ويمتنع الإتباع لأنه يؤدي إلى تسليط عاملين مختلفي المعنى أو العمل على معمول واحد من جهة واحدة، بناء على أن العامل في المنعوت هو العامل في النعت, وهو الصحيح١. وأما إذا اتحد العاملان معنى وعملا فلا محذور في الإتباع، لأن العاملين من جهة المعنى شيء واحد، فنزلا منزلة العامل الواحد عند الجمهور. وقال ابن السراج٢ إذا اتفقا لفظًا كان الثاني توكيدًا للأول. والحاصل أن صور العاملين أربع:
إحداها: أن يختلف العاملان في المعنى والعمل كـ: رأيت زيدًا ومررت بعمرو.
الصورة الثانية: أن يختلف العمل قط كـ: مررت بزيد ولقيت عمرًا، وفيهما أربعة أقوال: فالجمهور على منع الإتباع فيهما، وابن الطراوة على جواز الإتباع فيهما للثاني دون الأول، والكسائي والفراء على منع الإتباع في الأولى وجوازه في الثانية، لكن الكسائي يتبع الثاني فيها دون الأول والفراء يعكس ذلك٣.
الصورة الثالثة: أن يختلف المعنى فقط كـ: وجد زيد على عمرو، ووجد عمرو الضالة، أجاز قوم فيها الإتباع، وهم القائلون: إن العامل التبعية٤، ومنعه قوم وهم القائلون: إن عامل المنعوت والنعت واحد٥.
الصورة الرابعة: أن يتحدا معنى وعملا وتحته صورتان:
أن يتحدا لفظًا أو لا، فالأولى٦ نحو: جاء زيد وجاء عمرو العاقلان فيجوز فيها الإتباع، وقيده ابن السراج بأن يقدر الثاني توكيدًا٧. والثانية نحو: جاء زيد وأتى عمرو الظريفان، فأجاز الجمهور فيها الإتباع٨، ومنعه ابن السراج مطلقًا٢. هذا كله مع اتحاد جنس العاملين، فإن اختلفا كـ: هذا زيد وجاء عمرو الظريفان، ومررت بزيد وهذا عمرو الظريفان، ولقيت زيدًا وإن عمرًا في الدار القائمان، فذهب الجمهور إلى منع الإتباع والأخفش والجرمي إلى جوازه٩.
стр. 877
فصل:
إذا لم تتكرر النعوت وكان المنعوت معلومًا بدون النعت حقيقة أو ادعاء، جاز إتباعه وقطعه ما لم يكن لمجرد١ التوكيد نحو: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] ، أو ملتزم الذكر نحو: الجماء الغفير، أو جاريًا على مشار إليه نحو: بهذا الرجل، فلا يجوز القطع في شيء منها.
"وإذا تكررت النعوت لواحد، فإن تعين مسماه بدونها جاز إتباعها كلها وقطعها" كلها "والجمع بينهما"أي: بين القطع والإتباع، "بشرط تقديم" النعت "المتبع" على النعت المقطوع، "وذلك كقولك خرنق"، بكسر الخاء المعجمة والنون بينهما راء ساكنة، بنت هفان القيسية أخت طرفة بن العبد لأمه، ترثي زوجها بشر بن عمرو بن مرثد، ومن قتل معه من بنيه وقومه: [من الكامل]
٦٣٧-
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
النازلون بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر
فـ "قومي": فاعل "يبعدن" بفتح الياء والعين، وهو دعاء خرج مخرج النهي، أي: لا يهلكن، وهو من بَعِدَ الرجل يبعَدُ بعدًا؛ كفرح يفرح فرحًا؛ إذا هلك، وفي التنزيل: ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] فإن قيل: كيف دعت لقومها بأن لا يهلكوا وهم قد هلكوا؟
стр. 878
أجيب بأن العرب قد جرت على عادتها في استعمال هذه اللفظة في الدعاء، ولهم في ذلك غرضان:
إحدهما: أنهم يريدون بذلك استعظام موت الرجل الجليل، وكأنهم لا يصدقون بموته. والثاني: أنهم يريدون الدعاء له بأن يبقى ذكره ولا يذهب، لأن بقاء ذكر الإنسان بعد موته بمنزلة حياته.
والعداة: جمع عاد، وهو العدو بعينه، ولا يجوز أن يكون جمع عدو، لأن فعولا لا يجمع على فعلة. والجزر: جمع جزور، وهي الناقة التي تتخذ للنحر، والمعترك: موضع القتال، ومعاقد: جمع معقد، والأزر: جمع إزار.
والمعنى: لا يهلكن قومي الذين هم سم على أعدائهم وآفة لإبلهم، لأنهم كانوا ينحرونها لأضيافهم.
والنزول في الحرب على ضربين: أحدهما في أول الحرب، وهو أن ينزلوا عن إبلهم ويركبوا خيلهم، والثاني: في آخرها، وهو أن ينزلوا عن خيلهم ويقاتلوا على أقدامهم إذا كان القتال في موضع وعر لا مجال فيه للخيل.
والطيبون معاقد الأزر: كناية عن عفة الفرج، تريد: أنهم لا يعقدون مآزرهم على فرج زانية. كانت العرب إذا وصفوا الرجل بطهارة الإزار والذيل أرادوا أنه لا يزني، وإذا وصفوه بطهارة الكم أرادوا أنه لا يخون ولا يسرق، وإذا وصفوه بطهارة الجيب أرادوا أن قلبه لا ينطوي على غش ولا مكر.
"و" المقصود من البيت أنه "يجوز فيه رفع "النازلين والطيبين" على الإتباع لـ: قومي، أو على القطع بإضمار مبتدأ" تقديره: "هم، و" يجوز "نصبهما" على القطع أيضًا "بإضمار" فعل تقديره: هم، ويجوز نصبهما على القطع أيضًا بإضمار فعل تقديره: "أمدح أو أذكر، و" يجوز "رفع الأول" وهو "النازلون" على الإتباع لقومي، أو على القطع بإضمار"هم" "و" يجوز "نصب الثاني" وهو "الطيبون" على القطع بإضمار "أمدح" أو "أذكر" على ما ذكرنا.
"و" يجوز "عكسه" وهو نصب الأول ورفع الثاني "على القطع فيها" لا على الإتباع في الثاني، لأنه مسبوق بنعت مقطوع، والإتباع بعد القطع لا يجوز لما فيه من الفصل بين النعت والمنعوت بجملة أجنبية، ولما فيه من الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، أو لما فيه من القصور بعد الكمال، لأن القطع أبلغ في المعنى المراد من الإتباع اعتبارًا
стр. 879
بتكثير الجمل، وسكت عن النعت الأول، وهو الموصول، لخفاء إعرابه، فيتبع إن أتبعت الجميع، ويقطع إن قطعت الجميع.
فإن أتبعت بعضًا وقطعت بعضًا فليس فيه إلا الإتباع، لأن القطع في البعض والإتباع في البعض مشروط بتقدم المتبع، وإلى جواز القطع والإتباع أشار الناظم بقوله:
٥١٧-
واقطع أو اتبع إن يكن معينا ... بدونها..........................
"وإن لم يعرف" مسمى المنعوت "إلا بمجموعها وجب إتباعها كلها" للمنعوت "لتنزيلها منه منزلة الشيء الواحد"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥١٦-
وإن نعوت كثرت وقد تلت ... مفتقرًا لذكرهن أتبعت
"وذلك كقولك: مررت بزيد التاجر الفقيه الكاتب إذا كان" زيد "هذا الموصوف" بهذه الصفات "يشاركه في اسمه ثلاثة" من الناس، اسم كال واحد منهم زيد، و"أحدهم تاجر كاتب، والآخر تاجر فقيه، والآخر فقيه كاتب" فلا يتعين زيد الأول من الآخرين إلا بالنعوت الثلاثة، فيجب إتباعها كلها، "وإن تعين ببعضها جاز فيما عدا ذلك البعض" الذي تعين به "الأوجه الثلاثة": الإتباع والقطع إلى الرفع أو إلى النصب أو الجمع بينهما بشرط تقديم المتبع على الأصح، وإليه الإشارة بقول الناظم:
٥١٧-
................................. ... ........أو بعضها اقطع معلنا
"وإذا كان المنعوت نكرة تعين في الأول من نعوته الإتباع" لأجل التخصيص، بخلاف ما إذا كان معرفة فإنه غني عن التخصيص، "وجاز في الباقي" من نعوته "القطع" عن المتبوع، سواء تعين مسماه بدونها أم١ لا، لأن المقصود من النعت التخصيص، وقد حصل بتبعية الأول، "كقوله" وهو أمية بن أبي عائذ الهذلي يصف صائدًا: [من المتقارب]
٦٣٨-
ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالي
стр. 880
فأتبع النعت الأول وهو "عطل" بضم العين وتشديد الطاء المهملتين، يقال: عطلت المرأة: إذا خلا جيدها من القلائد، وقطع الثاني وهو "شعثًا" بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة في آخره مثلثة: جمع شعثاء، بالمد، وهي المغبرة الرأس، وهو منصوب بفعل محذوف تقديره: أخص شعثًا، ونحوه، والمراضيع: جمع "مرضع"، السعالي: جمع سلعاة، وهي أخبث الغيلان، فإن لم يتقدم نعت آخر لم يجز القطع إلا في الشعر١. "وحقيقة القطع أن يجعل النعت خبرًا لمبتدأ٢ أو مفعول لفعل: فإن كان النعت المقطوع لمجرد مدح أو ذم أو ترحم وجب حذف المبتدأ" إن رفعت النعت وقدرت "هو"، و"الفعل" إن نصبت النعت وقدرت في المدح: أمدح، وفي الذم: أذم، وفي الترحم: أرحم، وعلى ذلك يحمل قول الناظم:
٥١٨-
وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا ... مبتدأ أو ناصبًا لن يظهرا
"كقولهم" في المدح: "الحمد لله الحميد، بالرفع، بإضمار: هو" فـ"هو": مبتدأ، والحميد: خبره، "وقوله تعالى" في الذم: " ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] بالنصب" لـ"حمالة" "بإضمار: أذم"، فـ"امرأته"، مرفوع بالعطف على فاعل "يصلي" المستتر فيه، وكقولك: "مررت بعبدك المسكين"، برفع المسكين ونصبه، وجملة النعت المقطوع مستأنفة. قال الشاطبي٣: "لأن الصفة مع المقدر تصير جملة مستقلة لا موضوع لها من الإعراب"، انتهى.
