية من اثنتي عشرة مشكل على قولهم: إن المبدل منه في نية الطرح غالبًا، ولو قيل: وقطعناهم أسباطًا لفاتت فائدة كمية العدد، وحمله على غير الغالب لا يحسن تخريج القرآن عليه.
والقول بأنه تمييز مشكل على قولهم: إن تمييز العدد المركب مفرد، وأسباطًا جمع، وقال الحوفي: "يجوز أن يكون أسباطا نعت الفرقة، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وأمما: نعت الأسباط وأنت العدد وهو واقع على الأسباط، وهو مذكر لأنه بمعنى فرقة أمة كقوله: [من الوافر]
٨٧٩-
ثلاثة أنفس........... ... ...........................
يعني رجالا. انتهى.
فارتكب الوصف بالجامد، والكثير خلافه، وذهب الفراء إلى جواز جميع التمييز وظاهر الآية يشهد له، ويشهد له أيضًا ما روي من قول ابن مسعود؛ رضي الله تعالى عنه.
"قضى في دية الخطأ عشرين بنت مخاض وعشرين بني مخاض" وتخريج أبي حيان على أن: بني مخاض: حال من عشرين، أو نعت لها، والتمييز محذوف خلاف الأصل، وإلى تمييز المركب أشار الناظم بقوله:
٧٣٦-
وميزوا مركبا بمثل ما ... ميز عشرون فسوينهما
стр. 1217
فصل:
"ويجوز في العدد المركب، غير اثني عشر واثنتي عشرة، وأن يضاف إلى مستحق المعدود، فيستغنى عن التمييز، نحو: هذه أحد عشر زيد"، فـ"هذه" مبتدأ، وأحد عشر، خيره: وزيد: مضاف إليه. وإنما لم يضف: اثنا عشر واثنتا عشرة لأن ما بعد اثنين واثنتين واقع موقع النون، فكما أن الإضافة تمتنع مع النون فكذلك تمتنع مع ما وقع موقعها، ولا كذلك الباقي. "ويجب" حينئذ "عند البصريين البناء في الجزأين" معًا، كما يبقى مع التمييز.
"وحكى سيبويه١ الإعراب في آخر" الجزء "الثاني" بحسب العوامل، وإبقاء الجزء الأول على بنائه على الفتح "كما في: بعلبك" فتقول: هذه أحد عشر زيد، ورأيت أحد عشر زيد، ومررت بأحد عشر زيد. بفتح أحد في الجميع، ورفع عشر في الأول ونصبه في الثاني وجره في الثالث. والفتح في النصب على هذه اللغة غير الفتحة في اللغة الأولى، لأن تلك فتحة بناء وهذه فتحة إعراب. "وقال" سيبويه٢ في هذه اللغة: "هي لغة رديئة" وقال الأخفش: حسنة.
واختارها ابن عصفور٣ وزعم أنها الفصحى، ووجه ذلك بأن الإضافة ترد الأسماء إلى أصلها من الإعراب، ورده ابن مالك في شرح التسهيل٤ بأن المبني قد يضاف نحو: كم رجل عندك، انتهى.
وقد يفرق بين ما بناؤه أصلي فلا يرد إلى الإعراب، وما بناؤه عارض بسبب التركيب فيرد إليه بأدنى ملابسة. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٣٧-
وإن أضيف عدد مركب ... يبق البنا وعجز قد يعرب
стр. 1218
"وحكى الكوفيون وجهًا ثالثًا وهو أن يضاف" الجزء "الأول إلى" الجزء "الثاني"، فيعرب الجزء الأول بحسب العوامل، ويجر الجزء الثاني بالإضافة "كما في: عبد الله، نحو" ما حكى الأخفش١ أنه سمع ممن سمع من أبي فقعس الأسدي، وأبي٢ الهيثم العقيلي: "ما فعلت خمسة عشرك"، برفع خمسة. وجر عشرك٣.
