تتمة المبتدأ، فتحتاج إلى خبر ولا يصح فتحها لفساد المعنى؛ لأن القول لا يخبر عن بالفضل، "وبخلاف: اعتقاد زيد إنه حق" فيجب كسرها أيضًا؛ لأن خبرها وهو "حق" صاقد على "الاعتقاد"، ولا مانع من وقوع جملة "أن" ومعموليها خبرًا عن المبتدأ؛ لأن اسم "أن" رابط بينهما، ولا يصح فتحها؛ لأنه يصير اعتقاد زيد كون اعتقاده حقا, وذلك لا يفيد؛ لأن الخبر لا بد أن يستفاد ما لا يستفاد من المبتدأ وسكت عن القسم الرابع. وهو أن تقع خبرًا عن قول، وخبرها صادق عليه نحم: قولي إنه حق، لظهور أنها إذا كانت تكسر مع أحدهما فمعهما أولى.
أو تقع "مجرورة بالحرف، نحو ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦] ؛ لأن المجرور بالحرف لا يكون إلا مفردًا.
أو تقع "مجرورة بالإضافة" إلى غير ظرف، "نحو: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] ، فـ" مثل" مضاف إلى "أنكم تنطقون"، و"ما" صلة، أي: مثل نطقكم؛ لأن المجرور بالمضاف حقه الإفراد إذا لم يكن المضاف ظرفًا يقتضي الجملة، فإن كان كذلك كسرت كما تقدم في "حيث و"إذ".
أو تقع تابعة لشيء من ذلك، وهي إما أن تكون "معطوفة على شيء من ذلك نحو: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٢] ، فـ" أني فضلتكم" معطوف على "نعمتي"، وهو مفعول به، والمعنى: اذكروا نعمتي وتفضيلي.
"أو مبدلة من شيء من ذلك، نحو: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ " [الأنفال: ٧] فـ"أنها لكم" بدل اشتمال من "إحدى" والتقدير: إحدى الطائفتين كونها لكم. فهذه الأماكن الثمانية يجب فتح "أن" فيها؛ لأنها أماكن المفردات، لا أماكن الجمل.
والثالث:" ما يجوز فيه الأمران، كسر "إن" وفتحها، باعتبارين مختلفين، وذلك "في" مواضع "تسع:
أحدها: أن تقع بعد فاء الجزاء، نحو:" ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ من قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ الآية" [الأنعام: ٥٤] قرئ بكسر "إن" وفتحها١، "فالكسر" على جعل ما بعد فاء الجزاء جملة تامة "على معنى: فهو غفور رحيم، والفتح"، على تقدير أن ومعموليها مبتدأ، خبره محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف،
стр. 317
"على معنى: فالغفران والرحمة، أي: حاصلان، أو فالحاصل الغفران والرحمة"، وإذا دار الأمر بين حذف أحد الجزأين فحذف المبتدأ أولى؛ لأنه المعهود في الجملة الجزائية "كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ﴾ [فصلت: ٤٩] ، أي: فهو يئوس".
الموضع "الثاني: أن تقع بعد "إذا" الفجائية" نسبة إلى الفجاءة، بضم الفاء والمد، والمراد بها: الهجوم والبغتة، تقول: فاجأني كذا، إذا هجم عليك بغتة، والغرض من الإتيان بها الدلالة على أن ما بعدها يحصل بعد وجود ما قبلها، على سبيل المفاجأة "كقوله": [من الطويل]
٢٣٤-
وكنت أرى زيدًا كما قيل سيدا ... "إذ أنه عبد القفا واللهازم"
أنشده سبيويه، ولم يعزه إلى أحد، وأرى بضم الهمزة بمعنى: أظن يتعدى إلى اثنين، وهما زيدًا وسيدًا، وما بينهما اعتراض، "فإذا أنه" يروى بكسر "إن" وفتحها، "فالكسر على معنى" الجملة، أي: "فإذا هو عبد القفا"، فالجملة مذكورة بتمامها، "والفتح على معنى" الإفراد، "فإذا العبودية، أي: حاصلة" على جعلها مبتدأ، حذف خبره١, "كما تقول: خرجت فإذا الأ سد" أي: حاضر، وذهب قوم إلى أن "إذا" هي الخبر، فعلى هذا لا حذف، واللهازم جمع لهزمة، بكسر اللام وبالزاي، وهو: طرف الحلقوم، وقيل: مضغة تحت الأذن، والمعنى: كنت أظن سيادته، فلما نظرت إلى قفاه ولهازمه تبين لي عبوديته وقيل المعنى: كنت أظنه سيدًا كما قيل فإذا هو ذليل خسيس عبد البطن، وخص هذين بالذكر؛ لأن القفا موضع الصفع، واللهازم موضع اللكز.
الموضع "الثالث: أن تقع في موضع التعليل نحو:" ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ، من قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] ، قرأ نافع والكسائي بالفتح على تقدير لام العلة" أي: لأنه٢ وحرف الجر إذا دخل على "أن" لفظًا أو تقديرًا فتح همزتها، فهو تعليل إفرادي، "و" قرأ "الباقون" من السبعة
стр. 318
"بالكسر على أنه تعليل مستأنف" بياني، فهو في المعنى جواب سؤال مقدر تضمنه ما قبله، فكأنهم لما قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ قيل لهم لم فعلتم ذلك، فقالوا: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ فهو تعليل جملي، "مثل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ " [التوبة: ١٠٣] بكسر "إن" على أنه تعليل مستأنف، "ومثله" في جواز الوجهين: "لبيك إن الحمد والنعمة لك" يروى بكسر "إن" وفتحها١ فالفتح على تقدير لام العلة، والكسر على أنه تعليل مستأنف، وهو أرجح؛ لأن الكلام حينئذ جملتان، لا جملة واحدة، وتكثير الجمل في مقام التعظيم مطلوب، قاله الموضح في شرح بانت سعاد٢.
والكسر اختيار أبي حنفية، والفتح اختيار الشافعي، قاله في الكشاف٣.
الموضع "الرابع: أن تقع بعد فعل قسم ولا لام بعدها، كقوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
٢٣٥-
"أو تحلفي بربك العلي ... إني أبو ذيالك الصبي"
يروى بكسر "إن" وفتحها "فالكسر على الجواب" للقسم "والبصريون يوجبونه٤"، واختاره الزجاجي٥، "والفتح" عند الكسائي والبغداديين وأوجبه أبو عبد الله الطوال "بتقدير "على"" و"أن" مؤولة بمصدر معمول لفعل القسم، وهو "تحلفي"، بإسقاط الخافض، وعلى هذا ليست جوابًا للقسم؛ لأنها مفرد وجواب القسم لا يكون إلا جملة، وإذا امتنع أن يكون جوابًا للقسم كان الفعل إخبارًا بمعنى الطلب للقسم، لا قسما، إذ الأصل في الجواب أن يكون مذكورًا، لا محذوفًا، "ولو أضمر الفعل"، أي: فعل القسم، وذكرت اللام، أو لم تذكر، "أو ذكرت اللام" وذكر فعل القسم "تعين الكسر إجماعًا" من العرب "نحو: والله إن زيدًا" لقائم أو "قائم، وحلفت إن زيدًا لقائم" وحكى
стр. 319
ابن كيسان عن الكوفيين جواز الوجهين إذا أضمر الفعل، ولم تذكر اللام١، نحو: والله إن زيدًا قائم، وأنهم يفضلون الفتح في هذا المثال على الكسر، وأن أبا عبد الله الطوال منهم يوجبه، وهذا لا يقدح في دعوى الإجماع السابقة عن العرب، فإن الكوفيين، ومنهم الطوال لم يثبت لهم سماع بذلك.
الموضع "الخامس: أن تقع خبرًا عن قول ومخبرًا عنها بقول والقائل" للقولين شخص "واحد، نحو: قولي إني أحمد الله"، بفتح "إن" وكسرها، فإذا فتحت فالقول على حقيقته من المصدرية. أي: قولي حمد الله، وإذا كسرت فهو بمعنى المقول، أي: مقولي إني أحمد الله، قاله الموضح في حواشيه على التسهيل، ومن خطه نقلت. فالخبر على الأول مفرد، وعلى الثاني جملة، وهي مستغنية عن العائد؛ لأنها نفس المبتدأ في المعنى، على حد قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] قاله الموضح في شرح الشذور٢.
"ولو انتفى القول الأول فتحت وجوبًا، نحو: عملي أني أحمد الله" لأنها خبر عن اسم معنى غير قول، والتقدير: عملي حمد الله، وهذا مبني على انحصار العمل في الحمد، إذ لا يخبر بالخاص عن العام إلا إذا ادعي انحصاره فيه، نحو: صديقي زيد؛ لأن المحمول لا يكون أخص من الموضوع، ولا يقال: الحيوان إنسان، وإنما يكون أعم منه كالإنسان حيوان، أو مساويًا كالإنسان الناطق، ولا يجوز كسرها لعدم العائد على المبتدأ، وبذلك فارقت: اعتقاد زيد إنه حق، والجامع بينهما أن خبر "أن" فيهما يصدق على المبتدأ، إلا أن يقال باستغنائها عن العائد لكونها نفس المبتدأ في المعنى فيشكل الفرق، "ولو انتفى القول الثاني، أو" وجد القولان، ولكن "اختلف القائل" لهما "كسرت" وجوبًا فيهما، فالأول "نحو: قولي إني مؤمن"، فالقول بمعنى المقول مبتدأ وجملة "إني مؤمن" خبره، وهي نفسه في المعنى، فلا تحتاج لرابط، ولا يصح الفتح؛ لأن الإيمان لا يخبر به عن القول لاختلاف مورديهما، فإن الإيمان مورده الجنان، والقول مورده اللسان. "و" الثاني نحو: "قولي إن زيدًا يحمد الله"، فالكسر على ما مر قبله، ولا يصح الفتح لفساد المعنى، إذ لا يصح أن يقال: حمد زيد الله؛ لأن "حمد زيد" غير قائم بالمتكلم، فكيف يسنده المتكلم إلى نفسه.
