"و" علم من تقييد المعمول بالتأخير أنه "لا" يقع التنازع في "معمول مقدم، نحو: أيهم ضربت وأكرمت، أو: شتمته"؛ لأن الثاني لم يأت إلا بعد أن أخذ الأول معموله المتقدم عليه، وقوله: "شتمته" عديل مدخول الاستفهام. "خلافًا لبعضهم" في إجازة التنازع في المتقدم كما قال به بعض المغاربة١ مستدلا بقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ، ولا حجة له؛ لأن الثاني لم يجئ حتى استوفاه الأول، ومعمول الثاني محذوف لدلالة معمول الأول عليه، وما قاله بعض المغاربة قال به الرضي، وعبارته٢: "قد يتنازع العاملان ما قبلهما إذا كان منصوبًا نحو: زيدا ضربت وقتلت، و: بك قمت وقعدت"، وتعقبه البدر الدماميني، فقال يلزم عليه عند إعمال الثاني تقدم ما في حيز حرف العطف عليه, وهو ممتنع، ثم اعترض على نفسه بأن الجمهور قد ارتكبوه في نحو: ﴿أَفَلَمْ يَسِيْرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩] ، فجعلوا الهمزة واقعة في الأصل بعد العاطف، ولكنها قدمت عليه لفظًا، وأجاب بأن هذ الحكم ليس بمتعد إلى غير الهمزة، بل مقصور عليها عندهم. ا. هـ.
"ولا" يقع التنازع "في معمول متوسط نحو: ضربت زيدًا وأكرمت"؛ لأن الأول استقل به مجيء الثاني "خلافًا للفارسي" فإنه أجاز في قوله: [من البسيط]
٣٨١-
..................... ... متى تصب أفقا من بارق تشم
أن تكون "من" زائدة، و"بارق" في موضع نصب بـ"تشم"، ومفعول "تصب" محذوف، وهو ضمير عائد على بارق.
ومال المرادي في شرح التسهيل إلى جواز التنازع في المتوسط والمتقدم، فقال٣: وأقول الذي يظهر أن تأخير المعمول ليس بشرط في التنازع، بل حيث تقدم المعمول، أو توسط
، جاز عمل كل من العاملين فيه. ا. هـ.
стр. 492
"و" علم من اشتراط كون المعمول مطلوبًا لكل من العاملين من جهة المعنى أن التنازع "لا" يقع "في نحو" قول جرير: [من الطويل]
٣٨٢-
"فهيهات هيهات العقيق ومن به" ... وهيهات خل بالعقيق نواصله
"خلافًا له" أي: الفارسي١ "وللجرجاني٢؛ لأن الطالب للمعمول" وهو العقيق "إنما هو" هيهات "الأول، وأما" "هيهات" "الثاني فلم يؤت به للإسناد" إلى العقيق، "بل لمجرد التقوية" والتوكيد لـ"هيهات" الأول، "فلا فاعل له" أصلًا، "ولهذا قال" الشاعر: [من الطويل]
٣٨٣-
فأين إلى أين النجاة ببغلتي ... "أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس"
فـ"اللاحقون" فاعل "أتاك" الأول، و"أتاك" الثاني لمجرد التقوية فلا فاعل له؛ لأنه ليس في التنازع، "ولو كان من التنازع لقال: أتاك أتوك" على إعمال الأول، "أو: أتوك أتاك" على إعمال الثاني، وليس بمتعين لجواز أن يضمر مفردًا في المهمل منهما ويستتر كما حكى سيبويه٣: "ضربني وضربت قومك" بالنصب، وقيل: المرفوع في البيتين فاعل بالعاملين؛ لأنهما بلفظ واحد ومعنى واحد، فكأنهما عامل واحد، فهذه الثلاثة أقوال أصحها عن ابن مالك٤ ما ذكره الموضح.
"و" علم من تقييد المعمول بكونه غير سببي مرفوع أنه "لا" تنازع "في نحو" قول كثير عزة: [من الطويل]
٣٨٤-
قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... "وعزة ممطول معنى غريمها"
стр. 493
لأنه لو قصد فيه التنازع، لأسند أحدهما إلى السبي والآخر إلى ضميره، فيلزم عدم ارتباط رافع الضمير بالمبتدأ؛ لأنه لم يرفع ضميره، ولا ما التبس بضميره. قاله المرادي١ تبعًا لابن مالك في شرح التسهيل٢. قال بعضهم: وفيه نظر؛ لأن هذا يأتي فيما لو كان السبي منصوبًا نحو: "زيدًا ضربت وأكرمت أخاه"؛ لأن أحد العاملين يعمل في السببي، والآخر يعمل في ضميره، فيلزم عدم ارتباط ناصب الضمير بالمبتدأ، فلا معنى لتقييد السببي بالمرفوع، قال: ولعل الوجه ما ذكره أبو محمد بن السيد البطليوسي، من أن "غريمها" إن رفع بـ"معنى" يكون "ممطول" قد جرى على غير من هو له، فيلزم ظهور الضمير، وإن رفع بـ"ممطول" فهو خطأ؛ لأنه قد وصف بـ"معنى" والاسم الذي يعمل عمل الفعل، إذا وصف لا يعمل شيئًا، فلا يجوز: "مررت بضارب ظريف زيدًا". ا. هـ. وأقول: ما ذكره أبو محمد، يقال بمثله فيما إذا كان السببي منصوبًا، نحو: "غلام زيد ضارب مهين أخاه"، إذا كان الضارب والمهين زيدًا، فإن كان الناصب للسببي الثاني وجب إبراز الضمير الأول؛ لكونه جرى على غير من هو له. وإن كان الناصب له الأول فهو خطأ؛ لأنه قد وصف بمهين، والوصف إذا وصفا لا يعمل.
إذا تقرر هذا فتقول: "عزة" مبتدأ، وليس "ممطول" و"معنى" خبرين لها، "بل "غريمها" مبتدأ" ثان مؤخر عن خبره، "و"ممطول" و"معنى" خبران" لغريمها، خبر بعد خبر٣. "أو "ممطول "خبر" وحده، "و "معنى" صفة٤ له"؛ لأن الوصف يجوز وصفه على الأصح، وحجة المانع أن الوصف كالفعل، وهو لا يوصف. "أو حال من ضميره" المستتر فيه، المرفوع على النيابة عن الفاعل العائد إلى "غريمها" و"غريمها" وخبره خبر "عزة". والرابط بينهما الضمير المضاف إليه غريم.
"و" علم من تقييد السببي بالمرفوع أنه "لا يمتنع التنازع في" السببي المنصوب. "نحو: زيد ضرب وأكرم أخاه؛ لأن السببي" وهو "أخاه" "منصوب" بأحد العاملين، والرابط موجود بالضمير المستتر، أو بالمضاف إليه السببي.
стр. 494
ومنع الشاطبي التنازع في السببي المنصوب، وعلله بأنه لو أعملت الأول أو الثاني فلا بد من ضمير يعود على السببي، وضمير السببي لا يتقدم عندهم عليه. قال ابن خروف: لأنه لو تقدم كان عوضًا من اسمين مضاف ومضاف إليه، وهذا مما لا سبيل إليه. ا. هـ.
فالوجه امتناع التنازع في السببي مطلقًا، ولا يقع التنازع في الاسم المرفوع الواقع بعد "إلا" على الصحيح كقوله: [من البسيط]
٣٨٥-
ما صاب قلبي وأضناه وتيمه ... إلا كواعب من ذهل بن شيبانا
والمانع من كونه من التنازع، أنه لو كان منه لزم إخلاء الفعل الملغى من الإيجاب، ولزم في نحو: "ما قام وقعد إلا أنا" إعادة ضمير غائب على حاضر. قاله المرادي في شرح التسهيل. ا. هـ.
وحمله في التسهيل١ على الحذف، وقال في شرحه٢: على تأويل: ما قام أحد وقعد إلا أنا، فحذف "أحد" لفظًا، واكتفى بقصده، ودلالة المعنى، والاستثناء عليه.
وعلم من قولنا "مذكوران" أنه لا تنازع بين محذوفين، ولا بين محذوف ومذكور.
стр. 495
"فصل":
"إذا تنازع العاملان جاز إعمال أيهما شئت باتفاق" من البصريين والكوفيين١؛ لأن إعمال كل منهما مسموع من العرب، "و" الخلاف بينهم في المختار، هل هو من الأول، أو الثاني, أو هما على حد سواء أقوال: "اختار الكوفيون" منها "الأول لسبقه، واختار البصريون الأخير لقربه"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٧٨-
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل ... قبل فللواحد منهما العمل
٢٧٩-
والثاني أولى عند أهل البصره ... واختار عكسا غيرهم ذا أسره
وقيل: هما سيان؛ لأن لكل منهما مرجحًا، حكاه ابن العلج في البسيط.
إذا تنازع ثلاثة فالحكم كذلك بالنسبة إلى الأول والثالث، قاله المرادي٢.
وسكتوا عن المتوسط، فهل يلتحق بالأول لسبقه على الثاني٣، أو بالثاني لقربه من المعمول بالنسبة إلى الأول، أو يستوي فيه الأمران؟ لم أر في ذلك نقلًا.
"فإن" تنازع اثنان، و"أعملنا الأول في المتنازع فيه" على اختيار الكوفيين، "أعملنا الأخير في ضميره" مرفوعًا كان أو منصوبا أو مجرورًا، "نحو: "قام وقعدا" أخواك"، "أو" قام "وضربتهما" أخواك، "أو" قام "ومررت بهما أخواك, وبعضهم" كالسيرافي "يحيز حذف غير المرفوع" وهو المنصوب والمجرور "لأنه فضلة" وهو الذي يفهم من كلام التسهيل٤، "كقوله" وهو الشخص المسمى بعاتكة بنت عبد المطلب. [من م. الكامل]
стр. 496
٣٨٦-
"بعكاظ يعشي الناظريـ ... ـن إذا هم لمحوا شعاعه"
فأعملت الأول وهو "يعشى"، فرفعت "شعاعه"، وأعملت "لمحوا" في ضميره، وحذفته، والتقدير: لمحوه و"عكاظ" بضم العين المهملة، وتخفيف الكاف وبالظاء المشالة: موضع بقرب مكة كان سوقًا في الجاهلية، و"يعشي" مضارع "أعشى" بالعين المهملة، وقيل بالمعجمة، و"شعاعه" بالشين المعجمة: ضوؤه، والضمير المضاف إليه للسلاح فيما قبله.
"ولنا" من الأدلة على امتناع حذف غير المرفوع "أن في حذفه تهيئة العامل"، وهو "لمحوا" "للعمل" في "شعاعه" "وقطعه عنه" برفعه بـ"يعشي" بغير معارض، قاله بعض المغاربة. "و" هذا "البيت ضرورة" عند الجمهور.