"وأجازوا أيضًا هذا الوجه"، وهو إعراب المتضايفين "دون إضافة" إلى مستحق المعدود نحو: هذه خمسة عشر، ورأيت خمسة عشر، ومررت بخمسة عشر، بجر عشر في الأحوال الثلاثة، وإعراب خمسة بحسب العوامل، "استدلالا بقوله"؛ وهو نفيع بن طارق على ما قيل: [من الرجز]
٨٨٠-
كلف من عنائه وشقوته ... بنت ثماني عشرة من حجته
فـ: "بنت": مفعول ثان بـ"كلف"، ومفعوله الأول مستتر فيه قائم مقام الفاعل، وثماني: مضاف إليه٤، وعشرة: بالتنوين مجرورة بإضافة ثماني إليها، ولم يضف إلى مستحق المعدود. والعناء، بفتح العين المهملة: التعب والمشقة. والشهوة، بكسر الشين المعجمة: الشقاوة.
وقول ابن مالك في التسهيل٥: ولا يجوز بإجماع ثمان يعشر إلا في الشعر. مردود فإن الكوفيين أجازوا ذلك مطلقًا في الشعر وغيره، كما قال الموضح فليس نقل الإجماع بصحيح.
стр. 1219
فصل:
"ويجوز أن تصوغ" أي تشتق "من لفظ اثنين وعشرة وما بينهما اسم فاعل"
على وزن فاعل، "كما تصوغه من فعل" المفتوح العين، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٣٨-
وصغ من اثنين فما فوق إلى ... عشرة كفاعل من فعلا
"فتقول: ثان وثالث ورابع إلى العاشر، كما تقول" من فعل المتعدي: "ضارب، و" من اللازم: "قاعد"، إلا أن الاشتقاق من أسماء العدد سماعي، لأنه من قبيل الاشتقاق من أسماء الأجناس كـ: "تربت يداك"١ من التراب، واستحجر الطين من الحجر، على ما هو مبين في علم الاشتقاق، ويستثنى من ذلك ما إذا أريد به معنى فاعل فإن له فعلا، كما صرح به في التسهيل٢, فيكون مصوغًا من المصدر.
قال في شرح التسهيل٣: وقولهم مصوغ من العدد تقريب على المتعلم، وفي الحقيقة أنه مصوغ من الثلث إلى العشر، وهي مصادر: ثلثت الاثنين إلى عشرت التسعة. انتهى.
وفي الصحاح٤: عشرت القوم أعشرهم عشرًا إذا صرت عاشرهم.
"و" اسم الفاعل من العدد "يجب فيه أبدًا أن يذكر مع المذكر ويؤنث مع المؤنث" على القياس. "كما يجب ذلك مع ضارب ونحوه" من أسماء الفاعلين.
"فأما ما دون الاثنين فإنه وضع على ذلك" الحكم "من أول الأمر فقيل" في المذكر: "واحد، و" في المؤنث: "واحدة"، وهما من: وحد يحد.
стр. 1220
"ولك في اسم الفاعل المذكور" وهو: ثان١ وعاشر٢ وما بينهما، "أن تستعمله بحسب المعنى الذي تريده على سبعة أوجه:
أحدها: أن تستعمله مفردًا" عن الإضافة "ليفيد الاتصاف بمعناه مجردًا" عن الاتصال بالعشرة، "فتقول: ثالث ورابع"، ومعناه حينئذ واحد موصوف بهذه الصفة وهي كونه ثالثًا ورابعًا، "قال" النابغة الذبياني: [من الطويل]
٨٨١-
توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
والمعنى: وقع في وهمي أي: ذهني، علامات للمرأة فعرفت العلامات بعد ستة أعوام، وهذا العام الذي أنا فيه سابع.
الوجه "الثاني: أن تسعمله مع أصله" الذي صيغ هو منه، "ليفيد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير". وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤٠-
وإن ترد بعض الذي منه بني ... تضف إليه.....................