стр. 320
الموضع "السادس: "أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه نحو: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] قرأ نافع وأبو بكر بالكسر١" في ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ﴾ . "أما على الاستئناف" فتكون جملة منقطعة عما قبلها، "أو بالعطف على جملة "إن" الأولى"، وهي: إن لك أن لا تجوع، وعليهما فلا محل لها من الإعراب. "و" قرأ "الباقون" من السبعة "بالفتح، بالعطف على أن لا تجوع"، من عطف المفرد على مثله، والتقدير: أن لك عدم الجوع، وعدم الظمأ.
واحترز بقوله: صالح للعطف عليه من نحو قولك: إن لي مالًا وإن عمرًا فاضل، فإن مالًا مفرد غير صالح للعطف عليه، إذ لا يصح أن يقال: أن لي مالًا وفضل عمرو، فيجب كسر "إن".
الموضع "السابع: أن تقع بعد حتى"، من حيث هي، ثم تارة يجب كسرها، وتارة يجب فتحها، وليس المراد جواز الفتح والكسر في محل واحد، كما مر قبله، "بل يختص الكسر بالابتدائية، نحو: مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه"؛ لأن "حتى" الابتدائية منزلة منزلة "ألا" الاستفتاحية، فتكسر "إن" بعدها "و" يختص "الفتح بالجارة والعاطفة٢، نحو عرفت أمورك حتى أنك فاضل"، فـ"حتى" في هذا المثال تصلح لأن تكون جارة، ولأن تكون عاطفة، و"أن" فيهما مفتوحة، فإن قدرت "حتى" جارة فـ"أن" في موضع جر بها، وإن قدرتها عاطفة فـ"أن" في موضع نصب، والتقدير على الجر: عرفت أمورك إلى فضلك، وعلى النصب: عرفت أمورك وفضلك، أما فتحتها في الجر فلدخول الجار عليها، وأما فتحها في النصب فلعطفها على المفعول.
الموضع "الثامن: أن تقع بعد "أما"" بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، "نحو: أما إنك فاضل، فالكسر على أنها" أي: "أما" "حرف استفتاح"، فتكون حرفًا واحدًا، "بمنزلة: ألا" الاستفتاحية، وتلك تكسر "إن" بعدها، "والفتح على أنها" مركبة من همزة الاستفهام، و"ما" العامة بمعنى شيء، وصارا بعد التركيب "بمعنى "حقا"" بتقديم الهمزة على "حقا" على الصواب، لا بإسقاطها، كما قال الموضح في الحواشي، وهو قليل، فالهمزة للاستفهام، و"ما" في محل نصب على الظرفية كما
стр. 321
انتصب عليها "حقا" في قوله: [من الوافر]
٢٣٦-
أحقا أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق
تقديره: أفي حق، وقد جاء مصرحًا بـ"في"، كقوله: [من الوافر]
٢٣٧-
أفي حق مواساتي أخاكم ... ..............................
و"أن" وصلتها في موضع رفع على الابتداء عند سيبويه١ والجمهور، فهي بمنزلتها في: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ [فصلت: ٣٩] ، وعلى الفاعلية عند المبرد وابن مالك٢، فهمي بمنزلتها في ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١] وأصل ذلك أن "حقا" عند سيبويه ظرف مجازي بمنزلة "كيف١". ومصدر بدل من اللفظ بفعله عند المبرد٣، وابن مالك٤، ورده أبو حيان٥.
الموضع "التاسع: أن تقع بعد "لا جرم"، والغالب الفتح، نحو: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [النحل: ٢٣] فالفتح عند سيبويه٦ على أن "جرم: فعل ماض" معناه وجب، "و "أن" وصلتها فاعل، أي: وجب أن الله يعلم، و"لا" صلة" زائدة للتوكيد، ورده الفراء بأن "لا" لا تزاد في أول الكلام، وعلله في المغني٧ بأن زيادة الشيء
стр. 322
تفيد اطراحه، وكونه أول الكلام تفيد الاعتناء به، وجوابه ما أجاب به الفارسي عن القول بزيادة "لا" في "لا أقسم" من أن القرآن كالسورة الواحدة، وقال المرادي في شرح التسهيل: و"جرم" عند سيبويه بمعنى "حق"١ و"لا" رد لما قبلها، والوقف على "لا" و"أن" وما بعدها في موضع الفاعل. ا. هـ.
وما نقله المرادي عن سيبويه حكاه في المغني٢ عن قطرب، "و" الفتح "عند الفراء على أن "لا جرم" مركبة من حرف واسم٣، "بمنزلة: لا رجل"، في التركيب، "ومعناهما" بعد التركيب:"لا بد"، أو: لا محالة، "و "من"" أو "في" "بعدهما مقدرة"، أي: لا بد من أن الله يعلم، أو: لا محالة في أن الله يعلم.
ونقل ابن مالك٤ عن الفراء٥ أن "لا جرم" بمنزلة "حقا" وأصل جرم من الجرم بمعنى الكسب، "والكسر على ما حكاه الفراء" عن العرب "من أن بعضهم ينزلها منزلة اليمين فيقول: ولا جرم لآتينك"، ولا جرم لقد أحسنت، ولا جرم إنك ذاهب، بكسر "إن"، واقتصر الناظم من ذلك على قوله:
١٨١-
بعد إذا فجاءة أو قسم ... لا لام بعده بوجهين نمي
١٨٢-
مع تلو فا الجزا وذا يطرد ... في نحو خير القول إني أحمد
стр. 323
"فصل":
"وتدخل لام الابتداء بعد "إن" المكسورة"، نحو: إن زيدًا لقائم، وتسمى اللام المزحلقة، والمزحلفة، بالقاف والفاء، وبنو تميم يقولون: زحلوقة، بالقاف، وأهل العالية: زحلوقة، بالفاء، سميت بذلك لأن أصل: إن زيدًا لقائم؛ لأن زيدًا قائم، فكرهوا افتتاح الكلام بحرفين مؤكدين، فزحلقوا اللام دون "إن" لئلا يتقدم معمولها عليها، وإنما لم ندع أن الأصل إن لزيدًا قائم لئلا يحول ما له صدر الكلام بين العامل والمعمول، قاله في المغني١.
وإنما دخلت اللام بعد "إن" لأنها شبيهة بالقسم في التأكيد، قاله سيبويه٢.
وسميت لام الابتداء؛ لأنها لا تدخل على المبتدأ، وتدخل على غيره بعد "إن" المكسورة "على أربعة أشياء: أحدها الخبر، وذلك بثلاثة شروط: كونه مؤخرا" عن الاسم، "و" كونه "مثبتًا، و" كونه "غير ماض" فيشمل المفرد، "نحو: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] ، والجملة المصدرة بالمضارع، نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ﴾ [النمل: ٧٤] ، والجار والمجرور والظرف إذا لم يقدر متعلقهما، نحو: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وإن زيدًا لعندك أما إذا قدرا متعلقين بـ"استقر" لم تدخل عليهما اللام؛ لأن معمول الفعل الماضي لا تدخل اللام عليه، خلافًا للأخفش، كما سيأتي، والجملة الاسمية على قلة، نحو: " ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [الحجر: ٢٣] ، وليس "نحن" ضمير فصل، خلافًا للجرجاني، "بخلاف" نحو: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: ١٢] لتقدم الخبر "و" بخلاف "نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤] ، لنفي الخبر، وشذ قوله وهو أبو حرام بن غالب بن حارث
стр. 324
العكلي: [من الوافر]
٢٣٨-
"وأعلم إن تسليمًا وتركا ... للا متشابهان ولا سواء"
من وجهين، دخول اللام على الخبر المنفي، وتعليق الفعل عن العمل، حيث كسرت "إن"، وكان القياس أن لا يعلق؛ لأن الخبر المنفي ليس صالحًا للام، وسوغ ذلك كما قيل إنه شبه "لا" بـ "غير" فأدخل عليها اللام، والمعنى: أن التسليم على الناس وتركه ليسا متساويين، ولا قريبين من السواء، وكان حقه أن يقول: للا سواء ولا متشابهان، ولكنه اضطر فقد وأخر. و"سواء" في الأصل مصدر بمعنى المساواة. فلذلك صح وقوعه خبرًا عن اثنين. "وبخلاف نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ [البقرة: ١٣٢] , [آل عمران: ٣٣] لأن الخبر ماض، وإنما دخلت اللام على الخبر المفرد؛ لأنه أشبه المبتدأ، وعلى الفعل المضارع لشبهه بالاسم وعلى الظرف وعديله؛ لأنهما في حكم الاسم، وعلى الجملة الاسمية؛ لأنها مبتدأ وخبر، ولم تدخل على الخبر إذا تقدم لئلا يتوالى حرفا توكيد؛ ولا إذا كان منفيا لئلا يجمع بين متماثلين في نحو: لم ولن ولما ولا، وحمل الباقي عليه، ولم تدخل على الماضي لعدم شبهه بالاسم. "وأجاز الأخفش١ والفراء وتبعهما ابن مالك٢: إن زيدًا لنعم الرجل"، مما سلب الدلالة على الحدث والزمان، "و:" إن زيدًا "لعسى أن يقوم" مما دل على الزمان، وانتقل إلى الإنشاء؛ "لأن الفعل الجامد كالاسم"، ووافق الشاطبي على الأول دون الثاني، والفرق لائح.