"وإن أعملنا الثاني" على اختيار البصريين "فإن احتاج الأول لمرفوع فالبصريون يضمرونه" ولا يحذفونه "لامتنع حذف العمدة" عندهم. "و" إن لزم منه الإضمار قبل الذكر، وهو عود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة؛ "لأن الإضمار قبل الذكر قد جاء" مصرحًا به "في غير هذا الباب، نحو: ربه رجلًا و: نعم رجلا" فـ"رجلا" فيهما تمييز للضمير المجرور بـ"رب" والمرفوع على الفاعلية بـ"نعم"، ورتبة التمييز التأخير، فقد عاد الضمير على التمييز، وهو متأخر لفظًا ورتبة، "و" جاء الإضمار قبل الذكر "في" هذا "الباب" الذي نحن فيه، وهو باب التنازع نثرًا وشعرًا "نحو" قول بعض العرب: ضربوني وضربت قومك" بالنصب "حكاه سيبويه١", فقد أعمل الثاني. وأضمر في الأول ضمير الفاعل، وهو الواو العائدة على المتنازع فيه، وهو "قومك" المنصوب على المفعولية، والمفعول رتبته التأخير، فعد الضمير على متأخر لفظًا، ورتبة "وقال الشاعر": [من الطويل]
٣٨٧-
"جفوني ولم أجف الأخلاء إنني" ... لغير جميل من خليلي مهمل
стр. 497
فأعمل الثاني، ونصب "الأخلاء" المنصوب على المفعولية، و"الأخلاء": جمع خليل و"الجميل": الشيء الحسن، و"مهمل": اسم الفاعل من الإهمال، وهو الترك.
"والكسائي وهشام" الضرير "والسهيلي" والكوفيون "يوجبون الحذف" للضمير المرفوع على الفاعلية هربًا من الإضمار قبل الذكر١، "وتمسكًا بظاهر قوله"، وهو علقمة بن عبدة يمدح الحارث بن جبلة الغساني: [من الطويل]
٣٨٨-
"تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال" فبذت نبلهم وكليب
"إذ لم يقل: تعفقوا" على تقدير إعمال الثاني، "ولا: أرادوه" على تقدير إعمال الأول، ويمكن أن يجاب عنه بأنه أعمل الثاني، ولم يقل "تعفقوا" على لفظ الجمع؛ لأنه يجوز أن ينوي مفردًا على مذهب البصريين باعتبار تأويله بالمذكور، ولهذا قال الموضح٢: "بظاهر قوله"، ولم يقل: "بقوله"، و"تعفق" بفتح العين المهملة وتشديد الفاء وبالقاف أي: استتر، و"الأرطى": شجر، و"بذت" بالباء الموحدة، والذال المعجمة المشددة أي: غلبت، و"نبلهم" بسكون الموحدة: سهامهم، فاعل "بذت"، و"كليب" بفتح الكاف وكسر اللام: جمع كلب، كعبيد جمع عبد.
والحاصل أن العمل لأحد العاملين في المتنازع فيه، وتعمل المهمل في ضميره سواء اتفق مطلوبهما أم اختلف.
"والفراء يقول: إن استوى العاملان في طلب المرفوع" وكان العطف بالواو؛ كما في المغني "فالعمل لهما" لأنهما لما كان مطلوبهما واحدًا كان كالعامل الواحد، "نحو: قام وقعد أخواك" فـ"أخواك" مرفوع عنده بـ"قام" و"قعد"، فيكون الاسم الواحد فاعلا لفعلين مختلفين لفظًا ومعنى، وهو مشكل، فإن النحويون يجعلون العوامل كالمؤثرات الحقيقية، واجتماع مؤثرين على أثر واحد ممنوع عند أهل الأصول. قاله الرضي، ثم قال: وجاز عند الفراء وجه آخر، وهو أن يأتي بفاعل الأول ضميرًا منفصلًا بعد المتنازع فيه، لتعذر المتصل بلزوم الإضمار قبل الذكر، هذا هو النقل الصحيح عن الفراء. ا. هـ.
"وإن اختلفا" أي: العاملان؛ في طلب المعمول فإن كان أولهما يطلب مرفوعًا
стр. 498
"أضمرته مؤخرًا" وجوبًا "كـ: ضربني وضربت زيدًا هو"، انتهت مقالة الفراء١.
فهو فاعل "ضربني" وإنما أخر عن الظاهر هربا من الإضمار قبل الذكر، ولم يحذفه هربًا من حذف الفاعل، هذا كله إذا احتاج الأول لمرفوع من إعمال الثاني.
"وإن" أعملنا الثاني، و"احتاج الأول لمنصوب لفظًا" وهو ما يصل إليه العامل بنفسه "أو محلا" وهو ما يصل إليه العامل بواسطة حرف جر "فإن أوقع حذفه" أي: المنصوب "في لبس" ظاهر، "أو" لم يوقع في لبس، ولكن "كان العامل من باب "كان" أو من باب "ظن" وجب إضمار المعمول موخرا" عن المتنازع عنه في المسائل الثلاث:
فالأولى: "نحو: استعنت واستعان علي زيد به٢"، فالأول يطلب "زيدًا" مجرورًا بالباء، والثاني يطلبه فاعلا؛ لأنه استوفى معمول المجرور بـ"على"، فأعملنا الثاني، وأضمرنا ضمير "زيد" مجرورًا بالباء مؤخرًا وقلنا به، والذي حملنا على ذلك أنا لو أضمرناه مقدما قبل "استعان" لزم الإضمار قبل الذكر، ولو حذفناه أوقع في لبس، فلا يعلم هل "زيد" مستعان به أو عليه.
"و" الثانية: نحو: "كنت وكان زيد صديقًا إياه"، فـ"كنت"، و"كان" تنازعا "صديقا" على الخبرية لهما، فأعملنا الثاني فيه، وأعملنا الأول في ضميره مؤخرًا.
"و" الثالثة: "نحو: "ظنني وظننت زيدًا قائمًا إياه"، فـ"ظنني" يطلب "زيدًا قائمًا" فاعلًا ومفعولا ثانيا، "وظننت" يطلبهما مفعولين، فأعملنا الثاني، ونصبنا "زيدًا قائمًا" وبقي الأول يحتاج إلى فاعل ومفعول ثان، فأضمرنا الفاعل مقدمًا مستترًا, وأضمرنا المفعول الثاني مؤخرًا، وقلنا: "إياه"٣. ولم نحذف المنصوب في المسألة الثانية والثالثة؛ لأنه عمدة في الأصل؛ لأنه خبر مبتدأ. "وقيل في باب "ظن" و"كان" يضمر مقدمًا" كالمرفوع؛ لأنه مرفوع في الأصل فيقال: "ظنني إياه، وظننت زيدًا قائمًا" هكذا مثل أبو حيان في النكت الحسان٤ بالضمير منفصلًا، ولا يتعين، بل يجوز اتصاله نحو: "ظننيه" على ما تقدم من اختلاف الترجيح.
стр. 499
وقول الشارح١ تبعًا لأبيه في شرح الكافية٢: "ولا يجوز تقديمه عند الجميع" مخالف لظاهر التسهيل٣، ولتصريح ابن عصفور٤، وابن خروف بذلك.
"وقيل": لا يضمر، ولا يحذف، بل "يظهر" كما في المسألة الآتية في تخالف صاحب الضمير ومفسره، فيقال: "ظنني قائمًا وظننت زيدًا قائمًا"، "وقيل": لا يضمر، ولا يظهر، بل "يحذف، وهو الصحيح؛ لأنه حذف لدليل"، فإن المفسر يدل عليه، قال ابن عصفور٥: وهذا المذهب أسد٦ المذاهب؛ لأن الإضمار قبل الذكر، والفصل بين العامل والمعمول، لم تدع ضرورة إليه، وحذف الاختصار في باب "ظن"، قد تقدم الدليل على جوازه ا. هـ.
وشرط الحذف أن يكون المحذوف مثل المثبت إفرادًا وتذكيرًا، وفروعهما فإن لم يكن مثله لم يجز حذفه، نحو: "علمني وعلمت الزيدين قائمين" فلا بد أن يقول: "إياه" متقدمًا أو متأخرًا، ولا يجوز حذفه. قاله أبو حيان في النكت الحسان٧.
"وإن كان العامل من غير بابي، كان، و: ظن" ولم يلبس "وجب حذف المنصوب" لفظًا أو محلا؛ لأنه فضلة مستغنى عنه، فلا حاجة لإضماره قبل الذكر "كـ: ضربت وضربني زيد"، و: مررت ومر بي زيد، "وقيل: يجوز إضماره كقوله": [من الطويل]
٣٨٩-
"إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب" ... جهارًا فكن في الغيب أحفظ للود
فأعمل الثاني، وأضمر في الأول ضمير المفعول، "وهذا" البيت "ضرورة عند الجمهور"،
стр. 500
ولم يوجب في التسهيل حذفه بل جعله أولى١. وإلى ما تقدم أشار الناظم بقوله:
٢٨٠-
وأعمل المهمل في ضمير ما ... تنازعاه والتزم ما التزما
ثم قال:
٢٨٢-
ولا تجئ مع أول قد أهملا ... بمضمر لغير رفع أوهلا
٢٨٣-
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر ... وأخرنه إن يكن هو الخبر
"مسألة: إذا" اختلف المخبر عنه، ومفسر الضمير، و"احتاج العامل المهمل إلى ضمير، وكان ذلك الضمير" المحتاج إليه "خبرًا عن اسم، وكان ذلك الاسم" المخبر عنه "مخالفًا في الإفراد والتذكير أو غيرهما" من التأنيث والتثنية والجمع "للاسم المفسر له؛ وهو" الاسم "المتنازع فيه؛ وجب العدول" من الإضمار "إلى الإظهار"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٨٤-
وأظهر إن يكن ضمير خبرًا ... لغير ما يطابق المفسرا
"نحو: "أظن ويظناني أخا الزيدين أخوين"، وذلك لأن الأصل" قبل الإعمال "أظن ويظنني الزيدين أخوين" بالتثنية فيهما "فـ"أظن" يطلب "الزيدين أخوين" مفعولين، و"يظنني" يطلب "الزيدين" فاعلًا، و"أخوين" مفعولًا" ثانيًا؛ لأنه أخذ مفعوله الأول، وهو ياء المتكلم المتصلة به، "فأعملنا الأول" وهو "أظن"، "فنصبنا الاسمين، وهما "الزيدين أخوين" على أنهما مفعولان لـ"أظن"، و"أضمرنا في الثاني "وهو "يظنني" "ضمير "الزيدين" وهو الألف" في "يظناني"، فاستوفى فاعله ومفعوله الأول، "وبقي علينا المفعول الثاني" لـ"يظناني" "يحتاج إلى إضماره، وهو خبر" في الأصل "عن ياء المتكلم" المتصلة به التي هي الآن المفعول الأول بعد دخول "يظن"، "والياء المخالفة لـ"أخوين" الذي هو مفسر الضمير الذي يؤتى به، فإن الياء مفرد، و "الأخوين" تثنية، فدار الأمر بين إضماره مفردًا ليوافق المخبر عنه" وهو الياء، "وبين إضماره مثنى ليوافق المفسر" وهو "الأخوين"، "وفي كل منهما محذور" لا محيص منه " فوجب العدول إلى الإظهار، فقلنا: "أخا" فاتفق المخبر عنه" وهو الياء في الإفراد "ولم يضره مخالفته لـ"أخوين" لأنه" أي: "أخا" "اسم ظاهر لا يحتاج إلى ما يفسره، هذا تقرير ما قالوا" في هذه المسألة٢.
