"شيء"، ولا خبر لها؛ لأنها صارت فضلة نقله عن أبي علي وأقره١، "وإن كان الاسم معرفة أو منفصلًا منها أهملت" وجوبًا "ووجب عند غير المبرد وابن كيسان تكرارها" في الصورتين مع العاطف ليكون تكرارها عوضًا من مصاحبة ذي العموم٢، أو لأن العرب جعلتها في جواب من سأل بالهمزة، وأم، والسؤال بهما لا بد فيه من العطف. فكذلك الجواب، "نحو: لا زيد في الدار ولا عمرو، ونحو: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ" وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] . "وإنما لم تتكرر" مع المعرفة "في قولهم: لا نولك أن تفعل، و" في "قوله": [من البسيط]
٢٦١-
"أشاء ما شئت حتى لا أزال لما ... لا أنت شائية من شأننا شاني"
"للضرورة في هذا" البيت، واللام في الضرورة للتعليل متعلقة بـ"لم" تتكرر، والمعنى: وإنما لم تتكرر في "لا أنت" للضرورة، و"أشاء" مضارع شاء مسند للمتكلم، و"ما" موصول في موضع نصب على المفعولية بـ"أشاء"، وشئت بكسر التاء صلة "ما"، والعائد محذوف، "وحتى" بمعنى: إلى، و"أزال" مضارع زال، منصوب بـ"أن" مضمرة بعد حتى وجوبًا، واسم "أزال" مستتر فيه وجوبًا، وخبره "شاني" آخر البيت بنون من الشنآن، وهو: البغض، وقف عليه بحذف الألف على لغة ربيعة، و"لما" متعلق به، و"ما" موصول اسمي، و"لا" نافية، و"أنت" مبتدأ، و"شائية" من المشيئة خبره، و"من شأننا" متعلق به، والجملة صلة "ما"، والعائد محذوف، والمعنى: أن أشاء الذي شئته حتى لا أزال شانيًا للذي لا أنت شائيته من شاننا، أي: أمرنا، "ولتأول" معطوف على الضرورة "لا نولك" بلا ينبغي لك"، "ولا" إذا دخلت على الفعل لا يجب تكرارها؛ لأنه في معنى النكرة، "ونولك" بتفح النون وسكون الواو من التنويل والنوال وهو: العطية مبتدأ، وأن تفعل سد مسد خبره كما في الوصف مع مرفوعه قاله الخضراوي.
وقال أبو حيان: والذي أذهبت إليه أنه خبر لا فاعل؛ لأن "نولك" ليس بوصف.
وقال الموضح: لا أدري كيف يتأتى أن يقول هذا مع قوله: إن "لا نولك" مؤول بلا ينبغي لك، ولم ينزل كتاب بأن المرفوع الساد مسد الخبر لا يرفع إلا بالوصف ا. هـ.
стр. 352
وإذا قلنا بالأول فالظاهر أن المرفوع هنا نائب عن الفاعل. قال الرضي: والنول مصدر بمعنى: التناول وهو هنا بمعنى المفعول، أي: ليس متناولك هذا الفعل، أي: لا ينبغي لك أن تتناوله ا. هـ. فسقط بالتأويل في المثال ودعوى الضرورة في البيت ما احتج به المبرد١ وابن كيسان على عدم وجوب تكرار "لا" إذا دخلت على معرفة، وإلى إعمال "لا" عمل "إن" أشار الناظم بقوله:
١٩٧-
عمل إن اجعل للا في نكره ... مفردة جاءتك أو مكرره
стр. 353
"فصل":
"وإذا كان اسمها مفردًا، أي: غير مضاف ولا شبيه به بني على الفتح إن كان مفردًا" لفظًا ومعنى أو لفظًا لا معنى. "أو جمع تكسير" لمذكر أو مؤنث، فالأول "نحو: لا رجل"، والثاني نحو: لا قوم ولا شجر. "و" الثالث نحو: "لا رجال" ولا هنود، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
١٩٩-
وركب المفرد فاتحًا........ ... ...................................
"و" بني "عليه" أي: على الفتح "أو على الكسر إن كان جمعًا بألف وتاء" مزيدتين، "كقوله" هو سلامة بن جندل يبكي على فراق الشباب، لا ابن مقبل، خلافًا لابن عصفور: [من البسيط]
٢٦٢-
"إن الشباب الذي مجد عواقبه ... فيه نلذ ولا لذات للشيب"
بكسر التاء وفتحها، "روى بهما" في "لذات" جمع لذة، وهو اسم "لا" و"للشيب" بفتح الشين خبرها، وفي الجمع بالألف والتاء إذا كان اسم "لا" أربعة أقوال:
أحدها: أنه يجعل في البناء كما هو في الإعراب، فكما أن فتحته في الإعراب كسرة، فكذلك في البناء قاله بان عذرة، وهو قول الأكثيرين. "و" قال أبو الفتح ابن جني "في الخصائص١" ما حاصله "أنه لا يجيز فتحه بصري إلا أبو عثمان" المازني، وعبارة الخصائص: لم يجز أصحابنا الفتح إلا شيئًا قياسه أبو عثمان، والصواب الكسر بغير تنوين، ا. هـ.
стр. 354
الثاني: كالأول إلا أنه ينون؛ لأن تنوينه كون "مسلمين"، لا كتنوين "زيد" فلا ينافي البناء، جزم به ابن مالك في سبك المنظوم، ونقله ابن الدهان عن قوم، وتابعه ابن خروف.
الثالث: أنه يفتح؛ لأن الحركة ليست له، بل لمجموع المركب، وهو "لا" والاسم، قاله المازني والفارسي١، وهو حسن في القياس، ورجحه الموضح في المغني وشرح الشواهد.
الرابع: أنه يجوز الفتح والكسر بغير تنوين، وهو الصحيح، واقتصر عليه هنا، وقال بعض المغاربة: جواز الأمرين مبني على الخلاف في اسم "لا".
فمن قال هي إعراب وحذف تنوينه للتخفيف كالزجاج، والجرمي والرماني والكوفيين كسر٢، ومن قال هي بناء كجمهور البصريين فتح٣، "و" بني "على الياء إن كان مثنى أو مجموعًا على حده"، أي: على حد المثنى وطريقته في إعرابه بالحروف وسلامة واحده واختتامه بنون زائدة تحذف للإضافة "كقوله: [من الطويل]
٢٦٣-
"تعز فلا إلفين بالعيش متعا" ... ولكن لوراد المنون تتابع
فـ"إلفين" بكسر الهمزة تثنية: إلف، اسم "لا" مبني على الياء، "ومتعا" بالبناء للمفعول خبرها، و"تعز" أمر من التعزية، وهي الحمل على الصبر عند المصيبة، و"المنون": الموت، و"وراده" الذين يردونه، وهو جمع وارد، "وقوله: [من الخفيف]
٢٦٤-
"يحشر الناس لا بنين ولا آ ... باء إلا وقد عنتهم شئون"
فـ"بنين" بكسر النون الأولى جمع ابن، اسم "لا" مبني على الياء، ولا آباء جمع أب، عطف على ما قبله "إلا" حرف إيجاب، وقد عنتهم بفتح العين المهملة والنون
стр. 355
وسكون التاء المثناة فوق بمعنى: أهمتهم، وشئون: جمع شأن وهو الخطب فاعل "عنتهم"، والجملة في موضع رفع خبر "لا"، ولا يضر اقترانه بالواو؛ ولأن خبر الناسخ يجوز اقترانه بالواو، كقول الحماسي: [من الهزج]
٢٦٥-
................. ... فأمسى وهو عريان
وقولهم: ما أحد إلا وله نفس أمارة١, وليست حالا خلافا للعيني٢؛ لأن واو الحال لا تدخل على الماضي التالي "إلا" كما قال في الموضح في باب الحال٣، وذهب المبرد٤ إلى أن المثنى والمجموع على حده في باب "لا" معربان بناء على أن التثنية والجمع عارضا التضمن أو التركيب في علة البناء، ولو صح ذلك لزم الإعراب في: يا زيدان ويا زيدون ولا قائل به والقول بالبناء في اسم "لا" المفرد اختلف في علته. "قيل: وعلة البناء" فيه "تضمن معنى "من"" الاستغراقية "بدليل ظهورها في قوله:" [من الطويل]
٢٦٦-
فقام يذود الناس عنها بسيفه ... "وقال ألا لا من سبيل إلى هند"
واختار هذا القول ابن عصفور، وعلله بأن تركيب الاسم مع الحرف قليل، والبناء للتضمن كثير، واعترضه ابن الضائع بأن المتضمن لمعنى "من" هو "لا" نفسها، لا الاسم بعدها، "وقيل"، علة البناء "تركيب الاسم مع الحرف" كما في تركيب الاسمين، "كخمسة عشر"، هذا قول سيبويه والجماعة٥، ويؤيده أنهم إذا فصلوا
стр. 356
أعربوا، فقالوا: لا فيها رجل ولا امرأة، وقد جاء تركيب الاسم مع الحرف المؤخر كقوله: [من الرجز]
٧٢٦-
أثور ما أصيدكم أم ثورين
ودليل التركيب والبناء ترك تنوينه وهو مفعول مقدم لـ"أصيد"، وأما "كم" فعلى التوسع بإسقاط اللام، والمعنى: أصيد لكم ثورًا أم ثورين.