"وأجاز الجمهور: إن زيد لقد قام، لشبه الماضي المقرون بـ"قد" بالمضارع لقرب زمانه من الحال"، والمضارع شبيه بالاسم. ومشابه المشابه مشابه، "وليس جواز ذلك مخصوصًا، بتقدير اللام للقسم لا للابتداء خلافًا لصاحب الترشيح"، بالراء، وهو خطاب الماردي، حيث ذهب إلى منع دخول لام الابتداء على "قد" وادعى أن هذه اللام الداخلة عليها لام جواب القسم، والتقدير: إن زيدًا والله لقد قام، ووافقه على ذلك محمد بن مسعود الغزني. بغين معجمة مفتوحة وزاي ساكنة فنون مكسورة، "وأما
стр. 325
نحو: إن زيد لقادم"، بدون "قد" ظاهرة "ففي الغُرّة" بضم العين المعجمة لابن الدهان "أن البصري والكوفي" اتفقا "على منعها إن قدرت" اللام "للابتداء"، لا للقسم، "والذي نحفظه" نحن وهو المنقول في المغني "أن الأخفش" من البصريين، "وهشامًا" الضرير من الكوفيين "أجازاها على إضمار "قد""، ومنعها الجمهور، وقالوا: إنما هي لام القسم، فمتى تقدم فعل القلب فتحت همزة "إن"، كـ: علمت أن زيدًا لقائم، والصواب عند الكسائي وهشام الكسر. ا. هـ. كلام المغني١, إلا أنه لم يذكر فيه الأخفش، بل ذكر بدله الكسائي.
ويشترط في الخبر أيضًا أن لا يكون جملة شرطية؛ لأن اللام لا تدخل على الشرط اتقافًا، ولا على الجواب خلافًا لابن الأنباري٢.
"الثاني" مما يدخل عليه اللام "معمول الخبر"؛ لأنه من تتمة الخبر، "وذلك بثلاثة شروط أيضًا، تقدمه على الخبر، وكونه غير حال، وكون الخبر صالحًا للام، نحو: إن زيدًا لعمرًا ضارب"، وقد تدخل على الخبر والحالة هذه دون معموله، نحو: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١] وقد تدخل عليهما معًا حكى الكسائي والفراء من كلام العرب: إني لبحمد الله لصالح٣، وذلك قليل أجازه المبرد، ومنعه الزجاج، وهو الصحيح٤، كما امتنع دخولها على الخبر إذا دخلت على الاسم المتأخر، أو على ضمير الفصل، "بخلاف: إن زيدًا جالس في الدار" لتأخر المعمول، ولام الابتداء تطلب الصدر ما أمكن، "و" بخلاف: "إن زيدًا راكبًا منطلق"؛ لأن المعمول حال، ولم يسمع دخول اللام عليه، ونص الأئمة على منعه، ومقتضى قياس دخولها على المفعول والظرف جوازه، وفرق ابن ولاد بينه وبين الظرف بأن لحال لا تكون خبرًا وهو حال، بخلاف الظرف فإنه يكون خبرًا وهو ظرف، ا. هـ.
والفرق بينه وبين المفعول أن المفعول قد ينوب على الفاعل، فيصير عمدة، وإذا تقدم على عامله صار مبتدأ، واللام تدخل على المبتدأ، نحو: إن زيدًا لطعامه مأكول، "و" بخلاف: "إن زيدًا عمرًا ضرب"؛ لأن الخبر غير صالح للام لكونه فعلًا ماضيًا، "خلافًا للأخفش" من البصريين، والفراء من الكوفيين "في هذه" المسألة الأخيرة، وحجتهما أن
стр. 326
المانع إنما قام بالخبر لكونه فعلًا ماضيًا، فأما المعمول فاسم، وحجة المانعين أن دخول اللام على المعمول فرع دخولها على العامل، فكيف يتفرع فرع من غير أصل١.
قال الموضح في الحواشي: وينبغي أن يجرى خلاف في: إن زيدًا طعامك قد أكل، فإن خطابًا يمنع دخول اللام على "قد"، وبعد فالقول عندي قول الأخفش والفراء بدليل إجازة البصريين: زيدًا عمرو ضرب، وزيدًا أجله أحرز، مع قولهم: لا يتقدم الخبر إذا كان فعلًا، فأجازوا تقديم المعمول، وإن لم يجيزوا تقديم العامل؛ لأن المانع من تقديم العامل الالتباس. وذلك معنى خاص به دون المعمول، فكذا هنا، ا. هـ.
"الثالث" مما تدخل عليه اللام بعد "إن" "الاسم، بشرط واحد وهو أن يتأخر"، إما "عن الخبر، نحو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [آل عمران: ١٣] ، "أو عن معموله"، أي: الخبر إذا كان المعمول ظرفًا، نحو: إن عندك لزيدًا مقيم، أو جار ومجرورًا، "نحو: إن في الدار لزيدًا جالس"، وما اختاره هنا من جواز تقديم معمول خبر "إن" على اسمها إذا كان ظرفًا أو جارا ومجرورًا منعه ابن عقيل في أول باب "إن" فقال٢: لا يجوز أن يقال: إن بك زيدًا واثق، وإن عندك زيدًا جالس، ثم قال: وأجازه بعضهم.
"الرابع" مما تدخل عليه اللام "الفصل"، وهو المسمى عند الكوفيين عمادًا؛ لأنه يعتمد عليه في تأدية المعنى، وضمير فعل عند البصريين؛ لأنه يفصل به بين الخبر والنعت٣، وإنما دخله اللام؛ لأنه مقو للخبر لرفعه توهم السامع كون الخبر تابعًا له، فنزل منزلة الجزء الأول من الخبر.
وقال ابن عصفور: لأنه اسم "إن" في المعنى، "وذلك بلا شرط" ولا التفات لمن يجيز تقديمه مع الخبر: هو القائم زيد، على أن الأصل: زيد هو القائم، فلذلك قال ابن عقيل٤:" وشرط ضمير الفصل أن يتوسط بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر "نحو: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ " [آل عمران: ٦٢] وهذا "إذا لم يعرب: هو" الداخلة عليه اللام مبتدأ، فإن أعرب "مبتدأ" وما بعده خبر، والجملة خبر "إن" فلا يكون ضمير فصل؛ لأن ضمير الفصل لا محل له من الإعراب على الصحيح.
стр. 327
والحاصل أن لام الابتداء تدخل بعد "إن" المكسورة على أربعة أشياء اثنين مؤخرين، واثنين متوسطين، فالمتأخران أحدهما الخبر إذا لم يكن منفيا ولا ماضيًا متصرفًا مجردًا من "قد"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٨٣-
وبعد ذات الكسر تصحب الخبر ... لام ابتداء نحو إني لوزر
١٨٤-
ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ... ولا من الأفعال ما كرضيا
١٨٥-
وقد يليها مع قد كإن ذا ... لقد سما على العدا مستحوذا
والثاني الاسم، وإليه أشار بقوله:
١٨٦-
................. ... ...... واسما حل قبله الخبر
وأما المتوسطان فهما معمول الخبر، وضمير الفصل، وإليهما أشار بقوله:
١٨٦-
وتصحب الواسط معمول الخبر ... والفصل.............................
стр. 328
"فصل":
"وتتصل "ما" الحرفية "الزائدة بهذه الأحرف" المتقدمة، "إلا "عسى" و"لا""، فإن "ما" لا تتصل بهما، وتتصل بـ"أن" و"إنّ" و"كأن" و"لكن" و"ليت" و"لعل" فتكفها عن العمل"، فيما دخلت عليه من الجمل الاسمية، "وتهيئها للدخول على الجمل" الفعلية، قال في المغني: وتسمى "ما" الكافة لعمل النصب والرفع. المتلوة بفعل مهيئة، فمثال "إن" و"أن"، "نحو: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ " [الأنبياء: ١٠٨] فـ"إن" في الأولى مكسورة، ومدخولها جملة فعلية، وفي الثانية مفتوحة، ومدخولها جملة اسمية، "و" مثال "كأن" نحو: " ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦] ، ومثال "لعل" قوله: [من الطويل]
٢٣٩
............... لعلما ... أضاءت لك النار الحمار المقيدا
ومثال "لكن" قوله: [من الطويل]
٢٤٠-
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... ..............................
"بخلاف قوله": [من الطويل]
٢٤١-
فوالله ما فارقتكم قاليا لكم ... "ولكن ما يقضى فسوف يكون"
стр. 329
فـ"ما" اسم مصول، لا زائدة، في موضع نصب على أنها اسم "لكن"، و"يقضى" صلتها، وجملة "فسوف" يكون" خبرها، ودخلت الفاء في خبرها؛ لأن "ما" الموصولة شبيهة باسم الشرط في الإبهام والعموم، فلذلك دخلت الفاء في الخبر كما تدخل في الجواب، نص عليه ابن مالك١، ويوجد في غالب النسخ إسقاط لفظة "بخلاف" وليس بجيد، والمعتمد إثباتها، وإنما أهملت هذه الأحرف لزوال اختصاصها، "إلا" "ليت"، فتبقى على اختصاصها" بالجمل الاسمية على الاصح، خلافًا لابن أبي الربيع وطاهر القزويني، فإنهما أجازا: ليتما قام زيد٢، "ويجوز إعمالها" استصحابًا للأصل حتى قيل بوجوبه، ويجوز إهمالها حملًا على أخواتها. "وقد روي بهما قوله"، وهو النابغة الذبياني: [من البسيط]
٢٤٢-
"قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا" ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
يروى برفع "الحمام" ونصبه، فالرفع على الإهمال، والنصب على الإعمال، وليس فيه رد على القائل بوجوب الإعمال؛ لأن سيبويه أجاز في رواية الرفع أن تكون "ما" موصولة اسم "ليت"، و"هذا" خبر مبتدأ محذوف، و"الحمام" نعت "هذا" و"لنا" خبر "ليت"، والتقدير: ليت الذي هو هذا الحمام لنا، وحذف صدر الصلة لطولها بالنعت، وقبل هذا البيت٣:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد
стр. 330
وبعده:
فحسبوه فألفوه كما ذكرت ... تسعًا وتسعين لم ينقص ولم يزد
فكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد
والمعنى: كن حكيمًا كفتاة الحي، وهي زرقاء اليمامة، قيل: وكانت تبصر مسيرة ثلاثة أيام، وقصتها أنها كانت لها قطاة، ثم مر بها سرب من القطا بين جبلين، فقالت١: [من الرجز]
ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه
ونصفه قديه ... تم الحمام ميه
فنظر فإذا القطا قد وقع في شبكة الصياد، فعده فإذا هو ست وستون قطاة ونصفها ثلاثة وثلاثون قطاة، فإذا ضم ذلك إلى قطاتها كان مئة.
