"ويجوز الوجهان" التأنيث والتذكير "في مسألتين:
إحداهما:" المؤنث الحقيقي الظاهر "المنفصل" من الفعل بفاصل، "كقوله" وهو جرير بن الخطفى يهجو الأخطل: [من الوافر]
٣٤٢-
"لقد ولد الأخيطل أم سوء" ... على باب استها صلب وشام
فترك التاء من "ولدت" جائز لوجود الفصل بالمفعول وهو الأخيطل بالتصغير، والصلب: بضم الصاد المهملة واللام جمع صليب النصارى، والشام جمع شامة، "وقولهم" أي: العرب: "حضر القاضي اليوم امراة"، فامرأة فاعل "حضر" وترك التاء للفصل بالمفعول وذكر الظرف قصدًا لحكاية الشاهد بتمامه. وإنما لم يجب التأنيث مع الفصل؛ لأن الفعل بعد عن الفاعل المؤنث، وضعفت العناية به، وصار الفصل كالعوض من تاء التأنيث، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٣٢-
وقد يبيح الفصل ترك التاء في ... نحو أتى القاضي بنت الواقف
"والتأنيث أكثر" من التذكير لقوة جانبه، "إلا إن كان الفاصل" بين الفعل وفاعله المؤنث "إلا" الاستثنائية الإيجابية، "فالتأنيث خاص بالشعر، نص عليه الأخفش" وأوجب التذكير في الكلام، نحو: ما قام إلا هند؛ لأن ما بعد "إلا" ليس هو الفاعل في الحقيقة، وإنما هو بدل من فاعل مقدر قبل "إلا"، وذلك المقدر هو المستثنى منه وهو مذكر، ولذلك ذكر الفعل، والتقدير: ما
قام أحد إلا هند، "وأنشد" الأخفش "على التأنيث" في الشعر: [من الرجز]
٣٤٣-
"ما برئت من ريبة وذم ... في حربنا إلا بنات العم"
فـ"بنات العم" فاعل "برئت" وأنثه مع وجود الفصل بـ"إلا"، وجوزه ابن مالك في النثر" على قلة فقال١:
٢٣٣-
والحذف مع فصل بإلا فضلا ... كما زكا إلا فتاة ابن العلا
стр. 422
"وقرئ: "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ" [يس: ٢٩] بالرفع١، وقرأ مالك بن دينار والحسن وأبو رجاء وعاصم الجحدري بخلاف عنه، وجماعة من التابعين: "فَأَصْبَحُوا لَا تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ" [الأحقاف: ٢٥] بضم التاء من "ترى" ورفع "مساكنهم" على النيابة عن الفاعل، وقال ابن جني٢: إنها ضعيفة في العربية.
المسألة "الثانية" من جواز الوجهين: "المجازي التأنيث، نحو: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ " [القيامة: ٩] ، ولو ورد: "وجمعت"، بالتاء، لم يمتنع، "ومنه" أي: من مجازي التأنيث "اسم الجنس" كشجر، "واسم الجمع" المعرب: كقوم ونسوة، "والجمع" المكسر "كإعراب، وهنود" "لأنهن في معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي، فلذلك جاز التأنيث" في الفعل مع اسم الجمع، "نحو: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ " [ق: ١٢] ، "و" مع الجمع المكسر نحو: " ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ " [الحجرات: ١٤] "و" مع اسم الجنس نحو: "أورقت الشجر، و" جاز "التذكير" في الفعل مع اسم الجنس "نحو: أورق الشجر، و" مع اسم الجمع المذكر نحو: " ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ " [الأنعام: ٦٦] "و" مع اسم جمع مؤنث نحو: " ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠] ، "و" مع الجمع المكسر المذكر نحو: "قال الرجال، و" مع جمع التكسير المؤنث نحو: "جاء الهنود"، فأتى في جانب التذكير بالنشر مرتبًا على ترتيب اللف، وفي جانب التأنيث مختلطًا، كقوله: هو شمس وأسد وبحر جود وبهاء وشجاعة، وقيدنا اسم الجمع بالمعرب احترازًا من اسم الجمع المبني نحو: الذين، فإنه لا يقال فيه قالت الذين آمنوا، بالتأنيث، وإن قيل إنه جمع "الذي"، وإنما لم يجب التأنيث مع المؤنث المجازي لأمرين: أحدهما: أن التأنيث غير حقيقي، فتضعف العناية به. والثاني: أن هذا المؤنث في معنى المذكر فيحمل عليه كما حمل المذكر على المؤنث في: جاءتني كتاب زيد، أي: صحيفته، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٣٥-
والتاء مع جمع سوى السالم من ... لتاء مع إحدى اللبن
إلا أن سلامة نظم الواحد في جمعي التصحيح" المذكر والمؤنث "أوجبت التذكير" في الفعل "في نحو: قام الزيدون"، وفي التنزيل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ، "و" أوجبت "التأنيث في" الفعل، "نحو: قامت الهندات" هذا مذهب سيبويه٣ وجمهور البصريين، "خلافًا للكوفيين فيهما"، فإنهم أجازوا في
стр. 423
الفعل مع كل من جمعي التصحيح التذكير والتأنيث، "و" خلافًا "للفارسي" من البصريين "في" جمع تصحيح "المؤنث" فإنه انفرد عن أصحابه بجواز الأمرين، ووافق أصحابه في وجوب تذكير الفعل مع تصحيح المذكر، وتبعه الناظم فلم يستثنه، "واحتجوا بنحو: ﴿إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ " [يونس: ٩٠] فأنث الفعل مع جمع تصحيح المذكر، "و" بنحو: " ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ " [الممتحنة: ١٢] فذكر الفعل مع جمع تصحيح المؤنث، "و" بنحو "قوله": [من الكامل]
٣٤٤-
"فبكى بناتي شجوهن وزوجتي" ... والطامعون إلي ثم تصدعوا
فذكر الفعل مع إسناده إلى جمع تصحيح المؤنث، و"شجوهن" بمعنى: حزنهن مفعول لأجله، و"تصدعوا": انصرفوا. "وأجيب بأن "البنين"" في قوله: "بنو إسرائيل" "و"البنات"" في قوله: "بناتي" "لم يسلم فيهما لفظ الواحد"، إذ الأصل، بنو، فحذفت لامه، وزيد عليه واو ونون في التذكير وألف وتاء في التأنيث، فلما لم يسلم فيه بناء الواحد عومل معاملة جمع التكسير، وليس الكلام فيه. قال الشاطبي١: ومحل الخلاف في تصحيح الجمعين إذا لم يحصل تغيير فيهما، أما ما تغير منهما: كبنين وبنات فيجوز فيه الوجهان اتفاقًا ا. هـ. "وبأن التذكير في "جاءك" المؤمنات" "للفصل" بالمفعول وهو الكاف على حد قولهم: حضر القاضي امرأة، "أو لأن الأصل النساء المؤمنات" والنساء: اسم جمع، فحذف الموصوف وخلفته صفته، فعوملت معاملته "أو لأن: أل" في "المؤمنات" اسم موصول "مقدرة باللاتي، وهي" أي: اللاتي "اسم جمع" وتقدم أنه يجوز مع الفصل واسم الجمع التذكير والتأنيث، قيل: وفي هذه الأجوبة الثلاثة الأخيرة نظر. أما الأول فلان الفصل بغير "إلا " الأرجح فيه التأنيث وتركه مرجوح، وقد أجمعت السبعة هنا على تركه، فيلزم أن يكونوا قد أجمعوا على وجه مرجوح، وأما الثاني فلأنه يلزم منه حذف الفاعل، والبصري لا يقول به فلا يحسن منه ارتكابه، وفيه نظر؛ لأن الصفة قامت مقام الموصوف, وأما الثالث فلأن "أل" في نحو: المؤمن والكافر معرفة لكون الوصف للثبوت والدوام، لا للحدوث، والتجدد، وسكت الموضح تبعًا للناظم عن إسناد الفعل إلى المثنى، وحكمه حكم مفرده، فإن كان لمذكر وجب
стр. 424
تذكير الفعل نحو: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ [المائدة: ٢٣] وإن كان لمؤنث وجب تأنيث فعله، نحو قالت الهندات.
والحكم "السابع" من أحكام الفاعل: "أن الأصل فيه أن يتصل بفعله"؛ لأنه منزل منه منزلة جزئه, "ثم يجيء المفعول" بعدهما، "وقد يعكس" ذلك فيتصل المفعول بالفعل. ثم يجيء الفاعل بعدهما، "وقد" يتأخر الفعل والفاعل، و"يتقدمهما المفعول، وكل من ذلك" المذكور من تقديم الفاعل على المفعول وعكسه، وتقديم المفعول على الفعل والفاعل جميعًا "جائز وواجب" فهذه ست مسائل داخلة تحت قول الناظم:
٢٣٧-
والأصل في الفاعل أن يتصلا ... والأصل في المفعول أن ينفصلا
٢٣٨-
وقد يجاء بخلاف الأصل ... وقد يجيء المفعول قبل الفعل
"فأما جواز الأصل" وهو تقديم الفاعل على المفعول "فتحو: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ " [النمل: ١٦] ، فـ"سليمان" فاعل و"داود" مفعول. "وأما وجوبه"، أي: الأصل "ففي مسألتين:
إحداهما أن يخشى اللبس" في الفاعل ولا قرينة تميز الفاعل من المفعول، "كـ: ضرب موسى عيسى" فـ"موسى" فاعل، و"عيسى" مفعول، ويمتنع هنا تقديم المفعول على الفاعل خشية التباس أحدهما بالآخر، وصور ذلك ست عشرة صورة، قامت من ضرب أربع في مثلها، وذلك بأن يكونا مقصورين أو إشارتين أو موصولين أو مضافين لياء المتكلم، وكلها داخلة تحت قول الناظم:
٢٣٩-
وأخر المفعول إن لبس حذر ... ..................................
فيتعين في هذه الصورة أن يكون الأول منهما فاعلًا، والثاني مفعولًا، "قاله أبو بكر" بن السراج١ "والمتأخرون كالجزولي٢ وابن عصفور٣ وابن مالك" في النظم وغيره٤، "وخالفهم" في ذلك "ابن الحاج" في نقده على المقرب لابن عصفور، فقال٥: لا يوجد في كتاب سيبويه شيء من هذه الأغراض الواهية، "محتجا بأن العرب تجيز تصغير عمرو وعمر" على عمير، مع وجود اللبس، "وبأن الإجمال من مقاصد
стр. 425
العقلاء" فإن لهم غرضًا في الإجمال، كما أن لهم غرضًا في البيان، "وبأنه يجوز" أن يقال: زيد وعمرو "ضرب أحدهما الآخر"، إذ لا يبعد أن يقصد قاصد ضرب أحدهما من غير تعيين، فيأتي باللفظ المحتمل، "وبأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز عقلا باتفاق" عند الأصوليين، ولغة عند النحويين، فلا يمتنع أن يتكلم بالمجمل ويتأخر البيان إلى وقت الحاجة، كـ: مختار ومنقاد، فإنهما مجملان لترددهما بين الفعل والمفعول بقلب عينهما المكسورة أو المفتوحة ألفًا، "و" جائز "شرعًا على الأصح" خلافًا للمعتزلة وكثير من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الظاهر، وأبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي؛ لأن المراد بالبيان حصول تمكن المكلف من امتثال الأمر، ولا حاجة لذلك إلا عند تعيين الامتثال، فأما قبل ذلك فلا، "وبأن الزجاج نقل" في معانيه "أنه لا خلاف" بين النحويين "في أنه يجوز في نحو: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] كون "تلك" اسمها"، أي: اسم "زال"، "و"دعواهم" الخبر، وبالعكس"، انتهى كلام ابن الحاج.
