وهذه الأفعال هنا ثلاثة عشر فعلًا. "وهي ثلاثة أقسام:"
"أحدها: ما يعمل هذا العمل"، وهو رفع الاسم ونصب الخبر "مطلقًا" من غير شرط، سواء كانت مثبتة أو منفية صلة لـ "ما" الظرفية أو "لا"، "وهو ثمانية، كان، وهي أم الباب" لاختصاصها بأمور لا تكون لأخواتها كما سيأتي: "وأمسى، وأصبح، وأضحى، وظل، وبات, وصار، وليس، نحو: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ " [الفرقان: ٥٤] ، و: [من البسيط]
١٥٥-
أمست خلاء............ ... ......................
و: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، و: [من البسيط]
١٥٦-
أضحى يمزق أثوابي......... ... ...............................
و: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٨٥] , [الزخرف: ١٧] ، و: [من البسيط]
١٥٧-
أبيت ريان الجفون.... ... ............................
و: صار السعر رخيصًا: و: ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا﴾ [هود: ٨] .
والقسم "الثاني: ما يعمله"، أي: هذا العمل، "بشرط أن يتقدمه نفي" بحرف أو اسم أو فعل موضوع للنفي أو عارض فيه بنقل أو استلزام، "أو نهي، أو دعاء" بـ "لا" خاصة، كما في الارتشاف١. "وهو أربعة: زال ماضي يزال، وبرح،
стр. 247
وفتئ، وانفك"، وإنما اشترطوا فيها ذلك؛ لأنها بمعنى النفي، فإذا دخل عليها النفي إثباتًا، فمعنى: ما زال زيد قائمًا، وهو قائم فيما مضى، والدليل على انقلابه أنه لا يجوز: ما زال زيد إلا قائمًا، كما يجوز: ما كان زيد إلا قائمًا، هذا قول البصريين، وصححه أبو البقاء، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٤٥-
....... وهذي الأربعه ... لشبه نفي أو لنفي متبعه
"مثالها بعد النفي" بالحرف: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] , فـ "يزال" فعل مضارع، والواو اسمه، و"مختلفين" خبره، " ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ " [طه: ٩١] ، فـ "نبرح" مضارع برح، واسمه مستتر فيه وجوبًا، و"عاكفين" خبره. ولو اقتصر على المثال الثاني كفاه، ولكنه حاول التنصيص على أن ذلك يسوغ مع ذكر "لا" وحذفها، "ومنه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] "وقوله" وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
١٥٨-
"فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
"إذ الأصل: لا تفتؤ، ولا أبرح" ولا ينقاس حذف النافي إلا بثلاثة شروط: كون الفعل مضارعًا، وكونه جواب قسم، وكون النافي "لا"، وهذه الشروط مستفادة من الآية والبيت، و"يمين" يروى بالرفع على أنه مبتدأ حذف خبره، أي: يمين الله قسمي، وبالنصب على أن أصله: أقسم بيمين الله فحذف حرف الجر أولًا، فوصل الفعل بنفسه، ثم حذف الفعل، وبقي النصب بحاله، "ولا أبرح" جواب القسم، وجواب "لو" محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: ولو قطعوا رأسي لا أبرح، ومثالها بعد النفي بالاسم قوله: [من المديد]
١٥٩-
غير منفك أسير هوى ... كل فان ليس يعتبر
ومثالها بالفعل الموضوع للنفي قوله: [من الخفيف]
стр. 248
١٦٠-
ليس ينفك ذا غنى واعتزاز ... كل ذي عفة مقل قنوع
ومثالها بالفعل العارض للنفي قوله: [من الخفيف]
١٦١-
قلما يبرح اللبيب إلى ما ... يورث الحمد داعيًا أو مجيبًا
فإن "قلما" خلع منه معنى التقليل، وصير بمعنى "ما" النافية، ومثالها بالفعل المستلزم للنفي: أبيت أزال أستغر الله، أي: لا أزال، قاله الفراء، ووجهه أن من أبى شيئًا لم يفعله، والإباء مستلزم للنفي؛ ولهذا ساغ بعد أبي تغريغ الاستثناء، قاله الموضح في الحواشي.
"ومثالها بعد النهي قوله": [من الخفيف]
١٦٢-
"صاح شمر ولا تزل ذاكر المو ... ت" فنسيانه ضلال مبين
"صاح" مرخم صاحب على غير القياس. و"شمر" بكسر الميم أمر لا نهي، واسم "تزل" مستتر فيها وجوبًا تقديره: أنت. و"ذاكر الموت" خبرها.
"ومثالها بعد الدعاء قوله" وهو ذو الرمة: [من الطويل]
١٦٣-
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ... "ولا زال منهلًا بجرعائك القطر"
فـ "القطر": اسم "زال" مؤخر، و"منهلًا": خبرها مقدم، والأصل: ولا زال القطر منهالًا بجرعائك، و"ألا": حرف استفتاح، و"يا": حرف نداء, والمنادى محذوف، أي: يا هذه، أو حرف تنبيه مؤكد لـ "ألا" الاستفتاحية لما فيها من معنى التنبيه، و"اسلمي" فعل أمر من السلامة وهي: البراءة من العيوب، ومعناه الدعاء لدار مي بالسلامة، و"مي": اسم امرأة وليس ترخيم مية كما قد يتوهم، و"على": للمصاحبة، أي: اسلمي مع بلائك، و"المنهل": السائل بشدة، و"الجرعاء": تأنيث الأجرع رملة مستوية لا تنبت شيئًا و"القطر": جمع قطرة المطر. وهذا البيت خاتمة كتاب الصحاح١ لما
стр. 249
فيه من الدعاء بالسلامة من العيوب، وباستمرار النفع به١، وإنما قام النهي والدعاء بـ"لا" مقام النفي لأن المطلوب بهما ترك الفعل؛ وترك الفعل نفي.
"وقيدت "زال" بماضي "يزال" احترازًا من "زال" ماضي "يزيل" بفتح الياء "فإنه فعل تام متعد إلى مفعول" واحد، وزنه "فعل" بفتح العين "ومعناه: "ماز" بمعنى "ميز" "تقول: زل ضأنك من معزك" أي: ميز بعضها من بعض "ومصدره" الزيل" بفتح الزاي؛ لأنه من باب ضرب يضرب ضربًا" "و" احترازًا من "زال" "ماضي "يزول" فإنه فعل تام قاصر"، ووزنه "فعل" بفتح العين أيضًا؛ لأنه من باب: نصر ينصر، "ومعناه الانتقال"، تقول١: زل عن مكانك؛ أي: انتقل عنه "ومنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ " أي: تنتقلا. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ [فاطر: ٤١] ، أي: انتقلتا، "ومصدره "الزوال"، أي: الانتقال بخلاف "زال" ماضي "يزال" فإنه وزنه "فعل" بكسر العين؛ لأنه من باب: علم يعمل، ولا يوصف بتعد ولا قصور، وليس له مصدر. وحكى الكسائي والفراء٢ لـ "زال" الناقصة مضارعًا آخر وهو "يزيل" فيكون مشتركًا بين التام والناقص، بل قال الفراء٣: غيرت "زال" الناقصة من "زال" التامة بتحويلها إلى "فعل" بكسر العين، بعد أن كانت "فعل" بفتح العين، فرقًا بين التام والناقص.
وقال ابن خروف٤: يجوز كون الناقصة منقولة من: "زال يزيل" فعلى هذا عينهما ياء و"زال يزول" عينه واو.
والقسم "الثالث: ما يعمل" هذا العمل "بشرط تقدم "ما" المصدرية الظرفية، وهو "دام" خاصة "نحو": ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ " مَا دُمْتُ حَيًّا "﴾ [مريم: ٣١] فـ "ما" مصدرية ظرفية، و"دمت"، دام واسمها، و"حيا" خبرها، والدليل على مصدرية "ما" وظرفيتها أنها تؤول بمصدر مضاف إليه الزمان، "أي: مدة دوامي حيا، وسميت "ما" هذه مصدرية؛ لأنها تقدر بالمصدر. وهو: الدوام، وسميت ظرفية لنيابتها عن الظرف؛ وهو: المدة" فأصل "ما دمت حيا" مدة ما دمت حيا, فحذف المضاف وهو "المدة" وناب المضاف إليه وهو: "ما" وصلتها عنها في
стр. 250
الانتصاب على الظرفية، كما ناب المصدر الصريح عن ظروف الزمان، كجئتك صلاة العصر، أي: وقت صلاة العصر، قاله في المغني، وأطلق الناظم "ما" واعتمد على المثال فقال:
١٤٦-
ومثل كان دام مسبوقًا بما ... كاعط ما دمت مصيبًا درهما
فلو كانت "ما" مصدرية غير ظرفية لم تعمل عمل "دام" بعدها العمل المذكور، فإن ولي مرفوعها منصوب فهو حال، نحو: يعجبني ما دمت صحيحًا، أي: يعجبني دوامك صحيحًا، ولو لم تذكر "ما" أصلًا فأحرى بعدم العمل، نحو: دام زيد صحيحًا، فـ "دام" فعل ماض تام بمعنى "بقي" و"زيد" فاعله، و"صحيحًا" حال من "زيد"، ولا يلزم من وجود "ما" المصدرية الظرفية العمل المذكور، بدليل ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، ولا توجد الظرفية بدون المصدرية.
