فرع ليس، وليس فرغ ضرب، فهي في المرتبة الرابعة. وهي كلمتان عند الجمهور "لا" النافية وتاء التأنيث. وحركت لالتقاء الساكنين. وقال أبو عبيدة وابن الطراوة: كلمة وبعض كلمة وذلك أنها "لا" النافية والتاء الزائدة في أول الحين١، وقيل: كلمة واحدة، وهي فعل ماض، وعلى هذا هل هي ماضي: يليت، بمعنى ينقص. استعملت للنفي٢ أو هي ليس بكسر الياء قلبت الياء ألفًا، وأبدلت السين تاء، كما قاله ابن أبي الربيع٣، قولان حكاهما في المغني.
"وعملها إجماع من العرب"، وفيه خلاف عند النحاة، فنمهم من ذهب إلى أنها لا تعمل شيئًا وإن وليها مرفوع، فمبتدأ حذف خبره أو منصوب فمفعول لفعل محذوف، وهذا أحد قولي الأخفش٤، وعنه أيضًا أنها تعمل عمل "إن" فتنصب الاسم وترفع الخبر, ومذهب الجمهور أنها تعمل عمل ليس فترفع الاسم وتنصب الخبر. "وله" عندهم "شرطان: كون معموليهما اسمي زمان وحذف أحدهما، والغالب" في المحذوف "كونه المرفوع، نحو: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] بنصب "حين" على أنه خبرها واسمها محذوف، وهي بمعنى: ليس، و"مناص" بمعنى: فرار، "أي: ليس الحين حين فرار. ومن القليل قراءة بعضهم" وهو عيسى بن عمر في الشواذ٥: "ولات حينُ مناص" "برفع الحين" على أنه اسمها وخبرها محذوف، أي: ليس حين فرار حينا لهم٦، وكان القياس أن يكون هذا هو الغالب، بل كان ينبغي أن حذف المرفوع لا يجوز البتة؛ لأن مرفوعها محمول على مرفوع ليس، ومرفوع ليس لا يحذف، فهذا فرع تصرفوا فيه ما لم يتصرفوا في أصله، وقرئ أيضًا: "ولات حينِ مناص" بخفض "حين" فزعم الفراء أن "لات" تستعمل حرفًا جارا لاسم الزمان خاصة، كما أن منذ ومذ كذلك, فتحصل في "حين" ثلاث قراءات: الرفع والنصب والخفض، وفي الواقع ثلاثة أقوال.
إما على الابتداء أو على الاسمية لـ"لات" إن كانت عاملة عمل ليس، وعلى الخبرية لها إن كانت عاملة عمل إن. وفي النصب ثلاثة أقوال أيضًا: إما على الاسمية لـ"لات" إن
стр. 282
كانت عاملة عمل إن، أو على الخبرية لها إن كانت عاملة عمل ليس، أو على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: لا أرى حين مناص. وفي الخفض وجه واحد، وعلى كل حال لا تعمل إلا في أسماء الزمان، كما يؤخذ من قول الناظم:
١٦٢-
وما للات في سوى حين عمل ... ...................................
"فأما قوله" وهو شمردل الليثي: [من الكامل]
١٩٧-
لهفي عليك للهفة من خائف ... "يبغي جوارك حين لات مجير"
"فارتفاع "مجير" على الابتداء"، وسوغ الابتداء به تقدم خبره في المجرور قلبه تقديرًا "أو على الفاعلية" بفعل محذوف. "والتقدير: حين لات له مجير"، على الابتدائية "أو يحصل له مجير"، على الفاعلية، "و "لات" مهملة، لعدم دخولها على الزمان"، و"مجير" بالجيم، اسم فاعل من أجار. "ومثله" في إهمال "لات" "قوله"، وهو الأعشى ميمون: [من الخفيف]
١٩٨-
"لات هنا ذكرى جبيرة" أو ... جاء منها بطائف الأهوال
"إذ المبتدأ" ههنا "ذكرى" بفتح الراء مصدر: ذكر، "وليس" هو "بزمان" وخبره "هنّا" بفتح الهاء وتشديد النون، وهي ههنا محتملة للمكان والزمان، أي: ليس في هذا المكان أو الزمان ذكرى جبيرة بضم الجيم وفتح الموحدة والراء مصغر جبيرة، وقيل مكبر، هي: بنت عمرو بن حزم بن بكر بن وائل. قيل: هي امرأة قائل هذا البيت وأو من عطف على مقدر، أي: الجبيرة تذكر أو من جاء منها بطائف الأهوال، والطائف: الذي يطرق بالليل، وأراد به هنا: الخيال الذي رآه في النون، فكأنه رآها وهي غضبي ففزع من ذلك، والأهوال، جمع هول، وهو الخوف.
"وأما "إن"" النافية. "فإعمالها نادر" عند ابن مالك١، وقال غيره: إنه أكثر
стр. 283
أكثر من عمل "لا" "وهو لغة أهل العالية"١، بالعين المهملة والياء المثناة تحت، وهي ما فوق نجد إلى أرض تهامة وإلى ما وراء مكة وما والاها والنسبة إليهما عالي وعلوي على غير قياس كذا في الصحاح٢. واختلف في جواز إعمالها فذهب الكسائي وأكثر الكوفيين وأبو بكر٣ وأبو علي٤ وأبو الفتح إلى الجواز١، وذهب الفراء٥، وطائفة وأكثر أهل البصرة إلى المنع، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد، فنقل السهيلي الإجازة عن سيبويه والمنع عن المبرد وعكس ذلك النحاس، ونقل ابن مالك عنهما الإجازة٦، وسمع ذلك من أهل العالية٧، "كقول بعضهم: إن أحد خيرًا من أحد إلا بالعافية"، وإن ذلك نافعك ولا ضارك، وإن قائمًا أي: إن أنا قائمًا. "وكقراءة سعيد" بن جبير: "إِنْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا أَمْثَالُكُمْ" [الأعراف: ١٩٤] بسكون نون "إن" ونصب "عبادًا"٨ وخرجها بعضهم على أنها المخففة من الثقلية، وأنها تنصب الجزأين مثل: [من الطويل]
١٩٩-
................ ... ........ إن حراستا أسدًا
وجعله أحسن لتتوافق القراءتان إثباتا، وهو تخريج على شاذ. "وقول الشاعر": [من المنسرح]
٢٠٠-
"إن هو مستوليا على أحد" ... إلا على أضعف المجانين
أنشده الكسائي شاهدًا على عمل "إن" عمل "ليس".
стр. 284
"فصل":
"وتزاد الباء بكثرة في خبر: ليس" غير الاستثنائية، "و" في خبر ""ما" نحو: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ [البقرة: ٧٤] ، وذلك عند البصريين لرفع توهم الإثبات، فإن السامع قد لا يسمع أول الكلام، وعند الكوفيين لتأكيد النفي. قالوا: ليس زيد بقائم، رد لأن زيدًا لقائم، فالباء بمنزلة اللام.
وخرج بقولنا: غير الاستثنائية: قاموا ليس زيدًا، فإن الباء لا تدخل هنا لأن مصحوب [ليس] ١ الاستثنائية كمصحوب "إلا" فكما لا تقول: ما زيد إلا بقائم, لا تقول: قاموا ليس بزيد، وكما تزاد الباء في خبر "ليس" تزاد في اسمها إذا تأخر إلى موضع الخبر، كقراءة بعضهم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] بنصب "البر٢"، وقوله: [من المتقارب]
٢٠١-
أليس عجيبًا بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
وهذا من الغريب، كما قاله في المغني٣.
"و" تزاد الباء "بقلة في خبر "لا"، و" الجزء الثاني من معمولي "كل ناسخ منفي، كقوله" وهو سواد بن قارب يخاطب النبي ﷺ : [من الطويل]
стр. 285
٢٠٢-
"وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب"
فأدخل الباء في "مغن" وهو خبر "لا" و"فتيلًا" بفتح الفاء: هو الخيط الذي يكون في شق النواة وهو مفعول مطلق، أي: بمغن إغناء ما، كأحد الوجهين في: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] والمعنى: يوم لا صاحب شفاعة مغنيًا عني شيئًا، فأقام الظاهر مقام المضمر، وكقول بعض العرب: لا خير بخير بعده النار. فزاد الباء في خبر "لا" التبرئة، إذا لم تجعل الباء بمعنى "في" قاله ابن مالك١.
"وقوله"، وهو عمرو بن براق الأزدي: [من الطويل]
٢٠٣-
"وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم" إذ أجشع القوم أعجل
فزاد الباء في "أعجلهم" وهو خبر "أكن" و"أجشع" بتقديم الجيم على الشين المعجمة: الفائق في الجشع، وهو شدة الحرص على الأكل، و"أعجل" بمعنى: عجل، لا للتفضيل، "وقوله"، وهو دريد بن الصمة: [من الطويل]
٢٠٤-
دعاني أخي والخيل بيني وبينه ... "فلما دعاني لم يجدني بقعدد"
فزاد الباء في "قعدد" وهو المفعول الثاني لـ"وجد" والقُعْدُد، بضم القاف وسكون العين المهملة وضم الدال الأولى وفتحها: الضيف.
стр. 286
"وتزاد الباء بندور في غير ذلك كخبر: إن" المكسورة "ولكن و"ليت" في قوله"، وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٢٠٥-
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها ... "فإنك مما أحدثت بالمجرب"
فزاد الباء في "المجرب" وهو خبر "إن"، وتنأ، من النأي وهو: البعد، والهاء في "عنها" عائدة على أم جندب المذكورة في قوله أولًا: [من الطويل]
خليلي مرا بي على أم جندب ... لتقضي حاجات الفؤاد المعذب١
و"حقبة" بكسر الحاء المهملة، نصب على الظرفية بمعنى السنة وجمعها حقب.
و"تلاقها" مجزوم؛ لأنه بدل من تنأ، قاله الموضح في شرح الشواهد. والمجرب بكسر الراء من التجربة: الاختبار. "و" في "قوله": [من الطويل]
٢٠٦-
"ولكن أجرا لو فعلت بهين" ... وهل ينكر المعروف في الناس والأجر
فزاد الباء في "هين" وهو خبر "لكن" المشددة و"لو فعلت" شرط معترض بين اسم "لكن" وخبرها، وجوابه محذوف، كما حذف مفعول "فعلت" والأصل: ولكن أجرًا هين لو فعلته أصبت.