"فتقول: خامس خمسة أي: بعض جماعة منحصرة في خمسة" أي: واحد من خمسة لا زائد عليها، "ويجب حينئذ إضافته إلى أصله"؛ كما مثل؛ "كما يجب إضافة البعض إلى كله" كـ: يد زيد. "قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ " [التوبة: ٤٠] , فـ: "ثاني" حال من الهاء في "أخرجه"، و"اثنين" مضاف إليهما "وقال" الله "تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ " [المائدة: ٧٣] ، فـ"ثالث" خبر "إن"، و"ثلاثة" مضاف إليه.
"وزعم الأخفش وقطرب" من البصريين، "والكسائي وثعلب" من الكوفيين. "أنه يجوز إضافة الأول" وهو الفرع، "إلى الثاني" وهو الأصل، "ونصبه إياه"٣. فعلى هذا يجوز: ثالث ثلاثة, بجر ثلاثة ونصبها، ونصبه إياه فعلى هذا يجوز: ثالث ثلاثة، بجر ثلاثة ونصبها. "كما يجوز في: ضارب زيد" جر زيد ونصبه.
стр. 1221
"وزعم الناظم" في التسهيل١ "أن ذلك جائز في ثان فقط" دون غيره. وعلله في شرح التسهيل٢: بأن العرب تقول: ثنيت الرجلين، إذا كنت الثاني منهما، يعني ولا تقل ثلثت الرجلين٣، إذا كنت الثالث منهم.
ثم قال٤: فمن قال: ثاني اثنين بهذا المعنى عذر لأنه له فعلًا، ومن قال: ثالث ثلاثة١ لا يعذر لأنه لا فعل له. وتعقبه أبو حيان فقال٦: ثنيت الرجلين، مخالف لنقل النحاة، ثم هو ليس نصًا في: ثنيت الاثنين، حتى يبنى عليه جواز: ثنيت الاثنين. قال الموضح: وما نقله ابن مالك عن العرب قاله ابن القطاع في كتاب الأفعال٧. وإذا جاز ثنيت الرجلين، جاز ثنيت الاثنين، ولا يتوقف في ذلك إلا ظاهري جامد. انتهى.
الوجه "الثالث: أن تستعمله٨ مع ما دون أصله" الذي صيغ منه بمرتبة واحدة، "ليفيد معنى التصيير" والتحويل. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤١-
وإن ترد جعل الأقل مثل ما ... فوق فحكم جاعل له أحكما
"فتقول: هذا رابع ثلاثة" بتنوين رابع ونصب ثلاثة، "أي: جاعل الثلاثة بنفسه أربعة، قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ " [المجادلة: ٧] ، أي إلا هو مصيرهم أربعة ومصيرهم ستة.
"ويجوز حينئذ"، أي حين إذا كان بمعنى مصير "إضافته" إلى ما دونه "وإعماله" بشرط كونه بمعنى الحال أو الاستقبال، واعتماده على نفي أو استفهام، أو ذي خبر أو حال أو موصوف. "كما يجوز الوجهان": وهما الإضافة والإعمال "في جاعل ومصير ونحوهما" من أفعال التحويل والانتقال.
стр. 1222
"ولا يستعمل بهذا الاستعمال ثان، فلا يقال: ثاني واحد، ولا: ثان واحدًا". نص على ذلك سيبويه١. "وأجازه بعضهم"، وهو الكسائي "وحكاه عن العرب" فقال٢: تقول ثاني واحد. وحكى الجوهري٣: ثان واحدًا.
وإنما ساغ عمل فاعل من العدد لأن له فعلا، كما أن جاعلا، كذلك، يقال: كانوا تسعة وعشرين فثلثتهم، أي: فصيرتهم ثلاثين، أثلثهم، فأنا ثالثهم. وهكذا إلى كانوا تسعة وثمانين فتسعتهم، أي: فصيرتهم تسعين أتسعهم، فأنا تاسعهم. إلا أن المضارع من ربعتهم وسبعتهم وتسعتهم مفتوح العين لا مكسورها. فإذا تجاوزت ذلك قلت: كانوا تسعة وتسعين فأمأيتهم، على أفعلتهم، وكذا كانوا تسعمائة وتسعًا وتسعين فآلفتهم، فأنا ممءٍ ومؤلفٌ.