ووصف "الحمام" بصفة الجمع، وهو شراع، وشراع يحتمل أوله الإعجام والإهمال، وبصفة الإفراد وهو وارد، والثمد بفتح المثلثة والميم: الماء القليل، وحسبوه من الحساب، وهو العد.
"وندر الإعمال في "إنما""، نحو: إنما زيدًا قائم، بنصب "زيد"، رواه الأخفش والكسائي عن العرب سماعًا٢، "وهل يمتنع قياس ذلك" المسموع "في الباقي٣ مطلقا" أي: في بقية أخوات "إن" الأربعة، وهي: "أن" المفتوحة، و"كأن" و"لعل" و"لكن" وقوفًا مع السماع، ذهب إلى ذلك سيبويه والأخفش٤، "أو يسوغ" القياس على ما سمع في "إنما" "مطلقًا" في بقية أخواتها الأربعة إذ لا فرق، ذهب إلى ذلك الزجاج٥ وابن السراج٦ والزمخشري٧ وابن مالك٨، أو يسوغ القياس "في "لعل"
стр. 331
فقط"،؛ لأنها أقرب إلى "ليت" حتى قال بعضهم في قراءة من قرأ: "فَأَطَّلِعَ"١ إن "لعل" ضمنت معنى "ليت" ذهب إلى ذلك الفراء٢، "أو" يسوغ "فيها"، أي: في "لعل"، "وفي: كأن" لقربهما من "ليت"؛ لأن الكلام معهما صار غير خبر، ذهب إلى ذلك ابن أبي الربيع٣، فهذه أقوال أربعة، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
١٨٧-
ووصل ما بذي الحروف مبطل ... إعمالها وقد يبقى العمل
стр. 332
"فصل":
"يعطف على أسماء هذه الأحرف بالنصب قبل مجيء الخبر، وبعده، كقوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
٢٤٣-
"إن الربيع الجود والخريفا ... يد أبي العباس والصيوفا"
فعطف "الخريف" بالنصب على "الربيع" قبل مجيء الخبر، وهو "يدا أبي العباس"، وعطف "الصيوف" جمع "صيف" على "الربيع" بالنصب، بعد مجيء الخبر، والجود: بفتح الجيم، وسكون الواو وبالدال: المطر الغزير، ويروى: الجون، بالنون، بلد الدال، والمراد به السحاب الأسود، والمراد بالربيع والخريف والصيوف: أمطارهن، والمراد بأبي العباس: السفاح أول الخلفاء من بني العباس، وهذا من عكس التشبيه، مبالغة لأن الغرض تشبيه يديه بالأمطار الواقعة في الربيع والخريف والصيف، وحقيقة التشبيه أن تقول: إن يدي أبي العباس الربيع والخريف والصيوف.
"ويعطف بالرفع" على محل أسماء هذه الأحرف "بشرطين، استكمال الخبر، وكون العامل "إن" أو"أن" أو "لكن"" مما لا يغير معنى الجملة، "نحو: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ " [التوبة: ٣] فعطف "رسوله" على محل الجلالة بعد استكمال الخبر وهو "بريء" و"قوله: [من الطويل]
٢٤٤-
فمن يك لم ينحب أبوه وأمه ... "فإن لنا الأم النجيبة والأب"
فعطف الأب على محل الأم؛ بعد استكمال الخبر وهو "لنا"، "وقوله": [من الطويل]
٢٤٥-
وما قصرت بي في التسامي خئولة ... "ولكن عَمِّي الطيب الأصل والخال"
стр. 333
فعطف "الخال" على محل "عمي" بعد استكمال الخبر وهو: "الطيب"، هذا معنى قول الناظم:
١٨٨-
وجائز رفعك معطوفا على ... منصوب إن بعد أن تستكملا
١٨٩-
وألحقت بإن لكن وأن ... .............................
وكون الرفع بالعطف على محل الاسم هو قول بعض البصريين الذين لا يشترطون وجود المحرز، أي: الطالب لذلك المحل، "والمحققون" من البصريين وهم الذين يشترطون ذلك مجمعون "على أن رفع ذلك ونحوه" ليس بالعطف على محل الاسم؛ "بل على أنه مبتدأ حذف خبره" لدلالة خبر الناسخ عليه فهو من عطف جملة على جملة، والتقدير: ورسوله بريء، ولنا الأب النجيب، والخال الطيب الأصل، "أو" على أنه مرفوع "بالعطف على ضمير الخبر" المستتر فيه، "وذلك إذا كان بينهما فاصل"، فهو من عطف مفرد على مفرد، فـ"رسوله" معطوف على الضمير المستتر في "بريء" أي: بريء هو ورسوله، لوجود الفصل بالجار والمجرور، وهو "من المشركين"، و"الأب" معطوف على الضمير المستتر في "لنا"، لوجود الفصل بالصفة والموصوف. و"الخال" معطوف على الضمير المستتر في "الطيب"، لوجود الفصل بالمضاف إليه، "لا" إن رفع ذلك ونحوه "بالعطف على محل الاسم مثل" عطف "امرأة" على محل "رجل" في قولك: "ما جاءني من رجل ولا امرأة، بالرفع،؛ لأن الرفع" لمحل "رجل" الفعل، وهو "جاءني" وهو باق ولا يمنعه عن العمل في محل "رجل" الحرف الزائد؛ لأن الزائد وجوده كلا وجود، والرفع لمحل الاسم "في مسألتنا" التي نحن فيها "الابتداء وقد زال بدخول الناسخ"، وهو "إن" و"أن" و"لكن" والعامل اللفظي يبطل عمل العامل المعنوي، فإن قيل: إذا كان هذا من عطف الجمل أو من العطف على الضمير عند المحققين فما وجه اشتراط استكمال الخبر، وكون العامل "إن و"أن" أو "لكن" عندهم، قلت: أما اشتراطهم الأول إذا كان من عطف الجمل فلئلا يلزم العطف قبل تمام المعطوف عليه، وإذا كان من العطف على الضمير فلئلا يلزم تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وأما اشتراطهم الثاني إذا كان من عطف الجمل فلئلا يلزم عطف الخبر على الإنشاء، وإن كان من العطف على الضمير فلم يحضرني عنه جواب شاف.
"ولم يشترط الكسائي و" تلميذه "الفراء الشرط الأول"، وهو استكمال الخبر "تمسكًا، بنحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ﴾ " [المائدة: ٦٩]
стр. 334
فعطف "الصابئون" بالرفع على محل "الذين آمنوا" قبل استكمال الخبر، وهو: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المائدة: ٦٩] وبقراءة بعضهم١ "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ" [الأحزاب: ٥٦] فعطف "وملائكته" بالرفع على محل الجلالة قبل استكمال الخبر وهو "يصلون"، "وبقوله" وهو ضابئ بالضاد المعجمة، وبعد الألف باء موحدة، فهمزة، ابن الحارث البرجمي، بضم الموحدة والجيم [من الطويل]
٢٤٦-
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... "فإني وقيار بها لغريب"
فعطف "قيار" بالرفع على محل ياء المتكلم قبل استكمال الخبر، وهو "لغريب"، وقيار؛ بقاف مفتوحة "وياء مثناة تحتية مشددة: اسم فرس عند الخليل، واسم جمل عند أبي زيد، وضمير "بها" لـ"المدينة"، و"قوله" وهو بشر بن أبي خازم، بالخاء والزاي المعجمتين: [من الوافر]
٢٤٧-
"وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة" ما بقينا في شقاق
فعطف "أنتم" وهو ضمير مرفوع على محل ضمير المتكلم المعظم نفسه، أو المشارك لغيره قبل استكمال الخبر، ولما كان ظاهر الاستدلال للكسائي، والفراء جميعًا والفراء لا يوافق على نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦] استدرك ذلك بقوله: "ولكن اشترط الفراء إذا لم يتقدم الخبر" على المعطوف بالرفع "خفاء إعراب الاسم٢، برفع الخبر، ونصب خفاء على المفعولية لاشتراط، والظرف مقدر من تأخير
стр. 335
تأخير، والأصل ولكن اشتراط الفراء خفاء إعراب الاسم إذا لم يتقدم الخبر، والتعبير بخفاء الإعراب أخذه من التسهيل١، واعترضه في حواشيه فقال: المعروف عن الفراء أنه يشترط بناء الاسم فلا يدخل في ذلك الاسم المقصور والمضاف للياء، ويدخلان في نقل المؤلف ا. هـ.
فيجيز إن كان الاسم مبنيا. "كما في بعض هذه الأدلة" المتقدمة، وهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦٩] الآية، والبيتان، ويمنع إن كان الاسم معربًا، كما في نحو: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتُهُ" [الأحزاب: ٥٦] بالرفع، لما فيه من تخالف المتعاطفين في الحركة اللفظية، ومقتضى هذه العلة أنه يجيز: إن الفتى وزيد ذاهبان، برفع "زيد"، لعدم اجتماع عاملين على المعمول واحد عملًا واحدًا؛ لأن الناسخ عامل في الخبر والمعطوف مبتدأ، وهو أيضًا عامل في الخبر فيجتمع على الخبر الواحد عاملان عملًا واحدًا، وذلك ممتنع، ولا يتأتى ذلك على مذهب الكسائي والفراء؛ لأن الرافع للخبر عندهما في باب "إن" هو رافعه في باب المبتدأ، إلا أنه مشكل، أما على القول بالترافع وهو المشهور عن الكوفيين؛ فلأن المبتدأ قد زال بدخول الناسخ، وأما على القول بأن رافعه الابتداء في باب "إن" كما نقله الشاطبي عنهم؛ فلأنه يلزم أن يكون الخبر في مسألتنا توارد عليه عاملان من جهة واحدة، وهما: الابتداء والمبتدأ، فما هربا منه وقعا فيه، "و" ما تمسكا به من الأدلة المتقدمة "خرجها المانعون" من البصريين "على التقديم والتأخير"، فيكون "من آمن" خبر "إن"، وخبر "الصابئون" محذوفًا، "أي: والصابئون" والنصارى "كذلك"، والأصل والله أعلم: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر، "أو على" تقدير "الحذف من الأول" لدلالة الثاني عليه، فيكون "من آمن" خبر "الصابئون" وخبر "إن" محذوفًا، "أي لدلالة خبر المبتدأ عليه، "كقوله:" [من الطويل]
٢٤٨-
خليلي هل طب "فإني وأنتما ... وإن لم تبوحا بالهوى دنفان"
فحذف خبر "إن" لدلالة خبر المبتدأ عليه، والتقدير: فإني دنف، أي: مريض
стр. 336
وأنتما دنفان، والتوجيه الأول أجود؛ لأن الحذف من الثاني لدلالة الأول أولى من العكس، قاله الموضح في شرح الشذور١.
