"فصل":
"وينقسم" العلم باعتبار ذاته "أيضا إلى مفرد" عن التركيب، "كزيد" وأدد "وهند" وسعاد، "وإلى مركب، وهو ثلاثة أنواع"، وذلك أنه:
إما "مركب إسنادي"، وهو كل كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى، "كبرق نحره"، وشاب قرناها، وهذا" النوع مبني، و"حكمه الحكاية" على ما كان عليه قبل التسمية به، قال: [من الطويل]
٧٩-
كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... بني شاب قرناها تصر وتحلب
"وقال" رؤبة في حكاية الفعل المسند إلى الضمير المستتر: [من الرجز]
٨٠-
"نبئت أخوالي بني يزيد" ... ظلما علينا لهم فديد
والقوافي مرفوعة، فلولا أن في "يزيد" ضميرا مرفوعا على الفاعلية لما رفع "يزيد" على الحكاية، ولجر بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه مفرد غير منصرف، ومانعه من الصرف العلمية ووزن الفعل.
و"نبئت": بمعنى أخبرت، متعد لثلاثة، أولها ضمير المتكلم المرفوع على النيابة عن الفاعل، وأخوالي: مفعوله الثاني، وبني يزيد: عطف بيان عليه، وجملة "لهم
стр. 142
فديد" بالفاء: بمعنى صياح، في موضع المفعول الثالث، أي: فادين، و"ظلمنا": مفعول لأجله؛ وناصبه محذوف تقديره: يصيحون، و"علينا": متعلق بذلك المحذوف، لا بفديد؛ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، ولم يقل: "عليهم" لأن المتكلم يغلب على غيره في إعادة الضمير، تقول: أنا وزيد فعلنا، ولا تقول: فعلا، والجاري على الألسنة: "بني يزيد" بالياء؛ آخر الحروف أوله، وقال ابن يعيش: صوابه بالتاء المثناة فوق، وهو اسم رجل وإليه تنسب الثياب التزيدية١ ا. هـ. قيل: ولا يتعين ذلك في البيت إلا أن يريد تزيد بن جشم بن الخزرج، أو بن حلوان بن عمران بن قضاعة٢، فإن كلا من هذين أبو قبيلة، وهما بالتاء الفوقانية.
"و" إما "مركب مزجي، وهو كل كلمتين نزلت ثانيتهما منزلة تاء التأنيث مما قبلها" في أن ما قبله مفتوح الآخر ما لم يكن ياء، ولكل من جزأيه حكم يخصه فحكم الجزء "الأول أن يفتح آخره"، كما يفتح ما قبل تاء التأنيث، وينتقل عن الإعراب إلى الجزء الثاني، لصيرورته كالجزء مما قبله، كما نقل الإعراب مما قبل تاء التأنيث إليها، لما صارت كالجزء مما قبلها، "كبعلبك وحضرموت" لبلدين، والأصل قبل التركيب بعل وبك، وحضر وموت، فامتزجا وصارا كالكلمة الواحدة، وحكمهما أن يفتح آخر أولهما، "إلا إن كان ياء فيسكن"، للثقل بالتركيب والإعلال، "كمعدي كرب"، لرجل "وقالي قلا" لمكان، وكسر الدال من "معدي" شاذ، والقياس فتحها، كمرمى ومسعى، و"حكم" الجزء "الثاني" منهما "أن يعرب بالضمة" رفعا، "والفتحة" نصبا وجرا إعراب ما لا ينصرف للتركيب والعلمية، "إلا إن كان" الجزء الثاني "كلمة "ويه" فيبنى على الكسر" في الأشهر عند سيبويه٣، أما البناء فلأنه اسم صوت٤، وأما الكسر فعلى أصل التقاء الساكنين وذلك "كسيبويه وعمرويه"، واختار الجرمي أن يعرب إعراب ما لا ينصرف، فلا يدخله خفض ولا تنوين. قال أبو حيان: وهو مشكل، إلا أن يستند إلى سماع، وإلا لم يقبل؛ لأن القياس البناء، لاختلاط الاسم بالصوت، وصيرورتهما اسما واحدا: ا. هـ. وإلى هذا التفصيل الإشارة بقول الناظم:
стр. 143
٧٧-
........................................ ... ذا إن بغير ويه تم أعربا
"وإما" مركب "إضافي وهو الغالب" في الأعلام المركبة؛ لأن الأكثر فيها الكنى، وهي مضافة، "وهو كل اسمين نزل ثانيهما منزلة التنوين مما قبله"، في أن الجزء الأول جار بوجوه الإعراب، والجزء الثاني ملازم لحالة واحدة، إلا أن التنوين ملازم للسكون، والمضاف إليه ملازم للجر، وما قبلهما يختلف بوجوه الإعراب، "كعبد الله"، مما المضاف إليه مجرور بالكسرة، والمضاف معرب بالحركات، "وأبي قحافة" مما المضاف إليه مجرور بالفتحة, والمضاف معرب بالحروف, "وحكمه أن يجري" الجزء "الأول" وهو المضاف "بحسب العوامل الثلاثة" رفعا ونصبا وجرا، "ويجر" بالبناء للمفعول، بمعنى يخفض الجزء "الثاني" وهو المضاف إليه "بالإضافة" دائما، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار الناظم بقوله:
٧٧-
وجملة وما بمزج ركبا ... ذا إن بغير ويه تم أعربا
٧٨-
وشاع في الأعلام ذو الإضافة ... ..................................
стр. 144
"فصل":
"وينقسم" العلم "أيضا إلى اسم وكنية ولقب"، وهو المشار إليه في النظم بقوله:
٧٤-
واسما أتى وكنية ولقبا ... ...........................
"فالكنية: كل مركب إضافي في صدره أب أو أم، كأبي بكر" بن أبي قحافة ﵄، "وأم كلثوم" بنت النبي ﷺ ، زاد الإمام الفخر الرازي في العلم الجنسي: وابن أو بنت، كابن دأية للغراب، وبنت الأرض للحصاة. ا. هـ.
"واللقب كل ما أشعر برفعة المسمى أو ضعته"، بفتح الضاد المعجمة، والقياس كسرها، وإنما فتحت تبعا للمضارع، والهاء عوض من الواو، والوضيع: الدنيء من الناس، فالرفعة "كزين العابدين": لقب علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃. "و" الضعة، نحو: "أنف الناقة": لقب جعفر بن قريع، تصغير قرع، بفتح القاف وسكون الراء بالعين المهملة، وهو: أبو بطن من سعد بن زيد مناة، وسبب جريان هذا اللقب عليه أن أباه ذبح ناقة وقسمها بين نسائه، فبعثته أمه إلى أبيه، ولم يبق إلا رأس الناقة، فقال له أبوه: شأنك به، فأدخل يده في أنف الناقة وجعل يجره، فلقب به، وكانوا يغضبون من هذا اللقب، فلما مدحهم الحطيئة بقوله: [من البسيط]
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا١
صار اللقب مدحا، والنسبة إليه أنفي، فمرجع الكنية إلى اللفظ، وإن أشعرت
стр. 145
بالتعظيم، ومرجع اللقب إلى المعنى، "والاسم ما عداهما وهو الغالب، كزيد وعمرو"، وفرق الأبهري في حواشي العضد بين الاسم واللقب، فقال: الاسم يقصد بدلالته الذات المعينة، واللقب يقصد به الذات مع الوصف، ولذلك يختار اللقب عند إرادة التعظيم أو الإهانة، "و" إذا اجتمع الاسم واللقب "يؤخر اللقب عن الاسم" غالبا؛ لأن الغالب في اللقب أن يكون منقولا من اسم غير إنسان كـ"بطة" فلو قدم لتوهم السامع أن المراد مسماه الأصلي، وذلك مأمون بتأخره؛، ولأن اللقب يشبه النعت في إشعاره بالمدح والذم، والنعت لا يقدم على المنعوت، فكذلك ما أشبهه "كزيد زين العابدين"، أو أنف الناقة، وهذا مراد الناظم بقوله:
٧٤-
......................... ... وأخرن ذا إن سواه صحبا
"وربما يقدم" اللقب على الاسم، "كقوله" وهو أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت ﵄: [من الوافر]
٨١-
"أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي" ... أبوه منذر ماء السماء
فقدم اللقب وهو "مزيقيا" على الاسم وهو "عمرو"، ومزيقيا: بضم الميم وفتح الزاي وسكون الياء المثناة التحتانية وكسر القاف وتخفيف الياء آخر الحروف: لقب عمرو، وعمرو: بالجر، عطف بيان على مزيقيا، أو بدل منه، وسبب جريان هذا اللقب على عمرو أنه كان من ملوك اليمن، وكان يلبس كل يوم حلتين، فإذا أمسى مزقهما، كراهية أن يلبسهما ثانيا، وأن يلبسهما غيره، ومنذر: أحد أجداده لأمه، وهو: منذر بن امرئ القيس بن النعمان، أحد ملوك الحيرة، وماء السماء: لقب منذر، واختلف في سبب جريانه عليه، فقيل: لحسن وجهه، وقيل: إن أمه كان يقال لها ماء السماء لحسنها، واشتهر المنذر بلقب أمه، واسمها ماوية بنت عوف بن جشم بن الخزرج. وأراد أوس بذلك أنه كريم الطرفين نسيب الجهتين، "ولا ترتيب بين الكنية وغيرها" من اسم أو لقب، فيجوز تقديم الكنية على الاسم واللقب وتأخيرها عنهما، "قال" أعرابي إخبارا عن عمر بن الخطاب ﵁: [من الرجز]
стр. 146
٨٢-
"أقسم بالله أبو حفص عمر" ... ما مسها من نقب ولا دبر
فاغفر له اللهم إن كان فجر
فقدم الكنية وهي "أبو حفص" على الاسم وهو "عمر"، وسبب إنشاء ذلك أن قائلها قال لعمر ﵁: إن ناقتي قد نقبت فاحملني، فقال له عمر: كذبت، وأبى أن يحمله، وحلف على ذلك، فأنشده ذلك. يقال: نقب البعير ينقب؛ بكسر القاف في الماضي وفتحها في المضارع؛ إذا رق خفه، ودبر العير: إذا حفي، فكأنه تفسير له، ويقال: فجر، إذا حنث في يمينه، "وقال حسان" بن ثابت يرثي سعد بن معاذ ﵁: [من الطويل]
٨٣-
"وما اهتز عرش الله من أجل هالك ... سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو"
فقدم الاسم وهو "سعد" على الكنية وهو "أبو عمرو". وأصل هذا البيت أن السيد سعد بن معاذ أصيب يوم الخندق بسهم في أكحله، فتألم قليلا ومات منه، فقال رسول الله ﷺ : "اهتز العرش لموت سعد بن معاذ" ١، فنظمه حسان ﵁. وتقول: جاءني أبو عبد الله بطة، وبطة أبو عبد الله. "وفي نسخة من الخلاصة ما" أي شيء، وهو قوله:
٧٤-
......................................... ... وأخرن ذا إن سواه صحبا
وذلك "يقتضي أن اللقب يجب تأخيره عن الكنية كأبي عبد الله أنف الناقة" لأن سوى اللقب يشمل الاسم والكنية، فكأنه قال: وأخر اللقب إن صحب الاسم أو للكنية فالأمر بوجوب تأخير اللقب عن الاسم صحيح. "وليس" الحكم مع الكنية "كذلك"، بل يجوز تقديم اللقب على الكنية وتأخيره عنها؛ كما تقدم. وفي نسخة أخرى من الخلاصة:
............................................. ... وذا اجعل إذا اسما صحبا
فالإشارة بـ"ذا" إلى اللقب وهي أصرح في المراد. ولكن قال المرادي: وما سبق
стр. 147
أولى؛ لأن هذه النسخة لا يفهم منها حكم اللقب مع الكنية. ا. هـ. ولك أن تقول: أما كونها لا يفهم منها حكم اللقب مع الكنية فمسلم باعتبار المنطوق، وغير مسلم باعتبار المفهوم، وأما كونها أولى فممنوع؛ لأنها تفهم غير الصواب.
