"فصل":
"وأصل صاحب الحال التعريف"؛ لأنه محكوم عليه بالحال، وحق المحكوم عليه أن يكون معرفة؛ لأن الحكم على مجهول لا يفيد غالبًا، "ويقع" صاحب الحال "نكرة بمسوغ" يقربه من المعرفة، "كأن يتقدم عليه الحال نحو: "في الدار جالسًا رجل"، وقوله" وهو كثير عزة: [من م. الوافر]
٤٣٣-
"لمية موحشًا طلل" ... .........................
وتمامه عند الأعلم:
............. ... يلوح كأنه خلل
وروي١: [من الوافر]
لمية موحشًا طلل قديم ... عفاه كل أسحم مستديم
فـ"جالسًا" في المثال: حال من "رجل"، و"موحشًا" في البيت: حال من "طلل" وسوغ مجيء الحال من النكرة تقدم الحال على صاحبها.
وفي المغني٢ أن تقديم النكرة عليها ليس لأجل تسويغ مجيء الحال منها، بل لئلا يلتبس الحال بالصفة حال كون صاحبها منصوبًا، وفي الرضي٣ ما يوافقه، وعلى هذا
стр. 597
فالمسوغ في المثال تقديم الخبر، وفي البيت هو أو الوصف، وما ذكر من أنه حال من النكرة هو ظاهر كلام سيبويه١، وقيل٢: من الضمير المستكن في الظرف، وهذان القولان مبنيان على جواز الاختلاف بين عاملي الحال وصاحبها، والصحيح المنع؛ لأنه يجب أن يكون عاملهما واحدًا, وصحح ابن مالك في شرح التسهيل٣ قول سيبويه، وعلله بأن الحال خبر، فجعلها لأظهر الاسمين أولى من جعلها لأغمضهما، قلنا: نعم لو تساويا، ولكن التعريف أولى بالترجيح به، وزعم ابن خروف٤ أن الخبر إذا كان ظرفًا أو مجرورًا لا ضمير فيه عند سيبويه والفراء إلا إذا تأخر، ولا ضمير فيه إذا تقدم، ولهذا لا يؤكد، ولا يعطف عليه ولا يبدل منه، وتعقب منع العطف بقول ابن جني٥ في: [من الوافر]
٤٣٤-
................ ... عليك ورحمة الله السلام
إن العطف على الضمير في الظرف، "والطلل" بفتح الطاء المهملة واللام الأولى: ما شخص من آثار الديار، و"الموحش": هو القفر الذي لا أنيس فيه، و"خلل" بكسر الخاء المعجمة: جمع خلة؛ بكسر الخاء؛ وهي بطانة يغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب.
"أو يكون" صاحبها "مخصوصا إما بوصف كقراءة بعضهم"، وهو إبراهيم بن أبي عبلة: ""وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقًا""٦ [البقرة: ٨٩] فـ"مصدقًا" حال من "كتاب" لتخصيصه بالوصف بالجار والمجرور بعده، وهذا لا دليل فيه لجواز كون "مصدقًا" حال من الضمير في الجار والمجرور الذي انتقل إليه بعد حذف الاستقرار على ما صححه في باب المبتدأ، "وقول الشاعر": [من البسيط]
٤٣٥-
"نجيت يا رب نوحًا واستجبت له ... في فلك ماخر في اليم مشحونًا"
стр. 598
فـ"مشحونا": حال من "فلك" بوصفه بـ"ماخر"، ويحتمل أن يكون حالًا من الضمير المستتر في "ماخر"، وهو؛ بالخاء المعجمة؛ الذي يشق الماء شقا، و"الميم" بفتح الياء المثناة تحت وتشديد الميم: البحر، و"المشحون" بالشين المعجمة والحاء المهملة: المملوء.
"وليس منه" أي: من المختص بالوصف قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا﴾ [الدخان: ٤، ٥] "خلافًا للناظم" في شرح التسهيل١، "وابنه" في شرح النظم٢، فإنهما أعربا "أمرًا" المنصوب حالًا من "أمر" المجرور بالإضافة، لكونه مختصا بالوصف بـ"حكيم" مع قولهما: إنه لا تأتي لحال من المضاف إليه إلا بشرط أن يكون المضاف بعض المضاف إليه، أو كبعضه، أو عاملًا في الحال، وذلك مفقود هنا، وخالف الناظم ذلك في شرح الكافية٣، فجعله من التخصيص بالإضافة.
وفي نصب "أمرًا" أوجه:
أحدها: أنه على الاختصاص.
الثاني: على المفعول له.
الثالث: على المصدر من معنى "يفرق".
الرابع: على الحال من "كل" أو من ضمير الفاعل في "أنزلنا"، أي: آمرين، أو من ضمير المفعول، وهو الهاء في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الدخان: ٣] ، أو من الضمير المستتر في "حكيم".
الخامس: أنه مفعول "منذرين".
"أو" مخصوصًا "بإضافة نحو: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً" لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] فـ"سواء" حال من "أربعة"، لاختصاصها بالإضافة إلى "أيام".
"أو" مخصوصًا "بمعمول" غير مضاف إليه "نحو: عجبت من ضرب أخوك شديدًا"، فـ"شديدًا" حال من "ضرب" لاختصاصه بالعمل في الفاعل، وهو "أخوك".
أو مخصوصًا بعطف نحو: "هؤلاء ناس وعبد الله منطلقين"، قاله الناظم في شرح العمدة٤.
стр. 599
"أو مسبوقًا بنفي نحو: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ " [الحجر: ٤] فجملة: "ولها كتاب معلوم" حال من "قرية"، لكونها مسبوقة بالنفي، وزعم الزمخشري أنها صفة لقرية، وإنما توسطت الواو بينهما لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وتابعه صاحب البديع وابن هشام الخضراوي، ورده ابن مالك من خمسة أوجه يطول ذكرها١. فإن قلت: فقد ذكر المرادي أن من المسوغات كون الحال جملة مقترنة بواو الحال٢ قلت: إنما يحتاج إلى ذلك في الإيجاب نحو: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] أما في النفي فلا؛ [لأن الواو رفعت توهم كون الجملة نعتًا، قلت: لا يمتنع أن يكون للشيء مسوغات] ٣.
"أو بنهي نحو" قول الناظم:
٣٣٩-
................. "لا ... يبغ امرؤ على امرئ مستسهلًا".
فـ"مستسهلًا" حال من "امرئ" الأول لكونه مسبوقًا بالنهي، والبغي: التعدي، والاستسهال: الاستخفاف، والمعنى: لا يتعد امرؤ٤ على امرئ مستخفا به، "وقوله" وهو قطري بن الفجاءة الخارجي كما قال ابن مالك في شرح العمدة٥، لا الطرماح خلافًا لابن الناظم٦: [من الكامل]
٤٣٦-
"لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام"
فـ"متخوفًا" حال من "أحد"، لكونه مسبوقًا بالنهي، و"الإحجام" بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة وبالجيم: النكوص والتأخر، و"الوغى" بالمعجمة: الحرب، و"الحمام" بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم: الموت.
стр. 600
"أو استفهام، كقوله" وهو رجل من بني طيئ كما قال ابن مالك١: [من البسيط]
٤٣٧-
"يا صاح هل حم عيش باقيا فترى" ... لنفسك العذر في إبعادها الأملا
فـ"باقيًا" حال من "عيش" لكونه مسبوقًا بالاستفهام بـ"هل"، و"صاح": مرخم صاحب على غير قياس، "وحم" بضم الحاء المهملة: بمعنى قدر، "والإبعاد" بكسر الهمزة: مصدر أبعد، والأمل: مفعوله. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٣٨-
ولم ينكر غالبًا ذو الحال إن ... لم يتأخر أو يخصص أو يبن
٣٣٩-
من بعد نفي أو مضاهيه ... ... ..................................
"وقد يقع" صاحب الحال "نكرة بلا مسوغ، كقولهم: عليه مائة بيضًا"، فـ"بيضًا" بلفظ الجمع: حال من "مائة"، وليس تمييزًا خلافًا لأبي العباس؛ لأن تمييز المائة لا يكون جمعًا منصوبا ولا مجرورًا، وهو من أمثلة سيبويه٢ والدليل على أنه حال أنه لو رفع كان صفة للمائة، والمائة مبهمة الوصف.
"وفي الحديث": صلى رسول الله ﷺ قاعدًا "وصلى وراءه رجال قيامًا" رواه مالك في الموطأ٣، فـ"قيامًا" حال من رجال. وهو نكرة بلا مسوغ، لا يقال: التخصيص بالحكم كاف؛ لأنا نقول: لو كان كذلك لما احتيج إلى مسوغ أصلًا، وذهب بعضهم إلى عدم الاستدلال بالحديث لاحتمال كونه مرويا بالمعنى.
وإذا ثبت مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ هل يقاس أو لا؟ ذهب سيبويه٤ إلى الجواز والخليل ويونس إلى المنع٥.
стр. 601
"فصل":
"وللحال" المؤسسة "مع صاحبها ثلاث حالات"، كما أن للخبر مع المبتدأ ثلاث حالات:
"إحداها وهي الأصل: أن يجوز فيها أن تتأخر عنه، وأن تتقدم عليه" فاعلًا كان، أو مفعولًا كـ: ""جاء زيد ضاحكا"، و"ضربت اللص مكتوفًا"، فلك في "ضاحكًا" و"مكتوفًا" أن تقدمهما على المرفوع" في الأول وهو "زيد"، "و" على "المنصوب" في الثاني وهو "اللص" فتقول: "جاء ضاحكًا زيد" و"ضربت مكتوفًا اللص"، هذا مذهب البصريين، ومنع الكوفيون تقديمها على المرفوع الظاهر: ثم قيل: عنهم مطلقًا، وقيل: إن تقدمت على رافعه، ومنعوا تقديمها على المنصوب الظاهر أيضًا، ثم قيل: عنهم مطلقًا، وقيل: إن لم يكن فعلًا.