стр. 251
"فصل":
"وهذه الأفعال" الثلاثة عشر "في التصرف" وعدمه. "ثلاثة أقسام:
ما لا يتصرف بحال، وهو "ليس" باتفاق" لأنها وضعت وضع الحروف في أنها لا يفهم معناها، إلا بذكر متعلقها. "و "دام" عند الفراء وكثير من المتأخرين"١؛ لأنها صلة لـ"ما" الظرفية، وكل فعل وقع صلة لـ"ما" التزم مضيه، قال أبو حيان في النكت الحسان٢. وأما: يدوم ودم ودائم ودوام، فمن تصرفات التامة.
"وما يتصرف تصرفًا ناقصًا، وهو "زال" وأخواتها" الثلاثة، "فتئ" و"برح"، و"انفك"، "فإنها لا يستعمل منها أمر"؛ لأن من شرط عملها النفي، وهو لا يدخل الأمر، "ولا مصدر" لعدم دلالتها على الحدث عند جمهور البصريين. "و "دام" عند الأقدمين" وقليل من المتأخرين "فإنهم أثبتوا لها مضارعًا" وهو يدوم". "وما يتصرف تصرفًا تاما وهو الباقي". بناء على أن لها مصادر، فمصدر كان: الكون والكينونة، ومصدر أضحى، وأمسى، وأصبح: الإضحاء، والإمساء، والإصباح، ومصدر صار: الصير والصيرورة، ومصدر بات: البيات والبيتوتة، ومصدر ظل الظلول؛ قاله أبو حيان٣.
"وللتصاريف في هذين القسمين" وهما: المتصرف التصرف التام والناقص، "ما للماضي من العمل" بشرط وغيره، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٤٧-
وغير ماض مثله قد عملا ... إن كان غير الماضي منه استعملا
стр. 252
فالمضارع؛ نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ "، [مريم: ٢٠] فـ"أك" مضارع "كان" وأصله: كون، حذفت الضمة للجازم، والواو لالتقاء الساكنين، والنون للتخفيف، واسمه مستتر فيه وجوبًا، و"بغيًا" خبره، وأصله: بغويا، اجتمع فيه الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقلبت الضمة كسرة.
"والأمر نحو: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ [الإسراء: ٥٠] ، أصله قبل اتصال الواو: كون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار: كن، فلما اتصل به واو الجماعة حركت النون بالضم لمناسبة الواو, فرجعت الواو المحذوفة لزوال التقاء الساكنين والواو اسمه، و"حجارة" خبره، ومثله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ولو مثل به لكان حسنًا.
"والمصدر كقوله": [من الطويل]
١٦٤-
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى ... "وكونك إياه عليك يسير"
"كونك" مبتدأ، وهو مصدر مضاف إلى اسمه, وهو كاف المخاطب، و"إياه" خبره، من جهة نقصانه، والأصل: وكونك فاعله، فحذف المضاف، وانفصل الضمير، وفيه رد على أبي البقاء في زعمه: أن المنصوب بعد مصدر "كان" حالًا؛ لأن الضمير لا ينتصب على الحال، و"يسير" خبره من جهة ابتدائيته، و"البذل" بالذال المعجمة: العطاء "والباء" متعلقة بـ"ساد" و"عليك" متعلق بـ"يسير" مقدم من تأخير. "واسم الفاعل كقوله": [من الطويل]
١٦٥-
"ومات كل من يبدي البشاشة كائنا ... أخاك" إذا لم تلفه لك منجدا
فـ "كائنا" خبر "ما" الحجازية، واسمه مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، و"أخاك" خبره، و"البشاشة" بفتح الباء الموحدة وشينين معجمتين: طلاقه الوجه، "وتلفه" بالفاء بمعنى: تجده متعد لاثنين. وفي التنزيل: ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ، و"منجدًا" بالجيم: مفعوله الثاني لا حال، خلافًا للعيني١. واسم المفعول كقول سيبويه٢ في الظرف:
стр. 253
مكون فيه، قاله أبو حيان١.
"وقوله" وهو الحسين بن مطير الأسدي: [من الطويل]
١٦٦-
"قضى الله يا أسماء أن لست زائلًا ... أحبك" حتى يغمض العين مغمض
فـ"زائلًا" اسم فاعل "زال" الناقصة، واسمه مستتر فيه تقديره: أنا، وجملة "أحبك" خبره.
стр. 254
"فصل":
"وتوسط أخبارهن" بينهن وبين أسمائهن. "جائز خلافًا لابن درستويه١ في "ليس" ولابن معط٢ في "دام" نص عليه في ألفيته. قيل: ولم يعرف لغيره.
والصحيح الجواز من غير استثناء وعليه قول الناظم:
١٤٨-
وفي جميعها توسط الخبر ... أجز.........................
"قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] ، فـ"حقا" خبر "كان" مقدم، و"نصر المؤمنين" اسمها مؤخر، ومن لازم تقديم خبرها على اسمها توسطه بينها وبين اسمها، إذا لم يتقدم عليها، "وقرأ حمزة وحفص ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] بنصب: البر٣" على أنه خبر "ليس" مقدم، و"أن تولوا" اسمها مؤخر، فقد توسط خبر "ليس" بينها وبين اسمها، وهو خلاف ما منعه ابن درستويه. ويؤخذ من كلام المغني٤ أن رفع "البر" ضعيف كضعف الإخبار بالضمير عما هو دونه في التعريف، فإنه قال: واعلم أنهم حكموا لـ"أن" و"أنّ" المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير؛ [لأنه لا يوصف كما أن الضمير كذلك] ٥، فلهذا قرأت
стр. 255
السبعة: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥] ، بالنصب، والرفع ضعيف. "وقال الشاعر": [من البسيط]
١٦٧- "لا طيب للعيش ما دامت منغصة
لذاته" بادكار الموت والهرم
فـ "منغصة" خبر "دام" مقدم، "ولذاته" اسمها مؤخر، فقد توسط خبر "دام" بينها وبين اسمها، وهو خلاف ما منعه ابن معط، وله أن يقول: "لذّاته" مرفوع على النيابة عن الفاعل بـ" منغصة"، واسم "دام" مستتر فيها على طريق التنازع في السببي المرفوع، إلا أن يكون لا يراه.
وأولى منه قول الآخر: [من البسيط]
١٦٨-
ما دام حافظ سري من وثقت به ... فهو الذي لست عنه راغبًا أبدًا
فقدم الخبر على الاسم. "إلا أن يمنع" من جواز التوسط "مانع"، كحصر الخبر، "نحو: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً﴾ " [الأنفال: ٣٥] أي: صفير، أو كخفاء إعرابهما، نحو: كان موسى فتاك، وقد يكون التوسط واجبًا، نحو: كان في الدار ساكنها، فتحصل ثلاثة أقسام: قسم يجوز، وقسم يمتنع، وقسم يجب١.
стр. 256
"فصل":
"وتقديم أخبارهن" عليهن "جائز" عند البصريين١، إذا عريت مما يوجب التقديم أو التوسط أو التأخير، "بدليل" نحو: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] , " ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ " [الأعراف: ١٧٧] ، فـ"إياكم" و"أنفسكم" معمولان لخبر "كان"، وقد تقدما عليها، وتقديم المعمول يؤدن بجواز تقديم العامل، قاله
ابن مالك في شرح التسهيل٢، وسبقه إلى ذلك الفارسي، وابن جني٣، وغيرهما من البصريين، وهو غير لازم، فإن البصريين أجازوا: زيدًا عمرو ضرب، مع قولهم: لا يتقدم الخبر إذا كان فعلًا، فأجازوا تقديم المعمول، ولم يجيزوا تقديم العامل، وفي التنزيل: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] فتقدم معمول الفعل مع أن الفعل لا يجوز تقديمه؛ لأن "أما" لا يليها فعل، قاله الموضح في الحواشي.
"إلا خبر "دام" فلا يجوز تقديمه على "ما دام" "اتفاقًا" لأن معمول صلة الحرف المصدري. لا يتقدم عليه، ولا يجوز توسطه بين "ما" و"دام" على الصواب إن قلنا إن الموصول الحرفي لا يفصل من صلته بمعمولها، وإن قلنا يفصل إذا لم يكن عاملًا، وهو اختيار ابن عصفور٤، فإن قلنا بعدم تصرف "دام" فينبغي أن يجري فيه الخلاف الذي في "ليس"، وإن قلنا بتصرفها فينبغي أن يجوز قطعًا، قاله الموضح في حواشيه.
وحكى الناظم الاتفاق على المنع فقال:
١٤٨-
................. ... ............. وكل سبقه دام حظر
стр. 257
"وإلا" خبر "ليس" فلا يجوز أن يتقدم عليها "عند جمهور البصريين" من متأخريهم، وجمهور الكوفيين١، وهو المختار، وإليه أشار الناظم بقوله:
١٥٠-
ومنع سبق خبر ليس اصطفي ... ...................................