"ثم إن كان اللقب وما قبله" من الاسم "مضافين كعبد الله زين العابدين"، أو أنف الناقة، "أو كان الأول مفردا" عن الإضافة، "والثاني مضافا كزيد زين العابدين" أو أنف الناقة، "أو كانا بالعكس" بأن كان الأول مضافا والثاني مفردا "كعبد الله كرز"، بضم الكاف وسكون الراء المهملة وفي آخره زاي، وهو في الأصل، خرج الراعي، فالأقسام ثلاثة، فإن شئت "أتبعت الثاني للأول" في إعرابه؛ "إما بدلا" من الأول؛ بدل كل من كل، "أو عطف بيان" على الأول، "أو قطعته عن التبعية؛ إما برفعه خبرا لمبتدأ محذوف أو بنصبه مفعولا" به "لفعل محذوف"، فتقول على الاتباع: جاءني عبد الله زين العابدين؛ برفعهما؛ ورأيت عبد الله زين العابدين؛ بنصبهما؛ ومررت بعبد الله زين العابدين؛ بجرهما؛ وإن شئت قطعت من الرفع إلى النصب، ومن النصب إلى الرفع، ومن الجر إلى الرفع والنصب، فالرفع بتقدير: هو، والنصب بتقدير: أعني، ولو أظهر لجاز. وهكذا حكم الكنية وما قبلها من الاسم واللقب اتباعا وقطعا، إلا أن الكنية لا تكون إلا مضافة، واللقب والاسم يكونان مضافين ومفردين، فإن كانا مضافين أو أحدهما مضافا والآخر مفردا فحكمهما ما سبق.
"وإن كانا مفردين كسعيد كرز، جاز ذلك" المتقدم، وهو جواز الاتباع والقطع، "و" جاز "وجه آخر؛ وهو إضافة الأول إلى الثاني"، إن لم يمنع مانع، كما إذا كان الاسم مقرونا بـ"أل" كالحارث قفة، أو كان اللقب وصفا في الأصل مقرونا بـ"أل" كهارون الرشيد ومحمد المهدي، فلا يضاف الأول إلى الثاني، نص على ذلك ابن خروف. وجواز الإضافة مع انتفاء المانع هو قول الكوفيين والزجاج، وهو الصحيح، والاتباع أقيس، والإضافة أكثر، "وجمهور البصريين يوجب هذا الوجه" وهو الإضافة، "و" وجوب الإضافة "يرده النظر" من جهتي الصناعة والسماع، أما الصناعة فلأنا لو أضفنا الأول إلى الثاني لزم إضافة الشيء إلى نفسه، بيان الملازمة أن الاسم واللقب اسمان مسماهما واحد، فإضافة أحدهما إلى الآخر إضافة الشيء إلى نفسه، واللازم باطل، فالملزوم مثله لوجوب مغايرة المتضايفين، "و" أما السماع من العرب فهو "قولهم" لرجل ضخم العينين اسمه يحيى، ولقبه عينان: "هذا يحيى عينان"، بغير إضافة، وإلا لقالوا: عينين
стр. 148
بالياء، وأجيب عن الأول بأنه من إضافة المسمى إلى الاسم، فمعنى "جاءني سعيد كرز" بالإضافة: جاءني مسمى هذا الاسم، وإنما أول الأول بالمسمى، والثاني بالاسم؛ لأن الأول هو المعرض للإسناد إليه، والمسند إليه إنما هو المسمى، فلزم أن يقصد بالثاني مجرد اللفظ. وأجيب عن الثاني بأنه يحتمل أن يكون جاء على لغة من يلزم المثنى الألف مطلقا، وإلى وجوب الإضافة في المفردين، وجواز الاتباع في غيرهما أشار الناظم بقوله:
٧٥-
وإن يكونا مفردين فأضف ... حتما وإلا أتبع الذي ردف
وما ذكروه من النظر على القول بوجوب الإضافة يأتي مثله في حال الإضافة على القول بالجواز، فهو مشترك الإلزام فما كان جواز المجيز فهو جواب الموجب.
стр. 149
"فصل":
"والعلم الجنسي" الموعود بذكره أول الباب: "اسم يعين مسماه بغير قيد تعيين ذي الأداة الجنسية، أو" ذي الأداة "الحضورية"، وبذلك يفارق العلم الشخصي. "تقول" في تعيينه ذي الأداة الجنسية: "أسامة أجرأ"، من الجراءة وهي الشدة، "من ثعالة، فيكون" في تعين الجنس "بمنزلة قولك: الأسد أجرأ من الثعلب، و"أل" في" الأسد والثعلب "هذين، للجنس" لا للعهد، إذ كل منها اسم جنس. "وتقول" في تعيينه تعين ذي الأداة الحضورية: "هذا أسامة مقبلا، فيكون" في تعيين الحضور المستفاد من الإشارة "بمنزلة قولك: هذا الأسد مقبلا، و"أل" في" الأسد "هذا، لتعريف الحضور" المستفاد من الإشارة إلى الجنس. فإن قيل: كيف يقول: "هذا الأسد" مشيرا إلى واحد بعينه؛ وأنت تعني الجنس؟ فالجواب: أن أصل الاسم الوضع على جملة الجنس، فإذا أشرت إليه فإنما تعني به ذلك الفرد من حيث هو معروف معلوم الأشياء، لا أسد بعينه، قال سيبويه١: إذا قلت هذا أبو الحارث إنما٢ تريد هذا الأسد، أي: هو الذي سميت باسمه٣ أو [هذا الذي قد] ٤ عرفت أشباهه، ولا تريد أن تشير إلى شيء قد عرفته بعينه كزيد٥، ولكنك أردت هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم. ا. هـ.
стр. 150
"وهذا العلم" الجنسي "يشبه علم الشخص من جهة الأحكام اللفظية، فإنه يمتنع من" دخول "أل" عليه فلا يقال: الأسامة، كما لا يقال، الزيد، "و" يمتنع "من الإضافة" فلا يقال: أسامتكم، كما لا يقال: زيدكم، إلا إن قصد فيهما الشياع في المسألتين؛ لأن المانع من ذلك اجتماع معرفين مختلفين على معرف واحد، وذلك مأمون بالشياع، "و" يمتنع "من الصرف"، وهو التنوين فلا يجر بالكسرة ولا ينون "إن كان ذا سبب آخر" مع العلمية، "كالتأنيث" اللفظي "في: أسامة وثعالة"، وكزيادة الألف والنون في حمار قبان، "وكوزن الفعل في: بنات أَوْبَر" علما على ضرب من الكمأة، "وابن آوى" بالمد، وهو حيوان كريه الرائحة، فوق الثعلب ودون الكلب، وفيه شبه من الذئب وشبه من الثعلب، طويل المخالب والأظفار، صياحه يشبه صياح الصبيان. قاله الكمال الدميري١.