ومن الغريب ما وقع في شرح موجز ابن السراج لأبي الحسن بن الأهوازي: كان القوم عشرة فحدعشتهم إلى تسعشتهم، وهم محدعشون، وأنا محدعش ومتسعش، قال: وكذا العقود، يقال: معشرن ومثلثن، ومن المائة والألف: ممء ومؤلف، لأن فعلهما: أمأى وأألف. انتهى.
والوجه "الرابع: أن تستعمله مع العشرة ليفيد الاتصاف بمعناه" حال كونه "مقيدًا بمصاحبة العشرة". وهو أنه واحد موصوف بهذه الصفة. "فتقول: حادي عشر، بتذكيرهما" على القياس، "وحادية عشرة، بتأنيثهما" على القياس أيضًا. "وكذا تصنع في البواقي: تذكر اللفظين مع المذكر، وتؤنثهما مع المؤنث٤. تقول: الجزء الخامس عشر" بتذكيرهما، "والمقاومة السادسة عشرة" بتأنيثهما. "وحيث استعملت الواحد أو الواحدة مع العشرة أو مع ما فوقها كالعشرين، فإنك تقلب فاءهما" وهي الواو، "إلى موطن لامهما" وهي الدال. وتقول: حادو وحادوة "وتصيرها" أي الواو "ياء"، لأن إذا تطرفت إثر الكسر٥ قلبت ياء، وتاء التأنيث في حكم الانفصال، إلا أنك تعل حاديًا إعلال قاض، فتحذف الياء لالتقاء الساكنين وهما: الياء والتنوين ولا تعل حادية لتحرك الياء.
стр. 1223
"فتقول: حاد" بحذف الياء، ووزنه: عالف، "وحادية"، بإثبات الياء ووزنها: عالفة لأنهما من الوحدة، وحكى الكسائي عن بعض العرب: واحد عشر على الأصل. فلم يلتزم القلب كل العرب١.
الوجه "الخامس: أن تستعمله معها"، أي مع العشرة، "ليفيد معنى: ثاني اثنين، وهو انحصار العدة فيما ذكر، ولك في هذه الحالة ثلاثة أوجه:
أحدها؛ وهو الأصل؛ أن تأتي بأربعة ألفاظ: أولها: الوصف"، وهو اسم الفاعل. والثاني: العشرة، حال كون الوصف "مركبًا مع العشرة، و" اللفظ "الثالث: ما اشتق منه الوصف، و" الرابع: العشرة حال كون ما اشتق منه الوصف "مركبًا أيضًا مع العشرة. وتضيف جملة التركيب الأول"، وهو الوصف المركب مع العشرة "إلى جملة التركيب الثاني"، وهو ما اشتق منه الوصف المركب مع العشرة. "فتقول: ثالث عشر ثلاثة عشر٢" فالوصف هو: ثالث، وما اشتق منه هو: ثلاثة، وكل منهما مركب مع العشرة، وهذه الألفاظ الأربعة مبنية على الفتح، وجملة التركيب الأول مضافة، وجملة التركيب الثاني مضاف إليها.
الوجه "الثاني" من هذه الحالة: "أن تحذف عشر من" التركيب "الأول استغناء به في" التركيب "الثاني"، وتعرب الجزء الأول من أول التركيبين لزوال التركيب منه وتضيفه إلى جملة التركيب الثاني، فتقول: هذا ثالث ثلاثة عشر برفع: ثالث، بلا تنوين، وبناء: ثلاثة عشر. قال أبو حيان٣: وهذا الوجه أكثر استعمالا وجائز اتفاقًا، وإعراب اسم الفاعل فيه لعدم التركيب، وقياس من أجاز الإعمال في: ثاني اثنين، أن يجيزه هنا. انتهى.