الحالة "الثانية: أن تتأخر عنه وجوبًا، وذلك كأن تكون محصورة نحو: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ " [الأنعام: ٤٨] فـ"مبشرين، و"منذرين"، حالان من "المرسلين"، ولا يجوز تقديمهما على "المرسلين" لكونها محصورة، والمحصور يجب تأخيره، ويمكن أن يجيء فيه خلاف الكسائي السابق فيما إذا تقدم المحصور مع "إلا".
"أو يكون صاحبها مجرورًا إما بحرف غير زائد كـ: مررت بهند جالسة". فـ"جالسة" حال من "هند"، ولا يجوز تقديمها عليها. لا تقول: مررت جالسة بهند، هذا مذهب الجمهور، وعللوا منع ذلك بأن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه، فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة، لكن منع من ذلك أن الفعل لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين، فجعلوا عوضًا عن الاشتراك في الواسطة التزام التأخير، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٣٤٠-
وسبق حال ما بحرف جر قد ... أبوا...............................
"وخالف في هذه" المسألة الأخيرة "الفارسي وابن جني وابن كيسان" وابن
стр. 602
برهان وابن ملكون وبعض الكوفيين١، "فأجازوا التقديم"، لضعف دليل المنع، "قال الناظم" في النظم:
٣٤٠-
................... ... ...... "ولا أمنعه فقد ورد"
وقال في شرح التسهيل٢: "و" التقديم "هو الصحيح، لوروده" في الفصيح "كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ " [سبأ: ٢٨] فـ"كافة" حال من المجرور، وهو "الناس"، وقد تقدم على صاحبه المجرور باللام "و" نحو "قول الشاعر": [من الطويل]
٤٣٨-
"تسليت طرا عنكم بعد بينكم" ... بذكراكم حتى كأنكم عندي
فـ"طرا" بمعنى جميعًا، حال من الكاف والميم، وقد تقدم على صاحبه المجرور بـ"عن".
"والحق أن" هذا "البيت" ونحوه "ضرورة"، أو "طرًّا" حال من "عنكم" محذوفة مدلولا عليها بـ"عنكم" المذكورة، "وأن: كافة" في الآية "حال من الكاف" في "أرسلناك"، "و" أن "التاء للمبالغة لا للتأنيث" قاله الزجاج٣، ورده ابن مالك٤ بأن إلحاق التاء للمبالغة مقصور على السماع، ولا يتأتى غالبًا إلا في أبنية المبالغة كـ: "علامة"، و"كافة" بخلاف ذلك، فإن حمل على "راوية" فهو حمل على شاذ، نقله الموضح عنه في الحواشي ولم يتعقبه. وقول الزمخشري: "إلا رسالة كافة" مصادم لنقل ابن برهان أن "كافة" لا تستعمل إلا حالًا. وأن الصفة لا تنوب عن الموصوف إلا إذا كان معتادًا ذكرها معه.
"و" قول ابن مالك وغيره إن "كافة" حال من "الناس"، "يلزمه تقديم الحال المحصورة" بـ"إلا" على صاحبها "و" يلزمه "تعدي "أرسل" باللام"، والأكثر تعديه بـ"إلى"، "والأول" وهو تقديم الحال"المحصورة" على صاحبها "ممتنع كما تقدم، "والثاني" وهو تعدي" أرسل" باللام "خلاف الأكثر" ويدفع الأول بأن
стр. 603
تقديم المحصور بـ"إلا" ليس ممتنعًا عند الجميع، كيف وقد قال الموضح في باب الفاعل في المحصور بـ"إلا": وأجاز البصريون والكسائي والفراء وابن الأنباري تقديمه على الفاعل، وأي فرق بين الحال والمفعول؛ لأن الاقتران بـ"إلا" يدل على المقصود، ويدفع الثاني بأن مخالفة الأكثر لا تضر، فإن تعدي "أرسل" باللام كثير، فصيح، واقع في التنزيل كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩] وفصل الكوفيون فأجازوا تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف إن كان مضمرًا كـ"مررت ضاحكة بك" أو اسمين أحدهما مجرور نحو: "مررت مسرعين بزيد وعمرو"، أو كان الحال فعلًا نحو: "مررت تضحك بهند"، ومنعوه إذا لم يكن كذلك. واحترز بقوله أولًا: "بحرف غير زائد" من الزائد، فإنه يجوز تقديم الحال على صاحبها المجرور به اتفاقًا، كما يجوز التقديم على الفاعل والمفعول نحو: "ما جاءني راكبًا من أحد"، و"ما رأيت راكبًا من أحد".
"وإما" مجرورًا "بإضافة" بمعنى مضاف، من إطلاق المصدر على اسم المفعول "كـ: أعجبني وجهها مسفرة", و" هذا شارب السويق ملتوتا", فلا يجوز تقديم الحال على صاحبها واقعة بعد المضاف لئلا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه، ولا قبله؛ لأن نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول، فكما لا يتقدم ما يتعلق بالصلة على الموصول كذلك لا يتقدم ما يتعلق بالصلة على الموصول كذلك لا يتقدم ما يتعلق بالمضاف إليه على المضاف. قاله ابن الناظم١، وفصل والده في شرح التسهيل فقال٢: إن كانت الإضافة غير محضة جاز التقديم على المضاف نحو: "هذا ملتوتًا شارب٣ السويق" بالخفض؛ لأن الإضافة فيه في نية الانفصال، فلا يعتد بها، وإن كانت محضة لم تجز بإجماع، ونازعه أبو حيان في القسمين٤، ورد عليه الموضح ذلك في الحواشي، والاشتغال بذلك خروج عن المقصود.
"وإنما يجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف بعضه كهذا٥ المثال" المتقدم وهو:
أعجبني وجهها مسفرة. "وكقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ " [الحجر: ٤٧] فـ"إخوانا": حال من المضاف إليه، وهو الهاء والميم، والصدور: بعضه وكقوله تعالى: " ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ " [الحجرات: ١٢] فـ"ميتًا":
стр. 604
حال من الأخ المضاف إليه اللحم، واللحم بعض الأخ "أو كبعضه نحو": ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ " [النحل: ١٢٣] فـ"حنيفا" حال من إبراهيم، المضاف إليه الملة، والملة: كبعضه في حصة حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما يصح ذلك في البعض الحقيقي، ألا ترى أنه لو قيل: "ونزعنا ما فيهم من غل"، و"يأكل أخاه"، و"اتبع إبراهيم" لكان صحيحًا١.
"أو" كان المضاف "عاملًا في الحال" كأن يكون مصدرًا أو وصفًا، فالأول "نحو: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] فـ"جميعًا": حال من الكاف والميم المضاف إليه "مرجع"، و"مرجع": مصدر ميمي عامل في لحال النصب. "و" نحو: "أعجبني انطلاقك منفردًا"، فـ"منفردًا": حال من الكاف المضاف إليها "انطلاق"، و"انطلاق":مصدر غير ميمي عامل في الحال النصب. "و" الثاني: نحو: "هذا شارب السويق ملتوتًا" الآن أو غدًا، فـ"ملتوتًا" حال من "السويق" المضاف إليه شارب، و"شارب": اسم فاعل عامل في الحال النصب؛ لأنه بمعنى الحال أو الاستقبال، واعتماده على المخبر عنه. وإلى ذلك الإشارة بقول الناظم:
٣٤١-
ولا تجز حالًا من المضاف له ... إلا إذا اقتضى المضاف عمله
٣٤٢-
أو كان جزء ما له أضيفا ... أو مثل جزئه فلا تحيفا
وإنما اشترطوا أحد هذه الشروط الثلاثة لئلا تنخرم قاعدته، وهي أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، وصاحبها إذا كان مضافًا إليه يكون معمولًا للمضاف، والمضاف لا يعمل في الحال إذا لم يشبه الفعل، فإذا كان المضاف مصدرًا أو صفة فالقاعدة موفاة؛ لأن الحال وصاحبها معمولان لشيء واحد، وإذا كان المضاف كأنه جزءًا من المضاف إليه أو كجزئه فلشدة اتصال الجزء بكله أو بما نزل منزلته صار المضاف كأنه صاحب الحال، فيكون العامل فيه هو العامل في الحال، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، فإنه لا سبيل إلى جعله صاحب حال. إذ لو قلت: "ضربت غلام هند جالسة"، أو نحو ذلك لم يجز، قال ابن مالك٢: بلا خلاف. ونقل غيره عن بعض البصريين إجازة ذلك٣، قال أبو حيان٤: والذي تختاره أن المجرور بالإضافة إذا لم يكن في موضع رفع ولا نصب لا يجوز ورود الحال منه
стр. 605
سواء أكان المضاف١ جزأه أو كجزئه أو لم يكن، لما تقرر من أنه لا بد من اتحاد الحال وصاحبها في العامل، وأما "ميتًا" فيحتمل أن يكون حالًا من "لحم" و"إخوانًا" يحتمل أن يكون منصوبًا على المدح، "وحنيفًا" يحتمل أن يكن حالًا من "الملة" وذكر لأن الملة والدين بمعنى، أو من الضمير في اتبع:" انتهى بمعناه.
الحالة "الثالثة" من الحالات الثلاث: "أن تتقدم" الحال "عليه" أي: على صاحبها "وجوبًا، كما إذا كان صاحبها محصورًا" فيه "نحو: ما جاء راكبًا إلا زيد"، وفيه البحث السابق.
стр. 606
"فصل":
"وللحال مع عاملها ثلاث حالات أيضًا:
إحداها وهي الأصل: أنه يجوز فيها أن تتأخر عنه"، كـ: "جاء زيد راكبا"، "وأن تتقدم عليه" كـ: "راكبًا جاء زيد"، "وإنما يكون ذلك إذا كان العامل" فيها "فعلًا متصرفًا"، وتصرفه يكون بتنقله في الأزمنة الثلاثة١، أي: يكون ماضيًا ومستقبلًا وحالًا، قاله أبو البقاء, فالماضي "كـ: جاء زيد راكبًا"، والمستقبل كـ: "قم مسرعًا" والحال كـ: "يوم زيد مسرعًا الآن".