فإن قلت وزن الفعل في المضاف إليه فقط، والعلم هو مجموع المضاف والمضاف إليه قلت: أجيب عنه بأن الأعلام الجنسية الإضافية يجري على جزئها الثاني حكم ما لو كان علما وحده، قال الدماميني. ويمتنع وصفه بالنكرة، فلا يقال: أسامة مفترس، بل: المفترس، "ويبتدأ به، ويأتي الحال منه" بلا مسوغ فيهما "كما تقدم في المثالين" السابقين وهما: أسامة أجرأ من ثعالة، وهذا أسامة مقبلا، "ويشبه النكرة من جهة المعنى؛ لأنه شائع في أمته" وجماعته، "لا يختص به واحد دون آخر"، كما أن النكرة، نحو: "رجل" كذلك، فظهر من كلامه أولا أن علم الجنس مرادف في المعنى لاسم الجنس بـ"أل" الجنسية، وآخر: أنه لا فرق بين علم الجنس واسمه النكرة من حيث المعنى، وإنما الفرق بينهما من جهة التعريف وعدمه، وقد يقال لما عاملوا "أسد" معاملة النكرة، و"أسامة" معاملة المعرفة، دل ذلك على افتراق مدلوليهما، وإلا لزم التحكم، فبالأثر يستدل على المؤثر، والفرق أن الصورة الذهنية لها حضور من حيث استحضارها في الذهن؛ ليطابق بها شخص ما، وعموم "من" حيث هي كلية مجردة عن اللواحق، فاللفظ الموضوع لها من حيث خصوصها علم الجنس كأسامة، والموضوع لها من حيث عمومها اسم جنس كأسد، وهي من حيث خصوصها وعمومها تنطبق على كل فرد من أفرادها، والحاصل: أن "أسدا" موضوع للحقيقة الذهنية؛ من حيث هي هي؛ من غير اعتبار قيد معها أصلا، و"أسامة" موضوع للحقيقة باعتبار
стр. 151
حضورها الذهني الذي هو نوع تشخص لها، مع قطع النظر عن أفرادها، وينقسم على الجنس إلى اسم وكنية ولقب، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٧٩-
ووضعوا لبعض الأجناس علم ... كعلم الأشخاص لفظا وهو عم
стр. 152
"فصل":
"ومسمى علم الجنس ثلاثة أنواع:
أحدها، وهو الغالب: أعيان لا تؤلف" للواضع "كالسباع" جمع سبع، وهو ما له ناب، "والحشرات" جمع حشرة، وهو صغار دواب الأرض، فالسباع "كأسامة" للأسد، وكنيته أبو الحارث، "وثعالة" للثعلب، وكنيته أبو الحصين، "وأبي جعدة" كنية "للذئب"، واسمه ذؤالة، "و" الحشرات، نحو: "أم عريط" كنية "للعقرب"، واسمها شبوة، وإلى هذا النوع أشار الناظم بقوله:
٨٠-
من ذاك أم عريط للعقرب ... وهكذا ثعالة للثعلب
"و" النوع "الثاني: أعيان تؤلف، كهيان بن بيان"، بفتح أولهما وتشديد الياء المثناة تحت، "للمجهول العين" وهي الذات، "والنسب" من بني آدم كـ"طامر بن طامر" لمن لا يعرف ولا يعرف أبوه، وفي المحكم لابن سيده: ما أدري أي هي بن بي هو، معناه أي: الخلق هو١، وهو من أسماء الأضداد؛ لأن المجهولات مستصعبة خفية، لا هينة بينة، وقيل هيان بن بيان اسمان لولدين لآدم ﵊، ويقال أيضا للذي لا يعرف: صلمعة بن قلمعة، وضل بن ضل، "وأبي المضاء" بفتح الميم والضاد المعجمة والمد: "للفرس، وأبي الدغفاء" بفتح الدال المهملة وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء ممدودا: "للأحمق"؛ لأن العرب إذا حمقوا إنسانا قالوا له: يا أبا الدغفاء ولِّدها فقارا٢، أي: شيئا لا رأس له ولا ذنب، والمعنى كلفها ما لا تطيق، ولا يكون. قال الموضح في حواشي التسهيل: كأن العرب جعلت "هيان بن بيان" لعدم الشعور بحقيقته، و"أبا الدغفاء" لنفرتهم عنه لحمقه، بمنزلة ما لا يؤلف.
"و" النوع الثالث: أمور معنوية "كسبحان "علما" للتسبيح"، بمعنى التنزيه، ينصب كما ينصب مسماه، ثم استعملوه مكان "يسبح" وصار بدلا من اللفظ
стр. 153
بالفعل، والمعنى: براءة الله من السوء، قاله ابن إياز، ورد جعله علما لملازمته للإضافة، قاله الموضح في الجامع الصغير١. "وكيسان" بفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة: علما "للغدر"، بفتح الغين المعجمة، وعليه قوله: [من الطويل]
٨٤-
إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم ... إلى الغدر أسعى من شبابهم المرد
وقال ابن جني في المنهج: والدليل على أنهم سموا التسبيح بسبحان، والغدر بكيسان، أنهما غير منصرفين، والسبب الواحد؛ وهو الألف والنون حاصل، فلا بد من حصول العلمية، "ويسار" بفتح الياء المثناة تحت والسين المهملة وكسر الراء: علما "للميسرة" بمعنى اليسر، كقوله: [من الطويل]
٨٥-
فقلت امكثي حتى يسار لعلنا ... نجح معا قالت وعاما وقابله
"وفجار" بفتح الفاء والجيم وكسر الراء: علما "للفجرة" بسكون الجيم، بمعنى الفجور، "وبرة" بفتح الموحدة وتشديد الراء: علما "للمبرة"، بمعنى البر، وقد اجتمع في قول النابغة: [من الكامل]
٨٦-
إنا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجار
وإلى هذا النوع الإشارة بقول الناظم:
٨١-
ومثله برة للمبره ... كذا فجار علما للفجره
стр. 154
باب أسماء الإشارة
مدخل
...
باب أسماء الإشارة:
وهي كل اسم دل على مسمى وإشارة إليه، "المشار إليه إما واحد، أو اثنان، أو جماعة" فهذه ثلاثة، "وكل واحد منها إما مذكر أو مؤنث"، فهذه ستة تحصلت من ضرب اثنين في ثلاثة وكل واحد من هذه الستة إما قريب المسافة أو بعيدها، فهذه اثنا عشر تحصلت من ضرب اثنين في ستة، وعلى اعتبار المتوسط تصير ثمانية عشر قامت من ضرب ثلاثة في ستة. والمخاطب بالإشارة يكون واحدا مذكرا أو مؤنثا، أو اثنين مذكرين أو مؤنثين، أو جماعة ذكورا وإناثا، فهذه ستة تتنوع الثمانية عشر المذكورة في المشار إليه بحسب هذه الستة تصير ثمانية عشر في ستة فالمجموع مائة وثمانية.
"فللمفرد المذكر" في القرب أربعة "ذا" بألف ساكنة، و"ذاء" بهمزة مكسورة بعد الألف، و"ذائه" بهاء مكسورة بعد الهمزة المكسورة، و"ذاؤه" بهاء مضمومة بعد همزة مضمومة، قال: [من الرجز]
٨٧-
هذاؤه الدفتر خير دفتر ... في كف قرم ماجد مصور
يروى بكسر الهاء وضمها، وفي كتاب أبو الحسن الهيثم إنما حركت الهاء فيهما للضرورة، والأصل فيهما ذاء؛ وألفه أصليه عند البصريين لا زائدة؛ خلافا للكوفيين، وهو ثلاثي الأصل، حذفت لامه على الأصح لا عينه، وعينه مفتوحة لا ساكنة على الأصح.
"وللمفرد المؤنث" في القرب "عشرة"، خمسة مبدوءة بالذال، وخمسة مبدوءة بالتاء؛ "وهي: ذي وتي" بكسر أولهما وسكون ثانيهما، "وذه وته" بإشباع الكسرة، "وذه وته باختلاس" وهو اختطاف الحركة من الهاء والإسراع بها لا ترك الإشباع، "وذه وته" بالإسكان للهاء، "وذات وتا" بضم التاء من ذات، قال الموضح في الحواشي التسهيلية١: الإشارة "ذا" والتاء للتأنيث، وهي التاء في "امرأة" ونحوه مما فيه تاء الفرق، وليس بصفة، ا. هـ. و"تا" بألف.
стр. 155
"وللمثنى" القريبة: "ذان" في التذكير، "وتان" في التأنيث بالألف فيهما "رفعا، وذَيْن وتَيْن" بالياء فيهما "جرا ونصبا، ونحو: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ " [طه: ٦٣] بالألف وتشديد ونون إن ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] مؤول"، وتأويله: إما على حذف اسم "إن" ضمير شأن؛ على حد: إن يك زيدا مأخوذ، واللام داخلة على مبتدأ محذوف، والأصل: إنه هذان لهما ساحران، أو على أن "إن" بمعنى نعم، وهي لا تعمل شيئا؛ لأنها حرف تصديق، فلا اسم لها ولا خبر، أو على أنه جاء على لغة خثعم، فإنهم لا يقلبون ألف المثنى في حالتي النصب والجر، أو على أن الألف الموجودة ألف المفرد، وألف التثنية حذفت لاجتماع الألفين، وألف المفرد لا تقلب ياء، أو على أنه جيء به على أول أحواله وهو الرفع، كما في "اثنان" قبل التركيب، أو على أن "إن" نافية بمعنى "ما"، واللام بمعنى "إلا" الإيجابية، كما يقول به الكوفيون، أو على أنه مبني لدلالته على معنى الإشارة، واختاره ابن الحاجب١.
"ولجمعهما" في التذكير والتأنيث: "أولاء" حال كونه "ممدودا عند الحجازيين" نحو: هؤلاء القوم، وهؤلاء بناتي، "مقصورا عند" أهل نجد من بني "تميم" وقيس وربيعة وأسد، ذكر ذلك الفراء في لغات القرآن، ولم يخصه بتميم، كما قاله الموضح في حواشي التسهيل٢، ومن خطه نقلت، والأكثر مجيئه للعقلاء، "ويقل مجيئه لغير العقلاء، كقوله" وهو جرير بن عطية: [من الكامل]
٨٨-
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... "والعيش بعد أولئك الأيام"
فأشار بـ"أولئك" للأيام، وهي ما لا يعقل، وذم: أمر من ذم يذم، ويجوز في ميمه الكسر على أصل التقاء الساكنين، والفتح للتخفيف؛ والضم للاتباع، والمنازل: مفعول به، وبعد متعلق بمحذوف حال من المنازل؛ على تقدير مضاف بين الظرف ومجروره، والتقدير:
стр. 156
كائنة بعد مفارقة منزلة اللواء، واللواء: ممدود وقصر للضرورة، والعيش: منصوب بالعطف على المنازل، والأيام: عطف بيان على أولئك؛ أو نعت له؛ والمخاطب بالإشارة مذكر، ولا يخفى ما في ذلك من الزيادة على قول الناظم:
٨٢-
بذا لمفرد مذكر أشر ... بذي وذه تي تا على الأنثى اقتصر
٨٣-
وذان تان للمثنى المرتفع ... وفي سواه ذين تين اذكر تطع
٨٤-
وبأولى أشر لجمع مطلقا ... والمد أولى..................
