فهذه ثلاث مراتب، وهي مختلفة في الكثرة والقلة، فمجيئها للمصاحبة أكثر، وللترتيب كثير، ولعكس الترتيب قليل، فتكون عد الاحتمال والتجرد من القرائن للمعية بأرجحية وللتأخر برجحان وللتقدم بمرجوحية. هذا مراد التسهيل١ وهو تحقيق للواقع لا قول ثالث٢.
"وتنفرد الواو" من بين سائر حروف العطف "بأنها" تختص بأحد وعشرين حكمًا:
الأول: أنها "تعطف اسمًا على اسم لا يكتفي الكلام به" أي بالاسم المعطوف عليه "كـ: اختصم زيد وعمرو، وتضارب زيد وعمرو، واصطف زيد وعمرو"، وسواء زيد وعمرو، وجلست بين زيد وعمرو. فالمعطوف عليه٣ في هذه الأمثلة، وهو زيد، لا يكتفى به، فلا يقال: اختصم زيد، وتضارب زيد، واصطف زيد، وسواء زيد، وجلست بين زيد، "إذ الاختصام والتضارب والاصطفاف والمساواة٤ والبينية من المعاني النسبية التي لا تقوم إلا باثنين فصاعدًا"، والواو لمطلق الجمع، فلذلك اختصت بها، بخلاف غيرها من حروف العطف، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
٥٤٤-
واخصص بها عطف الذي لا يغني ... متبوعه................................
"ومن هنا" أي: من هذا المكان وهو اختصاص الواو بذلك "قال الأصمعي"، بفتح الميم، في قول امرئ القيس: [من الطويل]
٦٥٩-
.......................................... ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
بالفاء في إحدى الروايتين: "الصواب أن يقال: بين الدخول وحومل، بالواو"، على
стр. 912
الرواية المشهورة، وهي القياس، لأن البينية لا يعطف فيها بالفاء، لأنها تدل على الترتيب. "وحجة الجماعة" السماع، واختلفوا في التخريج فقال يعقوب بن السكيت: إنه على حذف مضاف، وإن التقدير: بين أهل الدخول فحومل. وقال خطاب المادري: إنه على اعتبار التعدد حكمًا، لأن الدخول مكان يجوز أن يشتمل على أمكنة متعددة، كما تقول: قعدت بين الكوفة، تريد: بين دورها وأماكنها، و"أن التقدير: بين أماكن الدخول فأماكن حومل، فهو بمنزلة: اختصم الزيدون فالعمرون"، إذا كان كل فريق منهم خصمًا لصاحبه. قال: وهذا عندي أصح من أن يجعل شاذًّا إذا ثبتت الرواية. انتهى. والدخول، بفتح الدال، وحومل، بفتح الحاء: موضعان: وسقط، بكسر السين المهملة، ما تساقط من الرمل، واللوى، بكسر اللام والقصر: رمل يعوج ويلتوي. فإن قلت: قدمت١ أن المساواة من المعاني النسبية التي لا يعطف فيها إلا بالواو٢، وقد جاء العطف فيها بـ"أم" كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] . قلت: أجيب عنه بأن هذا الكلام منظور فيه إلى حالته الأصلية، إذ٣ الأصل: سواء عليهم الإنذار وعدمه، فالعطف بطريق الأصالة إنما هو الواو، قاله الموضح في الحواشي.
الثاني: مما تنفرد به الواو عطف سببي على أجنبي في الاشتغال ونحوه، نحو: زيدًا ضربت عمرًا وأخاه، وزيد مررت بقومك وقومه.
والثالث: عطف ما تضمنه الأول إذا كان المعطوف ذا مزية، نحو: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] .
الرابع: عطف الشيء على مرادفه نحو: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
الخامس: عطف عامل قد حذف وبقي معموله، نحو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] .
السادس: جواز فصلها من معطوفها بظرف أو عديله، نحو ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] .
السابع: جواز تقديمها وتقديم معطوفها في الضرورة، نحو قوله: [من الطويل]
٦٦٠-
جمعت وفحشا غيبة ونميمة ... خصالا ثلاثًا لست عنها بمرعوي
стр. 913
وقيل: لا تختص "الواو" بذلك بل: "الفاء، وثم، وأو، ولا"، كذلك قاله التفتازاني.
الثامن: جواز العطف على الجوار في الجر خاصة، نحو: "وَأَرْجُلِكُمْ" [المائدة: ٦] في قراءة أبي عمرو وأبي بكر وابن كثير وحمزة١.
التاسع: جواز حذفها إن أمن اللبس كقوله: [من الخفيف]
٦٦١-
كيف أصبحت كيف أمسيت ... ... ........................................
العاشر: إيلاؤها٢ "لا" إذا عطفت مفردًا بعد نهي، نحو: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢] . أو نفي نحو: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . أو مؤول بنفي: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] .
الحادي عشر: إيلاؤها "إما" مسبوقة بمثلها غالبًا إذا عطفت مفردًا، نحو ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥] .
الثاني عشر: عطف العقد على النيف نحو: أحد وعشرون.
الثالث عشر: عطف النعوت المفرقة مع اجتماع منعوتها، كقوله: [من الوافر]
٦٢٢-
بكيت وما بكا رجل حزين ... على ربعين مسلوب وبال
الرابع عشر: عطف ما حقه التثنية والجمع، كقول الفرزدق: [من الكامل]
٦٦٣-
إن الرزية لا رزية مثلها ... فقدان مثل محمد ومحمد
الخامس عشر: عطف العام على الخاص نحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] . وأما عكسه نحو: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا
стр. 914
مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] فتشاركها فيها "حتى" نحو: مات الناس حتى الأنبياء، فإنها عاطفة خاصًّا على عام. قاله في المغني١.
السادس عشر: اقترانها بـ"لكن" نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
السابع عشر: امتناع الحكاية معها، فلا يقال: ومن زيدًا؟ بالنصب حكاية لمن قال: أرأيت زيدًا؟
الثامن عشر: العطف التلقيني، نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ١٢٦] .
التاسع عشر: العطف في التحذير والإغراء نحو: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] ونحو: المروءة والنجدة.
العشرون: عطف السابق على اللاحق نحو: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ [الشورى/ ٣] .
الحادي والعشرون: عطف "أي" على مثلها كقوله: [من الكامل]
٦٦٤-
............................ ... أيي وأيك فارس الأحزاب
"وأما الفاء فللترتيب المعنوي"، وهو أن يكون المعطوف بها لاحقًا كقوله تعالى: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار: ٧] . وقد تكون للترتيب الذكري، والمراد به أن يكون وقوع المعطوف به بعد المعطوف عليه٢ بحسب الذكر لفظًا، لا أن معنى الثاني وقع بعد زمان وقوع الأول، وأكثر ما يكون ذلك في عطف مفصل على مجمل نحو: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] . "والتعقيب": وهو٣ أن يكون المعطوف بها متصلا بلا مهملة نحو: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] . وتعقيب كل شيء بحسبه، ألا ترى أنه يقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن كانت مدته متطاولة، ودخل البصرة فبغداد، إذا لم يقم في البصرة ولا بين البلدين. "وكثيرًا ما تقتضي" الفاء "أيضًا٣ التسبب"، وهو أن يكون المعطوف بها٣ متسببًا عن المعطوف عليه، "إن كان المعطوف" بها "جملة" أو صفة، فالأول "نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] . والثاني نحو: ﴿لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٢، ٥٣، ٥٤] .
стр. 915
"واعترض على" المعنى "الأول"، وهو الترتيب المعنوي، "بقوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ " [الأعراف: ٤] فإن الهلاك متأخر عن مجيء البأس في المعنى وهو متقدم في التلاوة، وذلك ينافي الترتيب الذي في الفاء. قاله الفراء١.