وحجتهم أنهم "قاسوها على "عسى" وخبر "عسى" لا يتقدم عليها اتفاقًا، والجامع بينهما الجمود "واحتج المجيز" من قدماء البصريين، والفراء، وابن برهان، والزمخشري، والشلوبين، وابن عصفور من المتأخرين "بنحو قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] ، وتقدير الحجة منه أن "يوم يأتيهم" معمولًا لـ"مصروفًا" وقد تقدم على "ليس"، واسمها ضمير مستتر فيها يعود على العذاب، "ومصروفًا" خبرها، وتقديم المعمول لا يصح إلا حيث يصح تقديم عامله، فلولا أن الخبر؛ وهو "مصروفًا" يجوز تقديمه على "ليس"، لما جاز تقديم معموله عليها، "وأجيب" بالمنع وسنده ما تقدم، وعلى تقدير تسليمه يجاب "بأن المعمول ظرف، فيتسع فيه" ما لا يتسع في غيره. أو بأن "يوم" معمول لمحذوف تقديره: يعرفون يوم يأتيهم، و"ليس مصروفًا" جملة حالية مؤكدة أو مستأنفة، أو بأن "يوم" في محل رفع على الابتدء، وبني على الفتح لإضافته إلى جملة "يأتيهم" و"ليس مصروفًا" خبره.
"وإذا نفي الفعل بـ"ما" النافية "جاز توسط الخبر بين النافي" وهو "ما" "و" الفعل "المنفي مطلقًا"، سواء كان النفي شرطًا في العمل أم لا، "نحو: ما قائمًا كان زيد". ونحو: ما قائمًا زال زيد، "ويمتنع التقديم على" نفس "ما عند البصريين، والفراء" من الكوفيين٢؛ لأنها من ذوات الصدور، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٤٩-
كذاك سبق خبر ما النافيه ... ..............................
"وأجازه بقية الكوفيين" بناء على أنها لا تستحق التصدير، قياسًا على أخواتها "وخص ابن كيسان" من الكوفيين "المنع بغير "زال" وأخواتها؛ لأن نفيها إيجاب"، بدليل أنه لا يجوز: ما زال زيد إلا قائمًا، كما لا يجوز: كان زيد إلا قائمًا، ورد بأن ذلك لا يخرجها عما ثبت لها من التصدير اعتبارًا بأصل الوضع٣.
"وعمم الفراء المنع في جميع حروف النفي٤، ويرده قوله" وهو المعلوط
стр. 258
القريعي: [من الطويل]
١٦٩-
ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... "على السن خيرًا لا يزال يزيد"
فقدم معمول الخبر على "لا" النافية؛ والأصل: لا يزال يزيد خيرًا، ورج: أمر من الرجاء, والفتى: الشاب؛ يقال: فتي فهو فتى بالقصر، والسن: هو العمر، "وخيرًا" مفعول "يزيد" يعني: أنك إذا رأيت الشاب يزيد خيرًا كلما زاد عمره فرجه للخير. و"ما" يحتمل أن تكون مصدرية ظرفية، وزيدت "أن" بعدها لشبهها في اللفظ بـ"ما" النافية، وجزم به في المغني١. ويحتمل أن تكون زائدة و"أن" شرطية وجوابها محذوف.
стр. 259
"فصل":
"ويجوز باتفاق أن يلي هذه الأفعال معمول خبرها، إن كان" المعمول "ظرفًا أو" جارا و"مجرورًا" للتوسع، "نحو: كان عندك أو في المسجد زيد معتكفًا"، والأصل: كان زيد معتكفًا عندك؛ أو في المسجد، فقدم معمول خبر "كان" على اسمها, فوليها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٥٢-
ولا يلي العامل معمول الخبر ... إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر
"فإن لم يكن" المعمول "أحدهما: فجمهور البصريين يمنعون مطلقًا"، لما في ذلك من الفصل بينها وبين اسمها بأجنبي منهما، "والكوفيون يجيزون مطلقًا"؛ لأن معمول معمولها في معنى معمولها١.
"وفصل ابن السراج٢ والفارسي٣" من البصريين "وابن عصفور٤" من المتأخرين، "فأجازوه إن تقدم الخبر معه، نحو: كان طعامك آكلًا زيد" لأن المعمول من كمال الخبر، وكالجزء منه، "ومنعوه إن تقدم وحده، نحو: كان طعامك زيد آكلًا"، إذ لا يفصل بين الفعل ومرفوعه بأجنبي.
ويتحصل من هذه المسألة أربع وعشرون صورة ذكرها المرادي في شرح التسهيل.
"واحتج الكوفيون" القائلون بالجواز مطلقًا" "بنحو قوله" وهو الفرزدق: [من الطويل]
١٧٠-
قنافذ هداجون حول بيوتهم ... "بما كان إياهم عطية عودا"
стр. 260
وجه الحجة منه أن "إياهم" معمول "عود" و"عود" خبر "كان"، فقد ولي "كان" معمول خبرها، وليس ظرفًا، ولا جارا ومجرورًا، و"قنافذ" بالذال المعجمة: جمع قنفذ بضم الفاء وفتحها، خبر مبتدأ محذوف، أي: هم قنافذ، و"هداجون" جمع هداج بتشديد الدال وفي آخره جيم؛ من الهدجان، وهو: مشية الشيخ، "وعطية": أبو جرير، وأراد الفرزدق بهذا البيت هجو رهط جرير، وشبههم بالقنافذ في مشيهم بالليل، وطوى ذكر المشبه، فهو من الاستعارة بالكناية، "وخرج" هذا البيت "على زيادة "كان"" بين الموصول وصلته، "أو" على "إضمار اسم" في "كان" حال كونه "مرادًا به الشأن١"، وعلى ذلك اقتصر الناظم فقال:
١٥٣-
ومضمر الشأن اسما انو إن وقع ... موهم ما استبان أنه امتنع
"أو راجعًا إلى "ما" الموصولة "وعليهن فـ"عطية" مبتدأ" و"عود" خبره، و"إياهم" معمول الخبر مقدم على المبتدأ، وتقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ جائز عند البصريين٢، "وقيل": التقديم "ضرورة، وهذا" التخريج الأخير، وهو دعوى الضرورة. "متعين في قوله": [من البسيط]
١٧١-
"باتت فؤادي ذات الخال سالبة" ... فالعيش إن حم لي عيش من العجب
فلا يجوز دعوى زيادة "بات"، ولا إضمار اسمها مرادًا به الشأن "لظهور نصب الخبر" وهو "سالبة" لأن ضمير الشأن لا يخبر عنه بمفرد، و"حم" بالبناء للمفعول بمعنى: قدر، ولا يتعين دعوى الضرورة, لجواز أن يكون "فؤادي" منادى سقط منه حرف النداء، ومعمول الخبر محذوف أي: سالبة لك.
стр. 261
"فصل":
"قد تستعمل هذه الأفعال تامة، أي: مستغنية بمرفوعها" عن منصوبها، وهذا هو الصحيح عند ابن مالك، وإليه أشار بقوله في النظم:
١٥٠-
.................. ... وذو تمام ما برفع يكتفي
وتبعه الموضح وهو مخالف لمذهب سيبويه وأكثر البصريين، من أن معنى تمامها دلالتها على الحدث والزمان، وكذا الخلاف في تسمية ما ينصب الخبر ناقصًا، لم سمي ناقصًا؟ فعلى الأول: لكونه لم يكتف بمرفوعه، وعلى قول الأكثرين: لكونه سلب الدلالة على الحدث، وتجرد للدلالة على الزمان، واستدل ابن مالك على بطلان مذهب الأكثرين بعشرة أوجه مذكورة في شرحه على التسهيل١.
وإذا استعملت تامة كانت بمعنى فعل لازم. فـ"كان" بمعنى: حصل "نحو: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي: وإن حصل ذو عسرة" و"أمسى" بمعنى: دخل في المساء، و"أصبح" بمعنى: دخل في الصباح، نحو: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] أي: حين تدخلون في المساء، وحين تدخلون في الصباح". و"دام" بمعنى: بقي نحو: " ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] أي: ما بقيت". و"بات" بمعنى: عرس؛ وهو النزول ليلًا، نحو قول عمر ﵁: "أما رسول الله ﷺ فقد بات بمنى" أي: عرس بها، "وقوله" وهو امرؤ القيس بن عانس؛ بالنون؛ وفاقًا لابن دريد٢، لا ابن حجر الكندي خلافًا لمن زعمه: [من المتقارب]
стр. 262
١٧٢-
"وبات وباتت له ليلة" ... كليلة ذي العائر الأرمد
أي: وعرس، و"العائر" بالعين المهملة اسم فاعل من العور، وهو القذى في العين تدمع له، وقيل: الرمد والأرمد صفة له مخصصة على الأول، وكاشفة على الثاني، "وقالوا: بات بالقوم؛ أي: نزل بهم" ليلًا. و"ظل" بمعنى: دام واستمر، نحو: "ظل اليوم" بالرفع، "أي: دام ظله. و" "أضحى" بمعنى: دخل في الضحى، نحم: "أضحينا؛ أي: دخلنا في الضحى". و"صار" بمعنى: انتقل، نحو: صار الأمر إليك، أي: انتقل، وبمعنى: رجع نحو: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] أي: ترجع.
"وبرح" بمعنى: "ذهب، نحو: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ﴾ [الكهف: ٦٠] أي: لا أذهب. و"أنفك" بمعنى: انفصل، نحو: فككت الخاتم فانفك، أي: انفصل. وتكون هذه الأفعال التامة لمعان أخر عنه ما ذكر١.
