اعتبار المحل: "علمت لزيد قائم، وغير ذلك من أموره بالنصب" لـ"غير" "عطفًا على المحل"، أي: محل جملة: زيد قائم، فإنها في محل نصب على المفعولية لـ"علمت"، ولولا ذلك لامتنع العطف على محلها بالنصب وفي هذ المثال فائدتان:
إحداهما: أنه من محل الخلاف، قال أبو حيان: "في الجملة المقرونة بمعلق غير الاستفهام ثلاثة مذاهب: أحدها لسيبويه والبصريين وابن كيسان: أنها في موضع نصب.
الثاني للكوفيين: لا موضع لها وأنه أضمر بين العامل والمعلق قسم، والجملة جواب له.
والثالث للمغاربة: لا موضع لها أيضًا، إلا أن الأفعال أنفسها ضمنت معنى فعل القسم، فصارت قاصرة لا تتعدى، وصارت الجملة جوابًا له، وصححه ابن عصفور في شرح الجمل". ا. هـ.
الفائدة الثانية: أنه إنما يعطف محل على الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة، فتقول: علمت لزيد قائم، وغير ذلك: من أموره: ولا تقول: علمت لزيد قائم وعمرو؛ لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به، وإلا فلا، "قال" كثير عزة: [من الطويل]
٣٠١-
"وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت"
فعطف "موجعات" بالنصب بالكسرة على محل قوله: "ما البكا" الذي علق عن العمل فيه قوله: "أدري" هذا مراده هنا، وصرح بذلك في شرح القطر١، وقال في المغني٢: هكذا استدل به ابن عصفور، ولك أن تدعي أن "البكا" مفعول، وأن "ما" زائدة، وأن الأصل: ولا أدري موجعات القلب، فيكون من عطف الجمل، أو أن الواو للحال، و"موجعات" اسم "لا"، أي: وما كنت أدري قبل عزة والحال أنه لا موجعات للقلب موجودة ما البكا، ا. هـ.
وعلى الأول فالمعنى: وما كنت أدري أي شيء البكا، وصح عطف "موجعات" على محل الجملة؛ لأنه يؤدي معنى الجملة؛ لأن معنى: ولا موجعات القلب ولا موجعات قلبي، هو في معنى: قلبي له موجعات.
стр. 387
"و" الوجه "الثاني": من وجهي الفرق بين الإلغاء والتعليق "أن سبب التعليق موجب" للإهمال لفظًا "فلا يجوز" معه الإعمال نحو: "ظننت ما زيدًا قائمًا"، بنصبهما، "وسبب الإلغاء مجوز" للإعمال، والإهمال، "فيجوز: زيدًا ظننت قائمًا" بنصبهما مع المتوسط، و"زيدًا قائمًا ظننت"، بنصبهما مع المتأخر، "ولا يجوز إلغاء العامل المتقدم"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢١١-
وجوز الإلغاء لا في الابتدا ... .................................
"خلافًا للكوفيين والأخفش"، فإنهم أجازوا الإلغاء مع التقدم١، نحو: ظننت زيدًا قائم برفعهما، "واستدلوا" على ذلك "بقوله" وهو بعض بني فزارة: [من البسيط]
٣٠٢-
كذلك أدبت حتى صار من خلقي ... "أني وجدت ملاك الشيمة الأدب"
برفع "ملاك" على الابتداء, و"الأدب" على الخبرية مع تقدم "وجدت" عليهما، وفي الحماسة٢، بنصبهما على الإعمال. "وقوله" وهو كعب بن زهير: [من البسيط]
٣٠٣-
أرجو وآمل أن تدنوا مودتها ... "وما إخال لدينا منك تنويل"
برفع "تنويل" على الابتدائية، وخبره المجرور قبله، مع تقدم "إخال" بكسر الهمزة، والقياس فتحها، كما مر محكي عن بني أسد خاصة. ووجه الدليل من هذين البيتين أن العامل ألغي فيهما مع تقدمه على المبتدأ والخبر. "وأجيب" عنهما "بأن ذلك محتمل لثلاثة أوجه:
стр. 388
أحدها: أن يكون من التعليق بلام الابتداء المقدرة، والأصل: لملاك وللدنيا، ثم حذف اللام وبقي التعليق" بحاله كما كان مع وجود المعلق، وهذا مما نسخ لفظه، وبقي حكمه، قاله في المغني، وعلى هذا حمل سيبويه، قوله: [من الكامل]
٣٠٤-
.................. ... وإخال إني لاحق مستتبع
بكسر "إن" على تقدير إني للاحق.
"و" الوجه "الثاني: أن يكون من الإلغاء؛ لأن التوسط المبيح للإلغاء ليس هو التوسط بين المعمولين فقط بل توسط العامل في الكلام مقتض أيضًا" للإلغاء، "نعم الإلغاء للتوسط بين المعمولين أقوى" من الإلغاء مع التقدم عليهما "والعامل هنا" وهو "وجدت" في البيت الأول، و"إخال" في البيت الثاني "قد سبق بـ"إني"، و" أما "إخال" فقد سبق "بـ"ما" النافية" فجاز إلغاؤهما لكونهما لم يتصدرا "ونظيره" في المسبوقية بالغير: "متى ظننت زيدًا قائمًا، فيجوز فيه الإلغاء" لعدم تصدره، والإعمال لتقدمه على المعمولين.
"و" الوجه "الثالث: أن يكون من الإعمال على أن المفعول الأول محذوف، وهو ضمير الشأن، والأصل:" إني "وجدته، و" ما "إخاله" فحذف ضمير الشأن منهما "كما حذف في قولهم"، أي: العرب: "إن بك زيد مأخوذ"، والأصل: إنه، وإلى الوجه الأول والثالث أشار الناظم بقوله:
٢١١-
..................... ... وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا
٢١٢-
في موهم إلغاء ما تقدما ... .............................
والوجه الأول أولى؛ لأن حذف اللام قد عهد في الجملة، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] والأصل: لقد أفلح، والوجهان الآخران ضعيفان، أما ضعف الإلغاء المذكور؛ فلأنهم نزلوا تقديم المسند إليه في الجملة، وهو الياء من "إني" بمنزلة تقديم المبتدأ المطلوب للعامل، ونزلوا تقديم النفي والاستفهام لكونهما داخلين على الخبر تقديرًا منزلة تقديم الخبر، أما إذا قدرا داخلين على العامل بطل الإلغاء، وأما ضعف الحذف فمن وجهين، ضعف حذف أحد المفعولين دون الآخر، وسيأتي بيانه، وضعف حذف ضمير الشأن؛ لأنه لا يستعمل في مواطن التفخيم، والحذف مناف لذلك.
стр. 389
"فصل":
"ويجوز بالإجماع حذف المفعولين" لأفعال القلوب. "اختصارًا، أي: لدليل" يدل عليهما، "نحو: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] ، "وقوله" وهو الكميت يمدح أهل البيت: [من الطويل]
٣٠٥-
"بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارًا علي وتحسب"
فحذف في الآية مفعولًا "تزعمون" وفي البيت مفعولًا "تحسب" لدليل ما قبلهما عليهما، "أي: تزعمونهم شركاء, وتحسبـ" ـه، أي: "حبهم عارًا علي"، وعدل عن تقدير تزعمون أنهم شركاء] ١ لأن الكلام في حذف المفعولين معًا لا في حذف ما يسد مسدهما.
"وأما حذفهما اقتصارًا، أي: لغير دليل، فعن سيبويه٢" فيما نقل ابن مالك٣ "و" عن "الأخفش" والجرمي وابن خروف وشيخه ابن طاهر والشلوبين "المنع مطلقًا"، سواء في ذلك أفعال الظن والعلم. "واختاره الناظم" وحجتهم في ذلك أن العرب تجري هذه الأفعال مجرى القسم، فتلقاها بما يتلقى به القسم، نحو: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] ، [من الكامل]
٣٠٦-
ولقد علمت لتأتين منيتي ... ...............................
стр. 390
والجواب لا يحذف، فكذلك ما هو بمنزلته، ورد بأن تضمنها معنى القسم ليس بلازم. "وعن الأكثرين الإجازة مطلقًا" لمجيء ذلك في أفعال العلم؛ "كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ " [البقرة: ٢٣٢] ، ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ " فَهُوَ يَرَى﴾ " [النجم: ٣٥] أي: يعلم، والأصل؛ والله أعلم١؛ يعلم الأشياء كائنة ويرى ما نعتقده حقا، أو نحو ذلك مما يعطيه معنى الكلام. وفي أفعال الظن، نحو: " ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ " [الفتح: ١٢] فـ"ظن السوء"، مفعول مطلق مفيد للنوع، "وقولهم" في المثل: "من يسمع يخل٢"، أي: يقع منه خيلة، قاله الموضح٣، وصاحب التقريب٤، والمعنى من يسمع خبرًا يحدث له ظن، ومن قاله معناه: يخل مسموعه صادقًا فقد جعله من الحذف الاقتصاري، وليس الكلام فيه. "وعن الأعلم" يوسف الشنتمري تفصيل، فقال٥: "يجوز في أفعال الظن" لكثرة السماع فيها "دون أفعال العلم". وعن أبي العلاء إدريس يجوز في "ظن وخال وخسب"؛ لأنه سمع فيها، ويمتنع في الباقي، ونسبه لسيبويه٦.
"ويمتنع بالإجماع حذف أحدهما اقتصارًا"، أي: لغير دليل؛ لأن المفعولين هنا أصلهما المبتدأ والخبر فكما لا يجوز أن يؤتى بمبتدأ دون خبر، ولا بخبر دون مبتدأ قبل دخول الناسخ فكذلك بعده، وإلى امتناع حذف المفعولين أو أحدهما اقتصارًا أشار بقوله:
٢١٦-
ولا تجز هنا بلا دليل ... سقوط مفعولين أو مفعول
"وأما" حذف أحدهما "اختصارًا"، أي: لدليل "فمنعه" أبو إسحاق "بن ملكون" من المغاربة وطائفة، وحجتهم أن المفعول في هذا الباب مطلوب من جهتين، من جهة العامل فيه، ومن جهة كونه أحد جزأي الجملة، فلما تكرر طلبه امتنع حذفه، كذا قالوا. وما قالوه منتقض بخبر "كان"، فإنه مطلوب من جهتين، ولا خلاف في جواز حذفه إذا دل عليه دليل، "وأجازه الجمهور٧"، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِين
стр. 391
يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] ، تقديره: ولا يحسبن الذين يبلخون ما يبخلون به هو خيرًا لهم، فحذف المفعول الأول للدلالة عليه، "كقوله" وهو عنترة العبسي: [من الطويل]
٣٠٧-
"ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم"
تقديره: فلا تظني غيره مني واقعًا، فحذف المفعول الثاني، والتاء في "نزلت" مكسورة والحاء والراء من "المحب المكرم" مفتوحتان.
"فرع١":
إذا قلت: زيدًا ظننته قائمًا، فالتقدير عند الجمهور: ظننت زيدًا قائمًا، وعند ابن ملكون وموافقيه: اتهمت زيدًا ظننته قائمًا، أو لابست، قاله الموضح في الحواشي.