"أو صفة تشبه الفعل المتصرف" في تضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علاماته الفرعية، وهي علامة التأنيث والتثنية والجمع، وسواء في ذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة "كـ: "زيد منطلق مسرعًا"، فـ"مسرعًا" حال من فاعل "منطلق" المستتر فيه، "فلك في "راكبًا"" في "جاء زيد راكبًا" في المثال الأول، "و" في "مسرعًا" في "زيد منطلق مسرعًا" في المثال الثاني "أن تقدمهما على "جاء" وعلى "منطلق""، فتقول: راكبًا جاء زيد، ومسرعًا زيد منطلق أو زيد مسرعًا منطلق، هذا مذهب البصريين إلا الجرمي، فإنه لا يجيز تقديم الحال على عاملها، والأخفش فإنه لا يجيز تقديمها على الفعل في نحو: راكبًا زيد جاء، لبعدها عن العامل. ورد جمهور البصريين على الأخفش والجرمي بالسماع في الفصيح "كما قال الله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر: ٧] فـ"خاشعًا" حال من الواو في "يخرجون"، وقد تقدم على عامله الفعل، وأجيب بأن هذا لا يتعين لجواز أن يكون "خاشعًا" صفة مفعول محذوف، والتقدير: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] قومًا خاشعا أبصارهم، وقد صرح به غير واحد من المعربين، ويجاب بأن الأصل عدم الحذف، "وقالت العرب: شتى تئوب الحلبة٢"، فـ"شتى": جمع شتيت، حال من الحلبة، وهم اسم
стр. 607
ظاهر، وتقدمت فيه على عاملها، و"الحلبة": جمع حالب، و"تئوب": معنى ترجع "أي: متفرقين يرجع الحالبون"، وفيه رد على الكوفيين في منعهم تقديم حال الاسم الظاهر على عامله، وحكي أن ثعلبًا نوظر في هذه المسألة، وأنه انقطع بقولهم: "شتى تئوب الحرب"، أي: متفرقة١، ترجع الحرب، أي: إلى تفرق الكلمة ترجع الحرب. "وقال الشاعر" وهو يزيد بن مفرغ الحميري يخاطب بغلته: [من الطويل]
٤٣٩-
عدس ما لعباد عليك إمارة ... "أمنت وهذا تحملين طليق"
"فـ: تحملين": جملة "في موضع نصب على الحال" من فاعل "طليق" المستتر فيه، "وعاملها "طليق"، وهو صفة مشبهة"، وقد قدمت عليه. فإن قلت: معمول الصفة المشبهة لا يكون سببيا مؤخرًا، فكيف جاز تقديمه وكونه غير سببي؟ قلت: المراد بالمعمول المذكور ما عملها فيه بحق الشبه، وأما عملها في الحال فبما فيها من معنى الفعل، كما صرح به الموضح في بابها٢، واستفدنا من تمثيله أنه لا فرق في ذلك بين كون الحال مفردًا أو جملة، ومنع الفراء وبعض المغاربة تقديم الجملة الحالية المصدرة بالواو فلا يقال: "والشمس طالعة جاء زيد"، والجمهور على الجواز.
والحق أن هذا البيت لا ينهض في الرد على الكوفيين٣؛ لأنهم يقولون: بأن "هذا" اسم موصول، و"تحملين" صلته وعائده محذوف، والتقدير: والذي تحملينه طليق، كما مر في باب الموصول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٤٣-
والحال إن ينصب بفعل صرفا ... أو صفة أشبهت المصرفا
فجائز تقديمه.
الحالة "الثانية: أن تتقدم" الحال "عليه" أي: على عاملها "وجوبًا، كما إذا كان لها صدر الكلام نحو: كيف جاء زيد؟ " فـ"كيف" في موضع الحال من "زيد"، وهل هي ظرف أو اسم؟ قولان:
أحدهما: إنها ظرف شبيهة باسم المكان، كما أن "سواك" كذلك، ويعزى إلى سيبويه٤.
стр. 608
والثاني أنها ليست ظرفًا، وإنما هي اسم، ويعزى إلى الأخفش.
وعلى القولين يستفهم بها عن الأحوال، فعلى الأول يكون معناها في المثال المذكور، في أي حال جاء زيد؟ وعلى الثني: على أي حال جاء زيد؟ وعلى القول بالظرفية لا يفتقر إلى الاستقرار، بخلاف "أين" و"متى"، قاله أحمد بن الخباز في النهاية.
الحالة "الثالثة: أن تتأخر" الحال "عنه" أي: عن عاملها "وجوبا، وذلك في ست مسائل، وهي أن يكون العامل فعلًا جامدًا نحو: ما أحسنه مقبلًا"، فـ"مقبلا" حال من "الها"، وهي واجبة التأخير عن عاملها، لكونه فعلًا جامدًا لا يتصرف في نفسه فلا يتصرف في معموله بالتقديم عليه.
"أو" يكون العامل "صفة تشبه الفعل الجامد" في عدم قبول العلامات الفرعية، "وهو اسم التفضيل" فإنه لما لم يقبل علامة التأنيث والتثنية والجمع انحط عن درجة اسمي الفاعل والمفعول والصفة المشبهة فجعل موافقًا للجامد "نحو: هذا أفصح الناس خطيبًا"، فـ"خطيبًا" حال من فاعل "أفصح" المستتر فيه، ولا يجوز أن يتقدم على "أفصح"، لما تقدم.
"أو" يكون العامل "مصدرًا مقدرًا بالفعل وحرف مصدري نحو: يعجبني اعتكاف أخيك١ صائمًا"، فـ"صائمًا" حال من "أخيك"١, والعامل فيه المصدر المقدر بـ"أن" والفعل, ومعمول المصدر المقدر من "أن" والفعل لا يتقدم عليه.
"أو" يكون العامل "اسم فعل نحو: نزال مسرعا" فـ"مسرعا" حال من فاعل "نزال" المستتر فيه, ومعمول اسم الفعل لا يتقدم عليه.
"أو" يكون العامل "لفظًا مضمنا معنى الفعل" دون حروفه كاسم الإشارة "نحو: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ " [النمل: ٥٢] فـ"خاوية": حال من "بيوتهم"، والعامل فيه اسم الإشارة, وهو "تلك", وفيها معنى الفعل, وهو "أشير" دون حروفه, فإن قلت: العامل في الحال وصاحبها يجب أن يكون واحدًا عند الجمهور، وهنا قد اختلف, فإن العامل في الحال معنى الإشارة، والعالم في صاحبها المبتدأ، قلت: العامل في الحال حقيقة إنما هو الفعل المدلول عليه باسم الإشارة تقديره: أشير إليها خاوية، والضمير المجرور هو صاحب الحال، والعالم فيه وفي الحال واحد. وذهب السهيلي إلى أن اسم الإشارة لا يعمل، وإنما العامل فعل محذوف تقديره: انظر إليها خاوية.
стр. 609
"و" حرف التشبيه نحو "قوله" وهو امرؤ القيس: [من الطويل]
٤٤٠-
"كأن قلوب الطير رطبا ويابسًا" ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
فـ"رطبًا" و"يابسًا" حالان من "قلوب"، والعامل فيهما "كأن" لما فيه من معنى "أشبه"، وليس فيه حروفه. فإن قلت: كيف يصح أن يكون "رطبًا" و"يابسًا" حالين من قلوب؟ قلت: على معنى قسمًا رطبًا، وقسمًا يابسًا وليس المراد بالرطب ولا باليابس الفرد، قاله الدماميني والضمير في "وكرها" يعود على العقاب، وصفها بأنها لا تأكل قلوب الطير، وشبه الرطب بالعناب، واليابس بالحشف البالي، وهو أرذل التمر اليابس، وهو تشبيه ملفوف، وهو أن يأتي بالمشبهين ثم بالمشبه بهما.
"و" حرف التمني نحو: "ليت هندًا مقيمة عندنا"، فـ"مقيمة" حال من "هند"، والعامل فيها "ليت"، لما فيها من معنى "أتمنى" دون حروفه، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٤٥-
وعامل ضمن معنى الفعل لا ... حروفه مؤخرًا لن يعملا
٣٤٦-
كتلك ليت وكأن....... ... ................................
"أو" يكون العامل "عاملا آخر" غير ما تقدم "عرض له مانع" يمنع ما بعده أن يعمل فيما قبله، "نحو: لأصبر محتسبًا"، فـ"محتسبًا": حال من فاعل "أصبر" المستتر فيه، "و: لأعتكفن صائمًا"، فـ"صائما": حال من فاعل "أعتكف" المستتر فيه، ولا يجوز في "محتسبًا" و"صائمًا" أن يتقدما على عاملهما، "فإن ما في حيز لام الابتداء"، وهو "محتسبًا"، "و" ما في حيز "لام القسم"، وهو "صائمًا" "لا يتقدم عليهما"، أي: على لام الابتداء ولام القسم؛ لأنهما من أدوات الصدور١ فلو فصلت اللام جاز التقديم نحو: "لعن زيد محتسبًا أصبر".