وجميع أفعال هذا الباب استعملت تامة وناقصة. "إلا ثلاثة أفعال فإنها ألزمت النقص" ولم تستعمل تامة أصلًا، "وهي: فتئ، وزال، وليس" وما أوهم خلاف ذلك يؤول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٥١-
........... والنقص في ... فتئ ليس زال دائمًا قفي
وذهب أبو حيان في نكته إلى أن "فتئ" تكون تامة بمعنى: سكن. وذهب أبو علي في الحلبيات إلى أن "زال" تكون تامة، نحو: ما زال زيد عن مكانه، أي: لم ينتقل عنه.
وذهب الكوفيون إلى أن "ليس" تكون عاطفة لا اسم ولا خبر، نحو: [من الرمل]
١٧٣-
.................. ... إنما يجزي الفتى ليس الجمل
стр. 263
"فصل":
"تختص "كان" بأمور. منها: جواز زيادتها بشرطين:
أحدهما: كونها بلفظ الماضي"، لتعيين الزمان فيه دون المضارع. "وشذ قول أم عقيل" بن أبي طالب وهي ترقصه: [من الرجز]
١٧٤-
"أنت تكون ماجد نبيل" ... إذا تهب شمأل بليل
أنشده ابن مالك شاهدًا على ذلك١. فـ"أنت" مبتدأ، و"ماجد" خبره، و"تكون" زائدة بين المبتدأ والخبر، ونبيل" فعيل من النبالة، بمعنى: الفضل، خبر بعد خبر، و"شمأل" كجعفر: ريح تهب من ناحية القطب، و"بليل" كقتيل، بمعنى: مبلولة.
"و" الشرط "الثاني: كونها بين شيئين متلازمين، ليسا جارا ومجرورًا"، وليس المراد بزيادتها أنها لا تدل على معنى البتة، بل أنها لم يؤت بها للإسناد، وإلا فهي دالة على المضي، ولذلك كثرت زيادتها بين "ما" التعجبية وفعل التعجب، لكونه سلب الدلالة على المضي٢، "نحو: ما كان أحسن زيدًا" فـ"كان" زائدة بين المبتدأ وخبره. "و" قد تزاد بين الفعل ومرفوعه، نحو: "قول بعضهم: لم يوجد كان مثلهم". فزاد "كان" بين الفعل ونائب الفاعل تأكيدًا للمضي. "وشذ" زيادتها بين الجار والمجرور، ومنه "قوله": [من الوافر]
стр. 264
١٧٥-
جياد بني أبي بكر تسامى ... "على كان المسومة العراب"
أنشده الفراء، فزاد "كان" بين الجار والمجرور، وهما كالشيء الواحد، و"الجياد": جمع جيد، و"تسامى" أصله: تتسامى، حذفت إحدى التاءين، من السمو، وهو: العلو، و"المسومة": اسم مفعول من السومة١، وهي: العلامة، و"العراب" بكسر العين المهملة نعت "المسومة" وهي: الخيل العربية التي جعلت عليها علامة، وتركت في المرعى، وأطلق الناظم المسألة اعتمادًا على المثال فقال:
١٥٤-
وقد تزاد كان في حشو كما ... كان أصح علم من تقدما
"وليس في زيادتها قوله" وهو الفرزدق: [من الوافر]
١٧٦-
فكيف إذا مررت بدار قوم ... "وجيران لنا كانوا كرام"
"لرفعها الضمير" وهو الواو، والزائد لا يعمل شيئًا عند الجمهور، وهذا مذهب أبي العباس المبرد٢، وأكثر النحويين، حيذ ذهبوا إلى أن "كان" في هذا البيت ليست بزائدة، بل هي الناقصة، و"الواو" اسمها، و"لنا" خبرها، والجملة في موضع الصفة لـ"جيران" و"كرام" صفة بعد صفة٣، فهو نظير قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢، ١٥٥] "خلافًا لسيبويه" والخليل٤، حيث ذهبا إلى أنها في
стр. 265
البيت زائدة، واختلف في إطلاقهما الزيادة فيها. والذي فهمه النحويون أنهما أرادا حقيقة الزيادة, واختلفوا في تخريج ذلك، فقال ابن مالك: لا يمنع من زيادتها إسنادها إلى الضمير، كما لم يمنع من إلغاء "ظن" إسنادها إلى الفاعل في نحو: زيد ظننت قائم، وقال الفارسي في التذكرة: فإن قلت: كيف تلغى وقد عملت في الضمير؟ قلت: تكون لغوًا، والضمير الذي فيها توكيد لما في "لنا"؛ لأنه مرتفع بالفاعل، ألا ترى أنه لا خبر له١. وقال أبو الفتح محتجا للخليل: وجه زيادتها في هذا البيت: أن يعتقد أن الضمير المتصل وقع موقع المنفصل، والضمير مبتدأ، و"لنا" الخبر، ولكنك لما وصلت أعطيت اللفظ حقه، ولم يعتقد أن الواو مرفوعة بـ"كان".
وقال ابن عصفور: أصل المسألة: وجيران لنا هم، فـ"لنا" في موضع الصفة، و"هم" فاعل بـ"لنا"، على حد: مررت برجل معه صقر، ثم زيدت "كان" بين "لنا" و"هم" لأنها تزاد بين العامل والمعمول، فصار: لنا كان هم، ثم اتصل الضمير بـ"كان" وإن كانت غير عاملة فيه؛ لأن الضمير قد يتصل بغير عامله في الضرورة، نحو قوله: [من البسيط]
١٧٧-
................ ... أن لا يجاورنا إلاك ديار
والأص: إلا إياك، وإذا كان يتصل بالحرف فأحرى أن يتصل بالفعل، ا. هـ.
قال المرادي في شرح التسهيل: وهذه تخريجات متكلفة، ثم قال: وقال بعضهم: لا يعني الخليل وسيبويه ما فهمه النحويون، إنما أراد بالزيادة أنه لو لم تدخل هذه الجملة بين "جيران" و"كرام" لفهم أن هؤلاء القوم كانوا جيرانه فيما مضى، وأنه فارقهم، فالجيرة كانت في الزمن الماضي، فجيء بقوله: كانوا لنا، لتأكيد ما فهم من المضي، قبل دخولها، فأطلق الخليل الزيادة بهذا المعنى، ويدل على أنه يصف حالًا ماضية قوله قبل هذا: [من الوافر]
هل أنتم عائجون بنا لعنا ... نرى العرصات أو أثر الخيام٢
стр. 266
ولا يمتنع أيضًا في البيت أن تكون "كان" تامة على حذف مضاف تقديره: "وجدت جيرتهم" ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه فقال: "كانوا" والجملة صفة. ا. هـ. كلام المرادي.
والحاصل على القول بزيادة "كان" في البيت قولان في الإعمال والإهمال، وفي كل واحد منهما قولان. فعلى الإهمال قيل: الأصل: هم لنا، ثم وصل الضمير بـ"كان" الزائدة إصلاحًا للفظ، لئلا يقع الضمير المرفوع المنفصل إلى جانب الفعل.
وقيل: بل الضمير توكيد للمستتر في "لنا" على أن "لنا" صفة لـ"جيران"، ثم وصل لما ذكر. وعلى الإعمال قيل: إن الضمير معمول لـ"كان" بالحقيقة على أنها ناقصة، و"لنا" خبرها. وقيل: تامة, وإنها تعمل في الفاعل، كما يعمل فيه العامل الملغى نحو: زيد ظننت عالم، هذا ما في المغني مرتبًا١. "ومنها"، أي: من الأمور المختصة بها "كان" "أنها تحذف ويقع ذلك" الحذف "على أربعة أوجه:
أحدها؛ وهو الأكثر؛ أن تحذف مع اسمها" ضميرًا كان أو ظاهرًا، "ويبقى الخير" دالا عليهما، ويكثر "ويكثر، "وكثر ذلك بعد "إن" و"لو" الشرطيتين"؛ لأنهما من الأدوات الطالبة لفعلين، فيطول الكلام، فيخفف بالحذف. وخص ذلك بـ"إن" و"لو" دون بقية أدوات الشرط؛ لأن "إن" أم أدوات الشرط الجازمة. و"لو" أم أدوات الشرط غير الجازمة، كما أن "كان" أم بابها، وهم يتسعون في الأمهات ما لا يتسعون في غيرها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٥٥-
ويحذفونها ويبقون الخبر ... وبعد إن ولو كثيرًا ذا اشتهر
"مثال "إن"" والغالب فيها أن تكون تنويعية. "قولك: سر مسرعًا إن راكبًا وإن ماشيًا" أي: إن كانت راكبًا وإن كنت ماشيًا، "وقوله": [من الكامل]
١٧٨-
لا تقربن الدهر آل مطرف ... "إن ظالمًا أبدًا وإن مظلومًا"
أي: إن كنت ظالمًا وإن كنت مظلوما، وقال أبو حيان: يمكن أن لا يكونا من إضمار "كان" وإنما انتصبا على الحال، و"إن" بقية "أما". وهذا البيت قالته ليلى الأخيلية.
"وقولهم: الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرًا فخير وأن شرا فشر٢"،
стр. 267
بنصب الأول على الخبرية لـ"كان" المحذوفة مع اسمها, ورفع الثاني على الخبرية لمبتدأ محذوف، "أي: إن كان عملهم خيرًا فجزاؤهم خير"، وإن كان عملهم شرا فجزاؤهم شر. وفيه رد على التسهيل، حيث قيد اسم "كان" بكونه ضميرًا، وهو معدود من مفرداته١.