стр. 157
"فصل":
ما تقدم في المشار إليه إذا كان قريبا، " وإذا كان المشار إليه بعيدا لحقته كاف حرفية"؛ لأن أسماء الإشارة لا تضاف، وهذه الكاف "تنصرف تصرف الكاف الاسمية غالبا"، ليتبين بها أحوال المخاطب من الإفراد والتثنية، والجمع والتذكير والتأنيث، كما يتبين بها لو كانت اسما؛ فتفتح للمخاطب؛ وتكسر للمخاطبة؛ وتتصل بها علامة التثنية والجمعين، فتقول: ذاك وذاك وذاكما وذاكم وذاكن، "ومن غير الغالب" أن تفتح في التذكير وتكسر في التأنيث، ولا يلحقها دليل تثنية ولا جمع، ودون هذا أن تفتح مطلقا، ولا تلحقها علامة تثنية ولا جمع، ويحتملهما قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ في البقرة١، وقوله تعالى: " ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ "٢ في المجادلة، "ولك" مع إلحاق الكاف "أن تزيد قبلها لاما" مبالغة في البعد، وهذه اللام أصلها السكون، كما في "تلك"، وكسرت في ذلك لالتقاء الساكنين، أو فرقا بينها وبين لام الجر من نحو: "ذا لك" بفتح اللام، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٨٤-
........................... ... .............. ولدى البعد انطقا
٨٥-
بالكاف حرفا دون لام أو معه ... ...................................
"إلا في التثنية مطلقا" من غير تقييد، بلغة دون أخرى، وسواء في ذلك تثنية المذكر والمؤنث، "و" إلا "في الجمع في لغة من مده"، وهم الحجازيون. وفي لغة بعض من قصره، وهم التميميون. "و" إلا "فيما سبقته ها" التنبيه بألف غير مهموزة، وإلى الاستثناء الأخير أشار الناظم بقوله:
٨٥-
........................ ... واللام إن قدمت ها ممتنعه
стр. 158
"وبنو تميم لا يأتون باللام مطلقا" لا في مفرد ولا في مثنى ولا في جمع، حكاه الفراء عنهم، وتقييد الجمع بلغة من مده احترازا من لغة من يقصره غير التميميين، كقيس وربيعة وأسد، فإنهم يأتون باللام، قال شاعرهم: [من الطويل]
٨٩-
أُولالك قومي لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا أولالكا
و"الأشابة" بضم الهمزة؛ وبالشين المعجمة والباء الموحدة: واحدة الأشائب، وهم الأخلاط من الناس، و"الضليل" بكسر الضاد المعجمة وتشديد اللام: الكثير الضلال، وما ذهب إليه من أن اسم الإشارة له مرتبتان قربى وبعدى لا غير؛ تبع فيه الناظم؛ وخالفه في شرح اللمحة فقال: والمشار إليه إما قريب المسافة أو متوسطها أو بعيدها، فللمفرد المذكر: "ذا": للقريب، و"ذاك": للمتوسط، و"ذلك": للبعيد، ولمثناه: "ذان": للقريب، و"ذانك": للمتوسط، و"ذانك" بتشديدها: للبعيد، ولجمعه: "أولا": لقريب؛ يمد ويقصر، و"أولاك" بالقصر: للمتوسط، و"أولئك" بالمد: للبعيد، وللمفرد المؤنث: "ذي وتي": للقريب، و"تيك": للمتوسط، و"تلك": للبعيد، ولمثناه: "تان": للقريب، و"تانك" بالتخفيف: للمتوسط، و"تانك" بالتشديد: للبعيد، ولجمعه: "أولا": للقريب، و"أولاك": للمتوسط، و"أولئك" للبعيد. ا. هـ.
وقد يتجوز في اسم الإشارة بالنسبة إلى المرتبة وبالنسبة إلى المسمى، فالأول: نيابة ذي البعد عن ذي القرب، نحو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] ، والثاني: نيابة ما للواحد عما للاثنين وعما للجمع، فالأول: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي: بين ذلك، أي: بين الفارض والبكر، كقول لبيد: [من الكامل]
٩٠-
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد
ولا ينوب ما للاثنين أو للجماعة عما للواحد.
стр. 159
"فصل":
"ويشار إلى المكان القريب" بالفظتين "هنا" مجردة عن "ها" التنبيه، "أو ههنا" مقرونة بـ"ها" التنبيه، "نحو: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ، و" يشار "للبعيد" بألفاظ: "بـ: هناك" مجردة عن "ها" التنبيه، "أو: ههناك" مقرونة بـ"ها" التنبيه من غير لام، "أو: هنالك" بضم الهاء وتخفيف النون وباللام المكسورة، "أو: هنا" بفتح الهاء وتشديد النون، وأصلها: "هنن" بثلاث نونات، أبدلت الثالثة ألفا لكثرة الاستعمال، "أو: هِنّا" بكسر الهاء وتشديد النون، والكلام فيها كالتي قبلها، وكسر الهاء أردأ من فتحها، قاله السيرافي، وأنشد لذي الرمة: [من البسيط]
٩١-
هَنَّا وهِنَّا ومن هُنّا لهُنّ بها ... ذات الشمائل والأيمان هينوم
"أو: هنّت" بفتح الهاء والنون المشددة وسكون التاء، وهي "هنا" المفتوحة الهاء؛ زيدت عليها التاء الساكنة، فالتقى ساكنان حذفت ألفها لالتقاء الساكنين، وقد تكسر هاؤها، "أو: ثَمّ" بفتح المثلثة وتشديد الميم، وبنيت على الفتح للتخفيف، ولم تكسر على أصل التقاء الساكنين لاستثقال الكسرة مع التضعيف "نحو: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] وهي ملازمة للظرفية، فلا تخرج عنها إلا إلى حالة شبيهة بها، نحو: "جئت من ثم" لأن الظرف والجار والمجرور أخوان، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] فـ"ثَمّ" ظرف مكان لـ"رأيت" المتقدمة عليه. لا مفعول مطلق على الصواب، وإذا قلنا بمذهب الجمهور إن المراتب ثلاث، فيشار إلى المكان القريب بـ"هنا"، وإلى المتوسط بـ"هناك"، وإلى البعيد بـ"هنالك" وأخواته، وعند الناظم مرتبتان أشار إليهما بقوله:
٨٦-
وبهنا أو ههنا أشر إلى ... داني المكان وبه الكاف صلا
٨٧-
في البعد أو بثم فه أو هَنّا ... أو بهنالك انطقن أو هنا
стр. 160
باب الموصول
مدخل
...
باب الموصول:
وهو في الأصل اسم مفعول من وَصَلَ الشيء بغيره: إذا جعله من تمامه، وفي الاصطلاح "ضربان": موصول "حرفي، و" موصول "اسمي، فـ" الموصول "الحرفي كل حرف أول مع صلته بالمصدر"، ولم يحتج إلى عائد، "وهو ستة:
أن" المفتوحة الهمزة المشددة النون، وتوصل بجملة اسمية، وتؤول مع معموليها بمصدر، فإن كان خبرها مشتقا فالمصدر المؤول من لفظه، وإن كان جامدا أُوّل بالكون، وإن كان ظرفا أو مجرورا أُوّل بالاستقراء. وحكم الفعل في التصرف والجمود حكم الاسم فيهما، قاله في المغني١. وحكم المخففة من الثقيلة حكم المشددة في ذلك.
"وأنْ" بفتح الهمزة وسكون النون، وهي الناصبة للمضارع: وتوصل بفعل متصرف ماضيا كان أو مضارعا، اتفاقا وأمرا على الأصح.
"وما" المصدرية: وتوصل بفعل متصرف غير أمر وبجملة اسمية لم تصدر بحرف قاله الموضح في الحواشي.
"وكي" المصدرية: وتوصل بمضارع مقرونة بلام التعليل لفظا أو تقديرا.
"ولو" المصدرية: وتوصل بفعل متصرف غير أمر.
"والذي" على وجه حكاه الفارسي في الشيرازيات عن يونس، وأنه جعل منه، ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣] قاله الموضح في الحواشي.
ومن أوضح الدلالة على ذلك قول أبي دهبل الجمحي: [من البسيط]
٩٢-
يا ليت من يمنع المعروف يمنعه ... حتى يذوق رجال مر ما صنعوا
وليت رزق رجال مثل نائلهم ... قوت كقوت ووسع كالذي وسعوا
وعلى القول به، فقال الرضي: لا خلاف في اسمية "الذي" المصدرية وصنيع الموضح يأباه٢.
стр. 161
مثال "أنّ" بالتشديد "نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١] ، أي: أنزلنا.
ومثال "أنْ" بالتخفيف: " ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، أي: صومكم خير لكم.
ومثال "ما": " ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ " [ص: ٢٦] ، أي: بنسيانهم إياه.
ومثال "كي": ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، أي: لعدم كون على المؤمنين حرج.
ومثال "لو": ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦] ، أي: التعمير.
ومثال "الذي" المصدرية: " ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] ، أي: كخوضهم.
والمانع يدعي أن الأصل كـ"الذين"، حذفت النون على لغة، أو أن الأصل: كالخوض الذي خاضوه، فحذف الموصوف والعائد، أو أن الأصل: كالجمع الذي خاضوا، فقال "الذي" باعتبار لفظ الجمع، وقال "خاضوا" باعتبار معناه، أو أنه أوقع "الذي" على الجمع، كقوله: [من الطويل]
٩٣-
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
أو أن "الذي" مشترك بين المفرد والجمع على قول الأخفش، كما قاله الموضح في شرح اللمحة.
"و" الموصول "الاسمي" كل اسم افتقر إلى الوصل بجملة خبرية، أو ظرف، أو جار ومجرور تامين، أو وصف صريح، وإلى عائد أو خلفه، قاله الموضح في شذوره١.
стр. 162
"وهو ضربان: نص" في معناه لا يتجاوزه إلى غيره، "ومشترك" بين معان مختلفة بلفظ واحد.