قال المرادي١: ولا يلزم من إجازة الزجاج الوجهين في الآية جواز مثل ذلك في ضرب موسى عيسى؛ لأن التباس الفاعل بالمفعول ليس كالتباس اسم "زال" بخبرها، وذلك واضح ا. هـ. وكذا يقال في الباقي, فلو زال الالتباس بقرينة لفظية نحو: ضربت موسى سعدى، أو معنوية كأكلت الكمثرى الحبلى جاز التقديم بلا خلاف.
المسألة "الثانية" من مسائل وجوب تقديم الفاعل على المفعول "أن يحصر المفعول بـ"إنما"، نحو: إنما ضرب زيد عمرا"، فيجب تقديم الفاعل على المفعول اتفاقًا؛ لأنه لو أخر انقلب المعنى؛ وذلك لأن معنى قولنا: إنما ضرب زيد عمرًا انحصار ضرب زيد في عمرو، مع جواز أن يكون عمرو مضروبًا لشخص آخر، فإذا أخر وقيل إنما ضرب عمرًا زيد جاز أن يكون زيد ضاربًا لشخص آخر، ولم يجز أن يكون عمرو مضروبًا لشخص آخر، "وكذا الحصر بـ"إلا" عند" أبي موسى "الجزولي٢ وجماعة" من المتأخرين فإنهم أوجبوا تأخير المفعول المحصور بـ"إلا" نحو: ما ضرب زيد إلا عمرًا، "وأجاز البصريون والكسائي والفراء وابن الأنباري" من الكوفيين "
تقديمه"، أي: المفعول مع "إلا" "على الفاعل٣ كقوله" وهو دعبل بن علي الخزاعي: [من الطويل]
стр. 426
٣٤٥-
"ولما أبى إلا جماحًا فؤاده" ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
فقدم المفعول المحصور بـ"إلا" وهو "جماحا" على الفاعل وهو "فؤاده"، والجماح هنا الإسراع, والجموح من الرجال الذي يركب هواه فلا يرده شيء، وقوله وهو مجنون بني عامر: [من الطويل]
٣٤٦-
تزودت من ليلى بتكليم ساعة ... "فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها"
فقدم المفعول المحصور بـ"إلا" وهو "ضعيف" على الفاعل وهو كلامها، و"قوله" وهو زهير بن أبي سلمى بضم السين: [من الطويل]
٣٤٧-
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... "ويغرس إلا في منابتها النخل"
فقدم الجار والمجرور وهو بمثابة المفعول المحصور بـ"إلا" على نائب الفاعل، وهو "النخل" لأنه بمثابة الفاعل، "وينبت" بضم الياء مضارع أنبت، و"الخطي" بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء الرمح المنسوب إلى الخط، وهو سيف البحر عند عمان، بتخفيف الميم والبحرين مفعول مقدم، و"وشيجه"، بالشين المعجمة والجيم جمع وشيجة وهي عروق شجر الرماح فاعل مؤخر، "ويغرس" بالبناء للمفعول و"النخل" نائب الفاعل، والمانع لتقديم المفعول المحصور مع "إلا" على الفاعل يدعي تقدير عامل للمرفوع: قال في التسهيل١ وتبعه في المغني٢: ولا يعمل ما قبل "إلا" فيما بعدها إلا
стр. 427
أن يكون مستثنى نحو: ما قام إلا زيد، أو مستثنى منه، نحو: ما قام إلا زيدًا أحد، أو تابعًا له نحو: ما قام أحد إلا زيدًا فاضل، وما ظن من غير هذه الثلاثة معمولا لما قبلها قدر له عامل، ا. هـ.
ولو قيل المرفوع في هذه الأبيات ليس واقعًا في مركزه الأصلي؛ لأنه مؤخر من تقديم فهو واقع قبل "إلا" تقديرًا لا بعدها لم يبعد, ولكنهم لم ينظروا إلى ذلك محتجين بأن الشيء إذا حل في موضعه لا ينوى مع غيره؛ وإلا لجاز ضرب غلامه زيدًا وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٢٤٠-
وما بإلا أو بإنما انحصر ... أخر وقد يسبق إن قصد ظهر
"وأما توسط المفعول" بين الفعل والفاعل "جوازًا، فنحو: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ " [القمر: ٤١] فـ"النذر" فاعل "جاء" و"آل فرعون" مفعول به متوسط بين الفعل والفاعل، "و" نحو "قولك: خاف ربه عمر"، فـ"عمر" فاعل و"ربه" مفعول. "قال" جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: [من البسيط]
٣٤٨-
جاء الخلافة إذ كانت له قدرًا ... "كما أتى ربه موسى على قدر"
فـ"موسى" فاعل و"ربه" مفعول متوسط بين الفعل وفاعله، ولا يضر اتصاله بضمير الفاعل المتأخر لتقدمه في الرتبة، وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٤١-
وشاعه نحو خاف ربه عمر ... .................................
والمراد عمر بن الخطاب ﵁.
"وأما وجوبه" أي: وجوب توسط المفعول بين الفعل وفاعله "ففي مسألتين:
إحداهما أن يتصل بالفاعل ضمير المفعول نحو: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ " [البقرة: ١٢٤] ، فـ"إبراهيم" مفعول مقدم، و"ربه" فاعل مؤخر وجوبًا، "و" نحو: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] فـ"معذرتهم" فاعل مؤخر، و"الظالمين" مفعول مقدم وجوبًا، وإنما وجب تقديم المفعول فيهما لئلا يعود ضمير على المفعول، وهو متأخر لفظا ورتبة، "و" لأجل ذلك "لا يجيز أكثر النحويين نحو: زان نوره الشجر" بتقديم الفاعل على المفعول، "لا في نثر ولا في شعر، وأجازه فيهما
стр. 428
الأخفش وابن جني١" من البصريين "و" أبو عبد الله "الطوال"، بضم الطاء، وتخفيف الواو من الكوفيين "وابن مالك" في التسهيل٢ في باب الضمير "احتجاجًا" في النثر بقولهم: ضربوني وضربت قومك، بإعمال الثاني، حكاه سيبويه٣، وأجازه البصريون، وضربته زيدًا، بإبدال "زيد" من الهاء بإجماع، حكاه ابن كيسان، وكلاهما فيه ما في: ضرب غلامه زيدًا من تقديم ضمير على مفسر مؤخر الرتبة وفي الشعر، "بنحو قوله" وهو النابغة أو أبو الأسود أو عبد الله بن همارق على اختلاف فيه: [من الطويل]
٣٤٩-
"جزى ربه عني عدي بن حاتم" ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
فـ"ربه" فاعل، وهو متصل بضمير عائد إلى "عدي" وهو مفعول، ورتبته التأخير، و"جزاء الكلاب" مفعول مطلق. واختلف في معنى "جزاء الكلاب" فقيل هو الضرب والرمي بالحجارة. وقال الأعلم ليس بشيء، وإنما هو دعاء عليه بالابنة إذ الكلاب تتعاوى عند طلب السفاد، وهذا من ألطف الهجو٤. "والصحيح جوازه في الشعر فقط" للضرورة، وهو الإنصاف؛ لأن ذلك إنما ورد في الشعر، فلا يقاس عليه، وأما الإعمال، والبدل فمستثنيان لمجيئهما على خلاف الأصل، إذ الأصل والكثير الشائع تقدم مفسر ضمير الغائب باعتراف ابن مالك وغيره، فمتى جاء ما يخالفه فلا يعول عليه في قياس ما ليس من بابه عليه، كما استثنى بيع العرايا بخرصها تمرًا إلى الجذاذ مما خارج عن القواعد، وإلى ذلك أشار الناظم فقال:
٢٤١-
................... ... وشذ نحو زان نوره الشجر
"و" المسألة "الثانية" من مسألتي وجوب توسط المفعول بين الفعل وفاعله
стр. 429
"أن يحصر الفاعل بـ"إنما"" باتفاق، "نحو ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ " [فاطر: ٢٨] ، فـ"العلماء" فاعل محصور فيه الخشية، فوجب تأخيره فلزم توسط المفعول، والمعنى، ما يخشى الله من عباده إلا العلماء، "وكذا الحصر بـ"إلا" عند غير الكسائي" فإنه يجب تأخير الفاعل المحصور بـ"إلا" نحو: ما ضرب عمرًا إلا زيد، "واحتج" الكسائي على عدم وجوب تأخير الفاعل المحصور بـ"إلا" "بقوله" [من البسيط]
٣٥٠-
"ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم ... ولا جفا قط إلا جبأ بطلا"
فقدم الفاعل المحصور بـ"إلا" في الموضعين، والأصل: ما عاب فعل ذي كرم إلا لئيم، ولا جفا بطلًا إلا جبأ، وعاب بالعين المهملة من العيب، واللئيم هنا البخيل، مقابل الكريم، والجبأ بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة وفي آخره همزة غير ممدود: الجبان، ومقابله البطل وهو الشجاع، "وقوله": [من البسيط]
٣٥١-
نبئتهم عذبوا بالنار جارهم ... "وهل يعذب إلا الله بالنار"
فقدم الفاعل المحصور بـ"إلا" على المجرور بالباء، وطوى ذكر المفعول، و"هل" بمعنى "ما"، والأصل ما يعذب أحد أحدًا بالنار إلا الله، و"نبئتهم" مبني للمفعول، وضمير المتكلم مفعوله الأول قائم مقام الفاعل، وضمير الغائبين مفعوله الثاني، وجملة "عذبوا" في موضع المفعول الثالث، "وجارهم" مفعول "عذبوا" لا المفعول الثالث خلافًا للعيني "وقوله": [من الطويل]
٣٥٢-
"فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا" ... عشية إنآء الديار وشامها
فقدم الفاعل المحصور بـ"إلا" على المفعول وهو "ما هيجت"، والأصل: فلم يدر ما هيجت لنا إلا الله و"عشية" منصوب على الظرفية، والإنآء بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الهمزة الممدودة كالإبعاد وزنا ومعنى، والوشام، بكسر الواو جمع وشيمة: الكلام الشر والعداوة، والوشام أيضًا من الوشم. يقال وشم يده وشمًا إذا غرزها بالإبرة ثم ذر عليها النيلة، مرفوع على الفاعلية بـ"هيجت"، وغير الكسائي قدر
стр. 430
للمنصوب والمجرور غير المحصورين في هذه الأبيات ونحوها عاملا، فقدر قبل: "فِعَلَ" ذي كرم عاب، وقيل: "بطلا" جفأ، وقبل "بالنار" يعذب، وقبل "ما هيجت" درى، بناء على أن ما قبل "إلا" لا يعمل فيما بعدها إلا في مستثنى أو مستثنى منه، أو تابع له، كما تقدم تمثيله وتقريره عليه جرى في التسهيل١، وخالف هنا فقال:
٢٤٠-
وما بإلا أو بإنما انحصر ... أخر وقد يسبق إن قصد ظهر
"وأما تقديم المفعول" على الفعل والفاعل "جوازا فنحو: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ " [البقرة: ٨٧] ، فـ"فريقًا" فيهما مفعول مقدم للفعل الذي بعده، ويجوز في غير القرآن تأخيره.
