"فصل":
"والاسم المبهم أربعة أنواع:
أحدها: العدد"، وهو قسمان: صريح وكناية: فالصريح "كـ: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] ، والكناية كـ: "كم" الاستفهامية، نحو: "كم عبدًا ملكت؟ " وقدم الاسم على النسبة؛ لأن المفرد مقدم على المركب، وقدم العدد؛ لأنه أولى بالتمييز لوجهين: أحدهما: أنه يميز بالمقادير، نحو: أحد عشرًا رطلا أو شبرا أو قفيزًا، ولا يعكس.
والثاني: أنه واجب النصب، ذكرهما في شرح الكافية١، وأفرد العدد عن المقادير بناء على أنه ليس من جملتها، وهو قول المحققين؛ لأن المراد بالمقدار ما لم ترد حقيقته بل مقداره، حتى إنه يصح إضافة المقدار إليه، والعدد ليس كذلك، ألا ترى أنك تقول: "عندي مقدار رطل زيتًا" ولا تقول "عندي مقدار عشرين رجلًا" قاله الموضح في شرح القطر٢.
"و" النوع "الثاني: المقدار، وهو" ما يعرف به قدر الشيء، وينقسم ثلاثة أقسام؛ لأنه "إما مساحة كـ: شبر أرضا" و"ذراع نسيجا" "أو كيل كـ: قفيز برا"، ووقع في شرح لمع ابن جني لأبي البقاء: ومن الممسوح عندي "قفيزان شعيرا"؛ لأن القفيز عبارة عن ضرب قصبة في عشر قصبات في عرف الحساب، وهو عشر الجريب. ا. هـ.
ولم أراه لغيره "أو وزن كـ: منوين عسلًا" وتمرًا، "وهو تثنية: منا" بتخفيف النون والقصر، كـ: "عصا"، والمنا: آلة الوزن، يعرف بها مقادير الموزونات، فيقال في تثنيته: "منوان"، كما يقال في تثنية "عصا": "عصوان"، "ويقال فيه "من" بالتشديد" كـ: "ضب"، "وتثنيته: منان" بالتشديد، كما يقال في تثنية "ضب": "ضبان".
стр. 632
"و" النوع "الثالث: ما يشبه المقدار" في الوزن والكيل والمساحة، فالأول "نحو: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ [الزلزلة: ٧] فـ"مثقال الذرة" شبيه بما يوزن به، وليس اسمًا لشيء يوزن به عرفًا. "و" الثاني: نحو: "نحي سمنا" فـ"النحي" بكسر النون وإسكان الحاء المهملة وبعدها ياء: اسم لوعاء السمن, وهو مما يشبه الكيل, وليس بكيل حقيقة, ويكون كبيرا وصغيرا. "و" الثالث نحو: " ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ " [الكهف: ١٠٩] فـ"مثل" شبيه بالمساحة، وليست مساحة حقيقية، وإنما هو دال على المماثلة من غير ضبط بحد، "وحمل على هذا" في الدلالة على المماثلة ما يفيد المغايرة، نحو: "إن لنا غيرها إبلًا" ووجه حمله عليه أنه غيره، وهم يحملون الغير على المثل ما يحملون المثل على المثل، ولم يحمل على غيره؛ لأنه لا وجه لإلحاقه بالمقدار إلا بأن يحمل على ما ألحق به، وهو المثل.
"و" النوع "الرابع: ما كان فرعًا للتمييز نحو": هذا "خاتم حديدًا، فإن "الخاتم" فرع "الحديد"" من جهة أنه مصنوع منه، فيكون الحديد هو الأصل، والخاتم مشتق منه، فهو فرعه بهذا الاعتبار، وضابطه: كل فرع حصل له بالتفريع اسم خاص يليه أصله، ويكون مما يصح إطلاق الاسم عليه. "ومثله" أي: مثل "خاتم حديدًا" في ذلك "باب ساجا"، فإن "الباب" فرع "الساج" والساج نوع من الخشب، "و: جبة خزا" فإن الجبة فرع الخز، والخز نوع من الحرير، "وقيل" في المنصوب بعد "الخاتم" وبعد "الباب" وبعد "الجبة": "إنه حال".
وينبني عليهما الخلاف في الاتباع، فمن خرج النصب على التمييز قال: إن التابع عطف بيان١. ومن خرجه على الحال، قال: إنه نعت٢. والأول أولى؛ لأنه جامد جمودًا محضًا، فلا يحسن كونه حالًا ولا نعتًا.
"والنسبة المبهمة نوعان: نسبة الفعل للفاعل نحو: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ " [مريم: ٤] فإن نسبة "اشتعل" إلى "الرأس" مبهمة، و"شيبًا" مبين لذلك الإبهام، وهذا التمييز محول عن الفاعل، والأصل: واشتعل شيب الرأس, فحول الإسناد من المضاف؛ وهو شيب؛ إلى المضاف إليه؛ وهو الرأس؛ فارتفع، ثم جيء بذلك المضاف الذي حول عنه الإسناد فضلة وتمييزًا.
стр. 633
"ونسبته للمفعول نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ " [القمر: ١٢] فإن نسبة "فجرنا" إلى "الأرض" مبهمة، و"عيونًا" مبين لذلك الإبهام، والأصل: وفجرنا عيون الأرض. فحول المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وجيء بالمضاف تمييزًا، هذا مذهب الجزولي١ وابن عصفور٢ وابن مالك٣ وأكثر المتأخرين٤، وأنكره الشلوبين٥، وحجته أن سيبويه لم يمثل بالمنقول عن المفعول، وتبعه تلميذه الأبدي٦ وابن أبي الربيع٧، وتأول الشلوبين "عيونا" في الآية على أنها حال مقدرة؛ لأنها حال التفجر لم تكن عيونًا، وإنما صارت عيونًا بعد ذلك. وأولها ابن أبي الربيع على وجهين: أحدهما: أن يكون بدل بعض من كل، على حذف الضمير، أي: عيونها، مثل: أكلت الرغيف ثلثًا، أي: ثلثه.
والثاني أن يكون مفعولًا على إسقاط الجار، أي: بعيون. ورده الموضح في شرح اللمحة.
"ولك في مميز الاسم" المفرد "أن تجره بإضافة الاسم" إليه إن حذف ما به تمامه من تنوين ظاهر أو مقدر أو نون تشبهه٨ "كـ: شبر أرض" من الممسوحات "و: قفيز بر" من المكيلات، "و: منوي عسل" من الموزونات، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٥٨-
وبعد ذي وشبهها اجرره إذا ... أضفتها كمد حنطة غذا
"إلا إذا كان الاسم عددًا" من أحد عشر إلى تسعة وتسعين، فإن تمييزه واجب النصب لما سيأتي، بخلاف ثلاثة عشرة وما بينها، ومائة وما فوقها، فتمييزه واجب الجر بالإضافة إلا ما شذ كـ: "خمسة أثوابًا" و"مائتين عامًا"، فلا يدخل الجواز شيئًا من واجب النصب وواجب الجر، فلا اعتراض عليه في الإطلاق، وإنما وجب النصب فيما كان "كـ: عشرين درهمًا" وامتنع جره؛ لأنه يضاف إلى غير التمييز نحو: "عشري رجل"، فلو أضيف إلى التمييز لزم الالتباس، فلا يعلم هل هو تمييز أو لا؟ ولم يعكس الأمر دفعًا
стр. 634
لإضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن العدد هو التمييز في المعنى، قاله في المتوسط، وزعم أنه الصواب. "أو مضافًا نحو:" ﴿وَلَوْ جِئْنَا "بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ " [الكهف: ١٠٩] "و ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ " [آل عمران: ٩١] فـ"مددًا تمييز لـ"مثل"، و"ذهبًا" تمييز لـ"ملء"، ولا يجوز جرهما بالإضافة؛ لأن "مثل" و"ملء" مضافان مرة فامتنع إضافتهما مرة أخرى، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٥٩-
والنصب بد ما أضيف وجبا ... إن كان مثل ملء الارض ذهبا
стр. 635
"فصل":
"مم مميز النسبة" التمييز "الواقع بعد ما يفيد التعجب" إما بصيغته الموضوعة له أو لا، فالأول "نحو:" أبو بكر "أكرم به أبًا وما أشجعه رجلًا. و" الثاني نحو: "لله دره فارسًا"، فـ"أبا" و"رجلا" و"فارسًا" تمييز لبيان جنس المتعجب منه المبهم في النسبة، والدر؛ بفتح الدال المهملة وتشديد الراء؛ في الأصل مصدر در اللبن يدر ويدر؛ بكسر الدال وضمها؛ درا ودرورًا كثر، ويسمى اللبن نفسه درا، وهو هنا كناية عن فعل الممدوح الصادر عنه، وإنما أضيف١ فعله إلى الله تعالى قصدًا لإظهار التعجب منه؛ لأنه تعالى منشئ العجائب. فمعنى قولهم: "لله دره فارسًا" ما أعجب فعله، ويحتمل أن يكون التعجب من لبنه الذي ارتضعه من ثدي أمه، أي: ما أعجب هذا اللبن الذي نزل به مثل هذا الولد الكامل في هذه الصفة، وكون "فارسًا من مميز النسبة إنما يتمشى إذا كان الضمير المضاف إليه "الدر" معلوم المرجع، أما إذا كان مجهوله كان من مميز الاسم لا من مميز النسبة؛ لأن الضمير مبهم، فيحتاج إلى ما يميزه، قاله في الحواشي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٦١-
وبد كل ما اقتضى تعجبا ... ميز...........................