"فالنص ثمانية" هنا، "منها للمفرد المذكر "الذي" للعالم" بكسر اللام: وهو من يقوم به العَلَم "وغيره" بالجر، فالعالم المنزه عن الذكورة والأنوثة، "نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ، والعالم المذكر نحو: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣] ، وغير العالم نحو: " ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ، وللمفرد المؤنث التي للعاقلة وغيرها" فالأول "نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] ، والثاني "نحو: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ " [البقرة: ١٤٢] فأوقع "التي" على القبلة وهي غير عاقلة.
ولك في ياءي "الذي والتي" وجهان: الإثبات والحذف، فعلى الإثبات تكون إما خفيفة فتكون ساكنة، وأما شديدة فتكون إما مكسورة أو جارية بوجوه الإعراب، وعلى الحذف فيكون الحرف الذي قبلها إما مكسورا؛ كما كان قبل الحذف وإما ساكنا، فهذه الخمس لغات في "الذي والتي"، "ولتثنيتهما: اللذان واللتان" بالألف "رفعا، واللذين واللتين" بالياء المفتوح ما قبلها "جرا ونصبا"، تقول: "جاءني اللذان قاما واللتان قامتا"، و"رأيت اللذين قاما واللتين قامتا"، و"مررت باللذين قاما واللتين قامتا"، وتثنيتهما بحذف الياء على غير القياس، "وكان القياس في تثنيتهما و" في "تثنية: ذا، و: تا" السابقين في بحث الإشارة "أن يقال" في تثنية "الذي": "اللذيان" بإثبات الياء مخففة، "و" في تثنية "التي": "اللتيان" بإثبات الياء مخففة، "و" في تثنية "ذا" "ذيان" بقلب الألف ياء، "و" في تثنية "تا": "تيان" بقلب الألف ياء "كما يقال" في تثنية "القاضي" من المعرب المنقوص: "القاضيان؛ بإثبات الياء، و" كما يقال في تثنية "فتى" من المعرب المقصور: "فتيان؛ بقلب الألف ياء، ولكنهم فرقوا بين تثنية المبني" كالذي وذا، "و" تثنية "المعرب" كالقاضي وفتى، "فحذفوا" الحرف "الآخر" وهو الياء من "الذي والتي"، والألف من "ذا وتا"، وأثبتوه في القاضي وفتى، ففرقوا بين المعرب والمبني في التثنية، "كما فرقوا" بينهما "في التصغير، إذ قالوا" في تصغير "الذي والتي وذا وتا": "اللَّذَيَّا واللَّتَيَّا وذَيَّا وتَيَّا، فأبقوا" الحرف "الأول" هو اللام الأولى من "اللذيا واللتيا"، والذال من "ذيا"، والتاء من "تيا"، "على فتحة" الذي كان قبل التصغير، "وزادوا ألفا في الآخر" في الألفاظ الأربعة "عوضا عن
стр. 163
ضمة التصغير" التي تكون في أول المصغر ومن العرب من يقول "اللُّذَيَّا واللُّّتَيَّا" بضم اللام، فيجمع في التصغير بين الضمة الألف، وما ذكره الموضح هنا تبعا للنظم من أن "اللذان واللتان" تثنية: "الذي والتي" مخالف لقول الناظم في شرح التسهيل١: إن العرب استغنت بتثنية "اللَّذ" دون الياء، و"اللَّت" كذلك عن تثنية "الذي والتي" بالياء، فإن العرب لم تثنهما. ا. هـ.
وعلى تقدير تسليم ما هنا، فلا يختص حذف الآخر بتثنية المبني، بل قد يحذف الآخر في تثنية المعرب، نحو: "عاشوران وخنفسان" تثنية: "عاشوراء وخنفساء"، حكاه الفراء عن العرب، وحيث ثُنِّي الموصول واسم الإشارة فجمهور العرب يخفف النون فيهما، "وتميم وقيس تشدد النون فيهما تعويضا من المحذوف" منهما وهو الياء في "الذي والتي" والألف في "ذا" و"تا", "أو تأكيدا للفرق" بين تثنية المبني والمعرب الحاصل بحذف الياء والألف، وإلى التشديد والتعويض أشار الناظم بقوله:
٨٩-
................................ ... والنون إن تشدد فلا ملامه
٩٠-
والنون من ذين وتين شددا ... أيضا وتعويض بذاك قصدا
"ولا يختص ذلك" التشديد "بحالة الرفع" عند الكوفيين، بل يكون فيها وفي حالتي الجر والنصب، "خلافا للبصريين" في زعمهم أن التشديد مختص بحالة الرفع٢؛ "لأنه قد قرئ في السبع: "رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِّ"٣ [فصلت: ٢٩] ، "إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِّ"٤ [القصص: ٢٧] ، بالتشديد" فيهما في حالتي النصب في "اللذين" والجر في "هاتين"، "كما قرئ" في حالة الرفع: ""وَالَّذَانِّ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ"٥ [النساء: ١٦] ، "فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ"٦" [القصص: ٣٢] بالتشديد فيهما، فتجويز إحداهما ومنع الأخرى تحكم، "وبلحارث بن كعب" أجمعون
"وبعض ربيعة يحذفون نون اللذان واللتان" في حالة الرفع، تقصيرا للموصول لطوله بالصلة،
لكونهما كالشيء الواحد، "قال" الفرزدق: [من الكامل]
стр. 164
٩٤-
"أبني كليب إن عمّيّ اللّذا" ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
أراد: "اللذان" فحذف النون، وهو مرفوع على الخبرية؛ لأن "بني": منادى بالهمزة، و"كليب" بالتصغير: أبو قبيلة، وهو كليب بن يربوع، و"عمّيّ" بالتثنية: هما هذيل بن هبيرة الثعلبي، وهذيل بن عمران الأصغر، كان أخاه لأمه، و"الأغلال": جمع غل؛ وهو حديد يجعل في العنق من الأسارى وغيرهم. وأراد الفرزدق بذلك الافتخار على جرير، فإنه من بني كليب بأن عميه قتلا الملوك وخلصا الأسارى من أغلالهم، "وقال" الأخطل: [من الرجز]
٩٥-
"هما اللتا لو ولدت تميم" ... لقيل فخر لهم صميم
أراد: "اللتان" فحذف النون، وهو مرفوع على الخبرية للمبتدأ وهو "هما"، و"تميم": قبيلة، و"صميم": بمعنى خالص. والمعنى: هنا المرأتان اللتان لو ولدتهما تميم لقيل فخر لهم خالص. ولقب هذا الشاعر بالأخطل لكبر أذنه، واسمه غياث بن غوث الثعلبي وكان نصرانيا.
وجاز حذف النون في "اللذان واللتان" لعدم الإلباس، "ولا يجوز ذلك" الحذف "في" نون "ذان، وتان، للإلباس" بالمفرد، ولعدم الطول.
"وتلخص أن في نون الموصول ثلاث لغات": الإثبات والحذف والتشديد، "وفي نون الإشارة لغتان": الإثبات والتشديد، "ولجمع المذكر العاقل كثيرا أو لغيره" أي: لغير العاقل "قليلا: الألى" على وزن العلى، ويكتب بغير واو. قاله الموضح في
стр. 165
شرح اللمحة "مقصورا" على الأشهر كقوله: [من الطويل]
٩٦-
رأيت بني عمي الألى يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلب
"وقد يمد" كقوله: [من الطويل]
٩٧-
أبى الله للشم الألاء كأنهم ... سيوف أجاد القين يوما صقالها
وهو في هذين البيتين للعاقل. ومن وقوعها لغير العاقل قوله: [من الطويل]
٩٨-
تهيجني للوصل أيامنا الألى ... مررن علينا والزمان وريق
"والذين: بالياء مطلقا" في الأحوال الثلاثة، وهي مبنية، وإن كان الجمع من خصائص الأسماء؛ لأن "الذين" مخصوص بـ"أولي العلم"، و"الذي" عام، فلم يجر على سنن الجموع المتمكنة، بخلاف المثنى فإنه جار على سنن المثناة المتمكنة لفظا ومعنى، "وقد يقال": جاء اللذون "بالواو رفعا"، ورأيت الذين ومررت بالذين بالياء جرا ونصبا، وهي حينئذ معربة؛ لأن شبه الحرف عارضه الجمع، وهو من خصائص الأسماء "وهي لغة هذيل أو عقيل" بالتصغير فيهما، و"أو" للشك، قال شاعرهم: [من الرجز]
٩٩-
"نحن اللذون صبحوا الصباحا" ... يوم النخيل غارة ملحاحا
فـ"نحن": مبتدأ، و"اللذون": خبره، و"النخيل": تصغير نخل؛ بالنون والخاء المعجمة؛ موضع بالشام، و"غارة": مفعول لأجله؛ وهو اسم مصدر إغار، والقياس
стр. 166
إغارة، و"الملحاح" بكسر الميم؛ من ألح السحاب: دام مطره، "ولجمع المؤنث اللاتي واللائي" بإثبات الياء فيهما، "قد تحذف ياؤهما" اجتزاء بالكسرة، فيقال: اللات واللاء، وإلى هذه الثمانية أشار الناظم بقوله:
٨٨-
موصولة الأسماء الذي الأنثى التي ... واليا إذا ما ثنيا لا تثبت
٨٩-
بل ما تليه أوله العلامه ... ..............................
٩١-
جمع الذي الألى الذين مطلقا ... وبعضهم بالواو رفعا نطقا
٩٢-
باللات واللاء التي قد جمعا ... ..................................