ووجوب حذف الرافع والناصب أنهم لما قصدوا إنشاء المدح أو الذم أو الترحم جعلوا إضمار العامل أمارة على ذلك كما فعلوا في النداء، إذ لو أظهروا العامل وقالوا: أدعو عبد الله، مثلا: لخفي معنى الإنشاء، وتوهم كونه خبرًا مستأنفًا.
"وإن كان" النعت المقطوع "لغير ذلك"؛ أي لغير المدح والذم والترحم، "جاز ذكره" أي ذكر العامل، وهو المتبدأ أو الفعل، "تقول: مررت بزيد التاجر، بالأوجه الثلاثة" بالجر على الإتباع، والرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، والنصب على المفعولية بفعل محذوف، "ولك أن" تظهر كلا من المبتدأ والفعل و"تقول: هو٤ التاجر وأعني التاجر"، كأنه على تقدير سؤال سائل يقول: من هو؟ أو: من تعني؟
стр. 881
فصل:
"ويجوز بكثرة حذف المنعوت إن علم، وكان النعت إما" مفردًا "صالحا لمباشرة العامل"، إما باختصاص النعت بالمنعوت كـ: مررت برجل راكب صاهلا، أي: فرسًا صاهلا، أو بمصاحبة ما يعينه "نحو": ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، " أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ " [سبأ: ١٠-١١] "أي": اعمل "دروعًا سابغات"، فحذف المنعوت للعلم به مع أن النعت لا يختص بالمنعوت، ولكن تقدم ذكر الحديد أشعر به، وحيث حذف الموصوف أقيمت صفته مقامه، لكونها صالحة لمباشرة ما كان المنعوت مباشرة، فإن لم يصلح لمباشرة١ العامل امتنع حذفه غالبًا، ومن غير الغالب: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] أي: نبأ من نبأ المرسلين، بناء على أن "من" لا تزاد في الإيجاب ولا تدخل على معرفة.
"أو" كأن النعت جملة أو شبهها وكان المنعوت مرفوعًا، كما قال الفارسي: وكان "بعض اسم مقدم مخفوض بـ: من، أو: في.
فالأول كقولهم: منا ظعن"؛ أي سافر؛ "ومنا أقام"، فـ"ظعن" و"أقام" جملتان في موضع رفع، نعتان لمنعوتين محذوفين مرفوعين على الابتداء، "أي: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام"، والمنعوتان بعض اسم مقدم، وهو الضمير المجرور بـ"من".
هذا تقدير البصريين، وقدر الكوفيون المحذوف موصولا، أي: الذي ظعن والذي أقام، وما قدره البصريون أقيس، لأن اتصال الموصول بصلته أشد من اتصال الموصوف بصفته لتلازمهما.
"والثاني" كقولهم: ما في الناس إلا شكر أو كفر، أي: إلا رجل شكر أو رجل كفر، والمنعوتان بعض اسم مقدم مجرور بـ"في" وهو "الناس"، و"كقوله"؛ وهو أبو الأسود الحماني يصف امرأة: [من الرجز]
стр. 882
٦٣٩-
لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم
ففيه حذف وتغيير وتقديم١ وتأخير، و"أصله: لو قلت ما في قومها أحد [يفضلها] ٢ لم تأثم" في مقالتك، "فحذف الموصوف" بجملة "يفضلها" "وهو: أحد" وهو بعض اسم مقدم مجرور بـ"في"، وهو "قومها" "وكسر حرف المضارعة من: تلثم" على لغة غير الحجازيين٣. "وأبدل الهمزة ياء" لوقوعها ساكنة بعد كسرة تشبيها بالألف، "وقدم جواب: لو" وهو: لم تيثم، على جملة النعت وهي "يفضلها" حال كون الجواب "فاصلا بين الخبر المقدم وهو": في قومها، الذي هو "الجار والمجرور والمبتدأ المؤخر وهو: أحد، المحذوف"، وإنما قدر متأخرًا، لأن النكرة المخبر عنها بظرف أو جار ومجرور مختص، يجب تقديم خبرها عليها. والحسب: بفتح الحاء والسين المهملتين: ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، والميسم: الجمال، وأصله: موسم، قلبت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة.
ومثال شبه الجملة: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] أي: فريق دون ذلك، وقولهم: ما في بني تميم إلا فوق ما تريد، أي: إلا رجل فوق ما تريد، وقولك: ما منا إلا على أهبة، أو: ما فينا إلا على أهبة، أي: رجل على أهبة.
فإن لم يكن المنعوت بالجملة بعض اسم مقدم٤ مخفوض بـ"من" أو "في" لم يحذف٥ إلا في ضرورة، كقوله: [من الرجز]
стр. 883
٦٤٠-
يرمي بكفي كان من أرمى البشر
أي: بكفي رجل كان.
"ويجوز حذف النعت إن علم، كقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ " [الكهف: ٧٩] فحذف النعت وبقي المنعوت "أي: كل سفينة صالحة", بدليل أنه قرئ كذلك١، فإن تعييبها لا يخرجها عن كونها سفينة، فلا فائدة فيه حينئذ. قال في المغني٢.
"وقول الشاعر" وهو عباس بن مرداس: [من المتقارب] .
٦٤١-
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ ... فلم أعط شيئًا ولم أمنع
فحذف النعت وأبقى المنعوت، "أي: شيئًا طائلا". والذي أحوج إلى تقدير هذا النعت تحري الصدق، فإن الواقع أنه أعطى شيئًا، بدليل قوله: "ولم أمنع"، ولكنه لم يرتضه، فيحتاج إلى تقدير صفة يكتسي بها الكلام جلباب الصدق، ويتحلى بزينة الحق. وعلله في المغني بدفع التناقض٣، واعترض بأن عدم الإعطاء لا يناقض عدم المنع.
وسبب قول العباس هذا البيت أن النبي ﷺ حين أعطى المؤلفة قلوبهم من نفل حنين مائة مائة أعطاه أباعر فسخطها٤ وقال٥: [من المتقارب]
أتجعل نهبي ونهب العبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع
стр. 884
وقد كنت في الحرب ذا تدرا ... فلم أعط شيئا ولم أمنع
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهم ... ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال النبي ﷺ : "اقطعوا لسانه عني"، فزادوه حتى رضي١.
والعبيد، بالتصغير: اسم فرسه، ويعني عيينة بن حصن والأقرع بن حابس.
والتدرأ، بضم التاء الفوقانية المثناة وإسكان الدال المهملة وفتح الراء سابقة على همزة القوة والعدة.
"وقوله" ومن المرقش الأكبر: [من الوافر] .
٦٤٢-
ورب أسيلة الخدين بكر ... مهفهفة لها فرع وجيد
فحذف النعت فيهما وأبقى المنعوت "أي: فرع فاحم وجيد طويل"، بدليل أن التبيت للمدح، وهو لا يحصل بإثبات الفرع والجيد مطلقين، بل بإثباتهما موصوفين بصفتين محبوبتين. والفرع، بالفاء والعين: الشعر، والفاحم، بالفاء والحاء المهملة: الأسود، والجيد، بكسر الجيم وإسكان الياء مخففة: العنق، فكأنه قال: لها شعر أسود وعنق طويل. وإلى جواز حذف كل من المنعوت والنعت أشار الناظم بقوله:
٥١٩-
وما من المنعوت والنعت عقل ... يجوز حذفه وفي النعت يقل
стр. 885
فصل:
ويجوز عطف بعض النعوت على بعض بجميع حروف العطف إلا أم وحتى. قاله ابن خروف١، وصوبه الموضح في الحواشي.