"و" من مميز النسبة التمييز "الواقع بعد اسم التفضيل"، وله حالتان: تارة يكون منصوبًا، وتارة يكون مجرورًا، "وشرط نصب هذا" الواقع بعد اسم التفضيل "كونه" سببيا، وذلك إذا كان "فاعلا معنى، نحو: زيد أكثر مالًا" وعلامة ذلك أن تجعل مكان اسم التفضيل فعلا من لفظه ومعناه، ويرفع التمييز به مع صحة المعنى، فتقول في مثالنا: "زيد كثر ماله"، وإلى هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٣٦٠-
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلا...........................
стр. 636
"بخلاف" ما إذا لم يكن فاعلًا معنى، وهو ما كان اسم الفضيل بعضه "نحو: "مال زيد أكثر مال"، بالخفض، وعلامة أن يحسن وضع "بعض" موضع اسم التفضيل، ويضاف إلى جمع قائم مقام النكرة، فنقول في مثالنا: "مال زيد بعض الأموال"، ولا يستقيم في هذا المثال أن يكون "مال" فاعلًا معنى لفساد المعنى، فلا يقال: "مال زيد كثر ماله"؛ لأنه يؤدي إلى أن المال له مال.
وإنما وجب نصبه في الأولى وجره في الثانية؛ لأن اسم التفضيل مضاف إلى ما هو بعضه دون الأولى، "وإنما جاز: هو أكرم الناس رجلًا" بالنصب مع تخلف شرطه؛ وهو أن "رجلًا" لا يصح أن يكون فاعلًا في المعنى: إذ لا يقال:"هو كرم رجل" فتخبر عن "هو" بقولك: "كرم رجل" وإذا بطل شرط النصب كان حقه الجر, وإنما نصب "لتعذر إضافة "أفعل" مرتين"؛ لأنه أضيف أولًا إلى "الناس"، فلو أضيف ثانيًا إلى "رجل" لزم إضافته مرتين، وذلك ممتنع؛ لأن المضاف إلى شيء يمتنع إضافته إلى غيره.
стр. 637
"فصل":
"ويجوز جر التمييز بـ"من" كـ: "رطل من زيت"". واختلف في معنى "من" التي يصرح بها مع التمييز، فقيل: للتبعيض، ولذلك لم تدخل في "طاب نفسًا" لأن "نفسا" ليست أعم من المبهم الذي انطوت عليه الجملة. وقال الشلوبين١: زائدة عند سيبويه٢ لمعنى التبعيض. قال في الارتشاف٣: ويدل على صحته أنه عطف على موضعها نصبًا، قال الحطيئة: [من البسيط]
٤٥٥-
طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
وبحث الموضح في الحواشي أنها لبيان الجنس، وهو ظاهر؛ لأن المشهور من مذاهب النحويين ما عد الأخفش أن "من" لا تزاد إلا في غير الإيجاب.
ولا٤ يمتنع جر التمييز بـ"من" "إلا٥ في ثلاث مسائل:
إحداها: تمييز العدد. كـ: عشرين درهمًا" لما سيأتي.
"الثانية: التمييز المحول عن المفعول، كـ: غرست الأرض شجرًا، ومنه" أي: من المحول عن المفعول "ما أحسن زيدًا أدبًا" فإنه محول عن المفعول، وأصله: ما أحسن أدب زيدٍ، "بخلاف: ما أحسنه" أي: زيدًا" "رجُلا" فإنه ليس محولًا عن المفعول، إذ لا يصح "ما أحسن رجل زيد" مع أن المراد بالرجل نفس زيد.
стр. 638
و"الثالثة: ما كان فاعلا في المعنى إن كان محولًا عن الفاعل صناعة كـ: طاب زيد نفسًا"، إذ أصله: طابت نفس زيد، "أو" محولا "عن مضاف غيره"، كأن يكون مبتدأ، "نحو: زيد أكثر مالًا"، فـ"مالا" محول عن مبتدأ، "إذ أصله: مال زيد أكثر"، فحول المضاف، وجعل تمييزًا، وأقيم المضاف إليه مقامه، فارتفع على الابتداء مكانه، "بخلاف" ما كان فاعلًا في المعنى، ولم يكن محولًا "نحو: لله دره فارسًا، و: أبرحت جارًا" بكسر التاء خطابًا للمؤنثة، أخذا من قول الأعشى: [من المتقارب]
٤٥٦-
أقول لها حين جد الرحيـ ... ـل أبرحت ربا وأبرحت جارًا
"فإنهما" أي: فارسًا وجارًا "وإن كانا فاعلين معنى؛ إذ المعنى عظمت فارسا وعظمت جارًا، إلا أنهما غير محولين" عن الفاعل صناعة، "فيجوز دخول "من" عليهما"، فتقول: "من فارس" و"من جار" كقوله: [من السريع]
٤٥٧-
يا سيدا ما أنت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذراع
"ومن ذلك" الفاعل في المعنى الغير محول: "نعم رجلًا زيد١"، فـ"رجلًا" وإن كان فاعلًا معنى؛ إذ المعنى نعم الرجل زيد؛ إلا أنه غير محول، فلذلك "يجوز" دخول "من" عليه، فتقول: "نعم من رجل، قال" أبو بكر بن الأسود: [من الوافر]
٤٥٨-
تخيره فلم يعدل سواه ... "فنعم المرء من رجل تهامي"
بفتح التاء كـ: "يمان". واقتصر في النظم على استثناء مسألتين فقال:
٣٦٢-
واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد ... والفاعل المعنى...........................
стр. 639
وإنما امتنع دخول "من" في المسائل الثلاث المتقدمة؛ لأن وضع "من" المبينة أن يفسر بها وبمصحوبها اسم جنس سابق صالح لحمل ما بعدها عليه، نحو: ﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] . وامتنع ذلك في العدد لعدم صحة الحمل، لكون العدد دالا على متعدد. والتمييز مفرد، وفي المحول عن الفاعل والمفعول؛ لأن التمييز مفسر للنسبة لا للفظ المذكور، وجاز دخولها في غير ذلك؛ لأن التمييز نفس المميز في المعنى.
وفي كلامه هنا أمور منها: أنه قيد الفاعل المعنوي بأن يكون محولًا صناعة، ولم أقف عليه لغيره. ومنها أنه تبع الشارح١ في جعل "لله دره فارسًا" و"نعم المرء من رجل" من تمييز الجملة، واعترضه المرادي بأنه تمييز مفرد لا تمييز جملة٢. ومنها أنه حكم على "أبرحت جارًا" أنه غير٣ محول، والمنقول عن الأعلم أنه مما انتصب عن تمام الكلام، وأنه منقول عن فاعل، وتقديره: أبرح جارك، فأسند الفعل إلى غيره ثم نصبه تفسيرًا، وذهب ابن خروف٤ إلى أنه مما انتصب عن تمام الاسم، فالقول بأنه تمييز عن تمام الجملة وليس محولًا قول ثالث. ومنها أنه خالف كلامه في "نعم رجلًا زيد". فقال هنا: يجوز "نعم من رجل"، ومنع ذلك في شرح اللمحة فقال٥: ولا تدخل "من" على ما كان منقولا أو مشبها بالمنقول أو بعد عدد, وقدم قبل ذلك أن المشبه بالمنقول قولهم: "نعم رجلًا زيد"، ووجه شبهه بالمنقول أن المعنى: نعم الرجل زيد، فكان هذا هو الأصل، ثم حول الإسناد عن الظاهر إلى المضمر، وجعل المرفوع تمييزًا لذلك الضمير. ا. هـ. فجعله محولًا، ومنع دخول "من" عليه. ومنها أن قوله: إذ المعنى عظمت فارسًا وعظمت جارًا، ليس فيه بيان أن "فارسًا" و"جارًا" فاعلان معنى، وكان حقه أن يرفعهما، ويقول: إذ المعنى عظمت فروسيتك وعظم جوارك، فيسند الفعل إلى أصل التمييز أو إلى التمييز، فتقول: عظم فارس وعظم جار.