"وقد يتقارض الألى واللائي" فيقع كل منهما مكان الآخر "قال" مجنون ليلى قيس بن الملوح: [من الطويل]
١٠٠-
"محا حبها حب الألى كن قبلها" ... وحلت مكانا لم يكن حل من قبل
فأوقع "الألى" مكان "اللائي" "أي: حب اللائي"، بدليل عود ضمير المؤنث عليها، "قال" رجل من بني سليم: [من الوافر]
١٠١-
"فما آباؤنا بأمن منه ... علينا اللاء قد مهدوا الحجورا"
فأوقع "اللاء" مكان "الألى" بدليل عود ضمير جمع الذكور عليها، و"الألى": بمعنى الذين، و"الذين" أشهر منها، فلذلك عدل الموضح فقال: "أي: الذين"، إذ لا فرق بينهما. والمعنى: ليس آباؤنا الذين أصلحوا شأننا وجعلوا حجورهم لنا كالمهد، بأكثر امتنانا علينا من هذا الممدوح. وإلى تقارضهما أشار الناظم بقوله:
٩٢-
.............................. ... واللاء كالذين نزرا وقعا
"و" الموصول "المشترك ستة: من"؛ بفتح الميم؛ "وما، وأي"؛ بفتح الهمزة وتشديد الياء؛ "وأل، وذو، وذا"، وذكرها الناظم على غير هذا الترتيب فقال:
٩٣-
ومن وما وأل تساوي ما ذكر ... وهكذا ذو......................
٩٥-
ومثل ماذا................. ... ..................................
٩٩-
أي كما..................... ... ..................................
стр. 167
ولكل منها كلام يخصها، "فأما "من" فإنها تكون" في أصل الوضع "للعالم" بكسر اللام، "نحو: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الوعد: ٤٣] ، و" تكون "لغيره"، أي: غير العالم؛ على سبيل التطفل "في ثلاث مسائل:
إحداها أن ينزل" ما وقعت عليه "مَن" مِن غير العالم "منزلته"، أي: منزلة العالم، "نحو" قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ "مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف: ٥] ، وقوله، وهو العباس بن أحنف: [من الطويل]
١٠٢-
أسرب القطا هل مَن يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير
فاوقع "من" على سرب القطا؛ وهو غير عاقل، "وقوله" وهو امرؤ القيس بن حجر الكندي: [من الطويل]
١٠٣-
"ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي"
فأوقع "من" على الطلل وهو غير عاقل. وعم: فعل أمر معناه الدعاء، أصله أنعم، حذفت منه الألف والنون تخفيفا. وصباحا: منصوب على الظرفية، ومن عادة تحيات العرب في الصباح: عم صباحا، وفي المساء: عم مساء، فكأنهم قالوا: أنعم الله في صباحك ومسائك. ويَعِمَن: أصله يَنْعِمن، حذفت منه النون الأولى، والنون الساكنة في آخره للتوكيد. ومن: فاعل يَعِمْن. والعصر؛ بضمتين؛ بمعنى: العصر؛ بفتح العين وسكون الصاد: الزمان ويجمع في القلة على أعصر؛ وفي الكثرة على عصور، والخالي: نعته. "فدعاء الأصنام" في قوله تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف: ٥] "ونداء القطا" في قوله: [من الطويل]
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... ...............................
стр. 168
"و" نداء "الطلل" في قوله:
............... أيها الطلل البالي ... ...............................
"سوغ ذلك"، وهو وقوع "من" على الأصنام لما كانت عندهم مدعوة، وعلى السرب والطلل لما كانا مناديين، ولا يدعى إلا العاقل.
المسألة "الثانية" من وقوع "من" على غير العالم "أن يجتمع" غير العاقل "مع العاقل فيما وقعت عليه من" الموصولة، "نحو: ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] فإنه عام في العاقل وغيره، "لشموله الآدميين والملائكة والأصنام"، فإن الجميع لا يخلقون شيئا، "ونحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الحج: ١٨] فإنه يشمل الملائكة والشمس والقمر والنجوم وغيرها " ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ " [الحج: ١٨] فإنه الأدميين والجبال والشجر والدواب وغيرها، وأفرد الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب بالذكر في الآية لشهرتها؛ واستبعاد السجود منها، "ونحو: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ [النور: ٤٥] فإنه يشمل الآدمي والطائر"، ولا فرق في هذه المسألة بين أن يكون العاقل أكثر من غيره كالمثال الأول، أو أقل منه كالمثال الثاني، أو مساويا له كالمثال الثالث، ولذلك أعاد لفظه نحو في الأمثلة الثلاثة.
المسألة "الثالثة" من وقوع "من" على غير العالم "أن يقترن" غير العاقل "به" أي: بالعاقل "في عموم فُصّل بـ: من" الموصولة "نحو: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ و ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] لاقترانها بالعاقل في" عموم "كل دابة" من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] ، فأوقع "من" على غير العاقل لما اختلط بالعاقل، ولكن الاختلاط فيها على ضربين:
اختلاط فيما وقعت عليه "من" وهو من يمشي على رجلين، فإنه يشمل الآدمي والطائر كما تقدم.
واختلاط في عموم فصل بـ"من" وهو من يمشي على بطنه، ومن يمشي على أربع، فإنهما اختلط بالعاقل في عموم كل دابة؛ لأن الدابة لغة: اسم لما يدب على الأرض عاقلا كان أو غيره، بدليل: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥] ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤] ، ويحتمل عندي أن تكون "من" فيهن نكرة موصوفة بالجملة بعدها، والتقدير: فمنهم نوع يمشي على بطنه، ومنهم نوع يمشي على
стр. 169
رجليه، ومنهم نوع يمشي على أربع، على حد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] قال الموضح في شرح الشذور١: ويجوز في "من" أن تكون نكرة موصوفة بالجملة بعدها، والتقدير: ومن الناس ناس يعبدون الله. ا. هـ.
"وأما ما" الموصولة "فإنها" في أصل وضعها "لما يعقل وحده نحو: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ [النحل: ٩٦] أي: الذي عندكم ينفد، "و" قد تكون "له" أي: لما لا يعقل "مع العاقل نحو: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحشر: ١] فإنه يشمل العاقل وغيره، "و" تكون "لأنواع من يعقل". هذه عبارة ابن عصفور، وعبارة ابن مالك تبعا للفارسي: ولصفات من يعقل، ومثالها عند ابن عصفور وابن مالك "نحو: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] كلا التعبيرين متكلم فيه، أما الأول فرده ابن الحاج بأن النوع لا يعقل، فهذا مستغنى عنه بقوله: "لما لا يعقل"، وأما الثاني فلأنه لا يصح أن يقال: أنكحوا الطيب أو الطيبة؛ لأن النكاح إنما هو للذوات لا للصفات، نقله الموضح في الحواشي.
وتكون ما "للمبهم أمره" من الأشخاص "كقولك وقد رأيت شبحا" بفتح الموحدة وبالحاء المهملة، لا تدري أبشر هو أم مُدَّر: "انظر إلى ما ظهر"، كذا لو علمت إنسانيته، ولم تدر أذكر هو أم أنثى، قاله ابن مالك في شرح التسهيل٢ أخذا من قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] وللبحث فيه مجال.
"والأربعة الباقية" من الستة تكون "للعاقل وغيره" وفيها تفصيل:
"فأما: أي" بفتح الهمزة وتشديد الياء "فخالف في موصوليتها ثعلب" أبو العباس أحمد بن يحيى محتجا بأنه لم يسمع: أيهم هو فاضل جاءني، بتقدير: الذي هو فاضل جاءني، "ويرده قوله" وهو غسان: [من المتقارب]
١٠٤-
إذا ما لقيت بني مالك ... "فسلم على أيهم أفضل"
стр. 170
وجه الرد منه أن "أيهم" مبنية على الضم، وغير الموصولة لا تبنى ولا يصلح هنا، وإذا انتفى غير الموصولة تعينت الموصولة وهو المدعى، وهي الملازمة للإضافة لفظا أو تقديرا إلى معرفة، "ولا تضاف لنكرة لتكون خلافا لابن عصفور" وابن الضائع، بالضاد المعجمة والعين المهملة، فإنهما أجازا إضافتها إلى نكرة وجعلا من ذلك: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ، فـ"أي" عندهما موصولة، و"يعلم" بمعنى: يعرف، والتقدير: وسيعرف الذين ظلموا المنقلب الذي ينقلبونه، ومذهب الجمهور أن "أيا" هنا استفهامية منصوبة ينقلبون على أنها مفعول مطلق، و"يعلم" على بابه، وهو معلق عن العمل فيما بعده لأجل الاستفهام بـ"أي"، والتقدير: وسيعلم الذين ظلموا ينقلبون أي: انقلاب.
"و" أي الموصولة "لا يعمل فيها إلا" عامل "مستقبل متقدم" عليها "نحو: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ١ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] خلافا للبصريين" في الاستقبال والتقديم٢ قال في التسهيل: ولا يلزم استقبال عامله ولا تقديمه، خلافا للكوفيين٣. وقال أبو حيان في شرح التسهيل: "وسأل الكسائي" في حلقة يونس: "لم لا يجوز: أعجبني أيهم قام"؟ فمنع من ذلك، فقيل له: لمه؟ فلم يلح له وجه المنع، "فقال: أي كذا خلقت" ا. هـ.
أي: كذا وضعت. قال ابن السراج موجها قول الكسائي بالمنع ما معناه إن "أيا" وضعت على العموم والإبهام، فإذا قلت: يعجبني أيهم يقوم، فكأنك قلت: يعجبني الشخص الذي يقع منه القيام كائنا من كان، ولو قلت: أعجبني أيهم قام لم يقع إلا على الشخص الذي قام؛ فأخرجها ذلك عما وضعت له من العموم، وإنما اشترط كون العامل فيها متقدما مع كونه مستقبلا لأجل الفرق بين الشرطية والاستفهامية، وبين الموصولة؛ لأن الشرطية والاستفهامية لا يعمل فيهما إلا متأخر، والمشهور عند الجمهور إفرادها وتذكيرها، "وقد تؤنث وتثنى وتجمع" عند بعضهم، فتقول: أية وأيان وأيتان وأيون وأيات، "و" على الحالين "هي معربة، فقيل مطلقا"، سواء أضيفت أم لم تضف، ذكر صدر
стр. 171
صلتها أو حذف، وهو قول الخليل ويونس والأخفش والزجاج والكوفيين١، وإليه أشار الناظم بقوله:
١٠٠-
وبعضهم أعرب مطلقا...... ... .....................................