"و" في "قوله"، وهو الفرزدق يهجو جريرًا وكليبًا رهطه، ويرميهم بإتيان الأتن بالمثناة: إناث الحمير، كما أن بني فزارة يرمون بإتيان الإبل: [من الطويل]
٢٠٧-
يقول إذا اقلولى عليها وأقردت ... "ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم"
стр. 287
فزاد الباء في "دائم" وهو خبر "ليت" و"ذا" اسمها و"العيش" عطف بيان على "ذا" أو نعت له، و"اللذيذ" نعت العيش و"اقلولى" بالقاف، ارتفع و"أقردت" بالقاف والراء: سكنت وذلت. وفي اليواقيت للزاهد: المقلولي المجافي المستوفز، وفي أثر ابن عمر كان إذا سجد اقلولى١، قال الفراء: هو أن يرفع مقعدته ويتجافى قليلًا، وأنشد: [من الرجز]
٢٠٨-
لما رأتني خلقًا مقلوليا
أي: متجافيًا عن النساء، والمقلولي أيضًا: الراكب على الشيء العالي عليه ومنه هذا. ومعنى البيت يقول الكلبي: إذا ارتفع على الأتان وسكنت له قال ألا ليت هذا العيش اللذيذ بدائم ويروى:
ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم٢
وعليه تكون الباء زائدة في خبر المبتدأ الداخلة عليه "هل" وهي هنا جحد، وعليه شراح التسهيل٣. قال الكسائي: تأتي "هل" استفهامًا وجحدًا وشرطًا وأمرًا وتوبيخًا وتقريرًا وبمعنى "قد".
واقتصر الناظم في زيادة الباء على خبر ليس وما ولا وكان المنفية فقال:
١٦١-
وبعد ما وليس جر البا الخبر ... وبعد لا ونفي كان قد يجر
"وإنما دخلت في خبر "أن" المفتوحة "في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ، لما كان:
стр. 288
"أولم يروا أنّ الله" في معنى: أوليس الله" بقادر، بدليل أنه جاء مصرحًا به في موضع آخر. كقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ [يس: ٨١] ، فالنفي متناول لها مع ما في حيزها، فليست حينئذ من النوادر، وهي نظير ما أجازه الزجاج من قولك: ما ظننت أن أحدًا بقائم، لما كان في معنى: ليس في ظني أحد بقائم١.
стр. 289
باب أفعال المقاربة
مدخل
...
باب أفعال المقاربة:
"وهذا" مجاز مرسل. "من باب تسمية الكل باسم الجزء، كتسميتهم الكلام كلمة"، وكتسميتهم ربيئة القوم عينًا. "وحقيقة الأمر" في ذلك "أن أفعال" هذا "الباب ثلاثة أنواع":
أحدها: "ما وضع للدلالة": بتثليث الدال "على قرب الخبر" للمسمى باسمها، "وهو ثلاثة: كاد وكرب" بفتح الراء وكسرها. "وأوشك".
"و" الثاني: "ما وضع للدلالة على رجائه"، أي: رجاء المتكلم الخبر في الاستقبال، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله وحذف فاعله. "وهو ثلاثة" أيضًا: "عسى وحرى" بفتح الحاء والراء المهملتين، نص عليها ابن طريف في كتاب الأفعال. وأنكرها أبو حيان مع أنه ذكرها في لمحته. "واخلولق" بخاء معجمة وقاف.
"و" النوع الثالث: "ما وضع للدلالة على الشروع فيه"، أي: على شروع المسمى باسمها في خبرها. "وهو "كثير"، وأنهاه بعضهم إلى نيف وعشرين فعلًا١، "ومنه: أنشأ" وأنشى "وطفق" بفتح الفاء وكسرها. وطبق بكسر الباء الموحدة٢، "وجعل وهب "وعلق" وهلهل "وأخذ وقام.
"و" جميع أفعال هذا الباب "تعمل عمل كان" من رفع الاسم ونصب الخبر، "إلا أن خبرهن يجب كونه جملة" ليتوجه٣ الحكم إلى مضمونها، "وشذ مجيئه مفردًا" عن "الجملة:"بعد: كاد٤ وعسى" وأوشك، "كقوله"، وهو تأبط شرا، واسمه
стр. 290
ثابت بن جابر: [من الطويل]
٢٠٩-
"فأبت إلى فهم وما كدت آيبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
فأتى بخبر "كاد" مفردًا، وهو "آيبا" اسم فاعل من "آب" إذا رجع، ويروى:
................ وما كنت آيبا ... ..............................
و"أبت" بضم الهمزة وسكون الموحدة، بمعنى: رجعت، و"فهم" بفتح الفاء وسكون الهاء: أبو قبيلة وهو فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان. و"كم" خبرية، و"مثلها" تمييز مجرور، بإضافة، والهاء المضاف إليها ترجع إلى القبيلة. و"تصفر" من صفر الطائر. والمعنى: فرجعت إلى القبيلة المسماة بفهم، وما كدت راجعًا، وكم مثل هذه القبيلة فارقتها وهي تصفر. "وقولهم" في المثل: "عسى الغوير أبؤسا١ فـ "أبؤسا" جمع بؤس ومعناه: العذاب أو الشدة خبر "عسى" وهو مفرد؛ لأنه ليس جملة. هذا قول سيبويه٢ وأبي علي٣ من البصريين، وقال الكوفيون: خبر يكون محذوفة، والتقدير: أن يكون أبؤسًا٤.
وقال الأصمعي: خبر "يصير" محذوفة. وقيل: مفعول به، والتقدير عسى الغوير يأتي بأبؤس، فحذف الناصب والجار توسعًا، وتلخص أن "أبؤسًا" خبر لعسى أو لكان أو لصار أو مفعولًا به. قال الموضح في شرح الشواهد: والأحسن من ذلك كله. أن يقدر يبأس أبؤسًا، فيكون مفعولًا مطلقًا، على حد: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ [ص: ٣٣] أي: يمسح مسحًا ا. هـ. وقال في المغني٥: الصواب أنه مما حذف فيه "كان" أي: يكون أبؤسًا،
стр. 291
لأن في ذلك إبقاء لها على الاستعمال الأصلي ا. هـ. وسبقه إلى ذلك ابن جني، فقال في البيت١: التقدير: وما كدت أكون آيبًا ا. هـ. والغوير: تصغير غار بالغين المعجمة. وأصل هذا المثل فيما قيل: أن الزباء قالت لقومها عند رجوع قصير من الغزو إليها ومعه الرجال، وكان الغوير وهو ماء لكلب على طريقه: عسى الغوير أبؤسًا. تريد: لعل الشرك يأتيكم من قبل الغوير، فصار مثلًا يضرب للرجل يتوقع الشر من جهة يعينها، وكقول حسان ﵁: [من السريع]
٢١٠-
من خمر بيسان تخيرتها ... ترياقة توشك فقر العظام
أنشد محمد بن بري في حواشي الصحاح، وقد يقال: إنه على حذف كان، أي: توشك أن تكون فقر العظام، "وأما: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ ، فالخبر" فعل "محذوف" لدلالة مصدره عليه، و"مسحًا" مفعول مطلق، لا خبر "أي": فطفق "يمسح مسحًا"، وفيه رد على الناظم في قوله:
١١٣-
وحذف عامل المؤكد امتنع ... .................................
كما سأيتي في بابه. وفي قوله: وشذ مجيئه مفردًا بعد كاد وعسى تقييد لقول الناظم:
١٦٤-
ككان كاد وعسى لكن ندر ... غير مضارع لهذبن خبر
"وشرط الجملة" الواقعة خبرًا لهذه الأفعال. "أن تكون فعلية" لتدل على الحدث، "وشذ مجيئ" الجملة "الاسمية" خبرًا "بعد "جعل" في قوله" في الحماسة: [من الوافر]
٢١١-
"وقد جعلت قولص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب"
فـ "قلوص" بفتح القاف: الشابة من النوق، اسم "جعل"، و"مرتعها قريب" جملة اسمية خبر "جعل" وأصله: يقرب مرتعها، فأقام الجملة الاسمية مقام الفعلية، قاله الموضح في شرح الشواهد. ويروى ابني سهيل بالتثنية، و"من الأكوار"
стр. 292
متعلق بـ"قريب"، هي إما جمع كور، بضم الكاف، وهو: الرجل بأداته، أو جمع كور بفتحها، وهو: الجماعة الكثيرة من الإبل: والمرتع: مكان الرتوع. والمعنى: أن هذه القلوص حصل لها إعياء وتعب وكلال، فلم تبعد من الأكوار، بل رتعت بالقرب منها.
قال ابن ملكون فيما له على الحماسة: وقيل: "جعل" بمعنى: صير، ثم اختلف، فقيل ألغيت على حد إجازة الأخفش: ظننت زيد قائم: وقيل الأصل جعلته، أي: جعلت القلوص الأمر والشأن، كما قالوا: إن بك زيد مأخوذ ا. هـ.
واعترضه الموضح في الحواشي بأن أفعال التصير لا تلغى. "وشرط الفعل" المشتمل عليه الجملة "ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون رافعًا لضمير الاسم" الذي لهذه لأفعال. نحو: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] ، وذلك لأن أفعال هذا الباب إنما جاءت لتدل على أن مرفوعها هو الذي قد تلبس بالفعل. أو شرع فيه لا غيره. فلا بد في الفعل من ضمير يعود على المرفوع. ليتحقق ذلك. "فأما قوله"، وهو أبو حية النميري: [من البسيط]
٢١٢-
"وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي" فأنهض نهض الشارب الثمل
"وقوله"، وهو ذو الرمة: [من الطويل]
٢١٣-
"وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه"
"فـ ثوبي" في البيت الأول. "وأحجاره" في البيت الثاني "بدل من اسمي "جعل" في الأول، "و "كاد" في الثاني بدل اشتمال، لا فاعلان بـ"يثقلني" و"تكلمني" بل فاعلهما ضمير مستتر فيهما، والتقدير: جعل ثوبي يثقلني، وكادت أحجاره تكلمني، فعاد الضمير على البدل دون المبدل منه؛ لأنه المقصود بالحكم، والمعتمد
стр. 293
عليه في الإخبار غالبًا، وأغنى ذلك عن عوده إلى المبدل منه فسقط ما قيل إنه ليس في الفعل ضمير يعود إلى اسمي "جعل" و"كاد"، وتقدم أن ذلك شرط. وفي البيت الأول تأويلات آخران ذكرهما الموضح في الحواشي. وفي البيت الثاني ستة تآويل أخر ذكرها الخضراوي، وتركت الجميع خوف الإطالة.