فائدة:
هذا الخلاف في الحذف وعدمه مجرد اصطلاح عند النحويين، وليس من الحذف في شيء عند البيانيين؛ لأن غرض المتكلم في إفادة المخاطب؛ لأنه تارة يقصد مجرد وقوع الحدث من غير تعلق بفاعل، فيسند الفعل إلى المصدر، فيقول: وقع ظن أو علم، وتارة يقصد نسبته إلى فاعله من غير تعلق بمفعول، فيقول٢: فلان يظن أو يعلم, فينزل الفعل في هاتين الحالتين منزلة القاصر، وحينئذ فلا يقال: إنه حذف منه شيء، كما يقال في القاصر: إنه حذف منه شيء، وأما إذا لم ينزل منزلة القاصر فلا بد من ذكرهما؛ لأن الغرض تعلق بإفادتهما.
стр. 392
"فصل":
"تحكى الجملة الفعلية بعد القول" عند جميع العرب، "وكذا الاسمية" عند بعضهم فلا يعمل القول في جزأيها شيئًا، كما يعمل لظن؛ لأن الظن يقتضي الجملة من جهة معناها، فجزآها معه كالمفعولين في باب "أعطيت" فصح أن ينصبهما، وأما القول فيقتضي الجملة من جهة لفظها، فلم يصح أن ينصب جزأيها مفعولين؛ لأنه لم يقتضها من جهة معناها فلم يشبه باب "أعطيت" ولا أن ينصبها مفعولًا واحدًا؛ لأن الجملة لا إعراب لها، فلم يبق إلا الحكاية، قاله ابن الناظم١.
"وسليم" بالتصغير قبيلة من قيس عيلان، وهو سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان، وسليم أيضًا قبيلة من جذام من اليمن، يجرون بالقول مجرى الظن، "ويعملونه فيها"، أي: في الجملة الاسمية "عمل "ظن"" فينصبون المبتدأ والخبر "مطلقًا" من غير شرط من الشروط الآتية، "وعليه يروى قوله" وهو امرؤ القيس بن حجر الكندي يصف فرسًا: [من الطويل]
٣٠٨-
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... "تقول هزيز الريح مرت بأثأب"
"بالنصب لـ"هزيز" على أنه مفعول أول لـ"تقول"، وجملة "مرت بأثأب" مفعول ثان، و"شأوين" تثنية شأو، بسكون الهمزة وهو: السبق، ونصبه على المفعولية المطلقة نيابة عن المصدر، "والعطف": "ألجانب، و"هزيز الريح": دويها عند هبوبها، و"الأثأب" بفتح الهمزتين وسكون التاء المثلثة وفي آخره باء موحدة جمع أثأبة وهي نوع من الشجر، "وقوله" وهو الحطيئة يصف جملا: [من الطويل]
стр. 393
٣٠٩-
"إذا قلت أني آيب أهل بلدة" ... وضعت بها عنه الولية بالهجر
"بالفتح" لـ"أني" على أنها مع معموليها سدت مسد مفعولي "قلت"، وآيب"، أي: راجع، و"أهل بلدة" مفعول "آيب"، والضمير في "عنه" يعود إلى "الجمل"، و"الولية" بفتح الواو وكسر اللام وتشديد الياء آخر الحروف: البرذعة التي توضع تحت الرحل، و"الهجر" بفتح الهاء وسكون الجيم ضرورة والأصل فتحها: نصف النهار عند اشتداد الحر، وإلى رأي سليم أشار الناظم بقوله:
٢١٩-
وأجري القول كظن مطلقًا ... عند سليم........................
"وغيرهم يشترط" في إعمال لفظ القول عمل "ظن" "شروطًا" ثلاثة، "وهي كونه" فعلا "مضارعًا"، فخرج المصدر والوصف والماضي والأمر، فلا يعمل شيء من ذلك عمل "ظن" لأنها لم تقو قوة المضارع في هذا الباب. "وسوى به السيرافي" بكسر السين. "قلت بالخطاب، و" سوى به "الكوفي قل"، فيجوز على قولهما إعمال الماضي المسند إلى تاء المخاطب، وفعل الأمر، نحو: أقلت زيدًا منطلقًا، بجامع الإسناد إلى ضمير المخاطب. "و" يشترط في المضارع "إسناده للمخاطب" لأن الإعمال إنما يكون مع فعل المخاطب إذا استفهمته عن ظن نفسه، فلا يجوز إعمال المضارع المسند إلى ضمير متكلم، ولا غائب، فلا تقل: أقول زيدًا منطلقًا، ولا: يقول زيد عمرًا منطلقًا لما مر، ولو قال: وإسناده للمخاطب، وسوى به السيرافي إلخ...... كان أبين للتسوية، "و" يشترط في زمن المضارع "كونه حالًا، قاله الناظم" في شرح التسهيل١، "ورد بقوله" وهو عمر بن أبي ربيعة: [من الطويل]
٣١٠-
أما الرحيل فدون بعد غد ... "فمتى تقول الدار تجمعنا"
أنشده سيبويه بنصب "الدار" على أنها مفعول أول و"تجمعنا" مفعول ثان٢
стр. 394
قال أبو حيان١: وفيه رد على من اشترط الحال؛ لأنه لم يستفهمه عن ظنه في الحال أن الدار تجمعه وأحبابه، بل استفهمه عن وقوع ظنه في الحال. ا. هـ.
وهذا مبني على أن "متى" ظرف لـ"تقول"، "والحق أن "متى" ظرف لـ"تجمعنا" لا لتقول"، وفيه نظر؛ لأن "تقول" على هذا غير مستفهم عنه فلا يكون عاملا لعدم اعتماده على استفهام إلا على قول من لم يشترط الاعتماد عليه، ويشترط كونه مضارعًا لمخاطب فقط على ما حكاه ابن الخباز في شرح الجزولية، وليس التفريع عليه. "و" يشترط في المضارع المسند إلى ضمير المخاطب "كونه" واقعًا "بعد استفهام بحرف، أو باسم، سمع الكسائي" من العرب "أتقول للعميان عقلا"، فـ"عقلا" مفعول أول، و"للعميان" مفعول ثان على التقدير والتأخير. "وقال" عمرو بن معد يكرب المذحجي:" [من الطويل]
٣١١-
"علام تقول الرمح يثقل عاتقي" ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
فـ"علام" جار ومجرور، والجار والمجرور "ما" الاستفهامية، ولكن حذفت ألفها لدخول الجار عليها، و" الرمح" بالنصب مفعول أول، وجملة "يثقل عاتقي" في موضوع المفعول الثاني، و"أطعن" بضم العين، يقال: طعن يطعن، بالضم إذا كان بالرمح وغيره، وطعن يطعن بالفتح إذا كان في النسب، و"إذا" في الموضوعين داخلة على فعل محذوف يفسره المذكور، على حد ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] والتقدير: إذا لم أطعن أنا لم أطعن، وإذا كرت الخيل كرت.
"قال سيبويه والأخفش"٣ من البصريين "و" يشترط في الاستفهام والمضارع عند جمهور العرب "كونهما متصلين" من غير حاجز بينهما، "فلو قلت: أأنت تقول" زيد منطلق، "فالحكاية" واجبة، "وخولفا"، قال أبو حيان وخالفهما
стр. 395
وخالفهما الكوفيون وسائر البصريين، فأجازوا النصب، ولم يعتدوا بالضمير فاصلا١، ووجه قولهم بأن الاستفهام يطلب الفعل، و"أنت" فاعل فعل مضمر، وذلك الفعل واقع على الاسمين فينصبهما.
ورد بأن الحكم إنما هو للمذكور، وأما المضمر فلا عمل له إلا في الاسم المشتغل عنه خاصة، والعمل فيما عداه لهذا الظاهر وهو لم يتصل بالاستفهام، نقله الموضح في حواشي التسهيل، ولم يتعقبه، ومن خطه نقلت.
وعلى هذا يشكل قوله هنا: "فإن قدرت الضمير" وهو "أنت" "فاعلا بمحذوف والنصب" للمفعولين "بذلك المحذوف جاز اتفاقا"، فليتأمل، "واغتفر الجميع الفصل" بين الاستفهام والفعل "بظرف زماني" أو مكاني "أو مجرور، أو معمول القول"، مفعولا كان أو حالا، أو غيرهما، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢١٧-
وكتظن اجعل تقول إن ولي ... مستفهمًا به ولم ينفصل
٢١٨-
بغير ظرف أو كظرف أو عمل ... وإن ببعض ذي فصلت يحتمل
فالفصل بالظرف الزماني، "كقوله": [من البسيط]
٣١٢-
"أبعد بُعد تقول الدار جامعة" ... شملي بهم أم تقول البعد محتوما
فالهمزة للاستفهام، و"بعد" بفتح الباء ظرف زمان، و"بعد" بضم الباء مضاف إليه، وبينهما جناس محرف، و"الدار" مفعول أول لـ"تقول"، و"جامعة" مفعوله الثاني، و"شملي" مفعول "جامعة" و"البعد" مفعول أول لـ"تقول"، و"محتومًا" مفعوله الآخر، فأعمل "تقول" مرتين، والأول منهما مفصول من الاستفهام بالظرف، والثاني متصل بالاستفهام بـ"أم"، والفصل بالظرف المكاني كقولك: أعندك تقول زيدًا جالسًا والفصل بالمجرور كقولك: أفي الدار تقول زيدًا مقيمًا.
"و" الفصل بالمعمول نحو "قوله" وهو الكميت بن زيد الأسدي: [من الوافر]
стр. 396
٣١٣-
"أجهالا تقول بني لؤي" ... لعمر أبيك أم متجاهلينا
ففصل بين الاستفهام والمضارع بمفعوله الثاني، والأصل: أتقول بني لؤي جهالا، و"بني لؤي" مفعوله الأول، والمراد بهم قريش، و"الجهال" جمع جاهل، و"المتجاهل" هو الذي يظهر الجهل من نفسه، وليس بجاهل، والمعنى، أتظن بني لؤي جهالا، أم مظهرين الجهل بين استعملوا أهل اليمن على أعمالهم وقدموهم على بني مضر، مع فضلهم عليهم.
والفصل بالحال كقولك: أمسرعا تقول زيدًا منطلقًا؛ لأن المعمول المتقدم في نية التأخير.
"قال السهيلي: و" يشترط أيضًا في المضارع "أن لا يتعدى باللام، كـ: تقول لزيد عمرو منطلق"، برفعهما قال: لأنك إذا عديته باللام بعد عن معنى الظن، ولم يكن إلا قولا مسموعًا؛ لأن الظن من أفعال القلب، وذكر أنه يدل عليه أصول النحاة مع استقراء كلام العرب، نقله المرادي بتعليله في شرح التسهيل وأقره.
"وتجوز الحكاية مع استيفاء الشروط، نحو: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ ، [البقرة: ١٤٠] بالتاء المثناة فوق, وكسر "إن" "في قراءة الخطاب" للأخوين وابن عامر وحفص، "وروي":
٣١٤-
"علام تقول الربح"....... ... ...................................
"بالرفع"، على الحكاية.