стр. 640
"فصل":
"لا يتقدم التمييز على عامله إذا كان اسمًا" جامدًا "كـ: رطل زيتًا، أو فعلًا جامدًا نحو: ما أحسنه رجلًا"؛ لأن الجامد لا يتصرف في نفسه فلا يتصرف في معموله بتقديمه عليه. "وندر تقدمه على" الفعل "المتصرف كقوله" وهو رجل من بني طيئ: [من المتقارب]
٤٥٩-
"أنفسنا تطيب بنيل المنى" ... وداعي المنون ينادي جهارًا
فـ"نفسًا" تمييز مقدم على عامله؛ وهو تطيب؛ لأنه فعل متصرف "وقاس على ذلك المازني والمبرد والكسائي١"، قال الناظم في شرح العمدة٢: بقولهم أقول قياسًا على سائر الفضلات المنصوبة بفعل متصرف، وجعله في النظم قليلًا فقال:
٣٦٣-
وعامل التمييز قدم مطلقًا ... والفعل ذو التصريف نزرًا سبقا
ولم يجز سيبويه٣ والجمهور ذلك؛ لأن الغالب في التمييز المنصوب بفعل متصرف أن يكون فاعلًا في الأصل، وقد حول الإسناد عنه إلى غيره لقصد المبالغة، فلا يغير عما كان مستحقه٤ من وجوب التأخير لما فيه من الإخلال بالأصل.
стр. 641
وقيل لأن التمييز كالنعت في الإيضاح، والنعت لا يتقدم على عامله، فكذلك ما أشبهه، قاله الفارسي، واستحسنه ابن خروف، والبيت ونحوه ضرورة. كما قال في المغني١، ويحتمل أن يكون "نفسًا" منصوبة بفعل محذوف دل عليه المذكور، فالتقدير:
أتطيب نفسًا تطيب.
وأما إذا كان العامل وصفًا فقياس من أجاز التقديم في الفعل أن يجيزه مع الوصف إلا مع اسم التفضيل، واتفق الجميع على جواز تقديم التمييز على المميز إذا كان العامل متقدمًا نحو: "طاب نفسا زيد"، قاله ابن الضائع، وهذا يرد قول الفارسي: إن التمييز كالنعت؛ لأن النعت لا يتقدم على المنعوت. قاله ابن عصفور٢.
стр. 642
باب حروف الجر
مدخل
...
باب حروف الجر:
"هذا باب حروف الجر":
ويسميها الكوفيون حروف الإضافة؛ لأنها تضيف الفعل إلى الاسم، أي: تربط بينهما، وحروف الصفات؛ لأنها تحدث صفة في الاسم من ظرفية أو غيرها. "وهي عشرون حرفًا" كما في النظم "ثلاث مضت في" باب "الاستثناء، وهي: خلا وعدا وحاشا" الجارات فلا حاجة لإعادتها، "وثلاثة شاذة" في عمل الجر:
"أحدها: "متى" في لغة هذيل" بالتصغير "وهي" عندهم "بمعنى "من" الابتدائية"، حكى يعقوب ذلك عنهم، و"سمع من بعضهم١: أخرجها متى كمه" أي: من كمه، "وقال" شاعرهم أبو ذؤيب الهذلي في وصفه السحاب: [من الطويل]
٤٦٠-
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... "متى لجج خضر لهن نئيج
أي: من لجج، واللجج: جمع لجة؛ بضم اللام؛ وهي معظم الماء، والنئيج، بفتح النون وكسر
стр. 643
الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وبالجيم: المر السريع مع الصوت، يقال: إن السحاب في بعض الأماكن يدنو من البحر الملح، فيمتد منها خراطيم عظيمة تشرب من مائه، فيكون لها صوت عظيم مزعج، ثم تذهب صاعدة إلى الجو، فيلطف ذلك الماء ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها وترفعها. ثم يمطر حيث يشاء الله تعالى.
"والثاني: "لعل" في لغة عقيل" بالتصغير "قال" شاعرهم: [من الوافر]
٤٦١-
"لعل الله فضلكم علينا" ... بشيء أن أمكم شريم
بجر الجلالة بـ"لعل"، وشريم: بفتح الشين المعجمة: المرأة المفضاة، "ولهم في لامها الأولى الإثبات" كما مر، "والحذف" كقوله: [من الرجز]
٤٦٢-
عل صروف الدهر أو دولاتها
أنشده الفراء بجر صروف، "و" لهم "في" لامها "الثانية الفتح والكسر". وأنشدوا عليهما: [من الوافر]
٤٦٣-
لعل الله يمكنني عليها ... جهارًا من زهير أو أسيد
فهذه أربع لغات، ولا يجوز الجر في بقية لغات "لعل".
"والثالث: "كي"" ولا تجر معربًا ولا اسمًا صريحًا. "وإنما تجر ثلاثة" لا رابع لها، "أحدها: "ما" الاستفهامية، يقول إذا سألوا عن علة الشيء: "كيمه""، والأصل: "كيما" فحذفت ألف "ما" وجوبا، وجيء بهاء السكت وقفًا حفظًا للفتحة
стр. 644
الدالة على الألف المحذوفة، "والأكثر" عندهم "أن يقولوا: "لِمَهْ"" باللام؛ والمعنى: لأي شيء كان كذا؟ "الثاني "ما" المصدرية وصلتها"، فإنهما في تأويل الاسم، "كقوله" وهو النابغة: [من الطويل]
٤٦٤-
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... "يراد الفتى كيما يضر وينفع"
فـ"كي" جارة لمصدر مؤول من "ما" وصلتها، وهي حرف النفع بمنزلة اللام، "أي" إنما يراد الفتى "للضر والنفع"، أي: لضر من يستحق الضر ونفع من يستحق النفع، ويروى: "يرجى الفتى"، وكون "ما"١ فيه مصدرية، "قاله الأخفش٢"، وهو قليل, "وقيل "ما"" فيه "كافة" لـ
"كي" عن عمل الجر مثلها في "ربما"، وقول قريب الموضح في حاشيته: وأن المصدرية مضمرة بعدها، سهو. "الثالث: "أن" المصدرية" المضمرة "وصلتها نحو: "جئت كي تكرمني" إذا قدرت "أن" بعدها"، والأصل: كي أن تكرمني، فحذفت "أن" استغناء عنها بنيتها "بدليل ظهورها في الضرورة كقوله:" وهو جميل بن عبد الله: [من الطويل]
٤٦٥-
فقالت أكل الناس أصبحت مانحا ... "لسانك كيما أن تغر وتخدعا"
فـ"تغر" و"تخدعا" مبنيان للفاعل، و"المنح": الإعطاء متعد لاثنين أولهما "أكل
стр. 645
الناس" وثانيهما "لسانك" على حذف مضاف، والمعنى: أصبحت مانحًا كل الناس حلاوة لسانك، والغرور: الخداع، فهو عطف تفسيري، وهو إرادة المكروه بالإنسان من حيث لا يعلم.
وجعل ابن مالك في التسهيل١ إظهار "أن" بعد "كي" قليلًا، ولم يجعله ضرورة كما فعل الموضح، "والأولى" فيما إذا لم يذكر "أن" بعد "كي" "أن تقدر "كي" مصدرية"، ناصبة للمضارع بنفسها، "فتقدر اللام قبلها" استغناء عنها بنيتها "بدليل كثرة ظهورها معها نحو: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] . فهذه ستة أحرف.
"والأربعة عشر الباقية" من العشرين "قسمان:
سبعة تجر الظاهر والمضمر، وهي: من، وإلى، وعن، وعلى، وفي والباء، واللام" وهي بالنسبة إلى الوضع ثلاثة أقسام: ما هو موضوع على حرف واحد، وهو اثنان: "الباء" و"اللام". وما هو موضوع على حرفين وهو ثلاثة: "من" و"عن" و"في". وما هو موضوع على ثلاثة أحرف وهو اثنان: "إلى" و"على".
وبدأ منها بـ"من"؛ لأنها أم حروف الجر، قاله صاحب درة الغواص وغيره.
مثال: جرها المضمر والظاهر "نحو: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ " [الأحزاب: ٧] .
ومثال "إلى": " ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ " [الأنعام: ٦٠] .
ومثال "عن": " ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] ﴿﵃﴾ [المائدة: ١١٩] .
ومثال "على": " ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ " [غافر: ٨٠] .
ومثال "في": " ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَات " لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
ومثال "الباء": " ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٧٥] ﴿آمَنُوا بِهِ﴾ " [الأعراف: ١٥٧] .
ومثال اللام: " ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ﴿لَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ " وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] .
"وسبعة تختص بالظاهر" وهي المشار إليها بقوله في النظم:
٣٦٦-
بالظاهر اخصص منذ مذ وحتى ... والكاف والواو ورب والتا
وهي بالنسبة إلى الوضع أربعة أقسام: ما وضع على حرف واحد، وهو ثلاثة: الكاف
стр. 646
والواو والتاء. وما وضع على حرفين وهو "مذ" خاصة. وما وضع على ثلاثة أحرف وهو: "منذ" و"رب" وما وضع على أربعة أحرف وهو: "حتى" خاصة.
"وتنقسم" بالنسبة إلى عملها في الظاهر "أربعة أقسام" أيضًا:
"ما لا يختص بظاهر بعينه" وهو" ثلاثة: "حتى" و"الكاف" و"الواو", نحو: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] . ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١] . "وقد تدخل "حتى" و"الكاف في الضرورة على الضمير"، فالأول كقوله: [من؟؟؟؟]
٤٦٦-
أتت حتاك تقصد كل فج ... ترجي منك أنها لا تخيب
والكوفيون والفراء لا يخصون ذلك بالضرورة قاله في المغني١.
والثاني "كقول العجاج" يصف حمارًا وحشيا: [من الرجز]
٤٦٧-
خلى الذنابات شمالًا كثبا ... "وأم أوعال كها أو أقربا"
فأدخل الكاف على الهاء العائدة على الذنابات؛ بفتح الذال المعجمة والنون وبعد الألف باء موحدة؛ جمع ذنابي، وهي في الأصل شبه المخاط يقع من أنوف الأبل، وهنا اسم موضع بعينه، وأم أوعال: اسم هضبة بعينها, وهي في الأصل جبل منبسط على وجه الأرض. وشمالا: ظرف، وكثبًا؛ بفتح الكاف والثاء المثلثة؛ صفته، ومعناه: قريبًا و"أو": حرف عطف، والمعنى: أن هذا الحمار الوحشي ترك الذنابات ناحية شماله قريبًا منه، وترك أم أوعال كالذنابات أو أقرب منها. "وقول الآخر" وهو رؤبة يصف حمارًا وحشيا وأتنا وحشيات: [من الرجز]
٤٦٨-
فلا ترى بعلا ولا حلائلا ... "كه ولا كهن إلا حاظلا"
стр. 647
فأدخل الكاف في الأول على ضمير الحمار الوحشي، وفي الثاني على ضمير الإناث الوحشيات، والبعل: الزوج، والحلائل: جمع حليلة الرجل، وهي امرأته، الحاظل؛ بالحاء المهملة والظاء المشالة: المانع من التزويج كالعاضل، والمعنى: لا ترى بعلا مثل الحمار الوحشي، ولا زوجات مثل الأتن الوحشيات إلا مانعا.
"وما يختص بالزمان وهو "مذ" و"منذ"" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٦٧-
واخصص بمذ ومنذ وقتا.... ... ..................................
"فأما قولهم: ما رأيته مذ أن الله خلقه" بفتح الهمزة على أنها مصدرية، وهي وصلتها في تأويل مصدر مجرور بـ"مذ" في الصورة الظاهرة "فتقديره: مذ زمن أن الله خلقه"، فـ"مذ" في الحقيقة إنما جرت زمانًا محذوفًا مضافا إلى المصدر لا المصدر، "أي: مذ زمن خلق الله إياه"، فاندفع بهذا التقدير السؤال، وأما على رواية من كسر الهمزة فـ"مذ" فيه اسم لدخولها على الجملة. "وما يختص بالنكرات وهو: رب" بضم الراء، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٣٦٧-
................. وبرب ... منكرًا..........................
نحو: "رب جل كريم لقيته"، "وقد تدخل في الكلام" النثر "على ضمير غيبة ملازم للإفراد والتذكير، والتفسير بتمييز بعده مطابق للمعنى" من إفراد وتذكير وفروعهما كقولك: "ربه رجلا"، و"ربه رجلين"، و"ربه رجلالا١"، و"ربه امرأة"، و"ربه امرأتين"، و"ربه نساء"، كل ذلك بإفراد الضمير استغناء بمطابقة التمييز للمعنى المراد، "قال" الشاعر: [من الخفيف]
٤٦٩-
"ربه فتية دعوت إلى ما" ... يورث الحمد دائبًا فأجابوا
فأتي بالضمير مفردًا، مفسرا بتمييز مجموع مطابق للمعنى، وهو فتية، هذا مذهب البصريين٢.
стр. 648
وحكى الكوفيون١ جواز مطابقته لفظًا٢ نحو: "ربها امرأة"، و"ربهما رجلين"، و"ربهم رجالا"، و"ربهن نساء".
واختلف في الضمير المجرور بـ"رب" فقيل معرفة، وإليه ذهب الفارسي٣ وكثيرون. وقيل نكرة، واختاره الزمخشري٤ وابن عصفور٥؛ لأنه عائد على واجب التنكير، وجعل الناظم دخول "رب" والكاف على الضمير نادرًا فقال:
٣٦٨-
وما رووا من نحو ربه فتى ... نزر كذاكها ونحوه أتى
"وما يختص بالله ورب" بفتح الراء، حال كونه "مضافًا للكعبة أو لياء المتكلم وهو التاء" في القسم، وإليه أشار الناظم بقوله:
٣٦٧-
................ ... ........ والتاء لله، ورب
"نحو: ﴿تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ، "و: "ترب الكعبة". و"تربي لأفعلن""، حكاه الأخفش٦، وندر "تالرحمن" و"تحياتك" حكاه سيبويه٧.
стр. 649
"فصل":
"في ذكر معاني الحروف" الجارة: والصحيح عند البصريين أن حروف الجر لا ينوب بعضها عن بعض بقياس كما لا تنوب أحرف الجزم وأحرف النصب، وما أوهم ذلك فهو عندهم إما مؤول تأويلًا يقبله اللفظ. وإما على تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف. وإما على شذوذ إنابة كلمة عن أخرى، وهذا الأخير هو مجمل الباب كله عند الكوفيين وبعض المتأخرين، ولا يجعلون ذلك شاذا، ومذهبهم أقل تعسفًا. قاله في المغني١.
"لـ"من" سبعة معان:
"أحدها: التبعيض" عند الفارسي٢ والجمهور, وصححه ابن عصفور٣، وعلامته جواز الاستغناء عنها بـ"بعض" "نحو: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ " حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ "﴾ [آل عمران: ٩٢] ، أي: بعض ما تحبون، "ولهذا قرئ: بعض ما تحبون" قرأ ذلك ابن مسعود٤.
"و" المعنى "الثاني: بيان الجنس" عند جماعة من المتقدمين والمتأخرين وعلامتها صحة وقوع موصول موضعها إذا بينت معرفة نحو: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] أي: الذي هو الأوثان، فإن بينت نكرة فهي ومجرورها في موضع جملة "نحو:" ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا " مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ "﴾ [الكهف: ٣١] فـ"من ذهب" بيان لـ"أساور" أي: هي ذهب، و"من" الأولى للابتداء عند الجمهور، أو زائدة على رأي الأخفش٥ ويدل له قوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ﴾ [الإنسان: ٢١] .
стр. 650
"و" المعنى "الثالث: ابتداء الغاية المكانية باتفاق" من البصريين والكوفيين بدليل انتهاء الغاية بعدها "نحو": ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا " مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] . "و" ابتداء الغاية "الزمانية" وفاقًا للكوفيين والأخفش والمبرد وابن درستويه، و"خلافًا لأكثر البصريين" في منعهم ذلك، "و" يدل "لنا" الكتاب العزيز وهو "قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ" أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] ، "والحديث" وهو قول أنس ﵁: "فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة" رواه البخاري١ من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس رضي لله عنه، وقول بعض العرب: "من الآن إلى الغد"، كما حكاه الأخفش في المعاني٢، "وقول الشاعر" النابغة الذبياني يصف السيوف: [من الطويل]
٤٧٠-
"تخيرن من أزمان يوم حليمة" ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
فـ"من أزمان" لابتداء الغاية الزمانية، وتخيرن وجربن: مبنيان للمفعول، والنون المتصلة بهما نائب الفاعل، وهي راجعة إلى السيوف المحدث عنها في بيت قبله٣، وتخيرن٤: اصطفين: وجربن: اختبرن، ويوم حليمة، يوم مشهور من أيام العرب، وهو اليوم الذي سار فيه المنذر بن المنذر لقتال الأعرج الغساني، وحليمة هي بنت الحارث٥ بن أبي شمر، والتجارب: جمع تجربة. وحمل المانعون هذه الأدلة على حذف مضاف، والتقدير: في الآية: من تأسيس أول يوم، وفي الحديث من صلاة الجمعة، وفي البيت: من استمرار أزمان، وكذلك ما أشبهها، وأجيب بأن الأصل عدم الحذف.
وقد يكون ابتداء الغاية في غير المكان والزمان نحو: "من محمد رسول الله هرقل عظيم الروم"٦.
стр. 651
"و" المعنى "الرابع: التنصيص على العموم أو لتوكيد١ التنصيص عليه، وهي الزائدة"، فالأول الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي نحو: "ما جاءني من رجل"، فهي للتنصيص على العموم، ألا ترى أنه قبل دخول "من" يحتمل نفي الواحد٢ ونفي الجنس على سبيل العموم، ولهذا يصح أن يقال: "بل رجلان"، وبعد دخولها يصير نصا في نفي الجنس على سبيل العموم، فيمتنع أن يقال: "بل رجلان". والثاني الداخلة على نكرة مختصة بالنفي وشبهه نحو: "ما جاءني من أحد" فهي لتأكيد التنصيص على العموم؛ لأن النكرة الملازمة للنفي تدل على العموم أيضًا، فزيادة "من" إنما أفادت مجرد التوكيد؛ "لأن "ما جاء أحد" و "ما جاء من أحد" سيان في إفهام العموم دون احتمال.
فإن قلت: إذا كانت "من" تفيد التنصيص فكيف تكون زائدة؟ أجيب بأن المراد من زيادتها كونها تأتي في موضع يطلبه العامل بدونها، فتصير مقحمة بين طالب ومطلوب، وإن كان سقوطها٣ مخلا بالمعنى المراد، كما قالوا في "لا": إنها زائدة في قولهم: "جئت بلا زاد" مع أن سقوطها يخل بالمعنى.
"و" "من" الزائدة "لها ثلاثة شروط" عند الجمهور:
أحدها: "أن يسبقها نفي" بأي أداة كانت، "أو نهي" بـ"لا"، "أو استفهام بـ"هل"" خاصة، وفي إلحاق الهمزة بها نظر، وفي الارتشاف٤: لو قلت كيف تضرب من رجل؟ أو متى تضرب من رجل؟ لم يجز. ا. هـ. ولعل الفرق أن "هل" لطلب التصديق دائمًا.
"و" الثاني: "أن يكون مجرورها نكرة" كما مر.
"و" الثالث: "أن يكون" مجرورها المنكر "إما فاعلا نحو: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر﴾ " [الأنبياء: ٢] فذكر فاعل "يأتيهم"، "أو مفعولًا" به "نحو: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ " [مريم: ٩٨] فـ"أحد" مفعول "تحس"، "أو مبتدأ نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ " [فاطر: ٣] فـ"خالق" مبتدأ، و "غير الله" نعته على المحل، والخبر محذوف، تقديره: لكم، وليس "يرزقكم" الخبر؛ لأن "هل" لا تدخل على مبتدأ مخبر عنه بفعل على الأصح.
стр. 652
وأجاز بعضهم١ زيادتها بشرط تنكير مجرورها فقط نحو: "قد كان من مطر"، وأجازها الأخفش والكسائي وهشام بلا شرط٢، ووافقهم الناظم في التسهيل٣، وعلله في "شرحه٤ بثبوت السماع بذلك نثرًا ونظمًا.
"الخامس معنى البدل نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ " [التوبة: ٣٨] أي: بدل الآخرة، وأنكر قوم مجيء "من" للبدل، وقالوا: التقدير: أرضيتم بالحياة الدنيا بدلا من الآخرة، فالمفيد للبدلية متعلقها المحذوف وأما هي فللابتداء، نقله في المغني٥ وأقره.
المعنى "السادس: الظرفية" عند الكوفيين مكانية أو زمانية، فالأول "نحو: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ " [فاطر: ٤٠] أي: في الأرض، والظاهر أنها لبيان الجنس مثلها في ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] قاله في المغني٦. "و" الثاني نحو: " ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ " [الجمعة: ٩] أي: في يوم الجمعة.
"السابع: التعليل" عند جماعة "كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ " [نوح: ٢٥] أي: أغرقوا لأجل خطاياهم، فقدمت العلة على المعلول للاختصاص. "وقال الفرزدق" يمدح زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: [من البسيط]
٤٧١-
"يغضي حياء ويغضي من مهابته" ... فما يكلم إلا حين يبتسم
أي: يغضي منه لأجل مهابته. والإغضاء: بالغين والضد المعجمتين: إرخاء الجفون. واقتصر
стр. 653
في النظم على قوله:
٣٦٩-
بعِّض وبيّن وابتدئ في الأمكنه ... بمن وقد تأتي لبدء الأزمنه
٣٧٠-
وزيد في نفي وشبهه فجر ... نكرة...........................
وزاد في المغني١ ثامنًا: وهو المجاوزة نحو: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] أي: عن ذكر الله.
وتاسعًا: هو الانتهاء كقولك: "قربت منه" فإنه مساو لقولك: "قربت إليه"، قاله ابن مالك٢.
وعاشرًا: وهو الاستعلاء عند الأخفش٣ والكوفيين نحو: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] أي: عليهم، وخرجها المانعون على التضمين، أي: منعناه بالنصر من القوم.
وحادي عشر: وهو الفصل؛ بالصاد المهملة؛ وهي الداخلة على ثاني المتضادين ونحوهما، نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ، ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ، ونحو: "لا تعرف زيدًا من عمرو".
وثاني عشر: موافقة الباء عند بعض البصريين، وقيل بعض الكوفيين، نحو: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] أي: بطرف، نقله الأخفش عن يونس٤.
وثالث عشر: موافقة "عند" نحو: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] قاله أبو عبيدة٥.
ورابع عشر: مرادفة "ربما" كقوله: [من الطويل]
٤٧٢-
وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ... .....................................
стр. 654
قاله السيرافي وابن خروف وابن طاهر والأعلم١.
والخامس عشر: الغاية، قاله سيبويه٢: تقول: "رأيته من ذلك الموضع" فجعلته غاية لرؤيتك، وأسقطها هنا لما في بعضها من الرد له.
"وللام اثنا عشر معنى أحدها:
الملك نحو: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [لقمان: ٢٦] .
المعنى "الثاني: شبه الملك، ويعبر عنه بالاختصاص" والاستحقاق، فالأول "نحو: السرج للدابة"، والثاني نحو: "العمارة للدار" لأن "الدابة" و"الدار" لا يتصور منهما الملك، والفرق بينهما أن التي للاستحقاق هي الواقعة بين معنى وذات، والتي للاختصاص بخلاف ذلك.
"و" المعنى "الثالث: التعدية" إلى المفعول به "نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو" لأن ضرب متعد في الأصل، ولكن لما بني منه فعل التعجب نقل إلى فعل؛ بضم العين؛ فصار قاصرًا، فتعدى بالهمزة إلى زيد، وباللام إلى عمرو، هذا مذهب البصريين. وذهب الكوفيون إلى٣ أن الفعل باق على تعديته ولم ينقل، وأن اللام ليست للتعدية، وإنما هي مقوية للعامل لما ضعف باستعماله في التعجب. وهذا الخلاف مبني على أن فعل التعجب إذا صيغ من متعد هل يبقى على تعديته، أو لا؟ ذهب الكوفيون إلى الأول والبصريون إلى الثاني. ومثل الناظم للتعدية في شرح الكافية٤ بقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] . وتبعه ابنه٥. قال الموضح في المغني٦: والأولى عندي أن يمثل للتعدية بنحو: "ما أضرب زيدًا لعمرو" كما مثل هنا، ووجه الأولوية أن ابن مالك مثل بالآية لشبه التمليك في شرح التسهيل٧ فصار المثال محتملا, وقد علمت أم مثال الموضح ليس متفقًا عليه فكيف يكون أولى؟ ولم أقف لهذا المعنى على مثال سالم من الطعن، فالأولى إسقاطه كما أسقطه في التسهيل وشرحه.
стр. 655
المعنى "الرابع: التعليل، كقوله" وهو أبو صخر الهذلي: [من الطويل]
٤٧٣-
"وإني لتعروني لذكراك هزة" ... كما انتفض العصفور بلله القطر
أي: لأجل ذكري إياك.
المعنى "الخامس: التوكيد، وهي الزائد"، وهي أنواع منها المعترضة بين الفعل المتعدي ومفعوله، "نحو قوله" وهو ابن ميادة الرماح يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان: [من الكامل]
٤٧٤-
وملكت ما بين العراق ويثرب ... "ملكًا أجار لمسلم ومعاهد"
أي: أجار مسلمًا، وهم بالجيم. قال الدماميني: لا تتعين الزيادة فيه لاحتمال أن يكون "أجار" بمعنى: فعل الإجارة، واللام صلة له. ا. هـ. "وأما: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] فالظاهر أنه"؛ أي: ردف؛ "ضمن معنى "اقترب"" فاللام صلة له لا زائدة، وبه جزم في المغني فقال١: وليس منه "ردف لكم" خلافًا للمبرد٢ ومن وافقه٣، بل ضمن ردف معنى "اقترب", "فهو مثل ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ " [الأنبياء: ١] ا. هـ. ومنها المعترضة بين المتضايفتين كقولهم: [من م. الكامل]
٤٧٥-
يا بؤس للحرب......... ... .................................
والأصل يا بؤس الحرب، فأقحمت اللام تقوية للاختصاص. وهل انجرار ما بعدها بها أو
стр. 656
بالمضاف؟ قولان، قال في المغني: أرجحهما الأول؛ لأن اللام أقرب؛ ولأن الجار لا يعلق١.
ا. هـ. وهو مشكل؛ لأن من شأن المضاف أن يجر المضاف إليه، وإلا فلا إضافة. ومنها لام المستغاث، فإنها زائدة عند المبرد, واختاره ابن خروف بدليل صحة إسقاطها٢.
المعنى "السادس: تقوية العامل الذي ضعف إما بكونه فرعًا في العمل" كالمصدر واسمي الفاعل والمفعول وأمثلة المبالغة نحو: "عجبت من ضرب زيد لعمرو"، و"نحو: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ " [البقرة: ٩١] ، ونحو: "زيد معط٣ للدراهم"، "و" نحو: " ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ " [هود: ١٠٧] . ومنع ابن مالك٤ زيادتها مع عامل يتعدى لمفعولين، ورد بقوله: [من الطويل]
٤٧٦-
................. ... ولا الله يعطي للعصاة مناها
"وإما بتأخره عن المعمول" مع أصالته في العمل "نحو: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُون﴾ " [يوسف: ٤٣] والأصل، والله أعلم: إن كنتم تعبرون الرؤيا, فلما أخر الفعل وتقدم٥ معموله عليه ضعف عمله فقوي باللام، "وليست" اللام "المقوية زائدة محضة" لما تخيل في العامل من الضعف الذي نزله منزلة اللازم، "ولا معدية" محضة لاطراد صحة إسقاطها، "بل هي بينهما" فلها منزلة بين منزلتين، وهو مشكل، فإن الزائدة المحضة لا تتعلق بشيء، وغير الزائدة تتعلق بالعامل الذي قوته عند الموضح، فتكون متعلقة غير متعلقة في آن واحد، وهو ممتنع لأدائه إلى الجمع بين متنافيين.
المعنى "السابع: انتهاء الغاية، نحو: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ " [الرعد: ٢] أي: إلى أجل.
المعنى "الثامن: القسم" ويختض بالجلالة؛ لأنها خلف عن التاء "نحو: لله ما يؤخر الأجل"، أي: تالله.
المعنى "التاسع: التعجب، نحو: لله درك" أي: ما أكثر درك، بالدال المهملة.
стр. 657
المعنى "العاشر: الصيرورة" عند الأخفش، وتسمى أيضًا لام العاقبة ولام المآل "نحو:" [من الوافر]
٤٧٧-
"لدوا للموت وابنوا للخراب" ... فكلكم يصير إلى ذهاب
فإن الموت ليس علة الولد، والخراب ليس علة للبناء، ولكن صار عاقبتهما ومآلهما إلى ذلك. ومن منع الصيرورة في اللام ردها إلى التعليل بحذف السبب وإقامة المسبب مقامه.
المعنى "الحادي عشر: البعدية" بالباء الموحدة؛ فتكون مرادفة لـ"بعد" "نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: بعده" وجعلها في باب المفعول له لام التعليل. وتقدم فيه معنى الدلوك.
المعنى "الثاني عشر: الاستعلاء" حقيقة "نحو: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ " [الإسراء: ١٠٩] جمع ذقن، "أي: عليها". ومجازًا نحو: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: عليها، قاله في المغني١.
وتأتي للنسب نحو: "لزيد عم هو لعمرو خال". وللتبليغ نحو: ﴿قُلْ لِعِبَادِي﴾ [إبراهيم: ٣١] قاله ابن مالك٢. وللتبيين نحو: "سقيا لك"، قاله سيبويه٣. وللظرفية نحو: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: فيه. وبمعنى "عند" كقراءة الجحدري: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥] بكسر اللام وتخفيف الميم: أي "عند مجيئه إياهم" قاله أبو الفتح٤. وبمعنى "من" نحو: [من الطويل]
٤٧٨-
.................. ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي: نحن أفضل منكم يوم القيامة. وبمعى "عن" إذا استعملت مع القول نحو: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
стр. 658
كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢] أي: عن الذين آمنوا قاله ابن الحاجب١. وللتمليك وشبهه نحو: "وهبت لزيد دينارًا" ونحو: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] قاله ابن مالك في التسهيل٢، وتبعه الموضح في المغني٣، واقتصر في النظم على قوله:
٣٧٢-
واللام للملك وشبهه وفي ... تعدية أيضًا وتعليل قفي
٣٧٣-
وزيد............. ... ...........................
"وللباء" الموحدة "اثنا عشر معنى أيضًا:
أحدها: الاستعانة" وهي الداخلة على آلة الفعل حقيقة "نحو: كتبت بالقلم"، و"نجرت بالقدوم". أو مجازًا نحو: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ؛ لأن الفعل لا يتأتى على هذ الوجه الأكمل إلا بها. حكاه في المغني٤. وهو أحد قولي الزمخشري٥ في البسملة، والقول الثاني: إنها للمصاحبة، وهو الأظهر عنده.
المعنى "الثاني: التعدية" بالتاء المثناة فوق؛ وتسمى باء النقل، وهي المعاقبة للهمزة في تصيير الفاعل مفعولًا، وأكثر ما تعدى الفعل القاصر "نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] أي: أذهبه"، وقرئ "أذهب الله نورهم"٦، وبهذه الآية رد على المبرد والسهيلي حيث زعما أن بين التعديتين فرقًا، وأنك إذا قلت: "ذهبت بزيد"، كنت مصاحبًا له في الذهاب. قاله في المغني٧.
المعنى "الثالث: التعويض"، ويسمى بالمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض والأثمان حسا "كـ: "بعتك هذا" الثوب "بهذا" العبد" فمدخول الباء هو الثمن. أو معنى نحو: "كأفات إحسانه بضعف" فمدخول الباء هو العوض. قال في المغني٨: ومنه ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وإنما لم نقدرها٩ باء السببية كما قال
стр. 659
المعتزلة وكما قال الجميع؛ يعني من أهل السنة، في: $"لن يدخل أحدكم الجنة بعمله"١؛ لأن المعطى بعوض قد يعطى مجانًا، وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب. وبهذا تبين أنه لا تعارض بين الحديث والآية لاختلاف محملي الباءين جمعًا بين الأدلة. ا. هـ.
المعنى "الرابع: الإلصاق"، هو أصل معانيها قال سيبويه٢: وإنما هي للإلصاق والاختلاط، ثم قال: وما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله. قال في المغني٣: ثم الإلصاق حقيقي "نحو: أمسكت بزيد"، أي: قبضت على شيء من جسمه أوعلى ما يحبسه من ثوب أو نحوه، ولو قلت: "أمسكته" احتمل ذلك، وأن تكون منعته من التصرف. ومجازي نحو: "مررت بزيد"، أي: ألصقت مروري بمكان يقرب من زيد. ا. هـ.
فجعل الالتصاق بما يقرب منه كالالتصاق به. ثم الحقيقي نوعان: ما لا يصل الفعل إلا بحرفه كـ: "سطوت٤ بزيد". وما يصل الفعل بدونه نحو: "أمسكت بزيد", فإن الباء أفادت أن إمساكك لزيد كان بمباشرة منك له بخلاف "أمسكت زيدًا" فإنما يفيد منعه من التصرف
بوجه ما.
المعنى "الخامس: التبعيض"، أثبته الأصمعي والفارسي والقتيبي وابن مالك٥، قيل: والكوفيون، وجعلوا منه "نحو: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] أي: منها"، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وعليه بنى الشافعي مذهبه في مسح بعض الرأس في الوضوء لما قام عنده من الأدلة.
المعنى "السادس: المصاحبة"، وهي التي يصلح في موضعها "مع" أو يغني عنها وعن مصحوبها الحال "نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٦١] أي: معه" أو كافرين.
المعنى "السابع: المجاوزة"، وهي التي يحسن في مكانها "عن"، قيل: وتختص بالسؤال "نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي: عنه" بدليل ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقيل: لا يختص بالسؤال بدليل ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أي: عنه، وزعم البصريون أنها لا تكون بمعنى "عن" أصلًا، وتأولوا ما ورد من ذلك.
стр. 660
المعنى "الثامن: الظرفية"، وهي التي يحسن في مكانها "في"، ثم الظرفية مكانية وزمانية، فالمكانية، "نحو: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] أي: فيه"، "و" الزمانية " ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ " [القمر: ٣٤] أي: فيه.
المعنى "التاسع: البدل"، وهي التي يحسن في مكانها "بدل" "كقول بعضهم:" وهو رافع بن خديج الصحابي ﵁: "ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة١. أي: بدلها".
المعنى "العاشر: الاستعلاء"، وهي التي يحسن في موضعها "على" "نحو": ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: على قنطار"، قاله الأخفش٢، ويدل له: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] ونحو: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] أي: مروا عليهم بدليل ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] .
المعنى "الحادي عشر: السببية"، وهي الداخلة على سبب الفعل "نحو: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] أي: لعناهم بسبب نقضهم ميثاقهم، كما أن باء الاستعانة هي الداخلة على آلة الفعل، كما تقدم، فلا يندرج أحدهما في الآخر خلافًا لابن مالك٣، فإنه أدرج باء الاستعانة في باء السببية، وعد من مفرداته.
المعنى "الثاني عشر: التوكيد وهي الزائدة"، وتزاد مع الفاعل "نحو: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ " [الرعد: ٤٣] ، "و" مع المفعول "نحو: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ " [البقرة: ١٩٥] ، "و" مع المبتدأ "نحو: بحسبك درهم، و" مع خبر "ليس" "نحو: ليس زيد بقائم".
وتأتي الباء للقسم، وهي أصل أحرفه، وتستعمل في القسم الاستعطافي، هو المؤكد لجملة طلبية نحو: "بالله هل قام زيد" أي: أسألك بالله مستخلفًا، وغير الاستعطافي، وهو المؤكد لجملة خبرية نحو: "بالله لتفعلن".
وللغاية نحو: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠] أي: إلي، وقيل ضمن أحسن معنى لطف.
стр. 661
وللتفدية١ نحو: "بأبي أنت وأمي" أي: فداؤك أبي وأمي. واقتصر الناظم على قوله:
٣٧٣-
............ والظرفية استبن ببا ... وفي وقد يبينان السببا
٣٧٤-
بالباء استعن وعد عوض ألصق ... ومثل مع ومن وعن بها انطق
"ولـ"في" ستة٢ معان:"
أحدها: "الظرفية حقيقة مكانية أو زمانية"، فالأولى "نحو: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ " [الروم: ٣] ، "و" الثانية "نحو: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ " [الروم: ٤] فـ"أدنى"، و"بضع" اكتسبا الظرفية من المضاف إليهما، فإن "أدنى" اسم تفضيل من الدنو، و"بضع" اسم لما بين الثلاث إلى التسع. "أو مجازية" إما بكون الظرف والمظروف معنيين نحو: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] أو الظرف معنى، والمظروف ذاتا نحو: "أصحاب الجنة في رحمة الله"، أو بالعكس "نحو: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ" حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ، وفي بعض النسخ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧] الآية.
"و" الثاني: "للسببية نحو: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ " [النور: ١٤] أي: لمسكم عذاب عظيم بسبب ما أفضتم، أي: خضتم فيه.
"و" الثالث: "المصاحبة" عند الكوفيين والقتيبي٣ وهي التي يحسن موضعها "مع" "نحو: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ " [الأعراف: ٣٨] أي: مع أمم.
"و" الرابع: "الاستعلاء" عند الكوفيين والقتيبي، وهي التي يحسن موضعها "على" "نحو: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ " [طه: ٧١] أي: عليها، وقيل: إن "في" هنا ليست بمعنى "على"، ولكن شبه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحال في الشيء كالقبر للمقبور.
"و" الخامس: "المقايسة"، وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق، "نحو: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ " [التوبة: ٣٨] ، أي: بالقياس إلى الآخرة.
стр. 662
"و" السادس: "بمعنى الباء" عند الكوفيين والقتيبي "كقوله": [من الطويل]
٤٧٩-
ويركب يوم الروع منا فوارس ... "بصيرون في طعن الأباهر والكلى"
أي بصيرون بطعن، وهو؛ بالباء الموحدة وكسر الضاد المهملة؛ جمع بصير، نعت فوارس و"الأباهر": جمع الأبهر، وهو عرق إذا قطع مات صاحبه، و"الكلى": جمع كلوة.
وتأتي "في" بمعنى "من" نحو: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] أي: منها قاله الحوفي.
وللتعويض وهي الزائدة عوضًا من أخرى محذوفة كقولك: "ضربت فيمن رغبت"، أصله: ضربت من رغبت فيه، أجاره ابن مالك وحده١، وفيه نظر للموضح في المغني٢.
وللتوكيد وهي الزائدة لغير تعويض، وأجازه الفارسي في الضرورة٣، وأجازه بعضهم في الكلام، وجعل منه ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١] أي: اركبوها. واقتصر الناظم على الظرفية والسببية كما يؤخذ من قوله:
٣٧٣-
......... والظرفية استبن ببا ... وفي وقد يبينان السببا
"ولـ"على" أربعة معان:
أحدها: الاستعلاء" على مجرورها،، وهو الغالب "نحو: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] ، أو على ما يقرب منه نحو: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] .
"والثاني: الظرفية" كـ: "في" قاله الكوفيون "نحو": ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ "عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ [القصص: ١٥] أي: في حين غفلة".
"والثالث: المجاوزة" كـ: "عن" "كقوله" وهو قحيف العامري: [من الوافر]
стр. 663
٤٨٠-
"إذا رضيت علي بنو قشير" ... لعمر الله أعجبني رضاها
"أي": إذا رضيت "عني"، وبنو قشير؛ بضم القاف وفتح الشين المعجمة؛ اسم قبيلة. ولذلك أعاد الضمير عليها مؤنثًا، ويحتمل أن يكون "رضي" ضمن معنى عطف. قاله في المغني١. وقال الكسائي. حمل على نقيضه وهو سخط. وقال أبو عبيدة: إنما ساغ هذا؛ لأن معناه: أقبلت علي.
"الرابع: المصاحبة" كـ: "مع" عند الكوفيين "نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] أي: مع ظلمهم"، وتأتي بمعنى اللام نحو: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: لهدايته إياكم.
وبمعنى "عند" نحو: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] أي: عندي.
وموافقة الباء نحو: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] أي: بألا أقول، وبذلك قرأ أبي٢.
وزائدة للتعويض وغيره، فالأول: [من الرجز]
٤٨١-
إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يومًا على من يتكل
стр. 664
أي: عليه. فحذف "عليه" وزاد "على" قبل الموصول تعويضًا. قاله ابن مالك١.
والثاني: كقول حميد بن ثور: [من الطويل]
٤٨٢-
أبى الله إلا أن سرحة مالك ... لى كل أفنان العضاة تروق
"زاد "على" لأن راق متعدية بنفسها، تقول: راقني حسن الجارية. ونص سيبويه على أن "على" لا تزاد٢، ولا حجة في البيت لاحتمال تضمين "تروق" تشرق.
وللاستدراك كقولك: "فلان لا يدخل الجنة لسوء صنيعه على أنه لا ييأس من رحمة الله"، أي: ولكنه. واقتصر الناظم على قوله:
٣٧٥-
على للاستعلاء ومعنى في وعن ... .....................................
"ولـ"عن" أربعة معان أيضا:
أحدها: المجاوزة" ولم يذكر البصريون سواه. "نحو: سرت عن البلد، ورميت عن القوس"، والمثال الأول متفق عليه، والثاني مختلف فيه. فقال ابن مالك٣: هي فيه للاستعانة بمعنى الباء؛ لأنهم يقولون: رميت بالقوس وعن القوس، حكاه الفراء. وفيه رد على الحريري في إنكاره أن يقال ذلك إلا إذا كانت القوس هي المرمية، وحكى أيضًا: "رميت على القوس"، قاله في المغني٤.
"الثاني: البعدية" بالباء الموحدة "نحو": ﴿لَتَرْكَبُنَّ "طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] أي: حالًا بعد حال"، ويحتمل أن تكون "عن"، على بابها، والتقدير: طبقًا متباعدًا في الشدة عن طبق آخر دونه، فيكون كل طبق أعظم في الشدة مما قبله، قاله الدماميني.
"الثالث: الاستعلاء كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨] أي: عليها" ويحتمل التضمين، والمعنى: فإنما يبعد الخير عن نفسه بالبخل، قاله
стр. 665
الدماميني، "وكقول الشاعر" وهو ذو الأصبع العدواني واسمه الحرثان بن الحارث بن مجرب: [من البسيط]
٤٨٣-
"لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني" ولا أنت دياني فتخزوني
أي: علي؛ لأن المعروف أن يقال أفضلت عليه. قاله في المغني١، و"لاه" أصله: لله، فحذفت اللامان الجارة والأخرى شذوذًا، والحسب؛ بفتح السين؛ الدين وما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، والديان: الملك، وتخزوني: تسوسني، والمعنى: لله در ابن عمك لا أفضلت في حسب علي ولا أنت مالكي فتسوسني.
"الرابع: التعليل نحو: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣] أي: لأجله"، قال في المغني٢: ويجوز أن يكون حالًا من ضمير "تاركي" أي: ما نتركها صادرين عن قولك، وهذا رأي الزمخشري. ا. هـ.
وتكون "عن" مرادفة "من" نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] أي: منهم.
ومرادفة الباء نحو: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] أي: به.
وللاستعانة نحو: "رميت عن القوس" أي: به كما تقدم عن ابن مالك.
والبدل نحو: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: بدل نفس، وفي الحديث "صومي عن أمك" أي: بدل أمك٣.
والظرفية كقوله: [من الطويل]
стр. 666
٤٨٤-
................... ... ولا تك عن حمل الرباعة وانيا
أي: في حمل، بدليل ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢] . وزائدة للتعويض من أخرى محذوفة كقوله: [من الطويل]
٤٨٥-
أتجزع إن نفس أتاها حمامها ... فهلا التي عن بين جنبيك تدفع
قال ابن جني: أراد فهلا تدفع عن التي بين جنبيك، فحذف "عن" من أول الموصول، وزيدت بعده، واقتصر في النظم على قوله:
٣٧٥-
............. بعن ... تجاوزا عنى من قد فطن
٣٧٦-
وقد تجي موضع بعد وعلى ... .................................
"وللكاف أربعة معان أيضًا:
أحدها: التشبيه نحو" قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ "وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ " [الرحمن: ٣٧] .
"والثاني: التعليل" أثبته قوم ونفاه الأكثرون "نحو: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ " [البقرة: ١٩٨] فالكاف تعليلية و"ما" مصدرية "أي: لهدايته إياكم". وأجاب الأكثرون بأنه من وضع الخاص موضع العام إذا الذكر والهداية يشتركان في أمر وهو الإحسان. فهذا في الأصل بمنزلة: "وأحسن كما أحسن الله إليك"، والكاف للتشبيه ثم عدل عن ذلك للإعلام بخصوصية المطلوب.
"والثالث: الاستعلاء" ذكره الأخفش والكوفيون١، "قيل لبعضهم" وهو رؤبة: "كيف أصبحت؟ قال: كخير. أي: على خير" وقيل المعنى: بخير، ولم يثبت مجيء الكاف بمعنى الباء وقيل هي للتشبيه على حذف مضاف أي: كصاحب خير. "وجعل منه" أي: من الاستعلاء "الاخفش قولهم: "كن كما أنت" أي: على ما أنت عليه"،
стр. 667
فالكاف بمعنى "على"، و"ما" موصولة١، و"أنت": مبتدأ حذف خبره، هذا أحد الأعاريب. والثاني: أن "ما" موصولة، و"أنت": خبر حذف مبتدؤه أي: كالذي٢ هو أنت. والثالث: أن "ما" زائدة ملغاة، والكاف جارة، "وأنت": ضمير مرفوع أنيب عن المجرور. والمعنى: كن فيما يستقبل مماثلًا لنفسك فيما مضى. الرابع: أن "ما" كافة، و"أنت": مبتدأ حذف خبره، أي: عليه أو كائن. والخامس: أن "ما" كافة أيضًا، و"أنت": فاعل. والأصل: كما كنت ثم حذف "كان" فانفصل الضمير، والسادس: أن "ما" زائدة وشبه الشيء بنفسه في حالتين.
المعنى "الرابع" من معاني الكاف "التوكيد، وهي الزائدة نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي: ليس شيء مثه"، كذا قدره الأكثرون، إذ لو لم يقدروه كذلك صار المعنى: ليس شيء مثل مثله. فيلزم المحال، وهو إثبات المثل، وإنما زيدت الكاف لتوكيد نفي المثل؛ لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيًا، قاله ابن جني. وقيل: الكاف هنا غير زائدة ثم اختلفوا، فقيل: الزائد "مثل"، كما زيدت في: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] قالوا: وإنما زيدت هنا لتفصل الكاف من الضمير. قال في المغني٣: والقول بزيادة الحرف أولى من القول بزيادة الاسم، بل زيادة الاسم لم تثبت. وقيل: الكاف و"مثل" لا زائد منهما، ثم اختلف فقيل: "مثل" بمعنى الذات، والمعنى ليس كذاته شيء، وقيل بمعنى الصفة؛ لأن المثل والمثيل بمعنى كالشبه والشبيه.
والمعنى: ليس كصفته شيء. وقيل: الكاف اسم مؤكد "مثل"، كما عكس ذلك من قال: [من الرجز]
٤٨٦-
فصيروا مثل كعصف مأكول
زاد في المغني٤ في معاني الكاف المبادرة، وذلك إذا اتصلت بـ"ما" في نحو: "سلم كما تدخل"، و"صل كما يدخل الوقت"، ذكره ابن الخباز في النهاية وأبو سعيد السيرافي وغيرهما، وهو غريب جدا. ا. هـ. واقتصر الناظم على قوله:
٣٧٧-
شبه بكاف وبه التعليل قد ... يعنى وزائدا لتوكيد ورد
стр. 668
"ومعنى "إلى" و"حتى" انتهاء الغاية مكانية أو زمانية"، مثال "إلى" في المكان "نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ " [الإسراء: ١] ، "و" مثالها في الزمان "نحو": ﴿ثُمَّ "أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ " [البقرة: ١٨٧] . "و" مثال "حتى" في المكان "نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، و" مثالها في الزمان، "نحو: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ " [القدر: ٥] وتقدم أن معاني اللام الانتهاء. ولذلك جمعها الناظم بقوله:
٣٧١-
للانتها حتى ولام وإلى ... .............................
"وإنما يجر بـ"حتى" في الغالب آخر" نحو: "حتى رأسها"، "أو متصل بآخر"، نحو: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] "كما مثلنا"، وإذا ثبت أنها لا تجر إلا آخرًا أو متصلًا به "فلا يقال: سهرت البارحة حتى نصفها"؛ لأن النصف ليس آخرا ولا متصلًا بالآخر, قالته المغاربة. قال في المغني١: وتوهم ابن مالك أن ذلك لم يقل به إلا الزمخشري وحده, واعترض
عليه بقوله: [من الخفيف]
٤٨٧-
عينت ليلة فما زلت حتى ... نصفها راجيا فعدت يئوسًا
وهذا ليس محل الاشتراط إذ لم يقل: "فما زلت في تلك الليلة حتى نصفها"، وإن كان المعنى عليه، ولكنه لم يصرح به. ا. هـ. وناقشه الدماميني بأنها في حكم الملفوظ بها، ولا أثر لخصوصية النطق بها في ذلك.
"ومعنى "كي" التعليل" نحو: "جئت كي أقرأ" أي: للقراءة.
"ومعنى الواو والتاء" المثناة فوق "القسم" نحو: والله، وتالله.
"ومعنى مذ ومنذ ابتداء الغاية" في الزمان، فيكونان بمعنى "من" "إن كان الزمان ماضيًا كقوله" وهو زهير بن أبي سلمى، بضم السين: [من الكامل]
٤٨٨-
لمن الديار بقنة الحجر ... "أقوين مذ حجج ومذ دهر"
стр. 669
أي: من حجج ومن دهر، "والحجج" بكسر الحاء: جمع حجة؛ بكسرها أيضًا؛ وهي السنة.
و"الدهر": الزمان"، و"الديار": مبتدأ، تقدم خبره في الجار والمجرور قبله "وقنة": بضم القاف وتشديد النون: أعلى الجبل، و"الحجر" بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم: حجر ثمود، ومنازلهم بناحية الشام عند وادي القرى. و"أقوين" بسكون القاف وفتح الواو: خلون من سكانهن. "وقوله" وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل]
٤٨٩-
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ... "وربع عفت آثاره منذ أزمان"
أي: من أزمان. وقفا: أمر للواحد لفظ الاثنين على حد ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٣] أو بلفظ الواحد والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف، وأصله: قفن. وعرفان: بكسر العين: مصدر عرف معرفة وعرفانا. والربع: المنزل. وعفت: درست وانمحت. وآثاره: جمع أثر. "و" معنى "مذ" و"منذ" "الظرفية" فيكونان بمعنى "في" "إن كان" الزمان "حاضرًا نحو": ما رأيته مذ أو "منذ يومنا" أي: في يومنا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٣٨٠-
وإن يجرا في مضي فكمن ... هما وفي الحضور معنى في استبن
"و" يكونان "بمعنى: "من" و"إلى" معًا" فيدلان على ابتداء الغاية وانتهائها معًا، فيدخلان على الزمان الذي وقع فيه ابتداء الفعل وانتهاؤه. "إن كان" الزمان معدودًا نكرة "نحو": ما رأيته "مذ" أو منذ "يومين" أي: من ابتداء هذه المدة إلى انتهائها.
"ورب" ليست للتقليل دائمًا خلافًا للأكثرين ولا للتكثير دائمًا خلافًا لابن درستويه وجماعة. بل ترد "للتكثير كثيرًا، وللتقليل قليلًا". قاله في المغني١.
"فالأول": كقوله تعالى: ﴿رُبَمَا ٢ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] و"كقوله ﷺ : "يا رُبّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة" ٣، وقول بعض
стр. 670
العرب عند انقضاء رمضان: "يا رب صائمه لن يصومه, وقائمه لن يقومه"" بإضافة صائم وقائم إلى ضمير رمضان: وهو مما تمسك به الكسائي على إعمال اسم الفاعل المجرد بمعنى الماضي، وقول الشاعر: [من الطويل]
٤٩٠-
ويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال
ووجه الدليل أن الآية والحديث والمثال مسوقات للتخويف، والبيت مسوق للافتخار، ولا يناسب واحدًا منهما التقليل. قاله في المغني١.
"والثاني": وهو التقليل "كقوله" وهو رجل من أزد السراة: [من الطويل]
٤٩١-
"ألا رب مولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان"
وذي شامة سوداء في حر وجهه ... مجللة لا تنجلي لزمان
ويكمل في تسع وخمس شبابه ... ويهرم في سبع مضت وثمان
وعن الفارسي أن عمر الجنبي٢ سأل امرأ القيس عن مراد الشاعر فقال: "يريد بذلك عيسى وآدم عليهما الصلاة والسلام" والقمر، ويلده بسكون اللام وفتح الدال أو ضمها، وأصله: لم يلده بكسر اللام وسكون الدال, فسكن اللام تشبيهًا لها بتاء "كتف" فالتقى ساكنان، فحركت الدال بالفح اتباعًا لفتحة الياء أو بالضم اتباعًا لضمة الهاء. والشامة: الخال، وهي النكتة السوداء في الجسم المخالف للونها. وفي رواية "شامة غراء" وهو ضمير مناسب للشامة إذا الغراء البيضاء. والشامة سوداء. والحر من الوجه: ما بدا من الوجنة وهو ما ارتفع من الخد، قاله الدماميني. ومجللة: أي: ذات عز وجلال، وروي "مجلحة" بتقديم الجيم على الخاء: أي: منكسة، ويهرم أي: يشيب، قاله الحلبي.