وإذا تقدم النعت على المنعوت، فإن كانا معرفتين وكان النعت صالحًا لمباشرة العامل، جعل المنعوت بدلا من النعت، نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١-٢] في قراءة الجر٢، وإن كانا نكرتين نصب النعت على الحال نحو: [من م. الوافر]
٦٤٣-
لمية موحشا طلل ... .....................
وإذا نعت بمفرد وظرف وجملة قدم المفرد على الظرف والظرف على الجملة غالبًا فيهن.
стр. 886
باب التوكيد
مدخل
...
باب التوكيد:
والتأكيد أيضًا لغة فيه، ولم ينفرد أحدهما بتصرف فيجعل أصلا، يقال: وكد توكيدًا وأكد١ تأكيدًا، والواو أكثر، ولذلك شاع استعماله بالواو وعند النحاة.
والمراد به التابع.
"وهو ضربان: لفظي، وسيأتي" آخر الباب، "ومعنوي": وهو تابع بألفاظ مخصوصة٢، ولذلك استغنى به عن حده، "وله سبعة ألفاظ" محصورة، وغيرها كالتابع لها، اللفظ "الأول والثاني٣: النفس والعين، ويؤكد بهما لرفع المجاز عن الذات"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٠-
بالنفس أو بالعين الاسم أكدا ... ....................................
"تقول: جاء الخليفة، فيحتمل" أنه على تقدير مضاف، و"أن الجائي خبره، أو ثقله"، بكسر المثلثة وسكون القاف: واحد الأثقال، وبفتحهما: متاع المسافر وحشمه٤.
"فإذا أكدت بالنفس" فقط "أو بالعين" فقط، "أو بهما" معًا بشرط تقديم النفس، فقلت: جاء الخليفة نفسه، أو عينه أو نفسه عينه، "ارتفع ذلك الاحتمال" عن الذات، وصار الكلام نصا على ما هو الظاهر منه، وارتفع المجاز الحقيقة. ونص ابن عصفور على أن التوكيد يضعف احتمال المجاز٤، ولا يرفع احتماله البتة.
стр. 887
"ويجب في النفس والعين "اتصالهما" لفظًا "بضمير مطابق للمؤكد" بفتح الكاف، ليرتبط به، "و" يجب "أن يكون لفظهما طبقه في الإفراد والجمع"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٠-
............................. ... مع ضمير طابق المؤكدا
تقول: جاءني زيد نفسه عينه، وهند نفسها عينها، والزيدون أنفسهم أعينهم، والهندات أنفسهن أعينهن، ولا يجوز: نفوسهم ولا عيونهم ولا أعيانهم، في التوكيد "وأما في التثنية فالأفصح" في النفس والعين "جمعهما" جمع قلة "على: أفعل"، بضم العين، بالإفراد، ونفساهما عيناهما، بالتثنية عند ابن كيسان سماعًا١، وأجاز ذلك ابن إياز في "شرح الفصول" تبعًا لابن معط، ووافقهم الرضي٢، واقتصر في النظم على الجمع فقال:
٥٢١-
واجمعهما بأفعل إن تبعا ... ما ليس واحدًا.............
وإنما ترك الأصل في المثنى كراهة اجتماع تثنيتين، وعدل إلى الجمع، لأن التثنية جمع في المعنى. "ويترجح إفرادهما على تثنيتهما عند الناظم"، كما يؤخذ من عموم قوله في التسهيل في باب "كيفية التثنية وجمعي التصحيح"٣: ويختار في المتضايفين لفظًا أو معنى إلى متضمنيهما لفظ الإفراد على لفظ التثنية، ولفظ الجمع على لفظ الإفراد.
انتهى كلام الناظم٤.
"وغيره يعكس ذلك" فيرجع التثنية على الإفراد، ولم أقف عليه فهو نقل غريب، فكيف وقد قيل: إن التثنية لم ترد إلا في الشعر.
"والألفاظ الباقية" من السبعة: "كلا وكلتا للمثنى" نحو: جاء الزيدان كلاهما والمرأتان كلتاهما. "وكل وجميع وعامة، لغيره" أي لغير المثنى، وهو الجمع مطلقًا
стр. 888
والمفرد بشرط أن يتجزأ بنفسه أو١ بعامله نحو: جاء القوم كلهم، أو جميعهم، أو عامتهم، والهندات كلهن أو جميعهن أو عامتهن، واشتريت العبد كله أو جميعه أو عامته.
"ويجب اتصالهن بضمير المؤكد" لفظًا ليحصل الربط بين التابع والمتبوع، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٢-
وكلا اذكر في الشمول وكلا ... كلتا جميعا بالضمير موصلا
"فليس منه" أي؛ من التوكيد: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] لعدم الضمير، "خلافًا لمن وهم" وهو٢ ابن عقيل فإنه قال: إن "جميعًا" توكيد لـ"ما" الموصولة الواقعة مفعولا لـ: خلق، ولو كان كذلك لقيل: جميعه، ثم التوكيد بجميع قليل، فلا يحمل عليه التنزيل، قاله في المغني٣.
"ولا قراءة بعضهم: "إِنَّا كُلاًّ فِيها" [غافر: ٤٨] لعدم الضمير٤، "خلافًا للفراء والزمخشري" في قولهم: إن "كلا" توكيد لاسم "إن"٥ "بل" الصواب أن "جميعًا" في الآية الأولى "حال" من "ما" الموصولة، "وكلا" في الآية الثانية "بدل" من اسم "إن"، وإبدال الظاهر من ضمير الحاضر بدل كل جائز، إذا كان مفيدًا للإحاطة نحو: قمتم ثلاثتكم، وبدل الكل لا يحتاج إلى ضمير٦، ويجوز في "كل" أن تلي العوامل إذا لم تتصل بالضمير, نحو: جاءني كل القوم، ويجوز مجيئها بدلا بخلاف: جاءني كلهم، فلا يجوز إلا في الضرورة. قاله في المغني٦.
قال ابن مالك٧: "ويجوز كونه" أي: كلا "حالا من ضمير" الاستقرار المنتقل إلى "الظرف" يعني "فيها"، وفيه ضعفان، تنكير "كل" بقطعها عن الإضافة لفظًا ومعنى، وتقديم الحال على عاملها الظرفي. قاله في المغني٦.
стр. 889
"و" كلا وكلتا وكل وجميع وعامة "يؤكد بهن لرفع احتمال تقدير بعض مضاف إلى متبوعهن، فمن ثم"؛ أي: من أجل الاحتمال المذكور "جاز" أن يقال: "جاءني الزيدان كلاهما، والمرأتان كلتاهما، لجواز أن يكون الأصل: جاء أحد الزيدين أو إحدى المرأتين"، وأنه أطلق المثنى وأريد به واحد، "كما قال" الله "تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] بتقدير: يخرج من أحدهما" وهو البحر الملح، واللؤلؤ: كبار الدر، والمرجان: صغاره.
"وامتنع على الأصح" أن يقال: "اختصم الزيدان كلاهما والهندان كلتاهما، لامتناع التقدير المذكور١"، لأن الاختصام لا يكون إلا بين اثنين، ويدل على امتناع٢ ذلك إطباقهم على منه: جاء زيد كله، لعدم الفائدة. هذا قول الأخفش وهشام والفراء وأبي علي٣. وذهب الجمهور إلى إجازته٤، وتبعهم ابن مالك في التسهيل٥.
واحتج المجيز بأن العرب قد تأتي بالتوكيد حيث لا احتمال نحو: جاء القوم كلهم أجمعون أكتعون. "وجاز" أن يقال: "جاء القوم كلهم، واشتريت العبد كله" لرفع الاحتمال المذكور، "وامتنع" أن يقال: "جاء زيد كله"، لعدم الفائدة، إذ يستحيل نسبة المجيء إلى جزئه المتصل به دون البعض الآخر.
"والتوكيد بـ"جميع" غريب٦، ومنه قول امرأة" من العرب وهي ترقص ولدها: [من الهزج]
٦٤٤-
فداك حي خولان ... جميعهم وهمدان
وكل آل قحطان ... والأكرمون عدنان
стр. 890
فـ: جميعهم: توكيد لـ: "حي خولان" وفداك: من التفدية، بالدال المهملة، ويجوز في الفاء الكسر، فيكون مبتدأ، وحي: خبره، ويجوز فتحها فيكون فعلا ماضيًا، وحي: فاعله. وخولان: بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وهمدان، بفتح الهاء وسكون الميم وبإهمال الدال: قبيلتان من اليمن، وقحطان: أبو اليمن، وعدنان: أبو معد، وهو عطف بيان على "الأكرمون". وقد تكون جميع بمعنى مجتمع ضد مفترق، فلا تفيد توكيدًا كقوله: [من الطويل]
٦٤٥-
........................... فإنني ... نهيتك عن هذا وأنت جميع
"وكذلك التوكيد بـ: عامة" غريب، ولذلك١ أغفله أكثر المصنفين٢، "والتاء فيها" لازمة "بمنزلتها" في اللزوم "في النافلة، فتصلح مع المؤنث والمذكر، فتقول: اشتريت" الأمة عامتها، و"العبد عامته"، بالتاء مع المذكر، "كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] بالتاء، وفي ذلك تعريف بالرد على الشارح حيث حمل٣ قول والده في النظم:
٥٢٣-
وستعملوا أيضًا ككل فاعله ... من عم في التوكيد مثل النافله
على الزيادة على ما ذكره النحويون في هذا الباب، فإن أكثرهم أغفله، ثم قال٤: وليس هو في حقيقة الأمر نافلة على ما ذكره، فإن من أجلهم سيبويه، ولم يغفله. انتهى.