"و" اعترض أيضًا "بنحو: "توضأ فغسل وجهه ويديه" ومسح رأسه ورجليه"٢ "الحديث". فإن غسل الأعضاء الأربعة متقدم في المعنى ومتأخر في الحديث، فلو كانت الفاء للترتيب لما حسن ذلك. "والجواب" من وجهين:
أحدهما: "أن المعنى" على إضمار الإرادة، والتقدير: "أردنا إهلاكها" فجاءها بأسنا، فمجيء البأس مترتب على الإرادة, "وأراد الوضوء" فغسل وجهه ... إلى آخره، فغسل الأعضاء الأربعة مترتب٣ على إرادة الوضوء.
الوجه الثاني: أن الفاء فيهما للترتيب الذكري لا المعنوي.
والحاصل أن الجمهور يقولون بإفادتها الترتيب مطلقًا، والفراء يمنع ذلك مطلقًا، وقال الجرمي: لا تفيد الترتيب في البقاع ولا في الإمطار، بدليل: [من الطويل]
................................. ... ..... بين الدخول فحومل٤
وقولهم: "مطرنا مكان كذا، فمكان كذا" إذا كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد.
"و" اعترض "على" المعنى "الثاني" وهو التعقيب. "بقوله تعالى": ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، " فَجَعَلَهُ غُثَاءً " أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤-٥] فإن إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى، أي: يابسًا أسود. "والجواب" من وجهين:
أحدهما: أن جملة "فجعله غثاء" معطوفة على جملة محذوفة، و"أن التقدير: فمضت مدة فجعله غثاء".
"و" الثاني: "بأن الفاء نابت٥ عن: ثم"، والمعنى: ثم جعله غثاء، "كما
стр. 916
جاء عكسه" وهو نيابة "ثم" عن "الفاء" كقوله: [من المتقارب]
٦٦٥-
................................ ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب
أي: فاضطرب، "وسيأتي" قريبًا، وإلى إفادة الفاء الترتيب والتعقيب أشار الناظم بقوله:
٥٤٥-
والفاء للترتيب باتصال ... .............................
"وتختص الفاء بأنها تعطف على الصلة ما١ لا يصح كونه صلة لخلوه٢ من العائد" على الموصول، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٤٦-
واخصص بفاء عطف ما ليس صله ... على الذي استقر أنه الصله
"نحو: اللذان يقومان فيغضب زيد أخواك" فـ"اللذان" مبتدأ، وهو اسم موصول، وجملة "يقومان" صلته، وجملة "يغضب زيد" معطوفة على جملة٣ "يقومان" الواقعة صلة. وكان القياس أن لا يصح العطف لخلوها عن ضمير يعود على الموصول، لأنها رفعت الظاهر، وهو زيد، ولكنها لما عطفت بالفاء صح ذلك، لأن ما في الفاء من معنى السببية أغنى عن الضمير، لأن الفاء تجعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة. لإشعارها بالسببية، فكأنك قلت: اللذان إن يقوما٤ فيغضب زيد أخواك، و"أخواك": خبر اللذان. "وعكسه" وهو أن الفاء تعطف ما يصح أن يكون صلة على ما لا يصلح أن يكون صلة، "نحو: الذي يقوم أخواك فيغضب هو زيد" فـ"الذي": متبدأ، و"يقوم أخواك": جملة فعلية، صلة "الذي"، وهي لا تصلح أن تكون صلة لخلوها عن ضمير عائد على الموصول، والذي سوغ ذلك عطف جملة "يغضب هو" عليها، لاشتمالها على العائد إلى الموصول، وهو الضمير المرفوع بـ"يغضب"، وإنما أبرز [الضمير] ٥ لأن الفعل كالوصف إذا جرى على غير من هو له ورفع٦ ضميرًا وجب إبرازه، وزيد: خبر الذي.
стр. 917
"ومثل ذلك جار في الخبر والصفة والحال"، فيعطف على جملة الخبر ما لا يصلح كونه خبرًا لخلوه من عائد على المبتدأ، وعكسه، فالأول "نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] فجملة "تصبح الأرض" بالرفع: معطوفة على جملة "أنزل" الواقعة خبر "أن". وكان القياس أن لا يصح العطف لخلوها من ضمير يعود على اسم "أن" إذ المعطوف على الخبر خبر، ولكنها لما قرنت بالفاء ساغ ذلك.
"و" الثاني نحو "قوله"، وهو ذو الرمة غيلان: [من الطويل]
٦٦٦-
وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو وتارات يجم فيغرق
فـ"إنسان عيني": مبتدأ ومضاف إليه، و"يحسر الماء"، بالرفع: خبر المتبدأ، وهو لا يصلح كونه١ خبرًا، لخلوه من عائد يعود على المبتدأ لرفعه الظاهر، وهو "الماء" ولكن سوغ ذلك عطف "فيبدو" عليه، فإنه مشتمل على ضمير مستتر فيه يعود على المبتدأ. هذ قول ابن عصفور٢. وقال المرادي في باب المبتدأ٣: التحقيق أن الجملتين إذا عطفت إحداهما على الأخرى بالفاء التي للسببية تنزلتا منزلة الشرط والجزاء، فاكتفي بضمير واحد من إحداهما كما يكتفى بضمير واحد في جملة الشرط والجزاء، فإذا قلت: زيد جاء عمرو فأكرمه، فالارتباط وقع بالضمير الذي في الثانية: نص على ذلك ابن أبي الربيع، قال: لأنهما تنزلتا منزلة: زيد لما جاء عمرو أكرمه. فالإخبار إذن إنما هو بمجموعهما، والرابط إنما هو الضمير. انتهى كلام المرادي.
وقال الموضح في المغني٤: كذا قالوا: والبيت يحتمل أن يكون أصله: يحسر الماء عنه: أي: ينكشف عنه. ونقل المكودي٥ في باب الإضافة عن بعض النحاة أنه أجاز حذف "إن" الشرطية، وأنها حذفت ارتفع المضارع، واستشهد له بهذا البيت.
стр. 918
و"إنسان العين": هو المثال الذي يرى في السواد، و"يحسر" بالحاء المهملة: يغور، من قولهم: حسر البحر، إذا غار، و"يجم" بالجيم: من الجموم، وهو الكثرة، و"يغرق": معطوف على "يجم". والمعنى أن الماء إذا غار ظهر إنسان العين، وإذا كثر غرق واستتر.
وتعطف على الصفة ما لا يصلح كونه صلة لخلوه من١ عائد على الموصوف، وعكسه، فالأول نحو: مررت برجل يبكي فيضحك عمرو، والثاني نحو: مررت برجل يبكي عمرو فيضحك هو.
وتعطف على الحال ما لا يصلح كونه حالا لخلوه من عائد يعود على صاحب الحال، وعكسه، فالأول نحو: عهدت زيدًا يغضب فيطير الذباب. والثاني نحو: عهدته يطير الذباب فيغضب٢ هو. هذا وقد قال في المغني٣: ويجب أن يدعى أن الفاء في ذلك كله قد أخلصت لمعنى السببية، وأخرجت عن العطف، كما أن الفاء كذلك في جواب الشرط. انتهى.
"وأما "ثم" فللترتيب والتراخي" على الأصح فيهما، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٤٥-
........................... ... وثم للترتيب بانفصال
"نحو: ﴿فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ " [عبس: ٢١-٢٢] . وزعم٤ قوم أنها لا تفيد الترتيب تمسكًا بنحو قوله "تعالى"٥: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ في الزمر. [الزمر: ٦] .
وأجيب بأن "ثم" فيها بمعنى الواو بدليل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] بالواو، في الأعراف، والقصة واحدة.
وزعم الأخفش أن "ثم" قد تتخلف عن التراخي بدليل قولك: أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب، لأن "ثم" في ذلك لترتيب الإخبار، ولا تراخي بين الإخبارين.