وإذا أعمل القول عمل "ظن" فهل يجرى مجراه في العمل خاصة، أم في العمل والمعنى معًا، مذهب الجمهور أنه لا يعمل عمل "ظن" حتى يتضمن معنى الظن في اللغة السليمية١، وغيرها. وزعم بعضهم أنه قد يجرى مجرى الظن في العمل ولا يتضمن معناه كقوله: [من الرجز]
стр. 397
٣١٥-
قالت وكنت رجلًا فطينا ... هاذا لعمر الله إسرائينا
فليس المعنى على "ظننت"؛ لأن هذه المرأة رأت عند هذا الشاعر ضبا فقالت، هذا إسرائين؛ لأنها تعتقد في الضباب أنها من مسخ بني إسرائيل، وإلى هذا ذهب الأعلم وابن خروف، واختاره صاحب البسيط١. قال ابن عصفور: ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون "هذا" مبتدأ، و"إسرائين" على تقدير مضاف، أي: مسخ بني إسرائيل، فحذف المضاف الذي هو الخبر، وبقي المضاف إليه على جره؛ لأنه غير منصرف للعلمية والعجمة؛ لأنه لغة في "إسرائيل". وإذا أجري القول مجرى الظن هل يجوز فيه ما جاز في الظن من الإلغاء والتعليق، وكون الفاعل والمفعول لمسمى واحد، قال في النهاية: نعم، وبحث الشاطبي المنع، ولا يبعد تخريجه على القولين السابقين، فمن قال: إنه يجري مجراه في المعنى والعمل قال بالجواز، ومن قال بالعمل فقط قال بالمنع قلته تفقهًا، ولم أره نصا.
стр. 398
باب ما ينصب مفاعيل ثلاثة:
ثلاثة، بالنصب، بدلا من مفاعيل، ولم يقل "ثلاثة مفاعيل" بالإضافة؛ لأن إضافة العدد للصفة قليلة، أو ضرورة، قاله أبو حيان نقلًا عن شيخه ابن النحاس. ولا يجوز "ثلاثة مفعولين"، بجمع السلامة؛ لأن مفعولا اسم للفظ، وهو غير عاقل، قاله الموضح في الحواشي.
"وهي: أعلم وأرى، اللذان" كان "أصلهما" قبل دخول همزة النقل عليهما: "علم ورأى المتعديان لاثنين"، وإنما اقتصر عليهما وقوفًا مع السماع، وأما بقية أخواتهما وهي: ظننت وأخواتها فمنع من نقلها بالهمزة كثير من البصريين، وقصروا ذلك على السماع، ومنعوا أن يقال: أظننت زيدًا عمرًا قائمًا؛ لأنه لم ينقل عن العرب، فالزيادة عليه ابتداء لغة، وأجازه قوم منهم طردًا للباب، قاله أبو البقاء في شرح لمع ابن جني.
"وما ضمن معناهما من "نبأ""، بتشديد الموحدة، "وأنبأ، وخبر" بتشديد الموحدة، "وأخبر وحدث" بتشديد الدال، "نحو: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧] . "فيرى" بضم الياء مضارع أرى، والهاء والميم مفعول أول، و"الله" فاعل، و"أعمالهم" مفعول ثان، و"حسرات" مفعول ثالث، قاله الزمخشري١. وهو مبني على أن الأعمال لا تجسم فلا تدرك بحاسة البصر. قال الموضح في حواشيه: وهذا قول المعتزلة وأما أهل السنة فيعتقدون أن الأعمال تجسم وتوزن حقيقة، "فيرى" على هذا بصرية، و"حسرات" حال. والمعتزلة يقولون علمية، و"حسرات" مفعول ثالث، والذي أجازوه ممكن عندنا فإنهم إذا أبصروها حسرات فقد علموها كذلك.
والذي نقوله نحن ممتنع، ا. هـ.
وألحق بذلك رأي الحلمية سماعًا, "نحو: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ" كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] ، فالكاف فيهما مفعول أول، والهاء والميم مفعول ثان و"قليلا" في الأول، وكثيرا في الثاني مفعول ثالث وفي هذه الأمثلة رد على ابن الخباز حيث
стр. 399
قال: لم أظفر بفعل متعد لثلاثة إلا وهو مبني للمفعول، كما في قول النابغة: [من الكامل]
٣١٦-
نبئت زرعة والسفاهة كاسمها ... تهدى إلى غرائب الأشعار
فالتاء نائب الفاعل، وهو المفعول الأول، و"زرعة" مفعول ثان، وجملة "تهدى إلي" مفعول ثالث، وما بينهما اعتراض، وقول الأعشى ميمون بن قيس: [من المتقارب]
٣١٧-
وأنبئت قيسًا ولم أبله ... كما زعموا خيرا أهل اليمن
فالتاء مفعوله الأول، و"قيسًا" الثاني، "وخير" الثالث، ومعنى أبله: أجربه، وقول العوام بن عقبة بن كعب بن زهير: [من الطويل]
٣١٨-
وخبرت سوداء الغميم مريضة ... فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
فالتاء المفعول الأول، و"سوداء" الثاني، و"مريضة" الثالث، و"الغميم" بالغين المعجمة موضع من بلاد غطفان, وقول رجل من بني كلاب: [من البسيط]
٣١٩-
وما عليك إذا أخبرتني دنفا ... وغاب بعلك يومًا أن تعوديني
فالتاء المكسورة مفعول أول، وياء المتكلم الثاني، و"دنفا" الثالث، والدنف المريض، وقول الحارث بن حلزة اليشكري: [من الخفيف]
٣٢٠-
أومنعتم ما تسألون فمن حـ ... ـدثتموه له علينا العلاء
стр. 400
فالضمير المرفوع مفعول أول، والمنصوب مفعول ثان، والجملة بعده مفعول ثالث، والفعل في الجميع مبني للمفعول، [وإلى نصب هذه الأفعال مفاعيل ثلاثة] ١ أشار الناظم بقوله:
٢٢٠-
إلى ثلاثة رأى وعلما ... عدوا إذا صارا أرى وأعلما
ثم قال:
٢٢٤-
وكأرى السابق نبا أخبرا ... حدث أنبا كذلك خبرا
وقال الناظم في شرح التسهيل: إن أولى من ذلك، يعني من نصب نبأ وأخواته أن يحمل الثاني منها على نزع الخافض، كما في آية التحريم٢، وكما في قول بعض العرب، نبئت زيدًا مقتصرًا عليه، وكما قال سيبويه٣ في: [من الطويل]
٣٢١-
نبئت عبد الله......... ... ...............................
والثالث حال، ويرجح ذلك كونه حملا على ما ثبت، وهو التوسع، وأن في سلامة من التضمين الذي هو خلاف الأصل٤, ا. هـ.
"ويجوز عند الأكثرين حذف" المفعول "الأول" استغناء عنه، "كأعلمت كبشك سمينًا"، ولا تذكر من أعلمته، "و" يجوز "الاقتصار عليه كأعلمت زيدًا"، ولا تذكر من أعلمت به؛ لأن الفائدة لا تنعدم في الاستغناء عن الأول، ولا في الاقتصار عليه إذ يراد الإخبار بمجرد العلم به، أو بمجرد إعلام الشخص المذكور، هذا قول أبي العباس٥ وأبي بكر وابن كيسان وخطاب وابن أبي الربيع٦ وابن مالك٧ والأكثرين.
وذهب سيبويه٨ وابن الباذش وابن طاهر وابن خروف وابن عصفور٩ إلى أنه لا يجوز حذفه ولا الاقتصار عليه، كفاعل "علم" وهو قياس الأخفش لا بد من الثلاثة١٠.
стр. 401
زعم الشلوبين أنه يجوز الاقتصار عليهما، [ومنع الاقتصار عليه] ١، وأما حذف الثلاثة جميعًا فقال ابن مالك٢: الصواب جواز حذف الثلاثة لدليل وغيره، وإن لم يجز في باب الظن الحذف لغير دليل، وذلك لأن قولك: علمت وظننت لا فائدة له؛ لأن الإنسان لا يخلو غالبًا عن علم أو ظن، وأما الإعلام فإنه يخلو منه. ا. هـ.
"وللثاني والثالث" من المفاعيل الثلاثة بعد النقل "من جواز حذف أحدهما اختصارًا"، أي: لدليل "ومنعه اقتصارًا"، أي: لغير دليل، "ومن الإلغاء والتعليق ما كان لهما" قبل النقل، وإلى ذلك الإشارة بقول الناظم:
٢٢١-
وما لمفعولي علمت مطلقًا ... للثان والثالث أيضًا حققا
"خلافًا لمن منع الإلغاء والتعليق مطلقًا٣"، أي: سواء أكان مبنيا للفاعل أم للمفعول، وهو أبو علي الشلوبين ونسبه إلى المحققين، "و" خلافًا "لمن منعهما في المبني للفاعل" وهو أبو موسى الجزولي٤، فإن فرق بين البناء للمفعول والبناء للفاعل، فقال يجوز في المبني للمفعول لمساواته في الحكم لباب علم لصيرورته بالبناء للمفعول، ورفع نائب الفاعل، كصورته في المتعدي لاثنين، ولا يجوز في المبني للفاعل؛ لأن الفعل إذ ذاك يكون معملا ملغى في حالة واحدة، وذلك تناقض.
وقال خطاب في الترشيح: لا تلغى أعلم وأخواتها؛ لأن منصوباتها لا ينعقد منها حينئذ مبتدأ وخبر، لبقاء الأول غير مرتبط فإن بنيتها للمفعول ووسطتها أو أخرتها جاز ذلك, إذ ليس لنا حينئذ إلا منصوبان ينعقد منهما مبتدأ وخبر، ولم يؤثر فيهما شيء. "ولنا" من الأدلة "على الإلغاء" في المبني للفاعل من النثر "قول بعضهم: البركة أعلمنا الله مع الأكابر"، "فالبركة" مبتدأ، "ومع الأكابر" خبره "وأعلم" ملغاة لتوسطها مبنية للفاعل بين المبتدأ وخبره. "و" من النظم "قوله:" [من الطويل]
٣٢٢-
"وأنت أراني الله أمنع عاصم" ... وأرأف مستكفى وأسمح واهب
فـ"فأنت" مبتدأ، "وأمنع" خبره، "وأرى" ملغاة لتوسطها مبنية للفاعل بين المبتدأ وخبره.
стр. 402
"و" لنا "على التعليق" من النثر الفصيح قوله تعالى: " ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ " [سبأ: ٧] فالكاف والميم مفعول أول، وجملة "إنكم لفي خلق جديد" في محل نصب، سدت مسد المفعول الثاني والثالث، والفعل معلق عن الجملة بأسرها باللام، ولذلك كسرت "إن" و"إذا" شرطية، وجوابها محذوف مدلول عليه بـ"جديد" والتقدير: إذا مزقتم تجددون، وجملة الشرط وجوابه معترضة بين المفعول الأول، وما سد مسد المفعولين ولا يصح أن تكون جملة "إن" وما بعدها جواب الشرط؛ لأن الحرف الناسخ لا يكون في أول الجواب إلا وهو مقرون بالفاء نحو: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] ، "و" من النظم "قوله": [من الطويل]
٣٢٣-
"حذار فقد نبئت إنك للذي ... ستجزى بما تسعى فتسعد أو تشقى"
فـ"حذار" بكسر الراء اسم فعل بمعنى: احذره: و"نبئت" بالبناء للمفعول فعل ماض, والتاء نائب الفاعل، وهو المفعول الأول، وجملة "إنك للذي" في موضع نصب سدت مسد المفعولين، والفعل معلق عنها باللام، ولذلك كسرت "إن".