"ويتعين التوجيه الأول" وهو التقديم والتأخير "في قوله:" [من الطويل]
٢٤٩-
.............. ... "فإني وقيار بها لغريب"
والأصل: فإني لغريب وقيار غريب، "ولا يتأتى فيه" التوجيه "الثاني" وهو الحذف من الأول "لأجل اللام" لأنها لا تدخل في خبر المبتدأ "إلا إن قدرت زائدة مثلها في قوله:" [من الرجز]
٢٥٠-
................. ... "أم الحليس لعجوز شهربه"
على الوجهين المتقدمين، فيصبح حينئذ التخريج الثاني، ويصير التقدير، فإني غريب، وقيار لغريب، "و" يتعين التوجيه "الثاني" وهو الحذف من الأول "في قوله تعالى": "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتُهُ" [الأحزاب: ٥٦] بالرفع، والتقدير: إن الله يصلي وملائكته يصلون "ولا يتأتى فيه" التوجيه "الأول" وهو التقديم والتأخير "لأجل الواو في "يصلون" لأنها للجماعة المشتركة، والله واحد لا شريك له "إلا إن قدرت" الواو "للتعظيم" للواحد "مثلها في: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] فإنها لتعظيم المخاطب على أحد الوجهين، فيتأتى الوجه الأول أيضا، ويصير التقدير: إن الله يصلي وملائكته يصلون.
فإن قلت: كلا الوجهين مشكل، فإن شرط الدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف معنى، أما على التوجيه الأول؛ فلأن الصلاة المذكورة بمعنى: الرحمة، والمحذوفة بمعنى الاستغفار، فلم ينطابقا، وأما على التوجيه الثاني فعلى العكس؛ لأن الصلاة المذكورة بمعنى: الاستغفار، والمحذوفة بمعنى: الرحمة، فلم يتطابقا أيضًا، قلت: أجاب عنه في المغني فقال: الصواب عندي أن الصلاة لغة بمعنى واحد وهو: العطف، ثم العطف بالنسبة إلى الله : الرحمة، وإلى الملائكة: الاستغفار، وإلى الآدميين: دعاء بعضهم لبعض. ا. هـ٢.
стр. 337
وموضع الخلاف حيث يتعين كون الخبر للاسمين جميعًا، إنك وزيد زاهبان، وأما نحو: إن زيدًا وعمرو في الدار، فجائز باتفاق، قاله الموضح في شرح بانت سعاد١، وهو مخالف لما أطلقه هنا.
"ولم يشترط الفراء الشرط الثاني٢" وهو كون العامل "إن" أو "أن" أو "لكن" "تمسكًا بنحو قوله"، وهو العجاج: [من الرجز]
٢٥١-
"يا ليتني وأنت يا لميس ... في بلد ليس بها أنيس"
فعطف "أنت" بكسر التاء، على اسم "ليت" وهو ياء المتكلم. "لميس" علم امرأة، و"أنيس" بمعنى: مؤنس.
"وخرج" بتشديد الراء والبناء للمفعول "على أن" "أنت" مبتدأ، حذف خبره، وأن "الأصل: وأنت معي، والجملة" من المبتدأ والخبر "حالية" متوسطة بين اسم "ليت" وخبرها، فالاسم ياء المتكلم، "والخبر قوله: "في بلد""، هذا تخريج ابن مالك٣، وهو على ندور أو قلة، فإن أكثر النحويين على امتناع تقديم الحال المنتصبة بالظرف, وهو ممن نص على ذلك، فقال في باب الحال:
٣٤٦-
............ وندر ... نحو سعيد مستقرا في هجر
وشرحه الموضح بقوله٤: يجوز توسط الحال بين المخبر عنه والمخبر به، ا. هـ.
والنادر والقليل لا يقاس عليهما، وأبعد منه قول بعضهم إن الأصل: أنا وأنت، "فأنا" مبتدأ، "وأنت" معطوف عليه، وخبر المبتدأ وما عطف عليه قوله: "في بلد"، فحذف "أنا"، ا. هـ.
стр. 338
"فصل":
"تخفف "إن" المكسورة لثقلها" بالتضعيف، "فيكثر إهمالها لزوال اختصاصها" بالأسماء، "نحو: "وَإِنْ كُلٌّ لَمَا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ" [يس: ٣٢] في قراءة من خفف "لما"١، فـ"كل" مبتدأ، واللام لام الابتداء، و"ما" زائدة و"جميع" خبر المبتدأ، و"محضرون" نعته، وجمع على المعنى "ويجوز إعمالها" على قلة "استصحابًا للأصل" وإليه يشير قول الناظم:
١٩٠-
وخففت إن فقل العمل ... .............................
"نحو: "وَإِنَ كُلًّا لَمَا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" [هود: ١١١] في قراءة نافع وابن كثير، بتخفيف "إن" و"لما"٢، فـ"إن" مخففة من الثقيلة، و"كلا" اسمها، واللام في "لما" لام الابتداء، و"ما" موصولة خبر "إن"، وليوفينهم" جواب لقسم محذوف، وجملة القسم وجوابه صلة "ما"، والتقدير: وإن كلا للذين والله ليوفينهم، وقيل: "ما" نكرة موصوفة، وجملة القسم وجوابه سدت مسد الصفة، والتقدير: وإن كلا لخلق موفي عمله.
"وتلزم لام الابتداء بعد" "إن" المكسورة المخففة "المهملة"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٩٠-
................ ... وتلزم اللام إذا ما تهمل
حال كون اللام "فارقة بين الإثبات والنفي" في نحو: إن زيد لقائم، بتخفيف "إن" ورفع زيد، فلولا اللام لتوهم "إن" نافية، وأن المعنى: ما زيد قائم، فلما جيء باللام ارتفع التوهم.
стр. 339
"و" هذه اللام "قد تغني عنها قرينة لفظية" بأن يكون الخبر منفيا، "نحو: إن زيد لن يقوم"، فيجب حينئذ ترك اللام كما في المغني١؛ لأن الخبر المنفي لا تدخل عليه لام الابتداء كما تقدم، "أو" قرينة "معنوية"، كأن يكون الكلام سيق للإثبات والمدح، "كقوله"، وهو الطرماح، واسمه الحكيم بن حكيم: [من الطويل]
٢٥٢-
أنا ابن أباة الضيم من آل مالك ... "وإن مالك كانت كرام المعادن"
ولو قال: لكانت باللام لجاز، ولكن استغنى عنها لكونه في مقام المدح، وتوهم النفي هنا ممتنع، وأباة جمع آب، كقضاة جمع قاض، من: أبى إذا امتنع، والضيم: الظلم، ومالك: اسم قبيلة، ولذلك قال: كانت، وصرفها مراعاة للحي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٩١-
وربما استغني عنها إن بدا ... ما ناطق أراده معتمدًا
"وإن ولي "إن" المكسورة المخففة" من الثقلية "فعل" فشرطه أن يكون ناسخًا، وربما تخلف، وشرط الناسخ كونه غير ناف، فخرج بذلك "ليس" وغير منفي، فخرج بذلك "زال" وأخواتها، ونحو: ما كان، وغير صلة، وغير صلة، فخرج بذلك "ما دام" ولا فرق في الناسخ بين الماضي والمضارع. إلا أنه "كثر كونه مضارعًا ناسخا نحو: " ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ " بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١] ، " ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء:١٨٦] وأكثر منه" أي: من المضارع "كونه ماضيًا ناسخا، نحو: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ، ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] وتدخل اللام حينئذ على الجزء الثاني من معمولي الناسخ، أما دخول "إن" على الناسخ؛ فلأنها كانت مختصة بالدخول على المبتدأن والخبر في الأصل, فلما خففت وضعت شبهها بالفعل جاز دخولها على الفعل، وكان من النواسخ لئلا تفارق محلها بالكلية، ألا ترى أنها إذا دخلت على الناسخ كان مقتضاها موفرًا عليها إذ الجزآن مذكوران بعد مدخولها، وأما دخول اللام في الجزء الثاني من معمولي الناسخ فكما تدخل على خبرها؛ لأنك إذا قلت: إن كان زيد لقائمًا فمعناه: إن زيد
стр. 340
لقائم، وأما كون الماضي أكثر من المضارع فلأن "إن" المشددة شبيهة به لفظًا ومعنى، فقصدوا بعد تخفيفها أن يدخلوها على مشابهها، ويقاس على النوعين اتفاقًا، ولا يجيز جمهور البصريين دخولها على غير الناسخ، "وندر" عند غيرهم "كونه ماضيًا غير ناسخ، كقوله" وهي الشخص المسمى عاتكة بنت زيد العدوية ابنة عم عمر بن الخطاب ﵁ تخاطب عمرو بن شرموز قاتل الزبير بن العوام١: [من الكامل]
٢٥٣-
"شلت يمينك إن قتلت لمسلما" ... حلت عليك عقوبة المتعمد
فأدخلت "إن" المخففة على "قتلت" وهو فعل ماض غير ناسخ، وشلت بفتح الشين المعجمة أفصح من ضمها إخبار ومعناه: الدعاء وحلت: وجبت، "ولا يقاس عليه"، أي: على "إن قتلت لمسلمًا": "إن قام لأنا، وإن قعد لزيد، خلافًا للأخفش" فإنه أجازه، كما قاله في المغني٢، وزاد هنا: "والكوفيين" وهو يوهم أنهم يجيزون "إن" المكسورة، ويدخلونها على: نحو قام وقعد، وذلك مخالف لقاعدتهم، فإنهم لا يجيزون تخفيف "إن" المكسورة، ويحملون على ما ورد من ذلك على أن "إن" نافية بمنزلة "ما"، واللام إيجابية بمنزلة "إلا"، قال في المغني في بحث اللام: وزعم الكوفيون أن اللام في ذلك كله بمعنى: "إلا" وأن "إن" قبلها نافية، ا. هـ.