"ويجوز في" خبر ""عسى" خاصة أن يرفع السببي"، وهو الاسم الظاهر المضاف إلى ضمير يعود على اسمها، "كقوله"، وهو الفرزدق، حين هرب من الحجاج لما توعده بالقتل: [من الطويل]
٢١٤-
"وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده" ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد
"ويروى بنصب "جهده"" على المفعولية بـ"يبلغ", "ورفعه" على
الفاعلية به، وهو محل الاستشهاد، فإنه متصل بضمير يعود على "الحجاج" الذي هو اسم "عسى"، وفيه رد على أبي حيان حيث منع من ذلك في النكت الحسان١.
و"حفير زياد" موضع بين الشام والعراق، وزياد: هو ابن أبي سفيان، أخو معاوية، كان أميرًا بالعراق. نيابة عن معاوية.
والأمر "الثاني: أن يكون" الفعل "مضارعًا"، ليدل على الحال أو الاستقبال، "وشذ في "جعل" قول ابن عباس ﵄: فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا٢" فـ "أرسل" خبر "جعل" وهو فعل ماض. قال الموضح في شرح الشواهد: وهذا لم أر من يحسن تقريره. ووجهه أن "إذا" منصوبة بجوابها على الصحيح، والمعمول مؤخر في التقدير عن عامله، فأول الجملة في الحقيقة "أرسل"، فافهموه٣، ا. هـ.
وفيه رد على ابن مالك, حيث قال في التسهيل٤: أو فعلية مصدرة
стр. 294
بـ"إذا" قال الموضح في الحواشي: الصواب أن يقال أو جملة فعلية فعلها ماض، فإن هذا هو محط الشذوذ. وأما نفس "إذا" فلا وجه لكونها مرجعا للشذوذ,
ولهذا لم يقل أحد فيما علمنا إن قوله:
٢١٥-
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي...............................
شاذ من جهة التصدير بـ"إذا"، وإنما جعلوا شذوذه من جهة رفع السببي، خاصة فافهمه، ا. هـ.
والأمر "الثالث: أن يكون" المضارع "مقرونًا بـ"أن" المصدرية وجوبا، "إن كان الفعل" الدال على الترجي، "حرى واخلولق"؛ لأن الفعل المرجى١ وقوعه قد يتراخى حصوله، فاحتيج إلى "أن" المشعرة بالاستقبال. "نحو: حرى زيد أن يأتي، و: اخلولقت السماء أن تمطر"، واستشكل الاقتران بـ"أن" لأنه يؤدي إلى جعل الحديث خبرًا عن الذات، وهو غير جائز. وأجيب بأنه من باب: زيد عدل، أو على تقدير مضاف. إما قبل الاسم، أو قبل الخبر، والتقدير: حرى أمر زيد الإتيان، واخلولق أمر السماء الإمطار، أو حرى زيد صاحب الإتيان، واخلولقت السماء صاحبة الإمطار، بكسر الهمزة وكذا البواقي.
"وأن يكون الفعل مجردا منها"، أي: من "أن" وجوبًا، "إن كان الفعل دالا على الشروع، نحو: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢] لأنه للأخذ في الفعل والشروع فيه، وذلك ينافي الاستقبال، "والغالب في خبر "عسى" و" "أوشك الاقتران بها"، أي: بـ"أن" لأن "عسى" من أفعال الترجي، وكان القياس وجوب اقتران خبرها بـ"أن" حتى ذهب جمهور البصريين إلى أن التجريد من "أن" خاص بالشعر٢. وأما "أوشك" فإنما يغلب معها الاقتران بـ"أن" حيث جعلت للترجي أختًا لـ"عسى".
قال الشاطبي: والصحيح ما ذكره الشلوبيين وتلاميذه ابن الضائع والأبذي وابن أبي الربيع أن "أوشك" من قسم "عسى" الذي هو الرجاء، قال ابن
стр. 295
الضائع: والدليل على ذلك أنك تقول: عسى زيد أن ينجح، ويوشك زيد أن يحج ولم يخرج من بلده، ولا تقول: كاد زيد يحج، إلا وقد أشرف عليه، ولا يقال ذلك وهو في بلد، انتهى كلام الشاطبي؟
وأما إذا جعلت للمقاربة كما ذهبت إليه الموضح١ هنا تبعًا للناظم وابنه٢، فيشكل كون الغالب معها الاقتران كالاقتران الغالب في "عسى"، نحو: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] ، "و" نحو "قوله: [من الطويل]
٢١٦-
"ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذ قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا"
فإن "يملوا" خبر "أوشك"، وهو مقرون بـ"أن" وفيه رد على الأصمعي إذ قال٣: لم يستعمل ماض لـ"يوشك"، والمعنى: أن من طبع الناس الحرص على أنهم لو سئلوا٤ في إعطاء التراب بالموحدة لقاربوا الامتناع من ذلك والملل إذا قيل لهم هاتوه.
"و" التجرد من "أن" قليل، كقوله، وهو هدبة بن خشرم العذري: [من الوافر]
٢١٧-
"عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب"
"فيكون" خبر "عسى" وهو مجردًا من "أن"، و"الكرب" بفتح الكاف، وسكون الراء: الحزن بالنفس، و"أمسيت" قال الموضح تبعًا لليمني: الرواية بفتح التاء على الخطاب. و"فرج" بالجيم: كشف الغم، وهو مبتدأ تقدم خبره في الطرف قبله،
стр. 296
والجملة في محل نصب خبر "يكون"، واسمها مستتر فيها عائد على "الكرب"، و"قريب" نعت لـ"فرج"، وفي نتيجة القواعد لابن أياز "يكون" تامة و"وراءه" متعلق بها، ويجوز أن يكون "وراءه" في الأصل صفة لـ"قريب" ثم قدم عليه فانتصب حالًا، فيتعلق بمحذوف، وفيه ضمير وأجاز بعض المغاربة أن يكون حالًا من ضمير "قريب"، وفيه نظر، ا. هـ. ووجه النظر تقديم معمول الصفة على الموصوف، ولا يجوز أن يكون "فرج" مرفوعًا بـ"يكون" لا على التمام، ولا على النقصان؛ لأن ذلك يخلي "يكون من ضمير يعود على اسمها، وتقدم أن شرط خبر "عسى" أن يرفع الضمير أو السببي.
"وقوله" وهو أمية بن أبي الصلت الثقفي: [من المنسرح]
٢١٨-
"يوشك من فر من منيته ... في بعض غراتها يوافقها"
فـ"يوافقها" بالفاء فالقاف من الموافقة خبر "يوشك"، وهو مجرد من "أن" و"من فر" بمعنى: هرب، اسم "يوشك"، والمنية: الموت، والغرات بكسر الغين المعجمة، وتشديد الراء، جمع غرة، وهي الغفلة، والمعنى: أن من هرب من الموت في الحرب، يوشك أن يوافقه الموت في بعض غفلاته.
"وكاد وكرب بالعكس"، فيكون الغالب في خبرهما التجرد من "أن"؛ لأنهما يدلان على شدة مقاربة الفعل ومداومته، وذلك يقرب من الشروع في الفعل والأخذ فيه، فلم يناسب خبرهما أن يقترن بـ"أن" غالبًا، ويقل اقترانه بـ"أن" نظرًا إلى أصلهما، "فمن الغالب قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] ، وقول الشاعر"، وهو كلحبة اليربوعي، وقيل رجل من طيئ: [من الخفيف]
٢١٩-
"كرب القلب من جواه يذوب" ... حين قال الوشاة هند غصوب
стр. 297
فـ"يذوب" خبر "كرب" مجرد من "أن"، و"القلب" اسمها، والجوى: شدة الوجه، والوشاة جمع واش من وشى به إذا نم عليه، وعضوب: فعول بمعنى فاعل، كصبور، يستوي فيه المذكر والمؤنث. والمعنى: كاد القلب يذوب ويضمحل من شدة وجده وشوقه حين قال الواشون: محبوبتك هند غضوب عليك. "ومن القليل قوله" يرثي ميتًا: [من الخفيف]
٢٢٠-
"كادت النفس أن تفيض عليه" ... إذ غدا حشو ريطة وبرود
فـ"أن تفيض" خبر "كاد" وهو مقرون بـ"أن"، وأوله فاء، وثانيه ياء مثناة تحت، وثالثه ضاد معجمة على لغة تميم، ومشالة على لغة قيس، قاله أبو زيد، وأبو عبيدة. يقال: فاظ الميت يفيظ فيظًا إذا قضى، قاله أبو الفرج بن سهيل. "وغدا" بمعنى صار، واسمه مستتر فيه، يعود إلى ما عاد عليه ضمير "عليه" قبله، وهو الميت المرثي، "وحشو" خبر "غدا"، والريطة بفتح الراء وسكون الياء المثناة تحت وبالطاء المهملة: الملاءة إذا كانت شقة واحدة، والبرود بضم الموحدة جمع برد، نوع من الثياب، والمراد بهما: الكفن، ويروى: مذ ثوى، بالمثلثة، بمعنى: أقام. "وقوله" وهو أبو زيد الأسلمي: [من الطويل]
٢٢١-
سقاها ذوو الأحلام سجلًا على الظما ... "وقد كربت أعناقها أن تقطعا"
فـ"أن تقطعا" خبر "كربت" وهو مقرون بـ"أن"، وفيه رد على سيبويه حيث زعم أن خبر كرب لا يقترن بـ"أن" قاله الموضح في شرح الشواهد. وأصل "تقطع" تقطع بتاءين، حذفت إحداهما، وسقى يتعدى إلى اثنين، أولهما الهاء المتصلة به،
стр. 298
وهي عائدة على العروق المذكورة في قوله قبل١:
مدحت عروقًا.... ... ..................
وسجلا، بفتح السين المهملة, وسكون الجيم مفعوله الثاني، وهو: الدلو المشغول بالماء، والأحلام بالحاء المهملة: العقول. والظما، بالمشالة: العطش. "ولم يذكر سيبويه في خبر "كرب" إلأا التجرد من: أن٢". وفي نسخة: وهو مردود بالسماع. والحاصل أن خبر هذه الأفعال بالنسبة إلى اقترانه بـ"أن"، وتجرده منها أربعة أرقام. ما يجب فيه الاقتران. هو: حرى واخلولق، وإليه الإشارة بقول الناظم:
١٦٦-
وكعسى حرى ولكن جعلا ... خبرها حتمًا بأن متصلًا
١٦٧-
والزموا اخلولق أن مثل حرى ... .....................................