وفي "الإفصاح" أن المبرد خالف سيبويه، فزعم أن عامتهم بمعنى أكثرهم، فعنده يكون من بدل البعض عكس معنى التوكيد، فإنه تخصيص والتوكيد تعميم.
стр. 891
فصل:
"ويجوز إذا أريد تقوية التوكيد أن يتبع كله بأجمع، وكلها بجمعاء، وكلهم بأجمعين، وكلهن بجمع"، فتقول: جاء الجيش كله أجمع، والقبيلة كلها جمعاء، والقوم كلهم أجمعون، والنساء كلهن جمع. "قال الله سبحانه: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص: ٧٣] وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٤-
وبعد كل أكدوا بأجمعا ... جمعاء أجمعين ثم جمعا
"وقد يؤكد بهن" استقلالا١ و"إن لم يتقدم" عليهن"كل، نحو" قولك: جاء الجيش أجمع، والقبيلة جمعاء والقوم أجمعون والنساء جمع. قال الله تعالى: " ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ " [الحجر: ٣٩] ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ " لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِين َ"﴾ [الحجر: ٤٣] ، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٢٥-
ودون كل قد يجيء أجمع ... جمعاء أجمعون ثم جمع
"ولا يجوز تثنية أجمع ولا جمعاء" عند جمهور البصريين "استغناء بكلا وكلتا" عن تثنية أجمع وجمعاء، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٧-
وأغن بكلتا في مثنى وكلا ... عن وزن فعلاء ووزن أفعلا
"كما استغنوا" غالبًا" بتثنية: سي" بكسر السين المهملة وتشديد الياء "عن تثنية سواء" بالمد، فقالوا: سيان، ولم يقولوا: سواءان، إلا نادرًا. "وأجاز الأخفش والكوفيون ذلك" أي تثنية أجمع وجمعاء، "فتقول" على رأيهم: "جاء الزيدان أجمعان" بتثنية أجمع "والهندان جمعاوان" بتثنية جمعاء. قال ابن خروف٢: ومن منع تثنيتهما فقد تكلف وادعى ما لا دليل عليه. وهذا الخلاف جار فيما وازنهما نحو: أكتع وكتعاء.
стр. 892
"وإذا لم يفد توكيد النكرة لم يجز باتفاق" لأن الغرض من التوكيد إزالة اللبس، وفي شرح التسهيل١ لابن مالك أن بعض الكوفيين أجاز توكيد النكرة مطلقًا، فيقدح في دعوى الاتفاق. "وإن أفاد جاز عند" الأخفش والكوفيين، "وهو الصحيح" لورود السماع به، ومنعه جمهور البصريين مطلقًا٢، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٦-
وإن يفد توكيد منكور قبل ... وعن نحاة البصرة المنع شمل
"وتحصل الفائدة بأن يكون" المنكر "المؤكد" زمنًا "محدودًا"، وهو ما كان موضوعًا لمدة لها ابتداء وانتهاء كـ: يوم وأسبوع وشهر وحول.
"و" يكون "التوكيد من ألفاظ الإحاطة" والشمول، كقوله: [من الرجز]
٦٤٦-
قد صرت البكرة يومًا أجمعًا
و"كـ: اعتكف أسبوعًا كله، وقوله": [من البسيط]
٦٤٧-
لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدة حول كله رجب
"ومن أنشد" كالناظم وابنه "شهر" مكان "حول" فقد حرفه٣، من التحريف، وهو التغير، لأن المعنى يفسد عليه، لأن الشاعر تمنى أن يكون٤ عدة الحول من أوله إلى آخره رجبًا، لما رأى فيه من الخيرات، ولا يصح أن يتمنى أن عدة شهر كله رجب، لأن الشهر الواحد لا يكون بعضه وبعضه غير رجب حتى يتمنى أن يكون كله رجبًا.
стр. 893
"ولا يجوز: صمت زمنا كله" لأن النكرة غير محدودة، فإن الزمن يصلح للقليل والكثير. "ولا" صمت "شهرًا نفسه" لأن التوكيد ليس من ألفاظ الإحاطة. ولا فائدة في ذلك. ولا يجوز: هذا أسد نفسه عند ابن عصفور١، خلافًا لابن مالك: إذ ليس من فوائد التوكيد المعنوي رفع توهم استعمال اللفظ في معناه المجازي، إلا بالنسبة إلى الشمول خاصة، وقد اعترف ابن مالك٢ بذلك. وأما "جاء زيد نفسه" ففائدته رفع المجاز العقلي لا اللغوي، بخلاف: جاء أسد نفسه، فإنه لرفع المجاز اللغوي، قاله الموضح في الحواشي.
стр. 894
فصل:
"وإذا أكد ضمير مرفوع متصل بالنفس أو بالعين وجب توكيده أولا بالضمير المنفصل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٢٨-
وإن تؤكد الضمير المتصل ... بالنفس والعين فبعد المنفصل
٥٢٩-
عنيت ذا الرفع...... ... .........................
"نحو": قمت أنت نفسك، وقوما أنتما أنفسكما، وقاما هما أنفسهما، و"قوموا أنتم أنفسكم"، وقاموا هم أنفسهم، وقمن هن أنفسهن، وقمتن أنتن أنفسكن، كراهة إبهام الفاعلية عن استتار الضمير المؤنث، إذ لو قيل: المرأة خرجت عينها، توهمت الباصرة، أو: نفسها، توهمت نفس الحياة.
وحملوا ما لا لبس فيه على ما ألبس، كما في مسألة إبراز الضمير والتفريق بين إعراب الفاعل والمفعول. وما ذكرناه من التعليل يبطل قول الصفار: إن الفصل كالتوكيد، وإنما ذلك في العطف، "بخلاف: قام الزيدون أنفسهم، فيمتنع الضمير" المنفصل، لأن الضمير لا يؤكد الظاهر، لكون الضمير أقوى من الظاهر بالأعرفية، فيمتنع أن يكون تكملة لما هو أضعف منه.
"وبخلاف: ضربتهم أنفسهم، ومررت بهم أنفسهم، وقاموا كلهم، فا" لتوكيد با" لضمير" المنفصل فيهن "جائز لا واجب"، أما الأولان فلأن الضمير المؤكد غير مرفوع، وأما الثالث فلأن التوكيد بغير النفس، والعين، ولا لبس، لأن "كلهم" المتصل بالضمير لا يلي العوامل اللفظية في الاختيار، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣٠-
................... وأكدوا بما ... سواهما والقيد لن يلتزما
стр. 895
فصل:
"وأما التوكيد اللفظي فهو اللفظ المكرر به ما قبله" من لفظه، زاد في التسهيل١: أو تقويته بموافقه معنى. وكل منهما يكون في الاسم والفعل والحرف والجملة، ولا يزيد على ثلاث مرات، فالأول كـ: جاء زيد زيد، وقام قام زيد، ونعم نعم، وقمت قمت. والثاني: كتأكيد اسم بمرادفه نحو: حقيق جدير، وصمت سكت [زيد] ٢، وأجل جير، وقعدت جلست٣. أو فعل باسم فعل نحو: أنزل نزال، أو ضمير متصل بضمير منفصل نحو: قمت أنا، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣٠-
وما من التوكيد لفظي يجي ... مكررًا.............................
"فإن كان" المؤكد "جملة" اسمية أو فعلية "فالأكثر اقترانها بالعطف" وهو "ثم" خاصة، كما صرح به في الارتشاف٤ "نحو: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ " [التكاثر: ٣] الآية، أي: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] . ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧-١٨] . "ونحو: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ " [القيامة: ٣٤] أي: " ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ " [القيامة: ٣٥] . فأرشد بقوله الآية إلى أن المؤكد ما بعد "ثم"، وفي ذلك تعريض بالشارح حيث مثل بـ: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ، ولم يزد، فأوهم أن المؤكد الجملة المقرونة بالفاء. "وتأتي" الجملة المؤكدة "بدونه" أي: بدون العاطف، "نحو قوله ﷺ : "والله لأغزون قريشا"، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا"٥ كررها "ثلاث مرات".