الوجه "الثالث" من هذه الحالة: "أن تحذف العقد"، وهو العشرة "من" التركيب "الأول، و" تحذف "النيف"، وهو الثلاثة في مثالنا، "من" التركيب "الثاني. ولك في هذا الوجه" المشتمل على الحذفين المذكورين "وجهان:
أحدهما: أن تعربهما لزوال مقتضى البناء" وهو: التركيب "فيهما فتجري الأول" وهو الوصف "بمقتضى حكم العوامل" في الرفع والنصب والجر. "وتجر الثاني"
стр. 1224
وهو العقد، "بالإضافة" دائمًا فتقول: جاءني ثالث عشر، ورأيت ثالث عشر، ومررت بثالث عشر، بجر عشر في الأحوال الثلاثة. "و" إعراب ثالث بحسب العوامل، جزم بذلك ابن عصفور١. قال أبو حيان٢: وينبغي أن لا يقدم على هذا إلا بسماع لما فيه من الإجحاف.
الوجه "الثاني" من هذين الوجهين: "أن تعرب" الجزء "الأول"، وهو الوصف، بحسب العوامل، "وتبني" الجزء "الثاني" وهو: العقد على الفتح، "حكاه الكسائي، و" يعقوب "بن السكيت، وابن كيسان٣، ووجه أنه" أعرب الأول لزوال التركيب، "وقدر ما حذف من الثاني فبقي البناء بحاله" لنية الصدر. ونظيره: لا حول ولا قوة إلا بالله. فيمن فتح قوة. فإنه بنى مع كلمة أخرى ثم حذفها، وبقي البناء بحاله. قاله ابن مالك٤.
قال أبو حيان٥: "ولا يقاس على هذا الوجه لقلته. وزعم بعضهم"، وهو أبو محمد بن السيد٦، "أنه يجوز بناؤها لحلول كل منهما محل المحذوف من صاحبه". فتقول: جاء ثالث عشر، ورأيت ثالث عشر، ومررت بثالث عشر، ببناء الجزأين على الفتح في الأحوال الثلاثة.
"وهذا مردود لأنه لا دليل حينئذ"، أي حين إذ بنيا، "على أن هذين الاسمين منتزعان من تركيبين، بخلاف ما إذا أعرب" الجزء "الأول" فإنه يدل على أن هذين الاسمين منتزعان من تركيبين.
"ولم يذكر الناظم" في التسهيل "وابنه" في شرح النظم "هذا الاستعمال الثالث"، وهو أن يحذف العقد من الأول، والنيف من الثاني، "بل ذكرا مكانه"، في الكتابين المذكورين٧: "أنك تقتصر على التركيب الأول، باقيًا بناء صدره، وذكرا"، أي الناظم وابنه "أن بعض العرب يعربه" زاد ابنه: حكى ذلك ابن السكيت وابن
стр. 1225
كيسان١. قال الموضح: "والتحرير ما قدمته" من الاستعمال الثالث بوجهيه. وأن ما حكاه ابن السكيت وابن كيسان من إعراب الأول إنما هو فيما إذا حذف العقد من الأول والنيف من الثاني، لا فيما إذا اقتصر على التركيب الأول خاصة. وما ذكره الناظم وابنه يجب حمله على تركيب واحد، وإلا فقد قال أبو حيان٢: إنه باطل، لأنه يلتبس بما ليس أصله تركيبتين. ورده الموضح في الحواشي بأن الذي أجازه ابن مالك في التسهيل لا يمنعه بشر وأنه يقال: حادي عشر، وليس في كلامه ما يقتضي أنه منتزع من تركيبين: انتهى. وعبارة النظم ناطقة بما قال أبو حيان: فإن قوله:
٧٤٤-
وشاع الاستغنا بحادي عشرا ... .....................................