"ويستثنى من "أفعل" التفضيل ما" إذا كان عاملًا في حالين لاسمين متحدي المعنى أو مختلفيه، وإحداهما مفضلة على الأخرى، فإنه يجب تقديم الحال الفاضلة" خوف اللبس، فالأول: كـ: "هذا بسرًا أطيب منه رطبًا". قال ابن خروف:
стр. 610
انتصب "بسرًا" عند سيبويه١ على الحال من الضمير في "أطيب"، وانتصب "رطبًا" على الحال أيضًا من الضمير المجرور بـ"من" والعامل فيهما "أطيب" بما تضمنته من معنى المفاضلة بين شيئين، كأنه قال: هذا في حال كونه بسرًا أطيب من نفسه في حال كونه رطبًا، يريد أن يفضل البسر على الرطب، قال: و"أطيب" ناب مناب عاملين؛ لأن التقدير: يزيد طيبه في حال كونه بسرًا على طيبه في حال كونه رطبًا، وأشار بذلك إلى التمر، والمعنى: بسره أطيب من رطبه. ا. هـ. وفي ذلك تصريح بأن اسم التفضيل عامل في حالين معًا وبه قال المازني في أظهر قوليه، والفارسي في تذكرته، وابن كيسان وابن جني٢. وزعم المبرد٣ والزجاج وابن السراج٤ والسيرافي٥ والفارسي في حلبياته٦ أن الناصب "كان" محذوفة تامة صلة لـ"إذ" أو "إذا"، فإن قلت ذلك وهو بلح فالمقدر "إذا"، أو هو تمر فالمقدر "إذ"، والصاحبان المضمران في "كان". لا المضمر في "أطيب" والمجرور بـ"من" وقدم الظرف على "أطيب" لاتساعهم في الظروف، ولهذا جاز "أكل يوم لك ثوب" بالاتفاق، ولم يجز "زيد جالسًا في الدار" عند الجمهور: وحكى أبو حيان عن بعض أصحابه: أنه يجوز تقدير "كان" ناقصة بدليل "زيد المحسن أفضل من المسيء". فجاءا معرفتين، وإنما تتعدد الحال مع "أفعل" إذا كانتا فاضلتين، فإن كان الفاضل واحدًا رفعًا نحو: "هذا بسر أطيب منه عنب"، قاله الموضح في الحواشي. ونقل صاحب المتوسط٧ عن الفارسي أن العامل في "بسرًا" هو "هذا"، أي: اسم الإشارة أو حرف التنبيه٨.
"و" الثاني نحو: "قولك: زيد مفردًا أنفع من عمرو معانًا" فـ"مفردًا": حال من الضمير المستتر في "أنفع" الراجع إلى "زيد" و"معانًا": حال من عمرو, والعامل في الحالين "أنفع" أو "كان" المحذوفة على القولين السابقين، وفي هذا المثال رد
стр. 611
على من زعم أن العامل في المثال الأول إما "ها" التنبيه أو اسم الإشارة، لتخلفه هنا, وكان القياس وجوب تأخير الحالين في المثالين عن "أفعل" كما في الحال الواحدة، ولكن اغتفر تقدم الحال الفاضل١ فرقًا بين المفضل والمفضل عليه، إذ لو أخرا لالتبسا٢، فإن قيل: اجعل أحدهما تاليًا لـ"أفعل" ولا لبس، قلنا: يؤدي إلى فصل "أفعل" من "من" ومجرورها، وهما كالموصول والصلة. فإن قيل: قد فصل بالظرف وعديله والتمييز.
قلنا: ذاك فصل جائز، وهذا فصل واجب في نوع خاص إذا لم يجز تقديمه، قاله في الحواشي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٤٧-
ونحو زيد مفردًا أنفع من ... عمرو معانا مستجاز لن يهن
"ويستثنى من المضمن معنى الفعل دون حروفه أن يكون" العامل "ظرفًا أو مجرورًا مخبرًا بهما" متأخرين عن المخبر عنه، "فيجوز بقلة توسط الحال بين المخبر عنه والمخبر به كقوله": [من الطويل]
٤٤١-
"بنا عاذ عوف وهو بادئ ذلة ... لديكم" فلم يعدم ولاء ولا نصرًا
فوسط الحال؛ وهو: بادئ ذلة؛ بين المخبر عنه؛ وهو: الضمير المنفصل؛ والمخبر به، وهو لديكم، والأصل: وهو لديكم بادئ ذلة؛ وصاحب الحال الضمير المنتقل إلى الظرف، و"عوف": فاعل "عاذ" بالذال المعجمة، وقيدنا الظرف والمجرور بالتأخير لبيان محل الخلاف إذ لو تقدما على المخبر عنه نحو: "في الدار، أو عندك جالسًا زيد" جاز التوسط بلا خلاف؛ لأن الحال لم تتقدم على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه، وذلك ظاهر. والخلاف المتقدم جار في الحال المفردة، والجملة المصدرة بالواو وغيرها، والظرف، والجار والمجرور ولا فرق في المفردة بين المضافة؛ كما تقدم في البيت؛ "و" غير المضافة "كقراءة بعضهم: "مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةً لِذُكُورِنَا"" [الأنعام: ١٣٩] بنصب "خالصة"٣ على الحال المتوسطة بين المخبر عنه؛ وهو "ما" الموصولة؛ والمخبر به، وهو "لذكورنا"، والأصل؛ والله أعلم: ما في بطون هذه الأنعام لذكورنا خالصة، و"ما"
стр. 612
واقعة على الأجنة. وصاحب الحال الضمير المنتقل إلى الجار والمجرور بعد حذف الاستقرار، "وكقراءة الحسن" البصري ""وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ"" [الزمر: ٦٧] ، بنصب "مطويات"١ على الحال المتوسطة بين المخبر عنه وهو "السماوات" والمخبر به وهو "بيمينه" والأصل؛ والله أعلم: والسماوات بيمينه مطويات، وصاحب الحال الضمير المنتقل إلى الجار والمجرور، ففي هذه الأدلة على جواز تقديم الحال على عاملها الظرف والجار والمجرور. "وهو قول الأخفش٢"وسبقه إلى ذلك الفراء٣، "وتبعه الناظم" في التسهيل وشرحه٤. وأشار إليه في النظم بقوله:
٣٤٦-
.......... وندر ... نحو سعيد مستقرا في هجر
"والحق" المنع، وهو قول جمهور البصريين٥، "وأن البيت" المتقدم "ضرورة وأن: خالصة" في الآية الأولى، "ومطويات" في الثانية "معمولان لصلة: ما"، وهي في "بطون"، "ولـ: قبضته"، فـ"خالصة" معمولة للجار والمجرور قبلها على أنها حال من الضمير الذي في الصلة: و"مطويات"، معمولة لـ"قبضته" على أنها حال من الضمير المستتر فيها والتاء في "خالصة" للتأنيث باعتبار ما وقعت عليه من الأجنة. وقول البيضاوي٦: التاء فيها للمبالغة كما في رواية ٧, أو مصدر كـ: "العاقبة"
وقع موقع الخالص؛ فيه نظر؛ لأن تاء المبالغة في غير أبنية المبالغة، والمصدر الآتي على وزن فاعلة موقوفان على السماع، "فلا يقاس عليهما، "و" الحق "أن السماوات عطف على ضمير مستتر في "قبضته"" لتأويلها بالمشتق "لأنها بمعنى مقبوضة"، والمصدر إذا كان بمعنى المشتق يتحمل الضمير،"لا" "السماوات" "مبتدأ، و"بيمينه"" خبره، كما قال الأخفش، بل "بيمينه" "معمول الحال" لتعلقه بها، "لا عاملها"، أي: لا عامل الحال.
стр. 613
"فصل":
"ولشبه الحال بالخبر" في المعنى "والنعت" في التقيد "جاز أن يتعدد لمفرد وغيره"، كما يتعدد الخبر والنعت، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٤٨-
والحال قد يجيء ذا تعدد ... لمفرد فاعلم وغير مفرد
"فالأول" وهو أن تتعدد للمفرد "كقوله": [من الطويل]
٤٤٢-
"علي إذا ما جئت ليلى بخفية ... زيادة بيت الله رجلان حافيا"
فـ"رجلان حافيًا" حالان من فاعل "الزيارة" المحذوفة، والتقدير: علي زيارتي بيت الله حال كون رجلًا حافيًا، أي: ماشيا غير منتعل، ويحتمل أن يكونا حالين من ياء المتكلم المجرورة بـ"علي"، و"رجلان": بسكون الجيم وفي آخره نون، وقد صحفه بعض الأعجميين، فقرأه رجلاي بالإضافة إلى ياء المتكلم، وأعربه فاعلًا بـ"زيارة"، و"حافيًا" حالًا من ضمير المتكلم في رجلاي، نبه عليه الموضح في الحواشي. وهو موافق لما في شرح المفتاح للسيد الجرجاني، فإنه قال فيه: وقد صحف جماعة "رجلان" برجلاي إلى آخره.
"وليس منه" أي: من تعدد الحال لمفرد "نحو: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] لأن من شروط التعدد عدم الاقتران بالعاطف عند الموضح.
"والثاني" وهو أن يتعدد لمتعدد، وفيه تفصيل، فينظر في الحال المتعدد "إن اتحد لفظه ومعناه ثني أو جمع"، فالتثنية "نحو: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ " [إبراهيم: ٣٣] فـ"دائبين" حال مؤسسة بمعنى: دائمين "والأصل: دائبة ودائبًا"، فلما اتفقا لفظًا ومعنى ثنيا، ولا يضر اختلافهما في التذكير والتأنيث، وأصل
стр. 614
الدءوب: مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه. "و" الجمع "نحو: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ " بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢] فـ"مسخرات" حال مؤكدة لعاملها لفظًا ومعنى، صرح بذلك ابن مالك في شرح العمدة١، وولده في شرح النظم٢، والأصل: مسخرًا ومسخرا ومسخرة ومسخرًا ومسخرة، فلما اتحدت لفظًا ومعنى جمعت.
"وإذا اختلف" لفظه ومعناه "فرق بغير عطف كـ: "لقيته مصعدًا منحدرًا" ويقدر" الحال "الأول" من الحالين "للثاني" من الاسمين، "وبالعكس" فيقدر الثاني من الحالين للأول من الاسمين، ليتصل أحد الحالين بصاحبه، ولا يعدل عنه إلا لقرينة. فإن قلت: فما بال علماء البيان جوزوا في اللف والنشر جعل الأول من أوصاف النشر راجعًا إلى الأول من الأمور الملفوفة، والثاني للثاني، وهو أحسن عندهم من عدم الترتيب؟ قلت: أجيب بأنه إنما يجوز النشر عند الوثوق بفهم المعنى، وأن السامع يرد كل واحد من الأمور المتعددة إليه، فإذا اتصل أحد الحالين بصاحبه كان أعون على ذلك، فـ"مصعدًا" حال من "الها"، و"منحدرًا" حال من "التاء" على غير الترتيب "قال": [من الوافر]
٤٤٣-
"عهدت سعاد ذات هوى معنى" ... فزدت وعاد سلوانا هواها
فـ"ذات هوى": حال من "سعاد"، و"معنى": حال من "التاء" في "عهدت"، وقرينة التذكير والتأنيث أرشدت إلى ذلك، والمعنى: إني كنت أنا وسعاد متحابين، فأما أنا فصرت إلى ازدياد المحبة، وأما هي فاد هواها سلوانا.