стр. 919
وجعل منه ابن مالك: ﴿ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] الآية. قال في المغني١: والظاهر أن "ثم" فيه واقعة موقع الفاء. "وقد توضع" ثم "موضع الفاء كقوله" وهو أبو دؤاد٢ جارية٣ بن الحجاج: [من المتقارب]
٦٦٧-
كهز الرديني تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب
إذ الهز متى جرى في أنابيب الرمح يعقبه الاضطراب ولم يتراخ عنه. قاله في المغني٤. واعترضه قريبه فقال: والظاهر أنه ليس كذلك بل الاضطراب والجري في زمن واحد. وجوابه أن الترتيب يحصل في لحظات لطيفة.
و"الرديني": صفة للرمح٥، يقال: رمح رديني وقناة ردينية. قال الجوهري٦: زعموا أنه منسوب إلى امرأة تسمى ردينة. كانت تقوم القناة بخط هجر. و"العجاج" بفتح العين: الغبار، والأنابيب: جمع أنبوبة، وهي ما بين كل عقدتين من القصب.
"وأما "حتى" فالعطف بها قليل" عند البصريين، "والكوفيون ينكرونه" بالكلية، ويحملون نحو: جاء القوم حتى أبوك، ورأيت القوم حختى أباك، ومررت بالقوم حتى أبيك، على أن "حتى" فيه ابتدائية، وأن ما بعدها على إضمار عامل. "و" العطف بـ"حتى" "شرطه أربعة أمور:
أحدها: كون المعطوف اسما" لا فعلا، لأنها منقولة من "حتى" الجارة. وهي لا تدخل على الأفعال؛ فلا يجوز على العطف: أكرمت زيدًا بكل ما أقدر عليه حتى أقمت نفسي خادمًا له، وبخل علي زيد بكل شيء حتى منعني دانقًا، وأجازه ابن السيد٧.
"والثاني: كونه ظاهرًا" لا مضمرًا، كما كان ذلك شرط مجرورها، "فلا يحوز: قام الناس حتى أنا"، ولا: ضربت القوم حتى إياك، وهذا الشرط "ذكره" ابن هشام "الخضراوي"، قال في المغني٨: ولم أقف عليه لغيره.
стр. 920
"والثالث: كونه بعضًا من المعطوف عليه، إما بالتحقيق" بأن يكون جزءًا من كل، "نحو: أكلت السمكة حتى رأسها"، أو فردًا من جمع نحو: قدم الحجاج حتى المشاة، أو نوعًا من جنس نحو: أعجبني التمر حتى البرني١. "أو" بعضًا "بالتأويل، كقوله"؛ وهو أبو مروان النحوي في قصة المتلمس حين حرب من عمرو بن هند لما أراد قتله: [من الطويل]
٦٦٨-
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها
"فيمن نصب نعله، فإن ما قبلها"؛ وهو "ألقى الصحيفة" و"الزاد"؛ "في تأويل" ألقى ما يثقله"، ونعله بعض ما يثقله. قال أبو البقاء، فيكون معطوفًا على "الصحيفة" ويحتمل أن يكون منصوبًا بفعل محذوف يفسره "ألقاها" فـ"ألقاها": على الأول توكيد، وعلى الثاني تفسير. وأما من رفع نعله فعلى الابتداء، وألقاها: خبره، وأما من جرها فعلى أن "حتى" جارة، وألقاها: توكيد.
وكان من قصة المتلمس أنه وطرفة هجيا عمرو بن هند ثم مدحاه بعد ذلك فكتب لكل منهما صحيفة إلى عامله بالحيرة، وأمره فيها بقتلهما، وختمها وأوهمهما أنه كتب لهما بصلة، فلما دخلا الحيرة فتح المتلمس الصحيفة وفهم ما فيها، فألقاها في نهر الحيرة وفر إلى الشام، وأما طرفة فأبى أن يفتحها، ودفعها إلى العامل فقتله٢.
"أو شبيهًا بالبعض" في شدة الاتصال "كقولك٣: أعجبتني الجارية حتى كلامها، ويمتنع" أن يقال: أعجبتني الجارية "حتى ولدها"، لأن ولدها ليس جزءًا منها "ولا شبيهًا به، بخلاف كلامها فإنه لشدة اتصاله بها صار كجزئها.
стр. 921
"وضابط ذلك أنه إن١ حسن الاستثناء" المتصل "حسن دخول: حتى"، وإن لم يحسن امتنع، ألا ترى أنه يحسن أن تقول: أعجبتني الجارية إلا كلامها، تنزيلا لكلامها منزلة بعضها، ويمتنع أن يقال: أعجبتني الجارية إلا ولدها، على إرادة الاتصال، لأن اسم الجارية يتناول ولدها، لأن شرط الاستثناء المتصل أن يتناول ما قبل أداته ما بعدها نصًّا، و [هذا] ٢ ليس كذلك، فلا يحسن استثناؤه، فلا يصح عطفه بـ"حتى".
"والرابع: كونه غاية" لما قبلها "في زيادة حسية" مرجعها إلى الحس والمشاهدة "نحو: فلان يهب الأعداد الكثيرة حتى الألوف" فإن الألوف غاية الأعداد في الزيادة الحسية.
"أو" في زيادة "معنوية" مرجعها إلى المعنى "نحو: مات الناس حتى الأنبياء أو الملوك"، فإن الأنبياء والملوك غاية الناس في الزيادة المعنوية، وهي الاتصاف بالنبوة والملك. "أو في نقص" حسي أو معنوي كذلك، فالأول نحو: المؤمن يجزى بالحسنات حتى مثقال الذرة، فإن مثقال الذرة غاية في النقص الحسي.
"و" الثاني "نحو: غلبك الناس حتى الصبيان أو النساء"، فإن الصبيان والنساء في غاية النقص المعنوي، وهو الاتصاف بالصبا والأنوثة. والتحقيق؛ كما قال في المطول؛ أن المعتبر في ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنًا من الأضعف إلى الأقوى، أو بالعكس، ولا يعتبر الترتيب الخارجي لجواز أن يكون ملابسة الفعل لما بعدها قبل ملابسة٣ الأجزاء الأخر٤ نحو: مات كل أب لي حتى آدم، وفي أثنائها نحو: مات الناس حتى الأنبياء، وفي زمان واحد نحو: جاءني القوم حتى زيد، إذا جاءوك معًا وزيد أضعفهم. وعلم من كلام الموضح أنه لو لم يكن ما بعد "حتى" من جنس ما قبلها تحقيقًا أو تأويلا أو تشبيهًا، أو كان كذلك ولكنه لم يكن غاية له، أو كان غاية ولم يكن يدل على زيادة أو نقص حسيين أو معنويين، امتنع العطف بـ: حتى؛ فلا يجوز: كلمت العرب حتى العجم، لاختلاف الجنس، ولا: خرج الفرسان حتى بنو فلان، وهم من وسط الفرسان، لفقد الغاية، لأن
стр. 922
الغاية لا تكون إلا في الأطراف العالية أو السافلة، ولا: جاء القوم حتى زيد، إذا لم يتصف١ بزيادة ولا نقص من رفعة أو وضعة، إلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٤٧-
بعضًا بحتى اعطف على كل ولا ... يكون إلا غاية الذي تلا
وبقي عليهما شرط آخر، وهو أن يكون شريكًا في العامل، فلا يجوز: صمت الأيام حتى يوم الفطر. قاله الموضح في الحواشي.