"وأما المضاف وشبهه فمعربان" اتفاقًا، نحو: لا غلام سفر حاضر، ولا طالبًا علما ممقوت، وأما: لا أبا لك، فاللام زائدة، لتأكيد معنى الإضافة، وهي معتد بها من وجه دون وجه، وأما وجه الاعتداد فلأن اسم "لا" لا يضاف لمعرفة، فاللام مزيلة لصورة الإضافة، وأما وجه عدم الاعتداد فهو أن ما قبلها معرب بالألف، وإنما يعرب إذا كان مضافًا أو شبهه، هذا مذهب سيبويه والجمهور١، ويشكل عليه٢: لا أبا لي، بالألف مع الإضافة إلى ياء المتكلم، "والمراد بشبهه" أي: شبه المضاف "ما اتصل به شيء من تمام معناه" مرفوع أو منصوب أو مجرور، "نحو: لا قبيحًا فعله محمود، ولا طالعًا جبلًا حاضر، ولا خيرًا من زيد عندنا" فـ"لا" في الجميع نافية، وما بعدها اسمها وهو منصوب بها، والمتأخر خبرها، وفعله في الأول فاعل "قبيحًا"؛ لأنه صفة مشبهة، "وجبلًا" في الثاني مفعول "طالعًا"؛ لأنه اسم فاعل، "ومن زيد" في الثالث متعلق بـ"خيرًا" لأنه اسم تفضيل، وما ذكره من نصب الشبيه بالمضاف وتنوينه هو مذهب البصريين، وأجاز البغداديون: لا طالعا جبلا، بلا تنوين أجروه في ذلك مجرى المضاف، كما أجري مجراه في الإعراب، وعليه يتخرج الحديث: "لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت" ٣، قاله في المغني٤.
стр. 357
"فصل":
"ولك في نحو: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، خمسة أوجه:
أحدها: فتحهما", أي: فتح ما بعد "لا" الأولى وما بعد "لا" الثانية, "وهو الأصل، نحو: ﴿لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا ُلَّةَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ، بفتحهما "في قراءة ابن كثير وأبي عمرو" بن العلاء١.
"والثاني: رفعهما إما بالابتداء، أو على إعمال "لا" عمل "ليس"، كالآية" المتقدمة "في قراءة الباقين من سبعة، وقوله" وهو عبيد الراعي بن حصين: [من البسيط]
٢٦٨-
وما هجرتك حتى قلت معلنة ... "لا ناقة لي في هذا ولا جمل"
برفع "ناقة" و"جمل"، والمعنى: وما تركتك حتى تبرأت مني وقلت صريحًا: لا ناقة لي ولا جمل، وهو مثل، ضربه لبراءتهما منه٢.
و"الثالث: فتح الأول، ورفع الثاني، كقوله:" [من الكامل]
٢٦٩-
هذا لعمركم الصغار بعينه ... "لا أم لي إن كان ذاك ولا أب"
стр. 358
"الخامس: فتح الأول ونصب الثاني: كقوله" وهو أنس بن العباس السلمي جد العباس بن مرداس، وقيل: أبو عامر جد العباس: [من السريع]
٢٧٢-
"لا نسب اليوم ولا خلة" ... اتسع الخرق على الراقع
وهذه الأوجه الخمسة الجارية في نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله مستفادة من قول الناظم:
١٩٩-
وركب المفرد فاتحًا كلا ... حول ولا قوة والثاني اجعلا
٢٠٠-
مرفوعًا أو منصوبًا أو مركبا ... وإن رفعت أولًا لا تنصبا
ولكل منها توجيه يخصه، أما فتحهما فوجهه أن تجعل "لا" فيهما مركبة مع اسمها كما لو انفردت.
فعلى مذهب سيبويه١ يجوز أن يقدر بعدهما خبرًا لهما معًا، أي: لا حول ولا قوة لنا، أي: موجودان لنا؛ لأن مذهبه أن "لا" المفتوح اسمها لا تعمل في الخبر فهما في موضع رفع "ولا قوة" مبتدأ معطوف على مبتدأ، والمقدر مرفوع بأنه خبر عنهما جميعًا، فيكون الكلام جملة واحدة، نحو: زيد وعمرو قائمان، ويجوز أيضًا عنده أن يقدر لكل واحدة منهما خبر، أي: لا حول موجود لنا، ولا قوة موجودة لنا، فيكون الكلام جملتين.
وعلى مذهب غير سيبويه القائل بأن "لا" المفتوح اسمها عاملة في الخبر، كما عملت فيه "لا" الناصبة اسمها، فيجوز أيضًا أن يقدر لهما معًا خبر واحد، وذلك الخبر يكون مرفوعًا بـ"لا" الأولى والثانية، وإن كانت عاملتين إلا أنهما متماثلان فيجوز أن يعملا في اسم واحد عملًا واحدًا، كما في: إن زيدًا وإن عمرًا قائمان؛ لأنهما شيء واحد، ويجوز أيضًا عند هؤلاء أن يقدر لكل منهما خبر على حياله، وأما رفعهما فوجهه أن تجعل
стр. 359
"لا" الأولى ملغاة لتكرارها، فما بعدها مرفوع بالابتداء، أو عاملة عمل "ليس"، فيكون ما بعدها مرفوعًا بها, وعلى الوجهين فـ"لنا" خبر عن الاسمين إن قدرت "لا" الثانية تكرار للأولى وما بعدها معطوف فإن قدرت الأولى مهملة، والثانية عاملة عمل "ليس" أو بالعكس، فـ"لنا" خبر عن إحداهما، وخبر الأخرى محذوف، كما في: زيد وعمرو قائم، ولا يكون خبرًا عنهما لئلا يلزم محذوران: أحدهما: كون الواحد مرفوعًا منصوبًا. والثاني: توارد عاملين على معمول واحد، قاله في المغني١ في مسألة: لا رجل ولا امرأة، برفعهما، وأما فتح الأول ورفع الثاني، فوجهه أن "لا" الأولى عاملة عمل "إن" ولا الثانية زائدة، وما بعدها معطوف على محل "لا" الأولى مع اسمها، فعند سيبويه٢ يجوز أن يقدر لهما معًا خبر واحد؛ لأنه خبر مبتدأ، وما عطف عليه، وعند غيره لا بد لكل واحد من خبر لئلا تجتمع "لا" والابتداء في رفع الخبر الواحد، ويجوز أن نجعل "لا" الثانية غير زائدة، وهي ملغاة، أو عاملة عمل "ليس".
وأما رفع الأول وفتح الثاني فوجهه أن "لا" الأولى ملغاة. أو عاملة عمل "ليس" و"لا" الثانية عاملة عمل "إن"، وتقدير الخبر في هذا الوجه كالوجه الذي قبله، سواء على المذهبين.
وأما فتح الأول ونصب الثاني فوجهه أن "لا" الأولى عاملة عمل "إن"، و"لا" الثانية زائدة، وما بعدها منصوب منون، "وهو أضعفها"؛ لأن نصب الاسم مع وجود "لا" ضعيف والقياس فتحه بلا تنوين، "حتى" قال ابن الدهان في الغرة: "خصه يونس وجماعة" من النحويين "بالضرورة، كتنوين المنادى" المفرد المعرفة٣، وجعله الزمخشري منصوبًا على إضمار فعل أي: ولا أرى قوة٤، "وهو عند غيرهم على تقدير "لا" زائدة مؤكدة، وأن الاسم" بعدها "منتصب بالعطف" على محل اسم "لا" الأولى عند ابن مالك٥، وعند غيره على لفظ اسم "لا" لأنه لما اطرد في "لا" بناء اسمها معها على الفتح نزلت منزلة العامل المحدث للفتحة الإعرابية، وأما الخبر فلا يجوز عند سيبويه٦ أن يقدر لهما خبر واحد بعدهما؛ لأن خبر ما بعد "لا" الأولى مرفوع بما كان مرفوعًا، قبل دخول "لا" عنده، وخبر ما بعد "لا" الثانية مرفوع بـ"لا" الأولى؛ لأن الناصب لاسمها عاملة في الخبر عنده، كما يقول غيره، فيلزم ارتفاع الخبر بعاملين
стр. 360
مختلفين، وهو لا يجوز، فيجب أن يقدر لكل منهم خبر [على حياله وعند غيره يقدر لهما خبر واحد؛ لأن العامل عندهم "لا" وحدها، ويجوز أن يقدر لكل خبر] ١.
وهذه الأوجه الخمسة مأخوذة من اثني عشر وجهًا، وذلك لأن ما بعد "لا" الأولى يجوز فيه البناء على الفتح والرفع على الإلغاء، والرفع على إعمالها عمل "ليس"، فهذه ثلاثة، وما بعد "لا" الثانية يجوز فيه ذلك، ووجه رابع وهو النصب، وإذا ضربت هذه الأربعة في الثلاثة الأول بلغت اثني عشر وجها، وكلها جائزة إلا اثنين، وهما رفع الأول على الإلغاء أو على الإعمال عمل "ليس"، ونصب الثاني، وأنهاها ابن الفخار في شرح الجمل إلى مائة وأحد وثلاثين وجهًا، هذا إذا عطفت وكررت "لا"، "فإن عطفت ولم تكرر "لا" وجب فتح الأول" على إعمال "لا" عمل "إن"، وجاز في الثاني النصب" عطفًا على محل الأول، "والرفع" عطفًا على محل "لا" مع اسمها, وامتنع الفتح لعدم ذكر "لا" "كقوله"، وهو رجل من بني عبد مناة يمدح مروان بن الحكم وابنه عبد الملك: [من الطويل]
٢٧٣-
"فلا أب وابنًا مروان وابنه" ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
يروى "وابنًا" بالنصب، "ويجوز "وابن" بالرفع"، ولا يجوز "وابن" بالفتح، "وأما حكاية الأخفش": لا رجل وامرأة، بالفتح، بلا تنوين "فشاذة"٢، والأصل: ولا امرأة فحذفت "لا" وبقي البناء بحاله على نية "لا"، كما قالوا: ولا بيضاء شحمة٣، على نية "كل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٠٣-
والعطف إن لم تتكرر لا احكما ... له بما للنعت ذي الفصل انتمى
стр. 361
واختلف في قائله: فنسبه سيبويه في الكتاب١ إلى رجل من بني مذحج، ونسبه أبو رياش إلى همام بن مرة، ونسبه ابن الأعرابي إلى رجل من بني عبد مناة، ونسبه الحاتمي إلى ابن الأحمر، ونسبه الأصفهاني إلى ضمرة.