"وقد تأتي" الحال المتعددة "على الترتيب"، فيقدر الأول للأول، والثاني للثاني "إن أمن اللبس، كقوله" وهو امرؤ القيس: [من الطويل]
٤٤٤-
"خرجت بها أمشي تجر وراءنا" ... على أثرينا ذيل مرط مرحل
стр. 615
فجملة "أمشي" حال من "التاء" في "خرجت"، وجملة "تجر" حال من "الها" المجرورة بالباء، والمعنى: أخرجتها من خدرها حال كوني ماشيًا، وحال كونها جارة على أثري قدمي وقدمها ذيل مرطها لتخفي الأثر عن القافة قصدًا للستر، "والمرط" بكسر الميم وسكون الراء: كساء من خز أو صوف، و"المرحل" بالحاء المهملة: ما فيه علم.
"ومنع الفارسي١ وجماعة٢ النوع الأول" وهو تعدد الحال لمفرد؛ قائلين بأن صحاب الحال إذا كان واحدًا فلا يقتضي العامل إلا حالًا واحدة. "فقدروا نحو قوله: حافيًا" في البيت "صفة" لـ"رجلان"، "أو حالًا من ضمير: رجلان"، فتكون حالًا متداخلة لا مترادفة، "وسلموا الجواز إذا كان العامل اسم التفضيل٣"، واتحد صاحب الحال "نحو: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا"، وتقدم الكلام فيه.
стр. 616
"فصل":
الحال بالنسبة إلى الزمان ثلاثة أقسام: مقارنة: وهو الغالب نحو: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] . ومقدرة: وهي المستقبلية نحو: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ومحكية: وهي الماضية نحو: "جاء زيد أمس راكبًا"١.
стр. 617
"فصل":
"الحال ضربان:
مؤسسة": وتسمى مبينة أيضًا؛ لأنها تبين هيئة صاحبها، "وهي التي لا يستفاد معناها بدونها" أي: بدون ذكرها "كـ: جاء زيد راكبًا"، فلا يستفاد معنى الركوب إلا بذكر راكبًا، "وقد مضت" أول الباب.
ومؤكدة: وهو التي يستفاد معناها بدون ذكرها، وذهب الفراء١ والمبرد٢ والسهيلي٣ إلى إنكار المؤكدة، وما ورد من ذلك ردوه إلى المبينة، والصحيح الأول وهو قول الجمهور.
"والمؤكدة" ثلاثة أقسم؛ لأنها "إما" مؤكدة٤ "لعاملها لفظًا ومعنى نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ " [النساء: ٧٩] فـ"رسولًا" حال من الكاف وهي مؤكدة لعاملها، وهو "أرسلنا" لفظًا ومعنى لتوافقهما في اللفظ والمعنى، "وقوله": [من البسيط]
٤٤٥-
"أصخ مصيخا لمن أبدى نصيحته" ... والزم توقي خلط الجد باللعب
فـ"مصيخًا" حال من فاعل "أصخ" المستتر فيه، وهي مؤكدة لعاملها لفظًا ومعنى لتوافقهما في اللفظ٥ وأصخ٦؛ بالصاد المهملة والخاء المعجمة؛ من الإصخاء وهو
стр. 618
الإصغاء والاستماع، والمعنى أصخ حال كونك مصغيًا لمن أظهر نصيحته، وتحفظ من خلط الجد بالهزل.
"أو" مؤكدة لعاملها "معنى فقط" واللفظ مختلف نحو: " ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ " [النمل: ١٩] فـ"ضاحكًا" حال من فاعل "تبسم" وهي مؤكدة لعاملها معنى فقط؛ لأن التبسم نوع من الضحك، ولفظها مختلف، ومثله " ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ " [القصص: ٣١] ، فإن الإدبار نوع من التولي، ويجمع هذين النوعين قول الناظم:
٣٤٩-
وعامل الحال بها قد أكدا ... ..............................
"وإما" مؤكدة "لصاحبها نحو: ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] فـ"جميعًا" حال من فاعل "آمن"، وهو "من" الموصولة مؤكدة لها١، وهذا القسم من استدراكات الموضح قال في المغني٢ وغيره٣: وأهمل النحويون٤ ذكر المؤكدة لصاحبها.
"وإما" مؤكدة "لمضمون جملة" قبلها" معقودة" ومركبة "من اسمين معرفتين جامدين"، والتوكيد بها إما لبيان يقين: كـ: "هو زيد معلومًا"، أو فخر: كـ: "أنا فلان بطلًا"، أو تعظيم: كـ: "هو فلان جليلًا مهابًا"، أو تحقير: كـ: "هو فلان مأخوذًا مقهورًا"، أو تصاغر كـ: "أنا عبدك٥ فقيرًا إليك"، أو وعيدًا كـ: "أنا فلان متمكنًا منك"، أو لمعنى غير ذلك: "كـ: زيد أبوك عطوفًا" قاله ابن الناظم في شرح النظم٦. زاد أبوه في التسهيل٧: "جمودًا محضًا" احترازًا من أن يكون أحد الاسمين٨ في حكم المشتق، فإن الحال لا تكون حينئذ مؤكدة للجملة، ولا يحتاج إلى تقدير عامل، ولذلك جعل ابن مالك "زيد أبوك عطوفًا" من المؤكدة لعاملها على تأويل "الأب" بمشتق، فالعامل "الأب" لما فيه من معنى الاشتقاق، وخالفه الموضح٩ في هذا تبعًا للشارح.
стр. 619
"وهذه الحال" المؤكدة١ لمضمون جملة قبلها "واجبة التأخير عن الجملة المؤكدة١"؛ لأنها مؤكدة لها، وحق المؤكد أن يتأخر عن المؤكد، "وهي معمولة" عند سيبويه٢ "لمحذوف وجوبًا" مقدر بعد الخبر، "تقديره: أحقه، ونحوه" كـ: "اعرفه" إن كان المبتدأ غير "أنا"، وإن كان "أنا" فالتقدير: أحقني أو اعرفني. وقال الزجاج٣: العامل هو الخبر لتأويله بمسمى، وقال ابن خروف٤: العامل هو المبتدأ لتضمنه معنى "تنبه٥".وكلا القولين ضعيف، لاستلزام الأول المجاز، والثاني جواز تقديم الحال على الخبر، وهو ممتنع لعدم تمام الجملة، فالعامل إذن محذوف وجوبًا. لتنزل الجملة المذكورة منزلة البدل من اللفظ، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٥٠-
وإن تؤكد جملة فمضمر ... عاملها ولفظها يؤخر
стр. 620
"فصل":
"تقع الحال اسمًا مفردًا" عن الجملة وشبهها "كما مضى" من نحو: "جئت راكبًا"، و"ضربت اللص مكتوفًا".
"و" تقع "ظرفًا كـ: رأيت الهلال بين السحاب"، فـ"بين": ظرف مكان من موضع الحال من "الهلال".
"وجارا ومجرورًا نحو: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ " [القصص: ٧٩] فـ"في زينته" جار ومجرور في موضع الحال من فاعل "خرج" المستتر فيه، العائد إلى "قارون"، "و" إذا وقع الظرف وعديله حالا فإنهما "يتعلقان بمستقر" إن قدرا في موضع المفرد، "أو استقر" إن قدرا في موضع الجملة، وعليه الأكثرون حال كون مستقرا أو استقر "محذوفين وجوبًا" لكونهما كونًا مطلقًا، وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل: ٤٠] فمحمول على عدم التزلزل والانتقال. لا أنه١ كون مطلق. وشرط الظرف والمجرور أن يكونا تامين كما تقدم، فلو كانا ناقصين لم يجز أن يكون حالين، فلا يقال: هذا زيد اليوم، ولا فيك، قاله أبو حيان٢.
"و" تقع الحال" جملة" اسمية أو فعلية، وذلك مفهوم من إطلاق قول الناظم:
٣٥١-
"و" موضع الحال يجيء "جملة" ... ....................................
"بثلاثة شروط:
أحدها: كونها خبرية"، وهي المحتملة للصدق والكذب، وهذا الشرط مجمع عليه؛ لأن الحال بمثابة النعت، وهو لا يكون بجملة إنشائية، فإن قلت: قد تقدم أن الحال لها شبه بالخبر والنعت، والخبر يكون بالإنشائية، فلم غلبتم شبه النعت على شبه الخبر؟
стр. 621
قلنا: الحال وإن كان كخبر المبتدأ في المعنى إلا أنها قيد. والقيود تكون ثابتة مع ما قيد بها، والإنشاء لا١ خارج له بل يظهر مع اللفظ، ويزول بزواله، فلا يصلح للقيد، ولهذا لم يقع الإنشاء شرطًا ولا نعتًا، هذا حاصل جواب الحديثي. "وغلط من قال" وهو الأمين المحلي في كتابه المفتاح ومن خطه نقلت "في قوله" وهو بعض المولدين: [من السريع]
٤٤٦-
"اطلب ولا تضجر من مطلب" ... فآفة الطالب أن يضجرا
أما ترى الحبل بتكراره ... في الصخرة الصماء قد أثرا
"إن "لا" ناهية، و" إن "الواو للحال"، قال في المغني٢: وهذا خطأ، "والصواب" في الواو "أنها عاطفة" إما مصدرًا يسبك من "أن" والفعل على مصدر متوهم من الأمر السابق، أي: ليكن منكم طلب وعدم ضجر. أو جملة على جملة، وعلى الأول ففتحة "تضجر" إعراب و"لا" نافية، والعطف مثل قولك: "ائتني ولا أجفوك" بالنصب.