"ويجوز: إن خير فخيرًا" وإن شر فشرا، برفع الأول على أنه اسم لـ"كان" المحذوفة مع خبرها، ونصب الثاني على أنه مفعول ثان لفعل محذوف أي: "إن كان في عملهم خير فيجزون خيرًا، ويجوز نصبهما" معًا بتقدير: إن كان عملهم خيرا فيجزون خيرا, ورفعهما معا بتقدير: إن كان في عملهم خير فجزاؤهم خير، "و" الوجه "الأول" من الأوجه الأربعة "أرجحها"؛ لأن فيه إضمار "كان" واسمها بعد "إن" وإضمار المبتدأ بعد فاء الجزاء، وكلاهما٢ كثير مطرد.
"و" الوجه "الثاني أضعفها"؛ لأن فيه حذف "كان" وخبرها بعد "إن" وحذف فعل ناصب بعد الفاء، وكلاهما قليل غير مطرد, ولذلك لم يذكره سيبويه٣، "و" الوجهان "الأخيران متوسطان" بين القوة والضعف. ثم قال الشلوبين: هما متكافئان، يعني على حد سواء٤.
قال تلميذه ابن الضائع: لأن في كل منهما الأقوى والأضعف، ففي نصبهما قوة نصب الأول، وضعف نصب الثاني، وفي رفعهما قوة رفع الثاني، وضعف رفع الأول، فتساويا.
وقال ابن عصفور: رفعهما أحسن من نصبهما٤. ومثال "إن" غير التنويعية قولهم: [من البسيط]
١٧٩-
انطق بحق وإن مستخرجًا إحنا ... ....................................
أي: وإن كنت مستخرجًا، "ومثال "لو"" قوله ﷺ لبعض أصحابه: "التمس
стр. 268
ولو خاتمًا من حديد١" أي: التمس شيئًا ولو كان ما تلتمسه خاتمًا من حديد. "وقوله": [من البسيط]
١٨٠-
"لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا" ... جنوده ضاف عنها السهل والجبل
أي: ولو كان صاحب البغي ملكًا ذا جنود كثيرة. وقولهم: الأحشف ولو تمرًا، وفيهما رد على أبي حيان، حيث شرط أن لا يكون ما بعد "لو" أعلى مما قبلها، ولا أعم، فإن الملك أعلى مما قبله، والتمر أعم من الحشف. "وتقول" فيما إذا كان ما بعد "لو " مندرجًا فيما قبلها، ولا أعم ولا أعلى على ما مثل به سيبويه من قولهم٢: "ألا طعام ولو تمرًا"، فإن الطعام أعم من التمر. "وجوز سيبويه" فيه "الرفع بتقدير: ولو يكون عندنا تمر" فحذف "يكون" وخبرها وبقي اسمها. و"يقل الحذف المذكور" وهو حزف "كان" واسمها "بدون "إن" و"لو"" الشرطيتين "كقوله: [من الرجز]
١٨١-
من لد شولًا فإلى إتلائها
"قدره سيبويه٣: من لد أن كانت شولًا" بفتح الشين المعجمة وسكون الواو والقصر والتنوين، جمع شائلة على غير قياس, وهي النوق التي جف لبنها, وارتفع ضرعها, وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية. وأما الشائل: بلا هاء فهي الناقة التي تشول بذنبها للقاح، ولا لبن لها أصلًا، وجمعها: شول، بتشديد الواو؛ كراكع وركع، والإتلاء: مصدر أتلت الناقة إذا تلاها ولدها، أي: من زمن كونها شولًا إلى زمن كونها متلوة بأولادها، وإنما قدره "سيبويه: من لد أن كانت شولًا، ولم يقدره: من لد كانت؛ لأنه لا يرى إضافة "لدن" إلى الجمل، نقله في المغني عن الغرة لابن الدهان، واعترض على سيبويه في تقديره "أن" إذ يلزم منه حذف بعض الاسم، وبقاء بعضه، بل نص سيبويه في باب الاستثناء٤ على أن الموصول الحرفي لا يجوز حذفه، وإن حمل على أنه تقدير معنى لا تقدير إعراب لزم منه أن ما فر منه وقع فيه.
стр. 269
الوجه "الثاني: أن تحذف "كان" مع خبرها، ويبقى الاسم، وهو ضعيف، ولهذا ضعف: ولو تمر, وإن خير" برفعهما.
الوجه "الثالث: أن تحذف وحدها" ويبقى اسمها وخبرها، "وكثر ذلك بعد "أن" المصدرية" الواقعة في موضع المفعول لأجله في كل موضع أريد فيه تعليل فعل بفعل، "في مثل" قولهم: "أما أنت منطلقًا انطلقت"، فـ"انطلقت" معلول، وما قبله علة له مقدمة عليه، "وأصل انطلقت: لأن كنت منطلقًا، ثم قدمت اللام" التعليلية "وما بعدها"، المجرور بها، "على انطلقت للاختصاص" عند النحويين، أو الاهتمام بالفعل عند البيانيين١، فصار: لأن كنت منطلقًا انطلقت، "ثم حذفت: "كان": لذلك" الاختصار "فانفصل الضمير" الذي هو اسم "كان" فصار: أن أنت منطلقًا، "ثم زيد "ما" للتعويض" من "كان" فصار: أن ما أنت، "ثم أدغمت النون" من "أن" "في الميم" من "ما" "للتقارب" في المخرج، فصار: أما أنت. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٥٦-
وبعد أن تعويض ما عنها ارتكب ... .............................
وقد يحذف متعلق الجار إذا فهم من المقام، "وعليه قوله" وهو عباس بن مرداس: [من البسيط]
١٨٢-
"أبا خراشة أما أنت ذا نفر" ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع
"أي: لأن كانت ذا نفر فخرت، ثم حذف" فخرت، وهو "متعلق الجار"
стр. 270
لـ"أن" وما بعدها، و"أبا خراشة" منادى سقط منه حرف النداء، وهو بضم الخاء المعجمة، وحكي كسرها، وبراء مهملة وشين معجمة: كنية شاعر مشهور اسمه خفاف، بخاء معجمة مضمومة، وفاءين خفيفتين بينهما ألف. والنفر بفتح النون والفاء: الرهط هنا، والضبع؛ على وزن العضد: السنين المجدبة، وفيه تورية؛ لأنه أوهم أنه يريد الحيوان المعروف، ورشح بقوله: لم تأكلهم، وهو مجاز عن الشدة التي تحصل من جدب السنة، شبهها بالأكل، فهو استعارة تبعية، ودخلت الفاء في "فإن قومي" لأن الثاني مستحق بالأول، فهو مسبب عنه، والأول سبب فيه، فأشبه الشرط والجزاء، هذا قول البصريين. وذهب الكوفيون إلى أن "أن" المفتوحة هنا شرطية، ولذلك دخلت الفاء في جوابها١: ومعنى المثال المذكور عندهم: إن كنت منطلقًا انطلقت معك، والأول أشهر.
ونقل أبو الفتح عن أبي علي أن "ما" الخالفة عن "كان" عاملة في الجزأين عمل ما خلفته. وحجته أن "ما" لما نابت في اللفظ نابت في العمل. وزعم أنه مذهب سيبويه٢.
"وقل" حذف "كان" وحدها "بدونها" أي: بدون "أن" المصدرية "كقوله" وهو عبيد بن حصين الراعي: [من الكامل]
١٨٣-
"أزمان قومي والجماعة كالذي" ... لزم الرحالة أن تميل مميلًا
"قال سيبويه٣: أراد أزمان كان قومي" مع الجماعة، فحذف "كان" التامة، وأبقى فاعلها وهو "قومي"، و"الجماعة" مفعول معه، والناصب له "كان" المحذوفة.
والرحالة: بكسر الراء وبالحاء المهملة: سرج من جلود ليس فيها خشب، يتخذ للركض الشديد، وتميل؛ بفتح التاء؛ منصوب بـ"أن" وهي ومنصوبها في موضع التعليل، "ومميلًا" بفتح الميم الأولى بمعنى: ميل، مفعول مطلق.
стр. 271
الوجه "الرابع" أن تحذف" كان "مع معموليها" جميعا، "وذلك بعد: إن" الشرطية "في قولهم: افعل هذا إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره فـ"ما" عوض" عن "كان" واسمها، وأدغمت نون "إن" فيها لتقارب مخرجيهما، "ولا" هي "النافية للخبر" وهو "تفعل"، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره: فافعله. قال الجاربردي١: تقول: اخرج، فإذا امتنع تقول: إما لا فتكلم، أي: إن كنت لا تفعل الخروج فتلكم، هكذا ذكر في بعض شروح المفصل، وهو يدل على أن الهمزة من "إما" مكسورة.