стр. 896
"ويجب الترك" للعاطف١ "عند" اللبس و"إيهام التعدد، نحو: ضربت زيدًا ضربت زيدًا"، إذ لو قيل: ثم ضربت زيدًا، لتوهم أن الضرب تكرر منك مرتين تراخت إحداهما عن الأخرى، والغرض أنه لم يقع الضرب منك إلا مرة واحدة.
"وإن كان" المؤكد "اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا منفصلا منصوبًا فواضح" أمره أنه يتكرر بحسب الإرادة من غير شرط، "نحو" قوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها بغير ولي " فنكاحها باطل باطل باطل " " ٢. كرر الاسم الظاهر ثلاث مرات. "وقوله": [من الطويل]
٦٤٨-
فإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاء وللشر جالب
فكرر الضمير المنصوب المنفصل مرتين. والمراء، بكسر الميم والمد٣: المجادلة: منصوب على التحذير. ودعاء بتشديد العين: من أمثلة المبالغة.
"وإن كان" المؤكد "ضميرًا منفصلا مرفوعًا جاز أن يؤكد به كل ضمير متصل"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣٣-
ومضمر الرفع الذي قد انفصل ... أكد به كل ضمير اتصل
"نحو: قمت أنت وأكرمتك أنت ومررت بك أنت"، فيقع ضمير الرفع توكيدًا لجميع الضمائر المتصلة، وإن اختلف الوضع.
ووجه ذلك أن الضمير المنفصل٤ أصله للمرفوع دون المنصوب والمجرور٣، لأن أول أحوال الاسم الابتداء، وعامل الابتداء ليس بلفظ، فلم يكن بد من انفصال ضميره.
وأما المنصوب والمجرور فلا بد لهما من لفظ يعمل فيهما فيتصلا به، [فإذا احتجنا إلى توكيدهما لتحقيق الفعل الثابت للشيء بعينه دون من يقوم مقامه أو يشبهه] ٥.
стр. 897
احتجاجًا إلى ضمير منفصل ولا ضمير منفصل في الأصل إلا ضمير الرفع فاستعملناه في الجميع، كما اشترك الجميع في "نا" في نحو: قمنا، وأكرمنا، وهو القياس، لأن أصل الضمائر أن تأتي على لفظ واحد كالأسماء الظاهرة. هذا تعليل السيرافي.
وبقي عليه أن يقول: واستعير المرفوع للمنصوب والمخفوض في حالة التبعية، إذ المرفوع لا يتبع المنصوب ولا المخفوض.
"وإن كان" المؤكد "ضميرًا متصلا وصل بما وصل به المؤكد"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣١-
ولا تعد لفظ ضميرمتصل ... إلا مع اللفظ الذي به وصل
"نحو": جعلت جعلت، وأكرمك أكرمك، "وعجب منك منك"، لأن إعادته مجردًا عما وصل به تخرجه من الاتصال إلى الانفصال، والغرض أنه متصل.
"وإن كان" المؤكد "فعلا أو حرفًا جوابيًّا" يؤتى به في جواب نفي أو إثبات، "فواضح" أمرهما، فيكرر الفعل [والحرف] ١ بغير شرط، "كقولك: قام قام زيد"، وبلى بلى، ونعم نعم، "وقوله"؛ وهو جميل بن عبد الله: [من الكامل] :
٦٤٩-
لا لا أبوح بحب بثنة إنها ... أخذت علي مواثقا وعهودا
فكرر حرف الجواب وهو "لا" مرتين. وبثنة، بفتح الباء الموحدة وسكون المثلثة وفي آخر هاء التأنيث: اسم محبوبته، وتصغيرها بثينة، وبه اشتهرت. ومواثق: جمع موثق بمعنى ميثاق، وأصله: مواثيق كـ: مصابيح، حذفت ياؤه ضرورة.
"وإن كان" المؤكد حرفًا "غير جوابي٢ وجب أمران: أن يفصل بينهما" أي: بين الحرفين: المؤكد والمؤكد، "وأن يعاد مع التوكيد ما اتصل بالمؤكد، إن كان" ما اتصل بالحرف المؤكد "مضمرًا" لكونه كالجزء منه. وإلى الأمر الثاني أشار الناظم بقوله:
٥٣٢-
كذا الحروف غير ما تحصلا ... به جواب.......................
"نحو" قوله تعالى: " ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ " [المؤمنون: ٣٥] فـ"أن" المفتوحة الثانية مؤكدة لـ"أن" المفتوحة الأولى
стр. 898
الواقعة مفعولا ثانيًا لـ"يعد" وفصل بينهما بالظرف وما بعده، وأعيد مع "أن" الثانية الضمير المتصلة١ به "أن" الأولى، وهو الكاف والميم، "و" وجب "أن يعاد هو"؛ أي لفظ المتصل بالحرف المؤكد؛ "أو ضميره" أي ضمير المتصل بالحرف المؤكد، "إن كان" ما اتصل الحرف المؤكد اسمًا "ظاهرًا نحو: إن زيدًا إن زيدًا فاضل"، فـ"إن" الثانية مؤكدة لـ "إن"٢ الأولى، وأعيد مع "إن" الثانية ما اتصل بـ" إن" الأولى، وهو لفظ زيد. "أو: إن زيدًا إنه فاضل" فـ"إن" الثانية مؤكده للأولى، وأعيد مع "إن" الثانية ضمير الظاهر الذي اتصل بـ"إن" الأولى. "و" عود ضميره "هو الأولى" من إعادته بلفظه. وبه جاء التنزيل، قال الله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] فـ"في" الثانية توكيد لـ"في" الأولى، وأعيد مع "في" الثانية ضمير "رحمة".
ولا يكون الجار والمجرور توكيدًا للجار والمجرور، لأن الضمير لا يؤكد الظاهر، لأن الظاهر أقوى منه، ولا يكون المجرور بدلا بإعادة الجار، لأن العرب لم تبدل مضمرًا من مظهر، لا يقولون: قم زيد هو، وإنما جوز ذلك بعضهم بالقياس. قاله في المغني٣.
وكذا إن أعيد ظاهر مضاف لظاهر، فإنه يختار إضافة التوكيد لضميره، نحو: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] ، ولا يعاد الحرف المؤكد وحده: نص على ذلك ابن السراج٤.
ويؤخذ من كلام التسهيل٥ أن الفصل بين الحرفين قائم مقام إعادة ما اتصل به، وظاهر كلام الموضح خلافه، "وشذ اتصال الحرفين" المؤكد والمؤكد من غير فصل "كقوله": [من الخفيف]
٥٦٠-
إن إن الكريم يحلم ما لم ... يرين من أجاره قد ضيما
стр. 899
فأكد "إن" الأولى بـ"أن" الثانية من غير١ فصل بينهما، وأجازه الزمخشري اختيارًا٢. قال ابن مالك في شرح التسهيل٣: وقوله؛ يعني الزمخشري؛ مردود، لعدم إمام يستند إليه وسماع يعول عليه، ولا حجه له في هذا البيت، فإنه من الضرورات.
"وأسهل منه" أي من هذا البيت، في اتصال الحرفين "قوله"؛ وهو خطام المجاشعي، وقيل: الأغلب العجلي: [من الرجز]
٦٥١-
حتى تراها وكأن وكأن ... أعناقها مشددات بقرن
"لأن المؤكد حرفان" وهما "الواو" و"كأن" "فلم يتصل لفظ بمثله" بل بغيره، لأن التوكيد الأول, وهو الواو الثانية، مفصول بالمؤكد الثاني، وهو "كأن" والتوكيد الثاني مفصول بالتوكيد الأول، والمؤكد الثاني. قاله الموضح في الحواشي. وخفف "كأن" الثانية للقافية.
وقال الفارسي في "التذكرة" في هذا البيت: ولا يجوز أن يكون على الزيادة يعني التوكيد؛ لمكان العطف بالواو، لأن هذا العطف لم يرد في موضع. نقله الشاطبي عنه في باب "التنازع" وأقره. والضمير في "تراها" و"أعناقها" يرجع إلى المطي المذكورة قبله. والقرن، بفتحتين: حبل يقرن به البعير.
"وأشذ منه" أي من البيت الأول "قوله" وهو رجل من بني أسد: [من الوافر]
٦٥٢-
فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء
لكون الحرف المؤكد؛ وهو اللام؛ موضوعًا "على حرف واحد"، فاتصل لفظه بمثله.
стр. 900
"وأسهل من هذا" البيت "قوله" وهو الأسود بن يعفر: [من الطويل]
٦٥٣-
فأصبح لا يسألنه عن بما به ... أصعد في علو الهوى أم تصوبا
"لأن المؤكد" بفتح الكاف؛ وهو "عن" "على حرفين" والمؤكد وهو الباء، على حرف واحد، "ولاختلاف اللفظين" وهما "عن" و"الباء". وصح توكيد "عن" بـ"الباء" لأنهما بمعناها، فهو توكيد بالمرادف، وله مسهلان:
أحدهما: أن "عن" على حرفين.