"وأما وجوبًا" أي: وجوب تقديم المفعول على الفعل، والفاعل جميعًا "ففي مسألتين:
إحداهما أن يكون" المفعول "مما له الصدر" كأن يكون اسم استفهام، "نحو: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ " [غافر: ٨١] ، "فأي" مفعول مقدم لـ"تنكرون"، أو اسم شرط، نحو: " ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ " [الإسراء: ١١٠] فـ"أيا" اسم شرط مفعول مقدم لـ"تدعوا"، و"ما" صلة، و"تدعوا" مجزوم بـ"أيا"، فكل منهما عامل في عامله من جهتين مختلفتين.
المسألة "الثانية:" من [مسألتي] ٢ وجوب تقديم المفعول على عامله "أن يقع عامله بعد الفاء" الجزائية في جواب "أما" ظاهرة أو مقدرة، "وليس له"، أي: العامل المفعول "منصوب غيره" أي: غير المفعول "مقدم" نعت منصوب "عليها" أي: على الفاء، مثال "أما" المقدرة: "نحو: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ " [المدثر: ٣] فتقديره: وأما ربك فكبر، "و" مثال "أما" الظاهرة "نحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ " [الضحى: ٩] وإنما وجب تقديم المفعول فيهما حذارًا من أن تلي الفاء "أما" الملفوظة أو المقدرة ففصل بينهما بالمفعول، فإن قيل ما بعد فاء الجزاء لا يعمل فيما قبلها، فكيف عمل ههنا في المفعول؟ فالجواب أنها إنما تمنع ما بعدها أن يعمل فيما قبلها إذا كانت في مركزها الأصلي، وهي ههنا ليست فيه؛ لأنها مؤخرة من تقديم، وكان حقها أن تدخل على المفعول المتقدم لطلبها المصدر ما أمكن، ولكنها زحلقت إلى الفعل حذرًا من إيلائها أما "
بخلاف" ما إذا كان للفعل منصوب غير المفعول به مقدم على الفاء فإنه يكتفي بالفصل بذلك
стр. 431
المنصوب فلا يجب تقديم المفعول نحو: "أما اليوم فاضرب زيدًا"، فالعامل، وهو فعل الأمر له منصوبان وهما الظرف والمفعول به، وتقدم الظرف وحصل الفصل به فاستغني عن تقديم المفعول.
"تنبيه":
يدرك بالتأمل فيما تقدم "إذا كان الفاعل والمفعول" به "ضميرين" متصلين "ولا حصر في أحدهما وجب تقديم الفاعل" على المفعول كما هو الأصل فيهما، "كضربته"، فالتاء فاعل، والهاء مفعول إذ لو قدم المفعول على الفاعل هنا تعذر الاتصال في الفاعل.
"وإذا كان المضمر" المتصل "أحدهما فإن كان" المضمر "مفعولا" والظاهر فاعلا "وجب" في المضمر "وصله" بالفعل "وتأخير الفاعل" الظاهر عن المفعول "كـ: ضربني" زيد"؛ لأنه لو قدم الفاعل والحالة هذه وجب أن يؤتى بالضمير مفصولا مع إمكان اتصاله.
"وإن كان" المضمر "فاعلا" والظاهر مفعولا "وجب" في المضمر "وصله" بالفعل "و" وجب إما "تأخير المفعول" الظاهر عن الفاعل "أو تقديمه" عليه "وعلى الفعل" معًا، "كـ: ضربت زيدًا وزيدًا ضربت" حذرًا من ارتكاب الانفصال مع التمكن من الاتصال.
"وكلام الناظم" في النظم "يوهم امتناع التقديم" للمفعول على الفعل كزيدًا ضربت؛ "لأنه سوى" في النظم "بين هذه المسألة" وهي مسألة: ضربت زيدًا "ومسألة: ضرب موسى عيسى"، في وجوب تأخير المفعول فيهما عن الفاعل فقال:
٢٣٩-
وأخر المفعول إن لبس حذر ... أو أضمر الفاعل غير منحصر
فاقتضى أنه لا يجوز: زيدًا ضربت، كما لا يجوز: عيسى ضرب موسى بتقديم المفعول على الفعل، "والصواب ما ذكرنا" من جواز نحو: زيدًا ضربت، إذ لا لبس، وامتناع نحو: عيسى ضرب موسى. لئلا يتوهم أن عيسى مبتدأ، وأن الفعل متحمل لضميره، وأن موسى مفعول.
وحاصل ما ذكره الموضح من أول الحكم السابع إلى هنا من أحكام الوجوب أنه يجب تقديم الفاعل على المفعول في ثلاثة مسائل: أن يخشى اللبس، وأن يكون المفعول محصورًا فيه، وأن يكون الفاعل والمفعول ضميرين متصلين، وأنه يجب توسط
стр. 432
المفعول في مسألتين: أن يكون الفاعل ملتبسًا بضمير المفعول، وأن يكون الفاعل محصورًا فيه، وأنه يجب تقديم المفعول على عامله في مسألتين: أن يكون له صدر الكلام، وأن يكون معمولا لما بعد الفاء بشرطه, وأنه يجب تأخير الفاعل في مسألة واحدة، وهي ما إذا كان المفعول ضميرًا متصلا والفاعل اسمًا ظاهرًا، وأنه يجب اتصال الفاعل بالفعل، ويخير في المفعول بين تقديمه على الفعل وتأخيره عن الفاعل في مسألة واحدة، وهي ما إذا كان الفاعل ضميرًا متصلا والمفعول اسما ظاهرًا، والجواز فيما عدا ذلك.
стр. 433
باب النائب عن الفاعل
مدخل
...
باب النائب عن الفاعل:
"هذا باب النائب عن الفاعل":
قال أبو حيان١: لم أر مثل هذه الترجمة لغير ابن مالك٢، والمعروف باب المفعول الذي لم يسم فاعله.
"قد يحذف الفاعل للجهل به كـ: سرق المتاع"، إذا لم يعلم السارق من هو، "أو لغرض لفظي" كالإيجاز، نحو: قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ، وكإصلاح السجع، كقولهم: من طابت سريرته حمدت سيرته, فإنه لو قال: حمد الناس سيرته لاختلفت السجعة، قاله الموضح في شرح القطر٣ وغيره "وكتصحيح النظم" كما وقع للأعشى ميمون بن قيس في قوله في قنة كانت لرجل من آل عمرو بن مرثد: [من البسيط]
٣٥٣-
"علقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري وعلق أخرى ذلك الرجل"
فبنى "علق" في المواطن الثلاثة للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به وهو الله تعالى لتصحيح النظم إذ لو قال: علقني الله إياها، وعلقها الله رجلا غيري، وعلق الله أخرى ذلك الرجل لاختل النظم، والتعليق هنا المحبة، و"عرضًا" بالعين المهملة وفتح
стр. 434
الراء مفعول مطلق، أي: تعليقًا عرضًا من غير قصد. قال في الصحاح١: وقولهم علقها عرضًا إذا هوى امرأة، أي: اعترضت لي فعلقتها من غير قصد ا. هـ. واسم هذه القينة هريرة، كما صرح به في بيت أول القصيدة في قوله٢: [من البسيط]
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وهريرة هذه عشقت رجلا غيره، وذلك الذي عشقته هريرة عشق امرأة غيرها.
"أو" لغرض "معنوي كأن لا يتعلق بذكرة غرض" أي: قصد "نحو: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ " [البقرة: ١٩٦] " ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ﴾ " [النساء: ٨٦] " ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾ " [المجادلة: ١١] ، إذ ليس من الغرض من هذه الأفعال إسنادها إلى فاعل مخصوص بل إلى أي فاعل كان. وحيث حذف الفاعل "فينوب عنه في رفعه وعمديته ووجوب التأخير عن فعله واستحقاقه للاتصال به" وصيرورته كالجزء منه وعدم حذفه "وتأنيث الفعل لتأنيثه" إن كان مؤنثًا غير مجرور "واحد" فاعل ينوب "من أربعة" بيان لواحد.
"الأول" منها: "المفعول به" لأنه كالفاعل في كون الفعل حديثًا عنه وفي جواز إضافة المصدر إليه، ولا فرق في الفعل بين الصحيح كـ: ضرب زيد، والمعتل العين أو اللام "نحو: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤] ، والأصل: غاض الله الماء وقضى الله الأمر، فحذف الفاعل للعلم به، وأنيب المفعول به منابه فصار مرفوعًا بعد أن كان منصوبًا، وعمدة بعد أن كان فضلة، وواجب التأخير [عن الفعل] ٣ بعد أن كان جائز التقديم عليه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٤٢-
ينوب مفعول به عن فاعل ... فيما له.........................
"الثاني: المجرور" كما عبر عنه البصريون سواء أكان الفعل لازما للبناء للمفعول أم لا. فالأول "نحو: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ " [الأعراف: ١٤٩] "و" الثاني نحو: "قولك، سير بزيد"؛ لأن المجرور بالحرف مفعول به معنى فصح نيابته عن الفاعل، هذا مذهب الجمهور.
"وقال ابن درستويه والسهيلي وتلميذه" أبي علي "الرندي" بالراء المهملة والنون: "النائب ضمير المصدر" المفهوم من الفعل المستتر فيه، والتقدير: ولما سقط هو،
стр. 435
أي: السقوط، وسير هو، أي: السير، "لا المجرور" بالحرف المعدى؛ "لأنه لا يتبع على المحل"، أي: محل المجرور إذا ناب عن الفاعل، "بالرفع" فلا يقال: مر بزيد الظريف، ولا ذهب إلى زيد وعمرو، برفع التابع فيهما ولو كان المجرور نائبًا عن الفاعل لجاز في تابعه الرفع كما جاز في تابع الفاعل المجرور بالمصدر الرفع، كقولهك [من الكامل]
٣٥٤-
.................. ... طلب المعقب حقه المظلوم
برفع "المظلوم" على محل "المعقب" فلما لم يتبع على المحل علمنا أنه ليس هو النائب "ولأنه" أي: المجرور قد "يتقدم" على عامله "نحو: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ " [الإسراء: ٣٦] ، فلو كان "عنه" هو النائب لما تقدم على عامله وهو "مسئولا"، والفاعل لا يتقدم على عامله، فنائبه كذلك إذ لا يتقدم الفرع إلا حيث يتقدم الأصل؛ "ولأنه" أي: المجرور، "إذا تقدم لم يكن مبتدأ، وكل شيء ينوب عن الفاعل فإنه إذا تقدم كان مبتدأ" نحو: الزيت كيل، ورمضان صيم، وضرب شديد ضرب، كما أن الفاعل إذا تقدم كان مبتدأ، نحو: زيد قام، وأجاز الكوفيون تقديم الفاعل ونائبه باقيين على حالهما؛ "ولأن الفعل لا يؤنث له" أي: للمجرور المؤنث إذا ناب عن الفاعل "في نحو: مر بهند" وكل مؤنث ينوب عن الفاعل فإن الفعل يؤنث له نحو: ضربت هند، فثبت بهذه العلل الربع أن المجرور لا ينوب عن الفاعل.