وقال بعض شراح الشافية: أما لا بفتح الهمزة، قال: معنى أما لا هو: أن كنت لا تفعل ذلك افعل هذا، أي: لأن كنت، فحذف اللام، ثم حذف "كان" فصار الضمير المتصل منفصلًا، وزيد "ما" عوضًا من الفعل المحذوف وقلبت النون ميمًا، وأدغمت في الميم. ا. هـ. كلام الجاربردي في باب الإمالة. وهو عجيب، فإن صيرورة الضمير المتصل منفصلًا إنما هو في أما أنت، لا في إما لا، والحذف في هذا الوجه والذي قبله واجب، وفيما قبلهما جائز، قاله الخضراوي. وحكى الكوفيون أنه يقال: لا تأت الأمير فإنه جائر، فتقول: أنا آتيه وإن، أي: وإن كان جائزًا، فتحذف "كان" مع معموليها من غير تعويض، وعليه قوله: [من الرجز]
١٨٤-
قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيرًا معدمًا قالت وإن
أي: وإن كان فقيرًا معدما، ولا يجوز هذا الحذف مع غير "كان" عند البصريين.
"ومنها" أي: من الأمور المختصة بها "كان" "أن لام مضارعها" وهي النون "يجوز حذفها" تخفيفًا وصلًا لا وقفًا. نص على ذلك ابن خروف. وإلى الجواز أشار الناظم بقوله:
١٥٧-
ومن مضارع لكان منجزم ... تحذف نون وهو حذف ما التزم
"وذلك بشرط كونه مجزوما بالسكون"، حال كونه "غير متصل بضمير نصب، ولا" متصل "بساكن، نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] ، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠] أصلهما: أكون وتكون، بالرفع فحذفت الضمة للجازم، والواو لالتقاء الساكنين، والنون للتخفيف، ووقع ذلك في التنزيل في ثمانية عشر موضعًا "بخلاف: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ [يونس: ٧٨] لانتفاء الجزم" فيهما؛ لأن الأول مرفوع. والثاني منصوب، وبخلاف نحو: " ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِين﴾ [يوسف: ٩] لأن جزمه بحذف النون" بالعطف على "يخل" المجزوم في جواب الأمر، وإنما لم تحذف نون تكون فيهن؛ لأنها محركة في الأولين
стр. 272
بحركة الإعراب، وفي الثالث بحركة المناسبة، فتعاصت عن الحذف بخلاف ما إذا كانت ساكنة فإنها شبيهة بأحرف المد واللين في سكونها وامتداد الصوت بها، فتحذف كما يحذفن بجامع أنها تكون إعرابًا مثلهن، وتحذف للجازم كما يحذفن. "و" بخلاف "نحو: إن يكنه فلن تسلط عليه"، فلا يحذف أيضًا "لاتصاله بالضمير" المنصوب. والضمائر ترد الأشياء إلى أصولها، فلا يحذف معها بعض الأصول، وبخلاف "نحو: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ " [النساء: ١٣٧] ، فلا يحذف أيضًا "لاتصاله بالساكن"، وهو لام التعريف، فالنون مكسورة لأجله، فهي متعاصية على الحذف لقوتها بالحركة قلله الموضح في شرح القطر١.
"وخالف في هذا" الأخير "يونس" بن حبيب "فأجاز الحذف" ولم يعتد بالحركة العارضة لالتقاء الساكنين٢ " تمسكا بنحو قوله" وهو الخنجر بن صخر الأسدي: [من الطويل]
١٨٥-
"فإن لم تك المرآة أبدت وسامة" ... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
فحذف النون مع ملاقاة الساكن، والمرآة، بكسر الميم ومد الهمزة: آلة الرؤية، فكأنه نظر وجهه فيها فلم يره حسنًا، فتسلى بأنه يشبه الضيغم وهو: الأسد، والوسامة بفتح الواو: الحسن والجمال. "و" هذا البيت "حمله الجماعة" المعتدون في المنع بمطلق الحركة "على الضرورة. كقوله" وهو النجاشي: [من الطويل]
١٨٦-
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... "ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل"
فحذف نون "لكن" ضرورة٣، واستدل به الفراء على أن "لكن" المشددة مركبة، وأصلها: لكن أن فطرحت الهمزة للتخفيف، ونون "لكن" للساكنين قاله في المغني٤.
وقيل: هذه أبيات تتضمن أن النجاشي عرض له ذئب في سفره فحكى أنه دعا الذئب إلى الطعام، وقال له: له لك من أخ؟ يعني نفسه، يواسيك بطعامه بغير من ولا بخل، فقال له الذئب، دعوتني إلى شيء لم تفعله السباع قبلي من مؤاكلة بني آدم، ولست بآتيه ولا أستطيعه ولكن إن كان في مائك الذي معك فضل عما تحتاج إليه فاسقني منه.
стр. 273
"فصل": "في ما ولا ولات وإن المعملات عمل ليس تشبيهًا بها" في النفي
"أما "ما" فأعملها الحجازيون، وبلغتهم جاء التنزيل، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] ، ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] ، ثم اختلف النحاة، فقال البصريون: عملت في الجزأين، وقال الكوفيون: عملت في الأول فقط، وأما نصب الثاني فعلى إسقاط الخافض، كذا قاله الشاطبي، وفيه نظر، فإن المنقول عنهم أن المرفوع بعدها مبتدأ والمنصوب خبره. ونصب بإسقاط الخافض، وأهملها التميميون، قال سيبويه١: وهو القياس. كما أهملوا ليس حملًا عليها، فقالوا: ليس الطيب إلا المسك بالرفع، قاله في المغني٢.
"و" لا يعملها الحجازيون مطلقًا، بل "لإعمالهم إياها" عندهم "أربعة شروط:
أحدها: أن لا يقترن اسمها بـ"إن" الزائدة"، فإن اقترن بها بطل عملها وجوبا عند البصريين٣ "كقوله": [من البسيط]
١٨٧-
"بني غدانة ما إن أنتم ذهب" ... ولا صريف ولكن أنتم خزف
стр. 274
برفع "ذهب" على الإهمال، وإنما لم تعمل حينئذ؛ لأنها محمولة على "ليس" في العمل، و"ليس" لا يقترن اسمها بـ"إن". "وأما رواية يعقوب" بن السكيت "ذهبًا؛ بالنصب فتخرج على أن "إن" نافية مؤكدة لـ: ما" لا مؤسسة؛ لأن نفي النفي إيجاب. و"لا زائدة" كافة لـ"ما"، وهذا التخريج إنما يتمشى على قول الكوفيين إن "إن" المقرونة بـ"ما" هي النافية، جيء بها بعد "ما" توكيدًا، وهو مردود، فإن العرب قد استعملت "إن" الزائدة بعد:ما" الموصولة الاسمية والحرفية لشبهها في اللفظ بـ"ما" النافية، فلو لم تكن "إن" المقترنة بـ"ما" النافية زائدة لم يكن لزيادتها بعد الموصولتين مسوغ، قاله المرادي.
وغدانة: بضم الغين المعجمة وبالدال المهملة والنون قبل هاء التأنيث: حي من يربوع، والصريف بالصاد المهملة: الفضة الخالصة، والخزف، بفتح الخاء والزاي المعجمتين وبالفاء قال الجوهري١: هو الجر. زاد في القاموس٢: وكل ما عمل من طين وشوي بالنار حتى يكون فخارًا.
الشرط "الثاني: أن لا ينتقض نفي خبرها بـ"إلا"، فإن انتقض بطل عملها، كبطلان معنى "ليس" "فلذلك وجب الرفع في" "واحدة" من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: ٥٠] وفي "رسول" من قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ، "فأما قوله: [من الطويل]
١٨٨-
وما الدهر إلا منجنونا بأهله ... وما صاحب الحاجات إلا معذبًا
стр. 275
فمن باب" المفعول المطلق الواقع عامله المحذوف خبرا عن اسم مبتدأ على حد: "ما زيد إلا سيرًا، أي:" ما زيد "إلا يسير سيرًا، والتقدير:" وما الدهر "إلا يدور دوران منجنون"، فـ"الدهر" مبتدأ و"يدور" خبره، و"دوران مفعول مطلق، وعامله "يدور" فحذف وأقيم المضاف إليه "دوران" مقامه، والباعث على نصب "منجنون" على هذا التقدير أمران: كونه لا يصح أن يكون خبرًا عن "الدهر" وكونه واقعًا بعد الإيجاب، والباعث على تقدير "دوران" أن "منجنونا" لا يصح كونه مفعولًا مطلقا؛ لأنه اسم للدواب الذي يسقى عليها الماء, فتارة يجعل السافل عاليا, وتارة يعكس, وأسماء الذوات لا تنصب إلى المفعولية المطلقة، إلا أن تكون آلة لها نحو: ضربته سوطًا. "و" كذا القول في:
............................. ... وما صاحب الحاجات إلا معذبًا
فإنه في تقدير "إلا يعذب معذبًا، أي: تعذيبًا"، والباعث على نصبه وقوعه بعد الإيجاب، والباعث على تأويله بالمصدر ما تقدم؛ لأن "معذب" اسم مفعول، وهو لا يقبل النصب على المفعولية المطلقة، وهذا ظاهر على مذهب الأخفش، وأما مذهب سيبويه فلا؛ لأنه لا يرى أن صيغة المفعول تكون بمعنى المصدر. وأجاز يونس النصب بعد الإيجاب١، وهذا البيت يشهد له، والأصل عدم التأويل وأنشده ابن مالك:
أرى الدهر إلا منجنوبًا.......... ... ................................
وحكم بزيادة "إلا".
واعترضه في المغني٢، وما ذكره من وجوب الرفع مطلقًا في الخبر المنتقض نفيه هو قول الجمهور٣.