والصغار بفتح الصاد: الذل، و"بعينه" توكيد له، والباء زائدة "وقوله" وهو جرير يهجو نمير بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن وهو أبو قبيلة من قيس: [من الطويل]
٢٧٠-
بأي بلاء يا نمير بن عامر ... "وأنتم ذنابي لا يدين ولا صدر"
بأي متعلق بمحذوف، والتقدير: بأي بلاء تفتخرون، وذنابي: بضم الذال المعجمة وتخفيف النون، وبعد الألف باء موحدة مفتوحة، أي: أتباع، وجملة "لا يدين" و"لا صدر" تفسير للذنابي، والمعنى: لستم برءوس بل أتباع لا يدين ولا صدر.
"الرابع: عكس الثالث"، وهو رفع الأول، وفتح الثاني، "كقوله" وهو أمية بن أبي الصلت في أحوال الجنة: [من الوافر]
٢٧١-
"فلا لغو ولا تأثيم فيها" ... وما فاهوا به أبدًا مقيم
واللغو: الباطل، والتأثيم: من أثمته، إذا قلت له أثمت، وفاهوا تلفظوا، والمعنى: ليس في الجنة قول باطل ولا تأثيم أحد، وما تلفظوا به من طلب شهوة حاصل مقيم على التأبيد.
стр. 362
"فصل":
"وإذا وصفت النكرة المبنية بمفرد" متعلق بوصفت "متصل" نعت مفرد جاز في الوصف المفرد "فتحه على أنه ركب معها" أي: مع النكرة "قبل مجيء "لا"" وصار الوصف والموصوف كالشيء الواحد، ثم دخل عليهما "لا" "مثل": لا "خمسة عشر" عندنا، وقيل: علة النباء كون الوصف ما تمام اسم "لا" واسم "لا" وجب له البناء لتضمنه معنى "من" فصارا كأنهما معًا تضمنا معنى "من" وقيل: إنه أجري على لفظ الموصوف؛ لأنه أشبه المعرب، وقيل: فتحته فتحة إعراب، وحذف تنوينه للمشاكلة.
وجاز نصبه مراعاة لمحل النكرة الموصوفة؛ لأنها في محل نصب "بلا"، وقال الشاطبي: النصب بالحمل على لفظ النكرة، وإن كان مبنيا؛ لأن حركة البناء هناء شبيهة بحركة الإعراب بل الإعراب أصلها ا. هـ.
"و" جاز "رفعه مراعاة لمحلها مع "لا"" لأنهما في محل رفع بالابتداء لصيرورتها بالتركيب كشيء واحد، فحكموا على محلهما بالرفع، وجعلوا النعت للمجموع كما عكسوا في النعت المقرون بـ"لا"، نحو: مررت برجل لا ظريف ولا كريم. قال الرضي١: جعل حرف النفي مع الاسم الذي بعده صفة لـ"رجل" ا. هـ.
"نحو: لا رجل ظريف فيها" هذا من أمثلة الخليل, فيجوز فيه: لا رجل ظريف, بفتح "ظريف"، ولا رجل ظريفًا، بنصبه، ولا رجل ظريف، برفعه ومثله: "لا رجلين ظريفين، وظريفان،
ولا رجال ظريقين, وظريفون، يستوي فيهما لفظ المفتوح والمنصوب ولا هندات ظريفات؛ لأن اسم "لا" في ذلك كله مبني، ولا فرق في النعت بين المشتق، كما مر، والجامد المنعوت بمشتق، "ومنه٢ ألا ماء ماء باردًا عندنا" فيجوز في "ماء" الثاني الفتح على أنه مركب مع الأول، والنصب والرفع على ما مر، وضعف الكمال الأنصاري
стр. 363
في شرح المفصل كون "ماء" الثاني صفة "لماء" الأول، وقال: كيف يوصف الشيء بنفسه مع أنه جامد، وإنما هو من قبيل التوكيد اللفظي، أو البدل، ا.هـ. وجوابه أنه لا بعد في جعله صفة؛ لأنه لما وصف بـ"باردًا" صار مغايرًا للأول تغاير المطلق والمقيد، "ولأنه يوصف بالاسم" الجامد "إذا وصف" كـ: مررت برجل رجل عاقل، "والقول بأنه توكيد" لفظي أو بدل "خطأ"؛ لأن "الماء" الثاني لما وصف وتقيد بقيد خرج عن كونه مرادفًا للأول، فلا يصح كونه توكيدًا له، ولا بد منه لعدم مساواته للأول، وإن جعلنا "باردًا" نعتًا "لماء" الأول، "وماء" الثاني بدلًا من الأول لزم مع ذلك تقديم البدل على النعت وهو ممتنع.
وقال أبو حيان١: وتكرير النكرة هنا توطئة للنعت كما جاءت توطئة للحال في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤، ٥] واعترضه الموضح في الحواشي بأنه إنما جيء بالجامد توطئة للحال ليجرى على منعوته إذا كان ذلك حق المشتقات [ومن ثم قال ابن عصفور وغيره في: جاء زيد ضاحكًا، كما أنه على حذف الموصوف] ٢، وهنا لو لم يذكر
التابع لجرى قولك: "باردًا" نعتًا على "ماء" الأول، فما فائدة هذه التوطئة ا. هـ.
قلت: هذا كلام مخالف لقول سيبويه لا بد من تنوين "بارد" لأنه وصف ثان، "فإن فقد الإفراد" في النعت "نحو: لا رجل قبيحًا فعله عندنا، أو" فقد الإفراد في المنعوت، نحو: "لا غلام سفر ظريفًا عندنا، أو" فقد "الاتصال" بأن كان بين النعت والمنعوت فاصل، "نحو: لا رجل في الدار ظريف، أو: لا ماء عندنا ماء باردًا امتنع الفتح" فيهن؛ لأنه يستدعي التركيب وهم لا يركبون ما زاد على كلمتين "وجاز الرفع" بالنظر إلى المحل، "والنصب" بالنظر إلى لفظ المنعوت إن كان معربًا، وإلى محله إن كان مبنيا.
قال ابن خروف: الحمل على الموضع في هذا الباب حسن في المعرب والمبني؛ لأن الموضع للابتداء ا. هـ. وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٢٠١-
ومفردًا نعتا لمبني يلي ... فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل
٢٠٢-
وغير ما يلي وغير المفرد ... لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد
стр. 364
"كما" تقدم "في المعطوف بدون تكرار: لا" فشبه النعت المفصول في جواز الرفع والنصب بالمعطوف بدون تكرار "لا" والناظم عكس ذلك، فشبه المعطوف بدون تكرار "لا" بالنعت المفصول فقال:
٢٠٣-
والعطف إن لم تتكرر لا احكما ... له بما للنعت ذي الفصل انتمى
وصنيع الموضح أقعد من جهة التقسيم وأنسب لقوله: "وكما في البدل الصالح لعمل "لا"" وهو المنكر "فالعطف" بدون تكرار "لا" "نحو: لا رجل وامرأة فيها" بنصب امرأة ورفعها، "والبدل" الصالح لعمل "لا" "نحو: لا أحد رجل وامرأة فيها"، بنصب "رجل وامرأة" ورفعهما، ولا يجوز الفتح في المعطوف والبدل لوجود الفاصل في العطف بحرفه، وفي البدل بعامله؛ لأن البدل على نية تكرار العامل "فإن لم يصلح" البدل "له" أي: لعمل "لا" بأن كان معرفة، "فالرفع" واجب بالنظر إلى محل "لا" مع اسمها ويمتنع النصب بالنظر إلى محل اسم "لا"؛ لأنها لا تعمل في معرفة، "نحو: لا أحد زيد وعمرو فيها" فـ"زيد وعمرو" بدل تفصيل من "أحد"، و"كذا" يجب الرفع مع تكرار "لا" "في المعطوف الذي لا يصلح لعمل "لا"، نحو: لا امرأة فيها ولا زيد" لأن "لا" الجنسية لا تعمل في معرفة.
قال أبو حيان١: ومن قال: رب شاة وسخلتها، قال، لا غلام ولا العباس ولا رجل عندنا ولا أخاه، قاله صاحب البسيط، ووجهه أنهم يغتفرون في الثواني ما لا يغتفرون في الأوائل، وسكت الموضح عن البيان والتوكيد المعنوي بناءًا على أنهما لا يتبعان نكرة، وسيأتي الخلاف فيهما.
стр. 365
"فصل":
"وإذا دخلت همزة الاستفهام على "لا"" النافية للجنس "لم يتغير الحكم"، بل يكون حكمها مع الهمزة كحكمها بدونها من عمل في اللفظ١، نحو: ألا غلام سفر حاضر، بنصب "غلام" لا غير، ومن تركيب نحو: ألا رجل في الدار بفتح "رجل" لا غير، وتكرار نحو: ألا رجوع وألا حباء، بالأوجه الخمسة، "ثم تارة يكون الحرفان باقيين على معنييهما" من الاستفهام والنفي، وذلك إذا كان الاستفهام عن النفي، "كقوله"، وهو قيس بن الملوح على ما قيل: [من البسيط]
٢٧٤-
"ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد" ... إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
والمعنى: ليت شعري إذا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت، هل عدم الاصطبار ثابت لسلمى أم لها تجلد، وكنى عن الموت بما ذكر تسلية لها، وأدخل "إذا" الظرفية على المضارع بدل الماضي وهو نادر وبقاء الحرفين على معنييهما "قليل، حتى توهم" أبو علي "الشلوبين أنه غير واقع" في كلام العرب٢، ورد على الجزولي إجازته إياه٣، وألحق وقوعه في كلامهم على قلة، كقولهم في المثل: أفلا قماص بالعير٤،
стр. 366
والقماص بكسر القاف وبالصاد المهملة، والعير بفتح العين المهملة: الحمار، والشلوبين لفظ أعجمي ينطق بالحرف الذي بعد واوه بين الباء الموحدة والفاء ولامه مضمومة وقد تفتح، قاله الدماميني. "وتارة يراد بهما" أي: بالهمزة و"لا" "التوبيخ" والإنكار، "كقوله": [من البسيط]
٢٧٥-
"ألا ارعواء لمن ولت شبيته" ... وآذنت بمشيت بعده هرم
فـ"ألا" حرف توبيخ، و"ارعواء" مصدر ارعوى، أي: انكف عن الشيء، يستعمل كثيرًا في ترك ما يستهجن، يقال: ارعوى فلان عن القبيح، أي: انكف عنه، و"ولت": أدبرت وذهبت و"الشبيبة": الشباب قال في المطول١: والشباب في الحقيقة عبارة عن كون الحيوان في زمان تكون حرارته الغريزية مشبوبة، أي: قوية مشتعلة ا. هـ.