"و" قال الجمهور: "لنا" من الأدلة على نيابة المجرور في لسان العرب "قولهم: سير بزيد سيرًا" بالنصب، فأنابوا المجرور، ولم ينيبوا المصدر لإبهامه، بل أبقوه منصوبًا، ولو أنابوه لرفعوه، وإذا لم ينب المصدر الظاهر فضميره أولى بالمنع لكونه أشد إبهامًا منه, وأما كونه يرجع إلى معهود فالأصل عدمه، ولنا من الأجوبة "أنه إنما يراعى محل يظهر" إعرابه "في الفصيح" من الكلام وهو المجرور بحرف زائد أو غير زائد ومدخوله ظرف، فالأول "نحو: لست بقائم ولا قاعدًا" بالنصب اتباعًا لمحل "قائم" فإنه يظهر إعراب محله في فصيح الكلام، فيقال: لست قائمًا، والثاني نحو قوله: [من الطويل]
стр. 436
٥٥-
فإن لم تجد من دون عدنان والدًا ... ودون معد فلتزعك العواذل
بنصب "دون" الثانية اتباعًا لمحل "دون" الأولى، فإن إعرابها النصب بـ"تجد"، ويظهر في الفصيح نصبه، فيقال: فإن لم تجد دون عدنان، "بخلاف" المجرور بحرف أصلي معد، "نحو: مررت بزيد الفاضل" بالنصب، اتباعًا لمحل المجرور المنصوب على المفعولية، أو: مر بزيد الفاضل، بالرفع، اتباعًا لمحل المجرور المرفوع على النيابة عن الفاعل "فلا يجوزان" خلافًا لابن جني١؛ "لأنه لا يجوز" في الفصيح حذف الجار وتعدية الفعل إليه بنفسه مع دون أنّ وأنْ وكي, إلا شذوذا, فلا تقل: "مررت بزيد" بالنصب على المفعولية "ولا: مر زيد" بالرفع على النيابة عن الفاعل، وإذا لم يكن فصيحًا فلا يجوز مراعاته، وأما قوله: [من الرجز]
٣٥٦-
يسلكن في نجد وغورًا غائرًا
بالنصب فالفصيح أنه منصوب بفعل محذوف، أي: ويسلكن غورًا، لا بالعطف على محل "نجد" فسقط قولهم؛ لأنه لا يتبع على المحل بالرفع، وأما قولهم؛ ولأنه يتقدم نحو: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] ، فـ"عنه" ليس هو النائب عن الفاعل، خلافًا لصاحب الكشاف٢، ولا ضمير المصدر كما قالوا "و" إنما "النائب في" هذه "الآية ضمير راجع إلى ما رجع إليه اسم "كان" وهو المكلف" المدلول عليه بالمعنى، والتقدير: مسئولا هو، أي: المكلف، وإنما لم يقدر ضمير "كان" راجعًا "لكل"، لئلا يخلو "مسئولا" عن ضمير، فيكون مسندًا إلى "عنه" وذلك لا يجوز كما تقدم، وأما قولهم ولأنه إذا تقدم لم
стр. 437
يكن مبتدأ فذاك حيث لم يمنع مانع "وامتناع الابتداء" في المجرور بحرف أصلي "لعدم التجرد" من العوامل اللفظة غير المزيدة وشبهها، هكذا أجاب ابن عصفور، وأجاب الخفاف بأنه قد يتفق في بعض الفاعلين أنه لا يجوز أن يتقدم مبتدأ، فالنائب أحق وأجدر وذلك نحو: نعم امراة هند إذ لو قيل: هي نعم امرأة لم يجز؛ لأن المبتدأ حينئذ يصير عائدًا على شيء من الخبر مؤخر. ا. هـ.
"وقد" يتفق لبعض ما ينوب عن الفاعل أنه لا يجوز أن يتقدم بالكلية فضلًا عن أن يكون مبتدأ وذلك أنهم "أجازوا النيابة في: لم يضرب من أحد" اتفاقًا؛ لأن الجر بالحرف الزائد كلا جر "مع امتناع: من أحد لم يضرب" لأن "من" لا تزاد في الإيجاب لا لوقوع "أحد" في الإثبات لأن نفي ضميره مسوغ لذلك كقوله: [من الطويل]
٣٥٧-
إذا أحد لم يعنه شأن طارق ... .................................
نص عليه ابن مالك في التسهيل١ في باب العدد، وحيث امتنع التقديم امتنع الابتداء، وأما قولهم ولأن الفعل لا يؤنث له في نحو: مر بهند؛ فلأنه لما لم يظهر تأثيره في رفعه لشغله بحرف الجر نزل منزلة الفضلة، فلم يؤنث الفعل له، فأما قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] ، بالتاء المثناة فوق في قراءة مجاهد٢، فقال ابن جني٣: محمولة على معنى: إن تسامح طائفة، بدليل ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَة﴾ [التوبة: ٦٦] ولئن سلمنا ذلك فلا نسلم وجوب التأنيث في الفعل المسند إلى المؤنث المجرور، بالحرف فقد٤ "قالوا في ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] إن المجرور فاعل مع امتناع: كفت بهند" بتأنيث الفعل مع أن الفاعل مجرور بحرف زائد، فما بالك إذا كان مجرورًا بحرف أصلي، هذا تقدير كلام الموضح، وهو معارض بنحو: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] ، ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ [فصلت: ٤٧] بتأنيث الفعل مع أن فاعله مجرور بحرف زائد، واختلف في سبب امتناع كفت بهند، فقال الزجاج٥: لأنه كفى مضمن معنى اكتف، وفعل الأمر لا يؤنث لتأنيث فاعله. وقال ابن السراج: إن
стр. 438
فاعل كفى ضمير مستتر يعود على الاكتفاء، والباء متعلقة بالمضمر، أي: كفى الاكتفاء بهند، ورد بأن ضمير المصدر لا يعمل عند البصريين، وهو منهم، خلافًا للكوفيين.
"الثالث" مما ينون عن الفاعل: "مصدر" متصرف "مختص" بصفة أو غيرها "نحو: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةً وَاحِدَةً﴾ " [الحاقة: ١٣] ، فـ"نفخة" نائب الفاعل وهو مصدر١ متصرف لكنه مرفوعا، ومختص لكونه موصوفًا بـ"واحدة" وغير المتصرف من المصادر ما لزم النصب على المصدرية، نحو: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [المؤمنون: ٩١] وغير المختص المبهم، نحو: سير فيمتنع سبحانه الله بالضم، على أن يكون نائب فاعل فعله المقدر على أن الأصل: يسبح سبحان الله لعدم تصرفه، "ويمتنع نحو: سير سير لعدم الفائدة" إذ المصدر المبهم مستفاد من الفعل فيتحد معنى المسند المسند إليه ولا بد من تغايرهما، بخلاف ما إذا كان مختصا فإن الفعل مطلق، ومدلول المصدر مقيد فيتغايران فتحصل الفائدة، وإذا امتنع سِيْرَ سَيْرٌ مع إظهار المصدر "فامتناع سير", بالبناء للمفعول على "إضمار ضمير" المصدر " [السير] ٢ أحق" بالمنع؛ لأن ضمير المصدر المؤكد أكثر إبهامًا من ظاهره "خلافًا لمن أجازه" كالكسائي وهشام فيما نقل ابن السيد أنهما أجازا: جلس، بالبناء للمفعول، وفيه ضمير مجهول، قال ثعلب: أراد أن فيه ضمير المصدر، وتبعهما أبو حيان في النكت الحسان، فقال٣: ومضمر المصدر يجري مجرى مظهره فيجوز أن تقول: قيم وقعد، فتضمر المصدر كأنك قلت: قيم القيام، وقعد القعود، ا. هـ.
والصحيح المنع، "وأما قوله" وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٣٥٨-
"وقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب
"فـ" النائب عن الفاعل بـ"يعتلل" ضمير مصدر مختص بلام العهد، أو بصفة محذوفة، و"المعنى: ويعتلل" هو، أي: "الاعتلال المعهود، أو اعتلال، ثم خصصه بـ"عليك" أخرى" في موضع الحال من الضمير ليقيد بها فيفيد ما لم يفده الفعل؛ لأنه إنما يدل على مصدر نكرة محضة وهي حال "محذوفة للدليل" الدال عليهما
стр. 439
وهو "عليك" المذكورة قبل الفعل، وحذفت "كما تحذف الصفات المخصصة" للموصوفات للدليل، كقوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: نافعًا؛ لأن أعمالهم توزن بدليل، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٩] الآية، قاله في المغني. وإضمار ضمير المصدر النوعي أجازه سيبويه١؛ لأن الفعل لا يدل عليه قاله ابن خروف في شرح كتاب سيبويه. و"يسؤك" من الإساءة جواب الشرط الأول، و"تدرب" بالدال المهملة من الدربة، وهي العادة جواب الشرط الثاني والاعتلال: الاعتذار، يقال: اعتل عليه بعلة اعتذر له عن قضاء غرضه بعذر، "وبذلك" التوجيه "يوجه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ " [سبأ: ٥٤] ، بالنصب، فيكون المعنى: وحيل هو، أي: الحول المعهود، أو حول بينهم إلا أن الصفة هنا مذكورة، "و" بذلك يوجه أيضًا "قوله" وهو طرفة بن العبد: [من الطويل]
٣٥٩-
"فيا لك من ذي حاجة حيل دونها" ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
فيكون المعنى: حيل هو، أي: الحول المعهود، أوحول دونها، وليس النائب الظرف فيهما؛ لأنه غير متصرف عند جمهور البصريين، وعن الأخفش أنه أجاز في: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] ، ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] أن يكون الظرف في موضع رفع مع فتحه، ثم قال أبو علي٢ وتلميذه ابن جني٣ فتحة إعراب، واستشكل، وقال غيرهما فتحة بناء، وهو المشهور، ولو قرئ: "وَحِيلَ بَيْنُهُمْ" [سبأ: ٥٤] ، أو روي حيل دونها، بالرفع فيهما كما قرئ: "لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ"، بالرفع٤، وكما روي: [من الطويل]
٣٦٠-
..................... ... وباشرت حد الموت والموت دونها
стр. 440
بالرفع أيضًا لجاز، ولم يحتج إلى هذا التوجيه، "و" بذلك أيضًا "قوله" وهو الفرزدق يمدح زين العابدين علي بن الحسين بن علي ﵃ أجمعين: [من البسيط]
٣٦١-
"يغضي حياء ويغضى من مهابته" ... فما يكلم إلا حين يبتسم
فيكون المعنى: يغضي الإغضاء المعهود، أو إغضاء من مهابته، "ولا يقال النائب المجرور" بـ"من" وهو "مهابته" "لكونه مفعولا له"، قاله ابن جني فيما كتب على الحماسة، وتبعه أبو البقاء في شرح لمع ابن جني فقال: والجمهور على نيابة المفعول له، خلافًا للأخفش وضعفه، قال الخفاف: وعلة المنع أن المفعول له مبني على سؤال مقدر، فكأنه من جملة أخرى ا. هـ. وبهذا يعلل منع نيابة الحال؛ لأنه مبني على سؤال مقدر ولا ينوب التمييز خلافًا للكسائي وهشام، ولا المفعول معه, ولا خبر "كان"، فلا يقال كين قائم، خلافًا للفراء.