ومما ورد من ذلك قراءة ابن مسعود: "قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ لَقَلِيلًا" [المؤمنون: ١١٤] حكاها الأخفش في معانيه٣، وقول امرأة من العرب: والذي يحلف به إن جاء لخاطبًا, فدخلت على الماضي غير الناسخ.
стр. 341
"وأندر منه كونه لا ماضيًا ولا ناسخًا"، بأن يكون مضارعًا غير ناسخ، إذ لا مشابهة بينهما "كقوله: إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه١" ولا يقاس عليه اتفاقًا.
والحاصل أن للام بعد "إن" المخففة ثلاث حالات، وجوب ذكرها, ووجوب تركها، وجواز الأمرين. فالأول نحو: إن زيد لقائم، بالإهمال، حيث لا قرينة، والثاني نحو: إن زيد لن يقوم. والثالث نحو: إن زيدًا قائم, بالإعمال، وما ذكره من أنها لام الابتداء قال به سيبويه٢ والأخفشان٣، وأكثر البغداديين٤، وذهب الفارسي٥ وابن جني٦ وابن أبي العافية وابن أبي الربيع٧ إلى أنها غيرها اجتلبت للفرق، وحجتهم أنها دختل على ما ليس مبتدأ ولا خبرًا في الأصل ولا راجعًا إلى الخبر كالمفعول في نحو: إن قتلت لمسلمًا، وأجيب بأن الفعل والفاعل بمنزلة الشيء الواحد، وهما حالّان محل الجزء الأول الذي يلي "إن" والمفعول كالجزء الثاني، فإن قتلت لمسلمًا بمنزلة إن قتيلك لمسلم، ثم إن كان الفعل ناسخًا دخلت على الخبر الذي كان خبرًا في الأصل، كما مر، وإن كان غير ناسخ، دخلت على معموله فاعلًا كان أو مفعولًا، ظاهرًا كان أو ضميرًا متصلًا، فإن تقدم عليها فعل من أفعال القلوب، نحو: قد علمنا إن كنت لموقنا، فإن قلنا اللام للابتداء كسرت "إن"، وإن قلنا لام أخرى اجتلبت للفرق فتحت، وإلى دخلوها على الفعل مطلقًا أشار الناظم بقوله:
١٩٢-
والفعل إن لم يك ناسخًا فلا ... تلفيه غالبًا بإن ذي موصلًا
стр. 342
"فصل":
"وتخفف "أن" المفتوحة، فيبقى العمل" وجوبًا لتحقق مقتضاها وهو إفادة معناها في الجملة الاسمية؛ لأنها أكثر مشابهة للفعل من المكسورة، "ولكن يجب في اسمها كونه مضمرًا" لا مظهرًا "محذوفًا" لا مذكورًا، سواء كان للشأن أم لا عند ابن مالك١؛ لأن "إن" المكسورة ثبت إعمالها في الظاهر دون المفتوحة، فقدروا عملها في المضمر لئلا ينحط الأقرب عن الأضعف.
وذهب ابن الحاجب إلى أنه لا يكون إلا للشأن، "فأما قوله" وهو الشخص المسمى جنوب أخت عمرو ذي الكلب: [من المتقارب]
٢٥٤-
"بأنك ربيع وغيث مريع ... وأنك هناك تكون الثمالا"
"فضرورة" من وجهين عند ابن الحاجب، كونه غير ضمير الشأن، وكونه مذكورًا، وعند ابن مالك من وجه واحد، وهو كونه مذكورًا.
والربيع ربيعان، ربيع الشهور، وربيع الأزمنة، فربيع الشهور بعد صفر، وربيع الأزمنة ربيعان، أولهما: ما يأتي فيه النور والكمأة، والثاني: ما تدرك فيه لثمار، والمراد هنا ربيع الأزمنة، والغيث: الكلأ أو المطر، والمريع: إما بفتح الميم إن جعل الغيث اسمًا للكلأ، أي: خصيب، وإما بضمها إن جعل اسمًا للمطر، يقال: مرع الوادي وأمرعه المطر، والثمال، بكسر الثاء المثلثة: الغياث خبر "تكون".
стр. 343
"ويجب في خبرها أن يكون جملة" لاشتمالها على المسند والمسند إليه محافظة على الأصل حيث لا يذكر الاسم. "ثم إن كانت" الجملة "اسمية أو فعلية فعلها جامد أو دعاء لم تحتج لفاصل" من الفواصل الآتية، أما مع الاسمية؛ فلأنه جيء بعد "أن" باسم وخبر، كما جيء بهما بعد المثقلة العاملة، وأما الفعل الجامد فهو كالاسم، والاسم غير محتاج إلى فصل. فكذلك ما أشبهه. وأما الدعاء فشبيه بالجامد في عدم التصرف، قاله الشاطبي فالاسمية "نحو: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " [يونس: ١] ، والفعلية، التي فعلها جامد. نحو: " ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ " [النجم: ٣٩] والفعلية التي فعلها دعاء إما بخبر نحو: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨] ، أو بشر نحو: " ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ " [النور: ٩] في قراءة من خفف "أن"١ وكسر الضاد في غير السبع، وهذا مبني على جواز تفسير ضمير الشأن بالجملة الإنشائية وهو الصحيح، ويجوز الفصل فيهن، "ويجب الفصل في غيرهن"، ليكون عوضًا مما حذفوا من أنه وهو أحد النونين والاسم، أو لئلا يلتبس بـ"أن"، المصدرية، ولما كان التغيير مع الفعل أكثر مما هو مع الاسم وما أشبهه عوض مع الفعل المتصرف ولم يعوض مع الاسم وما أشبهه، والفصل إما "بـ"قد"" لأنها تقرب الماضي من الحال، "نحو: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣] ، أو تنفيس نحم: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونَ﴾ [المزمل: ٢٠] ، أو نفي بـ"لا" أو "لن" أو "لم"" فقط، مثال "لا" "نحو: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ " [المائدة: ٧١] ، في قراءة من ضم نون "تكون"٢، و: حسبت أن لا قام زيد، ومثال "لن": " ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ " [البلد: ٥] ومثال "لم"، " ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٧] ، أو "لو" نحو:" ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا﴾ [الجن: ١٦] " ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ " [الأعراف: ١٠٠] ، وهو كثير.
والحاصل أن الفعل إما مثبت أو منفي، وكل منهما إما ماض، أو مضارع فالمثبت إن كان ماضيًا ففاصله "قد"، وإن كان مضارعًا ففاصله حرف التنفيس، والمنفي إن كان ماضيًا ففاصله "لا" فقط، وإن كان مضارعًا ففاصله "لن" أو "لم" أو "لا"، وأما "لو"
стр. 344
فإنها في الامتناع شبيهة بالنافي فتدخل على الماضي والمضارع كما مثلنا، "ويندر تركه"، أي: الفصل بواحد منها، "كقوله": [من الخفيف] .
٢٥٥-
"علموا أن يؤملون فجادوا" ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل
والقياس: عملوا أن سيؤملون، وسؤل: بمعنى مسئول كقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ [يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦] أي: قد أوتيت مسئولك] ١، "ولم يذكر "لو" في الفواصل إلا قليل من النحويين"، هذا شرح قول الناظم:
١٩٣-
وإن تخفف أن فاسمها استكن ... والخبر اجعل جملة من بعد أن
١٩٤-
وإن يكن فعلًا ولم يكن دعا ... ولم يكن تصريفه ممتنعا
١٩٥-
فالأحسن الفصل بقد أو نفي أو ... تنفيس أو لو وقيل ذكر لو
"وقول ابن الناظم: إن الفصل بها"، أي: بـ"لو" "قليل، وهم" بفتح الهاء، أي: غلط "منه على أبيه" كأن الموضح وقع له النسخة التي فيها: وربما فصلت بـ"لو" فاعترض عليها؛ وإلا فالذي قاله ابن الناظم في غالب النسخ ما نصه٢: وأكثر النحويين لم يذكروا الفصل بين "أن" المخففة وبين الفعل بـ"لو" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٩٥-
................ ... ........... وقليل ذكر لو
انتهى، وهو مساو لنص الموضح، فلينظر.
стр. 345
"فصل":
"وتخفف "كأن" فيبقى أيضًا إعمالها" استصحابًا للأصل، "لكن يجوز ثبوت اسمها وإفراد خبرها" وإلى ثبوت اسمها وحذفه أشار الناظم بقوله:
١٩٦-
وخففت كأن أيضًا فنوي ... منصوبها وثابتًا أيضًا روي
"كقوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
٢٥٦-
"كأن وريديه رشاء خلب"
فـ "وريديه" وهما عرقان في الرقبة اسم "كأن"، و"رشاء" بكسر الراء والمد: خبرها، وهو مفرد لا مثنى، وصحح الصغاني أنه مثنى بالغين المعجمة، والرشاء: الحبل، والخلب: بضم الخاء المعجمة: الليف، قاله أبو إسحاق، وقال غيره الخلب: البئر البعيدة القعر.