وهو مأخوذ من كلام الأطباء، و"آذنت" أعلمت، والمشيب والشيب واحد.
وقال الأصمعي: المشيب دخول الرجل في حد الشيب من الرجال. والشيب بغير ميم: بياض الشعر، والهرم: كبر السن. "و" كون الحرفين يراد بهما التوبيخ "هو الغالب" في الاستعمال، واعترضه الدماميني فقال: اعلم أن المفيد للإنكار التوبيخي هو الهمزة وحدها لا مجموع "ألا" والنفي المفاد بـ"لا" باق على حاله، ففي البيت عدم الارعواء أمر ثابت، والتوبيخ تسلط٢ على ذلك، وحينئذ لهما حرفان، كل منهما يفيد ما اختص به. وأجاب الشمني٣ بأن المراد أن الهمزة تفيد الإنكار التوبيخي، وكلمة "لا" تفيد النفي فمجموع "ألا" يفيد الإنكار التوبيخي على النفي. "وتارة يراد بهما التمني، كقوله": [من الطويل]
٢٧٦-
"ألا عمر ولى مستطاع رجوعه" ... فيرأب ما أثأت يد الغفلات
стр. 367
والعمر: المدة، ويرأب: بفتح الياء المثناة تحت وسكون الراء وفي آخره باء موحدة قبلها همزة بمعنى: يصلح، منصوب في جواب التمني، وفاعله ضمير العمر، وأثأت: بمثلثة بعد الهمزة الأولى: أي: أفسدت، ويد الغفلات فيه استعارة بالكناية، واستعارة تخييلية، استعار للغفلات يدا تشبيها بمن يكسب أشياء بيده. "وهو" أي كون الحرفين يراد بهما التمني "كثير"، واختلف في "ألا" هذه في رفعها الخبر ومراعاة محلها مع اسمها وإلغائها، "و" المعتمد "عند سيبويه١ والخليل أن "ألا" هذه" ملاحظ فيها معنى الفعل والحرف، فهي "بمنزلة: أتمنى، فلا خبر لها" كما أن أتمنى لا خبر له، "وبمنزلة: "ليت" فلا يجوز مراعاة محلها مع اسمها ولا إلغائها إذا تكررت" كما أن "ليت" كذلك؛ لأن "ليت" تركب مع اسمها، ولا تكرر فتلغى، فلا تعمل "ألا" عندهما إلا في الاسم خاصة فينبني إن كان مفردا، ويعرب نصبًا إن كان مضافًا أو شبهه، "وخالفهما المازني٢ والمبرد٣" فجعلاها كالمجردة من همزة الاستفهام، فلها عندهما مركبة ما لها مجردة من تركيب ونصب وخبر وإلغاء وإتباع للفظ اسمها أو محله، واستدلا بالبيت السابق ووجه الدلالة منه أن "مستطاع" إما خبر لـ"ألا"، وإما صفة لاسمها مراعاة لمحلها مع اسمها لا لمحل اسمها فقط، وإلا نصب، وعليهما فـ"رجوعه" مرفوف بـ"مستطاع" على النيابة عن الفاعل، فاللازم أحد الأمرين، إما ثبوت الخبر، أو مراعاة لمحلها مع اسمها، وأيا ما كان فهو المدعى، "و" رد بأنه "لا دليل لهما في البيت"، أي: الذي استدلا به، "إذ لا يتعين كون "مستطاعًا" خبرًا" لـ"ألا"، "أو صفة" لاسمها، "و "رجوعه" فاعلًا" على حذف مضاف، أي: نائب فاعل لـ"مستطاع" "بل يجوز كان "مستطاع" خبرًا مقدمًا، "و "رجوعه" مبتدأ مؤخرًا، والجملة" من المبتدأ والخبر "صفة ثانية" لـ"عمر" وصفته الأولى جملة "ولى"، وإذا طرقه هذا الاحتمال سقط منه الاستدلال.
ولما فرغ من الكلام على "ألا" المركبة اتفاقًا، وهي المشار إليها في النظم بقوله:
٢٠٤-
وأعط لا مع همزة استفهام ... ما تستحق دون الاستفهام
شرع في "ألا" البسيطة على الأصح تكملة للأقسام فغير الأسلوب وقال: "وترد "ألا" للتنبيه" والاستفتاح "فتدخل على الجملتين" الاسمية والفعلية، ولا تعمل شيئًا، فالاسمية "نحو: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ٦٢] ،
стр. 368
والفعلية نحو: " ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ " [هود: ٨] فـ"ألا" داخلة على "ليس" تقديرًا؛ لأن "يوم" منصوب بـ"مصروفًا " مقدم من تأخير، والأصل: ألا ليس مصروفًا عنهم يوم يأتيهم.
"و" ترد "ألا" "عرضية"، بسكون الراء "وتحضيضية"، بحاء مهملة وضادين معجمتين، "فتنختصان" بالجملة "الفعلية" الخبرية، ولا تعملان شيئا، فالعرضية "نحو: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] والتحضيضية نحو: " ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] ، وإنما اختصا بالفعلية؛ لأنهما للطلب لأن العرض طلب بلين ورفق، والتحضيض طلب بحث وإزعاج، ومضمون الفعلية، أمر حادث متجدد، فيتعلق الطلب به بخلاف الاسمية فإنها للثبوت وعدم الحدوث.
قال ابن الحاجب في شرح المفصل: حروف التحضيض معناها الأمر إذا وقع بعدها المضارع، والتوبيخ إذا وقع بعدها الماضي.
"مسألة:
وإذا جهل الخبر" سواء قلنا: إنه خبر "لا" أم خبر المبتدأ "وجب ذكره" للجهل به، "نحو: "لا أحد أغير من الله " ١، وإذا علم" من سياق أو غيره فحذفه كثير، نحو: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١] ، أي: لهم، " ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ "، [الشعراء: ٥٠] أي: علينا، ولو ذكر لجاز عند الحجازيين٢، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٠٥-
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر
"و" حذف الخبر المعلوم "يلتزمه التميميون والطائيون" هذا نقل ابن مالك٣، ونقل ابن خروف عن بني تميم٤ أنهم لا يظهرون خبرًا مرفوعًا، ويظهرون المجرور والظرف، وهو ظاهر كلام سيبويه٥، وقال أبو حيان٦: وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع "إلا"، نحو: لا إله إلا الله، أي: لنا، أو في الوجود، أو نحو ذلك. قال الزمخشري في جزء لطيف على كلمة الشهادة، هكذا قالوا، والصواب أنه كلام تام، ولا
стр. 369
حذف، وان الأصل: الله إله مبتدأ وخبر, كما تقول: زيد منطلق، ثم جيء بأداة الحصر، وقدم الخبر على الاسم وركب مع "لا"، كما ركب المبتدأ معها في نحو: لا رجل في الدار، ويكون "الله" مبتدأ مؤخرًا، و"إله" خبر مقدمًا، وعلى هذا تخريج نظائره، نحو: "لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي"١. نقله الموضح منه، وذلك على قول الجمهور، ومن الإخبار عن النكرة بالمعرفة، وعن العام بالخاص، وذلك على قول من يجعل المرفوع خبرًا، ا. هـ.
стр. 370
باب الأفعال الداخلة بعد استيفاء فاعلها على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين
مدخل
...
هذا باب الأفعال الداخلة بعد استيفاء فاعلها على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين:
هذا قول الجمهور١، وذهب السيهلي إلى أن المفعولين في باب "ظن" ليس أصلهما المبتدأ والخبر، بل هما كمفعولي "أعطى" واستدل بـ: ظننت زيدًا عمرًا، فإنه لا يقال: زيد عمرو، إلا على جهة التشبيه وأنت لم ترد ذلك مع ظننت٢. وأجيب بالمنع، وأن المراد: ظننت زيدًا عمرا، فتبين خلافه.
وذهب الفراء٣ إلى أن الثاني منصوب على التشبيه بالحال، مستدلًا بوقوعه جملة وظرفًا وجارا ومجرورًا. وعورض بوقوعه معرفة وضميرًا وجامدًا، وبأنه لا يتم الكلام بدونه.
"أفعال هذا الباب نوعان:
أحدهما: أفعال القلوب، وإنما قيل لها ذلك؛ لأن معانيها قائمة بالقلب وليس كل قلبي ينصب مفعولين، بل القلبي ثلاثة أقسام: ما لا يتعدى بنفسه، نحو: فكر" في كذا، "وتفكر" فيه، "وما يتعدى لواحد" بنفسه، "نحو: عرف" زيد الحق، "وفهم" المسألة، "وما يتعدى لاثنين" بنفسه، "وهو المراد هنا"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٠٦-
انصب بفعل القلب جزأي ابتدا ... أعني رأى خال علمت وجدا
٢٠٧-
ظن حسبت وزعمت مع عد ... حجا درى وجعل اللذ كاعتقد
٢٠٨-
وهب تعلم....... ... ..........................