معناه: استغنى بحادي عشر عن بقية التركيب، وتلخص في هذه المسألة خمسة أوجه:
الأول: الإتيان بأربعة ألفاظ، وإليه يشير قول الناظم.
٧٤٢-
................................... ... ........... فجيء بتركيبين
وهو قليل الاستعمال، حتى إن بعضهم منعه.
الثاني: أن تحذف عقد الأول. وإليه يشير قول الناظم:
٧٤٣-
أو فاعلًا بحالتيه أضف ... إلى مركب.............
الثالث: حذف هذا ونيف الثاني، وبناء ما بقي.
الرابع: حذفهما وإعراب ما بقي.
الخامس: إعراب الوصف مع حذف عقده وبناء عشر مع حذف نيفه.
الوجه "السادس" من أوجه استعمال اسم٣ الفاعل: "أن تستعمله معها؛ أي مع العشرة "لإفادة معنى: رابع ثلاثة"، فيكون بمعنى: جاعل، وليس بمسموع. فتأتي أيضًا بأربعة ألفاظ، ولكن يكون" اللفظ "الثالث منها دون ما اشتق منه الوصف فتقول: رابع عشر ثلاثة عشر. أجاز ذلك سيبويه"٤, وجماعة من المتقدمين قياسًا، "ومنعه بعضهم"، وهم الكوفيون وأكثر البصريين، وقوفًا مع السماع٥. "وعلى الجواز فيتعين بالإجماع أن يكون التركيب الثاني" من التركيبين "في موضع خفض"،
стр. 1226
بإضافة التركيب الأول إليه. ويمتنع النصب وإن كان الوصف فيه بمعنى جاعل، لأن عمل الوصف إنما يتأتى مع تنوينه أو اقترانه بـ"أل"، وهما منتفيان مع التركيب، ومن ثم أجاز بعض النحويين١: هذا ثان أحد عشر وثالث اثني عشر، بتنوين الوصف ونصب ما بعده لعدم تركيب الوصف مع العشرة.
"ولك" إذا أتيت بتركيبين "أن تحذف العشرة من" التركيب "الأول" فتقول: رابع ثلاثة عشر، "وليس لك مع ذلك" الحذف للعشرة من الأول. "أن تحذف النيف من" التركيب "الثاني". وتقول: رابع عشر، بفتحهما، "للإلباس" بما ليس أصله تركيبين.
ومقتضى البناء في الجزأين الباقيين حلول كل منهما محل المحذوف من صاحبه. ويزول الإلباس بإعراب الأول، كما ذكر في الوجه الخامس، ولم أره مسطورًا.
الوجه "السابع: أن تستعمله مع العشرين وأخواتها" إلى التسعين. "فتقدمه" في اللفظ، "وتعطف عليه العقد بالواو خاصة"، فتقول حاد وعشرون وحادية وعشرون وكذا الباقي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤٤-
.............................. ... ..... وقبل عشرين اذكرا
٧٤٥-
وبابه الفاعل من لفظ العدد ... بحالتيه قبل واو يعتمد
وهذا لا يختص باسم الفاعل، بل للعشرين وأخواتها مع النيف ثلاثة أحكام: وجوب تأخيرها عنه لأن الأقل سابق للأكثر طبعًا، ووجوب عطفها عليه ليرتبطا ووجوب كون العاطف الواو، لأنه عدد واحد والواو للجمع.
стр. 1227
باب كنايات العدد وهي ثلاث كم وكأي وكذا:
ولكل منها كلام يخصها، وشرح يكشف عن حقيقة أمرها.
"أما "كم" فتنقسم إلى: استفهامية بمعنى: أي عدد"، قليلا كان أو كثيرًا, ويستعملها من يسأل عن كمية الشيء "و" إلى "خبرية بمعنى" عدد "كثير". ويستعملها من يريد الافتخار والتكثير. "ويشتركان في خمسة أمور":
أحدها: "كونهما كنايتين عن عدد مجهول الجنس" والحقيقة، "والمقدار" والكمية.