"وقوله" وهو باغث، بالموحدة فالمعجمة فالمثلثة، ابن صريم، بالتصغير اليشكري، قاله النحاس١، وقال السيرافي٢: هو أرقم بن علباء، وقال صاحب المنقد هو علباء بن أرقم اليشكري يذكر امرأته ويمدحها: [من الطويل]
٢٥٧-
ويومًا توافينا بوجه مقسم ... "كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم"
стр. 346
يروى بالرفع" لـ"ظبية" على أنها خبر "كأن" "على حذف الاسم، أي: كأنها" ظبية، ويروى بالنصب لظبية على أنها اسم "كأن" "على حذف الخبر، أي: كأن مكانها" ظبية، "و" يروى "بالجر" لظبية "على أن الأصل كظبية، وزيد "أن" بينهما"، أي: بين الكاف ومجرورها، وعليهن فجملة "تعطو" صفة لـ"ظبية"، والموافاة الإتيان، والمقسم بضم الميم وفتح القال والسين المهملة مع التشديد: المحسن من القسنام وهو الحسن، يقال: فلان قسيم الوجه، ومقسم الوجه، أي: حسنه، وتعطو: أي تتناول، وعداه بـ"إلى" لتضمنه معنى: تميل، والوارق: اسم فاعل من ورق الشجر: يرق، مثل: أورق، أي: صار ذا ورق، ويرى ناضر السلم، والنضرة الحسن والبهجة، والسلم بفتحتين شجر العضاه له شوك.
"وإذا حذف الاسم وكان الخبر جملة اسمية لم يحتج لفاصل" كما تقدم تعليله في "أن" المخففة "كقوله:" [من الهزج]
٢٥٨-
ووجه مشرق اللون ... "كأن ثدياه حقان"
فـ "ثدياه حقان" مبتدأ وخبر في موضع رفع خبر "كأن"، واسمها ضمير شأن محذوف، أي: كأنه. وهذا البيت رواه سيبويه هكذا١ ورواه غيره:
وصدر مشرق اللون ... ...................
стр. 347
والمعنى على الأول: رب وجه يلوح لونه، وثديا صاحبه كحقين في الاستدارة.
"وإن كانت الجملة فعلية فصلت بـ"لم"" في المضارع المنفي. "أو "قد"" في الماضي المثبت، فالأول "نحو: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ " [يونس: ٢٤] ، "و" الثاني "نحو قوله": [من الخفيف]
٢٥٩-
"لا يهولنك اصطلاء لظى الحر ... ب فمحذورها كأن قد ألما"
ففصل بين "كأن" و"ألما" بـ"قد" والهول: الفزع، يقال: هاله الأمر يهوله إذا أفزعه، ولظى الحرب: نارها، والاصطلاء، من اصطليت بالنار: تدفأت بها، والمحذور: من الحذر، وهو: ما يخاف منه، وألم: ماض من الإلمام، وهو النزول: ألم به أمر إذا نزل به.
"مسألة:
وتخفف "لكن" فتهمل وجوبًا" لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية، وليباين لفظها لفظ الفعل، "نحو:" ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ "وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] ، وعن يونس والأخفش جواز الإعمال" قياسًا على "أن" ولم يسمع من العرب: ما قام زيد لكن عمرًا قائم، بنصب عمرو، وما ورد عن يونس أنه حكى فيها العمل فهي رواية لا تعرف والفرق بينها وبين "إن" زوال الاختصاص.
стр. 348
باب "لا" العاملة عمل "إن" المشددة
مدخل
...
باب "لا" العاملة عمل "إن" المشددة:
وتسمى "لا"١ التبرئة دون غيرها من أحرف النفي، وحق "لا" التبرئة أن تصدق على "لا" النافية كائنة ما كانت؛ لأن كل من برأته فقد نفيت عنه شيئًا، ولكنهم خصوها بالعاملة عمل "إن" فإن التبرئة فيها أمكن منها في غيرها، لعمومها بالتنصيص، وتسمى النافية للجنس، وأفردت بباب لطول الكلام عليها.
قال أبو البقاء وإنما عملت "لا"١ عمل "إن" لمشابهتها لها من أربعة أوجه.
أحدها: أن كلا منهما يدخل على الجملة الاسمية.
الثاني: أن كلا منهما للتأكيد، فـ"لا" لتأكيد النفي، و"إن" لتأكيد الإثبات.
والثالث: أن "لا" نقيضة "إن"، والشيء يحمل على نقيضه، كما يحمل على نظيره.
والرابع: أن كلا منهما له صدر الكلام، ولكون "لا" محمولة على "إن" في العمل انحطت درجتها عن "إن" في أمور:
منها أن اسم "لا" لا يكون إلا مظهرًا، واسم "إن" يكون مظهرًا ومضمرًا.
ومنها أن اسم "لا" لا يكون إلا نكرة، واسم "إن" يكون نكرة ومعرفة.
ومنها أن "لا" لا يجوز أن يتقدم خبرها على اسمها إذا كان ظرفًا أو مجرورًا ويجوز في "إن".
ومنها أن اسم "لا" لا ينون، واسم "إن" ينون.
ومنها أن اسم "لا" المفرد مختلف في إعرابه وبنائه، واسم "إن" لا خلاف في إعرابه، ا. هـ.
стр. 349
ومنها أن "إن" تعمل بلا شرط، و"لا" لا تعمل إلا بشرط، "وشرطها أن تكون نافية" لا زائدة. "وأن يكون المنفي" بها "الجنس" بأسره، "وأن يكون نفيه نصا" وذلك إذا دخلت على نكرة، وأريد بها النفي العام، وقدر فيه "من" الاستغراقية؛ لأن "من" هي الموضوعة للجنس، فإذا قلت: لا رجل في الدار، وأنت تريد نفي الجنس كله لم يصح إلا بتقدير "من"، ولو لم ترد "من" لكنت نافيًا رجلًا واحدا, وجاز أن يكون في الدار اثنان فأكثر, ومن هنا قال النحويون إن "لا رجل" جواب لمن قال: هل من رجل في الدار؟، فهو سائل عن كل الجنس، قاله أبو البقاء في شرح لمع ابن جني "وأن لا يدخل عليها جار"، وهو المراد بقولهم أن لا تقع بين عامل ومعمول، "وأن يكون اسمها نكرة" لأنه على تقدير "من" كما تقدم، و"من" الاستغراقية مختصة بالنكرات، وأن تكون النكرة "متصلة بها"، خلافًا لأبي عثمان فإنه أجاز فيها أن تعمل مع فصلها، ولكنه لا يبنى، فقد جاء في السعة، لا منها بد، بالبناء مع الفصل، وليس مما يعول عليه، قاله الموضح في الحواشي، "وأن يكون خبرها نكرة" على الأصل، فجملة الشروط سبعة, أربعة راجعة إلى "لا" واثنان إلى اسمها، وواحد إلى خبرها، وستأتي محترزاتها.
وإذا اجتمعت هذه الشروط عملت "لا" عمل "إن" من نصب الاسم ورفع الخبر، "نحو: لا غلام سفر حاضر"، فـ"غلام سفر" اسمها، وهو منصوب، و"حاضر" خبرها، وهو مرفوعًا بها اتفاقًا؛ لأنها غير مركبة، وأما إذا ركبت فعن سيبويه أنها لا تعمل في الخبر، بل النكرة مع "لا" في موضع رفع بالابتداء والخبر خبر المبتدأ، مرفوع بما كان مرفوعًا به قبل دخول "لا"، والأصح عند الناظم أنه مرفوع بها أيضًا، وهو مذهب الأخفش والمازني والمبرد١، "فإن كانت غير نافية لم تعمل" في الأسماء شيء "وشذ إعمال" "لا" "الزائدة في قوله" وهو الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة الفزاري: [من البسيط]
٢٦٠-
"لو لم تكن غطفان لا ذنوب بها ... إذن للام ذوو أحسابها عمرا"
فأعمل "لا" الزائدة، "وذنوب" اسمها: و"لها" خبرها، وإنما عملت مع
стр. 350
الزيادة؛ لأنها أشبهت النافية لفظًا وصورة، فلوحظ فيها جانب اللفظ دون جانب المعنى، والدليل على زيادتها أن المعنى المستفاد مستفاد من "لو" لأن "لو" شرطها ممتنع، والغرض أنه منفي بـ"لم"، وامتناع النفي إثبات، فدل على إثبات الذنوب لغطفان، لا نفيها عنها، وإذا ثبتت الذنوب امتنع اللوم؛ لأن جواب "لو" إذا كان مثبتًا في نفسه يكون منفيا بعد دخول "لو"، وإنما شذ عمل الزائدة؛ لأنها غير مختصة، وشرط العمل الاختصاص، فإن قيل: "لا" النافية غير مختصة مع أنها عاملة، فالجواب ما قاله المرادي أن "لا" إذا قصد به النفي العام اختصت بالاسم فليست إذن الداخلة على الفعل "ولو كانت" "لا" لغير نفي الجنس بل "لنفي الوحدة عملت عمل "ليس""، فترفع الاسم وتنصب الخبر "نحو: لا رجل قائمًا"، فالمنفي هنا الواحد دون الجنس إذا قلت عقبه: "بل رجلان"، فيكون المنفي واحدًا، والمثبت اثنان، "وكذا" تعمل عمل "ليس" "أن أريد بها نفي الجنس لا على سبيل التنصيص" بل على سبيل الظهور، نحو: لا رجل قائمًا، ويمتنع أن يقال بعده: بل رجلان.
والحاصل أن "لا" إذا عملت عمل "ليس" احتمل نفي الواحد ونفي الجنس، وهو الظاهر؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم، فإذا أردت نفي الواحد ميزته بقولك عقبه: بل رجلان، وإذا أردت نفي الجنس لم تعقبه بشيء، بل لا يجوز أن تقول بعده: بل رجلان، هذا حاصل كلام ابن عقيل١.