стр. 371
"وينقسم" هذا القسم المتعدي لاثنين "أربعة أقسام:
أحدها: ما يفيد في الخبر يقينًا، وهو أربعة: وجد وألفى وتعلم بمعنى: اعلم، ودرى، قال الله تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ " [المزمل: ٢٠] فالهاء المتصلة به مفعوله الأول، و"خيرًا" مفعوله الثاني، و"هو" ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وإنما ساغ مجيء "وجد" للعلم؛ لأن من وجد الشيء على حقيقته فقد علمه، وقال الله تعالى: " ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ " [الصافات: ٦٩] ، فـ"آباءهم" مفعول أول، و"ضالين" مفعول ثان، "وقال الشاعر"، وهو زياد بن سيار: [من الطويل]
٢٧٧-
"تعلم شفاء النفس قهر عدوها" ... فبالغ بلطف في التحيل والمكر
فـ"تعلم" أمر بمعنى، اعلم، و"شفاء النفس" مفعوله الأول، و"قهر عدوها" مفعوله الثاني، "والأكثر وقوع" "تعلم" "هذا على "أن"" المشددة "وصلتها"، فتسد مسد المفعولين لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه، "كقوله" وهو زهير بن أبي سلمى، بضم السين: [من الطويل]
٢٧٨-
"فقلت تعلم أن للصيد غرة" ... وإلا تضيعها فإنك قاتله
فـ"أن" بفتح الهمزة، وتشديد النون حرف موصول، "وللصيد" خبرها مقدم، و"غرة" بكسر الغين المعجمة، وتشديد الراء المهملة اسمها مؤخر، و"أن" وصلتها سدت مسد مفعولي "تعلم"، و"إلا" إلى آخره جملة شرطية، والهاء في "تضيعها" عائدة على "الوصية" فيما قبله، والهاء في "قاتله" عائدة على "الصيد"، وقد تكون "تعلم" بمعنى الماضي، قال يعقوب: تقول: تعلمت أن زيدًا خارج، بمعنى: علمت، "وقال الآخر: [من الطويل]
٢٧٩-
دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط" ... فإن اغتباطًا بالوفاء حميد
стр. 372
و"دريت" مبني للمفعول، والتاء مفعوله الأول في موضع رفع على النيابة عن الفاعل، و"الوفي" مفعوله الثاني، وهو صفة مشبهة، و"العهد" بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التشبيه بالمفعول به، وبالجر على الإضافة، "وعرو" مرخم بحذف التاء، و"فاغتبط" جواب شرط مقدر، أي: إن دريته فاغتبط من الغبطة، وهو أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه، فإن أراد زوالها كان حسدًا، "والأكثر في" "درى" "هذا أن يتعد بالباء"، نحو: دريت بزيد، "فإذا دخلت عليه الهمزة تعدى لآخر بنفسه، نحو: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ " [يونس: ١٦] فضمير المخاطبين مفعوله الأول، والمجرور بالباء مفعوله الثاني.
"و" القسم "الثاني: ما يفيد في الخبر رجحانًا وهو خمسة: جَعَلَ وحجا وعدّ ووهب وزعم، نحو: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١] ، فـ"الملائكة" مفعوله الأول، و"إناثًا" مفعوله الثاني "و" نحو "قوله" وهو تميم بن مقبل، وقيل: أبو شبل الأعرابي: [من البسيط]
٢٨٠-
"قد كنت أحجوا أبا عمرو أخا ثقة" ... حتى ألمت بنا يومًا ملمات
فـ"أبا عمرو" مفعوله الأول، و"أخا ثقة" مفعوله الثاني، و"الملمات" جمع ملمة، بمعنى النازلة، فاعل "ألمت" بمعنى نزلت، "و" نحو "قوله" وهو النعمان بن بشير الأنصاري ﵁: [من الطويل]
٢٨١-
"فلا تعدد المولى شريكك في الغنى" ... ولكنما المولى شريكك في العدم
فـ"المولى" بمعنى الصاحب، هنا مفعوله الأول، و"شريكك" مفعوله الثاني، و"العدم" بضم العين: الفقر، "و" نحو "قوله" وهو ابن همام السلولي: [من المتقارب]
стр. 373
٢٨٢-
فقلت أجرني أبا خالد ... "وإلا فهبني امرأ هالكا"
فياء المتكلم: مفعوله الأول، و"امرأ" مفعوله الثاني، و"هالكًا" نعت "امرأ".
والأقل في "هب" هذا وقوعه على "أن" وصلتها، كما في المسألة الحمارية في الفرائض: هب أن أبانا كان حمارًا١، "و" نحو "قوله" وهو أبو أمية الحنفي، واسمه أوسن: [من الخفيف]
٢٨٣-
"زعمتني شيخًا ولست بشيخ" ... إنما الشيخ من يدب دبيبًا
فياء المتكلم مفعوله الأول، و"شيخا" مفعوله الثاني، "ويدب دبيبًا": يدرج في المشي درجًا رويدًا، "والأكثر في" "زعم" "هذا وقوعه على "أن" بتخفيف النون، "أو: أن" بتشديدها [أي: مع فتح الهمزة فيهما] ٢ "وصلتهما"، وإفراد الضمير في مثل هذا أفصح من تثنيته [لأن العطف فيه بـ"أو" وهو رأي البصريين، والتثنية رأي الكوفيين] ٢، فالأول "نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ " [التغابن: ٧] ، "و" الثاني نحو "قوله" وهو كثير عزة: [من الطويل]
٢٨٤-
"وقد زعمت أني تغيرت بعدها" ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
و"عز" منادى مرخم.
стр. 374
"و" القسم "الثالث: ما يرد بالوجهين، والغالب كونه لليقين، وهو اثنان: رأي وعلم، كقوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧] الأول للرجحان، والثاني لليقين، "وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الأولى لليقين والثانية للرجحان.
"و" القسم "الرابع: ما يراد بهما"، أي: بالوجهين، "والغالب كونه للرجحان، وهو ثلاثة: ظن، وحسب، وخال" فالرجحان كقوله: [من الطويل]
٢٨٥-
"ظننتك إن شبت لظى الحرب صاليا" ... فعردت فيمن كان عنها معردًا
فالكاف مفعوله الأول، و"صاليًا" مفعوله الثاني، و"إن شبت" بالبناء للمفعول شرط, و"لظى الحرب" نائب الفاعل، وجواب الشرط محذوف، والتعريد بالعين المهملة، الانهزام والجبن، يقال: عرد في الحرب إذا جبن. وقال الخليل: عرد وعرج في الحرب واحد، والمعنى: ظننتك صاليًا الحرب إذا أوقدت نارها فانهزمت فيمن كان منهزمًا، "و" اليقين، "نحو قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ " [البقرة: ٤٦] ، أي: يتيقنون ذلك، "و" الرجحان في حسب، "كقول الشاعر" وهو زفر بن الحارث الكلابي: [من الطويل]
٢٨٦- فـ"كل" مفعوله الأول، و"شحمة" مفعوله الثاني، و"عشية" منصوب على الظرفية، و"جذام وحمير" قبيلتان لم ينصرفا للعملية والتأنيث. "و" اليقين فيها نحو "قوله" وهو لبيد العامري: [من الطويل]
٢٨٧-
"حسبت التقى والوجود خير تجارة" ... رباحًا إذا ما المرء أصبح ثاقلًا
стр. 375
فـ"التقى" مفعول أول، و"الوجود" معطوف عليه، و"خير" مفعوله الثاني، ولم يثن لأنه اسم تفضيل، واسم التفضيل إذا أضيف إلى نكرة لزمه الإفراد والتذكير، و"رباحًا" بالباء الموحدة، والحاء المهملة تمييز، و"إذا" شرطية، و"ما" زائدة، و"المرء" مرفوع بفعل محذوف يفسره "أصبح"، و"ثاقلًا" بمعنى: ثقيلًا١، خبر أصبح المحذوف، والمعنى: تيقنت التقى والجود خير تجارة رباحًا٢ إذا أصبح المرء ثقيلًا بسب الموت، ووصف الميت بالثقل؛ لأن الأبدان تخف بالأرواح، فإذا مات صاحبها تصير ثقيلة كالجمادات. "و" الرجحان في "خال" "كقوله": [من الطويل]
٢٨٨-
"إخالك إن لم تغضض الطرف ذا هوى" ... يسومك ما لا يستطاع من الوجد
إخالك بكسر الهمزة والقياس فتحها٣, والكاف مفعوله الأول, و"ذا الهوى" مفعوله الثاني، و"إن لم تغضض الطرف" شرط، وجوابه محذوف، وجملة "يسومك" بمعنى: يكلفك نعت "هوى"، وفاعله ضمير مستتر يعود على "هوى"، وهو العائد من الصفة إلى الموصوف، و"ما لا يستطاع" في موضع المفعول الثاني لـ"يسومك"، و"من الوجد" بيان لـ"ما"، "و" اليقين فيها، نحو "قوله": [من المنسرح]
٢٨٩-
"ما خلتني زلت بعدكم ضمنا" ... أشكو إليكم حموة الألم
أنشده خلف الأحمر من الكوفيين، وياء المتكلم مفعوله الأول، و"ضمنا" مفعوله الثاني، وهو بفتح الضاد المعجمة، وكسر الميم وبالنون: الزمن المبتلي, وفي نسخة: ظمئا بالظاء المشالة, والهمزة, وهو بمعنى مشتاق٤، قاله٥ في الصحاح٦، وظمئت إلى لقائكم: اشتقت، و"زلت بعدكم" معترض بين المفعولين و"خلتني" معترض بين النافي وهو "ما" والمنفي وهو "زلت"، و"ضمنا" معترض بين اسم "زال" وهو التاء وخبرها
стр. 376
وهو "أشكو"، و"بعدكم" متعلق بـ"ضمنا" وجاز تقدمه على الصفة المشبهة؛ لأنه ظرف و"حموة" بضم الحاء المهملة والميم، وتشديد الواو: الشدة، والتقدير: خلت نفسي ضمنا بعدكم ما زلت أشكو شدة الفراق.