стр. 501
قال الموضح تبعًا لجماعة على سبيل البحث: "و" الذي "يظهر لي فساد دعوى التنازع في "الأخوين" لأن "يظنني" لا يطلبه؛ لكونه مثنى، والمفعول الأول مفرد".
وجوابه أن المتنازع فيه مطلق الأخوة من غير نظر كونه مفردًا أو مثنى، قال صاحب المتوسط بمعناه، وفيه نظر؛ لأن التنازع لا يكون في مبهم "وعن الكوفيين أنهم أجازوا فيه وجهين: حذفه وإضماره" مقدمًا "على وفق المخبر عنه"، فيقولون على الحذف: "أظن ويظناني الزيدين أخوين"، ويحذفون "أخا" لدلالة أخوين عليه، ويقولون: على الإضمار: "أظن ويظناني إياه الزيدين أخوين"، كذا مثله في شرح الكافية١ مقدمًا؛ لأن العلة المقتضية لتأخيره؛ وهي تأخير المفسر: مفقودة هنا.
وإن أعملنا الثاني فالحكم فيه كما سبق من وجوب الإظهار، ومن إجراء الوجهين المحكيين عن الكوفيين، ولكن يضمر مؤخرا, قاله المرادي في شرح التسهيل، وفيه البحث السابق.
стр. 502
باب المفعول المطلق
مدخل
...
باب المفعول المطلق:
"هذا باب المفعول المطلق":
"أي: الذي يصدق عليه قولنا: مفعول" بغير صلة "صدقا" منصوب بيصدق "غير مقيد" صفة "صدقًا" "بالجار" حرف أو اسم، متعلق بمقيد؛ بخلاف بقية المفاعيل فإن صدق المفعولية عليها مقيد بالجار كالمفعول به، والمفعول له، والمفعول فيه، والمفعول معه، وهذه التسمية للبصريين١.
وأما غيرهم٢ فلا يسمى مفعولًا إلا المفعول به خاصة، ويقول في غيره: مشبه بالمفعول، قال الموضح في الحواشي٣.
"و" المفعول المطلق: "هو اسم يؤكد عامله"، فيفيد ما أفاده العامل من الحدث من غير زيادة على ذلك. "أو يبين نوعه"، أي: نوع العامل، فيفيده زيادة على التوكيد "أو" يبين "عدده" أي:
عدد العامل، فيفيد عدد مرات العامل زيادة على التوكيد، "وليس" هو "خبرا" عن مبتدأ "ولا حالا" من غيره "نحو: ضربت ضربًا، أو" ضربت "ضرب الأمير، أو" ضربت "ضربتين"، فالأول مثال لما يؤكد عامله، والثاني مثال لما يبين نوعه، والثالث مثال لما يبين عدده "بخلاف نحو": "ضربك ضربتان" و"ضربك ضرب أليم" فإه وإن بين العدد في الأول، والنوع في الثاني لوصفه بـ"أليم" فهو خبر عن "ضربك" فلا يكون مفعولًا مطلقًا، "و" بخلاف "نحو: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ [النمل: ١٠] فإنه وإن كان توكيدًا لعامله فهو حال من الضمير المستتر في عامله فلا يكون مفعولًا مطلقًا.
وإلى أن المفعول المطلق يفيد المعاني الثلاثة أشار الناظم بقوله:
٢٨٨-
توكيدا أو نوعا يبين أو عدد ... ...................................
стр. 503
"وأكثر ما يكون المفعول المطلق مصدرًا" كما تقدم من الأمثلة، "والمصدر" كما قال الناظم:
٢٨٦-
.... اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل......................
وهو "اسم الحدث الجاري على الفعل"، وليس علمًا ولا مبدوءًا بميم زائدة لغير المفاعلة كما قاله الموضح في باب إعمال المصدر١.
"وخرج بهذا القيد" وهو الجريان على الفعل "نحو" "غسلا" و"وضوءًا" و"عطاء" من قولك: ""اغتسل غسلًا" و"توضأ وضوءًا" و"أعطى عطاء" فإن هذه" الثلاثة "أسماء مصادر" وليست مصادر لعدم جريانها على أفعالها؛ لأن "اغتسل" قياس مصدره الجاري عليه "الاغتسال"، و"توضأ" قياس مصدره الجاري "التوضؤ"، و"أعطي" قياس مصدره الجاري عليه "الإعطاء".
وخرج بقولنا: وليس علما، نحو "حماد" علمًا للمحمدة، وبقولنا: ليس مبدوءًا بميم زائدة لغير المفاعلة نحو: "مقتل" بمعنى القتل فإنها من أسماء المصادر، والفرق بين المصدر واسمه أن المصدر يدل على الحدث بنفسه واسم المصدر يدل على الحدث بواسطة المصدر، فمدلول المصدر معنى، ومدلول اسم المصدر لفظ المصدر.
وسمي المصدر مصدرًا؛ لأن فعله صدر عنه؛ أي: أخذ منه، كمصدر الإبل للمكان الذي ترده ثم تصدر عنه٢.
"و" المصدر المنصوب على المفعولية المطلقة "عامله إما مصدر مثله" لفظًا ومعنى "نحو: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ " [الإسراء: ٦٣] ، فـ"جزاء" مفعول مطلق، وعامله "جزاؤكم"، وهو مصدر مثله، أو لا معنى لا لفظًا نحو: "أعجبني إيمانك تصديقًا"، وقول الجرمي: لا يعمل المصدر في المصدر مردود بالآية ونحوها.
"أو ما اشتق" لفظه "منه من فعل" غير تعجبي ولا ناقص ولا ملغى عن العمل "نحو: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ " [النساء: ١٦٤] ، وخرج عنه فعل التعجب، فلا يقال: "ما أحسن زيدًا حسنًا"، والأفعال الناقصة فلا يقال: "كان زيد قائمًا كونا"، والأفعال الملغاة فلا يقال: "زيد قائم ظننت ظنا".
"أو" من "وصف" اسم فاعل أو مفعول أو للمبالغة دون اسم التفضيل والصفة المشبهة، فاسم الفاعل "نحو: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ، واسم المفعول
стр. 504
نحو: "الخبز مأكول أكلا" وأمثله المبالغة نحو: "زيدًا ضراب ضربًا"، ولا يجوز: "زيد حسن وجهه حسنًا"، ولا "أقوم منك قياما"، وأما قوله: [من البسيط]
٣٩٠-
أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم ... لؤما وأبيضهم سربال طباخ
فـ"لؤما" منصوب محذوف، قاله صاحب البديع، وإلى ناصب المفعول المطلق أشار الناظم بقوله:
٢٨٧-
بمثله أو فعل أو وصف نصب ... ....................................
وما ذكره من أن الفعل والوصف مشتقان من المصدر هو الصحيح من مذهب البصريين، وإليه يرشد قوله الناظم:
٢٨٧-
.................. ... وكونه أصلًا لهذين انتخب
"وزعم بعض البصريين" كالفارسي، واختاره الشيخ عبد القاهر "أن الفعل أصل للوصف" فيكون فرع الفرع.
"وزعم الكوفيون أن الفعل أصل لهما" أي: للمصدر والوصف.
وزعم ابن طلحة أن الفعل والمصدر أصلان، وليس أحدهما مشتقا من الآخر١.
والصحيح الأول؛ لأن الفرع لا بد فيه من معنى الأصل وزيادة، والفعل يدل على الحدث والزمان، والصفة تدل على الحدث والموصوف ولا دلالة لهما على الزمان المعين٢.
стр. 505
"فصل":
"ينوب عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق ما يدل على المصدر من صفة" له "كـ: سرت أحسن السير" والأصل سرت السير أحسن السير، فحذف الموصوف لدلالة إضافة صفته إلى مثله عليه، ونابت صفته منابه، وانتصبت انتصابه. "و: اشتمل الصماء"، والأصل الشملة الصماء، فحذف الموصوف ونابت صفته منابه. "و: ضربته١ ضرب الأمير اللص، إذ الأصل: ضربا مثل ضرب الأمير اللص، فحذف الموصوف" وهو "ضربًا" "ثم المضاف" وهو "مثل" وصح وقوعه نعتًا للنكرة وإن أضيف لمعرفة؛ لأنه لم يكتسب التعريف بالمضاف إليه لتوغله في الإبهام.
وقيد أبو البقاء المسألة بقوله: وكذلك صفة المصدر إذا أضيفت إليه نحو: "سرت أشد السير"؛ لأن الصفة هي الموصوف في المعنى وإنما قدمت لتدل على المبالغة. ا. هـ.
وما ذكره الموضح من إقامة الصفة مقام الموصوف في الانتصاب على المفعول المطلق تبع فيه ابن مالك في شرح التسهيل٢، وخالف ذلك في شرح القطر٣، فقال: وليس مما ينوب عن المصدر صفته نحو: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥] خلافًا للمعربين. زعموا أن الأصل: أكلا رغدا، وأنه حذف الموصوف، ونابت صفته منابه، وانتصبت انتصابه٤.
ومذهب سيبويه٥ أن ذلك إنما هو حال من مصدر الفعل المفهوم منه، والتقدير: "فكلا" حال كون الأكل رغدًا، ويدل ذلك على أنهم يقولون: "سِيْرَ عليه طويلًا" فيقيمون الجار والمجرور مقام الفاعل، ولا يقولون: "طويل" بالرفع، فدل على أنه حال لا مصدر، وإلا جازت إقامته مقام الفاعل؛ لأن المصدر يقوم مقام الفاعل باتفاق٦. ا. هـ.
стр. 506
"أو" من "ضميره" أي: ضمير المصدر "نحو: عبد الله" بالنصب "أظنه جالسًا" فـ"عبد الله" مفعول أول لـ"أظن"، و"جالسًا" مفعوله الثاني، و"الها" في "أظنه" ضمير المصدر نائبة عنه في الانتصاب على المفعولية المطلقة. وهل هي نائبة عن مصدر مؤكد فيكون التقدير: أظن ظنا، أو عن نوعي، فيكون التقدير: أظن ظني، كما قدره الشارح١ تبعًا للمفصل٢، فيه بحث.
قال الموضح في الحواشي: والذي يظهر أن الضمير إنما يقوم مقام المؤكد خاصة، وذلك كقوله: [من م. الكامل]
٣٩١-
من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه
وقوله: [من البسيط]
٣٩٢-
هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
أي: يدرس الدرس، وقد نلت النيل، ولو صرح بالظاهر لم يفد إلا التوكيد فكذلك ضميره.
"و" أما "نحو" ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا " لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا "﴾ [المائدة: ١١٥] فتقديره: لا أعذب هذا التعذيب الخاص، فالضمير هنا نائب عن المصدر النوعي فصار له حالتان.