وما يجب تجرده من "أن" وهو أفعال الشروع المشار إليها بقول الناظم:
١٦٨-
..................... ... وترك أن مع ذي الشروع وجبًا
وما يجوز فيه الأمران، والغالب الاقتران، وعسى وأوشك وهو المشار إليه بقول الناظم أولًا:
١٦٥-
وكونه بدون أن بعد عسى ... نزر..............................
وثانيًا بقوله:
١٦٧-
................ ... وبعد أوشك انتفا أن نزرا
وما يجوز فيه الأمران، والغالب التجرد، وهو: كاد وكرب، وهو المشار إليه بقول الناظم أولًا:
١٦٥-
...................... ... ........... فكاد الأمر فيه عكسًا
وبقوله ثانيًا:
١٦٨-
ومثل كاد في الأصح كربا ... ..................................
стр. 299
"فصل":
"وهذه الأفعال ملازمة لصيغة الماضي إلا أربعة استعمل لها مضارع، وهي: كاد" وعينها واو، وجاءت من باب: خاف يخاف، ومن باب: قال يقول، كدت بكسر الكاف، كخفت، وبضمها كقلت، حكاهما سيبويه، فعلى الأول مضارعها: يكاد، كيخاف، "نحو: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] ، وعلى الثاني مضارعها: يكود، كيقول حكاه ابن أفلح في منية الألباب. قال الموضح في الحواشي: فإن احتج على أنها يائية العين بقولهم: لا أفعله ولا كيدًا، قلنا: معارض بقولهم: ولا كودًا، وجعل الواو أصلًا، وسيلة إلى مجيء الياء للتخفيف، ا. هـ. "وأوشك، كقوله: [من المنسرح]
٢٢٢-
يوشك من فر من منيته" ... ...............................
أنشده سيبويه١، وتقدم الكلام عليه قريبًا، "وهو أكثر استعمالًا" من ماضيها، حتى إن الأصمعي وأبا علي أنكرا مجيء ماضيها٢، وهما محجوجان بما تقدم، ولقلته يمثل أكثر النحويين لها بالمضارع. "وطفق، حكى" أبو الحسن "الأخفش٣: طفق يطفق"، بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع، "كضرب يضرب، وطفق يطفق"، بالعكس، "كعلم يعلم"، وفرح يفرح"، "وجعل، حكى الكسائي: إن البعير ليهرم حتى يجعل" بالرفع، "إذا شرب الماء مجه"، وفيه شذوذ وقوع الماضي خبرًا كما تقدم توجيهه في: أرسل رسولًا، وكرب يكرب كنصر ينصر. قاله ابن أفلح في منية
стр. 300
الألباب، وعسى أعسى، حكاه ابن ظفر في شرح المقامات. وزعم غيره أنه يقال: عسى يعسو، وعسى يعسي١، فيكون مما اعتقبت الواو والياء على لامه، قاله قريب الموضح في حاشيته على هذا الكتاب. واقتصر الناظم على اثنين منها، فقال:
١٧٠-
واستعملوا مضارعًا لأوشكا ... وكاد لا غير......................
"واستعمل اسم فاعل لثلاثة وهي: كاد، قاله الناظم" في شرح الكافية٢، "وأنشد عليه" قول كبير٣؛ بالباء الموحدة والتكبير؛ ابن عبد الرحمن: [من الطويل]
٢٢٣-
أموت أسى يوم الرجام "وإنني ... يقينا لرهن بالذي أنا كائد"
فـ"كائد" بصورة الياء المثناة بعد الألف اسم فاعل من: كاد، والأسى، بالقصر: الحزن، والرجام بكسر الراء المهملة وبالجيم، اسم موضع، ويقينا، مفعول مطلق، ورهن بمعنى مرهون خبر "إن"، "وكرب، قاله جماعة، وأنشدوا عليه" قول عبد قيس بن خفاف: [من الكامل]
٢٢٤-
"أبني إن أباك كارب يومه" ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
فـ"كارب" اسم فاعل من: كرب الناقصة، واسمه مستتر فيه، وخبره محذوف.
"و "أوشك"" وعليه اقتصر الناظم فقال:
١٧٠-
................. ... ........... وزادوا موشكا
стр. 301
"كقوله" وهو كبير بن عبد الرحمن: [من الوافر]
٢٢٥-
"فإنك موشك أن لا تراها" ... وتعدو دون غاضرة العوادي
فـ"موشك" اسم فاعل أوشك، و"تعدو" مضارع عدا: إذا جاوز، و"غاضرة" بغين فضاد معجمتين جارية أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز, و"العوادي" بالعين المهملة: عوائق الدهر فاعل "تعدو"، "والصواب أن الذي في البيت الأول كابد بالباء الموحدة من المكابدة والعمل، وهو" اسم "للفاعل غير جار على الفعل"؛ لأن فعله كابد وقياس اسم فاعله الجاري عليه "مكابد"، "كابد" وبهذا جزم١ يعقوب" بن السكيت "في شرح ديوان كثير"، عزة، فلا دليل للناظم فيه، وقد ثبت عن الموضح أنه رجع لقول الناظم أخيرًا فقال في شرح الشواهد الكبرى: والظاهر ما أنشده الناظم، وقد كنت أقمت مدة على مخالفته، وذكرت ذلك في توضيح الخلاصة، ثم اتضح لي أن الحق معه ا. هـ.
"و" الصواب "أن "كاربا" في البيت الثاني اسم فاعل "كرب" التامة، في نحو قولهم: "كرب الشتاء"، إذا قرب، وبهذا جزم الجوهري" في الصحاح٢، وأصله: كارب يومه، برفع يوم، أي: قريب، وفي كرب استعمالان: ناقصة، وتامة، والتامة قاصرة ومتعدية، فالقاصرة نحو: كرب الشتاء، وقولهم: كل دان قريب فهو كارب، والمتعدية نحو: كربت القيد إذا ضيقته على المقيد.
"واستعمل مصدرًا لاثنين وهما: طفق وكاد، حكى الأخفش: طفوقًا" كقعودًا "عمن قال: طفق بالفتح٣" فإن قياسه الفعول، ﴿وَطَفِقَا﴾ [الأعراف: ٢٢] بفتحتين١، كفرحا، "عمن قال: طفق، بالكسر٤" فإن قياسه الفعل بفتحتين "وقالوا: كاد كودا"، كقال قولًا، "ومكادا" كمقالًا، "ومكادة" كمقالة، كيدًا بقلب الواو ياء، وفي حواشي سنن أبي داود للمنذري حكاية إيشاك، مصدر "أوشك" قاله الموضح في الحواشي.
стр. 302
"فصل":
"وتختص عسى واخلولق وأوشك" من بين أفعال هذا الباب "بجواز إسنادهن إلى "أن يَفْعَلَ" حال كون "أن يفعل" "مستغنى به عن الخبر"، فتكون تامة، وهذا معنى قول الناظم:
١٧١-
بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد ... غنى بأن يفعل غن ثان فقد
"نحو: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] "وينبني على هذا الأصل فرعان: أحدهما: أنه إذا تقدم على إحداهن اسم هو المسند إليه" الفعل "في المعنى، وتأخر عنها "أن" والفعل, نحو: زيد عسى أن يقوم, جاز تقديرها خالية من ضمير ذلك الاسم" المتقدم عليها، "فتكون" "عسى" "مسندة إلى "أن" والفعل مستغنى بهما عن الخبر"، فتكون تامة, وهذه لغة أهل الحجاز، "وجاز تقديرها مسندة إلى الضمير" العائد إلى الاسم المتقدم عليها، فيكون الضمير اسمها، "وتكون "أن" والفعل في موضع نصب على الخبر"، فتكون ناقصة، وهذه لغة بني تميم، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٧٢-
وجردن عسى أو ارفع مضمرًا ... بها إذا اسم قبلها قد ذكرا
"ويظهر أثر" هذين "التقديرين" في حال "التأنيث والتثنية والجمع" المذكر والمؤنث، "فتقول على تقدير الإضمار" في "عسى": "هند عست أن تفلح"، فـ"هند" مبتدأ، و"عسى" فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر فيها يعود على "هند"، و"أن تفلح" في موضع نصب على أنه خبر "عسى"، و"عسى" ومعمولاها في موضع رفع على أنه خبر المبتدأ. "والزيدان عسيا أن يقوما"، فـ"الزيدان" مبتدأ، و"عسى" فعل ماض ناقص، والألف المتصلة بها اسمها، و"أن يقوما" خبرها، وجملة "عسى" ومعمولاها خبر المبتدأ، "والزيدون عسوا أن يقوموا" كذلك، "والهندات عسين أن يقمن" كذلك، "وتقول على تقدير الخلو من المضمر" في "عسى": هند
стр. 303
"عسى" أن تفلح، والزيدان عسى أن يقوما، والزيدون عسى أن يقوموا، والهندات عسى أن يقمن، فتقدر عسى خالية من الضمير "في" الأمثلة "الجميع"، وهي تامة.
وأن والفعل بعدها في موضع رفع على الفاعلية بها, وهي ومرفوعها في موضع رفع على الخبرية للمبتدأ قبلها، "و" الخلو من الضمير "هو الأفصح"، وبه جاء التنزيل، "قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] . "و" الفرع "الثاني أنه إذا ولي إحداهن أن والفعل، وتأخر عنها اسم هو المسند إليه في المعنى، نحو عسى أن يقوم زيد، جاز" الوجهان السابقات فيما إذا تقدم المسند إليه في المعنى، وعلى هذا يكون المبتدأ مؤخرًا لا غيره وجاز إيضًا وجهان آخران. أحدهما: أنه يجوز "في ذلك الفعل" المقرون بـ"أن" "أن يقدر خاليًا من الضمير" العائد إلى الاسم المتأخر، "فيكون" الفعل "مسندًا إلى ذلك الاسم" المتأخر، "و" تكون ""عسى" مسندة إلى "أن"، والفعل مستغنى بهما عن الخبر"، فتكون تامة.