"و" الثاني: كونهما مبنيين"، وسب بنائهما مشابهة الحرف في المعنى. وهو في الاستفهامية حرف الاستفهام، وفي الخبرية حرف التكثير الذي كان يستحق الوضع، أو في الوضع على حرفين.
"و" الثالث: "كون البناء" فيهما "على السكون"، وهو الأصل في البناء.
"و" الرابع: "لزوم التصدير"، فكل منهما له صدر الكلام.
"و" الخامس: "الاحتياج إلى التمييز"، لأن كل منهما عدد مجهول.
"ويفترقان أيضًا في خمسة أمور:
أحدها: أن "كم" الاستفهامية تميز بمنصوب مفرد"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤٦-
ميز في الاستفهام كم بمثل ما ... ميزت عشرين......................
стр. 1228
"نحو: كم عبدًا ملكت"، بفتح تاء الخطاب، أما إفراده فلازم خلافًا للكوفين، فإنهم يجيزون جمعه نحو: "كم شهودًا لك"، والصحيح مذهب جمهور البصريين، وما أوهم الحقيقة يحمل على الحال، ويجعل التمييز محذوفًا.
وذهب الأخفش إلى جواز جمعه إن كان السؤال عن الجماعات، نحو: "كم غلمانًا لك"؟ إذا أردت أصنافًا من الغلمان١.
وأما نصبه ففيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه لازم، ولا يجوز جره مطلقًا، وهو مذهب بعض النحويين.
والثاني: أنه ليس بلازم، بل يجوز جره مطلقًا حملا على الخبرية، وإليه ذهب الفراء، والزجاج، والفارسي٢.
"و" الثالث: أنه "يجوز جره بـ"من" مضمرة جوازًا، إن جرت "كم" بحرف"٣. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤٧-
وأجز أن تجره من مضمرا ... إن وليت كم حرف جر مظهرا
"نحو: بكم درهم اشتريت ثوبك"؟ هذا هو المشهور، ولم يذكر سيبويه جره، إلا إذا دخل على "كم" حرف جر، ليكون حرف الجر الداخل على "كم" عوضًا من اللفظ بـ"من" المضمرة، وذهب الزجاج إلى أن جر التمييز إنما هو بإضافة "كم" إليه. ورد بأن "كم" بمنزلة عدد مركب، والعدد المركب لا يعمل الجر في مميزه، فكذلك ما كان بمنزلته، قاله ابن خروف٤.
"وتميز الخبرية بمجرور" بإضافتها إليه حملا لـ"كم" على ما هي مشابهة له من العدد. وقال الفراء٥: على إضمار "من"، لأن "من" كثر دخولها على تمييز "كم" الخبرية، فجاز إضمارها لدلالة الحال عليه. وهذا القول نقله ابن الخباز في شرح الجزولية. وابن مالك فلي شرح الكافية٦، عن الخليل. "مفرد أو مجموع".
стр. 1229
لأن "كم" بمنزلة عدد يضاف إلى مميزه تارة إلى جمع كالعشرة فما دونها، وتارة إلى مفرد، كالمائة فما فوقها. فاستعمل بالوجهين إجراء له مجرى الضربين. "نحو: كم رجال جاؤوك". كما يقال: عشرة رجال جاؤوك. "وكم امرأة جاءتك". كما يقال: مائة امرأة جاءتك.
"والإفراد أكثر" في الاستعمال "وأبلغ" في المعنى من الجمع، حتى ادعى بعضهم أن الجمع على نية معنى الواحد, فكم رجال، على معنى: كم جماعة من الرجال، ودخل في المفرد ما يؤدي معنى الجمع نحو: كم قوم صدقوني. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٧٤٨-
واستعملنها مخبرًا كعشره ... أو مائة.........................