انتهى كلامه في الحواشي، ومن خطه نقلت.
وينبغي أن يكون٣ "أل" في "النيل" و"الدرس" للجنس لا للعهد، وإلا لكان نوعيّا أيضًا.
"أو" من "إشارة إليه" أي: إلى المصدر؛ سواء أكان اسم الإشارة متبوعا بالمصدر أم لا. فالأول "كـ: ضربته ذلك الضرب" بالنصب، والثاني كـ"ضربته ذلك"،
стр. 507
فـ"ذلك" في المثالين مفعول مطلق نائب عن المصدر.
وذهب ابن مالك في شرح التسهيل١ إلى أنه لا بد من جعل المصدر تابعًا لاسم الإشارة المقصود به المصدرية. وذهب سيبويه٢ والجمهور إلى أن ذلك لا يشترط، ومن كلام العرب: "ظننت ذلك"، يشيرون به إلى الظن قاله المرادي في التلخيص.
"أو" من "مرادف له" معنى "نحو: شنئته بغضًا" فـ"بغضًا": مفعول مطلق نائب عن "شنء" فإن "الشنء" مصدر "شنئ"؛ بكسر النون مرادف للبغض، "و: أحببه مقة"، فـ"مقة" مفعول مطلق نائب عن المحبة, فإن المقة؛ بكسر الميم؛ مصدر "ومق" مرادف للمحبة، "و: فرحت جذلًا"، فـ"جذلا" مفعول مطلق نائب عن "فرحًا" فإن الجذل؛ بفتحتين "وهو بالذال المعجمة مصدر "جذِل" بالكسر" مرادف للفرح. وظاهر كلام الموضح تبعًا لابن مالك٣ أن المرادف منصوب بالفعل المذكور، وهو مذهب المازني، والمنقول عن الجمهور أن ناصبه فعل مقدر من لفظه، والتقدير عندهم في الأمثلة المذكورة: شنئته وبغضته بغضًا، وأحببته ومقته مقة، وفرحت وجذلت جذلا.
"أو" من "مشارك له" أي: للمصدر المحذوف "في مادته" وحروفه "وهو أقسام ثلاثة:
اسم مصدر" غير علم "كما تقدم" من نحو: "اعتسل غسلا" و"توضأ وضوءًا" و"أعطى عطاء". وفي شرح التسهيل٤: أن [اسم] ٥ المصدر العلم لا يستعمل مؤكدًا ولا مبينا.
"واسم عين ومصدر لفعل آخر"، فاسم العين "نحو: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ " [نوح: ١٧] فـ"نباتا": اسم عين للنبات، وهو ما ينبت من زرع أو غيره، ومنه زكاة النبات، وعن سيبويه٦: أان "نباتًا" في الآية مصدر جار على غير الفعل، وكأنه نائب عن "إنباتًا"، قاله الشاطبي، فعلى هذا "يكون من القسم الثالث؛ وهو ما كان مصدرًا لفعل آخر نحو: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] فـ"نباتًا" نائب
стр. 508
عن "إنباتا" و"تبتيلا" نائب عن "تبتلا"، "والأصل" في مصدر "أنبت" و"تبتل" "إنباتًا وتبتلا"؛ لأن قياس مصدر "أنبت" الإنبات لا النبات؛ لأنه مصدر "نبت". قال ابن القطاع: نبت البقل نباتًا، وقياس مصدر "تبتل" التبتل لا تبتيلا؛ لأن التبتيل مصدر "بتل" بالتشديد.
"أو" من لفظ "دال على نوع منه" أي: من المصدر "كـ: قعد القرفصاء" بالمد والقصر، "و: "رجع القهقرى" بالقصر فقط، فإن "القرفصاء" نوع من القعود، و"القهقرى" نوع من الرجوع، والأصل: قعد القعدة القرفصاء, ورجع الرجوع القهقرى، فحذف المصدر وأنيب عنه لفظ دال على نوع منه. فإن قلت: القرفصاء والقهقرى مصدران، فكيف يقال: نابا عن المصدر؟ قلت: أجيب بأنهما نابا عن المصدر الأصلي المحتمل للقليل والكثير. وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه يقتضي أن انتصاب النوعي فرع عن انتصاب المؤكد، ولا قائل به. قاله الموضح في الحواشي.
"أو" من لفظ ""دال على عدده" أي: المصدر "كـ: ضربته عشر ضربات" فـ"عشر" نائب عن المصدر، والأصل: ضربته ضربًا عشر ضربات، فحذف المصدر، وأنيب عنه عدده، ومثله: " ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ " [النور: ٤] ، والأصل: فاجلدوهم جلدًا ثمانين، فحذف المصدر وأنيب عنه "ثمانين، و"جلدة" تمييز.
"أو" من لفظ دال "على آلته" أي: المصدر "كـ: ضربته سوطًا، أو عصا" والأصل: ضربته ضربًا بسوط أو عصا، ثم توسع في الكلام. فحذف المصدر، وأقيمت الآلة مقامه، وأعطيت ما له فمن إعراب وإفراد أو تثنية أو جمع، تقول: "ضربته سوطين" و"أسواطًا" والأصل: ضربتين بسوط، وضربات بسوط، قاله الشارح١.
وقال المرادي في التلخيص: أصل ضربته سوطًان ضربته ضربة٢ سوط، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه وذلك يطرد فلي كل آلة معهودة للفعل، فلو قلت: ضربته خشبة، لم يجز٣ لأنه لا٤ يعهد كون ذلك آلة لهذا الفعل. ا. هـ.
"أو" من "كل" وما معناها مضاف إلى المصدر "نحو: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] فـ"كل": مفعول مطلق نائب عن مصدر محذوف، والأصل: فلا
стр. 509
تميلوا ميلا كل الميل، "و" نحو "قوله" وهو قيس بن الملوح: [من الطويل]
٣٩٣-
وقد يجمع اله الشتيتين بعدما ... "يظنان كل الظن ألا تلاقيا"
والأصل: يظنان ظنا كل الظن، ونحو: ضربته جميع الضرب أو عامة١ الضرب.
"أو" من "بعض" وما في معناها مضافة إلى المصدر "كـ: ضربته بعض الضرب"، فـ"بعض": مفعول مطلق نائب عن مصدر محذوف، والأصل: ضربته بعض الضرب، وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ، ونحو: "ضربته يسير الضرب"، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود: ٥٧] وحاصل ما ذكره الموضح أن النائب عن المصدر نوعان: نائب عن مؤكد، ونائب عن مبين. فالنائب عن المؤكد: المرادف والمشارك له في المادة بأقسامه الثلاثة، والنائب عن المبين: ما بقي وهو الوصف والضمير والإشارة والعدد والآلة وكل وبعض وذلك يدخل في قول الناظم:
٢٨٩-
وقد ينوب عنه ما عليه دل ... ................................
"مسألة: المصدر المؤكد" لعامله "لا يثنى ولا يجمع باتفاق" فلا يقال:" ضربت "ضربين" بالتثنية، "ولا:" ضربت "ضروبًا" بالجمع؛ "لأنه" اسم جنس مبهم يحتمل القليل والكثير "كـ"ماء" و"عسل"" و"دقيق"؛ ولأنه بمنزلة تكرير الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع باتفاق، فكذلك ما كان بمنزلته.
"و" المصدر العددي، وهو "المختوم بتاء الوحدة كـ"ضربة" بعكسه" فيثنى ويجمع "باتفاق، فيقال:" ضربت "ضربتين، وضربات؛ لأنه" فرد لجنس "كـ"تمرة" و "كلمة". واختلف في" المصدر "النوعي، فالمشهور" من الخلاف في تثنيته وجمعه "الجواز" قياسًا. فيقال: "ضربت ضربتين ضربا عنيفًا وضربًا رقيقًا"، و"ضربت ضروبًا مختلفة" "وظاهر مذهب سيبويه المنع" وأنه لا يقال منه إلا ما سمع ٢، "واختاره" أي: المنع "الشلوبيين٣" واحتج المجيز بمجيئه في الفصيح كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] والألف مزيدة تشبيهًا للفواصل بالقوافي، وإلى المنع في المؤكد والجواز في غيره أشار الناظم بقوله:
٢٩٠-
وما لتوكيد فوحد أبدًا ... وثن واجمع غيره وأفردا
стр. 510
"فصل":
النحاة "اتفقوا على أنه يجوز لدليل مقالي أو حالي حذف عامل المصدر غير المؤكد" وهو المبين للنوع أو العدد. والدليل المقالي: ما مرجعه إلى القول، "كأن يقال: "ما جلست". فيقال: "بلى جلوسًا طويلًا"، أو "بلى جلستين"" فـ"جلوسًا": مصدر نوعي لوصفه بالطول، حذف عامله جوازا لدليل مقالي، وهو قول القائل: ما جلست، والتقدير: بلى جلست طويلًا، و"جلستين": مصدر عددي حذف عامله لذلك، والتقدير: بلى جلست جلستين.
"و" الدليل الحالي: ما مرجعه إلى الحال من مشاهدة أو غيرها, "كقولك لمن قدم من سفر: قدومًا مباركًا"، ولمن تكرر منه إصابة الغرض: "إصابتين"، فـ"قدومًا": مصدر نوعي، و"إصابتين" مصدر عددي، حذف عاملهما جوازا لدليل حالي، وهو الحال المشاهدة، والتقدير: قدمت قدومًا مباركًا، وأصبت إصابتين.
"وأما" المصدر "المؤكد فزعم ابن مالك" في شرح الكافية١: "أنه لا يحذف عامله؛ لأنه إنما جيء به لتقويته وتقرير معناه والحذف مناف لهما"، فلم يجز حذفه، بخلاف المصدر المبين نوعًا أو عددًا، فإنه يدل على معنى زائد على معنى الفعل فأشبه المفعول به. فجاز حذف عامله كما جاز عامل المفعول به. انتهى كلامه في شرح الكافية وصرح بذلك في النظم فقال:
٢٩١-
وحذف عامل المؤكد امتنع ... وفي سواه لدليل متسع
"ورده ابنه٢" بأنه إن أراد أن المصدر المؤكد قد يقصد به تقوية عامله, وتقرير معناه دائما, فلا شك أن حذفه مناف لذلك القصد, ولكنه ممنوع, ولا دليل عليه, وإن أراد أن المصدر المؤكد قد يقصد به التقوية والتقرير, وقد يقصد به مجرد التقرير فمسلم،
стр. 511
ولكن لا نسلم أن الحذف مناف لذلك القصد؛ لأنه إذا جاز أن يقرر معنى العامل المذكور بتوكيده بالمصدر؛ فلأن يجوز أن يقرر معنى العامل المحذوف لدلالة القرينة عليه أحق وأولى.
"وبأنه قد حذف جوازًا" إذا كان خبر اسم عين في غير تكرير ولا حصر "في نحو: "أنت سيرًا" ووجوبًا" مع التكرير أو الحصر في "أنت سَيْرًا سَيْرًا" و"ما أنت إلا سيرًا". "و" في غير ذلك "نحو: سقيا ورعيا" وحمدا وشكرًا لا كفرا، فمنع مثل هذا إما للسهو١ عن وروده، وإما للبناء على أن المسوغ لحذف العامل فيه نية التخصيص، وهو دعوى على خلاف الأصل، ولا يقتضيها فحوى الكلام، انتهى كلام ابنه في شرحه٢.