والثاني: جواز النصب مطلقًا وهو قول يونس٤.
والثالث: جواز النصب بشرط كون الخبر وصفًا، وهو قول الفراء٥.
والرابع: جواز النصب بشرط كون الخبر مشبهًا به، وهو قول بقية الكوفيين٦.
стр. 276
"ولأجل هذا الشرط أيضًا" وهو: أن لا ينتقض نفي الخبر "وجب الرفع بعد "بل" و"لكن" في نحو: ما زيد قائمًا بل قاعد، ولكن قاعد، على أنه خبر لمبتدأ محذوف" أي: بل هو قاعد، أو لكن هو قاعد، "ولم يجز" في "قاعد" "نصبه بالعطف" على "قائمًا" لأنه" واقع بعد "بل" أو "لكن" والواقع بعدهما "موجب" بفتح الجيم: أي مثبت، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٦٠-
ورفع معطوف بلكن أو ببل ... من بعد منصوب بما الزم حيث حل
وأجاز المبرد كون "بل" ناقلة معنى النفي إلى ما بعدها، فيجوز على قوله: ما زيد قائمًا بل قاعدًا بالنصب على معنى: بل ما هو قاعدًا، نقله الموضح عنه في باب العطف من هذا الكتاب.
الشرط "الثالث: أن لا يتقدم الخبر" على الاسم، خلافًا للفراء، وإن كان ظرفًا أو جارا ومجرورًا على الأصح، خلافًا لابن عصفور١، فإن تقدم بطل العمل، "كقولهم: ما مسيء من أعتب" فـ"مسيء" خبر مقدم. و"من أعتب" مبتدأ مؤخر.
وحكى الجرمي: ما مسيئا من أعتب. على الإعمال، وقال: إنه لغة٢. والمعتب: الذي عاد إلى مسرتك بعد ما ساءك. "وقوله": [من الطويل]
١٨٩-
"وما خذل قومي فأخضع للعدى" ... ولكن إذا أدعوهم فهم هم
فـ"خذل" بتشديد الذال المعجمة، جمع خاذل، خبر مقدم و"قومي" مبتدأ مؤخر، "فأما قوله" وهو الفرزدق: [من البسيط]
١٩٠-
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... "إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر"
стр. 277
بنصب "مثلهم" مع تقدمه، "فقال" سيبويه١: شاذ" ولا يكاد يعرف. "وقيل: غلط، وإن الفرزدق" تميمي "لم يعرف شرطها عند الحجازيين"، فقصد أن يتكلم بلغة الحجازيين، فغلط فيها، وفيه نظر, فإن العربي لا يطاوعه لسانه أن ينطق بغير لغته كما قاله سيبويه، "وقيل" بشر: خبر، "ومثلهم: مبتدأ٢، ولكن بني" على الفتح "لإبهامه مع إضافته للمبني"، هو الضمير، والمبهم المضاف المبني يجوز بناؤه وإعرابه، "ونظيره" في البناء على الفتح: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ٣ [الذاريات: ٢٣] ، ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ٤ [الأنعام: ٩٤] ، في قراءة من فتحهما" مع أنهما يستحقان الرفع على التبعية لـ"حق" في الأول. والفاعلية في الثاني، وأتى بنظيرين لئلا يتوهم أن ذلك خاص بلفظة "مثل"، "وقيل": مثلهم" حال"؛ لأن إضافة "مثل" لا تفيد التعريف، وهو في الأصل نعت لـ"بشر" ونعت النكرة إذا تقدم عليها انتصب على الحال، و"بشر" مبتدأ "والخبر محذوف" مقدم على المبتدأ لئلا يلزم تقديم الحال على عاملها الظرف، وهو ممتنع أو نادر، "أي: ما في الوجود بشر مثلهم"، أي: مماثلًا لهم. قاله المبرد٥، ورد بأن حذف عامل الحال إذا كان معنويا ممتنع، قاله في المغني٦. وقيل: "مثلهم" ظرف زمان تقديره: وإذ هم في زمان ما في مثل حالهم بشر قاله أبو البقاء. وقيل: ظرف مكان، والتقدير: وإذ ما مكانهم بشر، أي: في مثل حالهم. واسم الفرزدق: همام بن غالب، وقال ابن قتيبة، هميم بن غالب. ويكنى أبا فراس٧. واختلف كلام ابن قتيبة في سبب تلقيبه بالفرزدق، فقال في أدب الكاتب٨: الفرزدق قطع العجين، واحدتها فرزدقة؟
стр. 278
ولقب به لأنه كان جهم الوجه. وقال في كتاب طبقات الشعراء١: إنما لقب بالقرزدق لغلظه وقصره. وقال أبو محمد بن السيد٢: والأول أصح لأنه كان أصابه جدري في وجهه ثم برئ منه، فبقي وجهه جهمًا.
وهذه الشروط الثلاثة مستفادة من قول الناظم:
١٥٨-
إعمال ليس أعملت ما دون إن ... مع بقا النفي وترتيب زكن
أي: علم.
الشرط "الرابع: أن لا يتقدم معمول خبرها على اسمها"، فإن تقدم بطل عملها، "كقوله" وهو: مزاحم بن الحارث العقيلي: [من الطويل]
١٩١-
وقالوا تعرفها المنازل من منى ... "وما كل من وافى منى أنا عارف"
والأصل: ما أنا عارف كل من وافى منى، فـ"كل" منصوبة على المعفولية بـ"عارف"، يقال: تعرفت ما عند فلان، بتشديد الراء، تطلبت حتى عرفت، و"المنازل" مفعول فيه. وذلك أن مزاحمًا لما اجتمع بمحبوبته في الحج ثم فقدها. فسأل عنها، فقالوا له: تعرفها في منازل الحج من منى، فقال أنا لا أعرف كل من وافى منى حتى أسأله عنها. "إلا إن كان المعمول ظرفًا أو" جارا و"مجرورًا، فيجوز" العمل للتوسع فيهما، "كقوله": [من الطويل]
١٩٢-
بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا ... "فما كل حين من توالي مواليا
والأصل: فما من توالي مواليًا كل حين، فـ"ما" نافية، و"من توالي" اسمها و"مواليا" خبرها، و"كل حين" ظرف زمان منصوب بـ"مواليًا". وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٥٩-
وسبق حرف جر أو ظرف كما ... بي أنت معنيا أجاز العلما
стр. 279
والأصل: ما أنت معنيا بي. وفهم منه أن المعمول إذا لم يكن أحدهما أنهم لا يجيزون العمل وهو الشرط الرابع.
"وأما "لا" فإعمالها ليس قليل" جدا عند الحجازيين، وإليه ذهب سيبويه١ وطائفة من البصريين، وذهب الأخفش والمبرد إلى منعه٢, وعلى الإعمال "يشترط له الشروط السابقة" في عمل "ما" "ما عدا الشرط الأول"، وهو أن لا يقترن اسم "لا" بـ"إن" الزائدة، "و" يشترط "أن يكون المعمولان نكرتين"، نحو: لا أحد أفضل منك، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
١٦٢-
في النكرات أعملت كليس لا ... ...................................
وأما قول النابغة: [من الطويل]
١٩٣-
.......... لا أنا باغيا ... سواها ولا في حبها متراخيا
وقول المتنبي: [من الطويل]
١٩٤-
...................... ... فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا
فمن النوادر.
فإن قلت: كيف جعلته نادرًا وفي مثل سيبويه٣: ما زيد ذاهبا ولا أخوه قاعدًا.
قلت: لا عمل للا بل هي زائدة، والاسمان تابعان لمعمولي "ما" "والغالب" في "لا" "أن يكون خبرها محذوفًا حتى قيل بلزوم ذلك كقوله"، وهو سعد بن مالك، جد طرفة بن العبد: [من م. الكامل]
стр. 280
١٩٥-
من صد عن نيرانها ... "فأنا ابن قيس لا براح"
فـ"براح" اسم "لا" وخبرها محذوف، أي: لا براح لي، "والصحيح جواز ذكره"، أي: الخبر، "كقوله: [من الطويل]
١٩٦-
تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا
فـ"تعز" فعل أمر من التعزية، وهي: التسلية، ومعناه: تصبر، و"لا" نافية للجنس هنا، وهي عاملة عمل "ليس" وربما ظن كثير أن "لا" العاملة عمل "ليس" لا تكون إلا نافية للوحدة، وليس كذلك نبه عليه في المغني١. و"شيء" اسمها و"على الأرض" ظرف مستقر صفة لـ"شيء"، أو لغو متعلق بـ"باقيًا" و"باقيًا" خبر "لا" والأول أولى، وكذا القول فيما بقي، والوزر: الملجأ، والواقي: الحافظ.
"وإنما لم يشترط الشرط الأول"، وهو أن لا يقترن اسمها بـ"إن"؛ "لأن "إن" لا تزداد بعد "لا" "أصلًا" فلا حاجة لاشتراط ذلك فيها.