"وقال سيبويه: تبنى على الضم إذا أضيفت لفظا وكان صدر صلتها ضميرا محذوفا٢" وهو مراد الناظم بقوله:
٩٩-
............... وأعربت ما لم تضف ... وصدر وصلها ضمير انحذف
"نحو: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] ، وقوله:
١٠٥-
............................... ... ....................... على أيهم أفضل"
بالبناء على الضم فيهما تشبيها بالغايات، إذ كان بناؤها بسبب حذف شيء. وخولف في ذلك، قال الزجاج: ما تبين لي أن سيبويه غلط إلا في موضعين٣، هذا أحدهما، فإنه يسلم أنها تعرب إذا أفردت، فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت. ا. هـ.
وزعم المانعون أن "أيا" في الآية استفهامية، وأنها مبتدأ، و"أشد" خبره. ثم اختلفوا في مفعول ننزع. فقال الخليل: محذوف والتقدير: لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد٤. وقال يونس: المفعول الجملة، وعلقت "ننزع" عن العمل فيها٥. وقال الكسائي والأخفش: المفعول: "كل شيعة"، و"من" زائدة٦. ورد الموضح ذلك في المغني٧ بما يطول ذكره وبالبيت السابق.
"وقد تعرب حينئذ" أي: حين إذ أضيفت، وكان صدر صلتها ضميرا محذوفا
стр. 172
"كما رويت الآية" وهي: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] "بالنصب"١ وهي قراءة هارون ومعاذ ويعقوب، "والبيت"؛ وهو: "على أيهم أفضل" "بالجر". قال سيبويه: وهي لغة جيدة٢. وبذلك احتج من قال بإعرابها مطلقا.
"وأما "أل" فنحو: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ " [الحديد: ١٨] مما صلته اسم فاعل، "ونحو: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ " [الطور: ٦٥] مما صلته اسم مفعول.
وسكت عن الصفة المشبهة نحو: الحسن؛ لأن "أل" الداخلة عليها حرف تعريف، على ما صححه في المغني. "وليست" "أل" الداخلة على اسم الفاعل والمفعول "موصولا حرفيا خلافا للمازني" في أحد قوليه "ومن وافقه". ويرده أنها لا تؤول بالمصدر، وأن الضمير يعود عليها في نحو قولهم: "قد أفلح المتقي ربه"، والضمير لا يعود إلا على الأسماء، وأجاب المازني عن الثاني بأن الضمير يعود على موصوف محذوف، ورد بأن الحذف الموصوف مظان لا يحذف في غيرها إلا لضرورة، وهذا ليس منها، "ولا حرف تعريف، خلافا لأبي الحسن" الأخفش، وهو ثاني قول المازني، وحجتهما أن العامل يتخطاها نحو: جاء الضارب، كما يتخطاها مع الجامد نحو: جاء الرجل، وهي مع الجامد معرفة اتفاقا، فتكون مع المشتق كذلك. ويجاب بالفرق بأنها مع المشتق داخلة على الفعل تقديرا؛ لأن المشتق في تقدير الفعل، فيعود عليها ضمير، و"أل" المعرفة لا يعود عليها ضمير، وإنما نقل الإعراب إلى ما بعدها لكونها على صورة الحرف، ويدل على كونها اسما أن الوصف يعمل معها بلا شرط، ولو كانت معرفة لكانت مبعدة من شبه الفعل، فلا يكون الوصف معها عاملا. وأجاب الأخفش بالتزامه، فذهب إلى أن اسم الفاعل لا يعمل مع "أل"٣. "وأما "ذو" فخاصة بطيء"٤، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٩٣-
................................. ... وهكذا ذو عند طيئ شهر
"والمشهور" عنهم بناؤها على سكون الواو، "وقد تعرب" بالحروف الثلاثة إعراب "ذو" بمعنى صاحب، وخص ابن الضائع ذلك بحالة الجر؛ لأنه المسموع، "كقوله"
стр. 173
وهو منظور بن سحيم الفقعسي: [الطويل]
١٠٦-
فإما كرام موسرون لقيتهم ... "فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا"
"فيمن رواه بالياء"، وهو أبو الفتح بن جني في كتابه المحتسب، وهو مشكل، فإن سبب البقاء قائم ولم يعارضه معارض، "والمشهور" عنهم "أيضا إفرادها" وإن وقعت على مثنى أو جمع "وتذكيرها" وإن وقعت على مؤنث "كقوله" وهو سنان بن الفحل الطائي: [من الوافر]
١٠٧-
فإن الماء ماء أبي وجدي ... "وبئري ذو حفرت وذو طويت"
فأتى بـ"ذو" مفردة مذكرة، مع أنها واقعة على "البئر" وهو مؤنثة. ويحتمل أنه راعى معنى القليب١ وهو مذكر، والحفر: معروف. والطي: من طويت البئر إذا بنيتها بالحجارة. "وقد تؤنث وتثنى وتجمع" عند بعض بني طيئ، فتقول في المذكر: "ذو قام"، وفي المؤنث: "ذات قامت"، وفي مثنى المذكر: "ذوا قاما"، وفي مثنى المؤنث: "ذواتا قامتا"، وفي جمع المذكر: "ذوو قاموا"، وفي جمع المؤنث: "ذوات قمن"، "حكاه ابن السراج" في الأصول عن جميع لغة طيئ على الإطلاق، وتبعه ابن عصفور في المقرب٢. "ونازع في ثبوت ذلك" المحكي على الإطلاق "ابن مالك" في شرح التسهيل فقال: وأطلق ابن عصفور القول بتثنيتها وجمعها٣. قال الشاطبي: والمردود عليه إنما هو الإطلاق في جميع لغة طيئ، وأما كون "ذو" تثنى وتجمع وتؤنث عند بعض طيء فهو ثابت. ا. هـ. قال الفراء في لغات القرآن: وربما قالوا: هذان ذوا تعرف، وهؤلاء ذوو تعرف، ويجعلون مكان "التي" ذات، ويرفعون التاء على كل حال، وفي تثنيتها: هاتان
стр. 174
ذواتا تعرف، وفي جمعها: هؤلاء ذوات تعرف. ا. هـ. "و" ابن السراج وابن عصفور وابن مالك١ "كلهم حكى" عن بعض طيئ "ذات للمفردة، وذوات لجمعها مضمومتين"، على أنهما موصولان مستقلان مرادفان لـ"اللتي واللاتي"، قال في التسهيل: وقد ترادف "اللتي واللاتي" ذات وذوات مضمومتين مطلقا، وقال في النظم:
٩٤-
وكالتي أيضا لديهم ذات ... وموضع اللاتي أتى ذوات
"كقوله" وهو رجل من بني طيئ كما قال الفراء في لغات القرآن: سمعنا أعرابيا من طيئ يسأل ويقول: "بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به"٢ فبنى "ذات" على الضم، ونقل حركة الهاء الأخيرة إلى ما قبلها، وحذف الألف فسكنت الهاء. وبالفضل: متعلق بمحذوف، أي: أسألكم بالفضل أو نحوه، والكرامة: بالخفض. معطوفة على الفضل، وكأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] قاله الموضح في الحواشي. "وقوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
١٠٨-
جمعتها من أينق موارق ... "ذوات ينهضن بغير سائق"
فبنى "ذوات" على الضم، والهاء في "جمعتها" للنوق المذكورة في بيت قبله، والأينق؛ بتقديم الياء المثناة تحت الساكنة على النون المضمومة: جمع ناقة، وأصل ناقة نوقة، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وتجمع في القلة على أنوق، قدمت الواو على النون فصار أونق، ثم قلبت الواو ياء أينق، ويجمع أينق على أيانق، والموارق: جمع مارقة، من مرق السهم، شبه النوق بالسهام في سرعة مشيها، وسائق: من السوق؛ بفتح السين.
و"حكي" في ذوات وذوات "إعرابهما" بالحركات "إعراب ذات وذوات بمعنى صاحبة وصاحبات"، حكى الأول أبو حيان في الارتشاف، وحكى الثاني أبو جعفر بن النحاس الحلبي، وإذا أعربا نونا لعدم الإضافة، فنقول: جاءني ذات قامت، ورأيت ذاتا قامت، ومررت بذات قامت، بالحركات الثلاث مع التنوين. وتقول: جاءني ذوات قمن،
стр. 175
بالرفع والتنوين؛ ورأيت ذوات قُمْن، ومررت بذوات قُمْن، بالكسر مع التنوين جرا ونصبا، قاله الموضح في الحواشي.
"وأما "ذا" فشرط موصوليتها ثلاثة أمور:
أحدها: أن لا تكون للإشارة"؛ لأنها إذا كانت للإشارة تدخل على المفرد، "نحو: من ذا الذاهب وماذا التواني"، والمفرد لا يصلح أن يكون صلة لغير "أل".