وعلى الثاني فالفتحة بناء للتركيب، والأصل: ولا تضجرن بنون التوكيد الخفيفة فحذفت للضرورة، و"لا" ناهية، والعطف "مثل ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ " [النساء: ٣٦] . انتهى كلامه في المغني قبيل الجملة المفسرة ثم أعاد المسألة في النوع الثامن من الجهة السادسة فقال: ثم الأصح أن الفتحة؛ يعني فتحة "تضجر"؛ إعراب مثلها في "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" لا بناء لأجل نون توكيد محذوفة. ا. هـ.
الشرط "الثاني: أن تكون" الجملة "غير مصدرة بدليل استقبال"؛ لأن الغرض من الحال تخصيص وقوع مضمون عاملها بوقت حصول مضمون الحال, وذلك ينافي الاستقبال, واعترض بأن الحال بالمعنى الذي نحن بصدده تجامع كلا من الأزمنة الثلاثة على السواء، ولا يناسب الحال معنى الزمان الحاضر المقابل للاستقبال إلا في إطلاق لفظ الحال على كل منهما اشتراكًا لفظيا، وذلك لأن يقتضي امتناع تصدير الحال بعلم الاستقبال. وأجيب بأن الأفعال إذا وقعت قيودًا لما له اختصاص بأحد الأزمنة فهم منها استقباليتها وحاليتها وماضويتها بالنظر إلى ذلك المقيد، لا بالنظر إلى زمن التكلم كما في معانيها الحقيقية، وحينئذ يظهر صحة كلامهم في اشتراط التجريد من علامة الاستقبال. إذ
стр. 622
لو صدرت بها لفهم كونها مستقبلة بالنظر إلى عاملها. "وغَلِطَ من أعرب"، كالحوفي، "سيهدين؛ من قوله تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] حالًا١" مفعول أعرب، وبيان غلطه من جهة الصناعة ظاهر، وأما من جهة المعنى؛ فلأنه صير معنى الآية: سأذهب مهديا٢، فصرف التنفيس إلى الذهاب، وهو في الآية للهداية، وأجيب بأن "مهديا" وقع بعد الذهاب الذي فيه تنفيس، فيلزم أن يكون أيضًا فيه تنفيس كالمقيد قاله الدماميني. وأما قولهم: "لأضربنه إن ذهب وإن مكث"، فإنما جاز وقوع الشرطية فيه حالًا وإن كانت مصدرة بدليل استقبال وهو "إن"؛ لأن المعنى لأضربنه على كل حال، إذ لا يصح اشتراط وجود الشيء وعدمه لشيء واحد. قاله في المغني٣.
وقال المطرزي٤: طريق جعل الشرطية حالًا أن تجعلها خبرًا لمن الحال له تقول في: "جاء زيد إن تسأله يعطك": جاء زيد وهو إن تسأله يعطك، وتكون الحال حينئذ هي الجملة الاسمية.
الشرط "الثالث: أن تكون" الجملة "مرتبطة إما بالواو والضمير" معًا لتقوية الربط "نحو:" ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ "خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ" حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] فجملة "هم ألوف" حال من الواو في "خرجوا" وهي مرتبطة بالواو والضمير وهو "هم"، "أو بالضمير فقط" دون الواو، و"نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ " [البقرة: ٣٦] فـ"بعضكم": مبتدأ, و"عدو": خبره، و"لبعض" يتعلق بـ"عدو" والجملة حال من الواو في "اهبطوا"، "أي: متعادين" يضل بعضكم بعضًا، وهي مرتبطة بالضمير فقط، وهو الكاف والميم، والخطاب لآدم وحواء بدليل: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] وجمع ضميرهما؛ لأنهما أصل البشر فكأنهما جمع الجنس، وقيل الضمير لهما ولإبليس والحية، وصحح الزمخشري الأول٥.
"أو" مرتبطة "بالواو فقط" دون الضمير "نحو: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ " [يوسف: ١٤] فجملة "ونحن عصبة" حال من "الذئب" مرتبطة بالواو فقط، ولا دخل لـ"نحن" في الربط؛ لأنها لم ترجع إلى صاحب الحال، وإنما جعلت الواو في باب الحال
стр. 623
رابطة؛ لأنها تدل على الجمع١، والغرض اجتماع جملة الحال مع عامل صاحبها.
"وتجب الواو" في موضعين:
أحدهما: أن يفقد الضمير نحو: "جاء زيد وما طلعت الشمس".
والثاني: "قبل "قد"" حال كونها "داخلة على مضارع" مثبت "نحو: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ" أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] فجملة "تعلمون" حال من الواو في تؤذونني، وهي حال مقررة٢ للإنكار، فإن "قد" لتحقيق العلم، والعلم بنبوته يوجب تعظيمه، ويمنع من إيذائه قاله البيضاوي٣.
"وتمتنع" الواو "في سبع صور:
إحداها: الواقعة بعد عاطف" حالًا على حال كما قاله٤ المرادي٥ "نحو: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ " [الأعراف: ٤] فجملة "هم قائلون" من القيلولة؛ حال معطوفة على "بياتًا" وهو مصدر في موضع الحال، والمعنى: جاءها عذابنا حال كونهم بائتين أو قائلين نصف النهار، ولا يقال: أو وهم قائلون، كراهة اجتماع حرفي عطف٦.
الصورة "الثانية": الحال "المؤكدة لمضمون الجملة" قبلها "نحو: هو الحق لا شك فيه، و: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] فكل من جملتي "لا شك فيه" و"لا ريب فيه" حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها، وكما لا تدخل الواو في التوكيد في نحو: جاء زيد نفسه لا تدخل هنا؛ لأن المؤكد نفس المؤكد في المعنى، فلو دخلت الواو في التوكيد في صورة عطف الشيء على نفسه.
الصورة "الثالثة: الماضي التالي "إلا"" الإيجابية "نحو:" ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ " إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ "﴾ [الحجر: ١١] فجملة "كانوا به يسهزئون" حال من الهاء والميم في "يأتيهم"، ولا تقترن بالواو عند ابن مالك٧، وصرح شارح اللب٨ بجواز
стр. 624
الواو وتركها فيما إذا كان الماضي تاليًا "إلا" كقوله: [من البسيط]
٤٤٧-
نعم امرأ هرم لم تعر نائبة ... إلا وكان لمرتاع بها وزرا
الصورة "الرابعة: الماضي المتلو بـ"أو"، نحو: لأضربنه ذهب أو مكث"، فجملة "ذهب" حال من الهاء، وهي متلوة بـ"أو" فلا تقترن بالواو؛ لأنها في تقدير شرط، أي: إن ذهب وإن مكث، وفعل الشرط لا يقترن بالواو، فكذلك ما كان في تقديره.
الصورة "الخامسة: المضارع المنفي بـ"لا" نحو: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ " [المائدة: ٨٤] فجملة
"نؤمن بالله" حال من الضمير المجرور باللام. ولم تقترن بالواو؛ لأن المضارع المنفي بـ"لا" بمنزلة اسم الفاعل المضاف إليه "غير"، فجرى مجراه في الاستغناء عن الواو، ألا ترى أن معناه: ما لنا غير
مؤمنين، فكما لا يقال: ما لنا وغير مؤمنين لا يقال: ما لنا ولا نؤمن. قاله ابن مالك في شرح الكافية. وجعل ابن الناظم ترك الواو قبل "لا" أكثريا، وأنشد على مجيء الواو قول مالك بن رقية: [من الوافر]
٤٤٨-
................. ... وكنت ولا ينهنهني الوعيد
وقول مسكين الدارمي: [من الرمل]
٤٤٩-
أكسبته الورق البيض أبا ... ولقد كان ولا يدعى لأب
الصورة "السادسة: المضارع المنفي بـ"ما" كقوله": [من الطويل]
٤٥٠-
"عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة" ... فما لك بعد الشيب صبا متيما
أنشده ابن مالك في شرح التسهيل١، فجملة "تصبو": حال من الكاف في "عهدتك"، ولم تقترن بالواو لما تقدم في "لا" و"صبا" حال، والمعنى: كنت حالة الصبا غير لاه، وصرت في حال الشيخوخة لاهيا، وكان مقتضى الحال عكس ذلك.
стр. 625
الصورة "السابعة: المضارع المثبت" المجرد من "قد" "كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ " [المدثر: ٦] فجملة "تستكثر" حال من فاعل "تمنن" المستتر فيه، ولم تقترن بالواو؛ لأنه يشبه اسم الفاعل في الزنة والمعنى، والواو لا تدخل اسم الفاعل فكذلك ما أشبهه، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٥٢-
وذات بدء بمضارع ثبت ... حوت ضميرا ومن الواو خلت
"وأما نحو قوله" وهو عنترة العبسي: [من الكامل]
٤٥١-
"علقتها عرضًا وأقتل قومها" ... زعما لعمر أبيك ليس بمزعم
فجملة "وأقتل قومها" حال من "التاء" في "علقتها"، وهي مقترنة بالواو مع المضارع المثبت، واختلف في تخريجها "فقيل: ضرورة. وقيل: الواو عاطفة" لا واو الحال، "والمضارع مؤول بالماضي"، والتقدير: وقتلت قومها، فعدل عن لفظ الماضي إلى لفظ المضارع قصدًا لحكاية الحال الماضية، ومعناها أن يفرض ما كان في الزمان الماضي واقعًا في هذا الزمان، فيعبر عنه بلفظ المضارع، وهذا القول منسوب في التلخيص البياني واقعًا في هذا الزمان، فيعبر عنه بلفظ المضارع، وهذا القول منسوب في التلخيص البياني إلى الشيخ عبد القاهر. "وقيل:" هي "واو الحال، والمضارع خبر لمبتدأ محذوف، أي: وأنا أقتل" قومها، والجملة من المبتدأ والخبر هي الحال، وعليه اقتصر في الناظم فقال:
٣٥٣-
وذات واو بعدها انو مبتدا ... له المضارع اجعلن مسندًا
و"علقتها": مبني للمفعول، "وعرضًا" بفتح العين المهملة والراء، و"زعمًا" بفتح الزاي والعين المهملة: مصدر زعم؛ بكسر العين: يزعم؛ بفتحها: زعمًا؛ بفتحتين: أي: طمع يطمع طمعًا كـ: فرح يفرح فرحًا، والمزعم: المطمع.