"قال ابن مالك" في النظم وغيره١: "وإذا كانت: أرى، و: أعلم منقولتين من" "رأى" البصرية و"علم" العرفانية "المتعدي" كل منهما "لواحد تعديًا" بالهمزة "لاثنين، نحو:" أرأيتت زيدًا الهلال، أي: أبصرته إياه، وأعلمت زيدًا الخبر، أي: عرفته إياه، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [الأنفال: ٤٤] ، فالكاف والميم مفعول أول، و "ما تحبون" مفعول ثان، وأما: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤] فـ"قليلا" حال لا مفعول ثالث، "و" هذان المفعولان "حكمهما حكم مفعولي "كسا" في الحذف"، لهما أو لأحدهما، "لدليل وغيره"، وفي كون الثاني منهما لا يكون جملة. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٢٢-
وإن تعديا لواحد بلا ... همز فلاثنين به توصلًا
٢٢٣-
والثاني منهما كثاني اثني كسا ... ....................................
ووجه الشبه بينهما أن الثاني منهما غير الأول، ألا ترى أن "الحكم" غير "زيد"، في قولك: أعلمت زيدًا الحكم، كما أن "الثوب" غير "زيد" في قولك: كسوت زيدًا ثوبًا، فتقول في حذف الأول: أعلمت الخبر ورأيت الهلال، كما تقول: كسوت
стр. 403
ثوبًا، وفي حذف الثاني: أعلمت زيدًا، كما تقول: كسوت زيدًا، وفي حذفهما معًا أعلمت ورأيت كما تقول: كسوت.
"وفي منع الإلغاء والتعليق" في المفعولين معًا؛ لأنهما ليس أصلهما المبتدأ والخبر "قيل: وفيه نظر في موضعين. أحدهما أن "علم" بمعنى: عرف، إنما حفظ نقلها" إلى اثنين: "بالتضعيف لا بالهمزة"، نحو: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] . "و" الموضع "الثاني أن "أرى" البصرية سمع تعليقها بالاستفهام" عن المفعول الثاني, "نحو: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فـ"أرني" فعل دعاء، وياء المتكلم مفعوله الأول، و"كيف تحيي الموتى" جملة استفهامية في موضع نصب على أنها مفعوله الثاني، معلق عن لفظها بالاستفهام بـ"كيف"، وهذا النظر لأبي حيان١.
"وقد يجاب" عن الأول "بالتزام جواز نقل المتعدي لواحد بالهمزة قياسا" على المتعدي لاثنين كما قيس في "نحو: ألبست زيدًا جبة"، على: كسوته جبة، وظاهر كلام الشاطبي أنه سمع في "علم" نقلها بالهمزة إلى اثنين فإنه قال: وأما السماع في المتعدي فكثير، وذكر أمثلة منها: علم الشيء وأعلمته إياي، أي: عرفته إياه، هذا نصه، فسقط القول بأنه إنما حفظ نقلها بالتضعيف لا بالهمزة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ولا حاجة إلى دعوى القياس مع وجود السماع.
"و" قد يجاب عن النظر الثاني "بادعاء أن الرؤية هنا"، أي: في٢: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] "علمية" لا بصرية، كما قال الحوفي في: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] الرؤية رؤية القلب في هذا، ومخرجها مخرج رؤية العين، ويجوز في مثل هذا مع الرؤية، ولا يجوز مع العلم ا. هـ. ذكره في سورة النساء، ولك أن تقول ليس هذا من التعليق في شيء، بل جملة "كيف تحيي" في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: أرني كيفي إحيائك الموتى، كما قال الكوفيون وابن مالك في ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] أن التقدير: وتبين لكم كيفية فعلنا بهم، على أنا لا نسلم امتناع التعليق عن المفعول الثاني في باب "كسا" لجواز أن يقول: اكسني كيف شئت، كما تقول: أرني كيف تفعل؛ لأنه سؤال عن مفعول به. قلته بحثًا، ولم أره مسطورًا، فإن صح سقط النظر الثاني، وصح عموم قول الناظم:
٢٢٣-
والثان منهما كثاني اثني كسا ... فهو به في كل حكم ذو ائتسا
стр. 404
باب الفاعل:
"الفاعل" لغة من أوجد الفعل، واصطلاحًا "اسم" صريح ظاهر أو مضمر بارز أو مستتر "أو ما في تأويله" أي: الاسم "أسند إليه فعل" تام متصرف أو جامد، "أو ما في تأويله"، أي: الفعل، "مقدم"، أي: الفعل، وما في تأويله على المسند إليه، "أصلي المحل" في التقديم، "و" أصلي "الصيغة. فالاسم" الصريح الظاهر، "نحو: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، والمضمر نحو: تباركت يا الله، والمستتر نحو: أقوم وقم، "والمؤول به"، أي: بالاسم ما اقترن بسابك لفظًا أو تقديرًا، والسابك هنا أنّ وأنْ، وما دون لو وكي، "نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١] ، أي: إنزالنا، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] ، و: [من الوافر]
٣٢٤-
يسر المرء ما ذهب الليالي ... ...............................
أي: ذهابها، ولا يقدر من هذه الأحرف إلا "أنْ" خاصة, نحو: وما راعني إلا يسير، ولا تقدر "أنّ" المشددة، ولا "ما" لعدم ثبوته، ولا يقدر فاعل مؤول بالاسم من غير سابك من هذه الأحرف الثلاثة عند البصريين، خلافًا للكوفيين، ولا حجة لهم في نحو: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] ، حيث أولوا "ليسجننه" بالسجن، بفتح السين على أنه فاعل "بدا" لاحتمال أن يكون فاعل "بدا"
стр. 405
ضميرًا مستترًا فيه راجعًا إلى المصدر المفهوم منه، والتقدير: ثم بدا لهم بداء، كما جاء مصرحًا به في نحو قول الشاعر: [من الطويل]
٣٢٥-
................... ... بدا لي من تلك القلوص بداء
وإليه ذهب المبرد ومن وافقه. "والفعل كما مثلنا" من نحو: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١] ، "ومنه" أي: من الفعل نحو: "أتى زيد ونعم الفتى، ولا فرق في ذلك بين المتصرف" كـ"أتى" "والجامد" كـ"نعم"، "والمؤول بالفعل" يشمل اسم الفاعل، "نحو: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ٦٩] ، فـ"مختلف" في تأويل يختلف، و"ألوانه" فاعل، وصح إعماله لاعتماده على موصوف محذوف، والتقدير: صنف مختلف ألوانه، ولا فرق في اسم الفاعل بين السالم كما مثل، "و" غير السالم، "نحو: منيرًا وجهه، في قولك: أتى زيد منيرًا وجهه"، وهو المشار إليه في النظم بقوله:
٢٢٥-
الفاعل الذي كمرفوعي أتى ... زيد منيرًا وجهه نعم الفتى
فـ"أتى" فعل ماض، و"زيد" فاعل، و"منيرًا" حال من "زيد"، و"وجهه" فاعل "منيرًا", وصح عمله فيه لاعتماده على صاحب الحال وهو "زيد"، وأمثلة المبالغة نحو، ضراب أو ضروب أو مضراب أو ضريب أو ضرب زيد. والصفة المشبهة نحو: زيد حسن الوجه.
واسم التفضيل نحو قوله: [من الخفيف]
٣٢٦-
ما رأيت امرأ أحب إليه الـ ... ـبذل منه إليك يابن سنان
والمصدر نحو قوله: [من الطويل]
٣٢٧-
ألا إن ظلم نفسه المرء بين ... ...............................
стр. 406
واسم المصدر نحو: عجبت من عطاء الدنانير زيد، واسم الفعل نحو: [من الطويل]
٣٢٨-
فهيهات هيهات العقيق....... ... ...................................
والظرف وعديله المعتمدين، نحو: "وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابُ" [الرعد: ٤٣] ، و ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] قاله أبو حيان. أو اسم موضوع موضع الفعل نحو: إياك أنت وزيد أن تخرجا، ففي إياك ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية، ولذلك أكد بالمنفصل المرفوع وعطف عليه المرفوع، فـ"إياك" وضع موضع "احذر" ا. هـ.
وقولنا: تام مخرج للفعل الناقص، نحو: كان زيد قائمًا فإن "زيد" لا يسمى فاعلًا حقيقة في الاصطلاح. "وقوله: مقدم رافع لتوهم دخول" "زيد" من "نحو: زيد قام"، في حد الفاعل، خلافًا للكوفيين بل "زيد" مبتدأ، "وقام" متحمل لضميره، والجملة خبره، وينبغي أن يقيد ذلك بالاختيار، فقد حكى ابن مالك عن الأعلم وابن عصفور أنهما قالا في: [من الطويل]
٣٢٩-
.................وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
إن "وصال" فاعل "يدوم" المذكور، لا محذوف، وإن الذي سوغ ذلك الضرورة١، ا. هـ.
"و" قوله "أصلي المحل" قيد "مخرج لنحو: قائم زيد, فإن" "زيد" فاعلا؛ لأن المسند و"هو "قائم"" مقدم اللفظ. و"أصله التأخير؛ لأنه خبر"، و"زيد" مبتدأ، هذا قول جمهور البصريين، وذهب الأخفش والكوفيون إلى جواز كون "قائم" مبتدأ، وإن لم يعتمد على نفي أو استفهام، و"زيد" فاعل سد مسد الخبر، فعلى قولهم يجب إدخاله في الحد، ولا يحتاج إلى قوله: أصلي المحل، "وذكر" أصالة "الصيغة" قيد "مخرج لنحو: ضرب زيد، بضم أول الفعل وكسر ثانيه، فإنها" صيغة غير أصلية،
стр. 407
لأنها "مفرعة عن "ضرب"، بفتحهما" على الصحيح عند جمهور البصريين، فـ"زيد" ليس فاعلا بل نائب عن الفاعل, وعلى القول بأنها صيغة أصلية تحتاج إلى قيد لإخراج نائب الفاعل، ومخرج لنحو: مضروب زيد، فإنها مفرعة عن ضارب، ومخرج لنحو: أعجبني قراءة في الجامع القرآن. فالمصدر هنا بمعنى المفعول١؛ لأنه واقع موقع فعل مبني للمفعول، فصيغته مفرعة عن صيغة المبني للفاعل تقديرًا، والقرآن نائب الفاعل به، والتقدير: يعجبني أن يقرأ في الجامع القرآن، وسم الحد بعد ذلك للفاعل.
"وله أحكام" سبعة: "أحدها: الرفع"؛ لأنه عمدة إذ لا يستغني الكلام عنه، ورافعه المسند وفاقًا لسيبويه٢ لا الإسناد خلافًا لخلف الأحمر٣، وقد ينصب شذوذا إذا فهم المعنى، سمع من كلامهم: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر، برفع أولهما، ونصب ثانيهما، وجعله ابن الطراوة قياسًا مطردًا، واستأنس له بعضهم بقراءة عبد الله بن كثير: "فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ" [البقرة: ٣٧] ، بنصب "آدم"، ورفع "كلمات٤"، وفيه نظر، لإمكان حمله على الأصل؛ لأن من تلقى شيئًا فقد تلقاه الآخر.