"و" الأمر "الثاني: أن الخبرية تختص بـ" الزمن "الماضي كـ: رب" بجامع التكثير فيهما، فلهذا "لا يجوز: كم غلمان سأملكهم، كما لا يجوز: رب غلمان سأملكهم"، لأن التكثير والتقليل إنما يكونان فيما عرف حده، والمستقبل مجهول، "ويجوز" في الاستفهامية: "كم عبدًا ستشتريه"، لأن الاستفهام لتعيين المجهول.
"و" الأمر "الثالث" مما تختص به الخبرية: "أن المتكلم بها لا يستدعي"، أي لا يطلب "جوابًا من مخاطبه" لأنه مخبر بخلاف المتكلم بالاستفهامية فإنه مستخبر.
"و" الأمر "الرابع: أنه"؛ أي المتكلم بالخبرية؛ "يتوجه إليه التصديق والتكذيب"، لأنه منشئ، والإنشاء لا يحتمل ذلك.
"و" الأمر "الخامس" مما تختص به الخبرية: "أن المبدل منها لا يقترن بهمزة الاستفهام" لأنه خبر، والخبر لا يتضمن معنى الاستفهام. "تقول: كم رجال في الدار عشرون بل ثلاثون". بخلاف المبدل من الاستفهامية فإنه يجب اقترانه بهمزة الاستفهام، لتضمنها معنى الاستفهام. "و" لهذا "يقال: كم مالك أعشرون أم ثلاثون"؟ فـ"كم" في موضع رفع بالابتداء، و"مالك "خبره، عند سيبويه١، وعند الأخفش بالعكس. و"أعشرون" بدل من "كم"، و"أم" عاطفة وفيها معنى الاستفهام وتسمى معادلة الهمزة. و"ثلاثون" معطوف على "عشرون".
تنبيه:
"يروى قول الفرزدق"، وهو همام بن غالب التميمي، في هجو جرير: [من الكامل]
стр. 1230
٨٨٢-
كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علي عشاري
"بجر: عمة وخالة، على أن "كم" خبرية، وبنصبهما. فقيل: إن تميمًا نصب مميز الخبرية مفردًا"، أي: كثيرًا من عماتك وخالاتك من جملة خدمي١.
"وقيل: على الاستفهام التهكمي"، أي: أخبرني بعدد عماتك وخالاتك اللاتي كن يخدمنني فقد نسيته. "وعليهما": أي الجر والنصب، "فهي": أي "كم" مبتدأ، و" جملة "قد حلبت: خبر، و" أفرد الضمير حملا على لفظ "كم". أو "التاء" في: حلبت "للجماعة، لأنهما" في المعنى: "عمات وخالات، و" يروى "برفعهما على الابتداء"، لتخصيص المعطوف عليه بوصفه بـ: لك، وبـ: فدعاء، محذوفة مدلول عليها بالمذكورة، إذ ليس المراد تخصيص الخالة بوصفها بالفدع، كما حذف: "لك" مع خالة استدلالا عليها بـ"لك" الأولى. "و" قد "حلبت: خبر للعمة أو الخالة، وخبر الأخرى محذوف. وإلا لقيل: قد حلبتا" لأن المخبر عنه في هذا الوجه متعدد لفظًا ومعنى، نظيره: زينب وهند قامت. "والتاء في: حلبت" على هذا "للوحدة، لأنها عمة واحدة وخالة واحدة. و: كم" على هذا الوجه محلها "نصب على المصدرية، أو" على "الظرفية" الزمانية. "أي كم حلبة"، على المصدرية. "أو" كم "وقتا" على الظرفية.
والفدعاء، بسكون الدال المهملة: من الفدع، بفتح الفاء، والدال: وهو اعوجاج الرسغ من اليد والرجل، حتى ينقلب الكف والقدم إلى إنسيهما، بكسر الهمزة والسين المهملة وبالنون الساكنة والياء المثناة تحت المشددة: وهو الجانب الأيسر على رأي أبي زيد، والأيمن: على رأي الأصمعي، والعشار, بكسر العين، جمع عشراء: وهي الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر. ومعنى "علي": على كره مني،