стр. 626
"فصل":
"وقد يحذف عامل الحال" إذا كان فعلًا "جوازًا لدليل حالي كقولك لقاصد السفر: "راشدًا"، و" قولك "للقادم من حج: "مأجورًا". أو" لدليل "مقالي"، كأن تقع في جواب استفهام كقولك: "راكبًا"، لمن قال لك كيف جئت؟ أو جواب نفي "نحو: ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: ٤] ، أو جواب شرط نحو: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] فهذه أحوال منصوبة بعامل محذوف جوازًا، فـ"راشدًا": منصوب "بإضمار "تسافر"، و" "مأجورًا": منصوب بإضمار "رجعت، و" "قادرين" منصوب بإضمار "نجمعها، و" "رجالًا": منصوب بإضمار "صلوا"، ولو قيل: تسافر راشدًا١، ورجعت مأجورًا، ونجمعها٢ قادرين، وصلوا رجالا، لجاز، ولكن القراءة سنة متبعة.
"و" يحذف٣ "وجوبًا قياسًا في أربع" صور:
إحداها: السادة مسد الخبر "نحو: ضربني زيدًا قائمًا". والأصل: حاصل إذا كان قائمًا. أو ضربه قائمًا على الخلاف في تقديره، ولا يجوز ذكره لما فيه من الجمع بين العوض والمعوض.
"و" الثانية: الحال المؤكدة لمضمون جملة قبلها "نحو: زيد أبوك عطوفًا"، والأصل: أحقه، ولا يجوز ذكره لتنزل الجملة قبله٤ منزلة البدل من اللفظ، "و" هاتان الصورتان "قد مضتا"، فالأولى في باب المبتدأ، والثانية قريبًا هنا.
стр. 627
"و" الصورة الثالثة: هي "التي يبين بها ازدياد" في المقدار "أو نقص" فيه "بتدريج" فيهما، فالأول "كـ: تصدق بدينار فصاعدًا، و" الثاني نحو: "اشتره بدينار فسافلا"، فـ"صاعدًا" و"سافلًا" حالان، والفاء الداخلة عليهما عطفت عاملًا قد حذف وبقي معموله من عطف الإخبار عن الإنشاء، والأصل: تصدق بدينار فذهب المتصدق به صاعدًا، واشتره بدينار فانحط المشترى به سافلًا، قال أبو البقاء: ولا يجوز هنا من حروف العطف إلا الفاء.
"و" الصورة الرابعة: "ما ذكر" بدلا من اللفظ بالفعل "لتوبيخ نحو: أقائمًا وقد قعد الناس، و" لمن لا يثبت على حال: "أتميميا مرة وقيسيا أخرى"، فـ"قائمًا": حال منصوبة بفعل محذوف وجوبًا "أي: أتوجد"، و"تميميا، وقيسيا": حالان منصوبان بفعل محذوف وجوبًا أي: "أتتحول. و" يحذف "سماعًا في غير ذلك نحو: هنيئا لك"، فـ"هنيئًا لك" حال محتملة للتأسيس والتأكيد، منصوبة بفعل محذوف. "أي: ثبت لك الخبر هنيئًا"، على التأسيس. "أو هنأك" ذلك "هنيئًا"، على التأكيد، وهذا التقدير مأخوذ من قول سيبويه١: وإنما نصب "هنيئًا" لأنه ذكر أن خبرًا أصابه إنسان. فقلت: "هنيئًَا" كأنك قلت: ثبت لك هنيئًا أو هنأك ذلك هنيئًا.
ا. هـ. فحذف الفعل وقامت الحال مقامه قاله ابن الشجري. "وهنأ" بتخفيف النون وبالهمز، يقال: هنئ يهنأن كـ: "علم يعلم" وهنؤ يهنؤ، كـ: "ظرف يظرف". وإلى حذف عامل الحال أشار الناظم بقوله:
٣٥٥- والحال قد يحذف ما فيها عمل وبعض ما يحذف ذكره حظل أي: منع.
стр. 628
باب التمييز
مدخل
...
باب التمييز:
"هذا باب التمييز":
وهو في الأصل مصدر "ميز": إذا خلص شيئًا من شيء، وفرق بين متشابهين.
وقولهم في الاسم المميز: "تمييز" مجاز من إطلاق المصدر على اسم الفاعل كـ: "الطلع" و"النجم"، بمعنى الطالع والناجم، قاله أبو البقاء.
و"التمييز" في الاصطلاح "اسم نكرة، بمعنى "من"، مبين لإبهام اسم أو" إبهام "نسبة"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٥٦-
اسم بمعنى من مبين نكره ... ..............................
"فخرد بالفصل الأول" وهو نكرة، المشبه بالمفعول به "نحو: زيد حسن وجهه" بالنصب، فإن فيه ما في "حسن وجهًا" إلا التنكير، فلا يكون تمييزًا لعدم تنكيره، "وقد مضى" في باب المعرف بالأداة "أن قوله" وهو رشيد اليشكري: [من الطويل]
٤٥٢-
رأيتك لما أن عرفت وجوهنا ... "صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو"
"محمول على زيادة: أل" عند البصريين١ كما زيدت في: [من الرجز]
٤٥٣-
باعد أم العمرو عن أسيرها
خالف في ذلك الكوفيون وابن الطراوة٢، فأجازوا تعريف التمييز متمكسين بنحو ما أولناه.
"و" خرج بالفصل "الثاني" وهو بمعنى "من" "الحال" نحو: "جاء زيد راكبًا" "فإنه بمعنى: في حال كذا، لا بمعنى: من٣".
стр. 629
"و" خرج بالفصل "الثالث" وهو مبين لإبهام اسم أو نسبة اسم "لا" التبرئة "نحو: "لا رجل"، و" ثاني مفعولي "أستغفر" "نحو:" [من البسيط]
٤٥٤-
"أستغفر الله ذنبا لست محصيه" ... رب العباد إليه الوجه والعمل
"فإنهما" أي: "رجل" و"ذنبا" "وإن كانا على معنى: من" بدليل صحة اقترانهما بها نحو: "لا من رجل"، و"أستغفر الله من ذنب" "لكنها" أي: "من" "ليست" فيهما "للبيان" فلا يكونان مبينين، "بل هي في الأول" وهو "لا رجل" "للاستغراق" للجنس، ولذلك بني اسم "لا" معها، "وفي الثاني" وهو أستغفر الله ذنبًا "للابتداء"، كأنه لما أراد الاستغفار ابتدأ منه بالجانب المتناهي، وهو الأول, وترك الجانب الأعلى الذي لا يتناهى، لكونه غير محدود، فكأنه قال: أستغفر الله مبتدئًا من أول الذنوب إلى ما لا يتناهى.
قال الموضح في الحواشي: وليس المراد بقولهم في التمييز: بمعنى "من" أن تكون "من" مقدرة قبله، لئلا يخرج عنه المحول عن الفاعل والمفعول والمبتدأ وتمييز العدد، وإنما المراد أن الاسم جيء به لتبيين الجنس كما يجاء بـ"من" المبينة للجنس، لا أن ثم "من" مقدرة. ا. هـ.
"وحكم التمييز النصب"؛ لأنه من الفضلات. "والناصب لمبين الاسم هو ذلك الاسم المبهم"، واختلف في صحة إعماله مع أنه جامد، فقيل: شبهه باسم الفاعل؛ لأنه طالب له في المعنى "كـ: عشرين درهمًا"، فإنه شبيه بـ"ضاربين زيدًا"، و"رطل زيتًا"، فإنه شبيه بـ"ضارب عمرًا" في الاسمية والطلب المعنوي ووجود ما به التمام وهو التنوين والنون.
وقيل: شبهه بـ"أفعل من"، وذلك في خامس مرتبة، فإن الفعل أصل لاسم الفاعل؛ لأنه يعمل معتمدًا وغير معتمد, واسم الفاعل لا يعمل إلا معتمدًا، وهو أصل للصفة المشبهة؛ لأنه يعمل في السببي والأجنبي، وهي لا تعمل إلا في السببي دون الأجنبي
стр. 630
وهو أصل لـ"أفعل من"؛ لأنها ترفع الظاهر، وهو لا يرفعه إلا في مسألة واحدة، وهو أصل المقادير؛ لأنه يتحمل الضمير، وهي لا تتحمله، وصحح هذا القول؛ لأن حمل الشيء على ما هو به أشبه أولى.
"والناصب لمبين النسبة" عند سيبويه والمازني والمبرد ومتابعيهم١ "المسند من فعل أو شبهه"، فالفعل "كـ: طاب" زيد "نفسًا" فـ"نفسا" منصوب بـ"طاب"، "و" شبه الفعل نحو: "هو طيب أبوة"، فـ"أبوة" منصوب بـ"طيب"، هو صفة مشبهة "وعلم بهذا" التقدير والتفصيل "بطلان عموم قوله" في النظم:
٣٥٦-
................... ... "ينصب تمييزًا بما قد فسره"
فإنه يقتضي أن التمييز ينضب بما قد فسره، سواء أكان مفسرًا لإبهام اسم أو لنسبة، وليس كذلك، وأجاب عنه المرادي: بأن التمييز لما رفع إبهام نسبة الفعل إلى فاعله أو مفعوله فكأنه رفع الإبهام عنه، فاندرج بهذا الاعتبار تحت قوله: "بما قد فسره"، وذهب قوم إلى أن العامل في مميز النسبة هو الجملة التي انتصب عن تمامها لا الفعل ولا ما أشبهه، واختاره ابن عصفور٢،ونسبه إلى المحققين، ولولا أن الناظم صرح في غير هذا الموضع وفي آخر الباب بأن ناصبه الفعل لحملت كلامه هنا على ما اختاره ابن عصفور.