"و" الثاني: أنه يجوز "أن يقدر" ذلك الفعل "متحملًا لضمير ذلك الاسم" المتأخر. "فيكون الاسم" المتأخر "مرفوعًا، بـ"عسى" وتكون "أن" والفعل في موضع نصب على الخبرية" لـ"عسى" مقدمًا على اسمها، فتكون ناقصة.
"ومنع الشلوبين هذا الوجه" الثاني "لضعف هذه الأفعال عن توسط الخبر١، وأجازه" أبو العباس "المبرد٢، و" أبو سعيد "السيرافي، و" أبو علي "الفارسي٣، ويظهر أثر الاحتمالين أيضًا في" حال "التأنيث والتثنية والجمع" المذكر والمؤنث، "فتقول على وجه الإضمار" في الفعل المقرون بأن: "عسى أن يقوما أخواك"، فـ"أخواك" اسم "عسى" مؤخر، و"أن يقوما" في موضع نصب خبر "عسى" متقدم على اسمها "وعسى أن يقوموا إخوتك" فـ"إخوتك" اسم "عسى"، و"أن يقوموا" خبرها، "و: عسى أن يقمن نسوتك"، فـ" نسوتك"، اسم "عسى"، و"أن يقمن" خبرها، "و: عسى أن تطلع الشمس، بالتأنيث، لا غير" فـ"الشمس" اسم "عسى"، و"أن تطلع" خرها، وإنما وجب تأنيث الفعل؛ لأنه إذا
стр. 304
أسند إلى ضمير متصل وجب تأنيثه لئلا يلتبس بالإسناد إلى الظاهر. كما سيجيء في باب الفاعل.
"و" تقول "على الوجه الآخر" وهو عدم الإضمار في الفعل: عسى أن يقوم أخواك، وعسى أن يقوم إخوتك، وعسى أن تقوم نسوتك، وعسى أن تطلع الشمس، فالاسم المتأخر في هذه الأمثلة فاعل، "يقوم"، و"تطلع" مسندة إلى "أن"، والفعل مستغنى بهما عن الخبر، ففي الأمثلة الثلاثة، الأول "توحد "يقوم"؛ لأنه مسند إلى الظاهر، وسيأتي أن الأفصح توحيده، "و" في المثال الأخير "تؤنث "تطلع" أو تذكره"؛ لأنه أسند إلى ظاهر مجازي التأنيث، وسيأتي أنه يجوز تذكيره وتأنيثه، لا يقال إذا تأخر المسند إليه في المعنى يكون مطلوبًا لكل من الفعلين فلا يتأتى فيه ما تقدم؛ لأنا نقول دعوى التنازع فيه ممنوعة؛ لأن أحد الفعلين جامد، وسيأتي أن التنازع لا يكون بين جامدين ولا بين جامد وغيره.
مسألة:
يجوز كسر سين: عسى" في لغة من قال: هو عس بكذا، مثل: شج، من شجى، "خلافًا لأبي عبيدة" في منعه الكسر، "وليس ذلك" الجواز "مطلقًا"، سواء أسندته إلى ظاهر أو مضمر، "خلافًا للفارسي" في إجازته الكسر مطلقًا١، فيجيز: عسي زيد، بكسر السين، كرضي زيد، "بل يتقيد بأن يسند إلى" ضمير يسكن معه آخر الفعل. فيشمل ما إذا كان مسندا إلى "التاء أو النون أو نا، نحو:" عسيت بالحركات الثلاث في التاء، وعسيتما وعسيتم وعسيتن وعسين وعسينا، بفتح السين وكسرها في الجميع٢، وبهما قرئ في السبع: قال الله تعالى: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ، قرأهما نافع بالكسر لمناسبة الياء٣، وغيره بالفتح وهو المختار لجريانه على القياس، وهو عدم اختلافه مع الظاهر والمضمر، بخلاف الكسر؛ ولأنه اللغة الشائعة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٧٣-
والفتح والكسر أجز في السين من ... نحو عسيت وانتقا الفتح زكن
стр. 305
باب الأحرف الثمانية
مدخل
...
باب الأحرف الثمانية:
عبر بالأحرف نظرًا إلى أن هذا العدد للقلة، وبالثمانية لإدخال "أن" المفتوحة "وعسى"، و"لا" التبرئة، وعبر سيبويه١ بالحروف الخمسة؛ لأن المفتوحة فرع المكسورة، عنده. "الداخلة على المبتدأ والخبر فتنصب المبتدأ" اتفاقًا، بشرط أن يكون مذكورًا غير واجب الابتداء، أو التصدير. "ويسمى اسمًا، وترفع خبره"، على الأصح عند البصريين٢، بشرط أن لا يكون طلبيا، "ويسمى خبرها"، فلو كان محذوفًا، نحو: الحمد لله الحميد، برفع "الحميد" على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو واجب الابتداء كأيمن، أو واجب التصدير غير ضمير الشأن، كـ"أي" و"كم" لم تنصبه هذه الأحرف، ولو كان الخبر طلبيًا، نحو: زيد اضربه، وأين زيد، لم ترفعه هذه الأحرف، إلا أن يكون الاستفهام جوابًا، حكي من كلامهم: أن أين الماء والعشب، جوابًا لمن قال: أن في موضع كذا الماء والعشب، قاله أبو حيان٣.
وذهب لكوفيون إلى أن هذه الأحرف لا تعمل في الخبر، وإنما هو مرفوع بما كان مرفوعًا به قبل دخولهن وهو المبتدأ، ولكل من الفريقين حجة. فحجة البصريين أن لهذه الأحرف شبهًا بـ"كان" الناقصة في لزوم دخولهن على المبتدأ والخبر، والاستغناء بهما، فعملهن عملها معكوسًا، ليكون المبتدأ والخبر معهن كمفعول قدم، وفاعل أخر، تنبيهًا على الفرعية، وحجة الكوفيين أنه لا يجوز: إن قائم زيدًا، ولو كان الخبر معمولها لجاز أن يليها. وينبني على هذا الخلاف خلاف في جواز العطف بالرفع قبل مجيء الخبر، وسيأتي.
стр. 306
فالحرف "الأول والثاني "إن"" المكسورة، "و"أن"" المفتوحة، "وهما لتوكيد النسبة" بين الجزأين، "ونفي الشك عنها، و" نفي "الإنكار لها"، بحسب العلم بالنسبة والتردد فيها، والإنكار لها، فإن كان المخاطب عالمًا بالنسبة، فهما لمجرد توكيد النسبة. وإذا كان مترددًا فيها، فهما لنفي الشك عنها وإن كان منكرًا لها، فهما لنفي الإنكار لها، فالتوكيد لنفي الشك عنها مستحسن، ولنفي الإنكار واجب، ولغيرهما لا.
"و" الحرف "الثالث: "لكن"، وهو للاستدراك"، وهو تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه من الكلام السابق، "والتوكيد" قاله جماعة, منهم صاحب البسيط.
"فالأول:" وهو الاستدراك، كقولك: "زيد شجاع"، فيوهم ذلك أنه كريم؛ لأن من شيمة الشجاع الكرم، فتقول "لكنه بخيل"، وتقول: ما زيد شجاع، فيوهم أنه ليس بكريم، فتقول: لكنه كريم، ولكونها للاستدراك لا بد أن يتقدم عليها كلام، ثم لا يخلو ما بعدها، إما أن يكون نقيضًا لما قبلها، نحو: هذا متحرك، لكن هذا ساكن، أو ضدا له، نحو: ما هذا أسود، لكنه أبيض، أو خلافًا له، نحو: ما قام زيد لكن عمرًا يشرب، أو مثلًا له، نحو: ما زيد قائم لكن عمرًا قائم، فالأول والثاني جائزان باتفاق، والثالث جائز على الأصح، والرابع ممتنع بالاتفاق، قاله أبو حيان في النكت الحسان١.
"والثاني" وهو التوكيد، "نحو" قولك: "لو جاءني" زيدًا زيد أكرمته، فهذا يدل على امتناع المجيء؛ لأن "لو" إذا أدخلت على مثبت نفته، فإذا أردت توكيده قلت: "لكنه لم يجئ" فأكدت بـ"لكن" من أفادته "لو" من الامتناع بـ"لكن". وهي بسيطة على الأصح. وذهب الكوفيون إلى أنها مركبة من "لا" و"أن" والكاف زائدة بينهما لا للتنبيه، وحذفت الهمزة تخفيفًا.
"و" الحرف "الرابع "كأن"" بتشديد النون، "وهو للتشبيه المؤكد"، بفتح الكاف، نعت للتشبيه، نحو: كأن زيدًا أسد، أو حمار، مما الخبر فيه أرفع من الاسم أو أخفض منه، ففيه تشبيه مؤكد بـ"كأن"، "لأنه مركب من الكاف" المفيدة للتشبيه، "و "أن" المفيدة للتوكيد، والأصل: إن زيدًا كالأسد، أو كالحمار، فقدمت الكاف على "أن" ليدل أول الكلام على التشبيه من أول وهلة، وفتحت همزة "أن" وصارا كلمة واحدة, ولهذا لا تتعلق الكاف بشيء، وقبل التقديم والتركيب كانت متعلقة بمحذوف على الأصح.
стр. 307
"وكأن" ملازمة للتشبيه، ولا تكون للتحقيق، خلافًا للكوفيين١، ولا حجة لهم في قوله: [من الوافر]
٢٢٦-
فأصبح بطن مكة مقشعرا ... كأن الأرض ليس بها هشام
لأنه محمول على التشبيه، فإن الأرض ليس بها هشام حقيقة، بل هو فيها مدفون، ولا للظن فيما إذا كان خبرها فعلًا أو ظرفًا، أو صفة من صفة أسمائها، نحو: كأن زيدًا قعد، أو يقعد. أو في الدار أو عندك، أو قاعد، خلافًا لابن السيد٢، ولا للتقريب، نحو: كأنك بالدنيا لم تكن، خلافًا لأبي الحسين الأنصاري، ولا للنفي نحو: كأنك دال عليها, أي: ما أنت دال عليها، خلافًا للفارسي.
"و" الحرف "الخامس: ليت"، وهي للتمني وهو طلب ما لا طمع فيه، أو ما فيه عسر." فالأول "نحو" قول الطاعن في السن: "ليت الشباب عائد" فإن عود الشباب لا طمع فيه، لاستحالته عادة. و" الثاني نحو "قول منقطع الرجاء" من مال يحج به، "ليت لي مالًا فأحج منه"، فإن حصول المال ممكن، ولكن فيه عسر ويمتنع: ليت غدا يجيء، فإن غدًا واجب المجيء، والحاصل أن التمني يكون في الممتنع والممكن، ولا يكون في الواجب.