"تنبيهان" اثنان: "الأول: ترد "علم" بمعنى: عرف، و" ترد "ظن؛ بمعنى: اتهم" وإليهما أشار الناظم بقوله:
٢١٤-
لعلم عرفان وظن تهمه ... تعديه لواحد ملتزمه
"و" ترد ""رأى" بمعنى:" ذهب، من "الرأي، أي: المذهب، و" ترد ""حجا" بمعنى: قصد، فيتعدين" هذه الأفعال الأربعة "إلى" مفعول "واحد" فقط: فأولها "نحو: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] أي: لا تعرفون شيئًا. "و" ثانيها نحو: ""وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ١"" [التكوير: ٢٤] بالظاء المشالة، أي: بمتهم. "و" ثالثها: "تقول: رأى أبو حنيفة حل كذا، ورأى: الشافعي حرمته"، أي: ذهب أبو حنيفة إلى حل كذا، وذهب الشافعي إلى حرمته. "و" رابعها: نحو: "حجوت بيت الله" أي: نويته وقصدته. "وترد "وجد" بمعنى: حزن أو حقد، فلا يتعديان"، يقال: وجد زيد إذا حزن، أو حقد، ويختلفان في المصدر، فمصدر وجد بمعنى: حزن وجد، ومصدر وجد بمعنى: حقد موجدة.
"وتأتي هذه الأفعال" الخمسة "وبقية أفعال الباب لمعان أخر غير قلبية، فلا تتعدى لمفعولين"، فتأتي "علم" العلمية بضم العين، كعلم الرجل إذا كان مشقوق الشفة العليا، وتأتي "رأى" بمعنى: أبصر، نحو: رأيت زيدًا، أي: أبصرته، وبمعنى: أشار، نحو: رأى زيدٌ كذا، أي: أشار به، وبمعنى: ضرب، نحو: رأيت الصيد، أي: ضربت رئته، وتأتي "حجا" بمعنى: غلب في المحاجة، نحو: حجا زيد عمرًا، أي: غلبه في المحاجة، وبمعنى: رد، نحو: حجيت السائل إذا رددته، وبمعنى: ساق، نحو حجوت الإبل، أي: سقتها وبمعنى: كتم، وبمعنى: حفظ، نحو: حجوت الحديث، أي: كتمته أو حفظته، وبمعنى: أقام، نحو: حجا بمكة، أي: أقام بها، وبمعنى بخل يقال: حجا بماله أي: بخل به، وبمعنى: وقف، كقوله: [من الرجز]
стр. 377
٢٩٠-
فهن يعكفن به إذا حجا
أي: إذا وقف، وتأتي "وجد" بمعنى: أصاب، نحو: وجد زيد ضالته، أي: أصابها، وبمعنى: استغنى، يقال: وجد فلان، أي: استغنى، وتأتي "عد" بمعنى: حسب، بفتح السين نحو عددت المال، أي: حسبته أحسبه، وفي التنزيل: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وفي الحديث: $"الزعيم غارم"١، وبمعنى: رأس، بالهمزة وتركه، نحو: زعم زيد إذا رأس، ومنه: زعيم القوم هو فلان، أي: رئيسهم، وبمعنى: قال، كقول أبي زبيد الطائي: [من البسيط]
٢٩١-
يا لهف نفسي إن كان الذي زعموا ... حقا وماذا يرد القوم تلهيفي
أي: إن كان الذي قالوه حقا، نص عليه ابن بري٢، وبمعنى: سمن وهزل، يقال: زعمت الشاة بمعنى: سمنت وهزلت، وبمعنى: طمع، قاله في الصحاح٣. وفي حواشيه لابن بري قال ابن خالويه٤: يقال: زعم في غير مَزْعَم، أي: طمع في غير مطمع، وتأتي درى: بمعنى: خدع، نحو: درى الذئب الصيد إذا خدعه واستخفى له ليفترسه. وتأتي "حسب" بمعنى: احمر لونه وابيض، يقال: حسب الرجل إذا احمر لونه وابيض كالبرص.
وتأتي "خال" للعجب، يقال: خال الرجل تكبر وأعجب بنفسه، وبمعنى: ظلع، بالظاء المشالة، يقال: خال الفرس، أي: غمز في مشيه، وغير ذلك. قال الموضح: "وإنما لم نحترز عنها؛ لأنها لم يشملها قولنا أفعال القلوب".
التنبيه "الثاني" من التنبيهين: العرب "ألحقوا "رأى" الحلمية بـ"رأى" العلمية في التعدي لاثنين" بجامع إدراك الحس الباطن، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] ، فـ"أرى" عملت في ضميرين متصلين لمسمى
стр. 378
واحد، وأحدهما فاعل، وثانيهما مفعول أول، وجملة "أعصر خمرًا" المفعول الثاني١، "وكقوله" وهو عمرو بن أحمر الباهلي يذكر جماعة من قومه لحقوا بالشام، فرآهم في منامه: [من الوافر]
٢٩٢-
"أراهم رفقتي حتى إذا ما" ... تجافى الليل وانخزل انخزالا
فالهاء والميم مفعول أول، و"رفقتي" بضم الراء وكسرها مفعول ثان، والرفقة: الجماعة ينزلون جملة ويرتحلون جملة، وسموا رفقة لاتفاق بعضهم ببعض، والرؤيا هنا حلمية بدليل قوله: حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل، أي: انطوى وانقطع، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٢١٥-
ولرأي الرؤيا انم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى
وذهب بعضهم إلى أن "رأى" الحلمية لا تنصب مفعولين، وأن ثاني المنصوبين حال. ورد بوقوعه كما هنا. واعترض بأن الرفقة الرفقاء، وهم: المخالطون والمرافقون، فهو بمعنى اسم الفاعل. فالإضافة فيه غير محضة، قاله الموضح في الحواشي، وفيه نوع مخالفة لما هنا.
و"رأى" الحلمية لا يدخلها إلغاء ولا تعليق، خلافًا للشاطبي. "ومصدرها الرؤيا، نحو" قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] "ولا تختص الرؤيا بمصدر الحلمية، بل قد تقع مصدرا للبصرية، خلافًا للحريري وابن مالك، بدليل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ، "قال ابن عباس" ﵄: "هي رؤيا عين"، ولكن المشهور استعمالها في الحلمية.
"النوع الثاني" من أنواع هذا الباب الناصبة للمبتدأ والخبر مفعولين "أفعال التصيير"، وإنما قيل لها ذلك لدلالتها على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى، "كجعل ورد وترك واتخذ وتخذ وصير وهب"، وإليهما الإشارة بقول الناظم:
٢٠٨-
........... والتي كصيرا ... أيض بها انصب مبتدأ وخبرا
стр. 379
"قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ، فالهاء مفعوله الأول، و"هباء" مفعوله الثاني، و"منثورًا" نعت "هباء" وقال تعالى: " ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا " حَسَدًا﴾ [البقرة: ١٠٩] فالكاف والميم مفعول أول، و"كفارًا" مفعول ثان، "وحسدًا" مفعول لأجله، وقال تعالى: " ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ " [الكهف: ٩٩] فـ"بعضهم" مفعول أول، وجملة "يموج في بعض" في موضع المفعول الثاني، وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فـ"إبراهيم" مفعول أول، و"خليلًا" مفعول ثان، "وقال الشاعر" وهو أبو جندب ابن مرة الهذلي: [من الوافر]
٢٩٣-
تخذت غراز إثرهم دليلًا" ... وفروا في الحجاز ليعجزوني
فـ"غراز" بضم الغين المعجمة وتخفيف الراء وفي آخره زاي اسم واد، قاله العيني، وأنشده الموضح مختومًا بنون، وقال: إنه اسم جبل، وهو مفعول أول لا ينصرف على إرادة البقعة، و"دليلًا" مفعول ثان، و"إثرهم" منصوب على الظرفية، والضمير المضاف إليه فاعل، و"فروا" و"يعجزوني" راجع إلى بني لحيان في البيت قبله، "وفي" بمعنى: إلى، واللام في "ليعجزوني" للتعليل، "وقال" رؤبة: [من السريع]
٢٩٤-
ولعبت طير بهم أبابيل ... "فصيروا مثل كعصف مأكول"
وهو من السريع مستفعلن مفعولات، مرتين، والواو في "صيروا" نائب الفاعل، وهو المفعول الأول، و"مثل" المفعول الثاني، و"كعصف" مضاف إليه على زيادة الكاف بين المتضايفين.
стр. 380
وقال الدماميني: فينبغي أن تكون الكاف اسمًا أضيف إليه "مثل"، فيكون عمل كل من الكلمتين موفرًا عليها, أما إذا جعلت حرفًا زائدًا، وجعل "مثل" مضافًا إلى "عصف" لزم قطع الحرف الجار عن عمله بلا كاف له، اللهم إلا أن يقال نزل منزلة الجزء من المجرور١. ا. هـ.
وقيل: الكاف اسم بمعنى، "مثل"، و"مثل" الثانية توكيد لها، قاله في المغني في حرف الكاف٢.
والعصف: قال الحسن٣: زرع أكل حبه، وبقي تبنه، وقال الفراء٤ ورق الزرع.
"وقالوا" في الدعاء: "وهبني الله فداءك"، أي: صيرني، حكاه ابن الأعرابي٥ عن العرب وهو قليل. فياء المتكلم مفعوله الأول، و"فداءك" مفعوله الثاني، "و" وهب "هذا ملازم للمضي"؛ لأنه إنما سمع في مثل، والأمثال لا ينصرف فيها.
стр. 381
"فصل":
"لهذه الأفعال ثلاثة أحكام، أحدها: الإعمال، وهو الأصل، وهو واقع في" أفعال هذا الباب "الجميع"، الجامد منها والمتصرف والقلبي والتصييري ويختص الحكمان الباقيان بالقلبي المتصرف، "و" الحكم "الثاني: الإلغاء وهو إبطال العمل لفظًا ومحلا لضعف العامل بتوسطه" بين المبتدأ والخبر، "أو تأخره" عنهما، فالمتوسط "كـ: زيد ضننت قائم، و" المتأخر نحو: "زيد قائم ظننت، قال" منازل بن زمعة المنقري: [من البسيط]
٢٩٥-
أبالأراجيز يابن اللوم توعدني ... "وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور"
فوسط "خلت"، بين المبتدأ المؤخر وهو "اللؤم" والخبر المقدم وهو "في الأراجيز" جمع أرجوزة بمعنى: الرجز، وأراد: القصائد المرجزة الجارية على بحر الرجز، و" اللؤم" بضم اللام اجتماع الشح ومهانة النفس، ودناءة الآباء فهو من أذم ما يهجا به، وقد بالغ هذا الشاعر في هجو رؤبة، أو العجاج على ما قيل، حيث جعله ابنا للؤوم إشارة إلى أن ذلك غريزة فيه، و"الخور" بفتح الخاء المعجمة والواو، وفي آخره راء مهملة: الضعف، والمعنى: أتوعدني يابن اللؤم بالأراجيز وفيها اللؤم والخور.