وأجاب الشاطبي بأن ما قاله ابن الناظم غير لازم؛ لأنه إذا أريد تقرير معنى العامل فقد قصد الإتيان بلفظ آخر يقرر معنى اللفظ الآخر ويؤكده, فحذفه مع هذا القصد نقض للغرض، وأما ما استدل به فلا دليل فيه؛ لأن تلك المصادر لم تأت للتأكيد أصلًا، وإنما هي مصادر جعلت بدلًا من أفعالها، وعوضت منها، ففائدتها النيابة عن أفعالها، وإعطاء معانيها، لا تأكيدها فلو كانت مؤكدة لها لكانت مؤكدة لنفسها، والشيء لا يؤكد نفسه. انتهى ملخصًا مع اعترافه بأن "أنت سيرًا" للتوكيد. حيث قال في شرح قول الناظم:
٢٩٤-
كذا مكرر...... ... ........................
وتقول في المؤكد: "أنت تسير سيرًا" فيظهر أيضًا؛ يعني العامل؛ ولهذا لم يتعقب الموضح كلام ابن الناظم بل أقره عليه، لكن إقراره على نحو: "سقيا" و"رعيا" مشكل، بل قال ابن عقيل٣: إن ما قاله ابن الناظم ليس بصحيح، فإن جمع ما أتى به من الأمثلة ليست من المصدر المؤكد في شيء، وإنما هي من المصادر النائبة عن أفعالها. ا. هـ.
والحق أن المصدر النائب عن فعله من قسم المصدر المؤكد، وهو في معنى الاستثناء من قوله:
٢٩١-
وحذف عامل المؤكد امتنع ... ..................................
قاله الموضح في بعض حواشيه على الخلاصة.
"وقد يقام المصدر" المؤكد "مقام فعله" المستعمل أو المهمل "فيمتنع ذكره معه" أي: فيمتنع ذكر الفعل مع المصدر؛ لقيامه مقامه.
стр. 512
"وهو نوعان، ما لا فعل له" أصلًا من لفظه "نحو: ويل زيد وويحه؛ و: [من الكامل]
٣٩٤-
................... ... بله الأكف"................
بالإضافة إلى المفعول، "فيقدر له عامل من معناه، على حد: "قعدت جلوسًا"، بناء على قول المازني: إن جلوسًا منصوب بـ"قعدت"، فيقدر في نحو: "ويل زيد ويحه": أحزن الله زيدًا ويله، وأحزن الله زيدًا ويحه؛ لأن الويل والويح بمعنى الحزن، قاله أبو البقاء، وقيل: يقدر: "أهلك" لأنهما بمعنى الهلاك، وقيل: يقدر قبل "ويح" و"رحم" لأنها كلمة ترحم، وقبل١ "ويل" عذب لأنها كلمة عذاب.
وذهب بعض البغداديين إلى أن "ويحه" و"يله" و"يسه" منصوبة بأفعال من لفظها وأنشد: [من الهزج]
٣٩٥-
فما مال ولا واح ... ولا واس أبو هند
قال المرادي في شرح التسهيل: وهو مصنوع٢. ا. هـ.
ويقدر في "بله الأكف": اترك؛ لأن بله الشيء بمعنى تركه، و"الأكف": جمع كف. "وما له فعل" مستعمل من لفظه، "وهو نوعان":
نوع "واقع في الطلب وهو الوارد دعاء" بخير أو ضده، فالأول: "كـ: سقيا، ورعيا"، والثاني كـ: كيًّا "و: جدعا" والأصل: سقاك الله سقيا، ورعاك الله رعيا, وكواه الله كيًّا، وجدعه جدعا والجدع: قطع طرف الأنف أو الشفة أو الأذن أو غير ذلك.
"أو" الوارد "أمرًا أو نهيًا نحو: قيامًا لا قعودًا" أي: قم قياما لا تقعد قعودا،
стр. 513
"و" كذلك النوعي "نحو: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] أي: فاضربوا ضرب الرقاب١، "و" نحو "قوله": [من الطويل]
٣٩٦-
على حين ألهى الناس جل أمورهم ... "فندلا زريق المال ندل الثعالب
أي: اندل يا زريق المال ندل الثعالب، أي: اختطفه بسرعة كاختطاف الثعالب.
و"زريق"؛ بزاي فراء؛ مصغر علم رجل، و"المال": مفعول به، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٢٩٢-
والحذف حتم مع آت بدلًا ... من فعله كندلا اللذ كاندلا
"كذا أطلق ابن مالك" القول بأن المصدر القائم مقام فعله في الطلب يجب معه الحذف، لم يقيده بالتكرار.
"وخص ابن عصفور الوجوب" للحذف "بالتكرار٢، كقوله" وهو قطري بن الفجاءة الخارجي: [من الوافر]
٣٩٧-
"فصبرا في مجال الموت صبرًا" ... فما نيل الخلود بمستطاع
أي: اصبر صبرًا، ووجهه أنه جعل تكرار المصدر قائما مقام العامل، وبذلك قال ابن الضائع: ونصه: واعلم أنه يجري مجرى هذا في التزام الإضمار٣ المصادر في الأمر المثناة كقولهم: الحذر الحذر، والنجاء النجاء، وضربا ضربًا. ا. هـ.
стр. 514
قال الموضح في حاشية التسهيل: وأشار بقوله هذا إلى التحذير بغير "إيا"، وبمثل قوله قال ابن عصفور١، وكلاهما مخالف لإطلاق ابن مالك القول بأن المصدر الذي أقيم مقام عامله في الطلب يلتزم معه الحذف. انتهى كلام الموضح.
"أو" الوارد "مقرونا باستفهام توبيخي" وهو ثلاثة أقسام:
توبيخ متكلم لنفسه كقول عامر بن الطفيل يخاطب نفسه: أغدة كغدة البعير وموتا في بيت امرأة سلولية٢.
وتوبيخ لمخاطب "نحو: "أتوانيا وقد جد قرناؤك""، أي: أتتوانى توانيًا، "وقوله"؛ وهو جرير يهجو خالد بن يزيد الكندي: [من الوافر]
٣٩٨-
أعبدا حل في شعبى غريبًا ... "ألؤما لا أبا لك واغترابا"
أي: أتلؤم لؤما وتغترب اغترابًا، و"عبدًا": منادى بالهمزة: و"شعبى": بضم الشين المعجمة٣ وفتح العين والباء الموحدة؛ موضع.
والتوبيخ لغائب في حكم حاضر، كقولك لشيخ غائب وقعد أبلغك أنه يلعب: "ألعبا وقد علاك المشيب"، أي: أتلعب لعبًا.
"و" نوع "واقع في الخبر، وذلك في" خمس "مسائل:
إحداها: مصادر مسموعة كثر استعمالها، ودلت القرائن على عاملها"
المحذوف "كقولهم عند تذكر نعمة وشدة: حمدًا وشكرا لا كفرًا،" وهي من أمثلة سيبويه٤، وقدره:" أحمد الله حمدًا، وأشكره شكرًا لا أكفره كفرًا، كذا يتكلم بهذه الأمثلة مجتمعة.
стр. 515
قال ابن عصفور١: لا يستعمل كفرًا إلا مع حمدا وشكرًا، ولا يقال: "حمدًا" وحده أو "شكرًا" إلا أن يظهر على الجواز ولا يلزم الإضمار إلا مع "لا٢ كفرًا"، فهذه الأمور جرت مجرى المثل، ينبغي أن يلتزم فيها ما التزمت العرب. ا. هـ.
"و: صبرًا لا جزعًا"، والتقدير: أصبر صبرًا، لا أجزع جزعًا، ولا يخفى ما في كلامه من اللف والنشر٣ المرتب، "و" كقولهم "عند ظهور أمر معجب: عجبًا" أي: أعجب عجبا، "وعند خطاب" شخص "مرضي عنه أو مغضوب عليه: أفعله" أنا "وكرامة ومسرة" أي: أفعل٤ ما تريد وأكرمك كرامة وأسرك مسرة، ولا تستعمل "مسرة" إلا بعد "كرامة" و"كرامة": اسم مصدر "أكرم"، "ولا أفعله ولا كيدًا ولا هما" أي: أكاد كيدًا، ولا أهم هما، هذا تقدير٥ سيبويه٦، واختلف في تقديره: "أكاد" فقال الأعلم: هي الناقصة، وقال ابن طاهر: هي التامة، والمعنى: ولا مقاربة٧، وقال ابن خروف: يحتمل الوجهين. "وهما" من هممت بالشيء. ولا يخفى ما في كلام الموضح من اللف والنشر المرتب، فالمثبت للمرضي عنه، والمنفي للمغضوب عليه.
المسألة "الثانية: أن يكون" المصدر "تفصيلًا لعاقبة ما قبله" من طلب أو خبر، فالأول "نحو: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ " [محمد: ٤] فـ"منا" و"فداء" ذكرا تفصيلًا لعاقبة الأمر بشد الوثاق، والتقدير: فإما أن تمنوا منا، وإما أن تفادوا فداء.
والثاني كقوله: [من البسيط]
٣٩٩-
لأجهدن فإما درء واقعة ... تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل
стр. 516
فـ"درء" و"بلوغ" ذكر تفصيلًا لعاقبة الجهد أي: إما أدرأ وإما أبلغ. وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٢٩٣-
وما لتفصيل كإما منا ... عامله يحذف حيث عنا
المسألة "الثالثة: أن يكون" المصدر "مكررًا أو محصورًا أو مستفهمًا عنه، وعامله خبر عن اسم عين" في الأنواع الثلاثة: وشروطها أربعة أمور:
أحدها: التكرير أو الحصر أو العطف عليه أو الاستفهام عنه.
والثاني: كون المصدر مستمرا للحال لا منقطعًا عنه ولا مستقبلا، نص على ذلك سيبويه١.
والثالث: كون عامل المصدر خبرًا.
والرابع: كونت المخبر عنه اسم عين.
فالمكرر "نحو: "أنت سيرًا سيرًا""، والتقدير: أنت تسير سيرًا، فحذف "تسير" وجوبا لقيام التكرير مقامه٢.
"و" المحصور بـ"إلا" أو "إنما" نحو: ""ما أنت إلا سيرًا"، و "إنما أنت سير البريد""، والتقدير: ما أنت إلا تسير سيرًا, وإنما أنت تسير سير البريد، فحذف "تسير" لما في الحصر من التأكيد القائم مقام التكرير. والمعطوف عليه نحو: "أنت أكلا وشربًا"، والتقدير: أنت تأكل أكلًا، وتشرب شربًا؛ لأن العطف كالتكرار، نصوا عليه هنا وفي باب الإغراء والتحذير، ولكن يقدر هنا عاملان بخلاف ذلك الباب، والفرق أن العامل هنا يجب أن يكون من معنى المعمول, والمتعاطفان مختلفان في المعنى فلا ينصبهما عامل واحد، والعامل الثاني معطوف على الأول، وكلاهما خبر عن "أنت"، قاله الموضح في الحواشي.