"و" الحرف "السادس: "لعل"، وهي للتوقع، وعبر عنه قوم بالترجي في" الشيء "المحبوب، نحو:" لعل الحبيب قادم، ومنه عند البصريين: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ، "والإشفاق في" الشيء "المكروه، نحو: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] ، أي: قاتل نفسك، والمعنى: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك، قاله في الكشاف٣.
فتوقع المحبوب يمسى ترجيًا، وتوقع المكروه ويسمى إشفاقًا، ولا يمكن التوقع إلا في الممكن، وأما قول فرعون: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]
стр. 308
فجهل منه، أو إفك، قاله في المغني١.
والإشفاق لغة الخوف، يقال: أشفقت عليه بمعنى: خفت عليه، وأشفقت منه بمعنى: خفت منه وحذرته. "قال الأخفش" والكسائي: "و" تأتي "لعل" "للتعليل، نحو" ما قال الأخفش: يقول الرجل لصاحبه: "أفرغ عملك لعلنا نتغدى"، واعمل عملك لعلك تأخذ أجرك، أي: لنتغدى ولتأخذ٢ ا. هـ.
"ومنه": أي: من التعليل: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ . [طه: ٤٤] ، أي: ليتذكر. قال في المغني٣: ومن لم يثبت ذلك يحمله على الرجاء، ويصرفه للمخاطبين، أي: اذهبا على رجائكما، ا. هـ.
"قال الكوفيون٤": وتأتي "لعل" "للاستفهام". قال في المغني٥: ولهذا علق بها الفعل, "نحو": ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٣] ا. هـ.
وعلى هذا فالتقدير: لا تدري أألله يحدث بعد ذلك أمرًا، وما يدريك أيزكى، والمعنى: لا تدري جواب أألله يحدث، وما يدريك جواب أيزكى، قاله قريب الموضح في حاشيته: وهذان المعنيان لا يثبتهما البصريون.
"وعقيل" بالتصغير "تجيز جر اسمها، وكسر لامها الأخيرة"، وحذف لامها الأولى وإثباتها، قال شاعرهم: [من الطويل]
٢٢٧-
................. ... لعل أبي المغوار منك قريب
وظاهر كلامه هنا أنها في حال الجر عاملة عمل "إن" وأن اسمها في موضع نصب، وخالف ذلك في المغني٦، فقال له نصه: واعلم أن مجرور "لعل" في موضع رفع بالابتداء لتنزيل "لعل" منزلة الجار الزائد، نحو: بحسبك درهم بجامع ما بينهما من عدم التعلق بعامل، وقوله "قريب" خبر ذلك المبتدأ ا. هـ.
стр. 309
"و" الحرف "السابع "عسى" في لغية" بالتصغير، "وهو بمعنى: لعل" في الترجي والإشفاق، فحملت في العمل عليها، كما حملت "لعل" على "عسى" في إدخال أن في خبرها، كالحديث١: "لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض".
"وشرط اسمها أن يكون ضميرًا" لغائب أو متكلم أو مخاطب، "كقوله" وهو صخر بن الجعد الخضري، وكان ترجى أن محبوبته يصيبها مرض، ليكون ذلك وسيلة إلى عيادته إياها: [من الطويل]
٢٢٨-
فقلت عساها نار كأس وعلها ... تشكى فآتي نحوها فأعودها
فالهاء المتصلة بـ"عسى" اسمه، و"نار كأس" خبره، "وقوله" هو عمران بن حطان الخارجي، وكان سنيا فتزوج امرأة من الخوارج، فقيل له فيها، فقال: أردها عن مذهبها، فغلبت هي عليه وأضلته عن مذهب أهل السنة: [من الوافر]
٢٢٩-
ولي نفس تنازعي إذا ما ... "أقول لها لعلي أو عساني"
فياء المتلكم اسم "عسى"، وخبره محذوف، وقول آخر: [من الرجز]
٢٣٠-
يا أبتا علك أو عساكا
стр. 310
فالكاف اسمه، وخبره محذوف. وما ذكره الموضح من أن الضمير المتصل بـ"عسى" هو اسمه وهو في موضع نصب، وما بعده خبره هو مذهب سيبويه١.
وذهب المبرد٢ والفارسي٣ إلى أن الضمير خبر "عسى" مقدمًا، وما بعده اسمها مؤخرًا.
ورُدّ قولهما بأمرين:
أحدهما: أداؤه إلى كون خبر "عسى"اسمًا مفردًا، وهو ضرورة، أو شاذ جدا.
والثاني: إن من قال "أو عساها" فقط، اقتصر على فعل ومنصوبه دون مرفوعه، ولا نظير لذلك، ولا يرد هذا على سيبويه؛ لأنه يرى أن "عسى" الذي ينصب الاسم حرف، فهو نظير، إن مالًا وإن ولدًا٤.
وذهب الأخفش إلى أن الضمير المنصوب في موضع رفع على أنه اسمها، وما بعده خبرها، وأنه وضع المنصوب موضوع المرفوع.
٢٣١-
فقلت عساها نار كأس..... ... ....................................
برفع "نار"، "وهو" أي: "عسى" "حينئذ"، أي: حين إذ نصب الاسم، ورفع الخبر "حرف" كـ"لعل" لئلا يلزم حمل الفعل على الحرف. "وفاقًا للسيرافي"، بكسر السين، "ونقله"، أي: نقل السيرافي القول بحرفيته "عن سيبويه٥, خلافًا للجمهور في إطلاق القول بفعليته"، سواء أكان بمعنى "لعل" أم لا. "و" خلافًا "لابن السراج٦" وثعلب "في إطلاق القول بحرفيته".
والحاصل في "عسى" ثلاثة أقوال. فعل مطلقًا، حرف مطلقًا, التفصيل, إن عمل عمل "لعل" فحرف، وإلا ففعل. ومحل الخلاف في "عسى" الجامدة. أما "عسى" المتصرفة فإنها فعل باتفاق ومعناها اشتد، قال عدي: [من الكامل]
стр. 311
٢٣٢-
لولا الحياء وأن رأسي قد عسى ... فيه المشيب لزرت أم القاسم
أي: قد اشتد.
"و" الحرف "الثامن "لا" النافية للجنس، وستأتي" في باب معقود لها بعد بهذا.
"و" هذه الأحرف الثمانية "لا يتقدم خبرهن" عليهن "مطلقًا" من غير استثناء، ولو كان ظرفًا، أو جارا ومجرورًا لعدم تصرفهن. "ولا يتوسط" خبرهن بينهن وبين أسمائهن؛ لأن التوسط يذهب صورة ما أراد: من تقديم المنصوب، وتأخير المرفوع، ومن عادتهم أنهم إذا تركوا شيئًا لا يعودون إليه، قال: [من الطويل]
٢٣٢-
إذا انصرفت نفسي عن الشي لم تكن ... عليه بوجه آخر الدهر تقبل
"إلا إن كان الحرف" العامل "غير: عسى، و: لا"؛ لأن شرط عملهما اتصال اسمهما بهما، "و" إلا إن كان "الخبر ظرفًا أو مجرورًا" فيجوز توسطه فالظرف "نحو: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١٢] فـ"لدينا" خبر مقدم، و"أنكالًا" اسمها مؤخر، والمجرور، نحو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَة﴾ [آل عمران: ١٣] فالمجرور خبر مقدم، و"عبرة" اسمها مؤخر، وقد يجب التوسط، نحو: إن عند هند عبدها، وإن في الدار مالكها، واغتفروا التوسط بالظرف والمجرور فيهما لكثرتهما، ولا يلزم من تجويزهم التوسط تجويزهم التقدم على هذه الأحرف؛ لأنه لا يلزم من تجويز الأسهل تجويز غيره، بخلاف العكس، وإلى جواز التوسط بالظرف وعديله أشار الناظم بقوله:
١٧٦-
وراع ذا الترتيب إلا في الذي ... كليت فيها أو هنا غير البذي
ولا يلي هذه الأحرف معمول خبرها، إلا إن كان ظرفًا أو مجرورًا، ويجوز توسطه بين الاسم والخبر مطلقًا.
стр. 312
"فصل":
"تتعين "إن" المكسورة" وهي الأصل عند الجمهور: "حيث لا يجوز أن يسد المصدر مسدها ومسد معموليها، و" تتعين "أن: المفتوحة"، وهي الفرع١، "حيث يجب ذلك"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٧٧-
وهمز إن افتح لسد مصدر ... مسدها وفي سوى ذاك اكسر
"ويجوزان" بألف التثنية، أي: ويجوز "إن" المكسورة والمفتوحة "إن صح الاعتباران" وهما سد المصدر مسدها، ومسد معموليها، وعدمه.
"فالأول" وهو تعيين "إن" المكسورة في مواضع "عشرة"، لا يجوز فيها أن يسد المصدر مسدها ومسد معموليها"، "وهي أن تقع في الابتداء" حقيقة. "نحو: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الدخان: ٣] ، [القدر: ١] ، إذ لو فتحت لصارت مبتدأ بلا خبر؛ لأن المفتوحة في تأويل مفرد, والمفرد لا يستقل به الكلام، و"في ليلة" متعلق بـ"أنزلنا" لا بالاستقرار. أو حكمًا، "ومنه"، أي: من الابتداء الحكمي: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] لأن "إن" الواقعة بعد "ألا" الاستفتاحية واقعة في الابتداء حكمًا. "أو" تقع "تالية لـ"حيث"، نحو: جلست حيث إن زيدًا جالس", أو لـ"إذ"، كـ: جئتك إذ إن زيدًا أمي؛ لأن "حيث وإذ" لا يضافان إلا إلى الجمل. وفتح "إن" يؤدي إلى إضافتها إلى المفرد. "أو" تالية "لموصول" اسمي، أو حرفي، "نحو": ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ [القصص: ٧٦] فـ"ما" موصول اسمي, ووجب كسر "إن" بعدها لوقوعها في صدر الصلة، وصلة الموصول غير "أل" يجب أن تكون جملة، "بخلاف الواقعة في حشو الصلة نحو: جاء الذي عندي أنه فاضل"، فإنه يجب فتحها فإنها مع
стр. 313
معموليها مبتدأ تقدم خبره في الظرف قبله، والمبتدأ وخبره صلة "الذي"، وإنما وجب كسرها في نحو: أعجبني الذي أبوه إنه منطلق مع أنها واقعة في حشو الصلة؛ لأنها خبر اسم عين, فإطلاقه هنا محمول على تقييده بعد، "و" بخلاف "قولهم: لا أفعله ما أن حراء مكانه" بفتح "أن" لوقوعها في حشو الصلة تقديرًا "إذ التقدير: ما ثبت ذلك" أي: ما ثبت أن حراء مكانه، "فليست في التقدير تالية للموصول" لأنها فاعل بفعل محذوف، والجملة الفعلية صلة "ما" الموصول الحرفي الظرفي، والمعنى: لا أفعله مدة ثبوت حراء مكانه, وحراء بكسر الحاء المهملة، وبالراء جبل على ثلاثة أميال من مكة على يسار الذاهب إلى منى. قال القاضي عياض: يمد ويقصر، ويؤنث ويذكر، فعلى التذكير يصرف، وعلى التأنيث يمنع والتذكير بإرادة الموضع، والتأنيث بإرادة البقعة.