"وأما "أم" فضربان: منقطعة؛ وستأتي؛ ومتصلة، وهي المسبوقة إما بهمزة التسوية"، سواء وجدت لفظة "سواء" أو لا، "و" "المسبوقة بهمزة التسوية"٢ "هي الداخلة على جملة" بحيث تكون الهمزة مع الجملة "في محل المصدر"، وتكون الجملة المسبوقة بهمزة التسوية "هي" والجملة "المعطوفة عليها فعليتين نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الآية"، أي " ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] أي: سواء عليهم الإنذار وعدمه. "أو اسميتين كقوله": [من الطويل] .
٦٦٩-
ولست أبالي بعد فقدي مالكا ... أموتي ناء أم هو الآن واقع
أي: لست أبالي بُعْدَ موتي أم وقوعه الآن. "أو مختلفتين" بأن تكون المعطوفة عليها فعلية والمعطوفة اسمية "نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ " [الأعراف: ١٩٣] أي: سواء عليكم دعاؤكم إياهم أم صمتكم. أو بالعكس نحو: ما أبالي أزيد قاعد أم قام، أي: مال أبالي بقعوده أم قيامه.
"وإما" مسبوقة "بهمزة يطلب بها وبـ"أم" التعيين" لأحد الشيئين بحكم معلوم الثبوت، فإذا قيل: أزيد عندك أم عمرو؟ قيل في الجواب: زيد، أو قيل: عمرو، ولا يقال: لا، ولا: نعم، لعدم التعيين.
"وتقع" "أم" المسبوقة بهمزة التعيين "بين مفردين متوسط بينهما ما لا يسأل عنه نحو: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات: ٢٧] أو متأخر عنهما" ما لا يسأل عنه "نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] .
стр. 923
فالسؤال في الآية الأولى وقع عن المسند إليه ولم يسأل عن المسند، وفي الثانية بالعكس، فوسط ما لا يسأل عنه في الأولى وهو "أشد خلقًا" وأخر في الثانية وهو "ما توعدون" وذلك لأن شرط الهمزة المعادلة لـ"أم" أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين أحدهما، ويلي "أم" المعادل١ الآخر ليفهم السامع من أول الأمر الشيء المطلوب تعيينه.
تقول إذا استفهمت عن تعيين المبتدأ دون الخبر: أزيد قائم أم عمرو؟ وإن شئت قلت: أزيد أم عمرو قائم؟ فتوسط الخبر أو تؤخره، لأنه غير مسؤول عنه.
وتقول إذا استفهمت عن تعيين الخبر دون المبتدأ: أقائم زيد أم قاعدًا؟ وإن شئت قلت: أقائم أم قاعد زيد؟ فتوسط المبتدأ أو تؤخره، لأنه غير مسؤول عنه.
"و" تقع "بين" جملتين "فعليتين" ليستا في تأويل المفردين "كقوله"؛ وهو زياد بن حمل بفتح [الحاء] ٢ المهملة والميم: [من البسيط]
٦٧٠-
فقمت للطيف مرتاعا فأرقني ... فقلت أهي سرت أم دعاني حلم
"لأن الأرجح كون: هي" الواقعة بعد الهمزة "فاعلا بفعل محذوف" يفسره "سرت"، لأن همزة الاستفهام بالفعل أولى من حيث إن الاستفهام عما يشك فيه، وهو الأحوال، لأنها متجددة، وأما عن الذوات فقليل، من ثم رجح النصب في باب الاشتغال نحو: أزيدًا ضربته؟
والمراد بالطيف هنا: خيال المحبوبة الذي رآه في النوم، والمرتاع: الخائف, وأرقني: أسهرني، وأهي: بسكون الهاء بعد الهمزة، وسرت: سارت ليلا، وعادني: جاءني بعد إعراضه عني، والحلم، بضمتين: رؤيا النوم.
قال ابن الحاجب٣: يريد: أني قمت من أجل الطيف منتبهًا مذعورًا للقائه، وأرقني لما لم يحصل اجتماع محقق، ثم ارتبت: هل كان الاجتماع على التحقيق، أو كان في المنام؟
стр. 924
"واسميتين كقوله"، وهو الأسود بن يعفر التميمي: [من الطويل]
٦٧١-
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر
فـ"شعيث" في الموضعين، بالتصغير، أوله شين معجمة وآخره ثاء مثلثة: اسم قبيلة، وهو مبتدأ، وابن: خبره، ولهذا يكتب بالألف، والجملة في موضع النصب بـ: أدري، وهو معلق عنها بالاستفهام، و"الأصل: أشعيث"١ بالهمزة في أوله والتنوين في آخره، "فحذفت الهمزة والتنوين منهما" للضرورة، بناء على أنه مصروف نظرًا إلى الحي، بدليل الإخبار عنه بـ: ابن، ويحتمل أن يكون ممنوع الصرف نظرًا إلى القبيلة، والإخبار بـ: ابن لا يمنع من ذلك لجواز رعاية٢ التذكير وضده باعتبارين، قال السيرافي: لأنه يهجو هذه القبيلة فيقول: لم تستقر على أب، لأن بعضًا يعزوها منقر، وبعضًا٣ يعزوها، إلى سهم. انتهى.
والمعنى: لا أدري أي النسبين هو الصحيح، نسب شعيث بن سهم أم نسب شعيث بن منقر، وسهم، بفتح المهملة وسكون الهاء، ومنقر، بكسر الميم وسكون النون وكسر القاف، وبالراء: قبيلتان.
واستغنى الموضح بحذف الهمزة في هذا البيت عن شرح قول الناظم:
٥٤٩-
وربما أسقطت الهمزة إن ... كان خفا المعنى بحذفها أمن
ومختلفتين نحو: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٩] لأن الأرجح كون "أنتم" فاعلا بفعل محذوف يفسره المذكور. قاله في المغني٤.
والحاصل أن "أم" المتصلة منحصرة في نوعين، لأنها إما أن تتقدم عليها همزة التسوية، أو همزة يطلب بها وبـ"أم" التعيين وإنما سميت في هذين النوعين متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر.
стр. 925
وقيل: لأنها اتصلت بالهمزة حتى صارتا في إفادة الاستفهام بمثابة كلمة واحدة، لأنهما جميعًا بمعنى "أي". ورجح هذا على الأول بأن اعتبار هذا المعنى راجح إليها نفسها لا إلى أمر خارج عنها، بخلاف الأول، فإن الاتصال فيه إنما هو بين السابق واللاحق، فإطلاق الاتصال عليها إنما هو باعتبار متعاطفيها المتصلين، فتسميتها بذلك إنما هو لأمر خارج عنها.
وعورض بأن الوجه الثاني إنما يأتي في المسبوقة بهمزة الاستفهام لا بهمزة التسوية، فيترجح الأول لشموله النوعين، وعليه اقتصر في المغني١. وتسمى أيضًا في النوعين معادلة لمعادلة الهمزة في إفادة التسوية في النوع الأول والاستفهام في النوع الثاني، ويفترق النوعان من أربعة أوجه:
أولها وثانيها: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابًا، لأن المعنى معها ليس على الاستفهام، وأن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب، لأنه خبر.