"الرابع" مما ينوب عن الفاعل "ظرف" زماني أو مكاني "متصرف مختص" فالزماني "نحو: صيم رمضان، و" المكان نحو: "جلس أمام الأمير"، فـ"رمضان وأمام" ظرفان متصرفان؛ لأنهما يخرجان عن الظرفية إلى الفاعلية والمفعولية والإضافة وغيرها، ومختصان بالعلمية في الأول والإضافة في الثاني، "ويمتنع نيابة نحو عندك ومعك وثم" بفتح المثلثة، فلا يقال: جلس عندك ولا معك ولا ثم، "لامتناع رفعهن" وخصهن بالذكر؛ لأنهن لا يتصرفن تصرفًا كاملا؛ لأن "من" تدخل عليهن فما لا يتصرف بحال كـ"قط وعوض" أولى بالمنع، ويمتنع نيابة "نحو: مكانا وزمانًا إذا لم يقيدا" بقيد يخصصهما، فلا يقال: جلس مكان، ولا صيم زمان لعدم الفائدة؛ لأن الفعل يدل على مطلق المكان والزمان التزامًا في الأول ووضعًا في الثاني، فإن قيدا بوصف مثلا جاز نيابتهما نحو: جلس مكان حسن، وصيم زمان طويل، لحصول الفائدة بالاختصاص بالوصف؛ لأن الفعل لا يدل على خصوصية الوصف، وإلى جواز نيابة المجرور والمصدر، والظرف أشار الناظم بقوله:
٢٥٠-
وقابل من ظرف أو من مصدر ... أو حرف جر بنيابة حري
стр. 441
"و" حيث وجد المفعول به وغيره من مصدر وظرف ومجرور "لا ينوب غير المفعول به مع وجوده" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٥١-
ولا ينوب بعض هذي إن وجد ... في اللفظ مفعول به..................
لأن غير المفعول به إنما ينوب بعد أن يقدر مفعولا به مجازا، فإذا وجد المفعول به حقيقة لم يقدم عليه غيره؛ لأن تقديم غيره عليه من تقديم الفرع على الأصل لغير موجب، "وأجازه الكوفي١" أي: أجاز الكوفيون٢، أن ينوب غير المفعول به مع وجوده "مطلقًا" أي: من غير شرط سواء تأخر النائب عن المفعول به أو تقدم عليه.
فالأول "كقراءة أبي جعفر: "لِيَجْزَى قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"" [الجاثية: ١٤] ، فبنى "يجزى" للمفعول وأناب المجرور بالباء عن الفاعل مع وجود المفعول به وهو "قومًا" مقدمًا على النائب٣.
والثاني كضرب في الدار زيدًا، "و" أجازه "الأخفش بشرط تقديم النائب" على المفعول به٤ كالمثال الثاني، "وكقوله": [من الرجز]
٣٦٢-
وإنما يرضي المنيب ربه ... "ما دام معنيا بذكر قلبه"
فـ"معنيا" اسم مفعول من "عني بحاجتك"، أصله معنوي، كمضروب، أعل بقلب الواو ياء وإدغامها في الياء وقلب الضمة كسرة، ونائب فاعله هو المجرور بالباء وهو "ذكر" مع وجود المفعول به مؤخرًا وهو "قلبه"، "و" نحو "قوله" وهو رؤبة: [من الرجز]
стр. 442
٣٦٣-
"لم يعن بالعلياء إلا سيدًا" ... ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى
فـ"يعن" مضارع مبني للمفعول من "عني بكذا"، و"بالعلياء" نائب: الفاعل، "وسيدا" مفعول به مؤخر، واختاره الناظم في التسهيل١، وظاهر قول الناظم:
٢٥٠-
.................. ... ................. وقد يرد
يشمل مذهب الكوفيين والأخفش. وأجاب جمهور البصريين عن البيتين بأنهما ضرورة، وعن القراءة بأنها شاذة. قال الموضح في شرح القطر٢، ويحتمل أن يكون النائب عن الفاعل في الآية ضميرًا مستترًا في الفعل عائدا على "الغفران" المفهوم من قوله "يغفروا" أي: ليجزى الغفران قومًا، وإنما أقيم المفعول به غاية ما فيه أنه المفعول الثاني، وذلك جائز. ا. هـ.
وإن لم يوجد المفعول به فقال الجزولي٣: تساوت البقية. واختار ابن عصفور٤ إقامة المصدر، وأبو حيان ٥ ظرف المكان، وابن معط المجرور٦.
مسألة:
وغير النائب مما معناه متعلق بالرافع" للنائب عن الفاعل "واجب نصبه لفظًا إن كان غير جار ومجرور، كضرب زيد يوم الخميس أمامك ضربًا شديدًا" برفع "زيد" على النيابة عن الفاعل ونصب الظرفين والمصدر "ومن ثم" أي: من أجل أنه يجب نصب ما عدا النائب "نصب المفعول الذي لم ينب" عن الفاعل سواء كان الأول أم الثاني "في نحو: أعطي زيد دينارًا، وأعطي دينار زيدًا" ويسمى المفعول المنصوب من المفعولين خبر ما لم يسم فاعله. "أو" واجب نصبه "محلا إن كان" غير النائب "جارا ومجرورًا، نحو: "فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةً وَاحِدَةً"" [الحاقة: ١٣] فرفع "نفخة"
стр. 443
على النيابة عن الفاعل، ونصب محل الجار والمجرور، وهو في "الصور"، "وعلة ذلك" النصب الواجب لفظا أو محلا لما عدا النائب "أن الفاعل لا يكون إلا واحدًا، فكذلك نائبه" لا يكون إلا واحدًا فينصب ما عداه، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٢٥٤-
وما سوى النائب مما علقا ... بالرافع النصب له محققا
هل نصبه بالرافع للنائب فيكون متجددًا، أو برافع الفاعل المحذوف فيكون مستصحبًا فيه مذهبان، أصحهما الأول، ويغزى لسيبويه١.
стр. 444
"فصل":
"وإذا تعدى الفعل لأكثر من مفعول" واحد "فنيابة الأول جائزة اتفاقًا ونيابة الثالث ممتنعة اتفاقًا، نقله" ابن هشام "الخضراوي١" وابن أبي الربيع "وابن الناظم" في شرح النظم٢، "والصواب أن بعضهم أجازه إن لم يلتبس" بغيره "نحو: أعلمت زيدًا كبشك سمينًا" فتقول: أعلم زيدا كبشك سمين، قاله أبو حيان في النكت الحسان٣. وقال الشاطبي: أجاز بعض المتأخرين إقامة الثالث لكن مع حذف الأول، وأجرى فيه الخلاف في الثاني، وألزم ابن الحاج من قال بإقامة الثاني أن يقول بإقامة الثالث إذ لا فرق بينهما. قال الشاطبي: وهو إلزام صحيح ا. هـ.
وإنما لم يذكر الناظم حكم الثالث؛ لأنه داخل في حكم الثاني، فيأتي فيه الخلاف الآتي فيه، ويكون الصحيح فيه الجواز إن لم يلبس، وهو قضية كلام التسهيل٤.
"وأما الثاني ففي باب "كسا"" وهو ما ليس خبرًا في الأصل عن الأول "إن ألبس، نحو: أعطيت زيدًا عمرًا، امتنع" نيابته "اتفاقًا" للإلباس تقدم أو تأخر؛ لأن كلا منهما يصلح أن يكون معطى، ولا يتبين المأخوذ من الآخذ إلا بالإعراب، فلو قيل: أعطي عمرو زيدً، أو أعطي زيدًا عمرو، لتوهم أن "عمرًا" آخذ، و"زيدًا" مأخوذ والغرض بالعكس.
وقال بعض المتأخرين ينبغي أن يستظهر على اللبس بحفظ الرتبة كما في: ضرب موسى عيسى، فيكون المقدم هو المسند إليه، "وإن لم يلبس نحو: أعطيت زيدًا درهمًا، جاز" نيابته "مطلقًا" أي: سواء اعتقد القلب أم لا، وسواء كان الثاني نكرة والأول معرفة أم لا؛ لأن "زيدا" آخذ أبدا, و"درهما" مأخوذ أبدا. "وقيل: يمتنع مطلقا" طردًا للبس، فيتعين نيابة الأول؛ لأنه فاعل معنى.
стр. 445
"وقيل" يمتنع نيابة الثاني "إن لم يعتقد القلب" في الإعراب وهو كون المرفوع منصوبا والمنصوب مرفوعًا، فإن اعتقد القلب جاز، والنائب في الحقيقة هو الأول؛ لأن نيابة الثاني مع اعتقاده القلب مجاز صوري، ورفعه مجاز، كما أن نصب الأول مجاز، فهو من إعطاء المرفوع إعراب المنصوب، وعكسه عند أمن اللبس كقولهم: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر، وهو من ملح كلامهم.
"وقيل:" يمتنع نيابة الثاني "إن كان نكرة والأول معرفة" قاله الفارسي، فلا يقال: أعطي درهم زيدًا، ويتعين: "أعطي زيد درهمًا"١؛ لأن المعرفة أحق بالإسناد إليها من النكرة "وحيث قيل بالجواز" في الثاني "فقال البصريون إقامة الأول أولى" لأنه فاعل معنى. "وقيل" عن الكوفيين أنهم قالوا: "إن كان" الثاني "نكرة" والأول معرفة "فإقامته قبيحة، وإن كان معرفتين استويا في الحسن قاله" المرادي نقلًا عن الكوفيين في شرح التسهيل.
وقال أبو حيان٢: محل الخلاف أنه إذا كان "درهمًا" منصوبًا بـ"أعطى"، أما من جعله منصوبًا بغير "أعطى" وقدر له فعلًا آخر تقديره: يأخذ درهمًا، فلا يصح على مذهبه إقامة "الدرهم" معمولا" لـ"أعطى" لأنه معمول لغيره. ا. هـ.
"و" المفعول الثاني "في باب "ظن"" وهو ما كان خبرًا في الأصل عن الأول.
"قال قوم" كثيرون "يمتنع" نيابته" مطلقًا" سواء ألبس أم لم يلبس، وسواء كان جملة أم لا، وسواء كان نكرة والأصل معرفة أم لا "للإلباس في النكرتين" نحو: ظن أفضل منك أفضل من زيد، إذا كان أفضل من زيد هو الأول، "و" في "المعرفتين" نحو: ظن صديقك زيدًا، إذا كان زيد هو الأول، "ولعود الضمير على المؤخر" من المفعولين "إن كان الثاني نكرة" والأول معرفة؛ "لأن الغالب" في الثاني "كونه مشتقا، وهو حينئذ" أي: حين إذ ناب عن الفاعل "شبيه بالفاعل؛ لأنه مسند إليه" الفعل المبني للمفعول، "فرتبته التقديم" نحو: ظن قائم زيدًا، ففي "قائم" ضمير مستتر يعود على "زيدًا" وهو متأخر لفظًا ورتبة؛ لأنه مفعول غير نائب عن الفاعل، "وقائم" متقدم الرتبة؛ لأنه نائب الفاعل، ولا يصح أن يعود من المرفوع ضمير على المنصوب إلا في الشعر، "و" هذا القول "اختاره" أبو موسى "الجزولي٣" وابن هشام "الخضراوي.
стр. 446
وقيل يجوز" نيابة الثاني في باب "ظن" "إن لم يلبس" نحو: ظن قائم زيدًا، ويمتنع إن ألبس، نحو: ظن عمرو زيدًا، إذا كان مفعولًا ثانيًا، "ولم يكن جملة" اسمية أو فعلية؛ لأن الفاعل ونائبه لا يكونان جملة على الأصح، "و" هذا القول "اختاره ابن طلحة" والسيرافي في الإقناع "وابن عصفور١ وابن مالك٢" وجماعة من المتأخرين.