"و" الأمر "الثاني: أن لا تكون" ذا "ملغاة"، وإلغاؤها على وجهين، أحدهما حكمي، والآخر حقيقي، فالحكمي ما ذكره بقوله "وذلك" الإلغاء "بتقديرها مركبة مع "ما" في نحو: ماذا صنعت"، فيصيران اسما واحدا من أسماء الاستفهام في محل نصب على المفعولية المقدمة بـ"صنعت"، والتقدير: أي شيء صنعت "كما قدرها كذلك"، أي: مركبة مع "ما"، إلا أنهما في محل جر "من قال" لسائل عن شيء: "عما ذا تسأل"، والتقدير: عن أي شيء تسأل، "فأثبت الألف" من ما "لتوسطهما" في اسم الاستفهام بالتركيب، ولولا ذلك لحذفت الألف؛ لأن "ما" الاستفهامية إذا دخل عليها جار حذفت ألفها لتطرفها نحو: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] فرقا بين "ما" الاستفهامية والموصولة نحو قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٣] وخصت الاستفهامية بحذف الألف للتطرف، وصينت الموصولة عن الحذف لتوسط الألف؛ لأن الصلة والموصول بمنزلة الاسم الواحد، والإلغاء الحقيقي ما ذكره بقوله: "ويجوز الإلغاء عند الكوفيين وابن مالك على وجه آخر، وهو تقديرها زائدة" بين "ما" ومدخولها، فكأنك قلت: ما صنعت؟ والبصريون لا يجيزون زيادة شيء من الأسماء، وسكنت عن إلغاء "ذا" مع "من" لمنع أبي البقاء وثعلب وغيرهما أن تكون "من وذا" مركبتين، وخصوا جواز ذلك بـ"ما وذا" لأن "ما" أكثر إبهاما، فحسن أن تجعل مع غيرها كشيء واحد ليكون ذلك أظهر لمعناها، ويجوز على قول الكوفيين بزيادة الأسماء كون "ذا" زائدة و"من" مفعولا في نحو: من ذا ضربت، وظاهر كلام جماعة أنه يجوز أن يكون "من وذا" مركبتين، قاله في المغني وهو ظاهر قول الناظم:
٩٥-
ومثل ماذا بعد ما استفهام ... أو من إذا لم تلغ في الكلام
"و" الأمر "الثالث أن يتقدمها استفهام بما باتفاق" من البصريين "أو بمن على الأصح" عندهم؛ لأن كلا منهما للاستفهام، وأجاب المانع بالفرق بأن "ما" تجانس "ذا" لما فيها من الإبهام، بخلاف "من"، فإنها لا إبهام فيها لاختصاصها بمن
стр. 176
يعقل، فلا مجانسة بينهما، وكلا التعليلين ضعيف، أما الأول فلأن بقية أدوات الاستفهام كما في الإبهام، فلا خصوصية لإلحاق من دونها. وأما الثاني فلأن "ما" مختصة بما لا يعقل، كما أن "من" مختصة بمن يعقل، إلا أن يقال إن ما لا يعقل أوسع دائرة ممن يعقل، والمرجع في ذلك إلى السماع، وكلاهما مسموع، فالأول "كقول لبيد" ابن ربيعة العامري: [من الطويل]
١٠٩-
"ألا تسألون المرء ماذا يحاول" ... أنحب فيقضي أم ضلال وباطل
أنشده سيبويه١. فـ"ما" مبتدأ و"ذا" اسم موصول خبر، وجملة "يحاول"، صلته والعائد محذوف، و"يحاول": يطلب، و"النحب" بفتح النون وسكون الحاء المهملة: أصله المدة والوقت، يقال: قضى فلان نحبه، إذا مات، والمراد به هنا النذر، والمعنى: ألا تسألان المرء ما الذي يطلبه ويحاوله باجتهاده في الدنيا، وأنذر أوجبه على نفسه، فهو يسعى في وفائه، أم هو في ضلال وباطل. "و" الثاني نحو "قوله" وهو أمية بن أبي عائد الهذلي، كما قال ابن مالك٢، أو أمية بن الصلت، كما قال العيني٣: [من المتقارب]
١١٠-
ألا إن قلبي لدى الظاعنينا ... حزين "فمن ذا يعزي الحزينا"
أنشده ابن مالك. فـ"من" مبتدأ، و"ذا" اسم موصول خبر، وجملة "يعزي الحزينا" صلته، و"الظاعنين" جمع ظاعن؛ من ظعن: إذا سار. "والكوفي لا يشترط" في موصولية "ذا" تقدم "من" ولا "ما" الاستفهاميتين، "واحتج بقوله" وهو يزيد بن مفرغ الحميري: [من الطويل]
стр. 177
١١١-
عَدَس ما لعباد عليك إمارة ... "أمنت وهذا تحملين طليق"
وتقرير الحجة منه أن "هذا" اسم موصول مبتدأ، ولم يتقدم عليه "ما" ولا "من"، وتحملين: صلته والعائد محذوف، وطليق: بمعنى مطلق خبر المبتدأ، "أي: والذي تحملينه طليق، وعندنا" معشر البصريين١ "أن "هذا" اسم إشارة" على أصله، لا موصول٢؛ لأن "ها" التنبيه لا تدخل
على الموصولات وهو مبتدأ، "وطليق": خبره، وهي "جملة اسمية، وتحملين: حال" من فاعل طليق المستتر فيه متقدمة على عاملها، "أي: وهذا طليق محمول لك"، وعدس؛ بفتح العين والدال والسين المهملات: اسم صوت لزجر البغل، وعباد: هو ابن زياد بن أبي سفيان، وكان يزيد يكثر من هجوه، حتى كتبه على الحيطان، فلما ظفر به ألزمه محوه بأظفاره، ففسدت أنامله، ثم أطال سجنه، فكلموا فيه معاوية فأمر بإخراجه، فلما خرج قدمت بغلة فركبها فنفرت فقال٣:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... .........................
البيت. و"إمارة" بكسر الهمزة: أي: أمر.
ولا تختص "ذا" الإشارية بذلك عند الكوفيين، بل جميع أسماء الإشارة يجوز أن تستعمل عندهم موصولات٤ نحو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] قالوا٥: إن "تلك" موصول و"بيمينك" صلة, أي: وما التي بيمينك, وعندنا أن "بيمينك" حال
стр. 178
من المشار إليه١، ومن الموصولات عندهم الاسم المحلى بالألف واللام، نحو قوله: [من الطويل]
١١٢-
لعمرك لأنت الليث أكرم أهله ... وأقعد من أفنائه بالأصائل
كأنه قال لأنت الذي أكرم أهله، فأكرم: صلة الليث.
ومنها الاسم المضاف، نحو قوله: [من البسيط]
١١٣-
يا درا مية بالعلياء فالسند ... ...............................
فـ"بالعلياء": صلة لـ"دار مية".
ومنها النكرة الواقعة بعها جملة، نحو: هذا رجل ضربته، فـ"ضربته" عندهم صلة لـ"رجل"، ولم يثبت البصريون شيئا من ذلك، قال أبو حيان في النكت الحسان على غاية الإحسان.
стр. 179
"فصل":
"وتفتقر كل الموصولات" الاسمية مختصة كانت أو مشتركة "إلى صلة" تتصل بها؛ لأنها نواقص لا يتم معناها إلا بصلة "متأخرة عنها" لزوما؛ لأن الصلة من كمال الموصول ومنزلة منزلة جزئه المتأخر، وكما لا تتقدم الصلة على الموصول؛ لا يتقدم معمولها عليه؛ لأنه جزؤها، وأما نحو: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] ففيه متعلق بمحذوف دل عليه صلة "أل" والتقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين. وتتميز الموصولات الاسمية عن الموصولات الحرفية بأن الاسمية لا بد لها من صلة "مشتملة على ضمير مطابق لها" في الإفراد والتذكير وفروعهما، بخلاف الحرفية فإن صلتها لا ضمير فيها، فسقط ما قيل إن قول الناظم:
٩٦-
وكلها يلزم بعده صله ... على ضمير لائق مشتمله
يعم الموصولات الاسمية والحرفية.
وهذا الضمير "يسمى العائد"؛ لعوده إلى الموصول، ثم الموصول إن طابق لفظه معناه؛ فلا إشكال في مطابقة العائد لفظا ومعنى، وإن خالف لفظه معناه بأن يكون مفرد اللفظ مذكرا؛ وأريد به غير ذلك نحو: "من وما"، ففي العائد وجهان: مراعاة اللفظ، وهو الأكثر نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ومراعاة المعنى نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] ما لم يحصل من مطابقة اللفظ لبس نحو: أعط من سألتك، ولا تقل: من سألك، أو قبح١ نحو: من هي حمراء أمك، فيجب مراعاة المعنى، ولم يعضد المعنى سابق، فيختار مراعاة المعنى كقوله: [من الطويل]
١١٤-
وإن من النسوان من هي روضة ... تهيج الرياض قبلها وتصوح
стр. 180
وقد يخلف الضمير في الربط الاسم الظاهر نحو: [من الطويل]
١١٥-
........................ ... وأنت الذي في رحمة الله أطمع
الأصل في رحمته. و: [من الطويل]
١١٦-
سعاد التي أضناك حب سعادا ... ....................................
أي: حبها. "والصلة إما جملة" تامة، اسمية أو فعلية. " وشرطها أن تكون خبرية"، وهي المحتملة للتصديق والتكذيب في نفسها؛ من غير نظر إلى قائلها؛ لأن الموصول وضع وصلة إلى وصف المعارف بالجمل نحو: جاء الرجل الذي قام أبوه. ومن شرط الجملة المنعوت بها أن تكون خبرية "معهودة" للمخاطب؛ لأنك إنما تأتي بالصلة لتعرف المخاطب الموصول المبهم بما كان يعرفه قبل ذكر الموصول من اتصافه بمضمون الصلة، "إلا في مقام التهويل والتفخيم" وهو التعظيم؛ "فيحسن إبهامها" لذلك، "فالمعهودة كجاء الذي قام أبوه" إذا كان بينك وبين مخاطبك عهد في شخص قام أبوه، "والمبهمة نحو: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ﴾ أي: البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] أي: الذي غشيهم أمر عظيم، والمرجع في ذلك إلى الموصول، فإنه أريد به معهود فصلته معهودة نحو: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] ، وإن أريد به التعظيم أبهمت صلته نحو: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] .
"ولا يجوز" في الصلة "أن تكون" جملة "إنشائية"، وهي ما قارن لفظها معناها "كـ: بِعْتُكَه"، فلا تقل: جاء العبد الذي بعتكه، قاصدا إنشاء البيع، "ولا" جملة "طلبية", وهي ما تأخر وجود معناها عن وجود لفظها أمرا كانت أو نهيا، "كاضربه ولا تضربه" فلا تقل: جاء الذي اضربه، أو لا تضربه؛ لأن كلا من الإنشاء والطلب لا خارجي له، فضلا عن أن يكون معهودا، فلا يصلح لبيان الموصول، ومن ثم امتنع الوصل بالتعجبية، وإن كانت خبرية فلا يقال: جاء الذي ما أحسنه، لما في التعجب من الإبهام المنافي للبيان، فتكون مستثناة من الخبرية، كما أن جملة القسم مستثناة من