وثالثها ورابعها: أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تقع إلا بين جملتين وأن الجملتين لا يكونان معها إلا في تأويل المفردين كما مر، وليست كذلك. وإلى نوعي الاتصال أشار الناظم بقوله:
٥٤٨-
وأم بها اعطف بعد همز التسويه ... أو همزة عن لفظ أي مغنيه
"و" أم "المنقطعة هي الخالية من ذلك" المذكور في المتصلة، فلا تتقدم عليها همزة التسوية ولا همزة يطلب بها وبـ"أم" التعيين. وسميت منقطعة لوقوعها بين جملتين مستقلتين، "فلا يفارقها معنى الإضراب" عند الجمهور، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٥٠-
وبانقطاع وبمعنى بل وفت ... إن تك مما قيدت به خلت
"وقد تقتضي مع ذلك" الإضراب "استفهامًا حقيقيًّا" وهو الطلبي، "نحو" قول العرب: "إنها لإبل أم شاء" بالمد. والإبل: اسم جنس، والشاء: ليس جمع شاة في اللفظ ولكنه جمع لا واحد له من لفظه، قاله أبو عثمان. وشاء: خبر لمبتدأ محذوف "أي: بل أهي٢ شاء" فالهمزة٣ داخلة على جملة. "وإنما قدرنا بعدها مبتدأ، لأنها لا تدخل على المفرد"، لأنها بمعنى "بل" الابتدائية، وحرف الابتداء لا يدخل إلا على جملة، ومن
стр. 926
ثم كانت غير عاطفة عند الجمهور، خلافًا لابن جني١. وادعى ابن مالك أنها قد تدخل على المفرد، وحمل قولهم: إنها لإبل أم شاء، على ظاهره دون تقديره مبتدأ، واستدل بأنه قد سمع أن هناك: إبلا أم شاء، بالنصب، وهذا لا يعرف إلا من جهته٢، وإن سلم فالتأويل٣ ممكن بأن تكون متصلة وحذفت الهمزة، أو منقطعة وانتصب "شاء" بمحذوف أي: أم أرى شاء.
"أو" استفهامًا "إنكاريًّا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ" وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] "أي" بل "أله البنات"، إذ لو قدرت الإضراب المحض لزم المحال، وهو الإخبار بنسبة البنات إليه، تعالى عن ذلك. "وقد لا تقتضيه" أي لا تقتضي "أم" المنقطعة الاستفهام "البتة"، لا حقيقيًّا ولا إنكاريًّا "نحو": ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ " أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ "﴾ [الرعد: ١٦] "أي: بل" هل "تستوي"، ولا يقدر: بل أهل، "إذ لا يدخل استفهام على استفهام، وقول الشاعر": [من الطويل]
٦٧٢-
فليت سليمى في المنام ضجيعتي ... هنالك أم في جنة أم جهنم
أي: بل في جهنم، "إذ لا معنى للاستفهام" هنا، لأنه للتمني، ونقل ابن الشجري٤ عن جميع البصريين أن "أم" أبدًا بمعنى "بل" والهمزة جميعًا، وأن الكوفيين خالفوهم في ذلك. انتهى. وهذه الآية والبيت يشهدان للكوفيين، فإن "أم" فيهما بمعنى "بل" خاصة كما أنها بمعنى الاستفهام خاصة في قول الأخطل: [من الكامل]
٦٧٣-
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خَيَالا
стр. 927
قال أبو عبيدة: [إن] ١ المعنى: هل رأيت.
"وأما "أو" فإنها بعد الطلب للتخيير" بين المتعاطفين "نحو: تزوج زينب أو أختها، أو للإباحة كـ: جالس العلماء أو الزهاد. والفرق [بينهما" أي] ١ بين التخيير والإباحة "امتناع الجمع بين المتعاطفين في التخيير"، فلا يجوز أن يجمع بين زينب وأختها في التزويج، لامتناع الجمع بين الأختين، "وجوازه"؛ أي الجمع بين المتعاطفين؛ "في الإباحة"، فيجوز أن يجمع بين العلماء والزهاد في المجالسة٢.
"وبعد الخبر"، وهو مقابل الطلب، أي الكلام الخبري الذي من شأنه أن يحتمل التصديق والتكذيب "للشك" من المتكلم "نحو: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم﴾ " [الكهف: ١٩] فـ"لبثنا" كلام خبري، و"أو" للشك من القائلين ذلك.
"أو للإبهام" على المخاطب "نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ " [سبأ: ٢٤] فـ"إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى": كلام خبري. و"أو في ضلال مبين": للإبهام، فيكون الشاهد في الثانية. وقال في المغني٣: "الشاهد في الأولى".
وقال الدماميني: "الشاهد في الأولى والثانية"، والمعنى أن أحد الفريقين منا ومنكم ثابت له أحد الأمرين: كونه على هدى أو كونه في ضلال مبين، أخرج الكلام في صورة الاحتمال مع العلم بأن من وحد الله وعبده فهو على هدى، وأن من عبد غير الله من جماد أو غيره فهو في ضلال مبين. انتهى.
"وللتفصيل"؛ بالصاد المهملة؛ بعد الإجمال "نحو: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ " [البقرة: ١٣٥] فـ"قالوا" كلام خبري، وهو مشتمل على الواو العائدة على اليهود والنصارى، فذكر الفريقين على الإجمال بالضمير العائد إليهما، ثم فصل ما قاله كل فريق، أي: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى، فـ"أو" لتفصيل الإجمال في فاعل "قالوا" وهو الواو.
"أو للتقسيم نحو: الكلمة اسم أو فعل أو حرف". قاله ابن مالك في الخلاصة وأصلها، وعدل عنه في التسهيل٤ وشرحه٥ إلى التفريق المجرد.
стр. 928
"وللإضراب" كـ"بل" مطلقًا "عند الكوفيين وأبي علي" الفارسي وابن برهان، نحو: أنا أخرج، ثم تقول: أو أقيم، أضربت عن الخروج ثم أثبت الإقامة، فكأنك قلت: لا، بل أقيم. "حكى الفراء: اذهب إلى زيد أو دع ذلك فلا تبرح اليوم". نقله عنه في شرح الكافية١. ونقل ابن عصفور عن سيبويه أنه أثبت "لا" والإضراب بشرطين: تقدم نفي أو نهي، وتكرير العامل، نحو: لست زيدًا أو لست عمرًا، ولا تضرب زيدًا أو لا تضرب عمرًا.
"و" تكون "أو" "بمعنى الواو عند الكوفيين" والأخفش والجرمي٢، "وذلك عند أمن اللبس، كقوله"، وهو حميد ين ثور الهلالي: [من الكامل]
٦٧٤-
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
أي: وسافع، لأن البينية من المعاني النسبية التي لا يعطف فيها إلا بالواو كما تقدم.
ويحتمل أن تكون "أو" لأحد الأمرين على بابها، والمراد: بين فريق ملجم أو فريق سافع، على حد: اجلس بين العلماء أو الزهاد، والصريخ: صوت المستصرخ، والملجم: هو جاعل اللجام في محله من الفرس، والسافع، بالسين المهملة: هو الآخذ بناصية فرسه، ومنه: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] وإلى معاني "أو" أشار الناظم بقوله:
٥٥١-
خير أبح قسم بأو وأبهم ... واشك وإضراب بها أيضًا نمي
٥٥٢-
وربما عاقبت الواو إذا ... لم يلف ذو النطق للبس منفذا
"وزعم كثير من النحويين٣ أن "إما" الثانية في الطلب والخبر"، فالأول "نحو: تزوج إما هندا وإما٤ أختها، و" الثاني نحو: "جاءني إما زيد وإما عمرو, بمنزلة "أو" في العطف والمعنى"، فتكون بعد الطلب للتمييز والإباحة، وبعد الخبر للشك
стр. 929
والإبهام وللتفصيل، نحو: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] فانتصابهما على هذا على الحال المقدرة، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٥٣-
ومثل أو في القصد إما الثانيه ... .................................
"وقال أبو علي وابن كيسان وابن برهان" بفتح الباء والمنع من الصرف: "هي مثلها في المعنى فقط" لا في العطف، وإنما ذكروها في باب العطف لمصاحبتها لحرفه.