"وقيل: يشترط" في إقامة الثاني "أن لا يكون نكرة والأول معرفة، فيمتنع: ظن قائم زيدًا" برفع "قائم" لأنه يؤدي إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة وذلك مرفوض في الكثير، وما سمع منه حمله جماعة على القلب، وقد نص على هذا المعنى سيبويه٣ في: كان رجل زيدًا، والبابان واحد، قاله الشاطبي.
"و" المفعول الثاني "في باب "أعلم" أجازه قوم" منهم الجزولي٤، والشلوبين في التوطئة، وتلميذه ابن الحاج في الرد على ابن عصفور في المقرب "إذا لم يلبس فيمتنع" أعلم زيد عمرو قائمًا، "ومنعه قوم ومنهم الخضراوي والأبدي" بضهم الهمزة وتشديد الموحدة، نسبة إلى أبدة بلد بالأندلس، "وابن عصفور٥ لأن" المفعول "الأول" واقع عليه الإعلام فهو "مفعول صحيح" لصحة إطلاق المفعولية عليه حقيقة؛ ولأن أصله الفاعلية فهو أحق بما كان ملتبسًا به، "و" أما المفعولان "الأخيران" "فأصلهما مبتدأ وخبر شبها" في نصبهما "بمفعولي "أعطى"" فإطلاق المفعولية عليهما مجاز؛ "ولأن السماع إنما جاء بإقامة الأول، قال" الفرزدق: [من الطويل]
٣٦٤-
"ونبئت عبد الله بالجو أصبحت ... كرامًا مواليها لئيما صميمها
فالتاء هي المفعول الأول نائبة عن الفاعل, و"عبد الله" علم قبيلة المفعول الثاني، وجملة "أصبحت" المفعول الثالث، واسم "أصبحت" ضمير مستتر فيها يعود إلى "عبد الله" وأنثها باعتبار القبيلة, و"كراما" خبر أصبحت، و"مواليها" فاعل "كراما" و"لئيمًا" خبر بعد خبر "وصميمها" فاعل "لئيمًا" و"الجو" بفتح الجيم، وتشديد الواو اليمامة، كانت تسمى جوا، و"الكريم": الشريف، و"اللئيم"
стр. 447
ضده "وصميم الشيء" خالصه، والمراد أعيان القبيلة ورؤساؤها، والمعنى: أخبرت أن القبيلة المدعوة بعبد الله الكائنة باليمامة مواليها كرام، ورؤساؤها لئام.
"وقد تبين" مما ذكر من جريان الخلاف في ثاني [مفعولي] ١ كسا، واشتراط كون الثاني في باب "ظن" ليس جملة، وجريان الخلاف في الثالث في باب "أعلم" "أن في النظم أمورًا" غير مناسبة، "وهي حكاية الإجماع على جواز إقامة الثاني من باب "كسا"، حيث لا لبس" فإنه٢ قال:
٢٥٢-
وباتفاق قد ينوب الثان من ... باب كسا فيما التباسه أمن
"وعدم اشتراط كون الثاني من باب "ظن" ليس جملة" حيث قال:
٢٥٣-
في باب ظن وأرى المنع اشتهر ... ولا أرى منعا إذا القصد ظهر
"وإيهام أن إقامة الثالث" من باب "أعلم" "غير جائزة بالاتفاق، إذ لم يذكره مع المتفق عليه" وهو إقامة الأول "ولا مع المختلف فيه" وهو إقامة الثاني "ولعل هذا" الصنيع الموهم "هو الذي غلط ولده" في شرح النظم٣، "حتى حكى الإجماع على الامتناع"، فهذه ثلاثة أمور، والأولان مسلمان، والثالث منظور فيه من وجهين. أحدهما: أن الناظم وإن لم يتعرض للثالث صريحًا فقد تعرض له التزامًا، وذلك لأن الثالث في باب "أعلم" هو الثاني في باب "علم، وقد ذكر الثاني، فلو ذكر الثالث لكان تصريحًا بما علم التزامًا ففيه شائبة تكرار, والثاني أن ابن الناظم مسبوق بحكاية الاتفاق على الامتناع وهي ثابتة كما نقله الموضح أول الفصل عن الخضراوي, فلا ينسب حاكيها إلى غلط، غاية ما في الباب أن حاكي الاتفاق لم يقف على الاختلاف.
стр. 448
"فصل":
"يضم أول فعل المفعول" الذي لم يسم فاعله "مطلقًا" سواء كان ماضيًا أم مضارعًا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٤٣-
فأول الفعل اضممن..... ... .................................
و"يشركه" في الضم "ثاني الماضي المبدوء بتاء زائدة" معادة سواء أكانت للمطاوعة، أم لا، فالثاني "كتضارب، و" الأول نحو: "تعلم" وتدحرج، وقيدنا الزيادة بالمعتادة احترازًا من التاء في نحو قولهم: ترمس الشيء، بمعنى رمسه، فإنها زائدة، ولا يضم ثاني فعلها لكون زيادتها غير معتادة، قاله المرادي١، وإلى تاء المطاوعة، أشار الناظم بقوله:
٢٤٥-
والثاني التالي تا المطاوعه ... كالأول اجعله بلا منازعه
ويشركه "ثالث المبدوء بهمز الوصل" كان متعديًا أم لازمًا، فالثاني "كـ: انطلق، و" الأول نحو: "استخرج واستحلى" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٤٦-
وثالث الذي بهمز الوصل ... كالأول اجعلنه كاستحلي
وفي جمل الزجاجي٢ لا يجوز أن يبنى الفعل اللازم للمفعول عند أكثر النحويين ا. هـ.
وخصه أبو البقاء بما لا يتعدى بحرف جر، ومثله بـ"قام" و"جلس" وعلله بأنه لو بني للمفعول لبقي الفعل خبرًا بغير مخبر عنه، وذلك محال، "ويكسر ما قبل الآخر من الماضي" وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٤٣-
........... والمتصل ... بالآخر اكسر في مضي كوصل
ومن العرب من يسكنه كقوله: [من الرجز]
٣٦٥-
لو عصر بها البان والمسك انعصر
стр. 449
واختاره قطرب، قال الخضراوي: وهي لغة بكر بن وائل وكثير من بني تميم، ومن العرب من يقلب الكسرة فتحة في المعتل اللام، فنقلب الياء ألفًا، فيقول في رؤي زيد: رؤى زيد، بفتح الهمزة، وهي لغة طيئ، فتحصل في معتل اللام ثلاث لغات، كسر ما قبل آخره وتسكينه، وفتحه "ويفتح" ما قبل الآخر "من المضارع" وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٤٤-
واجعله من مضارع منفتحا ... ..................................
هذا كله في صحيح العين السالم من التضعيف.
"و" أما "إذا اعتلت عين الماضي وهو ثلاثي كـ"قام"" من الواوي، "و "باع"" من اليائي. "أو" كان "على" وزن "افتعل وانفعل، كـ"اختار"" من البائي، "و "انقاد"" من الواوي "فلك" في العين "كسر ما قبلها بإخلاص أو إشمام الضم فتقلب" الألف "ياء فيهما" وإخلاص الكسر لغة قريش ومن جاورهم، وإشمام الكسر الضم لغة كثير من قيس، وأكثر بني أسد.
قال الشاطبي: وفي كيفية الإشمام ثلاثة مذاهب:
أحدها ضم الشفتين مع النطق بالفاء فتكون حركتها بين حركتي الضم والكسر، هذا هو المعروف المشهور المقروء به.
والثاني ضم الشفتين مع إخلاص كسرة الفاء.
والثالث ضم الشفتين قبيل النطق بها؛ لأن أول الكلمة مقابل لآخرها، فكما أن الإشمام في الأواخر بعد الفراغ من إسكان الحرف فكذلك يكون الإشمام في أولها قبيل النطق بكسر الحرف ا. هـ.
وقال المرادي١: الأقرب ما حرره بعض المتأخرين فقال: كيفية النطق به أن يلفظ على فاء الكلمة بحركة تامة مركبة من حركتين إفرادًا لا شيوعًا جزء الضمة مقدم وهو الأقل يليه جزء الكسرة وهو الأكثر، ومن ثم تمخضت الياء ا. هـ.
"ولك إخلاص الضم فتقلب" الألف "واوًا" وإلى فاء الثلاثي المعتل العين أشار الناظم بقوله:
٢٤٧-
واكسر أو اشمم فا ثلاثي أعل ... عينا وضم جا كبوع فاحتمل
وأشار إلى ما كان على وزن افتعل وانفعل بقوله:
стр. 450
٢٤٩-
وما لفا باع لما العين تلي ... في اختار وانقاد وشبه ينجلي
"قال" رؤبة في الضم الخالص: [من الرجز]
٣٦٦-
"ليت وهل ينفع شيئًا ليت ... ليت شبابًا بوع فاشتريت"
فـ"بوع" مبني للمفعول وهو خبر "ليت" الأولى، و"شبابًا" اسمها، و"ليت" الأخيرة توكيد للأولى فلا اسم لها ولا خبر، وليت الوسطى فاعل "ينفع"، و"شيئًَا" مفعول مطلق، أي: نفعًا وفاقًا للموضح لا مفعول به خلافًا للعيني١، والجملة من الفعل والفاعل معترضة بين المؤكد والمؤكد، و"هل" للنفي بدليل أنه روى وما ينفع شيئًا ليت، والواو للاعتراض، "وقال" آخر: [من الرجز]
٣٦٧-
"حوكت على نيرين إذ تحاك" ... تختبط الشوك ولا تشاك
فـ"حوكت" من الحياكة وهي النسج، مبني للمفعول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه يرجع إلى الحلة، و"نيرين" تثنية نير بكسر النون وسكون الياء المثناة تحت، وفي آخره راء علم الثوب ولحمته أيضًا فإذا نسج على نيرين كان أصفق ولصفاقتها تختبط الشوك ولا يؤثر فيها شيئ، وهذه اللغة "وهي" الضم الخالص لغة "قليلة" موجودة في كلام هذيل "وتعزى لفقعس ودبير" الجميع، وهما من فصحاء بني أسد، قاله المرادي في شرح التسهيل.
وقال الشاطبي: حكيت عن بني ضبة، وقال الموضح٢: حكيت عن بعض تميم، "وادعى ابن عذرة" وطائفة من متأخري المغاربة "امتناعها في افتعل" كـ"اختار" "وانفعل" كـ"انقاد" مما زاد على الثلاثة، فلا يقال: اختور ولا انقود، "و" المشهور
стр. 451
"الأول" وهو "قول ابن عصفور والأبدي وابن مالك" وينطق بالهمزة في نحو: اختار وانقد على حسب ما ينطق بالحرف الثالث، قاله ابن مالك١. "وأدعى ابن مالك امتناع ماألبس من كسر كـ"خفت وبعت" أو ضم كـ"عقت"" مبنيات للمفعول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٤٨-
وإن بشكل خيف لبس يجتنب ... ....................................