"وقد يجر لفظًا بإضافة المصدر نحو: ﴿لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: ٢٥١] فـ"الله" فاعل، و"الناس" مفعول، والتقدير: ولولا أن يدفع الله الناس، "أو" يجر بإضافة "اسمه"، أي: المصدر، "نحو" قول عائشة ﵂: "من قبلة الرجل امرأته الوضوء"٥ فـ"الوضوء" مبتدأ مؤخر، و"من قبلة الرجل" خبر مقدم و"قبلة" بضم القاف اسم مصدر قبل، و"الرجل" فاعله، "وامرأته" مفعول، وسيأتي أن اسم المصدر غير العلم والميمي إنما يعمل عند الكوفيين والبغداديين، "أو" يجر "بـ"من" أو الباء الزائدتين". فالأول "نحو: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] ، أي: ما جاءنا بشير. والثاني نحو: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] أي: كفى الله.
والثالث نحو: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ، أي: هيهات ما توعدون.
стр. 408
الحكم "الثاني: وقوعه بعد المسند" وهذا مستفاد من قوله في الحد مقدم، أي: على الفاعل، ولكن ذكره توطئه لقوله: "فإن وجد" في اللفظ "ما ظاهره أنه فاعل تقدم" على المسند" "وجب تقدير الفاعل ضمير مستترًا" في المسند، "وكون" المسند إليه "المقدم إما مبتدأ في نحو: زيد قام" ففي "قام" ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية عائد على "زيد" و"زيد" مبتدأ, و"قام" وفاعله خبر "زيد"، "وإما فاعلًا" حال كونه "محذوف الفعل في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] ، فـ"أحد" مبتدأ، و"استجارك" خبره من غير حذف؛ "لأن أداة الشرط" موضوعة لتعليق فعل بفعل فهي "مختصة بالجمل الفعلية" على الأصح عند جمهور البصريين خلافًا للأخفش١ والكوفيين فيجوز عندهم أن يكون "أحد" مبتدأ، وسوغ الابتداء به تقدم الشرط عليه أو نعته بالمجرور بعده، و"استجارك" خبره "وجاز الأمران" الابتدائية والفاعلية "في نحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ " [التغابن: ٦] فـ"بشر" يجوز أن يكون مبتدأ, وسوغ الابتداء به تقدم الاستفهام عليه, وجملة "يهدوننا" خبره, ويجوز أن يكون فاعلًا بفعل محذوف يفسره "يهدوننا" والتقدير: أيهدينا بشر يهدوننا، والأرجح الفاعلية؛ لأن الغالب في الهمزة دخولها على الأفعال، "و" جاز الأمران في: " ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ " [الواقعة: ٥٩] ، فـ"أنتم" يجوز أن يكون مبتدأ، و"تخلقونه" خبره، ويجوز أن يكون فاعل فعل محذوف يفسره المذكور، والأصل: أتخلقون تخلقونه، فحذف الفعل احترازًا عن العبث لوجود المفسر، ثم أبدل من الضمير المتصل به ضميرًا منفصلا على ما هو القانون عند حذف العامل، "والأرجح الفاعلية"؛ لأن الاستفهام بالفعل أولى منه بالاسم، وعورض بأن في الفعلية تخالفًا في عطف جملة٢ ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] عليه، وفي الابتدائية تناسبًا، والتناسب أولى من التخالف، ومن ثم قال الموضح٢، في المغنى٣: وتقدير الاسمية في "أأنتم تخلقونه" أرجح منه في "أبشر يهدوننا" لمعادلتها الاسمية وهي "أم نحن الخالقون".
وهذه الأرجحية وإن كانت بالنسبة إلى شيء خاص مطلوبة في الجملة لأجل المعادلة، وإذا تعارض المرجحان تساقطا، وبقي الوجهان على السواء، وما ذكره من
стр. 409
وجوب تأخير الفاعل عن المسند وهو مذهب البصري "وعن الكوفي جواز تقديم الفاعل" عن المسند "تمسكًا بنحو قول الزباء" بفتح الزاي والباء الموحدة المشددتين والمد، ملكة الجزيرة، وتعد من ملوك الطوائف: [من الرجز]
٣٣٠-
"ما للجمال مشيها وئيدا" ... أجندلا يحملن أم حديدًا
وجه التمسك أن "مشيها" روي مرفوعًا، ولا جائز أن يكون مبتدأ إذ لا خبر له في اللفظ إلا "وئيدًا" وهو منصوب على الحال فتعين أن يكون فاعلًا بـ"وئيدًا" مقدمًا عليه فقد تقدم الفاعل على المسند وهو المدعي، و"وئيدًا" بفتح الواو وكسر الهمزة وبعدها ياء مثناة تحت فدال مهملة التؤدة، قاله الجوهري١ وفي القاموس٢: الوئيد الرزانة والتأني. "وهو عندنا" معشر البصريين "ضرورة" تبيح تقديم الفاعل على المسند كما تقدم، "أو "مشيها" مبتدأ حذف خبره" لسد الحال مسده, "أي: يظهر "وئيدًا"، كقولهم: حكمك مسمطًا٣" فـ"حكمك" مبتدأ حذف خبره لسد الحال مسده، "أي: حكمك لك مثبتًا قبل أو "مشيها" بدل من ضمير الظرف" المنتقل إليه بعد حذف الاستقرار. وذلك أن "ما" الاستفهامية في محل رفع على الابتداء، و"للجمال" خبره، وهو جار ومجرور، وفيه ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية عائد على "ما"، وهذه التخريجات ضعيفة، أما الضرورة فلا داعي إليها لتمكنها من النصب على المصدرية، أو الجر على البدلية من "الجمال" بدل شتمال، وأما الابتدائية فتخريج على شاذ، كما مر في بابه, وأما الإبدال من الضمير؛ فلأنه إما بدل أو اشتمال، وكلاهما لا بد فيه من ضمير يعود على المبدل منه لفظًا أو تقديرًا، وعلى تقدير تكلفه ففيه ضعف من وجه آخر، وهو أن الضمير المستتر في الظرف ضمير "ما" الاستفهامية، وإذا أبدل "مشيها"
стр. 410
منه وجب أن يقترن بهمزة الاستفهام؛ لأن حكم ضمير الاستفهام حكم ظاهر كما صرح به في المغني١.
فإن قلت: ما فائدة الخلاف بين أهل البلدين؟ قلت: فائدته تظهر في التثنية والجمع, فتقول على رأي الكوفيين الزيدان قام, والزيدون قام, بالإفراد فيهما، ولا يجوز ذلك على رأي البصريين، بل لا بد من الضمير المطابق في "قام"٢.
الحكم "الثالث" من أحكام الفاعل: "أنه" عمدة "لا بد منه" لأن المسند حكم، ولا بد للحكم من محكوم عليه "فإن ظهر" الفاعل "في اللفظ" بأن نطق به ظاهرًا كان أو مضمرًا "نحو: قام زيد والزيدان قاما، فذاك" واضح "وإلا" يظهر في اللفظ "فهو ضمير مستتر راجع إما لمذكور" متقدم على المسند "كزيد قام، كما مر" في الحكم الثاني، ففي "قام" ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية راجع إلى "زيد" المذكور قبله "أو" راجع "لما دل عليه الفعل" المسند المستتر فيه الضمير، "كالحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" ٣.
ففي "يشرب" ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية راجع إلى "الشارب" الدال عليه "يشرب" بالالتزام، "أي: ولا يشرب هو، أي: الشارب"؛ لأن "يشرب" يستلزم شاربًا، بالإلتزام، "أي: ولا يشرب هو، أي: الشارب"؛ لأن "يشرب" يستلزم شاربًا، وحسن ذلك تقدم نظيره وهو "لا يزني الزاني"، وليس براجع إلى "الزاني" لفساد المعنى، "أو" راجع "لما دل عليه الكلام، أو" دل عليه "الحال المشاهدة"، فالأول "نحو: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي﴾ [القيامة: ٢٦] ، ففي "بلغت" ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية راجع إلى "الروح" الدال عليها سياق الكلام، "أي: إذا بلغت" هي، أي: "الروح"، و"التراقي" أعالي الصدر. "و" الثاني: "نحو قولهم" أي: العرب "إذا كان غدا فأتني"، بنصب "غدًا"، و"قوله" وهو سوار بن المضرب حين هرب من الحجاج خوفا على نفسه: [من الطويل]
٣٣١-
"فإن كان لا يرضيك حتى تردني" ... إلى قطري لا إخالك راضيا
стр. 411
ففي "كان" فيهما ضمير مستتر مرفوع بـ"كان" مدلول عليه بالحال المشاهدة فيهما، "أي: إذا كان هو، أي: ما نحن الآن عليه من سلامة" في غد، هذا في المثال، "و" في البيت، "فإن كان هو، أي: ما تشاهده مني" ففيه لف ونشر على الترتيب، ويجوز في "كان" فيهما أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة، فإن جعلتها ناقصة كان "غدًا" في المثال و"لا يرضيك" في البيت في موضع خبرها، وإن جعلتها تامة كان "غدًا" منصوبا على الظرفية متعلقًا بـ"كان"، و"لا يرضيك" في موضع الحال من فاعل "كان"، وحكى سيبويه١: إذا كان غد، بالرفع على أنه فاعل "كان" وقد قيل: إن النصب لغة تميم، والرفع لغة غيرهم، وقطري، بفتح القاف والطاء المهملة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف هو قطري بن الفجاءة الخارجي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٢٦-
وبعد فعل فاعل فإن ظهر ... فهو وإلا فضمير استتر
ففهم منه أنه لا يجوز حذف الفاعل.
"وعن الكسائي إجازة حذفه٢" وتبعه السهيلي "تمسكًا بنحو ما أولناه" من الآية والحديث والمثال والبيت.
ويطرد حذف الفاعل في أربعة مواضع في باب النائب عن الفاعل، نحو: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [يوسف: ٤١] ، وفي الاستثناء المفرغ نحو: ما قام إلا هند، وفي "أفعل" بكسر العين في التعجب إذ دل عليه متقدم مثله، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] ، وفي المصدر نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤، ١٥] .
الحكم "الرابع: أنه يصح حذف فعله" جوازًا "إن أجيب به نفي كقولك: بلى زيد" جوابًا "لمن قال: ما قام أحد"، فـ"زيد" فاعل فعل محذوف دل عليه مدخول النفي, والجملة فعلية, "أي: بلى قام زيد" ليطابق الجواب مدخول النفي في الفعلية، ولو جعل مبتدأ حذف خبره لم يطابق، "ومنه قوله:" [من الطويل]
٣٣٢-
"تجلدت حتى قيل لم يعر قلبه ... من الوجد شيء قلت بل أعظم الوجد"
فـ"أعظم الوجد" فاعل فعل محذوف، دل عليه مدخول النفي، والتقدير: بل عراه أعظم الوجد، و"تجلدت" من التجلد، وهو التصبر على الهموم ونحوها، "ولم يعر"
стр. 412
بالعين والراء المهملتين، من: عراه الأمر: إذا غشيه، و"قلبه" مفعول "يعر" و"شيء" فاعله، و"بل" للإضراب، و"أعظم الوجد" شدة الشوق.
"أو" أجيب به "استفهام محقق"، أي: ملفوظ به، "نحو: نعم زيد، جوابًا لمن قال: هل جاءك أحد؟ " فـ"زيد" فاعل فعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام، ولم يجعله مبتدأ حذف خبره لفوات مطابقة الجواب للسؤال، "ومنه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ " [الزخرف: ٨٧] ، فـ"الله" فاعل بفعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام، والتقدير: خلقنا الله؛ لأن مثل هذا الكلام عند تحقق ما فرض من الشرط والجزاء يكون جوابًا عن سؤال محقق, قاله التفتازاني١، وهو متعين لأن القضية الشرطية لا تستدعي الوقوع ولا عدمه، ثم قال: والدليل على أن المرفوع فاعل فعل محذوف لا مبتدأ أنه جاء عند عدم الحذف كذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] ا. هـ.