قال ابن عصفور١: "ويؤيده قوزلهم إنها مجامعة للواو" العاطفة "لزومًا، والعاطف لا يدخل على العاطف. وأما قوله"؛ وهو سعد بن قرط، لا الأحوص، خلافًا للجوهري: [من البسيط]
٦٧٥-
يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار
"فشاذ" حذف الواو، "وكذلك فتح همزتها وإبدال ميمها الأولى" ياء شاذان أيضًا على سبيل الاجتماع، وإلا ففتح همزتها لغة تميمية وقيسية وأسدية. وشالت نعامها: كناية عن موتها، فإن النعامة باطن القدم، وشالت: ارتفعت، ومن مات ارتفعت رجلاه وانتكس رأسه وظهرت نعامة قدمه. ولا خلاف في أن "إما" الأولى غير عاطفة لاعتراضها بين العامل والمعمول نحو: قام إما زيد وإما عمرو، ونحو: رأيت إما زيدًا وإما عمرًا.
"وأما "لكن" فعاطفة خلافًا ليونس"، وتبعه ابن مالك في التسهيل٢، "وإنما تعطف بشروط" ثلاثة: "إفراد معطوفها"، وأن تسبق بنفي أو نهي" عند البصريين، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٥٤-
وأول لكن نفيًا أو نهيًا.... ... ..............................
"وأن لا تقترن بالواو" عند الفارسي والأكثرين٣. فالنفي "نحو: ما مررت
стр. 930
برجل صالح لكن طالح"، بالجر سماعًا، فقيل: عطف على صالح، وقيل: بجار مقدر، أي: لكن مررت بطالح، وجاز إبقاء عمل الجار بعد حذفه لقوة الدلالة عليه بتقدم ذكره.
"و" النهي "نحو: لا يقم زيد لكن عمرو". "وهي حرف ابتداء" جيء به لمجرد إفادة الاستدراك، وليست عاطفة "إن تلتها جملة" لعدم إفراد معطوفها، "كقوله"؛ وهو زهير ابن أبي سلمى؛ بضم السين: [من البسيط]
٦٧٦-
إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره ... لكن وقائعه في الحرب تنتظر
فـ"وقائعه" مبتدأ، و"تنتظر": خبره و"لكن" الداخلة على هذه الجملة حرف ابتداء، و"ابن ورقاء" بالمد: هو الحارث الصيداوي، و"ورقاء": أبوه، والبوادر: جمع بادرة، وهي الحدة.
"أو تلت" لكن "واوًا" فهي حرف ابتداء أيضًا وليست بعاطفة، لأن من شرط عطفها أن لا تقترن بالواو، "نحو": ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ " وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ "﴾ [الأحزاب: ٤٠] فـ"لكن" حرف ابتداء، و"رسول الله": خبر لـ"كان" المحذوفة، "أي: ولكن كان رسول الله.
وليس "رسول الله" المنصوب معطوفًا بالواو" الداخلة على "لكن" على "أبا أحد" من عطف مفرد على مفرد، كما هو مذهب يونس من كون "لكن" حرف استدراك، والعاطف الواو, "لأن متعاطفي الواو المفردين لا يختلفان بالسلب والإيجاب" لأن المعطوف عليه هنا منفي، والمعطوف موجب، بخلاف الجملتين المتعاطفتين بالواو، فيجوز تخالفهما إيجابًا وسلبًا، نحو: ما قام زيد وقام عمرو، أو: قام زيد ولم يقم عمرو١.
وزعم ابن أبي الربيع أن "لكن" حين اقترانها بالواو عاطفة جملة على جملة٢، وأنه ظاهر قول٣ سيبويه٤. "أو سبقت بإيجاب، نحو: قام زيد لكن عمرو لم يقم" فـ"لكن": حرف ابتداء واستدراك، وعمرو: مبتدأ، و"لم يقم": خبره. "ولا يجوز:
стр. 931
لكن عمرو" بالإفراد "على أنه معطوف" على زيد، لفوات شرطه١، وهو النفي أو النهي، "خلافًا للكوفيين" في إجازتهم ذلك، وليس بمسموع.
"وأما "بل" فيعطف بها بشرطين: إفراد معطوفها، وأن تسبق بإيجاب٢ أو أمر أو نفي أو نهي، ومعناها بعد الأولين"؛ وهما الإيجاب والأمر؛ "سلب الحكم عما قبلها" حتى كأنه مسكوت عنه، ولم يحكم عليه بشيء، "وجعله لما بعدها، كـ: قام زيد بل عمرو، و: ليقم زيد بل عمرو"، فالقيام في المثالين ثابت لعمرو ومسلوب عن زيد.
"و" معناها "بعد الأخيرين" وهما النفي والنهي "تقرير حطم ما قبلها" من نفي أو نهي على حاله، "وجعل ضده لما بعدها، كما أن "لكن" كذلك، كقولك: ما كنت في منزل ربيع بل أرض لا يهتدى بها"، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٥٥-
وبل كلكن بعد مصحوبيها ... كلم أكن في مربع بل تيها
فتقرر نفي الكون في منزل الربيع٣ عن نفسك وتثبت لها الكون في أرض لا يهتدى بها، "ولا يقم زيد بل عمرو"، فتقرر نهي زيد عن القيام وتأمر عمرًا بالقيام.
"وأجاز المبرد" وعبد الوارث مع هذا "كونها ناقلة معنى النفي والنهي لما بعدها٤، فيجوز على قوله" وقول عبد الوارث: "ما زيد قائمًا بل قاعدًا" بالنصب "على معنى: بل ما هو قاعدًا". واستعمال العرب على خلاف ما أجازاه، ويلزمهما أن لا تعمل "ما" في "قائمًا" شيئًا؛ لأن شرط عملها بقاء النفي في المعمول، وقد انتقل عنه "ومذهب الجمهور أنها لا تفيد نقل حكم ما قبلها لما بعدها إلا بعد الإيجاب والأمر"٥ وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٥٦-
وانقل بها للثان حكم الأول ... في الخبر المثبت والأمر الجلي
"نحو: قام زيد بل عمرو واضرب زيدًا بل عمرًا". قال المرادي٦ تبعًا للشارح: فهي في ذلك لإزالة الحكم عما قبلها حتى كأنه مسكوت عنه، وجعله لما بعدها. انتهى.
стр. 932
فالقائم عمرو دون زيد، والمأمور بضربه عمرو دون زيد. وتزاد "لا" قبل "بل"١ لتوكيد الإضراب بعد الإيجاب، ولتوكيد تقرير ما قبلها بعد النفي، فالأول كقوله: [من الخفيف]
٦٧٧-
وجهك البدر لا بل الشمس لو لم ... يقض للشمس كسفة أو أفول
والثاني كقوله: [من البسيط]
٦٧٨-
وما هجرتك لا بل زادني شغفا ... هجر وبعد تراخي لا إلى أجل
"وأما "لا" فيعطف بها بشروط ثلاثة: إفراد معطوفها، وأن تسبق بإيجاب أو أمر اتفاقًا"، فالأول "كـ: هذا زيد لا عمرو، و" الثاني نحو: "اضرب زيدًا لا عمرًا". زاد سيبويه٢: "أو نداء، خلافا لابن سعدان" بفتح السين، في منعه ذلك، وزعمه أنه ليس من كلام العرب، "نحو: يابن أخي لا ابن عمي، وأن لا يصدق أحد متعاطفيها على الآخر. نص عليه السهيلي" في "نتائج الفكر" فقال٣: وشرط "لا" أن يكون الكلام الذي قبلها يتضمن بمفهوم الخطاب نفي ما بعدها. ونص عليه ايضًا الأبدي في "شرح الجزولية" وزاد: فيكون الأول لا يتناول الثاني. وتبعهما أبو حيان٤. قال الموضح: "وهو حق، فلا يجوز: جاءني رجل لا زيد"، لأن الرجل يصدق على زيد، "ويجوز٥: جاءني رجل لا امرأة" إذ لا يصدق أحدهما على الآخر. قال البدر الدماميني: ما ذكره السهيلي والأبدي مبني على صحة مفهوم اللقب، وقد تقرر في الأصول أنه غير معتبر على الصحيح، مع أن بعض المتأخرين استشكل منع مثل: قام [رجل لا زيد، فإنه مثل] ٦: قام رجل وزيد، في صحة التركيب، فإن امتنع: قام رجل وزيد،
стр. 933
ففي غاية البعد لأنك إن أردت بالرجل الأول زيدًا كعطف الشيء على نفسه تأكيدًا، فلا مانع منه إذا قصد الإطناب، وإن أردت بالرجل غير زيد كان كعطف الشيء على غيره، ولا مانع منه، ويصير على هذا التقدير مثل: قام رجل لا زيد، في صحة التركيب، وإن كان معنياهما١ متعاكسين، وللبحث فيه مجال. انتهى.