"و" المستفهم عنه نحو: ""أأنت سيرًا"" والتقدير: أأنت تسير سيرًا، نص عليه سيبويه٣، ووجهه أن الفعل شديد المطلوبية للاستفهام، ومعنى الاستفهام الطالب للفعل قائم مقام التكرير، وجوز في المعنى أن يكون العامل المحذوف وصفًا وهو غير مناسب هنا؛ لأن الكلام في قيام المصدر مقام فعله، فليتأمل.
واقتصر الناظم على المكر والمحصور فقال:
стр. 517
٢٩٤-
كذا مكرر وذو حصر ورد ... نائب فعل لاسم عين استند
فإن لم يكن المصدر مكررًا ولا محصورًا ولا مستفهما عنه ولا معطوفًا عليه لم يجب إضمار عامله نحو: "أنت تسير سيرًا" وإن شئت حذفته، فقلت: "أنت سيرًا", ولو كان العامل خبرًا عن اسم معنى لم يحتج إلى إضمار فعل، بل يتعين رفع المصدر على الخبرية، نحو "إنما سيرك سير البريد" بخلاف كونه خبرا عن اسم عين كما تقدم فإن ذلك يؤمن معه اعتقاد الخبرية، إذ المعنى لا يخبر به عن العين إلا مجازًا كقوله: [من البسيط]
٤٠٠-
.............. ... فإنما هي إقبال وإدبار
أي: ذات إقبال وإدبار، قاله في شرح الكافية١.
المسألة "الرابعة: أن يكون المصدر مؤكدًا لنفسه"، "أو" مؤكدا "لغيره، فالأول"؛ وهو المؤكد لنفسه، هو "الواقع" بعد جملة هي نص في معناه، نحو:
٢٩٦-
......... له علي ألف عرفا ... ................................
أي: اعترافًا" فجملة "له علي ألف" نص في الاعتراف؛ لأنها لا تحتمل غيره: وسمي مؤكدا لنفسه؛ لأنه بمنزلة إعادة ما قبله، فكأن الذي قبله نفسه.
"والثاني"؛ وهو المؤكد لغيره؛ هو "الواقع بعد جملة تحتمل معناه وغيره"، ويقع منكرًا ومعرفًا، فالأول نحو: "زيد ابني حقا"، فجملة "زيد ابني" تحتمل الحقيقة والمجاز، ولكنها صارت نصا بالمصدر؛ لأن قولك: "حقا" يرفع المجاز ويثبت الحقيقة، وسمي مؤكدًا لغيره؛ لأنه يجعل ما قبله نصا بعد أن كان محتملًا، فهو مؤثر، والمؤكد به متأثر، والمؤثر غير المتأثر. "و" الثاني قسمان: ما هو جائز التعريف، وما هو واجبه، فالأول نحو: "هذا زيد الحق لا الباطل" فجملة "هذا زيد" تحتمل الصدق والكذب، فإذا قلت: "الحق"، فقد حققت أحد الاحتمالين، فرفعت الاحتمال الآخر، وكأنك قلت: أحق ذلك الحق أو حقا، فإن كان المخاطب يعتقد خلاف ما ذكرت، وأردت قصر القلب
стр. 518
قلت: "لا الباطل" بالنصب عطفًا على "الحق". "و" الثاني: "لا أفعل كذا البتة"، فجملة "لا أفعل كذا" تحتمل استمرار النفي وانقطاعه، فإذا قلت: "البتة" حققت استمرار النفي، ورفعت انقطاعه. و"البت": القطع، يقال: "لا أفعله البتة" لكل أمر لا رجعة فيه، قاله في الصحاح، و"أل" في "البتة" لازمة الذكر، قاله الموضح في الحواشي. وفي حاشية العلامة عبد القادر المكي على هذا الكتاب يقال: لا أفعله بتة والبتة أي: بتتة بتة والبتة. وفي الباب١: لم يسمع في "ألبتة" إلا قطع الهمزة، والقياس وصلها، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٢٩٥-
ومنه ما يدعونه مؤكدا ... لنفسه أو غيره فالمبتدا
٢٩٦-
نحو له علي ألف عرفا ... والثاني كابني أنت حقا صرفا
المسألة "الخامسة: أن يكون" المصدر "فعلًا علاجيا تشبيهيا" واقعا "بعد جملة مشتملة عليه" أي: على اسم بمعناه؛ "و" مشتملة "على صاحبه" أي: المصدر؛ فهذه أربعة شروط، زاد المرادي شرطًا خامسًا، وهو: أن يكون ما اشتملت عليه الجملة غير صالح للعمل، "كـ: مررت فإذا له صوت صوت حمار٢"، و: إذا له "بكاء بكاء ذات داهية"، فالمصدر الثاني فيهما فعل علاجي٣، واقع بعد جملة، وهي: "له صوت" و"له بكاء", وتلك الجملة مشتملة على اسم بمعناه، وهو المصدر الأول، ومشتملة أيضًا على صاحب المصدر، وهو: "الها" في "له" ولا صلاحية للمصدر الأول للعمل في المصدر الثاني؛ لأنه لا يحل محله فعل، لا مع حرف مصدري، ولا بدونه؛ لأن المعنى يأبى ذلك؛ لأن المراد: أنك مررت به في حال تصويت وبكاء, لا أنه أحدث التصويت والبكاء عند مرورك به، وإذا لم يصلح للعمل فيه تعين أن يكون منصوبًا بفعل محذوف وجوبًا، لتضمن الكلام معنى الفعل؛ لأن معنى "إذا له صوت": هو يصوت، فاتجه انتصاب ما بعده لصحة تقدير الفعل مكانه.
قال سيبويه٤: وإنما انتصب هذا؛ لأنك مررت به في حال تصويت، ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلًا منه، ولكنك لما قلت: "له صوت" علم أن ثم مصوتًا، فصار قولك: "له صوت"، بمنزلة قولك: "فإذا هو يصوت" فحمل المصدر الثاني على المعنى. ا. هـ.
стр. 519
ويجوز الرفع مع استيفاء الشروط على البدلية والصفة إن كان نكرة، ذكرهما سيبويه١، ويجوز أن يكون خبر المحذوف، وتمتنع الصفة إن كان معرفة، ولا يجوز إلا في الضرورة، قاله سيبويه١.
وقال الخليل٢: تجوز الصفة أيضًا على تقدير: "مثل"، وهل٣ الرفع والنصب متكافئان أو لا؟ فذهب ابن خروف إلى أن الرفع مرجوح؛ لأن الثاني ليس هو الأول، والنصب سالم من هذا المجاز، وذهب ابن عصفور إلى أنهما متكافئان؛ لأن في النصب التقدير، والأصل عدمه.
"ويجب الرفع في نحو" قولك: ""له ذكاء ذكاء الحكماء؛ لأنه"؛ أي: الذكاء؛ "فعل معنوي لا علاجي"، والمراد بالعلاجي: ما يحتاج في إحداثه إلى علاج بتحريك عضو من الأعضاء، كالضرب والشتم، والمعنوي بخلافه، كالعلم والذكاء وإنما وجب الرفع من غير العلاجي؛ لأنك إذا قلت: "له ذكاء"، فلست تريد أنه فعل شيئًا، بل أنه ذو ذكاء، فكان بمنزلة "له يد يد أسد"، فكما لا ينتصب "يد" فكذلك هذا.
ويجب الرفع أيضًا في نحو: "له صوت صوت حسن"؛ لأنه غير تشبيهي، "وفي نحو "صوته صوت حمار" لعدم تقدم الجملة"؛ لأن "صوته" مبتدأ، و"صوت حمار" خبره "وفي نحو: فإذا في الدار صوت صوت حمار، ونحو: فإذا عليه نوح نوح لحمام، لعدم تقدم صاحبه" فيهما، أما الأول؛ فلأن الضمير المنتقل إلى الجار والمجرور للمصدر لا لصاحبه؛ وأما لثاني فلأن الضمير المجرور بـ"على" عليس عائدًا على صاحب النوح وإنما هو للمنوح عليه لا للنائح، فلم يتحقق فاعل الفعل المقدر الذي ينصب المصدر، "وربما نصب نحو هذين" المثالين، "لكن على الحال" من الضمير لا على المفعول المطلق؛ لأنه ليس منه.
"تنبيه: مثل: له صوت صوت حمار" في النصب على المفعول المطلق، "قوله"؛ وهو أبو كبير بالباء الموحدة المكسورة، واسمه عامر بن الحليس الهذلي يصف فرسًا: [من الكامل]
стр. 520
٤٠١-
"ما إن يمس الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طي المحمل"
فـ"طي" مفعول مطلق، وناصبه محذوف تقديره: يطوي؛ "لأن ما قبله" هو:
ما إن يمس الأرض إلا منكب ... .........................
"بمنزلة: له طي" فهي جملة مشتملة على المصدر وعلى صاحبه، "قال سيبويه" بمعناه، ونصه١: صار "ما إن يمس الأرض" بمنزلة "له طي"، ا. هـ.
و"ما": نافية و"إن": زائدة، و"حرف الساق"، مرفوع بالعطف على "منكب"، والمعنى: أن هذا الفرس مضمر، قد بلغ في التضمير إلى حد لا تصل بطنه الأرض إذا اضطجع، وإنما يمس الأرض منه منكب وحرف الساق، وأراد بـ"طي المحمل" أنه مدمج الخلق كطي المحمل، وأن له تجافيًا كتجافي المحمل؛ بكسر الميم الأولى وفتح الثانية وهو علاقة السيف. واقتصر في النظم على بعض شروط المسألة، وأحال بقية الشروط على المثال فقال:
٢٩٧-
كذاك ذو التشبيه بعد جمله ... كلي بكا بكاء ذات عضله
стр. 521
باب المفعول له:
"هذا باب المعفول له":
"ويسمى المفعول لأجله و" المفعول "من أجله"، وهو ما فعل لأجله فعل، "مثاله: جئت رغبة فيك"، فـ"رغبة": اسم، فعل لأجله فعل وهو المجيء، وحكمه النصب بشروط، "وجميع ما اشترطوا له خمسة أمور":
الأول: "كونه مصدرًا"؛ لأن النصب١ يشعر بالعلية، والذات لا تكون عللًا فلأفعال غالبًا؛ لأن العلل أحداث، والمصدر اسم للحدث، "فلا يجوز: جئتك السمن والعسل" بالنصب؛ لأنه اسم عين لا مصدر، وهذا الشرط "قاله الجمهور. وأجاز يونس" بن حبيب٢: " أما العبيد" بالنصب "فذو عبيد" زاعما أن قومًا من العرب يقولون ذلك إذا وصف عندهم شخص شخصًا بعبيد وغيرهم, كالمنكرين عليه وصفه بغير العبيد، وتأول نصب "العبيد" على أنه مفعول له، وإن كان غير مصدر "بمعنى: مهما يذكر شخص لأجل العبيد فالمذكور ذو عبيد" لا غير، فـ"العبيد" علة للذكر "و" هذا النصب "أنكره سيبويه" وقبحه، وقال٣: إنه لغة خبيثة قليلة، وإنما يجوز على ضعفه، إذا لم يرد عبيدا بأعيانهم، وأوله الزجاج على تقدير: أما تملك العبيد، أي: مهما يذكر شخص من أجل تملك العبيد فذو عبيد، وهذا كله مراعاة للمصدر.