стр. 631
"فصل":
"والاسم المبهم أربعة أنواع:
أحدها: العدد"، وهو قسمان: صريح وكناية: فالصريح "كـ: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] ، والكناية كـ: "كم" الاستفهامية، نحو: "كم عبدًا ملكت؟ " وقدم الاسم على النسبة؛ لأن المفرد مقدم على المركب، وقدم العدد؛ لأنه أولى بالتمييز لوجهين: أحدهما: أنه يميز بالمقادير، نحو: أحد عشرًا رطلا أو شبرا أو قفيزًا، ولا يعكس.
والثاني: أنه واجب النصب، ذكرهما في شرح الكافية١، وأفرد العدد عن المقادير بناء على أنه ليس من جملتها، وهو قول المحققين؛ لأن المراد بالمقدار ما لم ترد حقيقته بل مقداره، حتى إنه يصح إضافة المقدار إليه، والعدد ليس كذلك، ألا ترى أنك تقول: "عندي مقدار رطل زيتًا" ولا تقول "عندي مقدار عشرين رجلًا" قاله الموضح في شرح القطر٢.
"و" النوع "الثاني: المقدار، وهو" ما يعرف به قدر الشيء، وينقسم ثلاثة أقسام؛ لأنه "إما مساحة كـ: شبر أرضا" و"ذراع نسيجا" "أو كيل كـ: قفيز برا"، ووقع في شرح لمع ابن جني لأبي البقاء: ومن الممسوح عندي "قفيزان شعيرا"؛ لأن القفيز عبارة عن ضرب قصبة في عشر قصبات في عرف الحساب، وهو عشر الجريب. ا. هـ.
ولم أراه لغيره "أو وزن كـ: منوين عسلًا" وتمرًا، "وهو تثنية: منا" بتخفيف النون والقصر، كـ: "عصا"، والمنا: آلة الوزن، يعرف بها مقادير الموزونات، فيقال في تثنيته: "منوان"، كما يقال في تثنية "عصا": "عصوان"، "ويقال فيه "من" بالتشديد" كـ: "ضب"، "وتثنيته: منان" بالتشديد، كما يقال في تثنية "ضب": "ضبان".
стр. 632
"و" النوع "الثالث: ما يشبه المقدار" في الوزن والكيل والمساحة، فالأول "نحو: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ [الزلزلة: ٧] فـ"مثقال الذرة" شبيه بما يوزن به، وليس اسمًا لشيء يوزن به عرفًا. "و" الثاني: نحو: "نحي سمنا" فـ"النحي" بكسر النون وإسكان الحاء المهملة وبعدها ياء: اسم لوعاء السمن, وهو مما يشبه الكيل, وليس بكيل حقيقة, ويكون كبيرا وصغيرا. "و" الثالث نحو: " ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ " [الكهف: ١٠٩] فـ"مثل" شبيه بالمساحة، وليست مساحة حقيقية، وإنما هو دال على المماثلة من غير ضبط بحد، "وحمل على هذا" في الدلالة على المماثلة ما يفيد المغايرة، نحو: "إن لنا غيرها إبلًا" ووجه حمله عليه أنه غيره، وهم يحملون الغير على المثل ما يحملون المثل على المثل، ولم يحمل على غيره؛ لأنه لا وجه لإلحاقه بالمقدار إلا بأن يحمل على ما ألحق به، وهو المثل.
"و" النوع "الرابع: ما كان فرعًا للتمييز نحو": هذا "خاتم حديدًا، فإن "الخاتم" فرع "الحديد"" من جهة أنه مصنوع منه، فيكون الحديد هو الأصل، والخاتم مشتق منه، فهو فرعه بهذا الاعتبار، وضابطه: كل فرع حصل له بالتفريع اسم خاص يليه أصله، ويكون مما يصح إطلاق الاسم عليه. "ومثله" أي: مثل "خاتم حديدًا" في ذلك "باب ساجا"، فإن "الباب" فرع "الساج" والساج نوع من الخشب، "و: جبة خزا" فإن الجبة فرع الخز، والخز نوع من الحرير، "وقيل" في المنصوب بعد "الخاتم" وبعد "الباب" وبعد "الجبة": "إنه حال".
وينبني عليهما الخلاف في الاتباع، فمن خرج النصب على التمييز قال: إن التابع عطف بيان١. ومن خرجه على الحال، قال: إنه نعت٢. والأول أولى؛ لأنه جامد جمودًا محضًا، فلا يحسن كونه حالًا ولا نعتًا.
"والنسبة المبهمة نوعان: نسبة الفعل للفاعل نحو: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ " [مريم: ٤] فإن نسبة "اشتعل" إلى "الرأس" مبهمة، و"شيبًا" مبين لذلك الإبهام، وهذا التمييز محول عن الفاعل، والأصل: واشتعل شيب الرأس, فحول الإسناد من المضاف؛ وهو شيب؛ إلى المضاف إليه؛ وهو الرأس؛ فارتفع، ثم جيء بذلك المضاف الذي حول عنه الإسناد فضلة وتمييزًا.
стр. 633
"ونسبته للمفعول نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ " [القمر: ١٢] فإن نسبة "فجرنا" إلى "الأرض" مبهمة، و"عيونًا" مبين لذلك الإبهام، والأصل: وفجرنا عيون الأرض. فحول المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وجيء بالمضاف تمييزًا، هذا مذهب الجزولي١ وابن عصفور٢ وابن مالك٣ وأكثر المتأخرين٤، وأنكره الشلوبين٥، وحجته أن سيبويه لم يمثل بالمنقول عن المفعول، وتبعه تلميذه الأبدي٦ وابن أبي الربيع٧، وتأول الشلوبين "عيونا" في الآية على أنها حال مقدرة؛ لأنها حال التفجر لم تكن عيونًا، وإنما صارت عيونًا بعد ذلك. وأولها ابن أبي الربيع على وجهين: أحدهما: أن يكون بدل بعض من كل، على حذف الضمير، أي: عيونها، مثل: أكلت الرغيف ثلثًا، أي: ثلثه.
والثاني أن يكون مفعولًا على إسقاط الجار، أي: بعيون. ورده الموضح في شرح اللمحة.
"ولك في مميز الاسم" المفرد "أن تجره بإضافة الاسم" إليه إن حذف ما به تمامه من تنوين ظاهر أو مقدر أو نون تشبهه٨ "كـ: شبر أرض" من الممسوحات "و: قفيز بر" من المكيلات، "و: منوي عسل" من الموزونات، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٥٨-
وبعد ذي وشبهها اجرره إذا ... أضفتها كمد حنطة غذا
"إلا إذا كان الاسم عددًا" من أحد عشر إلى تسعة وتسعين، فإن تمييزه واجب النصب لما سيأتي، بخلاف ثلاثة عشرة وما بينها، ومائة وما فوقها، فتمييزه واجب الجر بالإضافة إلا ما شذ كـ: "خمسة أثوابًا" و"مائتين عامًا"، فلا يدخل الجواز شيئًا من واجب النصب وواجب الجر، فلا اعتراض عليه في الإطلاق، وإنما وجب النصب فيما كان "كـ: عشرين درهمًا" وامتنع جره؛ لأنه يضاف إلى غير التمييز نحو: "عشري رجل"، فلو أضيف إلى التمييز لزم الالتباس، فلا يعلم هل هو تمييز أو لا؟ ولم يعكس الأمر دفعًا
стр. 634
لإضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن العدد هو التمييز في المعنى، قاله في المتوسط، وزعم أنه الصواب. "أو مضافًا نحو:" ﴿وَلَوْ جِئْنَا "بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ " [الكهف: ١٠٩] "و ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ " [آل عمران: ٩١] فـ"مددًا تمييز لـ"مثل"، و"ذهبًا" تمييز لـ"ملء"، ولا يجوز جرهما بالإضافة؛ لأن "مثل" و"ملء" مضافان مرة فامتنع إضافتهما مرة أخرى، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٥٩-
والنصب بد ما أضيف وجبا ... إن كان مثل ملء الارض ذهبا
стр. 635
"فصل":
"مم مميز النسبة" التمييز "الواقع بعد ما يفيد التعجب" إما بصيغته الموضوعة له أو لا، فالأول "نحو:" أبو بكر "أكرم به أبًا وما أشجعه رجلًا. و" الثاني نحو: "لله دره فارسًا"، فـ"أبا" و"رجلا" و"فارسًا" تمييز لبيان جنس المتعجب منه المبهم في النسبة، والدر؛ بفتح الدال المهملة وتشديد الراء؛ في الأصل مصدر در اللبن يدر ويدر؛ بكسر الدال وضمها؛ درا ودرورًا كثر، ويسمى اللبن نفسه درا، وهو هنا كناية عن فعل الممدوح الصادر عنه، وإنما أضيف١ فعله إلى الله تعالى قصدًا لإظهار التعجب منه؛ لأنه تعالى منشئ العجائب. فمعنى قولهم: "لله دره فارسًا" ما أعجب فعله، ويحتمل أن يكون التعجب من لبنه الذي ارتضعه من ثدي أمه، أي: ما أعجب هذا اللبن الذي نزل به مثل هذا الولد الكامل في هذه الصفة، وكون "فارسًا من مميز النسبة إنما يتمشى إذا كان الضمير المضاف إليه "الدر" معلوم المرجع، أما إذا كان مجهوله كان من مميز الاسم لا من مميز النسبة؛ لأن الضمير مبهم، فيحتاج إلى ما يميزه، قاله في الحواشي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٦١-
وبد كل ما اقتضى تعجبا ... ميز...........................
"و" من مميز النسبة التمييز "الواقع بعد اسم التفضيل"، وله حالتان: تارة يكون منصوبًا، وتارة يكون مجرورًا، "وشرط نصب هذا" الواقع بعد اسم التفضيل "كونه" سببيا، وذلك إذا كان "فاعلا معنى، نحو: زيد أكثر مالًا" وعلامة ذلك أن تجعل مكان اسم التفضيل فعلا من لفظه ومعناه، ويرفع التمييز به مع صحة المعنى، فتقول في مثالنا: "زيد كثر ماله"، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٣٦٠-
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلا...........................