قال الزجاجي في كتاب معاني الحروف٢: وأن لا يكون المعطوف عليه معمول فعل ماض، فلا يجوز عنده، جاءني زيد لا عمرو. قال: لأن العامل يقدر بعد العاطف، ولا يقال: لا جاء عمرو، إلا على الدعاء، ويرده أنه: لو توقفت صحة العطف على صحة تقدير العامل بعد العاطف لامتنع: ليس زيد قائمًا ولا قاعدًا. قاله في المغني٣.
وجوابه أن علة المنع عنده ترجع إلى إلباس الخبر بالطلب، وهو الدعاء، وذلك لا يتأتى في مسألة "ليس". والحق أنه لا يشترط تقدير العامل بعد العاطف بدليل جواز: اختصم٤ زيد وعمرو، ورأيت ابني زيد وعمرو، وإن زيدًا لا عمرًا قائمان. والدليل على صحة ما قلناه قول العرب: "جدك لا كدك"٥ قيل في تفسيره: نفعك جدك٦. و"قوله"؛ وهو امرؤ القيس الكندي: [من الطويل] .
٦٧٩-
كأن دثارا حلقت بلبونه ... عقاب تنوفي لا عقاب القواعل
فعطف "عقاب العواقل" على "عقاب تنوفى" وهو فاعل فعل ماض، وهو "حلقت" ودثار، بالمثلثة: اسم راع، وحلقت: ذهبت، و"لبونه" بالإضافة: الإبل ذات اللبن، وعقاب: واحدة العقبان طائر معروف، وتنوفى: بفتح التاء المثناة فوق والفاء، كـ: جلولا،
стр. 934
مقصور للضرورة: ثنية١ مشرفة قرب القواعل. قاله في القاموس٢. وقال في المغني٣: إنه جبل عال، والقواعل، بالقاف وكسر العين المهملة: جبال صغار.
والمعنى: كأن هذا الراعي ذهبت بإبله، التي يرعاها عقاب من عقبان تنوفى، فطارت بها وارتفعت، فهو لا يستطيع ردها ولا يطمع فيها؛ لإعقاب هذه الجبال الصغار، لعدم ارتفاعها. واقتصر الناظم على قوله:
٥٥٤-
........................ ولا ... نداء او أمرًا أو اثباتًا تلا
فـ"نداء وما عطف عليه: مفعول مقدم بـ"تلا"، و"تلا": خبر "لا"، والتقدير: ولا تلا نداء أو أمرًا أو إثباتًا. وإياك أن تظن أن "لا" معطوف على "لكن" كما ظن المرادي٤، فتزل، هذا إذا لم تقترن بعاطف ولم يكن مدخولها مفردًا صفة لموصوف مذكور، أو خبرًا، أو حالا، فإن اقترنت بعاطف نحو: جاء زيد لا بل عمرو، فالعاطف "بل" و"لا" رد لما قبلها، وليست عاطفة، قاله في المغني٣. وإن كان مدخولها مفردًا صفة لسابق، أو خبرًا، أو حالا، فليست عاطفة، ووجب تكرارها، نحو: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْر﴾ [البقرة: ٦٨] . ونحو: زيد لا شاعر ولا كاتب، وجاء زيد لا ضاحكًا ولا باكيًا. قاله في المغني٥.
стр. 935
فصل:
"يعطف عل الظاهر والضمير المنفصل" مرفوعًا كان أو منصوبًا، "والضمير المتصل المنصوب بلا شرط"، فالعطف على الظاهر "كـ: قم زيد وعمرو"، والعطف على الضمير المنفصل المرفوع، نحو: أنا وأنت قائمان، "و" المنصوب نحو: "إياك والأسد"، وعلى الضمير المتصل المنصوب "نحو: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] فـ"الأولين": معطوف عل الكاف والميم. "ولا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل، بارزًا كان أم مستترًا إلا بعد توكيده" بتوكيد لفظي مرادف له، بأن يكون "بضمير منفصل، نحو: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾ " [الأنبياء: ٥٤] ونحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩] في أحد الوجهين، أو بتوكيد معنوي، كقوله: [من الوافر]
٦٨٠-
ذعرتم أجمعون ومن يليكم ... برؤيتنا وكنا الظافرينا
"أو" بعد "وجود فاصل أي فاصل كان بين المتبوع"، وهو المعطوف عليه، "والتابع"، وهو المعطوف، نحو: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ " [الرعد: ٢٣] فـ"من صلح": معطوف على الواو في "يدخلونها" والفاصل بينهما الهاء. "أو" وجود "فصل بـ: لا" النافية "بين العاطف"، وهو حرف العطف، "والمعطوف"، فيكتفى بذلك عن الفصل بين المتعاطفين، "نحو: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ " [الأنعام: ١٤٨] فـ"آباؤنا" معطوف على "نا" و"لا" فاصلة بين العاطف، وهو الواو، والمعطوف، وهو "آباؤنا". "وقد اجتمع الفصلان" الفصل بالتوكيد بين التابع والمتبوع، والفصل بـ"لا" بين العاطف والمعطوف "في نحو: ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ﴾ " [الأنعام: ٩١] فـ"آباؤكم" معطوف على الواو في "تعلموا" وفصل بينهما بالتوكيد بـ"أنتم".
والفصل بـ"لا" بين الواو و"آباؤكم" مقو لذلك، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
стр. 936
٥٥٧-
وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل
٥٥٨-
أو فاصل ما........... ... .........................
"ويضعف" العطف على الضمير المرفوع المتصل "بدون ذلك"، لأنه يوهم العطف على عامل الضمير، لأن الضمير المرفوع المتصل ينزل من عامله منزلة الجزء، "كـ: مررت برجل سواء والعدم"، بالرفع عطفًا على الضمير المستتر في "سواء" لأنه مؤول بمشتق، "أي: مستو هو والعدم"، وليس بينهما فصل، "وهو فاش في الشعر"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٥٨-
.................... وبلا فصل يرد ... في النظم فاشيا................
"كقوله"؛ وهو جرير في هجو الأخطل: [من الكامل]
٦٨١-
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... ما لم يكن وأب له لينالا
فعطف "أب" على الضمير المستتر في "يكن" ولم يكن بينهما فاصل.
وأما ما رواه البخاري في صحيحه من قوله ﷺ : "كنت وأبو بكر وعمر"، "وفعلت وأبو بكر وعمر"، "وانطلقت وأبو بكر وعمر" ١ من غير فصل، فيحتمل أنه مروي بالمعنى، "ولا يكثر العطف على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض"٢، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٥٩-
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلا
"حرفا كان" الخافض "أو اسما"، سواء كان مخفوض الاسم مرفوع المحل كـ: قيامك، أو منصوبه، كـ: ضربك، إذا قدرت الكاف مفعولا به، أو كان لا محل له من رفع أو نصب كـ: غلامك. فالحرف "نحو: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ﴾ " [فصلت: ١١] فـ"الأرض" معطوف٣ على الهاء المخفوضة باللام، "و" أعيدت مع المعطوف والاسم، نحو: " ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ﴾ " [البقرة: ١٣٣] فـ"آبائك" معطوف على الكاف المخفوضة
стр. 937
بإضافة "إله" إليها، وأعيد المضاف وهو "إله"١ مع المعطوف، والأصل: فقال لها والأرض، ونعبد إلهك وآبائك. وإنما أعيد الخافض فيهما؛ لأن الضمير المخفوض كالتنوين في شدة اللزوم، قاله الحوفي.