"وإن" وقعت٢ "لا" بين عامل ومعمول كما إذا "دخل علها الخافض" فإنها لا تعمل شيئًا، "وخفض" الخافض "النكرة" لقوته؛ ولأن "لا" لا تحول بين العامل ومعموله "نحو: جئت بلا زاد، وغضبت من لا شيء" بالجر فيهما بحرف الجر.
وعن الكوفيين أن "لا" هنا اسم بمعنى غير، وأن الخافض دخل عليها نفسها، وأن ما بعدها خفض بالإضافة، وغيرهم يراها حرفًا، ويسميها زائدة، ويعنون بذلك أنها معترضة بين شيئين مطالبين، وإن لم يصح أصل المعنى بإسقاطها، "وشذ: جئت بلا شيء, بالفتح" على الإعمال والتركيب، ووجهه أن الجار دخل بعد التركيب نحو: لا خمسة عشر، وليس حرف الجر معلقًا، بل "لا" وما ركب معها في موضع جر؛ لأنهما جريا مجرى الاسم الواحد، قاله ابن جني في كتاب القد. وقال في الخاطريات إن "لا" نصبت
стр. 351
"شيء"، ولا خبر لها؛ لأنها صارت فضلة نقله عن أبي علي وأقره١، "وإن كان الاسم معرفة أو منفصلًا منها أهملت" وجوبًا "ووجب عند غير المبرد وابن كيسان تكرارها" في الصورتين مع العاطف ليكون تكرارها عوضًا من مصاحبة ذي العموم٢، أو لأن العرب جعلتها في جواب من سأل بالهمزة، وأم، والسؤال بهما لا بد فيه من العطف. فكذلك الجواب، "نحو: لا زيد في الدار ولا عمرو، ونحو: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ" وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] . "وإنما لم تتكرر" مع المعرفة "في قولهم: لا نولك أن تفعل، و" في "قوله": [من البسيط]
٢٦١-
"أشاء ما شئت حتى لا أزال لما ... لا أنت شائية من شأننا شاني"
"للضرورة في هذا" البيت، واللام في الضرورة للتعليل متعلقة بـ"لم" تتكرر، والمعنى: وإنما لم تتكرر في "لا أنت" للضرورة، و"أشاء" مضارع شاء مسند للمتكلم، و"ما" موصول في موضع نصب على المفعولية بـ"أشاء"، وشئت بكسر التاء صلة "ما"، والعائد محذوف، "وحتى" بمعنى: إلى، و"أزال" مضارع زال، منصوب بـ"أن" مضمرة بعد حتى وجوبًا، واسم "أزال" مستتر فيه وجوبًا، وخبره "شاني" آخر البيت بنون من الشنآن، وهو: البغض، وقف عليه بحذف الألف على لغة ربيعة، و"لما" متعلق به، و"ما" موصول اسمي، و"لا" نافية، و"أنت" مبتدأ، و"شائية" من المشيئة خبره، و"من شأننا" متعلق به، والجملة صلة "ما"، والعائد محذوف، والمعنى: أن أشاء الذي شئته حتى لا أزال شانيًا للذي لا أنت شائيته من شاننا، أي: أمرنا، "ولتأول" معطوف على الضرورة "لا نولك" بلا ينبغي لك"، "ولا" إذا دخلت على الفعل لا يجب تكرارها؛ لأنه في معنى النكرة، "ونولك" بتفح النون وسكون الواو من التنويل والنوال وهو: العطية مبتدأ، وأن تفعل سد مسد خبره كما في الوصف مع مرفوعه قاله الخضراوي.
وقال أبو حيان: والذي أذهبت إليه أنه خبر لا فاعل؛ لأن "نولك" ليس بوصف.
وقال الموضح: لا أدري كيف يتأتى أن يقول هذا مع قوله: إن "لا نولك" مؤول بلا ينبغي لك، ولم ينزل كتاب بأن المرفوع الساد مسد الخبر لا يرفع إلا بالوصف ا. هـ.
стр. 352
وإذا قلنا بالأول فالظاهر أن المرفوع هنا نائب عن الفاعل. قال الرضي: والنول مصدر بمعنى: التناول وهو هنا بمعنى المفعول، أي: ليس متناولك هذا الفعل، أي: لا ينبغي لك أن تتناوله ا. هـ. فسقط بالتأويل في المثال ودعوى الضرورة في البيت ما احتج به المبرد١ وابن كيسان على عدم وجوب تكرار "لا" إذا دخلت على معرفة، وإلى إعمال "لا" عمل "إن" أشار الناظم بقوله:
١٩٧-
عمل إن اجعل للا في نكره ... مفردة جاءتك أو مكرره
стр. 353
"فصل":
"وإذا كان اسمها مفردًا، أي: غير مضاف ولا شبيه به بني على الفتح إن كان مفردًا" لفظًا ومعنى أو لفظًا لا معنى. "أو جمع تكسير" لمذكر أو مؤنث، فالأول "نحو: لا رجل"، والثاني نحو: لا قوم ولا شجر. "و" الثالث نحو: "لا رجال" ولا هنود، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٩٩-
وركب المفرد فاتحًا........ ... ...................................
"و" بني "عليه" أي: على الفتح "أو على الكسر إن كان جمعًا بألف وتاء" مزيدتين، "كقوله" هو سلامة بن جندل يبكي على فراق الشباب، لا ابن مقبل، خلافًا لابن عصفور: [من البسيط]
٢٦٢-
"إن الشباب الذي مجد عواقبه ... فيه نلذ ولا لذات للشيب"
بكسر التاء وفتحها، "روى بهما" في "لذات" جمع لذة، وهو اسم "لا" و"للشيب" بفتح الشين خبرها، وفي الجمع بالألف والتاء إذا كان اسم "لا" أربعة أقوال:
أحدها: أنه يجعل في البناء كما هو في الإعراب، فكما أن فتحته في الإعراب كسرة، فكذلك في البناء قاله بان عذرة، وهو قول الأكثيرين. "و" قال أبو الفتح ابن جني "في الخصائص١" ما حاصله "أنه لا يجيز فتحه بصري إلا أبو عثمان" المازني، وعبارة الخصائص: لم يجز أصحابنا الفتح إلا شيئًا قياسه أبو عثمان، والصواب الكسر بغير تنوين، ا. هـ.
стр. 354
الثاني: كالأول إلا أنه ينون؛ لأن تنوينه كون "مسلمين"، لا كتنوين "زيد" فلا ينافي البناء، جزم به ابن مالك في سبك المنظوم، ونقله ابن الدهان عن قوم، وتابعه ابن خروف.
الثالث: أنه يفتح؛ لأن الحركة ليست له، بل لمجموع المركب، وهو "لا" والاسم، قاله المازني والفارسي١، وهو حسن في القياس، ورجحه الموضح في المغني وشرح الشواهد.
الرابع: أنه يجوز الفتح والكسر بغير تنوين، وهو الصحيح، واقتصر عليه هنا، وقال بعض المغاربة: جواز الأمرين مبني على الخلاف في اسم "لا".
فمن قال هي إعراب وحذف تنوينه للتخفيف كالزجاج، والجرمي والرماني والكوفيين كسر٢، ومن قال هي بناء كجمهور البصريين فتح٣، "و" بني "على الياء إن كان مثنى أو مجموعًا على حده"، أي: على حد المثنى وطريقته في إعرابه بالحروف وسلامة واحده واختتامه بنون زائدة تحذف للإضافة "كقوله: [من الطويل]
٢٦٣-
"تعز فلا إلفين بالعيش متعا" ... ولكن لوراد المنون تتابع
فـ"إلفين" بكسر الهمزة تثنية: إلف، اسم "لا" مبني على الياء، "ومتعا" بالبناء للمفعول خبرها، و"تعز" أمر من التعزية، وهي الحمل على الصبر عند المصيبة، و"المنون": الموت، و"وراده" الذين يردونه، وهو جمع وارد، "وقوله: [من الخفيف]
٢٦٤-
"يحشر الناس لا بنين ولا آ ... باء إلا وقد عنتهم شئون"
فـ"بنين" بكسر النون الأولى جمع ابن، اسم "لا" مبني على الياء، ولا آباء جمع أب، عطف على ما قبله "إلا" حرف إيجاب، وقد عنتهم بفتح العين المهملة والنون
стр. 355
وسكون التاء المثناة فوق بمعنى: أهمتهم، وشئون: جمع شأن وهو الخطب فاعل "عنتهم"، والجملة في موضع رفع خبر "لا"، ولا يضر اقترانه بالواو؛ ولأن خبر الناسخ يجوز اقترانه بالواو، كقول الحماسي: [من الهزج]
٢٦٥-
................. ... فأمسى وهو عريان
وقولهم: ما أحد إلا وله نفس أمارة١, وليست حالا خلافا للعيني٢؛ لأن واو الحال لا تدخل على الماضي التالي "إلا" كما قال في الموضح في باب الحال٣، وذهب المبرد٤ إلى أن المثنى والمجموع على حده في باب "لا" معربان بناء على أن التثنية والجمع عارضا التضمن أو التركيب في علة البناء، ولو صح ذلك لزم الإعراب في: يا زيدان ويا زيدون ولا قائل به والقول بالبناء في اسم "لا" المفرد اختلف في علته. "قيل: وعلة البناء" فيه "تضمن معنى "من"" الاستغراقية "بدليل ظهورها في قوله:" [من الطويل]
٢٦٦-
فقام يذود الناس عنها بسيفه ... "وقال ألا لا من سبيل إلى هند"
واختار هذا القول ابن عصفور، وعلله بأن تركيب الاسم مع الحرف قليل، والبناء للتضمن كثير، واعترضه ابن الضائع بأن المتضمن لمعنى "من" هو "لا" نفسها، لا الاسم بعدها، "وقيل"، علة البناء "تركيب الاسم مع الحرف" كما في تركيب الاسمين، "كخمسة عشر"، هذا قول سيبويه والجماعة٥، ويؤيده أنهم إذا فصلوا