"وأما "لات" فأصلها "لا" النافية. "ثم زيدت" عليها "التاء" لتأنيث اللفظ أو للمبالغة في معناه أو لهما وخصت بنفي الأحيان، وزيادة التاء هنا أحسن منها في ثمت وربت؛ لأن "لا" محمولة على ليس وليس تتصل بها التاء، ومن ثم لم تتصل بـ"لا" المحمولة على "إن". قال صاحب الكافي٢:" "لات" فرع "لا" و"لا"
стр. 281
فرع ليس، وليس فرغ ضرب، فهي في المرتبة الرابعة. وهي كلمتان عند الجمهور "لا" النافية وتاء التأنيث. وحركت لالتقاء الساكنين. وقال أبو عبيدة وابن الطراوة: كلمة وبعض كلمة وذلك أنها "لا" النافية والتاء الزائدة في أول الحين١، وقيل: كلمة واحدة، وهي فعل ماض، وعلى هذا هل هي ماضي: يليت، بمعنى ينقص. استعملت للنفي٢ أو هي ليس بكسر الياء قلبت الياء ألفًا، وأبدلت السين تاء، كما قاله ابن أبي الربيع٣، قولان حكاهما في المغني.
"وعملها إجماع من العرب"، وفيه خلاف عند النحاة، فنمهم من ذهب إلى أنها لا تعمل شيئًا وإن وليها مرفوع، فمبتدأ حذف خبره أو منصوب فمفعول لفعل محذوف، وهذا أحد قولي الأخفش٤، وعنه أيضًا أنها تعمل عمل "إن" فتنصب الاسم وترفع الخبر, ومذهب الجمهور أنها تعمل عمل ليس فترفع الاسم وتنصب الخبر. "وله" عندهم "شرطان: كون معموليهما اسمي زمان وحذف أحدهما، والغالب" في المحذوف "كونه المرفوع، نحو: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] بنصب "حين" على أنه خبرها واسمها محذوف، وهي بمعنى: ليس، و"مناص" بمعنى: فرار، "أي: ليس الحين حين فرار. ومن القليل قراءة بعضهم" وهو عيسى بن عمر في الشواذ٥: "ولات حينُ مناص" "برفع الحين" على أنه اسمها وخبرها محذوف، أي: ليس حين فرار حينا لهم٦، وكان القياس أن يكون هذا هو الغالب، بل كان ينبغي أن حذف المرفوع لا يجوز البتة؛ لأن مرفوعها محمول على مرفوع ليس، ومرفوع ليس لا يحذف، فهذا فرع تصرفوا فيه ما لم يتصرفوا في أصله، وقرئ أيضًا: "ولات حينِ مناص" بخفض "حين" فزعم الفراء أن "لات" تستعمل حرفًا جارا لاسم الزمان خاصة، كما أن منذ ومذ كذلك, فتحصل في "حين" ثلاث قراءات: الرفع والنصب والخفض، وفي الواقع ثلاثة أقوال.
إما على الابتداء أو على الاسمية لـ"لات" إن كانت عاملة عمل ليس، وعلى الخبرية لها إن كانت عاملة عمل إن. وفي النصب ثلاثة أقوال أيضًا: إما على الاسمية لـ"لات" إن
стр. 282
كانت عاملة عمل إن، أو على الخبرية لها إن كانت عاملة عمل ليس، أو على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: لا أرى حين مناص. وفي الخفض وجه واحد، وعلى كل حال لا تعمل إلا في أسماء الزمان، كما يؤخذ من قول الناظم:
١٦٢-
وما للات في سوى حين عمل ... ...................................
"فأما قوله" وهو شمردل الليثي: [من الكامل]
١٩٧-
لهفي عليك للهفة من خائف ... "يبغي جوارك حين لات مجير"
"فارتفاع "مجير" على الابتداء"، وسوغ الابتداء به تقدم خبره في المجرور قلبه تقديرًا "أو على الفاعلية" بفعل محذوف. "والتقدير: حين لات له مجير"، على الابتدائية "أو يحصل له مجير"، على الفاعلية، "و "لات" مهملة، لعدم دخولها على الزمان"، و"مجير" بالجيم، اسم فاعل من أجار. "ومثله" في إهمال "لات" "قوله"، وهو الأعشى ميمون: [من الخفيف]
١٩٨-
"لات هنا ذكرى جبيرة" أو ... جاء منها بطائف الأهوال
"إذ المبتدأ" ههنا "ذكرى" بفتح الراء مصدر: ذكر، "وليس" هو "بزمان" وخبره "هنّا" بفتح الهاء وتشديد النون، وهي ههنا محتملة للمكان والزمان، أي: ليس في هذا المكان أو الزمان ذكرى جبيرة بضم الجيم وفتح الموحدة والراء مصغر جبيرة، وقيل مكبر، هي: بنت عمرو بن حزم بن بكر بن وائل. قيل: هي امرأة قائل هذا البيت وأو من عطف على مقدر، أي: الجبيرة تذكر أو من جاء منها بطائف الأهوال، والطائف: الذي يطرق بالليل، وأراد به هنا: الخيال الذي رآه في النون، فكأنه رآها وهي غضبي ففزع من ذلك، والأهوال، جمع هول، وهو الخوف.
"وأما "إن"" النافية. "فإعمالها نادر" عند ابن مالك١، وقال غيره: إنه أكثر
стр. 283
أكثر من عمل "لا" "وهو لغة أهل العالية"١، بالعين المهملة والياء المثناة تحت، وهي ما فوق نجد إلى أرض تهامة وإلى ما وراء مكة وما والاها والنسبة إليهما عالي وعلوي على غير قياس كذا في الصحاح٢. واختلف في جواز إعمالها فذهب الكسائي وأكثر الكوفيين وأبو بكر٣ وأبو علي٤ وأبو الفتح إلى الجواز١، وذهب الفراء٥، وطائفة وأكثر أهل البصرة إلى المنع، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد، فنقل السهيلي الإجازة عن سيبويه والمنع عن المبرد وعكس ذلك النحاس، ونقل ابن مالك عنهما الإجازة٦، وسمع ذلك من أهل العالية٧، "كقول بعضهم: إن أحد خيرًا من أحد إلا بالعافية"، وإن ذلك نافعك ولا ضارك، وإن قائمًا أي: إن أنا قائمًا. "وكقراءة سعيد" بن جبير: "إِنْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا أَمْثَالُكُمْ" [الأعراف: ١٩٤] بسكون نون "إن" ونصب "عبادًا"٨ وخرجها بعضهم على أنها المخففة من الثقلية، وأنها تنصب الجزأين مثل: [من الطويل]
١٩٩-
................ ... ........ إن حراستا أسدًا
وجعله أحسن لتتوافق القراءتان إثباتا، وهو تخريج على شاذ. "وقول الشاعر": [من المنسرح]
٢٠٠-
"إن هو مستوليا على أحد" ... إلا على أضعف المجانين
أنشده الكسائي شاهدًا على عمل "إن" عمل "ليس".
стр. 284
"فصل":
"وتزاد الباء بكثرة في خبر: ليس" غير الاستثنائية، "و" في خبر ""ما" نحو: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ [البقرة: ٧٤] ، وذلك عند البصريين لرفع توهم الإثبات، فإن السامع قد لا يسمع أول الكلام، وعند الكوفيين لتأكيد النفي. قالوا: ليس زيد بقائم، رد لأن زيدًا لقائم، فالباء بمنزلة اللام.
وخرج بقولنا: غير الاستثنائية: قاموا ليس زيدًا، فإن الباء لا تدخل هنا لأن مصحوب [ليس] ١ الاستثنائية كمصحوب "إلا" فكما لا تقول: ما زيد إلا بقائم, لا تقول: قاموا ليس بزيد، وكما تزاد الباء في خبر "ليس" تزاد في اسمها إذا تأخر إلى موضع الخبر، كقراءة بعضهم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] بنصب "البر٢"، وقوله: [من المتقارب]
٢٠١-
أليس عجيبًا بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
وهذا من الغريب، كما قاله في المغني٣.
"و" تزاد الباء "بقلة في خبر "لا"، و" الجزء الثاني من معمولي "كل ناسخ منفي، كقوله" وهو سواد بن قارب يخاطب النبي ﷺ : [من الطويل]
стр. 285
٢٠٢-
"وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب"
فأدخل الباء في "مغن" وهو خبر "لا" و"فتيلًا" بفتح الفاء: هو الخيط الذي يكون في شق النواة وهو مفعول مطلق، أي: بمغن إغناء ما، كأحد الوجهين في: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] والمعنى: يوم لا صاحب شفاعة مغنيًا عني شيئًا، فأقام الظاهر مقام المضمر، وكقول بعض العرب: لا خير بخير بعده النار. فزاد الباء في خبر "لا" التبرئة، إذا لم تجعل الباء بمعنى "في" قاله ابن مالك١.
"وقوله"، وهو عمرو بن براق الأزدي: [من الطويل]
٢٠٣-
"وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم" إذ أجشع القوم أعجل
فزاد الباء في "أعجلهم" وهو خبر "أكن" و"أجشع" بتقديم الجيم على الشين المعجمة: الفائق في الجشع، وهو شدة الحرص على الأكل، و"أعجل" بمعنى: عجل، لا للتفضيل، "وقوله"، وهو دريد بن الصمة: [من الطويل]
٢٠٤-
دعاني أخي والخيل بيني وبينه ... "فلما دعاني لم يجدني بقعدد"
فزاد الباء في "قعدد" وهو المفعول الثاني لـ"وجد" والقُعْدُد، بضم القاف وسكون العين المهملة وضم الدال الأولى وفتحها: الضيف.