وهو معارض بالمثل، فيقال: والدليل على أنه مبتدأ أنه قد جاء كذلك كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] ، إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٦٤] وما يقال: إنه قدم لإفادة الاختصاص ممنوع؛ لأن الفاعل لا يجوز تقديمه على عامله على الأصح، والأحسن أن يقال إن الجملة الفعلية في هذا الباب أكثر فالحمل عليها أولى وإن كانت لا تطابق جملة السؤال في الاسمية.
"أو" أجيب به استفهام "مقدر" يدل على تقديره لفظ الفعل المبني للمفعول، قاله السيد عبد الله، "كقراءة الشامي وأبي بكر٢: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ" [النور: ٣٦، ٣٧] ، فـ"يسبح" مضارع مبني للمفعول، و"له" نائب الفاعل، وأوجبه الخفاف لخفاء الإعراب، وعدم القرينة.
وقال الموضح في الحواشي لا يجب، بل هو أولى مما بعده. و"الآصال" جمع أصل، بضمتين، و"أصل" جمع أصيل، ويجمع آصال على أصائل، و"رجال" فاعل فعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام المقدر، وكأنه لما قيل: يسبح له فيها بالغدو والآصال، قيل: من يسبحه، فقيل، يسبحه رجال، ثم حذف الفعل لإشعار "يسبح" المبني للمفعول به، ولا يصح إسناد "رجال" إلى الفعل المذكور المبني للمفعول لفساد المعنى؛ لأن الرجال ليسوا مسبحين، بفتح الباء، بل مسبحين بكسرها، فالوقف دونهم.
стр. 413
"وقوله": وهو ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد بن نهشل، كما قال التفتازاني١ والنيلي، وقال أبو عبيدة: وهو مهلهل، وقال العيني٢: هو نهشل، وقال بعضهم٣: هو الحارث بن نهيك النهشلي: [من الطويل]
٣٣٣-
"ليبك يزيد ضارع لخصومة" ... ومختبط مما تطيح الطوائح
فـ"ضارع" فاعل فعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام المقدر، كأنه قيل: من يبكيه: فقيل: ضارع، أي: يبكيه ضارع، ثم حذف الفعل. كما قيل: إن "رجال" فاعل فعل محذوف، "أي: يسبحه رجال، ويبكيه ضارع"، و"يزيد" نائب فاعل "يبك" المجزوم بلام الأمر، والضارع الفقير الذليل، والمختبط: الذي يأتي إليك للمعروف من غير وسيلة، وتطيح من الإطاحة، وهي: الإذهاب والإهلاك، والطوائح: جمع مطيحة على غير قياس، كلواقح جمع ملقحة، والقياس المطاوح والملاقح، و"من" تعليلية متعلقة بـ"مختبط"، و"ما" مصدرية، والمعنى: ليبك يزيد رجلان ذليل ومتوقع معروف لأجل إذهاب المنايا بيزيد، ويروى: ليبك: ببناء الفعل للفاعل، و"يزيد" مفعوله، و"ضارع" فاعله، وفي كل من الروايتين وجه حسن. أما الأولى فمن جهة جعل "يزيد" الذي هو ملاذ الضعفاء في صورة العمدة وأما الثانية فمن جهة عدم الحذف.
"وهو" أي: حذف فعل الفاعل كما في الآية والبيت "قياسي، وفاقًا للجرمي٤" بفتح الجيم، نسبة إلى بني جرم قبيلة مشهورة، واسمه صالح بن إسحاق، وكنيته أبو عمرو، "وابن جني٥"، بكسر الجيم وإسكان الياء ليس منسوبًا، وإنما هو معرب،
стр. 414
كني، واسمه أبو الفتح، وهما من البصريين أجاز: أُكل الطعام زيد، وشرب الماء عمرو، بالبناء للمفعول فيهما، ومذهب الجمهور أنه لا ينقاس١، والمرفوع في الآية والبيت خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: المسبح له رجال، والباكي ضارع صرح بالتقدير الأول أبو حيان٢، وبالثاني صاحب البسيط.
"و" على القياس "لا يجوز في نحو: يوعظ" بالبناء للمفعول "في المسجد رجل" أن يجعل "رجل" فاعل فعل محذوف، "لاحتماله للمفعولية"، والرفع بالنيابة عن الفاعل، فيقع اللبس، فيجب أن يكون مرفوعًا على النيابة عن الفاعل، "بخلاف: يوعظ في المسجد رجال زيد"، فإنه يجوز أن يجعل "زيد" فاعل فعل محذوف لعدم احتماله للمفعولية؛ لأن الفعل المبني للمفعول رفع "رجال" على النيابة عن الفاعل ونائب الفاعل لا يكون إلا واحدا, كالفاعل، وكأنه لما قيل: من يعظهم قيل: زيد، أي: يعظهم زيد، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٢٩-
ويرفع الفاعل فعل أضمرا ... كمثل زيد في جواب من قرا
"واستلزمه"، أي: استلزم الفعل الرافع للفاعل "ما" ذكر "قبله" من فعل "كقوله" وهو الفرزدق: [من الطويل]
٣٣٤- "غداة أحلت لابن أصرح طعنة
حصين عبيطات السدائف والخمر"
فـ"الخمر" مرفوع بفعل محذوف يستلزمه "أحلت"، "أي: وحلت له الخمر؛ لأن: أحلت" المزيد "يستلزم: حلت" المجرد، وحكي أن الكسائي سئل بحضرة يونس بن حبيب عن توجيه رفع "الخمر" في هذا البيت فقال: بإضمار فعل, أي: وحلت الخمر, فقال يونس: ما أحسن والله ما وجهته غير أني سمعت الفرزدق: ينشده بنصب "طعنة"، ورفع "عبيطات" على جعل الفاعل مفعولًا، نقله محمد بن سلام، و"غداة" نصب على الظرفية، و"طعنة" فاعل "أحلت" و"حصين" بالجر بدل من "ابن أصرم"، أو عطف بيان عليه، "وعبيطات" مفعول "أحلت", والعبيط، بالعين المهملة: الطري من اللحم، و"السدائف" بالسين المهملة والفاء آخره: سقف السنام، وغيره مما غلب
стр. 415
عليه السمن، وكان حصين بن أصرم قد قتل له قريب فحرم على نفسه شرب الخمر, وأكل اللحم الطري حتى يقتل قاتل قريبه، فلما طعنه وقتله أحلت له الطعنة شرب الخمر وأكل اللحم الطري.
"أو فسره" أي: فسر الفعل الرافع للفاعل "ما بعده" من فعل نحو: " ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] فـ"أحد" فاعل فعل محذوف يفسره "استجارك" والتقدير: وإن استجارك أحد استجارك. "والحذف في هذه" الصورة الآخيرة "واجب"؛ لأن "استجارك" المذكور كالعوض من "استجارك" المحذوف ولا يجمع بين العوض والمعوض. وتقدم الخلاف فيهما.
والحكم "الخامس" من أحكام الفاعل "أن فعله" وما هو بمنزلته "يوحد مع تثنيته وجمعه، كما يوحد مع إفراده، فكما تقول: قام أخوك" وأقائم أخوك، "كذلك تقول: قام أخواك" وأقائم أخواك. "وقام إخوتك"، وأقائم إخوتك. "وقام نسوتك" وأقائم نسوتك، بتوحيد المسند في الجميع؛ لأنه لو قيل: قاما أخواك وقاموا إخوتك، وقمن نسوتك, لتوهم أن الاسم الظاهر مبتدأ مؤخر، وما قبله فعل وفاعل خبر مقدم، وكذا في تثنية الوصف وجمعه، فالتزم توحيد المسند دفعًا لهذا الإيهام، وهذا هو الفرق بين التثنية والجمع، وبين التأنيث حيث ألحقوا علامة للتأنيث دون علامتي التثنية والجمع؛ لأن علامة التأنيث ليست بعلامة إضمار فلا تلتبس بعلامة الإضمار، ولغة التوحيد هي الفصحى، وبها جاء التنزيل: "قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ [المائدة: ٢٣] ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ [الفرقان: ٨] ، ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠] وإليها أشار الناظم بقوله:
٢٢٧-
وجرد الفعل إذا ما أسندا ... لاثنين أو جمع كفاز الشهدا
"وحكى البصريون عن طيئ، و" حكى "بعضهم عن أزد شنوءة"، بفتح الهمزة وسكون الزاي أو السين، قال في الصحاح١: أزد: أبو حي من اليمن، وهو بالسين أفصح، يقال: أزد شنوءة وأزد عمان وأزد السراة. واختلف في تسميته أزدا وأسدا، فقيل: لأنه كثير العطاء، فقيل له ذلك لكثرة من يقول: أسدي إلى كذا، أو أزدي إلى كذا.
وقيل: لأنه كان كثير النكاح، والأزد والأسد: النكاح، وشنوءة بفتح الشين المعجمة وضم النون وفتح الهمزة، "نحو: ضربوني قومك وضربنني نسوتك وضرباني أخواك"، وفي
стр. 416
الحديث "أو مخرجي هم" ١ قاله ﷺ لما قال له ورقة بن نوفل: "وددت أن أكون معك إذ يخرجك قومك"، والأصل: أومخرجوي هم، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، "وقال" عمرو بن ملقط الجاهلي: [من السريع]
٣٣٥-
"ألفيتا عيناك عند القفا" ... أولى فأولى لك ذا واقيه
فـ"ألفيتا" بالبناء للمفعول فعل ماض، و"عيناك" نائب الفاعل، فألحق الفعل علامة التثنية مع إسناده إلى الظاهر، ونائب الفاعل كالفاعل، و"عند" ظرف بمعنى: قرب، متعلق بـ"ألفيتا" و"ذا واقيه" حال من مضاف إليه، وهو الكاف، و"واقيه" مصدر معناه الواقية كالكاذبة مصدر معناه الكذب: "وأولى فأولى لك" دعاء، أي: قاربك، وهذ البيت يصف به رجلا يهرب إذا اشتد الوطيس فهو يلتفت إلى ورائه مخافة يتبع فتلفى عيناه عند قفاه من شدة الالتفات، "وقال" أمية: [من المتقارب]
٣٣٦-
"يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل أهلي فكلهم ألوم"
فـ"أهلي" فاعل "يلومونني" فألحق الفعل علامة الجمع مع أنه مسند إلى الظاهر, و"اشتراء" مصدر مضاف إلى مفعوله، وحذف فاعله، ويروى: اشترائي النخيل بإضافة المصدر إلى فاعله، ونصب مفعوله، و"كلهم" مبتدأ، و"ألوم" بفتح الواو غير مهموز خبره، وهو اسم تفضيل من ليم، بالبناء للمفعول، كقيل، أي: وكلهم أكثر ملومية، واللوم: العذل، ويروى: وكلهم يعذل، وبعده٢:
وأهل الذي باع يلحونه ... كما لحي البائع الأول
стр. 417
"وقال" آخر: [من الكامل]
٣٣٧-
"نتج الربيع محاسنًا ... ألقحنها غير السحائب"
فـ"غر" جمع غراء، ومؤنث أغر، بمعنى أبيض، فاعل ألقح، وألقحه علامة جمع المؤنث وهي النون، و"السحائب" جمع سحابة، والفعل والفاعل نعت "محاسنًا"، و"محاسن" جمع محسن كـ: مساوئ جمع مسوأ على غير قياس، والوصف في ذلك كالفعل، إلا أن الوصف إذا أسند إلى جماعة الإناث لحقه الألف والتاء دون النون، نحو: أقائمات الهندات.