"وقال" أبو أسيدة الدبيري: [من الطويل]
٢٩٦-
وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجدي علينا غناهما
"هما سيدانا يزعمان وإنما" ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما
стр. 382
فأخر "يزعم" عن المبتدأ والخبر, و"إن" حرف شرط، حذف جوابها، والمعنى: هذان الشيخان يزعمان أنهما سيدانا، وإنما يكون كذلك إذا أيسرت غنماهما بأن كثرت ألبانها ونسلها، وأجرى علينا من ذلك، "وإلغاء" العامل "المتأخر" عن المبتدأ والخبر "أقوى من إعماله" بلا خلاف لضعفه بالتأخر،"و" العامل "المتوسط بالعكس" فالإعمال فيه أقوى من أهماله؛ لأن العمل اللفظي أقوى من الابتداء، "وقيل: هما"، أي: الإلغاء والإعمال "في المتوسط بين المفعولين سواء" لأن ضعف العامل بالتوسط سوغ مقاومة الابتداء له، فلكل منهما مرجح، قاله أبو حيان١.
"تنبيه":
هذا الإلغاء بالنسبة إلى المفعولين، وأما بالنسبة إلى الفعل ومرفوعه، نحو: قام ظننت زيد، فإنه يجوز عند البصريين، ويجب عند الكوفيين, ووجهه أنه إنما ينصب بـ"ظننت" ما كان مبتدأ قبل مجيئها، ولا يبتدأ بالاسم إذا تقدمه الفعل، قاله الخضراوي وأبو حيان٢، وشاهد الجواز قوله: [من الوافر]
٢٩٧-
شجاك أظن ربع الظاعنينا ... ................................
يروى برفع "ربع" على الفاعلية، وبنصبه على أنه مفعول أول، و"شجاك" مفعوله الثاني، وفيه ضمير مستتر راجع إلى "ربع"، قاله في المغني٣، واعترض بأنا لا نسلم أن "شجاك" فعل ومفعول، بل مضاف ومضاف إليه، و"ربع الظاعنين" خبر عنه على تقدير رفعه، ومفعول أول مقدم و"ربع الظاعنين" مفعول ثان، و"أظن" عامل على تقدير نصبه.
والحكم "الثالث: التعليق، وهو إبطال العمل لفظًا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده" وسمي تعليقًا؛ لأنه إبطال في اللفظ مع تعلق العامل بالمحل، وتقديره إعماله والمانع من إعماله في اللفظ اعتراض ما له صدر الكلام، "وهو لام الابتداء نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ الآية؛ وتمامها ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] ،
стр. 383
فـ"من" مبتدأ، وهو موصول اسمي، وجملة "اشتراه" صلة "من"، وعائدها فاعل "اشتراه" المستتر فيه، و"ما" نافية، و"له" و"في" متعلقان بالاستقرار خبر "خلاق" و"من" زائدة، وجملة "ما له في الآخرة من خلاق" خبر "من"، والرابط بينهما الضمير المجرور باللام، وجملة "من" وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء؛ لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل، وإنما تخطاها في باب "إن" فرفع الخبر؛ لأنها مؤخرة من تقديم لإصلاح اللفظ، وأصلها التقديم على "إن". "ولام القسم، كقوله" وهو لبيد على ما قيل: [من الكامل]
٢٩٨-
"ولقد علمت لتأتين منيتي" ... إن المنايا لا تطيش سهامها
فاللام في "لتأتين" لام القسم وتسمى لام جواب القسم، والقسم وجوابه جملة١ في محل نصب معلق عنها٢ فاللام في "لتأتين" لام القسم وتسمى لام جواب القسم، والقسم وجوابه جملة في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم لا جملة الجواب فقط، فسقط ما قيل: إن جملة جواب القسم لا محل لها، وإن الجملة المعلق عنها العامل لها محل، فيتنافيان، ولهذا قال أبو حيان٣ وأكثر أصحابنا لا يذكرون لام القسم في المعلقات، وفي الغزة: ولام القسم لا تعلق، كقوله: [من المتقارب]
٢٩٩-
لقد علمت أسد أننا ... لهم يوم نصر لنعم النصر
بفتح "أن" فهذه لام القسم ولم تعلق، وتقول: علمت أن زيدًا ليقومن، ففتح "أن"، ا. هـ. وفي المغني٤: أن أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم، كقوله: [من الكامل]
стр. 384
٣٠٠-
ولقد علمت لتأتين منيتي ... ...............................
ا. هـ. فأخرج لام "لتأتين" عن كونها للقسم، "و "ما" النافية، نحو: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] فـ"ما" نافية، و"هؤلاء" مبتدأ، و"ينطقون" خبره، والجملة الاسمية في موضع نصب بـ"علمت"، وهي معلق عنها العامل في اللفظ بـ"ما" النافية. "و "لا" و"إن" النافيتان" الواقعتان "في جواب قسم ملفوظ به"، أي: بالقسم، "أو" قسم "مقدر" بالقسم الملفوظ به، "نحو: علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو" وعلمت والله إن زيد قائم، والقسم المقدر نحو: علمت لا زيد في الدار ولا عمرو، "وعلمت إن زيد قائم"، فهذه أربعة أمثلة لكل واحد من الحرفين مثالان، وجملة القسم وجوابه في الأمثلة الأربعة معلق عنها العامل فهي في محل نصب على المفعولية بـ"علمت".
"والاستفهام، وله صورتان:
إحداهما: أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة" بعده، "نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] ، فـ"قريب" مبتدأ، و"أم بعيد" معطوف عليه، و"ما" موصول اسمي في محل رفع خبر المبتدأ، وما عطف عليه، وجملة "توعدون" صلة الموصول، والعائد محذوف، وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بـ"أدري" المعلق بالهمزة.
والصورة "الثانية: أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان، نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢] فـ"أي" اسم استفهام مبتدأ، و"أحصى" خبره، وهو فعل ماض, وقيل: اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد، وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها "نعلم"؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ولا فرق في العمدة بين المبتدأ، كما مر، والخبر، نحو: علمت متى السفر، والمضاف إليه المبتدأ، نحو: علمت أبو من زيد، أو الخبر، نحو: علمت صبيحة أي يوم سفرك، "أو فضلة" بالنصب عطفًا على عمدة "نحو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ، فـ"أي منقلب" مفعول مطلق منصبو بـ"ينقلبون" مقدم من تأخير، والأصل: ينقلبون أي انقلاب، وليست "أي" مفعولًا به لـ"يعلم"، كما قد يتوهم؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وجملة "ينقلبون" معلق عنها العامل، فهي
стр. 385
في محل نصب، وإلى ذكر المعلقات أشار الناظم بقوله:
٢١٢-
................ ... والتزم التعليق قبل نفي ما
٢١٣-
وإن ولى لام ابتداء أو قسم ... كذا والاستفهام ذا له انحتم
"ولا يدخل الإلغاء ولا التعليق في شيء من أفعال التصيير" لقوتها، "ولا في قلبي جامد" لعدم تصرفه "وهو اثنان، هب وتعلّم، فإنهما يلزمان الأمر"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٠٩-
وخص بالتعليق والإلغاء ما ... من قبل هب والأمر هب قد ألزما
٢١٠-
كذا تعلّم......... ... ...........................
واعترض بأن "تعلّم" قد يكون بمعنى الماضي كما تقدم، "وما عداهما من أفعال" هذا "الباب متصرف إلا "وهب"" من أفعال التصيير فإنه ملازم للمضي, "كما مر" في آخر النوع الثاني. "ولتصاريفهن ما لهن" من الإعمال والتعليق، "تقول في الإعمال" للمضارع: "أظن زيدًا قائمًا، و" لاسم الفاعل، "أنا ظان زيدًا قائمًا، و" تقول "في الإلغاء للمضارع" مع التوسط: "زيد أظن قائم، و" مع التأخر له "زيد قائم أظن، و" مع التوسط للوصف: "زيد أنا ظان قائم"، فـ"زيد" مبتدأ, و"قائم" خبره, وجملة "أنا ظان" متوسطة بينهما, "و" مع المتأخر له: "زيد قائم أنا ظان"، فألغي الوصف فيهما مع اعتماده على المبتدأ, "و" تقول "في التعليق" بـ"ما": "أظن ما زيد قائم، وأنا ظان ما زيد قائم"، وقس على ذلك بقية التصاريف.
والمصدر في ذلك كالفعل فيما ذكر من الإعمال والإلغاء والتعليق، قاله أبو موسى الجزولي١، وذلك مأخوذ من قول الناظم:
٢١٠-
................. ولغير الماض من ... سواهما..................................
يعني "هب" و "تعلم".
٢١٠-
................................. ... .................... اجعل كل ما له زكن
أي: علم.
"وقد تبين بما قدمناه" في حكمي الإلغاء والتعليق "أن الفرق بين الإلغاء والتعليق من وجهين: أحدهما: أن العامل الملغى لا عمل له البتة"، لا في اللفظ، ولا في المحل، "و" أن "العامل" المعلق له عمل في المحل"، لا في اللفظ، "فيجوز" على
стр. 386
اعتبار المحل: "علمت لزيد قائم، وغير ذلك من أموره بالنصب" لـ"غير" "عطفًا على المحل"، أي: محل جملة: زيد قائم، فإنها في محل نصب على المفعولية لـ"علمت"، ولولا ذلك لامتنع العطف على محلها بالنصب وفي هذ المثال فائدتان:
إحداهما: أنه من محل الخلاف، قال أبو حيان: "في الجملة المقرونة بمعلق غير الاستفهام ثلاثة مذاهب: أحدها لسيبويه والبصريين وابن كيسان: أنها في موضع نصب.