"أو تقع جوابًا لقسم" لم يذكر فعله أو ذكر، وجاءت اللام، فالأول "نحو: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الدخان: ١-٣] والثاني: نحو أقسمت إن زيدا لقائم؛ لأن جواب القسم يجب أن يكون جملة.
"أو" تقع "محكية بالقول، نحو: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] ؛ لأن المحكي بالقول لا يكون إلا جملة. أو ما يؤدي معناها، فإن وقعت بعد القول غير محكية فتحت، نحو: أخصك بالقول أنك فاضل، ونحو: أتقول أن زيدًا عاقل، فإنها في الأول للتعليل، أي: لأنك فاضل، وفي الثاني للقول بمعنى الظن.
"أو" تقع "حالًا" مقرونة بالواو، أولًا، فالأول "نحو: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] ، فجملة "إن" ومعموليها في موضع نصب على الحال, والثاني نحو: جاء زيد إنه فاضل ولم تفتح "إن" فيهما, وإن كان الأصل في الحال الإفراد؛ لأن "أن" المفتوحة مؤولة بمصدر معرفة، وشرط الحال التنكير١.
وأما: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٢٠] فإنما كسرت "إن" لأجل اللام لا لوقعها حالًا، على أن ابن الخباز قال في الكفاية: يجب كسر "إن" بعد "إلا"، نحو: ما يعجبني فيه إلا إنه يقرأ القرآن ا. هـ.
"أو" تقع "صفة" لاسم عين، "نحو: مررت برجل إنه فاضل"؛ لأن الفتح يؤدي إلى وصف أسماء الأعيان بالمصادر، وهي لا توصف بها إلا بتأويل، وذلك مفقود مع
стр. 314
"إن" بخلاف الواقع في حشو الصفة فإنها تفتح، نحو: مررت برجل عندي أنه فاضل، فإن الوصف بالجملة لا بالمصدر.
"أو تقع بعد عامل علق" عن عمله فيها "باللام" الابتدائية، "نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] لأنها لو فتحت لزم تسليط العامل عليها، ولام الابتداء لها صدر الكلام، وما له صدر الكلام يمنع ما قبله أن يعمل فيما بعده وهذه اللام وإن كانت متأخرة في اللفظ فرتبتها التقديم على "إنّ", وإنما أخرت لئلا يدخل حرف توكيد على مثله، ولم تؤخر "إن" لقوتها بالعمل، وإنما فتحت في نحو: علمت أن زيدًا لقعد؛ لأن اللام ليست للابتداء لدخولها على الفعل الماضي، وسيأتي أنها لا تدخل عليه إلا مع "قد" ظاهرة أو مقدرة.
"أو" تقع "خبرًا عن اسم ذات" غير منسوخ، "نحو: زيد إنه فاضل"؛ لأن المصدر لا يخبر به عن أسماء الذوات، إلا بتأويل، وذلك ممتنع مع "أن"، أو منسوخ، "ومنه": ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا " إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ " [الحج: ١٧] ، فجملة إن ومعموليها خبر "إن الذين أمنوا" وما عطف عليه وهي أسماء ذوات. قيل: وبقي عليه الواقعة بعد "كلا" نحو: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] ، والمقرون خبرها باللام من غير تعليق، نحو: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] . والواقعة بعد "حتى" الابتدائية، نحو: مرض زيدًا حتى إنهم لا يرجونه، والتابعة لشيء من ذلك، نحو: إن زيدا فاضل، وإن عمرًا جاهل؛ فإن في ذلك كله واجبة الكسر، والحق أن "إن" في ذلك كله ابتدائية، فهي داخلة في قوله، أولًا أن تقع في الابتداء واقتصر الناظم على ستة مواضع فقال: ١٧٨- فاكسر في الابتدا وفي بدء صله وحيث إن ليمين مكمله
١٧٩- أو حكيت بالقول أو حلت محل حال كزرته وإني ذو أمل
١٨٠-
وكسروا من بعد فعل علقا ... باللام.....................
"والثاني:" وهو تعين "أن" المفتوحة "في" مواضع "ثمانية" يجب فيها أن يسد المصدر مسد "أن"١ وسد معموليها، "وهي أن تقع فاعلة، نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١] , أو تقع مفعولة غير محكية" بالقول, "نحو: ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ﴾ " [ألأنعام: ٨١] أي: إشراككم، بخلاف المحكية بالقول فإنها واجبة الكسر كما تقدم.
стр. 315
"أو" تقع "نائبة عن الفاعل نحم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] , أي: استماع نفر. "أو" تقع "مبتدأ" في الحال، أو في الأصل.
فالأول نحو: " ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ " [فصلت: ٣٩] أي: رؤيتك الأرض من آياته، هذا مذهب الخليل. وقال المطرزي: اسم الحدث المرفوع بعد الظرف فاعل عند سيبويه، وإن لم يعتمد الظرف على١ شيء، ومنه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ ا. هـ.
والثاني نحو: كان عندي أنك فاضل، والفرق بين قوله أولًا أن تقع في الابتداء، وقوله هنا أن تقع مبتدأ أنها إذا وقعت في الابتداء تكون داخلة في أول جملة مستقلة، وإذا وقعت مبتدأ تكون مع معموليها في تأويل مرفوع على الابتداء محتاج إلى خبر، ومنه عند سيبويه٢: " ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ " [الصافات: ١٤٣] ثم قيل لا يحتاج لخبر لاشتمال صلتها على
المسند إليه، وقيل: له خبر محذوف، والتقدير: لولا كونه من المسبحين موجود.
وذهب المبرد والزجاج والكوفيون إلى أنه فاعل بفعل محذوف، والتقدير: فلولا ثبت أنه كان من المسبحين، على الخلاف في: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات: ٥] وقاله في المغني٣.
"أو" تقع "خبرًا عن اسم معنى غير قول ولا صادق عليه" أي: على اسم المعنى "خبرها" أي:
خبر "أن"، "نحو: اعتقادي أنه فاضل" فيجب فتحها؛ لأنها خبر "اعتقادي"، وهو اسم معنى غير قول ولا صادق على اعتقادي خبرها؛ لأن "فاضل" لا يصدق على الاعتقاد، وإنما فتحت لسد المصدر مسدها ومسد معموليها، والتقدير: اعتقادي فضله، أي: معتقدي ذلك، ولم يجز كسرها على أن تكون مع معموليها جملة مخبرًا بها عن "اعتقادي" لعدم الرابط؛ لأن اسم "إن" لا يعود على المبتدأ الذي هو "اعتقادي"؛ لأن خبرها غير صادق عليه، فهو يعود على غيره، فتبقى الجملة بلا رابط، "بخلاف قولي: إنه فاضل" فيجب كسرها؛ لأنها وقعت خبرًا عن "قولي"، ولا تحتاج إلى رابط؛ لأن الجملة إذا قصد حكاية لفظها كانت نفس المبتدأ في المعنى، والتقدير: قولي هذا اللفظ لا غيره، أما إذا أريد أن جملة "أن" منصوبة بـ"قولي" كانت من
стр. 316
تتمة المبتدأ، فتحتاج إلى خبر ولا يصح فتحها لفساد المعنى؛ لأن القول لا يخبر عن بالفضل، "وبخلاف: اعتقاد زيد إنه حق" فيجب كسرها أيضًا؛ لأن خبرها وهو "حق" صاقد على "الاعتقاد"، ولا مانع من وقوع جملة "أن" ومعموليها خبرًا عن المبتدأ؛ لأن اسم "أن" رابط بينهما، ولا يصح فتحها؛ لأنه يصير اعتقاد زيد كون اعتقاده حقا, وذلك لا يفيد؛ لأن الخبر لا بد أن يستفاد ما لا يستفاد من المبتدأ وسكت عن القسم الرابع. وهو أن تقع خبرًا عن قول، وخبرها صادق عليه نحم: قولي إنه حق، لظهور أنها إذا كانت تكسر مع أحدهما فمعهما أولى.
أو تقع "مجرورة بالحرف، نحو ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦] ؛ لأن المجرور بالحرف لا يكون إلا مفردًا.
أو تقع "مجرورة بالإضافة" إلى غير ظرف، "نحو: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] ، فـ" مثل" مضاف إلى "أنكم تنطقون"، و"ما" صلة، أي: مثل نطقكم؛ لأن المجرور بالمضاف حقه الإفراد إذا لم يكن المضاف ظرفًا يقتضي الجملة، فإن كان كذلك كسرت كما تقدم في "حيث و"إذ".
أو تقع تابعة لشيء من ذلك، وهي إما أن تكون "معطوفة على شيء من ذلك نحو: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٢] ، فـ" أني فضلتكم" معطوف على "نعمتي"، وهو مفعول به، والمعنى: اذكروا نعمتي وتفضيلي.
"أو مبدلة من شيء من ذلك، نحو: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ " [الأنفال: ٧] فـ"أنها لكم" بدل اشتمال من "إحدى" والتقدير: إحدى الطائفتين كونها لكم. فهذه الأماكن الثمانية يجب فتح "أن" فيها؛ لأنها أماكن المفردات، لا أماكن الجمل.