"و" الشرط الثاني: "كونه قلبيا" أي: من أفعال النفس الباطنة "كالرغبة"؛ لأن العلة هي الحاملة على إيجاد الفعل، والحامل على الشيء متقدم عليه، وأفعال الجوارح
стр. 522
ليست كذلك. "فلا يجوز: جئتك قراءة للعلم" من أفعال اللسان، "ولا: قتلًا للكافر" من أفعال اليد، وهذا الشرط "قاله ابن الخباز وغيره" كالرندي، ويجوز "إرادة قراءة العلم"، و"ابتغاء قتل الكافر"، وهذا الشرط مستغنى عنه بشرط اتحاد الزمان؛ لأن أفعال الجوارح لا تجتمع في الزمان مع الفعل المعلل١ قاله الشاطبي، "وأجاز الفارسي "جئتك ضرب زيد" أي: لتضرب زيدًا"، ويؤخذ منه أن الفارسي لا يشترط الاتحاد في الفاعل أيضًا؛ لأن فاعل المجيء غير فاعل الضرب، وهو مذهب ابن خروف كما سيأتي.
"و" الشرط الثالث: "كونه علة" لأنه الباعث على الفعل. واستشكل جعل العلية شرطًا؛ لأنها محل الشروط، ومحل الشروط لا يجعل شرطًا، وجوابه بأن هذه شروط لنصبه، لا لتحقيق ماهيته "عرضًا كان"؛ بفتح العين والراء المهملتين؛ وهو ما ليس حركة جسم من وصف غير ثابت، كما تقدم في باب التعدي واللزوم، فسقط ما قيل: إن الغرض؛ بالغين المعجمة؛ ما كان باعثًا على الفعل، ووجوده متأخرًا عنه، فلا يصح تمثيله بقوله: "كـ"رغبة"" بفتح الراء وسكون الغين المعجمة، وفتح الموحدة "أو غير عرض"، وهو ما كان جبليا من الأوصاف اللازمة. "كـ: قعد عن الحرب جبنا"، فإن الجبن وصف جبلي لازم.
"و" الشرط الرابع: "اتحاده بالمعلل به وقتا"، بأن يكون وقت الفعل المعلل؛ بفتح اللام الأولى؛ والمصدر المعلل؛ بكسرها واحدًا، وذلك صادق بأن يقع الحدث في بعض زمن المصدر كـ"جئتك رغبة" و"قعدت عن الحرب جبنًا" أو يكون أول زمان الحدث آخر زمان المصدر نحو: "جئتك٢ خوفًا من فرارك" أو بالعكس نحو "جئتك إصلاحًا لحالك"، فإن لم يتحدا وقتا امتنع النصب "فلا يجوز: تأهبت" اليوم "السفر" غدًا؛ لأن زمن التأهب غير زمن السفر. وهذا الشرط "قاله الأعلم" يوسف الشنتمري، "والمتأخرون" كالشلوبين، وقال تلميذه ابن الضائع؛ بإعجام الضاد وإهمال العين: لم يشترطه سيبويه، ولا أحد من المتقدمين، فعلى هذا يجوز "جئتك أمس طمعًا في معروفك الآن"٣.
стр. 523
"و" الشرط الخامس: "اتحاده بالمعلل به فاعلا"، بأن يكون فاعل الفعل وفاعل المصدر واحدًا، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقر: ١٩] فـ"الحذر" مصدر، ذكر علة لجعل الأصابع في الآذان، وفاعل "الجعل" و"الحذر" واحد، وهم الكفار، فإن اختلف الفاعلان امتنع النصب "فلا يجوز: جئتك محبتك إياي"؛ لأن فاعل "المجيء" المتكلم، وفاعل "المحبة" المخاطب، وهذا الشرط "قاله المتأخرون أيضًا، وخالفهم ابن خروف" فأجاز النصب مع اختلاف الفاعل محتجا بنحو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] . ففاعل "الإراءة" هو الله تعالى، وفاعل "الخوف" و"الطمع" المخاطبون، وأجاب عنه ابن مالك في شرح التسهيل فقال: معنى يريكم يجعلكم ترون، ففاعل الرؤية على هذا هو فاعل الخوف والطمع، وقيل هو على حذف مضاف، أي: إراءة الخوف والطمع. وجعل الزمخشري الخوف والطمع حالين١، واقتصر في النظم على بعض الشروط، ووكل الباقي إلى المثال فقال:
٢٩٨-
ينصب مفعولًا له المصدر إن ... أبان تعليلًا كجد شكرا ودن
٢٩٩-
وهو بما يعمل فيه متحد ... وقتا وفاعلا................
وبقي عليه شروط ماهية المفعول له، وقد ذكرها أبو البقاء في شرح اللمع لابن جني فقال: وللمفعول له شروط:
أحدها: أن يصلح في جواب "لِمَ".
الثاني: أن يصلح جعله خبرًا عن الفعل العامل فيه، كقولك: "زرتك طمعا في برك"، أي: الذي حملني على زيارتك الطمع، أو مبتدأ، كقولك: "الطمع حملني على زيارتي إياك".
الثالث: أن يصح تقديره باللام.
الرابع: أن يكون العامل فيه من غير لفظه، فلا يجوز أن تجعل زيارة في قولك: "زرتك زيارة" مفعولًا له؛ لأن المصدر هو الفعل في المعنى، والشيء لا يكون علة لوجود نفسه. ا. هـ.
"ومتى فقد المعلل" بكسر اللام الأولى؛ من شروط جواز النصب "شرطًا منها وجب عند من اعتبر ذلك الشرط أن يجره بحرف التعليل" وهو أربعة: "اللام، والباء
стр. 524
وفي، ومن" واقتصر في النظم على "اللام"؛ لأنها الأصل، فقال:
٢٩٩-
.................. ... ............ وإن شرط فقد
٣٠٠-
فاجرره بالحرف.......... ... ..................................
"ففاقد" الشرط "الأول" وهو المصدرية "نحو: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَام﴾ " [الرحمن: ١٠] فـ"الأنام" علة "للوضع"، وليس مصدرًا، فلذلك جر باللام.
"و" فاقد الشرط "الثاني" وهو القلبية "نحو: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] فـ"إملاق" وهو الفقر علة للقتل، وهو ليس قلبيا، فلذلك خفض بـ"من" التعليلية، "بخلاف" ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ " خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ "﴾ [الإسراء: ٣١] فـ"الخشية" مصدر قلبي, فلذلك جاء منصوبًا.
وفاقد الشرط الثالث وهو كونه علة نحو: "قتلته صبرًا" فيمتنع جره؛ لأن الجر بحرف التعليل يفيد العلية، والغرض عدمها, فلذلك أسقطه.
"و" فاقد الشرط "الرابع" وهو الاتحاد في الوقت "نحو" قول امرئ القيس الكندي: [من الطويل]
٤٠٢-
"فجئت وقد نضت لنوم ثيابها" ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
فالنوم وإن كان علة لخلع الثياب لكن وقت الخلع سابق على وقت النوم، فلما اختلفا في الوقت جر باللام، و"نضت" بتخفيف الضاد المعجمة من النضو، وهو الخلع، و"لبسة" بكسر اللام: هيئة من اللبس، و"المتفضل": هو الذي يبقى في ثوب واحد. والمعنى: جئت إليها في حال خلع ثيابها لأجل النوم، ولم يبق عليها إلا ثوب واحد تتوشح به.
"و" فاقد الشرط "الخامس" وهو الاتحاد في الفاعل، "نحو" قول أبي صخر الهذلي: [من الطويل]
٤٠٣-
"وإني لتعروني لذكراك هزة" ... كما انتفض العصفور بلله القطر
стр. 525
فالذكرى علة عرو الهزة، وفاعلها مختلف ففاعل العرو الهزة، وفاعل الذكرى هو المتكلم؛ لأن المعنى لذكري إياك، فلذلك جر باللام. و"الهزة" بالكسر: النشاط والارتياح.
"وقد انتفى الاتحادان" معا وهما اتحاد الوقت واتحاد الفاعل "في: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ " [الإسراء: ٧٨] ففاعل القيام المخاطب، وفاعل الدلوك هو الشمس، وزمنهما مختلف فزمن الإقامة متأخر عن زمن الدلوك فلذلك جر بلام التعليل.
وقال في المغني١: اللام في "لدلوك" بمعنى "بعد" فظاهره التخالف، والدلوك: الميل، يقال دلكت الشمس دلوكا إذا مالت عن وسط السماء.
"ويجوز جر المستوفي للشروط" وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٣٠٠-
.............. وليس يمتنع ... مع الشروط......................
"بكثرة إن كان" مقرونا "بـ"أل" وبقلة إن كان مجردًا" منها، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٠١-
وقل أن يصحبها المجرد ... والعكس في مصحوب أل......
"وشاهد القليل فيهما" أي: في المقرون بـ"أل" والمجرد منها "قوله": [من الرجز]
٤٠٤-
"لا أقعد الجبن عن الهيجاء" ... ولو توالت زمر الأعداء
فـ"الجبن" مفعول له، وهو مقرون بـ"أل"، وجاء منصوبًا على قلة، والأكثر فيه أن يكون مجرورًا. "وقوله": [من الرجز]
٤٠٥-
"من أمكم لرغبة فيكم جبر" ... ومن تكونوا ناصريه ينتصر
فـ"رغبة" مفعول له وهو مجرد من "أل" وجاء مجرورًا، وفيه رد على الجزولي في منعه
стр. 526
الجر، والأكثر فيه أن يكون منصوبًا، وإنما كان جرا لمجرد قليلا بخلاف المقرون بـ"أل"؛ لأنه أشبه الحال لما فيه من البيان وكونه نكرة، وشاهد الكثير قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] .
"و" النصب والجر "يستويان في المضاف"، فالنصب "نحو: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] فـ"ابتغاء": مفعول له، هو مضاف منصوب "و" الجر "نحو: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] أي: لأجل خشية الله، فـ"خشية" مفعول له، وهو مضاف مجرور. "قيل ومثله" في جر المفعول له المضاف " ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ " [قريش: ١] فـ"إيلاف" مفعول له مضاف مجرور باللام وهي متعلقة بـ"يعبدوا" "أي: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣] لإيلافهم الرحلتين" رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، ودخلت "الفاء" لما في الكلام من معنى الشرط، إذ المعنى: أن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجل إيلافهم رحلة الشتاء والصيف اللتين كانوا محترمين فيهما؛ لأنهم خدمة بيت الله، بخلاف غيرهم فإنهم يخاف عليهم من القطاع والمنتهبين.