الثاني للكوفيين: لا موضع لها وأنه أضمر بين العامل والمعلق قسم، والجملة جواب له.
والثالث للمغاربة: لا موضع لها أيضًا، إلا أن الأفعال أنفسها ضمنت معنى فعل القسم، فصارت قاصرة لا تتعدى، وصارت الجملة جوابًا له، وصححه ابن عصفور في شرح الجمل". ا. هـ.
الفائدة الثانية: أنه إنما يعطف محل على الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة، فتقول: علمت لزيد قائم، وغير ذلك: من أموره: ولا تقول: علمت لزيد قائم وعمرو؛ لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به، وإلا فلا، "قال" كثير عزة: [من الطويل]
٣٠١-
"وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت"
فعطف "موجعات" بالنصب بالكسرة على محل قوله: "ما البكا" الذي علق عن العمل فيه قوله: "أدري" هذا مراده هنا، وصرح بذلك في شرح القطر١، وقال في المغني٢: هكذا استدل به ابن عصفور، ولك أن تدعي أن "البكا" مفعول، وأن "ما" زائدة، وأن الأصل: ولا أدري موجعات القلب، فيكون من عطف الجمل، أو أن الواو للحال، و"موجعات" اسم "لا"، أي: وما كنت أدري قبل عزة والحال أنه لا موجعات للقلب موجودة ما البكا، ا. هـ.
وعلى الأول فالمعنى: وما كنت أدري أي شيء البكا، وصح عطف "موجعات" على محل الجملة؛ لأنه يؤدي معنى الجملة؛ لأن معنى: ولا موجعات القلب ولا موجعات قلبي، هو في معنى: قلبي له موجعات.
стр. 387
"و" الوجه "الثاني": من وجهي الفرق بين الإلغاء والتعليق "أن سبب التعليق موجب" للإهمال لفظًا "فلا يجوز" معه الإعمال نحو: "ظننت ما زيدًا قائمًا"، بنصبهما، "وسبب الإلغاء مجوز" للإعمال، والإهمال، "فيجوز: زيدًا ظننت قائمًا" بنصبهما مع المتوسط، و"زيدًا قائمًا ظننت"، بنصبهما مع المتأخر، "ولا يجوز إلغاء العامل المتقدم"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢١١-
وجوز الإلغاء لا في الابتدا ... .................................
"خلافًا للكوفيين والأخفش"، فإنهم أجازوا الإلغاء مع التقدم١، نحو: ظننت زيدًا قائم برفعهما، "واستدلوا" على ذلك "بقوله" وهو بعض بني فزارة: [من البسيط]
٣٠٢-
كذلك أدبت حتى صار من خلقي ... "أني وجدت ملاك الشيمة الأدب"
برفع "ملاك" على الابتداء, و"الأدب" على الخبرية مع تقدم "وجدت" عليهما، وفي الحماسة٢، بنصبهما على الإعمال. "وقوله" وهو كعب بن زهير: [من البسيط]
٣٠٣-
أرجو وآمل أن تدنوا مودتها ... "وما إخال لدينا منك تنويل"
برفع "تنويل" على الابتدائية، وخبره المجرور قبله، مع تقدم "إخال" بكسر الهمزة، والقياس فتحها، كما مر محكي عن بني أسد خاصة. ووجه الدليل من هذين البيتين أن العامل ألغي فيهما مع تقدمه على المبتدأ والخبر. "وأجيب" عنهما "بأن ذلك محتمل لثلاثة أوجه:
стр. 388
أحدها: أن يكون من التعليق بلام الابتداء المقدرة، والأصل: لملاك وللدنيا، ثم حذف اللام وبقي التعليق" بحاله كما كان مع وجود المعلق، وهذا مما نسخ لفظه، وبقي حكمه، قاله في المغني، وعلى هذا حمل سيبويه، قوله: [من الكامل]
٣٠٤-
.................. ... وإخال إني لاحق مستتبع
بكسر "إن" على تقدير إني للاحق.
"و" الوجه "الثاني: أن يكون من الإلغاء؛ لأن التوسط المبيح للإلغاء ليس هو التوسط بين المعمولين فقط بل توسط العامل في الكلام مقتض أيضًا" للإلغاء، "نعم الإلغاء للتوسط بين المعمولين أقوى" من الإلغاء مع التقدم عليهما "والعامل هنا" وهو "وجدت" في البيت الأول، و"إخال" في البيت الثاني "قد سبق بـ"إني"، و" أما "إخال" فقد سبق "بـ"ما" النافية" فجاز إلغاؤهما لكونهما لم يتصدرا "ونظيره" في المسبوقية بالغير: "متى ظننت زيدًا قائمًا، فيجوز فيه الإلغاء" لعدم تصدره، والإعمال لتقدمه على المعمولين.
"و" الوجه "الثالث: أن يكون من الإعمال على أن المفعول الأول محذوف، وهو ضمير الشأن، والأصل:" إني "وجدته، و" ما "إخاله" فحذف ضمير الشأن منهما "كما حذف في قولهم"، أي: العرب: "إن بك زيد مأخوذ"، والأصل: إنه، وإلى الوجه الأول والثالث أشار الناظم بقوله:
٢١١-
..................... ... وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا
٢١٢-
في موهم إلغاء ما تقدما ... .............................
والوجه الأول أولى؛ لأن حذف اللام قد عهد في الجملة، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] والأصل: لقد أفلح، والوجهان الآخران ضعيفان، أما ضعف الإلغاء المذكور؛ فلأنهم نزلوا تقديم المسند إليه في الجملة، وهو الياء من "إني" بمنزلة تقديم المبتدأ المطلوب للعامل، ونزلوا تقديم النفي والاستفهام لكونهما داخلين على الخبر تقديرًا منزلة تقديم الخبر، أما إذا قدرا داخلين على العامل بطل الإلغاء، وأما ضعف الحذف فمن وجهين، ضعف حذف أحد المفعولين دون الآخر، وسيأتي بيانه، وضعف حذف ضمير الشأن؛ لأنه لا يستعمل في مواطن التفخيم، والحذف مناف لذلك.
стр. 389
"فصل":
"ويجوز بالإجماع حذف المفعولين" لأفعال القلوب. "اختصارًا، أي: لدليل" يدل عليهما، "نحو: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] ، "وقوله" وهو الكميت يمدح أهل البيت: [من الطويل]
٣٠٥-
"بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارًا علي وتحسب"
فحذف في الآية مفعولًا "تزعمون" وفي البيت مفعولًا "تحسب" لدليل ما قبلهما عليهما، "أي: تزعمونهم شركاء, وتحسبـ" ـه، أي: "حبهم عارًا علي"، وعدل عن تقدير تزعمون أنهم شركاء] ١ لأن الكلام في حذف المفعولين معًا لا في حذف ما يسد مسدهما.
"وأما حذفهما اقتصارًا، أي: لغير دليل، فعن سيبويه٢" فيما نقل ابن مالك٣ "و" عن "الأخفش" والجرمي وابن خروف وشيخه ابن طاهر والشلوبين "المنع مطلقًا"، سواء في ذلك أفعال الظن والعلم. "واختاره الناظم" وحجتهم في ذلك أن العرب تجري هذه الأفعال مجرى القسم، فتلقاها بما يتلقى به القسم، نحو: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] ، [من الكامل]
٣٠٦-
ولقد علمت لتأتين منيتي ... ...............................
стр. 390
والجواب لا يحذف، فكذلك ما هو بمنزلته، ورد بأن تضمنها معنى القسم ليس بلازم. "وعن الأكثرين الإجازة مطلقًا" لمجيء ذلك في أفعال العلم؛ "كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ " [البقرة: ٢٣٢] ، ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ " فَهُوَ يَرَى﴾ " [النجم: ٣٥] أي: يعلم، والأصل؛ والله أعلم١؛ يعلم الأشياء كائنة ويرى ما نعتقده حقا، أو نحو ذلك مما يعطيه معنى الكلام. وفي أفعال الظن، نحو: " ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ " [الفتح: ١٢] فـ"ظن السوء"، مفعول مطلق مفيد للنوع، "وقولهم" في المثل: "من يسمع يخل٢"، أي: يقع منه خيلة، قاله الموضح٣، وصاحب التقريب٤، والمعنى من يسمع خبرًا يحدث له ظن، ومن قاله معناه: يخل مسموعه صادقًا فقد جعله من الحذف الاقتصاري، وليس الكلام فيه. "وعن الأعلم" يوسف الشنتمري تفصيل، فقال٥: "يجوز في أفعال الظن" لكثرة السماع فيها "دون أفعال العلم". وعن أبي العلاء إدريس يجوز في "ظن وخال وخسب"؛ لأنه سمع فيها، ويمتنع في الباقي، ونسبه لسيبويه٦.
"ويمتنع بالإجماع حذف أحدهما اقتصارًا"، أي: لغير دليل؛ لأن المفعولين هنا أصلهما المبتدأ والخبر فكما لا يجوز أن يؤتى بمبتدأ دون خبر، ولا بخبر دون مبتدأ قبل دخول الناسخ فكذلك بعده، وإلى امتناع حذف المفعولين أو أحدهما اقتصارًا أشار بقوله:
٢١٦-
ولا تجز هنا بلا دليل ... سقوط مفعولين أو مفعول
"وأما" حذف أحدهما "اختصارًا"، أي: لدليل "فمنعه" أبو إسحاق "بن ملكون" من المغاربة وطائفة، وحجتهم أن المفعول في هذا الباب مطلوب من جهتين، من جهة العامل فيه، ومن جهة كونه أحد جزأي الجملة، فلما تكرر طلبه امتنع حذفه، كذا قالوا. وما قالوه منتقض بخبر "كان"، فإنه مطلوب من جهتين، ولا خلاف في جواز حذفه إذا دل عليه دليل، "وأجازه الجمهور٧"، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِين