وأصل "جاد بهن أبياتًا وجدن أبياتًا" من جاد الشيء جودة إذا صار جيدًا، وأصل "جاد" جود؛ بفتح العين؛ فحول إلى فعل؛ بضم العين١؛ لقصد المبالغة والتعجب، زيدت الباء في الفاعل وعوض من ضمير الرفع ضمير الجر فقيل: بهن، وأبياتًا: تمييز، و"جدن أبياتًا" على الأًل من عدم زيادة الباء. فلذلك ثبت ضمير الرفع، وأبياتًا: تمييز، وفي كل منهما الجمع بين الفاعل والتمييز. "وقال" الطرماح: [من المديد]
٦٢٠-
حب بالزور الذي لا يرى ... منه إلا صفحة أو لمام
"أصله: حَبُبَ الزَّور" بفتح الزاي، بمعنى الزائر "فزاد الباء" في الفاعل حملا على "أحبب بالزور" "وضم الحاء؛ لأن فعُلَ المذكور يجوز فيه أن تسكن عينه، وأن تنقل حركتها إلى فائه"، ولو كانت الفاء غير حلقية، خلافًا لظاهر التسهيل٢، "فتقول: ضرب الرجل"، بفتح الضاد وسكون الراء. "و: ضُرْبُ" الرجل، بضم الضاد وسكون الراء. وصفحة كل شيء: جانبه، واللمام: بكسر اللام: جمع لمة، وهو الشعر يجاوز شحمة الأذن، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٥-
وما سوى ذا ارفع بحب أو فجر ... بالبا...............................
ومثال الضمير المطابق ما قبله: الزيدان كرما رجلين، والزيدون كرموا رجالا٣، حملا على: ما أكرمهما رجلين، وما أكرمهم رجالا.
стр. 842
فصل:
"ويقال في المدح: حبذا، وفي الذم: لا حبذا. قال" الشاعر: [من المتقارب]
٦٢١-
ألا حبذا عاذري في الهوى ... ولا حبذا الجاهل العاذل
فجمع بين المدح والذم، ومثله قول الآخر: [من الطويل]
٦٢٢-
ألا حبذا أهل الملا غير أنه ... إذا ذكرت مي فلا حبذا هِيَا
وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٣-
ومثل نعم حبذا............ ... ................................
ثم قال:
٤٩٣-
............................... ... وإن ترد ذما فقل لا حبذا
ودخول "لا في الذم على "حبذا" لا يخلو من إشكال، لأن "لا" لا تدخل على فعل ماض جامد، ولا تعمل في اسم إذا لم يكن جنسًا، ولا تكون غير مكررة إذا لم تعمل في الاسم الذي دخلت عليه إلا على قول أبي الحسن، وأبي العباس وهو ضعيف.
"ومذهب سيبويه أن "حَبَّ" فعل" ماض، "و"ذا" فاعل". وإليه أشار الناظم بقوله:
٤٩٣-
................. الفاعل ذا ... ..............................
"وأنهما باقيان على أصلهما" من كونهما جملة فعلية ماضوية، لأن الأصل عدم التغيير، ولاقتصارهم على "حَبَّ" إذا عطف على "حبذا" كقوله١؛ وهو عبد الله
стр. 843
ابن رواحة الأنصاري ﵁: [من الرجز]
٦٢٣-
فحبذا ربا وحب دينا
أي: وحبذا دينًا١، فحذف "ذا" ولم يتغير المعنى، ولا يُفعل ذلك بنحو "إذ ما" وأخواته من المركبات التي تغير حكمها بالترتيب، وهو قول ابن درستويه وابن برهان وابن خروف وابن كيسان وابن مالك٢.
قيل: ولا يصح نسبته لظاهر كلام سيبويه والخليل، لأن سيبويه قال٣ حكاية عن الخليل: ولكن "ذا" و"حب" بمنزلة كلمة واحدة نحو: "لولا" وهو اسم مرفوع، ألا ترى أنك لا تقول لا للمؤنث: حبذه. انتهى.
والمخصوص على هذا المذهب مبتدأ، والجملة من الفعل والفاعل خبره، والرابط بينهما اسم الإشارة، وقيل: مبتدأ محذوف الخبر، وقيل: عكسه، وقيل: عطف بيان، وقيل: بدل، "وقيل: ركبا، وغلبت الفعلية لتقدم الفعل، فصار الجميع فعلا" ماضيًا، "وما بعده" من المخصوص "فاعل"، والجملة فعلية، "وقيل: ركبا، وغلبت الاسمية لشرف الاسم فصار الجميع اسمًا مبتدأ وما بعده" من المخصوص "خبره"، والجملة اسمية.
وأصل الخلاف قولان: التركيب وعدمه، وينشأ عن التركيب قولان: فعلية٤ الجميع أو اسميته، ولكل دليل على مدعاه، فاستدل مدعي التركيب بإفراد الإشارة وبلزوم الإفراد والتذكير وبامتناع الفصل٥، ثم استدل مدعي غلبة الفعلية؛ وهو الأخفش وخطاب؛ بتغليب الجزء الأول وتغليب الأكثر حروفًا، وسلامة مدعيها مما٦ لزم مدعي
стр. 844
الاسمية من شذوذ تخالف الخبر والمخبر عنه، ومن تمييز ما ليس بمبهم وهو الممدوح، وبقولهم لا تحبذه، فجاءوا لها بمضارع١.
واستدل مدعي غلبة الاسمية وهو المبرد في مقتضبه٢ وابن السراج في أصوله٣ والسيرافي في "شرح الكتاب" بأن الاسم أشرف، ويستقل به الكلام، ويقع فيه التركيب كثيرًا، وأما "تحبذه" فمضارع "حبذه" إذا قال له: حبذا.
"و" اختلف القائلون بعدم التركيب في علة كونه "لا يتغير "ذتا" عن الإفراد والتذكير، بل يقال": حبذا هند أو "حبذا الزيدان"، في تثنية المذكر، "أو الهندان" في تثنية المؤنث"، "أو" حبذا "الزيدون"، في جمع الذكور: "أو الهندات" في جمع الإناث، على ثلاثة أقوال: فقال ابن مالك٤: "لأن ذلك كلام جرى مجرى المثل السائر" الذي لا يغير عن حالته في الاستعمال الأول. "ما في قولهم: الصيف ضيعت اللبن٥. يقال لكل أحد"، مذكرًا كان أو مؤنثًا, مفردًا أو مثنى أو مجموعًا، "بكسر التاء وإفرادها"، لأنه في الأصل خطاب لامرأة كانت تحت رجل موسر، فكرهته لكبر سنه فطلقها، فتزوجها رجل شاب فقير، فبعثت إلى زوجها الأول تسترفده فقال لها هذا. والصيف: منصوب على الظرفية. قاله الجوهري. والمثَلُ، بفتح المثلثة: قول مركب مشهور، شبه مضربه بمورده.
"وقال ابن كيسان: لأن المشار إليه" مصدر "مضاف" إلى المخصوص، "محذوف، أي: حبذا حُسْنُ هند"، وكذلك الباقي٦، ورده ابن العلج بأنه لم ينطق به في وقت٧.
وقال الفارسي في البغداديات٨: لأن "ذا" جنس شائع، فالتزم فيه الإفراد كفاعل نعم وبئس المضمر، ولهذا يجامع التمييز فيقال: حبذا زيد رجلا.
стр. 845
"ولا يتقدم المخصوص على: حبذا" فلا يقال: زيد حبذا، كما يقال: زيد نعم الرجل، "لما ذكرنا من أنه كلام جرى مجرى المثل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٤-
وأول ذا المخصوص أيا كان لا ... تعدل بذا فهو يضاهي المثلا
"وقال ابن بابشاذ١": إنما امتنع تقديم المخصوص على "حبذا" "لئلا يتوهم أن في "حب" ضميرًا" مرفوعًا على الفاعلية يعود على المخصوص، "وأن "ذا" مفعول" به قال ابن مالك٢: وتوهم هذا بعيد، فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله. ثم علله بجريانه مجرى المثل، كما تقدم.
"تنبيه: إذا قلت: حب الرجل زيد، فـ: حب، هذه من باب: فعُلَ" المضموم العين "المتقدم ذكره" في الفصل قبله، "ويجوز في حائه٣ الفتح" مع التخفيف٤ وعدمه، "والضم" بنقل حركة العين إليها٥ "كما تقدم" من أنه يجوز أن تسكن عينه، وأن تنقل حركته إلى فائه، وإن لم تكن الفاء حلقية، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٥-
وما سوى ذا ارفع بحب أو فجر ... بالبا..............................
"فإن قلت: حبذا، ففتح الحاء واجب" للتركيب، "إن جعلتهما كالكلمة الواحدة"، وإلا فجائز.
стр. 846
باب أفعَلِ التفضيل:
وهو الوصف المبني على أفعل لزيادة صاحبة على غيره في أصل الفعل، وأما خير وشر، في التفضيل، فأصلهما: أخير وأشر، فحذفت الهمزة بدليل ثبوتها في قراءة أبي قلابة: "مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشَرُّ" [القمر: ٢٦] بفتح الشين وتشديد الراء١، وقول الشاعر: [من الرجز]
٦٢٤-
بلال خير الناس وابن الأخير
واختلف في سبب حذف الهمزة منهما، فقيل٢: لكثرة الاستعمال، وقال الأخفش: لأنهما لما لم يشتقا من فعل خولف لفظهما, فعلى هذا فيهما شذوذان: حذف الهمزة، وكونهما لا فعل لهما، وأما قوله: [من البسيط]
٦٢٥-
وزادني كلفا في الحب أن منعت ... وحب شيء إلى الإنسان ما منعا
стр. 847
فضرورة، "إنما يصاغ التفضيل مما صيغ منه فعلا التعجيب"، وهو كل فعل ثلاثي متصرف تام مثبت قابل للتفاضل، مبني للفاعل، ليس الوصف منه على أفعل فعلاء. "فيقال" من باب "ضرب يضبب": "هو أضرب، و" من باب "علم يعلم": "أعلم، و" من باب فضل يفضل: هو "أفضل، كما يقال" في التعجب منها: "ما أضربه، و" ما "أعلمه، و" ما "أفضله"، وأعلم به وأفضل به، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٦-
صغ من مصوغ منه للتعجيب ... أفعل للتفضيل وأب اللذ أبي
"وشذ بناؤه من" اسم عين نحو: هو أحنك البعيرين، بنوه من الحنك، وهو اسم عين، والمعنى: آكلهما، أي: أشدهما أكلا، "ومن وصف لا فعل له كـ: هو أقمن به، أي: أحق"، بنوه من قولهم: هوم قمن، أي: حقيق، "و" هو "ألص من شظاظ"١ بنوه من قولهم: هو لص، بكسر اللام، أي: سارق. وشظاظ، بكسر الشين وبظاءين معجمتين٢: اسم لص معروف من بني ضبة٣، ونقل ابن القطاع له فعلا فقال٤: يقال: لص، إذا أخذ المال خفية، فعلى هذا لا شذوذ.
"و" شذ بناؤه "مما زاد على ثلاثة كـ: هذا الكلام أخصر من غيره"، بنوه من "اختصر" فقيه شذوذان: كونه مبنيًّا للمفعول، وكونه زائدًا على الثلاثة، كما تقدم في التعجب [منه] ٥.
"وفي" بنائه من الفعل الماضي الذي على وزن "أفعل؛ المذاهب الثلاثة" المتقدمة في التعجب، فقيل: يجوز مطلقا، وقيل: يمتنع مطلقًا، وقيل، يجوز إن كانت الهمزة لغير النقل.
["وسُمع" شذوذًا على القول بالمنع مطلقًا، وعلى المنع في أحد شقي التفضيل: "هو أعطاهم للدراهم، وأولاهم للمعروف] ٦، و" سُمع شذوذًا على الثاني: "هذا المكان أقفر٧ من غيره".
стр. 848
"و" سمع بناؤه "من فعل المفعول كـ: هو أزهى من ديك١" بنوه من "زهي" بمعنى "تكبر". قال في الصحاح٢: لا تتكلم به العرب إلا مبنيا للمفعول، وإن كان بمعنى الفاعل. وحكى ابن دريد٣: "زها يزهو: أي: تكبر"، فعلى ما حكاه ابن دريد لا شذوذ فيه، لأنه من المبني للفاعل.
"و" سمع: "هو٤ "أشغل من ذات النحيين"٥ بنوه من "شغل" بالبناء للمفعول، والنحيين: تثنية نحي، بكسر النون وسكون الحاء المهملة: زق السمن، وذات النحيين: امرأة من بني تميم اللات بن ثعلبة، كانت تبيع السمن في الجاهلية، فأتى خوات بن جبير الأنصاري قبل إسلامه فساومها، فحلت نحيا منهما مملوءًا، فقال لها: أمسكيه حتى أنظر إلى غيره، ثم حل الآخر وقال: أمسكيه، فلما شغل يديها حاورها حتى قضى منها ما أراد وهرب، ثم أسلم خوات فشهد بدرًا ﵁.
"و" سمع: هو "أعني بحاجتك"٦، بنوه من "عني" بالبناء للمفعول، وسمع فيه "عني" كـ: رضي، بالبناء للفاعل، فعلى هذا لا شذوذ فيه.
"وما توصل به إلى التعجب مما لا يتعجب منه بلفظه يتوصل به إلى التفضيل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٧-
وما به إلى تعجب وصل ... لمانع به إلى التفضيل صل
"ويجاء بعده بمصدر ذلك الفعل تمييزًا٧: فيقال: هو أشد استخراجًا وحمرة"، ويستثنى من ذلك فاقد الصوغ٨ للفاعل، والفاقد للإثبات، فإن أشد يأتي هناك ولا يأتي هنا، وذلك مستفاد من قول الموضح: ويجاء بمصدر ذلك الفعل تمييزًا، لأن المؤول بالمصدر معرفة والتمييز واجب التنكير، كما نبه عليه الموضح في الحواشي.
стр. 849
فصل:
"ولاسم التفضيل ثلاث حالات:
إحداها: إن يكون مجردًا من "أل" والإضافة، فيجب له حكمان:
أحدهما" في نفسه، وهو "أن يكون مفردًا مذكرًا دائمًا"، ولو كان مسندًا إلى مؤنث أو مثنى أو مجموع نحو قولك: زيد أفضل من عمرو، وهند أفضل من عمرو، والزيدان أفضل من عمرو١، والهندان أفضل من عمرو، والزيدون أفضل من عمرو، والهندات أفضل من عمرو، و"نحو" قوله تعالى: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: ٨] "ونحو" قوله تعالى: " ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ... ﴾ الآية"، إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] فأفرد في الآية الأولى مع الاثنين، وفي الآية الثانية مع الجماعة.
"ومن ثم" أي ومن أجل أن أفعل التفضيل إذا تجرد من "أل" والإضافة لزمه٢ التذكير والإفراد٣ "قيل في أُخَرَ", بضم الهمزة، جمع أخرى أنثى آخر، بالفتح، ["إنه معدول عن آخر" الموازن لأفعل التفضيل، وليس من باب "أفعل التفضيل" حقيقة، لأنه لا يدل على] ٤ مشاركة وزيادة، ولذلك لم يجعله ابن مالك من باب "أفعل" ولا ملحقا به، بل ملحقًا بالملحق به٥، وهو "أول" لأنه به أنسب، لأنه أشبهه في الوزن، وكون معناه نسبيًّا، وكونه لا يدل على زيادة، وعلى الإلحاق به فهو يخالف باب "أفعل" في ثلاثة أمور:
стр. 850
أحدهما: أنه يطابق، ولو كان نكرة.
الثاني: أنه لا يليه "مِنْ" لا لفظًا ولا تقديرًا.
الثالث: أنه لا يضاف.
"و" من ثم؛ أيضًا؛ قيل "في قول" أبي نواس الحسن "ابن هانئ" الحكمي يصف الخمرة: [من البسيط]
٦٢٦-
كأن صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
"إنه لحن", حيث أنث١ "صغرى وكبرى" وكان حقه أن يقول: كأن أصغر وأكبر، بالتذكير. وأجيب "عنه"٢ بأنه لم يقصد حقيقة المفاضلة، فهو كقول العروضيين، فاصلة صغرى، وفاصلة كبرى، وقول الفرزدق: [من الطويل]
٦٢٧-
إذا غاب عنكم أسود الليل كنتم ... كرامًا وأنتم ما أقام ألائم
أي: لئام. والفقاقع، بفتح الفاء والقاف، وبعد الألف قاف مكسورة وفي آخره عين مهملة: النفاخات التي تعلو وجه الخمرة.
وسبب تلقيبه بأبي نواس؛ بنون مضمومة بعدها واو لا همزة؛ أنه كان له ذؤابتان تنوسان: أي تتحركان٣ على عاتقه.
"و" الحكم "الثاني" فيما بعد "أفْعَلَ" "أن يؤتى بعده بـ"من" جارة للمفضول" كما تقدم من الأمثلة وهي عند المبرد وسيبويه لابتداء الارتفاع في نحو: "أفْضَلَ منه" وابتداء الانحطاط في نحو "شر منه".
стр. 851
واعترضه ابن مالك بأنها لا تقع بعدها "إلى" واختار أنها للمجاوزة، فإن معنى "زيدُ أفضلُ من عَمْرو" جاوز زيدٌ عمرًا في الفضل١.
واعترضه في المغني٢ بأنها لو كانت للمجاوزة لصح في موضعها "عن" ودُفع بأن صحة وقوع المُرادف موقع مرادفه إنما هو إذا لم منع مانع من ذلك٣، وههنا منع مانع وهو الاستعمال، فإن اسم التفضيل لا يصاحب من حروف الجر إلا "مِنْ" خاصة.
"وقد تحذف "مِنْ"٤ مع مجرورها" للعلم بها "نحو: ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ " [الأعلى: ١٧] أي: من الحياة الدنيا. "وقد جاء الإثبات والحذف في: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] أي: منك"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٨-
وأفعل التفضيل صله أبدا ... تقديرا او لفظا بمن إن جردا
"وأكثر٥ ما تحذف "من"" مع المفضول "إذا كان "أفعَلُ"٦ خبرا" في الحال، أو في الأصل، فيشمل خبر المبتدأ وخبر "كان" و"إن" وثاني مفعولي "ظن" وثالث مفاعيل "أَعْلَمَ" نحو: زيد أفضل، وكان زيد أفضل، وإن زيدا أفضل، وظننت زيدا أفضل، وأعلمت زيدا عمرا٧ أفضل. "ويقل" الحذف "إذا كان" أفعل "حالا، كقوله": [من الطويل] .
٦٢٨-
دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا ... فظل فؤادي في هواك مضللا
فـ "أجمل" حال من تاء المخاطبة في "دنوت"، و"كالبدر" مفعول ثان لـ: خلناك، "أي: "دنوت أجمل من البدر" وقد خلناك مثله". قاله ابن مالك٨ في شرح التسهيل٩.
стр. 852
"أو" إذا كان أفْعَلُ١ "صفة، كقوله" وهو أحيحة بن الجلاح: [من الرجز]
٦٢٩-
تروحي أجدر أن تقيلي ... غدًا بجنبي بارد ظليل
فـ"أجدر" صفة لمحذوف هو وعامله المعطوف على "تروحي" "أي: تروحي وائتي مكانًا أجدر من غيره، بأن تقيلي فيه" غدًا، قاله ابن مالك في شرح الكافية٢، وفيه إشارة إلى أن الخطاب لناقته، وهو من "التروح" بمعنى الرواح وقت العشي، و"أجدر" بالجيم: أي أحق، وتقيلي: من القيلولة، وهو النوم وقت الظهيرة.
وقال العيني٣: إن الخطاب للفسيل، وهي صغار النخل، من تروح النبت، إذا طال، وأنه كنى بالقيلولة عن نموها وزهوها، وادعى أن السوابق واللواحق تشهد لذلك، وجنبي: تثنية جنب، مضاف إلى "بارد" و"ظليل" وهما وصفان لموصوفين محذوفين، والأصل: بجنبي ماء بارد ظليل، وحذف العاطف.
"ويجب تقديم "من" ومجرورها عليه" أي: على أفعل، "إن كان المجرور" بـ"من" "استفهامًا"، لأن الاستفهام له صدر الكلام، "نحو: أنت ممن أفضل؟ " فالأصل: أنت أفضل ممن؟ ٤ فقدم "ممن" على عامله، وهو "أفضل" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٠٢-
وإن تكن بتلو من مستفهما ... فلهما كن أبدًا مقدما
وتمثيل الموضح أحسن من تمثيل الناظم بقوله:
٥٠٣-
كمثل ممن أنت خير.... ... ...............................
لما فيها من الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، لأن المبتدأ أجنبي من الخبر، بمعنى أنه ليس معمولا له على الصحيح، وسيأتي أنه لا يفصل بين أفعل و"من" بالمبتدأ، لأنهما بمنزلة المضاف والمضاف إليه. ولا يلزم من تمثيل الموضح تأخير ما له صدر الكلام عن صدريته، لأن ذلك إنما يمتنع بالنسبة إلى العامل فيه فقط، لا مطلقًا.
стр. 853
"أو" كان المجرور بـ"من" "مضافًا إلى الاستفهام نحو: أنت من غلام من أفضل؟ " والأصل: أنت من غلام من؟ فقدمت "من" ومجرورها على "أفضل" لأن ما أضيف إلى ما له الصدر يستحق التصدير، وما أحسن قول الأمين المحلي في المفتاح: [من الطويل]
عليك بأرباب الصدور فمن غدا ... مضافًا لأرباب الصدور تصدرا١
"وقد تتقدم٢" من٣ مع مجرورها على أفعل "في٤ غير الاستفهام"، وهو الإخبار، "كقوله" وهو جرير: [من الطويل]
٦٣٠-
إذا سايرت أسماء يومًا ظعينة ... فأسماء من تلك الظعينة أملح
فالأصل: فأسماء أملح من تلك الظعينة، فقدم "من" ومجرورها على "أملح" وهو ضرورة عند الجمهور، ونادر عند الناظم حيث قال:
٥٠٣-
..................... ولدى ... إخبار التقديم نزرًا وردا
وذلك لأن أفعل عامل غير متصرف في نفسه، فلم يكن له أن يتصرف في معموله بالتقدم٥ عليه كسائر العوامل غير المتصرفة.
"الحالة الثانية: أن يكون" أفعل مقرونًا "بـ"أل" فيجب له حكمان:
أحدهما: أن يكون مطابقًا لموصوفه" في التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع، وإلى ذلك٦ أشار الناظم بقوله:
٥٠٠-
وتلو ال طبق............... ... ................................
"نحو: زيد الأفضل وهند الفضلى والزيدان الأفضلان" والهندان الفضليان "والزيدون الأفضلون" أو الأفاضل "والهندات الفضليات أو الفضل" بضم الفاء وفتح
стр. 854
الضاد المخففة كـ: الكُبَرُ، فيطابق موصوفه لزومًا، لأنه نقص شبهه بأفعل١ المتعجب به٢ لاقترانه بـ"أل" ومع ذلك لا بد من ملاحظة السماع.
قال أبو سعيد علي بن مسعود في كتابه٣ المستوفى٤ ما ملخصه: ولا يستغنى في الجمع والتأنيث عن السماع، فإن الأشرف والأظرف لم يقل فيهما: الأشارف والشرفى والأظارف والظرفى، كما قيل ذلك في الأفضل والأطول، وكذلك الأكرم والأمجد، قيل فيهما: الأكارم والأماجد، ولم يسمع فيهما: الكرمى والمجدى. انتهى.
"و" الحكم "الثاني: أن لا يؤتى معه بـ: من" لأن "من" و"أل" يتعاقبان، فلا يجتمعان كـ"أل" والإضافة: "فأما قول" ميمون "الأعشى": [من السريع]
٦٣١-
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
"فخرج" جمعه بين "أل" و"من" "على زيادة: أل" في "الأكثر" "أو على أنها"؛ أي: "من" ليست متعلقة بالأكثر المعرف بـ"أل" وإنما هي "متعلقة بـ"أكثر" نكرة"، حال كونه "محذوفًا مبدلا من "أكثر" المذكور" بدل نكرة من معرفة، والأصل: بالأكثر أكثر منهم، أو على أن "من" بمعنى "في" أي: فيهم، أو لبيان الجنس، أي: من بينهم، أو متعلقة بـ: ليس، لما فيه من رائحة قولك، انتفي واغتفر الفصل بين "أفعل" وتمييزه للضرورة. وحصى: تمييز، أي: عددًا، والكاثر: بمعنى الكثير.
الحالة "الثالثة: أن يكون" أفعَلُ٥ "مضافًا: فإن كانت إضافته إلى نكرة لزمه أمران٦: التذكير والتوحيد، كما يلزمان المجرد" من "أل" والإضافة "لاستوائهما
стр. 855
في التنكير"، ولكونهما على معنى "من" وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٤٩٩-
وإن لمنكور يضف أو جردا ... ألزم تذكيرًا وأن يوحدا
"ويلزم في١ المضاف إليه أن يطابق" الموصوف "نحو": زيد أفضل رجل، و"الزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال، وهند أفضل امرأة"، والهندان أفضل امرأتين، والهندات أفضل نساء، إذ قصد ثبوت المزية للأول على جنس المضاف إليه، واحدًا واحدًا، أو اثنين اثنين، أو جماعة جماعة.
والمعنى: زيد أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجلا رجلا، والزيدان أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجلين٢ رجلين، والزيدان أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجالا رجالا، وهند أفضل من جميع النساء إذا فضلن [امرأة امرأة، والهندان أفضل من جميع النساء إذا فضلن امرأتين امرأتين، والهندات أفضل من جميع النساء إذا فضلن] ٣ نساء نسًاء.
فإن قلت: النكرة في سياق الإثبات لا تعم، فمن أين جاء العموم؟ قلت: أجيب عنه بأن العموم فيه باعتبار أصله إذ أصل "زيد أفضل رجل": زيد أفضل الناس إذا عدوا رجلا رجلا، وكذا الباقي. ولذلك صحت الإضافة، لأن أفعل لا يضاف إلا لما هو بعضه٤.
"فأما" قوله تعالى: " ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ " [البقرة: ٤١] بالإفراد، ومقتضى القاعدة "كافرين" بالجمع، ليطابق الواو في "تكونوا" فالجواب ما قاله المبرد: إنه على حذف الموصوف، "والتقدير: أول فريق كافر به".
وقال الفراء٥: إنما وحد لأنه في معنى الفعل: أي: أول من كفر: ولو أريد به الاسم لم يجز إلا الجمع.
وقال محمد بن مسعود بن الزكي في كتاب "البديع": إن النكرة المضاف إليها اسم التفضيل يجب إفرادها، نحو، أنت أفضل رجل، وأنتما أفضل رجل، وأنتم أفضل رجل منه، ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] وذلك هو القياس، لأن النكرة تمييز له،
стр. 856
وقد خفضت بالإضافة، فأشبه مائة رجل، وقد أجازوا قياسًا لا سماعًا أن تثنى وأن تجمع نحو: أنتما أفضل رجلين وأنتم أفضل رجال. انتهى. والمشهور ما عليه الجماعة من وجوب المطابقة في الإضافة إلى النكرة.
"وإن كانت الإضافة إلى معرفة" فهو ثلاثة أقسام:
قسم تقصد زيادته على ما أضيف إليه، وقسم يقصد به زيادة١ مطلقة، وقسم يؤول بما لا تفضيل فيه، "فإن أول أفعل بما لا تفضيل فيه"، أو قصد به زيادة مطلقة "وجبت المطابقة" للموصوف به تشبيهًا بالمعرف بـ"أل" في الأخلاء عن لفظ "من" ومعناها.
وقد يتواردان على مثال٢ واحد "كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان٣"، فيحتمل "أعدلا" أن يؤول لما لا تفضيل فيه "أي: عادلاهم"، لأنهما لم يشاركهما أحد من بني مروان في العدل، ويحتمل أن يراد به زيادة مطلقة. والناقص: هو يزيد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك من مروان، لقب بذلك لأنه نقص أرزاق الجند. والأشج. بالشين المعجمة والجيم: هو عمر بن عبد العزيز ﵁، لقب بذلك لأن بجبينه٤ أثر شجة من دابة ضربته. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٠١-
............................. وإن ... لم تنو فهو طبق ما به قرن
"وإن كان أفعل على أصله من إفادة المفاضلة" على ما أضيف٥ إليه "جازت المطابقة" لشبهه بالمعرف بـ"أل" "كقوله تعالى": ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ " أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا "﴾ [الأنعام: ١٢٣] فـ: أكابر مفعول أول٦ لـ"جعلنا"، و"في كل قرية" في موضوع المفعول الثاني، ومجرميها: مضاف إليه "أكابر"، ولو لم يطابق لقيل: أكبر مجرميها، "و" في بعض النسخ: " ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ " [هود: ٣٧] ولو لم يطابق لقيل: "أرذُلنا".
стр. 857
"و" جاز تركها" أي ترك المطابقة١؛ لشبهه بالمجرد لنية معنى "من" "كقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ " [البقرة: ٩٦] فـ"أحرص" مفعول ثان لـ"تجد"، ولو طابق لقيل: أحرصي, بالياء، "وهذا" الوجه وهو؛ ترك المطابقة؛ "هو الغالب" في الاستعمال، "وابن السراج يوجبه" ويجعل أفعل فيه كالمجرد ويلزم الإفراد والتذكير، ويرده: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣] "فإن قدر "أكابر" مفعولا ثانيًا" لـ"جعلنا"، "و"مجرميها" مفعولا أول"؛ كما قال ابن عطية؛ "فيلزمه المطابقة في المجرد" من "أل" والإضافة، كما قال أبو حيان٢، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٠٢-
......................... وما لمعرفه ... أضيف ذو وجهين عن ذي معرفه
هذا إذا نويت معنى "من".
وذكر صحب "الأمثال السائرة" أن أفعل يأتي في اللغة لنفي المعنى عن الشيئين، نحو قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] أي: لا خير في الفريقين. انتهى.
"مسألة": يتعلق بأفعل التفضيل حروف الجر على نحو تعلقها بـ"أفعل" التعجب، وأما الخفض به فيجوز إن كان المخفوض كلا وأفعل بعضه، وعكسه٣، وأما النصب به فيمتنع منه المفعول به ومعه٣ والمطلق مطلقًا٣، والتمييز إن لم يكن فاعلا معنى، إلا إن كان أفعل مضافًا إلى غيره، ويجوز الباقي.
وأما الرفع به "فإنه يرفع أفعَلُ التفضيل الضمير المستتر في كل لغة، نحو: زيدٌ أفضل"، ففي "أفضل" ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية يعود إلى "زيد" "و" يرفع "الضمير المنفصل والاسم الظاهر في لغة قليلة" حكاها سيبويه٤، وأشار إليها الناظم بقوله:
٥٠٤-
ورفعه الظاهر نزر............. ... ..................................
"كـ: مررت برجل أفضل منه أبوه، أو" أفضل منه "أنت"، بخفض أفضل بالفتحة
стр. 858
على أنه صفة لـ"رجل" ويرفع الأب أو "أنت" على الفاعلية بـ"أفضل" على معنى فاقه في الفضل أبوه أو "أنت" وأكثر العرب يوجب رفع أفضل في ذلك على أنه خبر مقدم، وأبوه أو "أنت" مبتدأ مؤخر، وفاعل أفضل١: ضمير مستتر فيه عائد على المبتدأ، والجملة من المتبدأ والخبر في موضع خفض نعت لـ: رجل، ورابطها الضمير المجرور بـ"من".
"ويطرد ذلك" الرفع للظاهر "إذا حَلَّ" أفعل التفضيل "محل الفعل" مع موافقة المعنى، والفعل يرفع الظاهر، فكذلك ما حل محله، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٠٤-
................... ومتى ... عاقب فعلا فكثيرًا ثبتا
"وذلك إذا٢ كان أفعل صفة لاسم جنس، و"سبقه نفي، وكان مرفوعه أجنبيًّا"، وهو ما ليس ملتبسًا٣ بضمير الموصوف به، "مفضلا" ذلك الأجنبي "على نفسه باعتبارين" مختلفين، "نحو" قول العرب: "ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد٤"، فـ "أحسن" أفعل تفضيل، وهو صفة لـ"رجلا" وهو٥ اسم جنس مسبوق بنفي، ومرفوعه "الكحل" وهو أجنبي من المصوف لكونه لم يتصل بضميره، والكحل مفضل على نفسه باعتبار محلين مختلفين، فباعتبار كونه في عين زيد فاضلا، وباعتبار كونه في عين غيره مفضولا.
والمعنى أن الكحل في عين زيد أحسن من نفسه في عين غيره٦ من الرجال. ونظيره قول الأصوليين: الواحد بالشخص يكون له جهتان كالصلاة في الدار المغصوبة.
والسبب في اطراد رفع [أفعل التفضيل الاسم الظاهر في مثل] ٧ هذا المثال، تهيئته بالقرائن التي قارنته لمعاقبة٨ الفعل على وجه لا يكون بدونها، "فإنه يجوز أن يقال: ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد"، فيؤتى بالفعل، وهو
стр. 859
"يحسن" مكان أفعل التفضيل، وهو "أحسن" ولا يتغير المعنى، قاله ابن مالك١، وناقشه أبو حيان في ذلك٢.
"والأصل أن يقع هذا" الاسم "الظاهر" المرفوع بأفعل التفضيل "بين ضميرين: أولهما للموصوف" بأفعل التفضيل، وهو الهاء في "عينه"، و"ثانيهما للظاهر"، وهو الهاء في "منه" فيكون المفضول مذكورًا، كما مثلنا.
وقد يحذف الضمير الأول العائد إلى الموصوف للعلم به، نحو: ما رأيت رجلا أحسن الكحل منه في عين زيد، والمقدر كالملفوظ، "وقد يحذف الضمير الثاني" العائد إلى "الكحل" فيكون المفضول مقدرًا.
"وتدخل: من" الجارة للمفضول "إما على الاسم الظاهر"، وهو "الكحل" في مثالنا، "أو" تدخل "على محله"، أي محل الكحل وهو العين، "أو" تدخل "على ذي المحل" وهو زيد، "فتقول": ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل "من كحل عين زيد"، بدخول "من" على الاسم الظاهر، وهو الكحل، "أو": ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل "من عين زيد"، بدخول "من" على محل الكحل، وهو العين، "أو": ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل "من زيد" بدخول "من" على ذي المحل، وهو زيد "فتحذف مضافًا" إذا أدخلت "من" على المحل، وهو العين "أو مضافين" إذا أدخلت "من" على ذي المحل وهو زيد.
"وقد لا يؤتى" بعد الاسم الظاهر "المرفوع بشيء" أصلا، وذلك إذا تقدم المفضل على أفعل التفضيل، فيستغنى عما بعد المرفوع، "فتقول: ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل"، فتحذف ضمير "الكحل" ومحله وصاحب محله اختصارًا.
وربما أدخلوا "من" على غير المفضول لفظًا، "وقالوا: ما أحد أحسن به الجميل من زيد، والأصل: ما أحد أحسن به الجميل من حسن الجميل بزيد"، فـ"الجميل الثاني" هو المفضول، وهو "الجميل الأول"، "ثم [إنهم] ٣ أضافوا الجميل إلى زيد لملابسته إياه" في المعنى، فصار التقدير: من جميل زيد، "ثم حذفوا المضاف"، وهو "جميل" وأقاموا المضاف إليه، وهو "زيد" مقامه، فصار: من زيد، "ومثله" قول الناظم:
стр. 860
٥٠٥-
كلن ترى في الناس من رفيق ... أولى به الفضل من الصديق
"والأصل: من ولاية الفضل١ بالصديق"، فـ: الفضل الثاني هو المفضول، وهو الفضل الأول. "ثم" إنهم أضافوا الفضل إلى الصديق لملابسته له في المعنى، فصار التقدير: "من فضل الصديق"، ثم حذفوا المضاف، وهو الفضل٢ الثاني٣، وأقاموا المضاف إليه وهو "الصديق" مقامه فصار: "من الصديق".
وهذا المثال داخل تحت القاعدة، فإن الاسم الظاهر وهو الفضل أجنبي مسبوق بنفي بـ"لن"، مكتنف بضميرين: أولهما ضمير الموصوف، وهو الهاء من "به".
والثاني ضمير الاسم الظاهر، وقد حذف، والأصل: أولى٤ به الفضل منه بالصديق.
والحاصل أن الضميرين تارة يكونان مذكورين: وتارة يكونان محذوفين، وتارة يذكر أحدهما ويحذف الآخر، وإذا حذف ضمير المفضول لم يلزم حذف ضمير الموصوف وبالعكس.
ولما لم يمكنهم أن يجعلوا الاسم الظاهر مبتدأ لئلا يفصلوا به بين أفعل التفضيل و"من" وذلك لا يجوز، رفعوه٥ على الفاعلية، وشرطوا تقدم النفي عليه، وقاس عليه ابن مالك في شرح التسهيل٦ النهي والاستفهام، وتبعه الموضح في شرح القطر٧ ولم يرد به سماع، فالأولى الاقتصار على ما قالته العرب.
стр. 861
باب النعت
مدخل
...
باب النعت:
ويرادفه الصفة والوصف.
"الأشياء التي تتبع ما قبلها في الإعراب" لفظًا أو تقديرًا أو محلا "خمسة: النعت والتوكيد وعطف البيان والنسق والبدل". ويشكل عليه: قام قام زيد١، ونعم نعم، ولا لا، فإنها مشتملة على التوكيد، ولا تبعية في شيء منها.
ودليل الحصر في الخمسة أن التابع إما أن يتبع بواسطة حرف أو لا، الأول عطف النسق، والثاني إما أن يكون على نية تكرار العامل أو لا, الأول البدل, والثاني: إما أن يكون بألفاظ مخصوصة أو لا، الأول التوكيد، والثاني إما أن يكون بالمشتق أول لا، الأول النعت، والثاني عطف البيان، ولها أبواب، وإذا اجتمعت يبدأ بالنعت ثم بالبيان ثم بالتوكيد ثم بالبدل ثم بالنسق، قاله في التسهيل٢.
واختلف في عامل التابع، فأما النعت والتوكيد والبيان فقال الجمهور: العامل فيها هو العامل في المتبوع، ونسب إلى سيبويه٣. وقيل: العامل فيها تبعيتها لما جرت عليه، وهو قول الخليل والأخفش٤.
وأما البدل فقيل: عامله محذوف، وهو قول الجمهور. ويدل لهم٥ ظهوره جارًا
стр. 862
جوازًا مع الظاهر ووجوبًا مع المضمر، نحو: بزيد به. وقال قوم منهم المبرد١: عامله عامل متبوعه. [وهو ظاهر مذهب سيبويه٢، واختاره ابن مالك٣ وابن خروف. وقال ابن عصفور٤: عامله عامل متبوعه على أنه نائب عن العامل المحذوف لا أنه عامل بالأصالة. وأما النسق فقال الجمهور] ٥: عامله عامل متبوعه بواسطة الحرف، وقيل: الحرف، وقيل: محذوف، وإلى ذلك أشار في النظم بقوله:
٥٠٦-
يتبع في الإعراب الأسماء الأول ... نعت وتوكيد وعطف وبدل
"فالنعت عند الناظم" المشار إليه بقوله في النظم:
٥٠٧-
فالنعت تابع متم ما سبق ... بوسمه أو وسم ما به اعتلق
"هو التابع الذي يكمل متبوعه بدلالته على معنى فيه، أو فيما يتعلق به. فخرج بقيد التكميل النسق والبدل"، فإنهما لا يكملان متبوعهما لأنهما لم يوضعا لقصد الإيضاح والتخصيص، ومجيء البدل للإيضاح في بعض الصور عرضي, "و" خرج "بقيد الدلالة المذكورة البيان والتوكيد" فإنهما لا يدلان على معنى في متبوعهما، ولا فيما يتعلق به، أما البيان فلأن ثاني الاسمين هو عين الأول، وأما التوكيد فلأن نفس الشيء. هو الشيء لا معنى فيه. قاله ابن مالك في شرح العمدة. "والمراد بالمكمل الموضح للمعرفة، كـ: جاءني زيد التاجر"، في النعت الحقيقي، أو التاجر أبوه، في النعت السببي، "والمخصص للنكرة كـ: جاء رجل تاجر"، في الحقيقي "أو: تاجر أبوه" في السببي.
واختلف في معنى الإيضاح والتخصيص، فقيل: الإيضاح رفع الاشتراك اللفظي الواقع في المعارف على سبيل الاتفاق، فهو يجري مجرى بيان الجمل، والتخصيص رفع الاشتراك المعنوي الواقع في النكرات على سبيل الوضع، فهو يجري مجرى تقييد المطلق بالصفة، وقيل: الإيضاح رفع الاحتمال في المعارف، والتخصيص تقليل الاشتراك في النكرات.
"وهذا الحد" ليس بجامع لأنه "غير شامل لأنواع النعت، فإن النعت" قد لا
стр. 863
يكون للإيضاح والتخصيص بل "قد يكون لمجرد المدح كـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ " [الفاتحة: ٢] "أو لمجرد الذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، أو للتعميم نحو: إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين، أو للتفصيل نحو: مررت برجلين عربي وأعجمي، أو للإبهام نحو: تصدق بصدقة قليلة أو كثيرة، "أو للترحم، نحو: اللهم أنا عبدك المسكين، أو للتوكيد نحو:" ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ " نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ "﴾ [الحاقة: ١٣] .
وجوابه أن الأصل في النعت أن يكون للإيضاح أو للتخصيص، وكونه لغيرهما إنما هو بطريق العرض مجازًا عن استعمال الشيء في غير ما وضع له.
стр. 864
فصل:
"ويجب موافقة النعت لما قبله فيما هو موجود فيه من أوجه الإعراب الثلاثة": الرفع والنصب والجر، "ومن التعريف والتنكير، تقول" في التعريف: "جاءني زيد الفاضل" برفعهما "ورأيت زيدًا الفاضل" بنصبهما "ومررت بزيد الفاضل" يجرهما "و" تقول في التنكير: "جاءني رجل فاضل"، ورأيت رجلا فاضلا، ومررت برجل فاضل.
"كذلك" فلا يجوز تخالفهما في الإعراب، لأن ذلك يخل بالتبعية، ولا تخالفهما في التعريف والتنكير، لأن التعريف يقتضي كون ذلك المعين مدلولا عليه بحسب تعيينه، والتنكير يقتضي كون ذلك المعين غير مدلول عليه بحسب تعيينه، فالجمع بينهما جمع بين النفي والإثبات، وهو محال. قاله الفخر الرازي، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٠٨-
وليعط التعريف والتنكير ما ... تلا كامرر بقوم كرما
"وأما الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، فإن رفع الوصف" الحقيقي أو المجازي "ضمير الموصوف المستتر وافقه فيها" أيضًا. ونعني بالوصف الحقيقي أن يجري على من هو له، "كـ: جاءتني امرأة كريمة"، ورجل كريم، "ورجلان كريمان، ورجال كرام"، ففي الوصف في الجميع ضمير مستتر يعود على الموصوف باعتبار حاله في التذكير والتأنيث والتثنية والجمع. "وكذلك" تقول في التعريف: جاءتني المرأة الكريمة والرجلان الكريمان والرجال الكرام.
ونعني بالوصف المجازي أن يجري على غير من هو له إذا حول الإسناد عن الظاهر إلى ضمير الموصوف، وجر الظاهر بالإضافة إن كان معرفة، ونصب على التمييز إن كان نكرة نحو: "جاءتني امرأة كريمة الأب" بالإضافة "أو كريمة أبا" بالتمييز، "وجاءني رجلان كريما الأب"؛ بالإضافة؛ "أو كريمان أبًا"؛ بالتمييز، "وجاءني رجال كرام الأب" بالإضافة "أو كرام أبًا" بالتمييز، فيوافق النعت منعوته في الإفراد والتثنية
стр. 865
والجمع، والتذكير والتأنيث، مع موافقته له في أوجه الإعراب الثلاثة، وفي التعريف والتنكير. وتكمل له الموافقة في أربعة من عشرة١، "لأن الوصف في ذلك كله رافع لضمير الموصوف المستتر" أصالة أو تحويلا، ويستثنى من ذلك شيئان:
أحدهما: الوصف باسم التفضيل إذا استعمل بـ"من" أو أضيف إلى نكرة، فإنه٢ يلزمه الإفراد والتذكير، ولم يوافق في التأنيث والتثنية والجمع، نحو: مررت برجل أفضل من زيد، وبرجلين أفضل من زيد، وبرجال أفضل من زيد، وبامرأة أفضل من زيد، وبامرأتين أفضل من زيد، وبنساء أفضل من زيد، وكذلك: مررت برجل أفضل شخص، وبرجلين أفضل شخصين، وبرجال أفضل شخوص ... إلى آخر المثل٣.
والثاني: الوصف بما يستوي فيه المذكر والمؤنث من الأوصاف الآتية على وزن فعول بمعنى فاعل وفعيل بمعنى مفعول، إذا كان جاريًا على موصوفه نحو: رجل صبور، وامرأة صبور، ورجل قتيل، وامرأة قتيل.
"وإن رفع" الوصف الاسم "الظاهر أو" رفع "الضمير البارز أعطي" الوصف "حكم الفعل، ولم يعتبر حال الموصوف" في الإفراد والتذكير، والتأنيث والتثنية والجمع، "تقول" في الوصف إذا رفع الظاهر: "مررت برجل قائمة أمه"، بتأنيث قائمة، لأنها مسندة إلى الأم، وإن كان الموصوف مذكرًا، "وبامرأة قائم أبوها" بتذكير قائم، لأنه مسند إلى الأب، وإن كان الموصوف مؤنثًا، "كما تقول" في الفعل: "قامت أمه" في المثال الأول، "وقام أبوها" في المثال الثاني، "و" تقول: "مررت برجلين قائم أبواهما٤" بإفراد قائم، وإن كان المنعوت مثنى، "كما تقول" [في الفعل] ٥: "قام أبواهما" بإفراد الفعل.
"ومن قال" من العرب كطيئ وأزد شنوءة: "قاما أبواهما" بإلحاق علامة التثنية في الفعل المسند إلى المثنى الظاهر، "قال" في الوصف إذا أسنده إلى المثنى الظاهر:
стр. 866
"قائمين أبواهما١" بتثنية الوصف.
"وتقول" في جمع التذكير: "مررت برجال قائم آباؤهم" بإفراد قائم، وإن كان الموصوف جمعًا، "كما تقول" في الفعل: "قام آباؤهم" بإفراد الفعل عن علامة الجمع.
"ومن قال" من العرب المتقدم ذكرهم: "قاموا آباؤهم" بإلحاق علامة الجمع في الفعل المسند إلى الجمع الظاهر كما في "أكلوني البراغيث"، "قال" في الوصف إذا أسند إلى الجمع الظاهر: "قائمين آباؤهم" بجمع الوصف جمع السلامة٢. "و" لكنهم خالفوا حكم الفعل إذا كان الاسم المرفوع بالوصف جمعًا، فأجازوا تكسير الوصف ثم قال سيبويه٣ والمبرد وأبو موسى: "جمع التكسير" في الوصف "أفصح من الإفراد كـ: قيام آباؤهم٤".
وقال الأبدي والشلوبين وطائفة: إفراد الوصف من تكسيره٥، وفصل آخرون فقالوا: إن كان النعت تابعًا لجمع كـ: مررت برجال قيام آباؤهم، فالتكسير أفصح، وإن كان لمفرد أو مثنى كـ: مررت برجل قاعد غلمانه، وبرجلين قاعد غلمانهما، فالإفراد، أفصح. واتفق الجميع على أن الإفراد أفصح من جمع السلامة.
وتقول في الوصف إذا رفع الضمير البارز: جاءني غلام امرأة ضاربته هي، وأمة رجل ضاربها هو، كما تقول: ضربته هي وضربها هو، وجاءني غلام رجلين ضاربه هما، كما تقول: ضربه هما، ومن قال: ضرباه هما قال: ضارباه هما.
وتقول: جاءني غلام رجال ضاربه هم، كما تقول: ضربه هم، ومن قال: ضربوه، هم قال: ضاربوه هم، وجمع التكسير كـ: ضواربه هم، أفصح من الإفراد، كما تقدم حرفًا بحرف، وذلك مستفاد من قول الناظم:
٥٠٩-
وهو لدى التوحيد والتذكير أو ... سواهما كالفعل..................
стр. 867
فصل:
"والأشياء التي ينعت بها أربعة" كما في النظم:
"أحدها: المشتق" وهو المشار إليه في النظم بقوله:
٥١٠-
وانعت بمشتق.......... ... ..............................
وهو في الأصل ما أخذ من لفظ المصدر للدلالة على معنى منسوب إلى المصدر١، "والمراد به" هنا "ما دل على حدث وصاحبه" ممن قام به الفعل أو وقع عليه، "كـ: ضارب" من أسماء الفاعلين "ومضروب" من أسماء المفعولين، وما كان بمعناهما.
فمما هو بمعنى اسم الفاعل أمثلة المبالغة، كـ: ضراب، "و" الصفة المشبهة نحو: "حسن، و" اسم التفضيل المبني من فعل الفاعل نحو: "أفضل"، ومما هو٢ بمعنى اسم المفعول كـ: قتيل بمعنى مقتول، واسم التفضيل المبني من فعل المفعول نحو: أجن. من عمرو، وخرج من ذلك ما اشتق لزمان أو مكان أو آلة، فإنه لا ينعت به، فلا يرد نقضًا.
"الثاني": مما ينعت به "الجامد المشبه للمشتق في المعنى"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥١٠-
............................... ... وشبهه......................
وهو ما يفيد من المعنى ما يفيده المشتق "كـ: اسم الإشارة" غير المكانية، "وذي بمعنى صاحب" وفروعها، "وأسماء النسب" وهي المنبه عليها في الناظم بقوله:
٥١٠-
.................................. ... ......... كذا وذي والمنتسب
فاسم الإشارة تنعت به المعارف، "تقول: مررت بزيد هذا، و" "ذو" بمعنى صاحب ينعت بها النكرات، تقول: مررت "برجل ذي مال، و" أسماء النسب ينعت بها
стр. 868
النكرات والمعارف، تقول: مررت "برجل دمشقي"، وبالرجل الدمشقي، بفتح الميم ويجوز الكسر١.
وإنما قلنا: إن هذه الأنواع الثلاثة أفادت من المعنى ما يفيده المشتق، "لأن" لفظة "هذا" "معناها الحاضر"، ولفظة "ذي مال" معناها "صاحب مال، و" لفظة "دمشقي" معناها: "منسوب إلى دمشق"، فلما أفادت ما يفيده المشتق من المعنى صح النعت بها. ويقاس على هذه الأمثلة ما أشبهها، فيقاس على اسم الإشارة جميع الموصولات إلا "من" و"ما" وعلى ذي الصاحبية ذو٢ الطائية وفروعها، وعلى المنسوب بالياء نحو: تمار وتامر وتمر، مما هو منسوب إلى التمر فيهن. وأما الأسماء المكانية نحو: مررت برجل هنا أو هناك أو "ثم" فمتعلقة بمحذوف صفة لـ: رجل، لأنها ظروف وليس صفات.
"الثالث": مما ينعت به "الجمل"، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٥١١-
ونعتوا بجملة منكرًا ... ........................
"وللنعت بها ثلاثة شروط:
شرط في المنعوت: وهو أن يكون نكرة إما لفظًا ومعنى نحو ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فجملة "ترجعون" في موضع نصب نعت لـ: يومًا، وهو نكرة لفظًا ومعنى، والرابط بينهما الضمير المجرور بـ: "في".
"أو" نكرة "معنى لا لفظًا: وهو" الاسم "المعرف بـ"أل" الجنسية، كقوله"؛ وهو رجل من بني سلول: [من الكامل]
٦٣٢-
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فأعف ثم أقول لا يعنيني
стр. 869
فجملة "يسبني" في موضع جر نعت لـ"اللئيم"١ وهو الدنيء الأصل الشحيح النفس، وصح نعته بالجملة نظرًا إلى معناه، فإن المعرف بـ"أل" الجنسية لفظه معرفة ومعناه نكرة. قاله ابن مالك في شرح التسهيل٢.
وقال أبو حيان في الارتشاف٣: ولا ينعت بالجملة٤ المعرف بـ"أل" الجنسية، خلافًا لمن أجاز ذلك. انتهى. ويجوز أن تكون الجملة حالا نظرًا إلى لفظه.
وبقي شرط آخر في المنعوت بالجملة، وهو أن يكون مذكورًا إذا لم يكن بعض اسم متقدم مجرور بـ: من أو في، كما سيأتي.
"وشرطان في الجملة:
أحدهما: أن تكون مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف، إما ملفوظ به، كما تقدم" في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] . "أو مقدرًا" أما مرفوع كقوله: [من الكامل] .
٦٣٢-
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارًا عليك ورب قتل عار
أي: هو عار. أو منصوب كقوله: [من الوافر]
٦٣٤-
............... ... ...............
وما شيء حميت بمستباح
أي: حميته. أو مجرور بـ: في، إذا كان المنعوت بالجملة اسم زمان "كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: لا تجزي فيه".
стр. 870
وهل حذف الجار والمجرور معًا، أو حذف الجار وحده، فانتصب الضمير واتصل بالفعل ثم حذف منصوبًا؟ قولان: الأول عن سيبويه١، والثاني عن الأخفش٢. أو مجرور بـ"من" عائد على ظرف أو غيره: فالأول نحو: شهر صمت يومًا مباركًا، أي: منه، والثاني نحو: عندي بر كر بدرهم، أي: منه.
"و" الشرط "الثاني: أن تكون الجملة خبرية، أيك محتملة للصدق والكذب"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥١١-
............................... ... فأعطيت ما أعطيته خبرا
"فلا يجوز" النعت بالجملة الطلبية والإنشائية فلا يقال: "مررت برجل اضربه، ولا: مررت بعبد بعتكه، قاصدًا لإنشاء البيع" لا الأخبار بذلك، لأن الطلب والإنشاء لا خارجي لهما يعرفه المخاطب فيتخصص به المنعوت، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥١٢-
وامنع هنا إيقاع ذات الطلب ... ....................................
"فإن جاء" من لسان العرب "ما ظاهره ذلك يؤول على إضمار القول"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥١٢-
................................. ... وإن أتت فالقول أضمر تصب
لأن القول كثر إضماره في الكلام، "كقوله" وهو العجاج؛ على ما قيل؛ يذكر أن قومًا أضافوه فأطالوا عليه حتى دخل الليل، ثم جاءوا بلبن مخلوط بالماء حتى صار لونه في العشية يشبه لون الذئب: [من الرجز]
٦٣٥-
حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
стр. 871
فظاهره أن جملة الاستفهام وهي: هل رأيت الذئب قط١: نعت لـ: مذق، فوجب تأويلها على أن الصفة قول محذوف، وجملة الاستفهام معمول الصفة، "أي: جاءوا بلبن مخلوط بالماء مقول عند٢ رؤيته": هل رأيت الذئب٣ قط؟
وقال ابن عمرون: "الأصل: بمذق مثل لون الذئب، هل رأيت الذين٤ يقولون: مررت برجل مثل كذا، هل رأيت كذا٥. وفي الحديث: "كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "فإنهما مثل شوك السعدان" ٦. ثم حذف "مثل لون الذئب" وبقي: هل رأيت الذئب؟ فتأولوه بمقول عند رؤيته "هذا الكلام"، فـ: "مقول" هو الصفة وجملة الاستفهام معمول لها". انتهى.
والمذق، بفتح الميم وسكون الذال المعجمة: مصدر قولك: مذقت اللبن، إذا مزجته بالماء، والمراد به هنا الممذوق مبالغة، والمعنى: جاءوا بلبن سمار فيها لون الورقة٧ التي هي لون الذئب. والسمار: اللبن الرقيق، والورقة: بياض يضرب إلى سواد.
"الرابع": مما ينعت به "المصدر" سماعًا بشروط: أحدها: أن لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. الثاني: أن يكون مصدر ثلاثي أو بزنة مصدر٨ ثلاثي. الثالث: أن لا يكون ميميًّا. وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥١٣-
ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا
"قالوا: هذا رجل عدل" بفتح العين٩ "ورضا" بكسر الراء "وزور" بفتح الزاي "وفطر" بكسر الفاء.
والثلاثة الأولى١٠ مصادر حقيقة، والرابع اسم مصدر، فإن فعله أفطر، "و" هو كثير، ومع كثرته يقتصر فيه على السماع.
стр. 872
فإن قلت: كيف صح أن يكون اسم المعنى نعتًا للذات؟ قلت: صح "ذلك عند الكوفيين على التأويل بالمشتق"، اسم فاعل أو مفعول "أي: عادل" اسم فاعل عدل، "ومرضي": مفعول رضي، وزائر: اسم فاعل زار، "ومفطر": اسم فاعل أفطر، ويدل لها ما جاء من ذلك مضافًا إلى إضافة غير معنوية نحو: مررت برجل هدك١ وشرعك وحسبك، فدل على لحظ معنى الصفة.
"وعند البصريين: على تقدير مضاف، أي: ذو كذا، ولهذا التزم إفراده وتذكيره، كما يلتزمان لو صرح بـ: ذو" وفروعه، فيقال٢: هذا رجل عدل، وامرأة عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل ونساء عدل، كما يقال: هذا رجل ذو عدل، وامرأة ذات عدل، ورجلان ذوا عدل، ورجال ذوو عدل، ونساء ذوات عدل. وقيل: لا تأويل ولا حذف مضاف، بل على جعل العين نفس المعنى مبالغة مجازًا وادعاء.
وإنما التزم إفراده وتذكيره على القوم الأول والأخير. لأن المصدر من حيث هو مصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فأخبره على أصله، وأما قول العرب: رجل ضيف ورجال أضياف وضيوف وضيفان، وامرأة ضيفة، فقليل.
стр. 873
فصل:
"وإن تعددت النعوت" فتارة تكون لواحد وتارة تكون لغيره، فإن كانت لواحد فسيأتي الكلام١ عليها في فصل يخصها، وإن كانت لغير واحد فهي على ضربين: أحدهما: أن يكون المنعوت مثنى أو مجموعًا من غير تفريق. والثاني: أن يكون مفرقًا، وتفريقه إما لكون التثنية والجمع لا يتأتيان فيه، فيقوم العطف مقامهما، وإما لتعدد عامل المنعوت.
"فإن" كان المنعوت مثنى أو مجموعًا من غير تفريق "واتحد معنى النعت"٢ ولفظه، "استغني بالتثنية والجمع٣ عن تفريقه" بالعطف "نحو: جاءني رجلان فاضلان، ورجال فضلاء".
"وإن اختلف" معنى النعت ولفظه كـ: العاقل والكريم، أو لفظه دون معناه كـ: الذاهب والمنطلق، أو معناه دون لفظه كـ: الضارب، من الضرب بالعصا ونحوها، والضارب من الضرب، في الأرض، أي السير فيها، "وجب التفريق [فيها] ٤ بالعطف"، لأنه أصل التثنية والجمع، "بالواو" خاصة، لأنها الأصل في ذلك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥١٤-
ونعت غير واحد إذا اختلف ... فعاطفا فرقه لا إذا ائتلف
"كقوله": [من الوافر]
٦٣٦-
بكيت وما بكا رجل حزين ... على ربعين مسلوب وبال
стр. 874
فـ: مسلوب وبال: نعتان لـ: ربعين، وعطف أحدهما على الآخر بالواو. والمسلوب: هو الذاهب بالكلية بحيث لم يبق له عين ولا أثر. والبالي: هو الذي ذهب١ عينه وبقي شيء من آثاره، وبكا: مقصور.
"وقولك: مررت برجل شاعر وكاتب وفقيه"، فهذه الثلاثة المتعاطفة بالواو نعوت٢ لـ: رجال٣. والشاعر: هو الذي يأتي بالكلام منظومًا، والكاتب: هو الذي يأتي به منثورًا، والفقيه، من "فقه" بالضم هو الذي صار الفقه له سحية٤.
ويستثنى نعت الإشارة فلا يتأتى فيه التفريق، لا يجوز: مررت بهذين الطويل والقصير، على النعت. قال سيبويه والمبرد والزجاج والزيادي٥، وهو مقتضى القياس، لأن نعت الإشارة لا يكون إلا طبقها في اللفظ، لأنهم جعلوا التطابق في الجامد عوضًا عن الضمير، وحمل المشتق عليه.
قال الزيادي٦: وإن قدرته بدلا أو بيانًا جاز، وقد أجاز سيبويه٧: هذان زيد وعمرو، على البيان، والبيان هنا مخالف للنعت. نقله الموضح في الحواشي.
"وإذا تعددت النعوت٨" مع تفريق المنعوت، "فإن كان" العامل فيها واحدًا، فإن اتحد العامل فالإتباع، نحو: مررت بزيد وعمرو العاقلين، ومررت بشيخ وطفل وعجوز وجلوس، لأن العطف بمثابة التثنية والجمع، وإن اختلف واختلف نسبة العامل إليهما، نحو: ضرب زيد عمرًا الظريفين، فالقطع.
وإن اتحدت، نحو: خاصم زيد عمرًا الكريمان، فالقطع عند البصريين، وإتباع الأخير عند الفراء، وإتباع الأول عند الكسائي، وإتباع أيهما شئت عد ابن سعدان٩.
стр. 875
وإن كان العامل متعددًا و"اتحد لفظ النعت، فإن اتحد معنى العامل وعمله" ولفظه أو جنسه "جاز الإتباع مطلقًا" سواء كان المتبوعان مرفوعين بفعلين أو خبري مبتدأين أو منصوبين أو مخفوضين. فمثال ما اتحد عمله ومعناه ولفظه: ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان، وهذا زيد وهذا عمرو الفاضلان، ورأيت زيدًا، ورأيت عمرًا الظريفين ومررت بزيد ومررت بعمرو الكريمين.
ومثال ما اتحد معناه وعمله وجنسه "كـ: جاء زيد وأتى عمرو الظريفان، وهذا زيد وذاك عمرو العاقلان ورأيت زيدًا" بعيني "وأبصرت خالدًا الشاعرين"، وسقت النفع إلى خالد وسيق لزيد الكاتبين.
ومنع ابن السراج الإتباع في النوع الثاني، وفصل في الأول١ فقال: إن قدر الثاني عاملًا فالقطع، أو توكيدًا والأول هو العامل جاز الإتباع.
"وخصص بعضهم جواز الإتباع بكون المتبوعين فاعلي فعلين" كـ: جاء زيد وأتى عمرو الظريفان، أو خبري مبتدأين كـ: هذا زيد وذاك عمرو العاقلان، أخذا من كلام سيبويه٢، فإنه تكلم بالنص على ذلك فأوهم الاختصاص. قاله ابن مالك في شرح التسهيل. ثم قال٣: "والظاهر تعميم الحكم، إذا لا فرق في القياس بين قولك: ذهب زيد وانطلق عمرو العاقلان، وقولك: أحببت زيدًا وودت عمرًا العاقلين، وقولك: مررت بزيد ومررت بعمرو العاقلين، فإذا جاز الأول جاز هذا".انتهى. وجزم به في النظم فقال:
٥١٥-
ونعت معمولي وحيدي معنى ... وعمل أتبع بغير استثنا
"وإن اختلفا في المعنى والعمل" واللفظ، "كـ: جاء زيد ورأيت عمرًا الفاضلين"، أو اختلفا في المعنى والجنس واللفظ كـ: هذا ناصر زيد ويخذل عمرًا العاقلين٤، "أو اختلف المعنى فقط كـ: جاء زيد ومضى عمرو الكاتبان٥، أو" اختلف "العمل فقط: كـ: هذا مؤلم زيد"؛ بالجر؛ "وموجع عمرًا"؛ بالنصب؛ "الشاعران، وجب القطع" عن المتبوع إما بالرفع على إضمار مبتدأ، أو بالنصب على إضمار فعل.
стр. 876
ويمتنع الإتباع لأنه يؤدي إلى تسليط عاملين مختلفي المعنى أو العمل على معمول واحد من جهة واحدة، بناء على أن العامل في المنعوت هو العامل في النعت, وهو الصحيح١. وأما إذا اتحد العاملان معنى وعملا فلا محذور في الإتباع، لأن العاملين من جهة المعنى شيء واحد، فنزلا منزلة العامل الواحد عند الجمهور. وقال ابن السراج٢ إذا اتفقا لفظًا كان الثاني توكيدًا للأول. والحاصل أن صور العاملين أربع:
إحداها: أن يختلف العاملان في المعنى والعمل كـ: رأيت زيدًا ومررت بعمرو.
الصورة الثانية: أن يختلف العمل قط كـ: مررت بزيد ولقيت عمرًا، وفيهما أربعة أقوال: فالجمهور على منع الإتباع فيهما، وابن الطراوة على جواز الإتباع فيهما للثاني دون الأول، والكسائي والفراء على منع الإتباع في الأولى وجوازه في الثانية، لكن الكسائي يتبع الثاني فيها دون الأول والفراء يعكس ذلك٣.
الصورة الثالثة: أن يختلف المعنى فقط كـ: وجد زيد على عمرو، ووجد عمرو الضالة، أجاز قوم فيها الإتباع، وهم القائلون: إن العامل التبعية٤، ومنعه قوم وهم القائلون: إن عامل المنعوت والنعت واحد٥.
الصورة الرابعة: أن يتحدا معنى وعملا وتحته صورتان:
أن يتحدا لفظًا أو لا، فالأولى٦ نحو: جاء زيد وجاء عمرو العاقلان فيجوز فيها الإتباع، وقيده ابن السراج بأن يقدر الثاني توكيدًا٧. والثانية نحو: جاء زيد وأتى عمرو الظريفان، فأجاز الجمهور فيها الإتباع٨، ومنعه ابن السراج مطلقًا٢. هذا كله مع اتحاد جنس العاملين، فإن اختلفا كـ: هذا زيد وجاء عمرو الظريفان، ومررت بزيد وهذا عمرو الظريفان، ولقيت زيدًا وإن عمرًا في الدار القائمان، فذهب الجمهور إلى منع الإتباع والأخفش والجرمي إلى جوازه٩.
стр. 877
فصل:
إذا لم تتكرر النعوت وكان المنعوت معلومًا بدون النعت حقيقة أو ادعاء، جاز إتباعه وقطعه ما لم يكن لمجرد١ التوكيد نحو: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] ، أو ملتزم الذكر نحو: الجماء الغفير، أو جاريًا على مشار إليه نحو: بهذا الرجل، فلا يجوز القطع في شيء منها.
"وإذا تكررت النعوت لواحد، فإن تعين مسماه بدونها جاز إتباعها كلها وقطعها" كلها "والجمع بينهما"أي: بين القطع والإتباع، "بشرط تقديم" النعت "المتبع" على النعت المقطوع، "وذلك كقولك خرنق"، بكسر الخاء المعجمة والنون بينهما راء ساكنة، بنت هفان القيسية أخت طرفة بن العبد لأمه، ترثي زوجها بشر بن عمرو بن مرثد، ومن قتل معه من بنيه وقومه: [من الكامل]
٦٣٧-
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
النازلون بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر
فـ "قومي": فاعل "يبعدن" بفتح الياء والعين، وهو دعاء خرج مخرج النهي، أي: لا يهلكن، وهو من بَعِدَ الرجل يبعَدُ بعدًا؛ كفرح يفرح فرحًا؛ إذا هلك، وفي التنزيل: ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] فإن قيل: كيف دعت لقومها بأن لا يهلكوا وهم قد هلكوا؟
стр. 878
أجيب بأن العرب قد جرت على عادتها في استعمال هذه اللفظة في الدعاء، ولهم في ذلك غرضان:
إحدهما: أنهم يريدون بذلك استعظام موت الرجل الجليل، وكأنهم لا يصدقون بموته. والثاني: أنهم يريدون الدعاء له بأن يبقى ذكره ولا يذهب، لأن بقاء ذكر الإنسان بعد موته بمنزلة حياته.
والعداة: جمع عاد، وهو العدو بعينه، ولا يجوز أن يكون جمع عدو، لأن فعولا لا يجمع على فعلة. والجزر: جمع جزور، وهي الناقة التي تتخذ للنحر، والمعترك: موضع القتال، ومعاقد: جمع معقد، والأزر: جمع إزار.
والمعنى: لا يهلكن قومي الذين هم سم على أعدائهم وآفة لإبلهم، لأنهم كانوا ينحرونها لأضيافهم.
والنزول في الحرب على ضربين: أحدهما في أول الحرب، وهو أن ينزلوا عن إبلهم ويركبوا خيلهم، والثاني: في آخرها، وهو أن ينزلوا عن خيلهم ويقاتلوا على أقدامهم إذا كان القتال في موضع وعر لا مجال فيه للخيل.
والطيبون معاقد الأزر: كناية عن عفة الفرج، تريد: أنهم لا يعقدون مآزرهم على فرج زانية. كانت العرب إذا وصفوا الرجل بطهارة الإزار والذيل أرادوا أنه لا يزني، وإذا وصفوه بطهارة الكم أرادوا أنه لا يخون ولا يسرق، وإذا وصفوه بطهارة الجيب أرادوا أن قلبه لا ينطوي على غش ولا مكر.
"و" المقصود من البيت أنه "يجوز فيه رفع "النازلين والطيبين" على الإتباع لـ: قومي، أو على القطع بإضمار مبتدأ" تقديره: "هم، و" يجوز "نصبهما" على القطع أيضًا "بإضمار" فعل تقديره: هم، ويجوز نصبهما على القطع أيضًا بإضمار فعل تقديره: "أمدح أو أذكر، و" يجوز "رفع الأول" وهو "النازلون" على الإتباع لقومي، أو على القطع بإضمار"هم" "و" يجوز "نصب الثاني" وهو "الطيبون" على القطع بإضمار "أمدح" أو "أذكر" على ما ذكرنا.
"و" يجوز "عكسه" وهو نصب الأول ورفع الثاني "على القطع فيها" لا على الإتباع في الثاني، لأنه مسبوق بنعت مقطوع، والإتباع بعد القطع لا يجوز لما فيه من الفصل بين النعت والمنعوت بجملة أجنبية، ولما فيه من الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، أو لما فيه من القصور بعد الكمال، لأن القطع أبلغ في المعنى المراد من الإتباع اعتبارًا
стр. 879
بتكثير الجمل، وسكت عن النعت الأول، وهو الموصول، لخفاء إعرابه، فيتبع إن أتبعت الجميع، ويقطع إن قطعت الجميع.
فإن أتبعت بعضًا وقطعت بعضًا فليس فيه إلا الإتباع، لأن القطع في البعض والإتباع في البعض مشروط بتقدم المتبع، وإلى جواز القطع والإتباع أشار الناظم بقوله:
٥١٧-
واقطع أو اتبع إن يكن معينا ... بدونها..........................
"وإن لم يعرف" مسمى المنعوت "إلا بمجموعها وجب إتباعها كلها" للمنعوت "لتنزيلها منه منزلة الشيء الواحد"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥١٦-
وإن نعوت كثرت وقد تلت ... مفتقرًا لذكرهن أتبعت
"وذلك كقولك: مررت بزيد التاجر الفقيه الكاتب إذا كان" زيد "هذا الموصوف" بهذه الصفات "يشاركه في اسمه ثلاثة" من الناس، اسم كال واحد منهم زيد، و"أحدهم تاجر كاتب، والآخر تاجر فقيه، والآخر فقيه كاتب" فلا يتعين زيد الأول من الآخرين إلا بالنعوت الثلاثة، فيجب إتباعها كلها، "وإن تعين ببعضها جاز فيما عدا ذلك البعض" الذي تعين به "الأوجه الثلاثة": الإتباع والقطع إلى الرفع أو إلى النصب أو الجمع بينهما بشرط تقديم المتبع على الأصح، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٥١٧-
................................. ... ........أو بعضها اقطع معلنا
"وإذا كان المنعوت نكرة تعين في الأول من نعوته الإتباع" لأجل التخصيص، بخلاف ما إذا كان معرفة فإنه غني عن التخصيص، "وجاز في الباقي" من نعوته "القطع" عن المتبوع، سواء تعين مسماه بدونها أم١ لا، لأن المقصود من النعت التخصيص، وقد حصل بتبعية الأول، "كقوله" وهو أمية بن أبي عائذ الهذلي يصف صائدًا: [من المتقارب]
٦٣٨-
ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالي
стр. 880
فأتبع النعت الأول وهو "عطل" بضم العين وتشديد الطاء المهملتين، يقال: عطلت المرأة: إذا خلا جيدها من القلائد، وقطع الثاني وهو "شعثًا" بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة في آخره مثلثة: جمع شعثاء، بالمد، وهي المغبرة الرأس، وهو منصوب بفعل محذوف تقديره: أخص شعثًا، ونحوه، والمراضيع: جمع "مرضع"، السعالي: جمع سلعاة، وهي أخبث الغيلان، فإن لم يتقدم نعت آخر لم يجز القطع إلا في الشعر١. "وحقيقة القطع أن يجعل النعت خبرًا لمبتدأ٢ أو مفعول لفعل: فإن كان النعت المقطوع لمجرد مدح أو ذم أو ترحم وجب حذف المبتدأ" إن رفعت النعت وقدرت "هو"، و"الفعل" إن نصبت النعت وقدرت في المدح: أمدح، وفي الذم: أذم، وفي الترحم: أرحم، وعلى ذلك يحمل قول الناظم:
٥١٨-
وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا ... مبتدأ أو ناصبًا لن يظهرا
"كقولهم" في المدح: "الحمد لله الحميد، بالرفع، بإضمار: هو" فـ"هو": مبتدأ، والحميد: خبره، "وقوله تعالى" في الذم: " ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] بالنصب" لـ"حمالة" "بإضمار: أذم"، فـ"امرأته"، مرفوع بالعطف على فاعل "يصلي" المستتر فيه، وكقولك: "مررت بعبدك المسكين"، برفع المسكين ونصبه، وجملة النعت المقطوع مستأنفة. قال الشاطبي٣: "لأن الصفة مع المقدر تصير جملة مستقلة لا موضوع لها من الإعراب"، انتهى.
ووجوب حذف الرافع والناصب أنهم لما قصدوا إنشاء المدح أو الذم أو الترحم جعلوا إضمار العامل أمارة على ذلك كما فعلوا في النداء، إذ لو أظهروا العامل وقالوا: أدعو عبد الله، مثلا: لخفي معنى الإنشاء، وتوهم كونه خبرًا مستأنفًا.
"وإن كان" النعت المقطوع "لغير ذلك"؛ أي لغير المدح والذم والترحم، "جاز ذكره" أي ذكر العامل، وهو المتبدأ أو الفعل، "تقول: مررت بزيد التاجر، بالأوجه الثلاثة" بالجر على الإتباع، والرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، والنصب على المفعولية بفعل محذوف، "ولك أن" تظهر كلا من المبتدأ والفعل و"تقول: هو٤ التاجر وأعني التاجر"، كأنه على تقدير سؤال سائل يقول: من هو؟ أو: من تعني؟