والثاني: أن لفظ المؤكد مخالف للفظ المؤكد، بخلاف "للما بهم" قاله في شرح الكافية١.
стр. 901
باب العطف:
وهو في الأصل مصدر "عطفت الشيء" إذا ثنيته، وعطف الفارس على قرنه، إذا التفت إليه. "وهو" في الاصطلاح ضربان: "عطف نسق" بحرف، "وسيأتي" في باب يلي هذا، "وعطف بيان" بغير حرف، وإليهما أشار الناظم بقوله:
٥٣٤-
العطف إما ذو بيان أو نسق ... ................................
والكلام الآن في عطف البيان، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣٤-
............................. ... والغرض الآن بيان ما سبق
وسمي بيان لأنه تكرار للأول بمرادفه لزيادة البيان، فكأنك عطفته على نفسه. "وهو التابع المشبه للصفة في توضيح متبوعه إن كان معرفة، وتخصيصه إن كان نكرة". هذا معنى قول الناظم:
٥٣٥-
فذو البيان تابع شبه الصفه ... حقيقة القصد به منكشفه
فخرج بـ"المشبه للصفة" النعت؛ لأن المشبه للشيء، غير ذلك الشيء، فكأنه قال: تابع غير صفة، وخرج بذكر "الإيضاح والتخصيص" التوكيد والنسق والبدل.
"والأول" وهو إيضاح المعرفة "متفق عليه" عند البصريين والكوفيين، "كقوله": [من الرجز]
٦٥٤-
أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما إن بها من نقب ولا دبر
стр. 902
فـ: عمر: عطف بيان على "أبو حفص" للإيضاح، وتقدم في باب "العلم" شرح هذا البيت، وسبب إنشاده، وقصة قائله مع سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه١.
"والثاني": وهو تخصيص النكرة، نفاه جمهور البصريين و"أثبته الكوفيون وجماعة" من البصريين منهم: الفارسي وابن جني، وجماعة من المتأخرين منهم: الزمخشري٢ وابن عصفور وابن مالك٣ وولده٤، وأشار إليه في النظم بقوله:
٥٣٧-
فقد يكونان منكرين ... كما يكونان معرفين
"وجوزوا أن يكون منه" أي من عطف البيان للنكرة: " ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ " [المائدة: ٩٥] "فيمن نون: كفارة٥" فـ: طعام مساكين، عطف بيان على "كفارة"٦. "ونحو: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ " [إبراهيم: ١٦] فـ"صديد" عطف بيان على "ماء". "والباقون" من البصريين وغيرهم "يوجبون في ذلك البدلية" بدل كل من كل، "ويخصون عطف البيان بالمعارف"، محتجين بأن البيان بيان كاسمه، والنكرة مجهولة، والمجهول لا يبين المجهول. ودفع بأن بعض النكرات قد يكون أخص من بعض، والأخص يبين غير الأخص.
"و" عطف البيان كالنعت "يوافق متبوعه في أربعة من عشرة: أوجه الإعراب الثلاثة" وهي: الرفع والنصب والجر، و"الإفراد والتذكير والتنكير وفروعهن". ففرع الإفراد التثنية والجمع، وفرع التذكير التأنيث، وفرع التنكير التعريف، تقول: جاءني محمد أبو سهل، فـ"أبو سهل" مرفوع، والرفع واحد من ثلاثة وهي: الرفع والنصب والجر. ومفرد، والإفراد واحد من ثلاثة أيضًا وهي: الإفراد والتثنية والجمع، ومذكر، والتذكير واحد من اثنين هما: التذكير، والتأنيث. ومعرف، والتعريف٧
стр. 903
واحد من اثنين أيضًا، وهما: التنكير والتعريف١، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٣٦-
فأولينه من وفاق الأول ... ما من وفاق الأول النعت ولي
"وقول الزمخشري٢: إن ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] عطف" بيان "على ﴿آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] مخالف لإجماعهم"، لأن البصريين والكوفيين أجمعوا على أن النكرة لا تبين بالمعرفة. وجمع المؤنث لا يبين بالمفرد المذكر. ولا يجوز أن يكون بدلا، لأنهم نصوا على أن المبدل منه إذا كان متعددًا وكان البدل غير واف بالعدة تعين القطع، وإنما التقدير: منها مقامُ إبراهيمَ، أو: بعضها مقامُ إبراهيمَ، فهو مبتدأ أو خبر مبتدأ.
"وقوله" أي الزمخشري "وقول الجرجاني: يشترط" في عطف البيان "كونه أوضح" وأخص "من متبوعه، مخالف لقول سيبويه في: "يا هذا ذا الجمة" إن "ذا الجمة" عطف بيان" على "هذا" "مع أن الإشارة أوضح" وأخص "من المضاف إلى ذي الأداة"، لأن تخصيص الإشارة زائد على تخصيص ذي الأداة. ومخالف للقياس أيضًا٣ لأن عطف البيان في الجامد بمنزلة النعت في المشتق، ولا يلزم زيادة تخصيص النعت باتفاق، فلا يلزم تخصيص عطف البيان. قاله الشارح٤. نعم لو قيل: يشترط في عطف البيان أن يكون أجلى من المعطوف عليه، لكان مذهبًا، لأن الجلي يبين الخفي.
"ويصح في عطف البيان" إذا قصد به ما يقصد بالبدل، أن يعرب بدل كل من كل، لما فيه٥ من البيان، "إلا إن امتنع الاستغناء عنه" فيمتنع أن يكون بدلا "نحو: هند قام زيد أخوها" فـ"أخوها" يتعين كونه عطف بيان على "زيد" ولا يجوز أن يكون بدلا منه، لأنه لا يصح الاسغناء عنه لاشتماله على ضمير رابط للجملة الواقعة خبرًا لـ"هند"، إذ الجملة الواقعة خبرًا لا بد لها من رابط يربطها بالمخبر عنه، والرابط هنا هو الضمير المضاف إليه الأخ الذي هو تابع لـ"زيد"، فلو أسقط لم يصح الكلام، فوجب أن يعرب "أخوها" بيانًا لا بدلا لأن البدل على نية تكرار العامل، فكأنه من جملة أخرى، فتخلوا الجملة المخبر بها عن رابط.
стр. 904
"أو" امتنع "إحلاله محل الأول نحو: يا زيد الحارث" فـ"الحارث" يتعين كونه عطف بيان على "زيد" ولا يجوز أن يكون بدلا منه، لامتناع إحلاله محل الأول، إذ لو قيل: يا الحارث، لم يجز، لأن "يا" و"أل" لا يجتمعان هنا. "وقوله" وهو طالب بن أبي طالب: [من الطويل] .
٦٥٥-
أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... أعيذكما بالله أن تحدثا حربا
فـ"عبد شمس ونوفلا" يتعين كونهما معطوفين عطف بيان على "أخوينا" ويمتنع فيهما البدلية، لأنهما على تقدير البدلية يحلان١ محل "أخوينا" فيكون التقدير: يا عبد شمس ونوفلا، بالنصب، وذلك لا يجوز لأن المنادى إذا عطف عليه اسم مجرد من "أل" وجب أن يعطى ما يستحقه لو كان منادى، و"نوفل" لو كان منادى لقيل فيه: يا نوفل، بالضم، لا: يا نوفلا، بالنصب.
"وقوله" وهو المراد الأسدي: [من الوافر] .
٦٥٦-
أنا ابن التارك البكري بشر ... عليه الطير ترقبه وقوعا
فـ"بشر": يتعين كونه عطف بيان على "البكري" ولا يجوز أن يكون بدلا منه، لأن البدل في نية إحلاله محل الأول، ولا يجوز أن يقال: أنا ابن التارك بشر، لأن الصفة المقرونة بـ"أل" كـ: التارك، لا تضاف إلا لما فيه "أل" كـ: البكري. "ويجوز البدلية في هذا" البيت "عند الفراء٢، لإجازته" إضافة الصفة المقرونة بـ"أل" إلى جميع المعارف نحو: "الضارب زيد، وليس" مذهبه "بمرضي" عند الجمهور، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
стр. 905
٥٣٨-
وصالحا لبدلية يرى ... في غير نحو يا غلام يعمرا
٥٣٩-
ونحو بشر تابع البكري ... وليس أن يبدل بالمرضي
ومن المستثنيات أن يضاف اسم التفضيل إلى عام، ويتبع بقسميه نحو: زيد أفضل الناس: الرجال والنساء، لأنه لو نوي إحلال الرجال محل الناس لنوي إحلال ما عطف عليه، وهو "النساء" محل "الناس" فيكون التقدير: زيد أفضل النساء، وذلك لا يجوز، لأن اسم التفضيل إذا قصد به الزيادة على ما أضيف له يشترط فيه أن يكون منهم، ومن ثم خطئ من قال: أنا أشعر الإنس والجن.
ومنها: أن تتبع صفة "أي" بمضاف نحو: يا أيها الرجل غلام زيد، بنصب الغلام، لأن الغلام لو نوي إحلاله محل الرجل لرفع، لأن الرجل في هذا التركيب واجب الرفع لأنه صفة "أي".