"والصحيح" عند سيبويه١ ومتابعيه "أن الألف والواو والنون في ذلك" المسموع "أحرف"، وأن طيئًا وأزد شنوءة "دلوا بها على التثنية والجمع" تذكيرا وتأنيثًا، "كما دل الجميع" من العرب "بالتاء في "قامت" على التأنيث" بجامع الفرعية عن الغير، فالمثنى والجمع فرع الإفراد، كما أن المؤنث فرع المذكر. قال سيبويه٢: واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، فشبهوا هذا بالتاء التي يظهرونها في: قالت فلانة، فكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة كما جعلوا للمؤنث علامة، ثم قال: وهي لغة قليلة. وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٢٢٨-
وقد يقال سعدا وسعدوا ... والفعل للظاهر بعد مسند
"لا أنها ضمائر للفاعلين، وما بعدها" من الظواهر مبتدأ وهي ما قبلها خبر "على التقديم" للخبر، "والتأخير" للمبتدأ "أو" ما بعدها "تابع" لها "على الإبدال من الضمير" بدل كل من كل. "و" الصحيح أيضًا "أن هذه اللغة" وهي إلحاق العلامات "لا تمتنع من المفردين أو المفردات المتعاطفة" بغير "أو" خلافًا لزاعمي ذلك"، بكسر ميم الجمع، أي: خلافًا لمن زعم أن الظواهر مبتدآت، ولمن زعم أنها إبدال، ولمن زعم امتناع هذه اللغة مع المتعاطفات، وإنما كان الصحيح أنها أحرف لا ضمائر "لقول الأئمة" من أهل اللغة "إن ذلك لغة لقوم معينين، وتقديم الخبر" كما يقول به الأول "والإبدال" من الضمير كما يقول به الثاني يجيزهما جميع العرب "ولا يختصان بلغة قوم بأعيانهم"، قاله ابن مالك في شرح التسهيل٣، وإنما كان الصحيح أن هذه اللغة لا تمتنع
стр. 418
مع المتعاطفات "لمجيء قوله" وهو عبيد الله بن قيس الرقيات يرثي مصعب بن الزبير بن العوام ﵄: [من الطويل]
٣٣٨-
تولى قتال المارقين بنفسه ... "وقد أسلماه مبعد وحميم"
فألحق علامة التثنية وهي الألف في "أسلماه" مع المتعاطفين وهما "مبعد وحميم" و"المارقين"، الخوارج، من: مرق السهم مروقًا إذا خرج من الجانب الآخر، و"أسلماه": خذلاه، يقال: أسلمت فلانًا إذا لم تعنه ولم تنصره على عدوه، و"المبعد": اسم مفعول من الإبعاد، والمراد به الأجنبي من النسب، و"الحميم": القريب. "وقوله" وهو عروة بن الورد يمدح الغنى ويذم الفقر: [من الوافر]
٣٣٩-
ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير
وأحقرهم وأهونهم عليه ... "وإن كانا له نسب وخير"
فألحق علامة التثنية وهي الألف في "كانا" مع المتعاطفين وهما "نسب وخير" بكسر الخاء المعجمة أي: الكرم، والمعنى: وإن كان للفقير نسب وكرم فهو أحقر الناس وأهونهم لأجل فقره، وبهذين البيتين رد أبو حيان على الخضراوي حيث قال: لا نعلم أحدًا يجيز: قاما زيد وعمرو، ولا قاموا زيد وعمرو وبكر، وقال الموضح في المغني١: وليس الرد بشيء؛ لأنه يمنع التخريج لا التركيب ا. هـ.
والحكم "السادس" من أحكام الفاعل: "أنه إن كان مؤنثًا أنث فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي"، جامدًا كان أو متصرفًا، تاما كان أو ناقصًا، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٢٣٠-
وتاء تأنيث تلي الماضي إذا ... كان لأنثى.......................
"وبتاء المضارعة في أول المضارع" ولم يتعرض له في النظم، "ويجب ذلك" التأنيث "في مسألتين: أحدهما: أن يكون" الفاعل "ضميرًا متصلًا" لغائية حقيقية التأنيث أو مجازيته، ونعني بحقيقي التأنيث ما له فرج، والمجازي خلافه فالحقيقة:
стр. 419
"كـ: هند قامت أو تقوم، و" المجازية نحو: " الشمس طلعت أو تطلع"، وإنما وجب تأنيث الفعل في ذلك لئلا يتوهم أن ثم فاعلًا مذكرًا منتظرًا إذ يجوز أن يقال، هند قام أبوها، والشمس طلع قرنها، "بخلاف" الضمير "المنفصل، نحو:" هند "ما قام" إلا هي، "أو ما يقوم إلا هي"، والشمس ما طلع إلا هي، أو ما يطلع إلا هي، فالتذكير واجب في النثر لعدم التوهم المذكور؛ لأن الفعل لا يكون له فاعلان، وبخلاف قول المرأة الحاضرة: قمت أو أقوم، فإنه لا يمكن تأنيثه، وإن كان ضميرًا متصلًا لمؤنث "و" تاء التأنيث "يجوز تركها في الشعر" مع اتصال الضمير:"إن كان التأنيث مجازيا"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٣٤-
............... ومع ... ضمير ذي المجاز في شعر وقع
"كقوله" وهو عامر بن جوين الطائي يصف سحابة وأرضا نافعتين١: [من المتقارب]
٣٤٠-
فلا مزنة ودقت ودقها ... "ولا أرض أبقل إبقالها"
وكان القياس "أبقلت"؛ لأن الفاعل ضمير مؤنث متصل، ولكنه حذف التاء للضرورة، وقال ابن كيسان: يجوز ترك التاء في الكلام النثر، يقال: الشمس طلع، كما يقال: طلع الشمس؛ لأن التأنيث مجازي ولا فرق بين المضمر والظاهر، واستدل على ذلك بأن الشاعر كان يمكنه أن يقول: أبقلت إبقالها، بالنقل، فلما عدل عن ذلك مع تمكنه منه دل على أنه مختار لا مضطر: وأجيب بأنه إنما يثبت ما ذكره بعد ثبوت أن هذ الشاعر ممن يخفف الهمز بالنقل وغيره، فإن من العرب من لا يجيز في الهمز إلا التحقيق، وقد يعارض بالمثل، فيقال: إنما تثبت دعوى الضرورة بعد ثبوت كونه ممن لا يخفف الهمز بالنقل, ويؤيد ما قاله ابن كيسان أن الأعلم حكى في شرح أبيات كتاب سيبويه أنه روى٢: أبقلت إبقالها
стр. 420
بتخفيف الهمزة، قال: ولا ضرورة فيه على هذا، إذ هذا دليل على أن قائله يجيز النقل، قال وعلى رواية تحقيق الهمزة إنما هو لتأويل الأرض بالمكان، فلا ضرورة ا. هـ.
وفي هذا التأويل نظر؛ لأن الهاء في "إبقالها" يأباه. "وقوله" وهو الأعشى ميمون بن قيس في قصيدة يمدح بها رهط قيس بن معد يكرب ويزيد بن عبد الدار الحارثي: [من المتقارب]
٣٤١-
فإما تريني ولي لمة ... "فإن الحوادث أودى بها"
وكان القياس "أودت"؛ لأن الفاعل ضمير متصل، ولكنه حذف التاء ضرورة، و"اللمة" بكسر اللام، وتشديد الميم: شعر الرأس دون الجمة، و"الحوادث" جمع حادثة، والجمع في معنى الجماعة والجماعة مؤنث مجازي، وقيل: المراد الحدثان الليل والنهار، و"أودى" بمعنى: هلك يتعدى بالباء.
"و" المسألة "الثانية" من وجوب التأنيث "أن يكون" الفاعل ظاهرًا "متصلا" بالفعل، "حقيقي التأنيث نحو: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] وإلى هاتين المسألتين أشار الناظم بقوله:
٢٣١-
وإنما تلزم فعل مضمر ... متصل أو مفهم ذات جر
"وشذ قول بعضهم: قال فلانة"، حكاه سيبويه عن بعض العرب١، "وهو رديء لا ينقاس"، فيقتصر فيه على السماع، وظاهر قول الناظم:
٢٣٤-
والحذف قد يأتي بلا فصل..... ... .....................................
أنه ينقاس على قلة، "وإنما جاز في" الكلام "الفصيح، نحو: نعم المرأة" في المدح، "وبئس المرأة" في الذم بترك التاء فيهما؛ "لأن المراد" بالمرأة فيهما "الجنس" وهو مؤنث مجازي، "وسيأتي أن الجنس" فيه معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي، فلذلك "يجوز فيه ذلك" الترك، وإليه أشار الناظم قوله:
٢٣٦-
والحذف في نعم الفتاة استحسنوا ... لأن قصد الجنس فيه بين
стр. 421
"ويجوز الوجهان" التأنيث والتذكير "في مسألتين:
إحداهما:" المؤنث الحقيقي الظاهر "المنفصل" من الفعل بفاصل، "كقوله" وهو جرير بن الخطفى يهجو الأخطل: [من الوافر]
٣٤٢-
"لقد ولد الأخيطل أم سوء" ... على باب استها صلب وشام
فترك التاء من "ولدت" جائز لوجود الفصل بالمفعول وهو الأخيطل بالتصغير، والصلب: بضم الصاد المهملة واللام جمع صليب النصارى، والشام جمع شامة، "وقولهم" أي: العرب: "حضر القاضي اليوم امراة"، فامرأة فاعل "حضر" وترك التاء للفصل بالمفعول وذكر الظرف قصدًا لحكاية الشاهد بتمامه. وإنما لم يجب التأنيث مع الفصل؛ لأن الفعل بعد عن الفاعل المؤنث، وضعفت العناية به، وصار الفصل كالعوض من تاء التأنيث، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٣٢-
وقد يبيح الفصل ترك التاء في ... نحو أتى القاضي بنت الواقف
"والتأنيث أكثر" من التذكير لقوة جانبه، "إلا إن كان الفاصل" بين الفعل وفاعله المؤنث "إلا" الاستثنائية الإيجابية، "فالتأنيث خاص بالشعر، نص عليه الأخفش" وأوجب التذكير في الكلام، نحو: ما قام إلا هند؛ لأن ما بعد "إلا" ليس هو الفاعل في الحقيقة، وإنما هو بدل من فاعل مقدر قبل "إلا"، وذلك المقدر هو المستثنى منه وهو مذكر، ولذلك ذكر الفعل، والتقدير: ما
قام أحد إلا هند، "وأنشد" الأخفش "على التأنيث" في الشعر: [من الرجز]
٣٤٣-
"ما برئت من ريبة وذم ... في حربنا إلا بنات العم"
فـ"بنات العم" فاعل "برئت" وأنثه مع وجود الفصل بـ"إلا"، وجوزه ابن مالك في النثر" على قلة فقال١:
٢٣٣-
والحذف مع فصل بإلا فضلا ... كما زكا إلا فتاة ابن العلا
стр. 422
"وقرئ: "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ" [يس: ٢٩] بالرفع١، وقرأ مالك بن دينار والحسن وأبو رجاء وعاصم الجحدري بخلاف عنه، وجماعة من التابعين: "فَأَصْبَحُوا لَا تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ" [الأحقاف: ٢٥] بضم التاء من "ترى" ورفع "مساكنهم" على النيابة عن الفاعل، وقال ابن جني٢: إنها ضعيفة في العربية.