"وأصل المسألة" قبل بنائهن للمفعول "خافني زيد، وباعني لعمرو، وعاقني عن كذا"، فحذفت الفاعل، "ثم بنيتهن للمفعول" وأبدلت من ياء المتكلم تاء فوقانية لاشتراكهما في الدلالة على المتكلم، "فلو قلت: خفت وبعت فبالكسر" في الخاء والباء، "وعقت بالضم" في أوله "لتوهم أنهن فعل وفاعل وانعكس المعنى" المراد "فتعين أنه لا يجوز إلا الإشمام أو الضم في" خفت وبعت "الأولين، والكسر في" عقت "الثالث، و" تعين "أن يمتنع الوجه الملبس" وهو الكسر في الأولين والضم في الثالث، "وجعلته المغاربة مرجوحًا لا ممنوعا" فقالوا: إن العرب تختار الكسر في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مضمومة، وتختار الضم في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مكسورة فرقًا بينهما وهو ظاهر٢، "و" لهذا "لم يلتفت سيبويه" في ذلك "للإلباس٣" بل أجاز الأوجه الثلاثة مطلقًا اكتفاء بالفرق التقديري؛ لأن الإلباس غير مانع "لحصوله في" الاسم والفعل، فالاسم "نحو: مختار"، إذ يحتمل أن يكون وصفًا للفاعل أو المفعول، ومع ذلك أعلوه بقلب الياء ألفًا، واكتفوا فيه بالفرق التقديري فعلى تقدير كونه وصفًا للفاعل تكون الياء مكسورة، وعلى تقدير المفعول تكون مفتوحة، "و" الفعل نحو: " ﴿تُضَارَّ﴾ " [البقرة: ٢٣٣] إذ يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل وأن يكون مبنيا للمفعول ومع ذلك أدغم، فعلى تقدير البناء للفاعل تكون الراء الأولى مكسورة، وعلى تقدير البناء للمفعول تكون مفتوحة، "وأوجب٤ الجمهور ضم فاء الثلاثي المضعف" وهو ما كان عينه ولامه من جنس واحد، "نحو: شد ومد" بضم الفاء وتشديد الدال فيهما، "والحق قول بعض الكوفيين إن الكسر" في الفاء "جائز" ونص سيبويه على اطراده. فقال٥:
стр. 452
واعلم أن لغة مطردة للعرب يجري فيها فعل من المضاعف الثلاثي مجرى فعل من المعتل فيكسر أوله، فيقال: رِدّ، كما يقال: قِيل، نقله الموضح عنه في الحواشي، ومن خطه نقلت.
"و" الكسر "هو لغة بني ضبة" بضاد معجمة مفتوحة فموحدة مشددة، فهاء تأنيث وهو ابن أد عم تميم بني مرة، قاله الدماميني١. وقال أبو محمد بن السيد البطليوسي٢: ضنة، بالضاد المعجمة والنون لا بالباء، وهو بطن من قضاعة ينسب إليها جماعة، كذا في مختصر الأنساب ا. هـ. ويمكن أن يكونا قبيلتين ضبط كل منهما واحدة، "و" لغة "بعض تميم، وقرأ علقمة" ويحيى بن وثاب: ""رِدَّتْ إِلَيْنَا""٣ [يوسف: ٦٥] و: ""وَلَوْ رِدُّوا""٤ [الأنعام: ٢٨] ، "بالكسر" فيهما بنقل كسرة العين إلى الفاء حملًا له على المعتل، "وجواز ابن مالك الإشمام أيضًا" فقال في التسهيل٥: وقد تشم فاء المدغم، "وقال المهاباذي: من أشم" من العرب "في قيل وبيع" من المعتل "أشم هنا" يعني في المضعف فتحصل في فاء المضاعف ما ثبت في فاء المعتل من الكسر الخالص والإشمام والضم الخالص، كما أشار إليه الناظم بقوله:
٢٤٨-
................... ... وما لباع قد يرى لنحو حب
وعلى الكسر يلغز، فيقال: ما وجه رفع الماء في قولهم: إن الماء؛ بكسر الهمزة، ورفع الماء، وجوابه أن أصله إن زيد الماء في الحوض إذا صبه فحذف الفاعل، وأنيب عنه المفعول، وكسر الهمزة على حد "رِدَّتْ إِلَيْنَا" [يوسف: ٦٥] بكسر الراء، واستفدنا من تغيير الفعل إذا بني للمفعول أن صيغته مفرعة عن صيغة المبني للفاعل، وبه قال جمهور البصريين، وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنها صيغة أصلية مستقلة بنفسها غير مغيرة عن شيء، وسيأتي في التصريف توجيه كل من القولين.
стр. 453
باب الاشتغال:
"هذا باب الاشتغال":
وحده أن يتقدم اسم، ويتأخر عنه فعل متصرف، أو اسم يشبهه ناصب لضميره، أو لملابس ضميره بواسطة أو غيرها، ويكون ذلك العامل بحيث لو فرّغ من ذلك المعمول، وسلط على الاسم المتقدم لنصبه، إذا تقرر ذلك فنقول: "إذا اشتغل فعل متأخر بنصبه محل ضمير اسم متقدم عن نصبه للفظ ذلك الاسم" المتقدم "كـ"زيدًا ضربته""، أو لمحله" أي: لمحل ذلك الاسم المتقدم؛ "كـ: هذا ضربته" وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
٢٥٥-
إن مضمر اسم سابق فعلا شغل ... عنه بنصب لفظه أو المحل
وذهب جمهور الشارحين إلى أن نصب اللفظ أو المحل إنما هو للضمير المشتغل به العامل مدعين أن العامل إذا وصل إلى الضمير بنفسه ينصب لفظه، وإذا وصل إليه بحرف جر ينصب محله. والتحقيق أن نصب اللفظ أو المحل إنما هو للاسم المتقدم كما شرح الموضح، وأن الضمير لا ينصب له لفظ "فالأصل" جواب إذا "أن ذلك الاسم" المتقدم "يجوز فيه وجهان:
أحدهما راجع لسلامته من التقدير" للعامل، "وهو الرفع بالابتداء، فما بعده" من الجملة الفعلية "في موضع رفع على الخبرية" للمبتدأ، والرابط، بينهما الهاء المتصلة بالفعل، "وجملة الكلام" من المبتدأ والخبر "حينئذ" أي: حين إذ جعل الاسم المتقدم مبتدأ؛ جملة "اسمية" لتصديرها بالاسم.
"و" الوجه "الثاني" من الوجهين "مرجوح لاحتياجه إلى التقدير" للعامل، "وهو النصب فإنه بفعل موافق للفعل المذكور" فيما يلائمه "محذوف وجوبًا" لأن الفعل المذكور مفسر له، ولا يجمع بينهما، وأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] فتوكيد، خلافًا لمن أجاز الجمع بين المفسِّر والمفسَّر، "فما بعده" أي: الاسم المتقدم "لا محل له؛ لأنه مفسِّر" للفعل
стр. 454
المحذوف، والجملة المفسرة لا محل لها على الأصح، وقال في المغني١: إن جملة الاشتغال ليست من الجمل التي تسمى في الاصطلاح جملة تفسيرية، وإن حصل بها تفسير، ا. هـ.
"وجملة الكلام" من الفعل المحذوف وما بعده "حينئذ" أي: حين إذ جعل الاسم المتقدم منصوبًا بفعل محذوف جملة "فعلية" لتصديرها بالفعل المحذوف.
وهذا الوجه المرجوح مراتبه متخالفة، فالنصب في نحو: "زيدا ضربته" أقوى من النصب في نحو: "زيدًا ضربت أخاه" والنصب في "زيدًا ضربت أخاه" أحسن من النصب في
"زيدًا مررت به" والنصب في "زيدًا مررت به" أحسن من النصب في "زيدا مررت بأخيه"، قاله المرادي في تلخيص شرح أبي حيان على التسهيل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٥٦-
فالسابق انصبه بفعل أضمرا ... حتما مواق لما قد أظهرا
وزعم الكسائي أن نصب الاسم المتقدم بالفعل المتأخر, وألغى الضمير وزعم تلميذه الفراء أنهما منصوبان بالفعل المذكور؛ لأنهما في المعنى لشيء واحد٢. ويرد عليهما "أزيدًا مررت به؟ " و"أزيدًا هدمت داره؟ ".
"ثم قد يعرض لهذا الاسم" المتقدم "ما يوجب نصبه، وما يرجحه، وما يسوى" فيه "بين الرفع والنصب، ولم نذكر" نحن "من الأقسام ما يجب رفعه، كما ذكر الناظم" في النظم بقوله:
٢٥٨-
وإن تلا السابق ما بالابتدا ... يختص فالرفع التزمه أبدا
٢٥٩-
كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد ... ما قبل معمولا لما بعد وجد
"لأن حد الاشتغال السابق" أو الباب "لا يصدق عليه"؛ لأنه يعتبر فيه أن يكون الاسم المتقدم بحيث لو فرغ الفعل من الضمير وسلط عليه لنصبه، وما يجب رفعه ليس بهذه الحيثية، "وسيتضح ذلك" في التنبيه الأول الآتي. "فيجب النصب إذا وقع الاسم بعد ما يختص بالفعل كأدوات التحضيض" بحاء مهملة وضادين معجمتين "نحو: هلا زيدًا أكرمته" وأهمله في الارتشاف.
"وأدوات الاستفهام غير الهمزة، نحو: هل زيدًا رأيته" فيجب نصب "زيد" بفعل محذوف يفسره المذكور، وهو "رأيت" ولا يجوز رفعه؛ لأن "هل" إذا جاء بعدها
стр. 455
اسم وفعل لم يجز تقديم الاسم على الفعل، فلا يجوز "هل زيدًا رأيت" إلا في الشعر، هذا مذهب سيبويه١، وخالفه الكسائي في ذلك، فأجاز أن يليها الاسم الذي بعد فعل، ولم يخص ذلك بالشعر٢، فعلى قوله يجوز الاشتغال في النثر، ولا يجب النصب بل يترجح، وما تقدم في صدر الكتاب٣ من أن "هل" مشتركة بين الأسماء والأفعال مقيد عند غير الكسائي بما إذا لم يكن في حيزها فعل، نحو: "هل زيد أخوك" فإنها إذا لم يكن في حيزها فعل تسلت عنه، بخلاف ما إذا كان الفعل في حيزها، فلا تدخل إلا عليه، ولم ترض بافتراق الاسم بينهما، قاله التفتازاني٤ وغيره.
"و: متى عمرًا لقيته" فيجب النصب لما ذكر، وسيأتي الكلام على الهمزة في المسألة الثالثة. "وأدوات الشرط، نحو: حيثما زيدًا لقيته فأكرمه" فيجب النصب، لما ذكر من الاختصاص بالفعل. "إلا أن هذين النوعين" وهما أدوات الاستفهام غير الهمزة وأدوات الشرط "لا يقع الاشتغال بعدهما إلا في الشعر" عن سيبويه٥، "وأما في" نثر "الكلام فلا يليهما إلا صريح الفعل"، فلا يجوز في الكلام "متى عمرًا لقيته" و"حيثما زيدًا لقيته فأكرمه" "إلا إن كانت أداة الشرط "إذا" مطلقًا، سواء أكان الفعل ماضيًا أم لا "أو: إن" بكسر الهمزة وسكون النون "والفعل ماض" لفظًا أو معنى "إذا زيدًا "تلقاه فأكرمه""، لا فرق في ذلك بين الماضي والمضارع مع "إذا" "و" تقول في "إن" والفعل ماض لفظًا: "إن زيدًا لقيته فأكرمه" أو معنى فقط "إن زيدًا لم تلقه فانتظره". "ويمتنع" الاشتغال "في" نثر "الكلام" بعد "إن" الجازمة لفعل التفسير لفظًا نحو: "إن زيدًا تلقه" بحذف الألف "فأكرمه"؛ لأن "إن" لما جزمت الفعل قوي طلبها له، فلا يليها غيره، بخلاف ما إذا لم تجزمه لفظًا، إما لمضيه، وإما لجزمه بغيرها كما تقدم، فيضعف طلبها للفعل، فيليها غيره.