ومنها: أن يتبع مجرور "أي" بمفصل نحو: بأي الرجلين: زيد وعمرو، مررت؟ لأنه لو نوي إحلال زيد مع ما عطف عليه، وهو "عمرو" محل الرجلين، لزم إضافة أي إلى المعرفة المفردة، وهي لا تضاف إليها إلا إذا كان بينهما جمع مقدر نحو: أي زيد أحسن؟ بمعنى أي أجزائه أحسن؟ أو عطف على "أي" مثلها نحو: [من الكامل]
٦٥٧-
.............................. ... أيي وأيك فارس الأحزاب
ومنها: أن يتبع مجرور "كلا" بمفصل، نحو: كلا أخويك زيد وعمرو عندي. لأنه لو نوي إحلال زيد مع ما عطف عليه وهو "عمرو" محل "أخويك" لزم إضافة "كلا" إلى مفرق، وهي إنما تضاف إلى مثنى غير مفرق، وشذ: كلا أخي وخليلي.
قال الموضح في الحواشي: وهذه المسائل المستثناة مبنية على أن البدل لا بد وأن يكون صالحًا للإحلال محل الأول، وفيه نظر لأنهم يغتفرون في الثواني ولا يغتفرون في الأوائل، وقد جوزوا في: إنك أنت، كون "أنت" توكيدًا، وكونه بدلا مع أنه لا يجوز: إن أنت١.
وقال أبو سعيد علي بن مسعود في كتابه المستوفى: أولى٢ ما يقال في "نعم الرجل زيد": إن "زيد" بدل من "الرجل" ولا يلزم أن يحوز: نعم زيد. انتهى.
стр. 906
وقال الفخر الرازي: وهذا الاستثناء مبني على أن المبدل منه في حكم الطرح، والمبدل هو المعتبر، ومذهب سيبويه أن المبدل منه ليس مهدرًا بالكلية؛ لأنه قد يحتاج إليه لغرض آخر، كقولك: زيدًا رأيت غلامه رجلا صالحًا، فلو ذهبت تهدر١ الأول لم يصح كلامك. انتهى.
ويفترق البيان من البدل بوجوه منها٢:
أن البيان لا يقع ضميرًا ولا تابعًا لضمير.
ومنها: أنه لا يخالف متبوعه في التعريف والتنكير.
ومنها: أنه لا يقع جملة ولا تابعًا لجملة، ولا فعلا، ولا تابعًا لفعل.
ومنها: أنه ليس في نية إحلاله محل الأول، وليس من جملة أخرى، وليس متبوعه في حكم الطرح، بخلاف البدل في الجميع.
стр. 907
باب عطف النسق
مدخل
...
باب عطف النسق:
بفتح السين، بمعنى المنسوق، من نسقت الشيء نسقًا، بالتسكين، إذا أتيت به متتابعًا، وكثيرًا ما يسميه سيبويه١: باب الشركة. "وهو تابع يتوسط بينه وبين متبوعه أحد الأحرف الآتي ذكره". وهو٢ معنى قول الناظم.
٥٤٠-
تال بحر متبع عطف النسق ... ................................
فخرج بالتوسط المذكور ما عدا المحدود وبتقييد الحرف بالآتي ذكره ما بعد "أي" التفسيرية من نحو قولك: مررت بغضنفر، أي: "أسد" تابع لـ"غضنفر" بتوسط حرف التفسير، وهو "أي" وليس من الأحرف الآتي ذكرها، فليس هو عطف نسق، وإنما هو عطف بيان بالأجلى على الأخفى، وليس لنا عطف بيان بتوسط٣ حرف إلا هذا، وذهب الكوفيون إلى أن "أي" عاطفة. "وهي" أي الأحرف الموعود بها "نوعان":
أحدهما: "ما يقتضي التشريك في اللفظ" بوجوه الإعراب، "و" في "المعنى، إما مطلقًا" من غير قيد، "وهو" أربعة: "الواو والفاء وثم وحتى"٤. تقول: جاء القوم وزيد: أو فزيد، أو ثم زيد، أو: حتى زيد. فـ"زيد" شارك القوم في اللفظ بالضمة وفي المعنى وهو المجيء، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
стр. 908
٥٤١-
فالعطف مطلقًا بواو ثم فا ... حتى أم....................
"وإما مقيدًا" بقيد "وهو" اثنان: "أو، وأم، فشرطهما" في اقتضاء التشريك لفظًا ومعنى "أن لا يقتضيا إضرابًا"، لأن القائل: أزيد في الدار أم عمرو، عالم بأن الذي في الدار هو أحد المذكورين وغير عالم بتعيينه. فالذي بعد "أم" مساو للذي قبلها في الصلاحية لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه، وحصول المساواة إنما هو بواسطة "أم" فقد شركتهما١ في المعنى كما شركتهما٢ في اللفظ، وكذلك "أو" مشركة ما بعدها لما قبلها فيما يجاء بها لأجله من شك أو تخيير أو غيرهما٣. فإن اقتضيا إضرابًا كانا مشركين في اللفظ لا في المعنى، كما ذكر في التسهيل٤، وسيأتي بيان ذلك.
وذهب الجمهور إلى أن "أو" و"أم" مشركان في اللفظ لا في المعنى دائمًا" والصحيح عند ابن مالك الأول.
"و" الثاني: "ما يقتضي التشريك في اللفظ دون المعنى، إما لكونه يثبت لما بعده انتفى عما قبله، وهو "بل" عند الجميع" من النحويين، نحو: ما قام زيد بل عمرو، "و"لكن" عند سيبويه٥ وموافقيه٦"، نحو: ما قام زيد لكن عمرو٧.
ثم اختلف هؤلاء القائلون: إن "لكن" من حروف العطف، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تكون عاطفة إلا إذا لم تدخل عليها الواو، وهو مذهب الفارسي٨.
стр. 909
والثاني: أنها عاطفة، ولا تستعمل إلا بالواو الزائدة قبلها لزومًا، وصححه ابن عصفور، وزعم أن كلام سيبويه محمول عليه.
والثالث: أنها عاطفة تقدمتها الواو أو لا، وهو مذهب ابن كيسان١، وذهب يونس إلى أنها حرف استدراك، وليست بعاطفة.
"وإما لكونه بالعكس" وهو أن ينفي عما بعده ما ثبت لما٢ قبله، "وهو "لا" عند" النحاة "الجميع" نحو: جاء زيد لا عمرو، "و"ليس" عند البغداديين"، كما نقله ابن عصفور، ونقله أبو جعفر النحاس وابن بابشاذ عن الكوفيين، وجرى عليه في التسهيل٣ "كقوله" وهو لبيد: [من الرمل]
٦٥٨-
وإذا أقرضت قرضًا فاجزه ... إنما يجزي الفتى ليس الجمل
برفع الجمل عطفًا على الفتى. وخرجه المانعون على حذف خبر "ليس" للعلم به، والأصل: ليسه الجمل، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٤٢-
واتبعت لفظًا بل ولا ... لكن....................
стр. 910
فصل:
في كيفية استعمال حروف العطف وبيان معانيها:
"أما الواو فلمطلق الجمع" بين المتعاطفين من غير دلالة على ترتيب وعدمه على الصحيح. خلافًا للفراء وهشام وثعلب١ من الكوفيين وقطرب من البصريين في زعمهم أنها تفيد الترتيب٢. والتعبير بمطلق الجمع مساو للتعبير بالجمع المطلق من حيث المعنى، ولا التفات لمن غاير بينهما بالإطلاق والتقييد، وقد أطال الناس في الاختلاف٣ في المعنى، ولا التفات لمن غاير بينهما بالإطلاق والتقييد، وقد أطال الناس في الاختلاف٣ في ذلك حتى أفردوه بالتصنيف.
وإذا ثبت أنها لمطلق٤ الجمع في الحكم، "فتعطف متأخرًا في الحكم" على متقدم عليه "نحو: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ " [الحديد: ٢٦] فـ"إبراهيم" معطوف على نوح عطف متأخر على متقدم. "و" تعطف "متقدمًا" في الحكم على متأخر "نحو: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ " اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] فـ"الذين" معطوف على الكاف مع إعادة الجار عطف متقدم على متأخر.
"و" تعطف "مصاحبًا" للمعطوف عليه في الحكم نحو: " ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَة﴾ " [العنكبوت: ١٥] . فـ: أصحاب السفينة: معطوف على الهاء عطف مصاحب، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٤٣-
فاعطف بواو لاحقًا أو سابقا ... في الحكم أو مصاحبًا موافقا
стр. 911
فهذه ثلاث مراتب، وهي مختلفة في الكثرة والقلة، فمجيئها للمصاحبة أكثر، وللترتيب كثير، ولعكس الترتيب قليل، فتكون عد الاحتمال والتجرد من القرائن للمعية بأرجحية وللتأخر برجحان وللتقدم بمرجوحية. هذا مراد التسهيل١ وهو تحقيق للواقع لا قول ثالث٢.