والثالث:" ما يجوز فيه الأمران، كسر "إن" وفتحها، باعتبارين مختلفين، وذلك "في" مواضع "تسع:
أحدها: أن تقع بعد فاء الجزاء، نحو:" ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ من قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ الآية" [الأنعام: ٥٤] قرئ بكسر "إن" وفتحها١، "فالكسر" على جعل ما بعد فاء الجزاء جملة تامة "على معنى: فهو غفور رحيم، والفتح"، على تقدير أن ومعموليها مبتدأ، خبره محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف،
стр. 317
"على معنى: فالغفران والرحمة، أي: حاصلان، أو فالحاصل الغفران والرحمة"، وإذا دار الأمر بين حذف أحد الجزأين فحذف المبتدأ أولى؛ لأنه المعهود في الجملة الجزائية "كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ﴾ [فصلت: ٤٩] ، أي: فهو يئوس".
الموضع "الثاني: أن تقع بعد "إذا" الفجائية" نسبة إلى الفجاءة، بضم الفاء والمد، والمراد بها: الهجوم والبغتة، تقول: فاجأني كذا، إذا هجم عليك بغتة، والغرض من الإتيان بها الدلالة على أن ما بعدها يحصل بعد وجود ما قبلها، على سبيل المفاجأة "كقوله": [من الطويل]
٢٣٤-
وكنت أرى زيدًا كما قيل سيدا ... "إذ أنه عبد القفا واللهازم"
أنشده سبيويه، ولم يعزه إلى أحد، وأرى بضم الهمزة بمعنى: أظن يتعدى إلى اثنين، وهما زيدًا وسيدًا، وما بينهما اعتراض، "فإذا أنه" يروى بكسر "إن" وفتحها، "فالكسر على معنى" الجملة، أي: "فإذا هو عبد القفا"، فالجملة مذكورة بتمامها، "والفتح على معنى" الإفراد، "فإذا العبودية، أي: حاصلة" على جعلها مبتدأ، حذف خبره١, "كما تقول: خرجت فإذا الأ سد" أي: حاضر، وذهب قوم إلى أن "إذا" هي الخبر، فعلى هذا لا حذف، واللهازم جمع لهزمة، بكسر اللام وبالزاي، وهو: طرف الحلقوم، وقيل: مضغة تحت الأذن، والمعنى: كنت أظن سيادته، فلما نظرت إلى قفاه ولهازمه تبين لي عبوديته وقيل المعنى: كنت أظنه سيدًا كما قيل فإذا هو ذليل خسيس عبد البطن، وخص هذين بالذكر؛ لأن القفا موضع الصفع، واللهازم موضع اللكز.
الموضع "الثالث: أن تقع في موضع التعليل نحو:" ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ، من قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ، قرأ نافع والكسائي بالفتح على تقدير لام العلة" أي: لأنه٢ وحرف الجر إذا دخل على "أن" لفظًا أو تقديرًا فتح همزتها، فهو تعليل إفرادي، "و" قرأ "الباقون" من السبعة
стр. 318
"بالكسر على أنه تعليل مستأنف" بياني، فهو في المعنى جواب سؤال مقدر تضمنه ما قبله، فكأنهم لما قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ قيل لهم لم فعلتم ذلك، فقالوا: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ فهو تعليل جملي، "مثل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ " [التوبة: ١٠٣] بكسر "إن" على أنه تعليل مستأنف، "ومثله" في جواز الوجهين: "لبيك إن الحمد والنعمة لك" يروى بكسر "إن" وفتحها١ فالفتح على تقدير لام العلة، والكسر على أنه تعليل مستأنف، وهو أرجح؛ لأن الكلام حينئذ جملتان، لا جملة واحدة، وتكثير الجمل في مقام التعظيم مطلوب، قاله الموضح في شرح بانت سعاد٢.
والكسر اختيار أبي حنفية، والفتح اختيار الشافعي، قاله في الكشاف٣.
الموضع "الرابع: أن تقع بعد فعل قسم ولا لام بعدها، كقوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
٢٣٥-
"أو تحلفي بربك العلي ... إني أبو ذيالك الصبي"
يروى بكسر "إن" وفتحها "فالكسر على الجواب" للقسم "والبصريون يوجبونه٤"، واختاره الزجاجي٥، "والفتح" عند الكسائي والبغداديين وأوجبه أبو عبد الله الطوال "بتقدير "على"" و"أن" مؤولة بمصدر معمول لفعل القسم، وهو "تحلفي"، بإسقاط الخافض، وعلى هذا ليست جوابًا للقسم؛ لأنها مفرد وجواب القسم لا يكون إلا جملة، وإذا امتنع أن يكون جوابًا للقسم كان الفعل إخبارًا بمعنى الطلب للقسم، لا قسما، إذ الأصل في الجواب أن يكون مذكورًا، لا محذوفًا، "ولو أضمر الفعل"، أي: فعل القسم، وذكرت اللام، أو لم تذكر، "أو ذكرت اللام" وذكر فعل القسم "تعين الكسر إجماعًا" من العرب "نحو: والله إن زيدًا" لقائم أو "قائم، وحلفت إن زيدًا لقائم" وحكى
стр. 319
ابن كيسان عن الكوفيين جواز الوجهين إذا أضمر الفعل، ولم تذكر اللام١، نحو: والله إن زيدًا قائم، وأنهم يفضلون الفتح في هذا المثال على الكسر، وأن أبا عبد الله الطوال منهم يوجبه، وهذا لا يقدح في دعوى الإجماع السابقة عن العرب، فإن الكوفيين، ومنهم الطوال لم يثبت لهم سماع بذلك.
الموضع "الخامس: أن تقع خبرًا عن قول ومخبرًا عنها بقول والقائل" للقولين شخص "واحد، نحو: قولي إني أحمد الله"، بفتح "إن" وكسرها، فإذا فتحت فالقول على حقيقته من المصدرية. أي: قولي حمد الله، وإذا كسرت فهو بمعنى المقول، أي: مقولي إني أحمد الله، قاله الموضح في حواشيه على التسهيل، ومن خطه نقلت. فالخبر على الأول مفرد، وعلى الثاني جملة، وهي مستغنية عن العائد؛ لأنها نفس المبتدأ في المعنى، على حد قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] قاله الموضح في شرح الشذور٢.
"ولو انتفى القول الأول فتحت وجوبًا، نحو: عملي أني أحمد الله" لأنها خبر عن اسم معنى غير قول، والتقدير: عملي حمد الله، وهذا مبني على انحصار العمل في الحمد، إذ لا يخبر بالخاص عن العام إلا إذا ادعي انحصاره فيه، نحو: صديقي زيد؛ لأن المحمول لا يكون أخص من الموضوع، ولا يقال: الحيوان إنسان، وإنما يكون أعم منه كالإنسان حيوان، أو مساويًا كالإنسان الناطق، ولا يجوز كسرها لعدم العائد على المبتدأ، وبذلك فارقت: اعتقاد زيد إنه حق، والجامع بينهما أن خبر "أن" فيهما يصدق على المبتدأ، إلا أن يقال باستغنائها عن العائد لكونها نفس المبتدأ في المعنى فيشكل الفرق، "ولو انتفى القول الثاني، أو" وجد القولان، ولكن "اختلف القائل" لهما "كسرت" وجوبًا فيهما، فالأول "نحو: قولي إني مؤمن"، فالقول بمعنى المقول مبتدأ وجملة "إني مؤمن" خبره، وهي نفسه في المعنى، فلا تحتاج لرابط، ولا يصح الفتح؛ لأن الإيمان لا يخبر به عن القول لاختلاف مورديهما، فإن الإيمان مورده الجنان، والقول مورده اللسان. "و" الثاني نحو: "قولي إن زيدًا يحمد الله"، فالكسر على ما مر قبله، ولا يصح الفتح لفساد المعنى، إذ لا يصح أن يقال: حمد زيد الله؛ لأن "حمد زيد" غير قائم بالمتكلم، فكيف يسنده المتكلم إلى نفسه.
стр. 320
الموضع "السادس: "أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] قرأ نافع وأبو بكر بالكسر١" في ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ﴾ . "أما على الاستئناف" فتكون جملة منقطعة عما قبلها، "أو بالعطف على جملة "إن" الأولى"، وهي: إن لك أن لا تجوع، وعليهما فلا محل لها من الإعراب. "و" قرأ "الباقون" من السبعة "بالفتح، بالعطف على أن لا تجوع"، من عطف المفرد على مثله، والتقدير: أن لك عدم الجوع، وعدم الظمأ.
واحترز بقوله: صالح للعطف عليه من نحو قولك: إن لي مالًا وإن عمرًا فاضل، فإن مالًا مفرد غير صالح للعطف عليه، إذ لا يصح أن يقال: أن لي مالًا وفضل عمرو، فيجب كسر "إن".
الموضع "السابع: أن تقع بعد حتى"، من حيث هي، ثم تارة يجب كسرها، وتارة يجب فتحها، وليس المراد جواز الفتح والكسر في محل واحد، كما مر قبله، "بل يختص الكسر بالابتدائية، نحو: مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه"؛ لأن "حتى" الابتدائية منزلة منزلة "ألا" الاستفتاحية، فتكسر "إن" بعدها "و" يختص "الفتح بالجارة والعاطفة٢، نحو عرفت أمورك حتى أنك فاضل"، فـ"حتى" في هذا المثال تصلح لأن تكون جارة، ولأن تكون عاطفة، و"أن" فيهما مفتوحة، فإن قدرت "حتى" جارة فـ"أن" في موضع جر بها، وإن قدرتها عاطفة فـ"أن" في موضع نصب، والتقدير على الجر: عرفت أمورك إلى فضلك، وعلى النصب: عرفت أمورك وفضلك، أما فتحتها في الجر فلدخول الجار عليها، وأما فتحها في النصب فلعطفها على المفعول.
الموضع "الثامن: أن تقع بعد "أما"" بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، "نحو: أما إنك فاضل، فالكسر على أنها" أي: "أما" "حرف استفتاح"، فتكون حرفًا واحدًا، "بمنزلة: ألا" الاستفتاحية، وتلك تكسر "إن" بعدها، "والفتح على أنها" مركبة من همزة الاستفهام، و"ما" العامة بمعنى شيء، وصارا بعد التركيب "بمعنى "حقا"" بتقديم الهمزة على "حقا" على الصواب، لا بإسقاطها، كما قال الموضح في الحواشي، وهو قليل، فالهمزة للاستفهام، و"ما" في محل نصب على الظرفية كما