"ويجوز" الاشتغال "في الشعر" بعد "إن" الجازمة لفعل التفسير، نحو "إن" زيدًا تلقه فأكرمه". "وتسوية الناظم" في الناظم "بين "إن" و "حيثمًا" مردودة"،
стр. 456
لأن الاشتغال بعد "حيثما" لا يقع إلا في الشعر، وأما بعد "إن" فإنه إن كان الفعل المشتغل ماضيًا لفظًا أو معنى يقع الاشتغال بعدها في الكلام والشعر، وإن كان مضارعًا مجزومًا بها فالاشتغال بعدها مختص بالشعر.
وجوابه إن الغرض من التسوية بينهما إنما هو في وجوب النصب حيث وقع الاشتغال بعدهما، وأما التسوية بينهما في جميع الوجود فليست بلازمة، وعبارة الناظم ناطقة بذلك، ونصبها:
٢٥٧-
والنصب حتم إن تلا السابق ما ... يختص بالفعل كإن وحيثما
"ويترجح النصب في ست مسائل:
إحداها أن يكون الفعل" المشتغل "طلبًا١، وهو الأمر والدعاء" بخير أو شر، "ولو" كان الدعاء "بصيغة الخبر" المقابل للإنشاء، "فالأمر نحو: زيدًا اضربه، و" الدعاء بصيغة الطلب، نحو: "اللهم عبدك ارحمه، و" الدعاء بصيغة الخبر، نحو: "زيدًا غفر الله له".
فالنصب فيهن بفعل محذوف من لفظ الأولين، ومن معنى الثالث لقصوره، والتقدير: اضرب زيدًا وارحم عبدك، وارحم زيدًا غفر الله له، وإنما ترجح النصب فيهن على الرفع؛ لأن الطلب إنما يكون بالفعل، فكان حمل الكلام عليه أولى؛ ولأن في الرفع الإخبار بالطلب، وحق الخبر أن يكون محتملا للصدق والكذب، قاله ابن الشجرى٢ ونوقش فيه٣.
وقال أبو علي٤: كنت أستبعد إجازة سيبويه الإخبار بجملتي الأمر والنهي٥ حتى مر بي قوله: [من البسيط]
٣٦٨-
إن الذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
стр. 457
"وإنما وجب الرفع في نحو: "زيدًا أحسن به" لأن الضمير" المجرور بالباء "في محل رفع" على الفالية عند سيبويه، وزيدت الباء لإصلاح اللفظ، فليس من الاشتغال في شيء، وكذا إن قلنا: الضمير في محل نصب، لأن فعل التعجب جامد لا يعمل فيما قبله، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا.
"وإنما اتفق السبعة عليه" أي على الرفع "في نحو: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا" كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] "لأن" الفاء مانعة من حملة على الاشتغال، فإن "تقديره عند سيبويه١: مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني"، فحذف المضاف الذي هو "حكم"، وأقيم المضاف إليه مقامه وهو "الزانية والزاني"، وحذف الخبر وهو المجرور، "ثم" بعد تمام الجملة "استؤنف الحكم" وهو "فاجلدوا" فصارت جملة الطلب مستأنفة، فلم يزلم الإخبار بالجملة الطلبية وهي "فاجلدوا" عن المبتدأ وهو "الزانية والزاني"، ولم يستقم عمل فعل من جمل مستأنفة في مبتدأن مخبر عنه بغير ذلك الفعل من جملة أخرى، وهذا التقدير متعين عند سيبويه٢، "وذلك لأن الفاء لا تدخل عنده في الخبر في نحو هذا"ن المثال، فإنه يمنع زيادة الفاء في خبر المبتدأ، ما لم يكن المبتدأ موصولًا بفعل أو ظرف، وصلة "أل" غير ذلك، "ولذا" أي ولأجل منع سيبويه زيادة الفاء في خبر المبتدأ إذا لم يكن موصولًا بفعل أو ظرف "قال في قوله: [من الطويل]
٣٦٩-
وقائلة خولان فانكح فتاتهم" ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا
"إن التقدير: هذه خولان"، هذا مقول قول سيبويه٣، فجعل "خولان" خبر مبتدأ محذوف، وجملة "فانكح فتانهم" مستأنفة هربًا من زياة الفاء في خبر المبتدأ غير
стр. 458
الموصول وأجاز الأخفش زيادتها مطلقًا١، ونقله ابن إياز في نتيجة المطارحة أيضًا عن الفارسي٢ وابن جني٣ وغيرهما من البصريين.
وقيد الفراء والأعلم وجماعة الجواز بكون الخبر أمرًا أو نهيًا٤، و"خولان" بفتح الخاء المعجمة: قبيلة من اليمن، "والنكاح": التزويج، و"الفتاة": الشابة، و"أكرومة" بضم الهمزة: من الكرم، كالأعجوبة من العجب، مبتدأ، و"الحيين": تثنية حي، والمراد حي أبيها، وحي أمها، يعني أن كرمها من جهتي نسبها، و"الخلو" بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام: الخالية من الأزواج، خبر "أكرومة"، و"كما": جار ومجرور، خبر بعد خبر "وما" المجرورة بالكاف: اسم موصول، وكلمة "هي" مبتدأ محذوف الخبر، والجملة صلة "ما" والعائدة محذوف، بمعنى "على"، والتقدير: على ما هي عليه.
"وقال المبرد٥: الفاء" في ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] "لمعنى الشرط"؛ لأن الموصول فيه معنى الشرط، فتدخل الفاء في خبره كما تدخل في جواب الشرط، والمعنى: إن زنيا فاجلدوهما، "ولا يعمل الجواب في الشرط، فكذلك ما أشبههما" مما هو منزل منزلة الشرط والجواب. فكما لا يعمل الجواب في الشرط لا يعمل الخبر المشبه للجواب في المبتدأ المشبه للشرط، "وما لا يعمل لا يفسر عاملا".
فعلى قولي سيبويه والمبرد ليست الآية من الاشتغال"، "فالرفع" على الابتداء "عندهما واجب" والخبر على قول سيبويه محذوف, وعلى قول المبرد مذكور وهو "فاجلدوا". وقال أبو علي
الفارسي٦: من جعل الفاء زائدة أجاز النصب في "زيد فاضربه" وأنشد ثعلب أحمد بن يحيى: [من الرجز]
٣٧٠-
يا رب موسى أظلمي وأظلمه ... فاصبب عليه ملكًا لا يرحمه
стр. 459
المعنى: أظلمنا١.
وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي عبلة "وَالسَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ" [المائدة: ٣٨] بالنصب٢، و"قال" أبو محمد، عبد الله بن محمد "ابن السيد"؛ بكسر السين، وسكون الياء آخر الحروف؛ البطليوسي، "و" أبو الحسن، طاهر بن أحمد "ابن بابشاذ"، بالتركيب، كلمة أعجمية يتضمن معناها الفرح والسرور "يختار الرفع في" الاسم المنظور فيه "إلى العموم" بالأمر، "كالآية" ونحوها كـ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] لشبهه بالشرط في العموم والإبهام، "و" يختار "النصب في" الاسم المنظور فيه إلى الخصوص" بالأمر، "كـ: زيدًا اضربه" لعدم مشابهته للشرط٣.
المسألة "الثانية:" مما يترجح فيه النصب "أن يكون الفعل" المشتغل "مقرونا باللام أو بلا الطلبيتين، نحو: "عمرًا ليضربه بكر" و"خالدًا لا تهنه"".
فإن قيل: كيف جاز ذلك، وقد فسر العامل ما لا يعمل؛ لأن "اللام" و"لا" الطلبيتين لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما قياسًا؟. قلت: أجاب ابن عصفور بأنهم أجروا الأمر بـ"اللام" مجرى الأمر بغيرها، وأجروا النهي بـ"لا" مجرى النفي بها.
ويشمل الطلب ما لفظه لفظ الخبر، "ومنه: زيدًا لا يعذبه الله" برفع "يعذب"؛ "لأنه نفي بمعنى الطلب"، فـ"زيدًا" منصوب بفعل محذوف، تقديره: رحم الله زيدًا؛ لأن عدم التعذيب رحمة. "ويجمع المسألتين" هذه والتي قبلها "قول الناظم":
٢٦٠-
واختير نصب "قبل ذي طلب" ... .....................................
"فإن ذلك" الفعل المصاحب للطلب "صادق" على شيئين: "على الفعل الذي هو طلب" كالأمر والدعاء، "وعلى الفعل المقرون بأداة طلب"، كالمقرون "باللام" و"لا" الطلبيتين.
المسألة "الثالثة: أن يكون الاسم" المشتغل عنه "واقعًا بعد شيء، الغالب" في ذلك الشيء "أن يليه فعل"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٢٦٠-
.................... ... وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب
стр. 460
"ولذلك أمثلة، منها همزة الاستفهام، نحو: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ " [القمر: ٢٤] فيترجح نصب، "بشرا" بفعل محذوف يفسره المذكور؛ لأن الغالب في الهمزة أن تدخل على الأفعال، وإنما لم يجب دخولها على الأفعال كباقي أخواتها؛ لأنها أم الباب، وهم يتوسعون في أمهات الأبواب ما لم يتوسعوا في غيرها. "فإن فصلت الهمزة" من الاسم المشتغل عنه "فالمختار الرفع نحو: أأنت زيد تضربه"؛ لأن الاستفهام حينئذ داخل على الاسم، لا على الفعل، هذا إن جعلت "أنت" مبتدأ, كما هو رأي سيبويه١, وإن جعلته فاعلا بفعل مقدر, وانفصل بعد حذفه كما هو رأي الأخفش فالمختار النصب٢؛ لأن الهمزة داخلة في التقدير، "إلا في نحو: أكل يوم زيدًا تضربه"، فيترجح النصب؛ "لأن الفصل بالظرف" وهو "كل يوم" بنصب "كل" "كلا فصل" وحرف الاستفهام داخل في الحكم على الفعل.
"وقال ابن الطراوة٣: إن كان الاستفهام عن الاسم فالرفع" واجب، "نحو: أزيد ضربته أم عمرو" لأن الضرب محقق، وإنما الشك في المفعول، فالاستفهام عن تعيينه "وحكم" ابن الطراوة "بشذوذ النصب في قوله" وهو جرير يمدح ثعلبة ورياحًا، ويذم طهية والخشاب: [من الوافر]
٣٧١-
أثعلبة الفوارس أم رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا
بنصب "ثعلبة" بفعل محذوف تقديره: أحقرت ثعلبة، ولا يجوز إضمار "عدلت" لتعديه بالياء، قاله الموضح في الحواشي.
و"ثعلبة" بتاء مثلثة وعين مهملة وباء موحدة و"الفوارس" نعته، وإن كان جمعًا، نظر إلى معنى أهل القبيلة، و"رياحًا" بمثناة من تحت، وحاء مهملة، "وطهية" بضم الطاء المهملة، وفتح الهاء وتشديد الياء آخر الحروف، و"الخشاب" بكسر الخاء المعجمة وبالشين المعجمة: كلها قبائل، قاله الموضح في الحواشي.