"وتنفرد الواو" من بين سائر حروف العطف "بأنها" تختص بأحد وعشرين حكمًا:
الأول: أنها "تعطف اسمًا على اسم لا يكتفي الكلام به" أي بالاسم المعطوف عليه "كـ: اختصم زيد وعمرو، وتضارب زيد وعمرو، واصطف زيد وعمرو"، وسواء زيد وعمرو، وجلست بين زيد وعمرو. فالمعطوف عليه٣ في هذه الأمثلة، وهو زيد، لا يكتفى به، فلا يقال: اختصم زيد، وتضارب زيد، واصطف زيد، وسواء زيد، وجلست بين زيد، "إذ الاختصام والتضارب والاصطفاف والمساواة٤ والبينية من المعاني النسبية التي لا تقوم إلا باثنين فصاعدًا"، والواو لمطلق الجمع، فلذلك اختصت بها، بخلاف غيرها من حروف العطف، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٥٤٤-
واخصص بها عطف الذي لا يغني ... متبوعه................................
"ومن هنا" أي: من هذا المكان وهو اختصاص الواو بذلك "قال الأصمعي"، بفتح الميم، في قول امرئ القيس: [من الطويل]
٦٥٩-
.......................................... ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
بالفاء في إحدى الروايتين: "الصواب أن يقال: بين الدخول وحومل، بالواو"، على
стр. 912
الرواية المشهورة، وهي القياس، لأن البينية لا يعطف فيها بالفاء، لأنها تدل على الترتيب. "وحجة الجماعة" السماع، واختلفوا في التخريج فقال يعقوب بن السكيت: إنه على حذف مضاف، وإن التقدير: بين أهل الدخول فحومل. وقال خطاب المادري: إنه على اعتبار التعدد حكمًا، لأن الدخول مكان يجوز أن يشتمل على أمكنة متعددة، كما تقول: قعدت بين الكوفة، تريد: بين دورها وأماكنها، و"أن التقدير: بين أماكن الدخول فأماكن حومل، فهو بمنزلة: اختصم الزيدون فالعمرون"، إذا كان كل فريق منهم خصمًا لصاحبه. قال: وهذا عندي أصح من أن يجعل شاذًّا إذا ثبتت الرواية. انتهى. والدخول، بفتح الدال، وحومل، بفتح الحاء: موضعان: وسقط، بكسر السين المهملة، ما تساقط من الرمل، واللوى، بكسر اللام والقصر: رمل يعوج ويلتوي. فإن قلت: قدمت١ أن المساواة من المعاني النسبية التي لا يعطف فيها إلا بالواو٢، وقد جاء العطف فيها بـ"أم" كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] . قلت: أجيب عنه بأن هذا الكلام منظور فيه إلى حالته الأصلية، إذ٣ الأصل: سواء عليهم الإنذار وعدمه، فالعطف بطريق الأصالة إنما هو الواو، قاله الموضح في الحواشي.
الثاني: مما تنفرد به الواو عطف سببي على أجنبي في الاشتغال ونحوه، نحو: زيدًا ضربت عمرًا وأخاه، وزيد مررت بقومك وقومه.
والثالث: عطف ما تضمنه الأول إذا كان المعطوف ذا مزية، نحو: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] .
الرابع: عطف الشيء على مرادفه نحو: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
الخامس: عطف عامل قد حذف وبقي معموله، نحو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] .
السادس: جواز فصلها من معطوفها بظرف أو عديله، نحو ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] .
السابع: جواز تقديمها وتقديم معطوفها في الضرورة، نحو قوله: [من الطويل]
٦٦٠-
جمعت وفحشا غيبة ونميمة ... خصالا ثلاثًا لست عنها بمرعوي
стр. 913
وقيل: لا تختص "الواو" بذلك بل: "الفاء، وثم، وأو، ولا"، كذلك قاله التفتازاني.
الثامن: جواز العطف على الجوار في الجر خاصة، نحو: "وَأَرْجُلِكُمْ" [المائدة: ٦] في قراءة أبي عمرو وأبي بكر وابن كثير وحمزة١.
التاسع: جواز حذفها إن أمن اللبس كقوله: [من الخفيف]
٦٦١-
كيف أصبحت كيف أمسيت ... ... ........................................
العاشر: إيلاؤها٢ "لا" إذا عطفت مفردًا بعد نهي، نحو: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢] . أو نفي نحو: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . أو مؤول بنفي: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] .
الحادي عشر: إيلاؤها "إما" مسبوقة بمثلها غالبًا إذا عطفت مفردًا، نحو ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥] .
الثاني عشر: عطف العقد على النيف نحو: أحد وعشرون.
الثالث عشر: عطف النعوت المفرقة مع اجتماع منعوتها، كقوله: [من الوافر]
٦٢٢-
بكيت وما بكا رجل حزين ... على ربعين مسلوب وبال
الرابع عشر: عطف ما حقه التثنية والجمع، كقول الفرزدق: [من الكامل]
٦٦٣-
إن الرزية لا رزية مثلها ... فقدان مثل محمد ومحمد
الخامس عشر: عطف العام على الخاص نحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] . وأما عكسه نحو: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا
стр. 914
مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] فتشاركها فيها "حتى" نحو: مات الناس حتى الأنبياء، فإنها عاطفة خاصًّا على عام. قاله في المغني١.
السادس عشر: اقترانها بـ"لكن" نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
السابع عشر: امتناع الحكاية معها، فلا يقال: ومن زيدًا؟ بالنصب حكاية لمن قال: أرأيت زيدًا؟
الثامن عشر: العطف التلقيني، نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ١٢٦] .
التاسع عشر: العطف في التحذير والإغراء نحو: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] ونحو: المروءة والنجدة.
العشرون: عطف السابق على اللاحق نحو: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ [الشورى/ ٣] .
الحادي والعشرون: عطف "أي" على مثلها كقوله: [من الكامل]
٦٦٤-
............................ ... أيي وأيك فارس الأحزاب
"وأما الفاء فللترتيب المعنوي"، وهو أن يكون المعطوف بها لاحقًا كقوله تعالى: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار: ٧] . وقد تكون للترتيب الذكري، والمراد به أن يكون وقوع المعطوف به بعد المعطوف عليه٢ بحسب الذكر لفظًا، لا أن معنى الثاني وقع بعد زمان وقوع الأول، وأكثر ما يكون ذلك في عطف مفصل على مجمل نحو: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] . "والتعقيب": وهو٣ أن يكون المعطوف بها متصلا بلا مهملة نحو: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] . وتعقيب كل شيء بحسبه، ألا ترى أنه يقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن كانت مدته متطاولة، ودخل البصرة فبغداد، إذا لم يقم في البصرة ولا بين البلدين. "وكثيرًا ما تقتضي" الفاء "أيضًا٣ التسبب"، وهو أن يكون المعطوف بها٣ متسببًا عن المعطوف عليه، "إن كان المعطوف" بها "جملة" أو صفة، فالأول "نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] . والثاني نحو: ﴿لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٢، ٥٣، ٥٤] .
стр. 915
"واعترض على" المعنى "الأول"، وهو الترتيب المعنوي، "بقوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ " [الأعراف: ٤] فإن الهلاك متأخر عن مجيء البأس في المعنى وهو متقدم في التلاوة، وذلك ينافي الترتيب الذي في الفاء. قاله الفراء١.
"و" اعترض أيضًا "بنحو: "توضأ فغسل وجهه ويديه" ومسح رأسه ورجليه"٢ "الحديث". فإن غسل الأعضاء الأربعة متقدم في المعنى ومتأخر في الحديث، فلو كانت الفاء للترتيب لما حسن ذلك. "والجواب" من وجهين:
أحدهما: "أن المعنى" على إضمار الإرادة، والتقدير: "أردنا إهلاكها" فجاءها بأسنا، فمجيء البأس مترتب على الإرادة, "وأراد الوضوء" فغسل وجهه ... إلى آخره، فغسل الأعضاء الأربعة مترتب٣ على إرادة الوضوء.
الوجه الثاني: أن الفاء فيهما للترتيب الذكري لا المعنوي.
والحاصل أن الجمهور يقولون بإفادتها الترتيب مطلقًا، والفراء يمنع ذلك مطلقًا، وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الإمطار، بدليل: [من الطويل]
................................. ... ..... بين الدخول فحومل٤
وقولهم: "مطرنا مكان كذا، فمكان كذا" إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد.
"و" اعترض "على" المعنى "الثاني" وهو التعقيب. "بقوله تعالى": ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، " فَجَعَلَهُ غُثَاءً " أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤-٥] فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى، أي: يابسًا أسود. "والجواب" من وجهين:
أحدهما: أن جملة "فجعله غثاء" معطوفة على جملة محذوفة، و"أن التقدير: فمضت مدة فجعله غثاء".
"و" الثاني: "بأن الفاء نابت٥ عن: ثم"، والمعنى: ثم جعله غثاء، "كما