"والحرف" الجار "في هذه الآية واجب عند من اشترط" في نصب المفعول له "اتحاد الزمان" وهو الأعلم والمتأخرون؛ لأن زمن الإيلاف١ سابق على زمن الأمر بالعبادة؛ ولأن زمن العبادة مستقبل، وزمن الإيلاف ثابت في الحال. وقال الكسائي والأخفش٢: "اللام" في "لإيلاف" متعلقة بـ"اعجبوا" مقدرًا، وقال الزجاج٣: متعلقة بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] فتكون السورتان سورة واحدة، ويرجحه أنهما في مصحف أبي سورة واحدة، ويضعفه أن جعلهم كعصف إنما كان لكفرهم أو جرأتهم على البيت، والله أعلم بكتابه.
واختلف في ناصب المفعول له، فقال جمهور البصريين: منصوب بالفعل على تقدير لام العلة، وخالفهم الزجاج والكوفيون فزعموا أنه مفعول مطلق، ثم اختلفوا فقال الزجاج: ناصبه فعل مقدر من لفظه، والتقدير: جئتك أكرمك إكراما، وقال الكوفيون: ناصبه الفعل المقدم عليه؛ لأنه ملاق له في المعنى، وإن خالفه في الاشتقاق، مثل "قعدت جلوسًا"٤.
стр. 527
باب المفعول فيه
مدخل
...
باب المفعول فيه:
"هذا باب المفعول فيه": "وهو المسمى" عند البصريين "ظرفًا" دون الكوفيين؛ لأن الظرف في اللغة الوعاء، وهو متناهي الأقطار، كالجراب والعدل، والذي يسمونه ظرفًا من المكان ليس كذلك، وسماه الفراء محلا، والكسائي وأصحابه يسمون الظروف صفات، ولا مشاحة في الاصطلاح.
"الظرف ما ضمن معنى "في"" الظرفية "باطراد، من اسم وقت، أو" من "اسم مكان، أو" من "اسم عرضت دلالته على أحدهما، أو" من اسم "جار مجراه"، أي: مجرى أحدهما.
"فالمكان والزمان كـ"امكث هنا أزمنا""، فـ"هنا" اسم إشارة من أسماء المكان، و"أزمنا" جمع "زمن" من أسماء الزمان.
"و" الاسم "الذي عرضت دلالته على أحدهما" أي: الزمان أو المكان "أربعة":
أحدها: "أسماء العدد المميزة بهما" أي: بالزمان والمكان "كـ: سرت عشرين يوما ثلاثين فرسخا"، فـ"عشرين": مفعول فيه منصوب نصب ظرف الزمان؛ لأنه لما ميز بـ"يوما" وهو من أسماء الزمان؛ عرضت له اسمية الزمان، و"ثلاثين": مفعول فيه منصوب نصب ظرف المكان؛ لأنه لما ميز بـ"فرسخا" وهو من أسماء المكان؛ عرضت له اسمية المكان.
"و" الثاني: "ما أفيد به كلية أحدهما" أي: الزمان والمكان "أو جزئيته كـ: سرت جميع اليوم جميع الفرسخ، أو: كل اليوم كل الفرسخ"، فـ"جميع" و"كل" مفعول فيهما منصوبان نصب ظرف الزمان وظرف المكان؛ لأنهما لما أضيفا إلى
стр. 528
الزمان والمكان عرضت لهما اسمية الزمان والمكان، وصارا دالين على كليتهما؛ لأنهما من الألفاظ الدالة على العموم والإحاطة. "أو: بعض اليوم بعض الفرسخ، أو: نصف اليوم نصب الفرسخ"، فـ"بعض" و"نصف" مفعول فيهما منصوبان نصب ظرف الزمان وظرف المكان؛ لأنهما لما أضيفا إلى الزمان والمكان عرضت لهما اسمية الزمان والمكان، فصار دالين على جزئيتي الزمان والمكان؛ لأنهما من الألفاظ الدالة على الجزئية إلا أن "بعض" يدل على جزء مبهم, و"نصف" يدل على جزء معين من جهة المقدار.
"و" الثالث: "ما كان صفة لأحدهما" أي: الزمان والمكان "كـ: جلست طويلًا من الدهر شرقي الدار"، فـ"طويلًا" و"شرقي" مفعول فيهما منصوبان نصب ظرف الزمان والمكان؛ لأنهما لما وصف بهما الزمان والمكان عرضت لهما اسمية الزمان والمكان.
فـ"طويلا": صفة للزمان، و"من الدهر": بيان له، و"شرقي": صفة للمكان، وذكر "الدار" معين له، والأصل: زمنا طويلًا، ومكانا شرقيا.
"و" الرابع: "ما كان مخفوضا بإضافة أحدهما" أي: الزمان والمكان "ثم" حذف المضاف, "وأنيب عنه" المضاف إليه "بعد حذفه" أي: المضاف, "والغالب في هذا" المضاف إليه "النائب" عن المضاف المحذوف "أن يكون مصدرًا و" الغالب "في" المضاف المحذوف "المنوب عنه أن يكون زمانًا، ولا بد من كونه معينا لوقت أو لمقدار"، فالمعين للوقت نحو: "جئتك صلاة العصر" أو "قدوم الحاج" فـ"صلاة" و"قدوم": مفعول فيهما منصوبان نصب ظرف الزمان؛ لأنهما لما نابا عن الزمان عرضت لهما اسمية الزمان فانتصبا انتصابه. والأصل: وقت صلاة العصر، ووقت قدوم الحاج، فحذف المضاف؛ وهو وقت؛ المعين لوقت "المجيء" وأنيبت عنه المصدر وهو "صلاة" و"قدوم"، "و" المعين للمقدار نحو: "انتظرتك حلب ناقة، أو: نحر جزور" فـ"حلب" و"نحر" مفعول فيهما، والأصل: مقدار حلب ناقة، ومقدار نحر جزور، ففعل فيهما ما تقدم.
"وقد يكون النائب" عن الزمان "اسم عين، نحو" قولهم في المثل: "لا أكلمه القارظين١" بالتثنية، "والأصل: مدة غيبة القارظين" فحذف "مدة" وأنيب عنها "غيبة" ثم "غيبة" وأنيب عنها "القارظين" وهو تثنية "قارظ" بالقاف والظاء المشالة: وهو الذي يجني القرظ؛ بفتح القاف والراء؛ وهو يدفع به.
стр. 529
قال الجوهري١: "لا آتيك أو يئوب القارظ العنزي، وهما قارظان كلاهما من عنزة، خرجا في طلب القرظ فلم يرجعا" وطالت غيبتهما.
"وقد يكون المنوب عنه مكانًا نحو: جلست قرب زيد، أي: مكان قربه"، فحذف المضاف وهو "مكان" وأنيب عنه المصدر وهو "قرب"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣١٠-
وقد ينوب عن مكان مصدر ... وذاك في ظرف الزمان يكثر
وإنما كان ذلك كثيرًا في ظروف الزمان، وقليلًا في ظروف المكان، لقرب ظروف الزمان من المصدر، وبعد ظروف المكان منه، ألا ترى أن الزمان يشارك المصدر في دلالة الفعل عليهما؛ لأن الفعل يدل على المصدر بحروفه، وعلى الزمان بصيغته، بخلاف ظرف المكان، فإن دلالة الفعل عليه بالالتزام الخارجي، إذ كل فعل لا بد له من مكان يقع فيه، فلم يقو في ذلك قوة ظرف الزمان، ولم يبلغ رتبته، فكانت إقامة المصدر مقام الزمان كثيرة، ومقام المكان قليلة.
"والجاري مجرى أحدهما" أي: الزمان والمكان "ألفاظ مسموعة، توسعوا فيها، فنصبوها على تضمين معنى "في" كقولهم: "أحقا أنك ذاهب"، فـ"أحقا" منصوبة على الظرفية المتعلقة بالاستقرار على أنها خبر مقدم، و"أنك ذاهب" في تأويل مصدر مرفوع بالابتداء عند سيبويه٢ والجمهور على حد: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ [فصلت: ٣٩] "والأصل: أفي حق" ذهابك فحذفت "في" وانتصب "حقا" على الظرفية، "وقد نطقوا بذلك" الحرف الجار في قوله: [من الوافر]
٤٠٦-
أفي حق مواساتي أخاكم ... ...............................
و"قال" فائد؛ بالفاء؛ ابن المنذر القشيري: [من الطويل]
٤٠٧-
"أفي الحق أني مغرم بك هائم" ... وأنك لا خل هواك ولا خمر
стр. 530
فصرح بـ"في" وشبه هوى من هو مغرم بها؛ في كونه غير ثابت ولا مستقر على حاله؛ بماء العنب المتردد بين الخلية والخمرية، فلا هو خل صرف حتى يستعمل خلا، ولا هو خمر صرف حتى يستعمل خمرًا، فمن كان حال هواه بهذه المثابة، كيف يكون غرام من أغرم بها حقا؟
ولما كان قول الموضح: "والجاري مجرى أحدهما" شاملًا للزمان والمكان خصصه بقوله: "وهي جارية مجرى ظرف الزمان دون ظرف المكان، ولهذا يقع خبرًا عن المصادر" كما تقدم في "أحقا أنك ذاهب" "دون الجثث" فلا يقال: "أحقا زيد".
وذهب المبرد وتبعه ابن مالك١ إلى أن "حقا" مصدر بدل من اللفظ بفعله، وأن ما بعدها من أن ومعمولها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية على حد: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ [العنكبوت: ٥١] ورده أبو حيان٢. ومثله؛ أي: مثل "أحقا أنك ذاهب"؛ في الانتصاب على الظرفية المجازية" غير شك" أنك قائم، أو "جهد رأيي" أنك قائم، أو "ظنا مني أنك قائم"، فـ"غير شك" و"جهد رأيي"، و"ظنا مني" منصوبات على الظرفية الزمانية توسعا على إسقاط، "في"، والأصل: في غير شك، وفي جهد رأيي، وفي ظن مني، على وزان "أحقا"٣.
"وخرج عن الحد" المذكور في النظم بقوله:
٣٠٣-
الظرف وقت أو مكان ضمنا ... في باطراد...........................
وتبعه الموضح "ثلاثة أمور:
أحدها: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] إذا قدر بـ"في"", فإنه يصدق عليه أنه اسم ضمن معنى "في", إذ التقدير: وترغبون في نكاحهن، وهو ليس بظرف، "فإن النكاح ليس بواحد مما ذكرنا"؛ لأنه ليس باسم زمان ولا مكان، أما إذا قدر بـ"عن" فليس مما نحن فيه.
"و" الأمر "الثاني: نحو: ﴿يَخَافُوْنَ يَوْمًا﴾ [النور: ٣٧] من أسماء الزمان، "ونحو: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ " [الأنعام: ١٢٤] من أسماء المكان، فإن "يومًا" و"حيث" وإن كانا من أسماء الزمان والمكان فليسا ظرفين, "فإنهما ليس على معنى: في"