المسألة "الثانية" من جواز الوجهين: "المجازي التأنيث، نحو: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ " [القيامة: ٩] ، ولو ورد: "وجمعت"، بالتاء، لم يمتنع، "ومنه" أي: من مجازي التأنيث "اسم الجنس" كشجر، "واسم الجمع" المعرب: كقوم ونسوة، "والجمع" المكسر "كإعراب، وهنود" "لأنهن في معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي، فلذلك جاز التأنيث" في الفعل مع اسم الجمع، "نحو: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ " [ق: ١٢] ، "و" مع الجمع المكسر نحو: " ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ " [الحجرات: ١٤] "و" مع اسم الجنس نحو: "أورقت الشجر، و" جاز "التذكير" في الفعل مع اسم الجنس "نحو: أورق الشجر، و" مع اسم الجمع المذكر نحو: " ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ " [الأنعام: ٦٦] "و" مع اسم جمع مؤنث نحو: " ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠] ، "و" مع الجمع المكسر المذكر نحو: "قال الرجال، و" مع جمع التكسير المؤنث نحو: "جاء الهنود"، فأتى في جانب التذكير بالنشر مرتبًا على ترتيب اللف، وفي جانب التأنيث مختلطًا، كقوله: هو شمس وأسد وبحر جود وبهاء وشجاعة، وقيدنا اسم الجمع بالمعرب احترازًا من اسم الجمع المبني نحو: الذين، فإنه لا يقال فيه قالت الذين آمنوا، بالتأنيث، وإن قيل إنه جمع "الذي"، وإنما لم يجب التأنيث مع المؤنث المجازي لأمرين: أحدهما: أن التأنيث غير حقيقي، فتضعف العناية به. والثاني: أن هذا المؤنث في معنى المذكر فيحمل عليه كما حمل المذكر على المؤنث في: جاءتني كتاب زيد، أي: صحيفته، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٣٥-
والتاء مع جمع سوى السالم من ... لتاء مع إحدى اللبن
إلا أن سلامة نظم الواحد في جمعي التصحيح" المذكر والمؤنث "أوجبت التذكير" في الفعل "في نحو: قام الزيدون"، وفي التنزيل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ، "و" أوجبت "التأنيث في" الفعل، "نحو: قامت الهندات" هذا مذهب سيبويه٣ وجمهور البصريين، "خلافًا للكوفيين فيهما"، فإنهم أجازوا في
стр. 423
الفعل مع كل من جمعي التصحيح التذكير والتأنيث، "و" خلافًا "للفارسي" من البصريين "في" جمع تصحيح "المؤنث" فإنه انفرد عن أصحابه بجواز الأمرين، ووافق أصحابه في وجوب تذكير الفعل مع تصحيح المذكر، وتبعه الناظم فلم يستثنه، "واحتجوا بنحو: ﴿إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ " [يونس: ٩٠] فأنث الفعل مع جمع تصحيح المذكر، "و" بنحو: " ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ " [الممتحنة: ١٢] فذكر الفعل مع جمع تصحيح المؤنث، "و" بنحو "قوله": [من الكامل]
٣٤٤-
"فبكى بناتي شجوهن وزوجتي" ... والطامعون إلي ثم تصدعوا
فذكر الفعل مع إسناده إلى جمع تصحيح المؤنث، و"شجوهن" بمعنى: حزنهن مفعول لأجله، و"تصدعوا": انصرفوا. "وأجيب بأن "البنين"" في قوله: "بنو إسرائيل" "و"البنات"" في قوله: "بناتي" "لم يسلم فيهما لفظ الواحد"، إذ الأصل، بنو، فحذفت لامه، وزيد عليه واو ونون في التذكير وألف وتاء في التأنيث، فلما لم يسلم فيه بناء الواحد عومل معاملة جمع التكسير، وليس الكلام فيه. قال الشاطبي١: ومحل الخلاف في تصحيح الجمعين إذا لم يحصل تغيير فيهما، أما ما تغير منهما: كبنين وبنات فيجوز فيه الوجهان اتفاقًا ا. هـ. "وبأن التذكير في "جاءك" المؤمنات" "للفصل" بالمفعول وهو الكاف على حد قولهم: حضر القاضي امرأة، "أو لأن الأصل النساء المؤمنات" والنساء: اسم جمع، فحذف الموصوف وخلفته صفته، فعوملت معاملته "أو لأن: أل" في "المؤمنات" اسم موصول "مقدرة باللاتي، وهي" أي: اللاتي "اسم جمع" وتقدم أنه يجوز مع الفصل واسم الجمع التذكير والتأنيث، قيل: وفي هذه الأجوبة الثلاثة الأخيرة نظر. أما الأول فلان الفصل بغير "إلا " الأرجح فيه التأنيث وتركه مرجوح، وقد أجمعت السبعة هنا على تركه، فيلزم أن يكونوا قد أجمعوا على وجه مرجوح، وأما الثاني فلأنه يلزم منه حذف الفاعل، والبصري لا يقول به فلا يحسن منه ارتكابه، وفيه نظر؛ لأن الصفة قامت مقام الموصوف, وأما الثالث فلأن "أل" في نحو: المؤمن والكافر معرفة لكون الوصف للثبوت والدوام، لا للحدوث، والتجدد، وسكت الموضح تبعًا للناظم عن إسناد الفعل إلى المثنى، وحكمه حكم مفرده، فإن كان لمذكر وجب
стр. 424
تذكير الفعل نحو: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ [المائدة: ٢٣] وإن كان لمؤنث وجب تأنيث فعله، نحو قالت الهندات.
والحكم "السابع" من أحكام الفاعل: "أن الأصل فيه أن يتصل بفعله"؛ لأنه منزل منه منزلة جزئه, "ثم يجيء المفعول" بعدهما، "وقد يعكس" ذلك فيتصل المفعول بالفعل. ثم يجيء الفاعل بعدهما، "وقد" يتأخر الفعل والفاعل، و"يتقدمهما المفعول، وكل من ذلك" المذكور من تقديم الفاعل على المفعول وعكسه، وتقديم المفعول على الفعل والفاعل جميعًا "جائز وواجب" فهذه ست مسائل داخلة تحت قول الناظم:
٢٣٧-
والأصل في الفاعل أن يتصلا ... والأصل في المفعول أن ينفصلا
٢٣٨-
وقد يجاء بخلاف الأصل ... وقد يجيء المفعول قبل الفعل
"فأما جواز الأصل" وهو تقديم الفاعل على المفعول "فتحو: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ " [النمل: ١٦] ، فـ"سليمان" فاعل و"داود" مفعول. "وأما وجوبه"، أي: الأصل "ففي مسألتين:
إحداهما أن يخشى اللبس" في الفاعل ولا قرينة تميز الفاعل من المفعول، "كـ: ضرب موسى عيسى" فـ"موسى" فاعل، و"عيسى" مفعول، ويمتنع هنا تقديم المفعول على الفاعل خشية التباس أحدهما بالآخر، وصور ذلك ست عشرة صورة، قامت من ضرب أربع في مثلها، وذلك بأن يكونا مقصورين أو إشارتين أو موصولين أو مضافين لياء المتكلم، وكلها داخلة تحت قول الناظم:
٢٣٩-
وأخر المفعول إن لبس حذر ... ..................................
فيتعين في هذه الصورة أن يكون الأول منهما فاعلًا، والثاني مفعولًا، "قاله أبو بكر" بن السراج١ "والمتأخرون كالجزولي٢ وابن عصفور٣ وابن مالك" في النظم وغيره٤، "وخالفهم" في ذلك "ابن الحاج" في نقده على المقرب لابن عصفور، فقال٥: لا يوجد في كتاب سيبويه شيء من هذه الأغراض الواهية، "محتجا بأن العرب تجيز تصغير عمرو وعمر" على عمير، مع وجود اللبس، "وبأن الإجمال من مقاصد
стр. 425
العقلاء" فإن لهم غرضًا في الإجمال، كما أن لهم غرضًا في البيان، "وبأنه يجوز" أن يقال: زيد وعمرو "ضرب أحدهما الآخر"، إذ لا يبعد أن يقصد قاصد ضرب أحدهما من غير تعيين، فيأتي باللفظ المحتمل، "وبأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز عقلا باتفاق" عند الأصوليين، ولغة عند النحويين، فلا يمتنع أن يتكلم بالمجمل ويتأخر البيان إلى وقت الحاجة، كـ: مختار ومنقاد، فإنهما مجملان لترددهما بين الفعل والمفعول بقلب عينهما المكسورة أو المفتوحة ألفًا، "و" جائز "شرعًا على الأصح" خلافًا للمعتزلة وكثير من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الظاهر، وأبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي؛ لأن المراد بالبيان حصول تمكن المكلف من امتثال الأمر، ولا حاجة لذلك إلا عند تعيين الامتثال، فأما قبل ذلك فلا، "وبأن الزجاج نقل" في معانيه "أنه لا خلاف" بين النحويين "في أنه يجوز في نحو: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] كون "تلك" اسمها"، أي: اسم "زال"، "و"دعواهم" الخبر، وبالعكس"، انتهى كلام ابن الحاج.
قال المرادي١: ولا يلزم من إجازة الزجاج الوجهين في الآية جواز مثل ذلك في ضرب موسى عيسى؛ لأن التباس الفاعل بالمفعول ليس كالتباس اسم "زال" بخبرها، وذلك واضح ا. هـ. وكذا يقال في الباقي, فلو زال الالتباس بقرينة لفظية نحو: ضربت موسى سعدى، أو معنوية كأكلت الكمثرى الحبلى جاز التقديم بلا خلاف.
المسألة "الثانية" من مسائل وجوب تقديم الفاعل على المفعول "أن يحصر المفعول بـ"إنما"، نحو: إنما ضرب زيد عمرا"، فيجب تقديم الفاعل على المفعول اتفاقًا؛ لأنه لو أخر انقلب المعنى؛ وذلك لأن معنى قولنا: إنما ضرب زيد عمرًا انحصار ضرب زيد في عمرو، مع جواز أن يكون عمرو مضروبًا لشخص آخر، فإذا أخر وقيل إنما ضرب عمرًا زيد جاز أن يكون زيد ضاربًا لشخص آخر، ولم يجز أن يكون عمرو مضروبًا لشخص آخر، "وكذا الحصر بـ"إلا" عند" أبي موسى "الجزولي٢ وجماعة" من المتأخرين فإنهم أوجبوا تأخير المفعول المحصور بـ"إلا" نحو: ما ضرب زيد إلا عمرًا، "وأجاز البصريون والكسائي والفراء وابن الأنباري" من الكوفيين "
تقديمه"، أي: المفعول مع "إلا" "على الفاعل٣ كقوله" وهو دعبل بن علي الخزاعي: [من الطويل]