وكما لا يعطف على التنوين لشدة لزومه لا يعطف على ما أشبهه. "وليس" عود الخافض "بلازم وفاقًا ليونس والأخفش والكوفيين"، وتبعهم الناظم فقال:
٥٦٠-
وليس عندي لازما إذ قد أتى ... في النثر والنظم الصحيح مثبتا
"بدليل قراءة ابن عباس والحسن" البصري "وغيرهما"، كحمزة: "تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" [النساء: ١] بالخفض٢ عطفا على الهاء المخفوضة بالباء، "وحكاية قطرب" عن العرب: "ما فيها غيره وفرسه"٣، بالخفض عطفًا على الهاء المخفوضة بإضافة "غير" إليها، وليس في القراءة، والحكاية إعادة خافض، لا حرف في الأولى ولا مضاف في الثانية. "قيل: و" يحتمل أن يكون "منه"؛ أي من العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة خافض: " ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ " [البقرة: ٢١٧] . فـ"المسجد الحرام" عطف على الهاء المخفوضة بالباء، ولو اعيدت لقيل: وبالمسجد الحرام، "إذ ليس العطف على: سبيل" المخفوض بـ"عن" خلافًا للزمخشري٤. "لأنه صلة المصدر" وهو "صد" فإنه متعلق به، "وقد عطف عليه"؛ أي على المصدر "كفر، و" القاعدة أنه "لا يعطف على المصدر حتى تكمل معمولاته".
فلو عطف "المسجد الحرام" على السبيل لكان من جملة معمولات "صد" لأن المعطوف على معمول المصدر من جملة معمولاته، ومتى كان للمصدر معمولات لا يعطف عليه إلا بعد تمامها، فلما عطف عليه علمنا أنه ليس من جملة معمولاته، وأنه معطوف على الهاء من "به" إذ ليس معنا سواهما، وقد انتفى أحدهما فتعين الآخر. لا يقال:
стр. 938
الحصر ممنوع؛ لجواز أن يكون معمولا لمصدر محذوف، والتقدير: وصد عن المسجد الحرام، لأنا نقول: المصدر لا يعمل محذوفًا عند المحققين، وإن كان بعضهم نقله عن سيبويه.
وقال في المغني١: والصواب أن خفض المسجد بباء محذوفة لدلالة ما قبلها عليها لا بالعطف، ومجموع الجار والمجرور عطف على "به" ... انتهى.
"ويعطف الفعل على الفعل بشرط اتحاد زمانيهما" في المضي والاستقبال، "سواء اتحد نوعاهما" في الفعلية، كأن يكونا مضارعين أو ماضيين، ولا يشترط اتحادهما في المادة، "نحو: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ﴾ " [الفرقان: ٤٩] فـ"نسقيه": معطوف على "نحيي" بدليل ظهور النصب في لفظه نحو: " ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ " [محمد: ٣٦] فعطف "تتقوا" على "تؤمنوا" و"يسألكم" على "يؤتكم" من عطف الشرط على الشرط، والجواب على الجواب، بدليل ظهور الجزم فيهما. ونحو: قام وقعد أخوك. "أم اختلفا نوعًا". فيعطف الماضي على المضارع، وعكسه، فالأول "نحو: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ " [هود: ٩٨] فـ"أورد" معطوف على "يقدم" وزمانهما مستقبل، "و" الثاني "نحو: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾ الآية" وتمامها: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] فعطف "يجعل" وهو مضارع على "جعل" وهو ماض لاتحاد زمانيهما في الاستقبال، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٦٣-
....................................... ... وعطفك الفعل على الفعل يصح
"ويعطف الفعل" الماضي أو المضارع٢ "على الاسم المشبه له في المعنى، نحو: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ﴾ " [العاديات: ٣-٤] ، "ونحو: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ " [الملك: ١٩] فعطف في الأولى "أثرن" وهو ماض على "المغيرات" وهو اسم فاعل مشبه للفعل في المعنى لأنه في تأويل "واللاتي أغرن"، وعطف في الثانية "يقبضن" وهو مضارع على صافات" لأنها في معنى "يصففن". قيل: والذي حسن ذلك تأويل "يقبضن" بـ"قابضات" و"أثرن" بـ"مثيرات". "ويجوز العكس"، وهو عطف الاسم المشبه للفعل في المعنى على الفعل الماضي أو المضارع "كقوله": [من الرجز]
٦٨٢-
يا رب بيضاء من العواهج ... أم صبي قد حبا أو دارج
стр. 939
فعطف "دارج" على "حبا" لتأويل "دارج" بـ"درج" أو "حبا" بـ"حاب". والعواهج: جمع عوهج، وهي في الأصل الطويلة العنق من الظباء والنوق. والمراد بها هنا المرأة التامة الخلق.
ويجوز في "أم" الجر على البدلية من "بيضاء"، والرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف. ولا يجوز نصبها إلا على القطع، وقول العيني١: "أم صبي" بالنصب: عطف بيان لـ"بيضاء" سهو، لأن بيضاء مجرورة بـ"رب"، لا منصوبة، وفتحتها نائبة عن الكسرة، لأنها غير منصرفة لألف التأنيث الممدودة.
"وجعل منه" أي "الناظم" في شرح التسهيل٢ من عطف الاسم على الفعل: " ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ " [الأنعام: ٩٥] فقدر "مخرج" معطوفًا على "يخرج" لتأول "مخرج" بـ"يخرج". "وقدر الزمخشري عطف: مخرج، على: فالق" فيكون من عطف الاسم على الاسم٣. ولكل منهما مرجحان:
فيرجح الأول سلامته من الفصل بين المتعاطفين بجملة، وذكر الشيء مقابله، ويرجح الثاني عدم التأويل، والتوافق بين نوعي المتعاطفين، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٦٤-
واعطف على اسم شبه فعل فعلا ... وعكسه استعمل تجده سهلا
стр. 940
فصل:
"تختص الفاء والواو بجواز حذفهما مع معطوفهما للدليل"، وتشاركهما في ذلك "أم" المتصلة، "مثاله في الفاء: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ " [الأعراف: ١٦٠] أي فضرب فانبجست، وهذا الفعل المحذوف معطوف على "أوحينا" من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ و"انبجست" معطوف على "ضرب" المحذوف ووقع في بعض النسخ مكان "فانبجست": فانفجرت. "أي فضرب فانفجرت، وهذا الفعل المحذوف معطوف على: أوحينا"، وهو سهو، لأن "انفجرت" في البقرة، وليس في آيتها "أن" ولا "أوحينا"، وتلاوتها: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] وتسمى الفاء١ العاطفة على مقدر فصيحة. "ومثاله في الواو قوله" وهو النابغة الذبياني: [من الطويل]
٦٨٣-
فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر إلا ليال قلائل
فحذف الواو ومعطوفها "أي: بين لخير وبيني". وأبو حجر. بضم الحاء المهملة١ والجيم: كنية النعمان بن الحارث الغساني.
"وقولهم: راكب الناقة طليحان" فـ"طليحان" خبر المبتدأ وما عطف عليه في التقدير؛ "أي": راكب الناقة "والناقة" طليحان، فحذف المعطوف مع العاطف بدليل تثنية الخبر، وإلا لأفراد. ويحتمال أن يكون الأصل: أحد طليحين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما قاله الموضح في شرح بانت سعاد٢ فلا دليل فيه. والطليح، بفتح الطاء المهملة وكسر اللام وآخره حاء مهملة، من قولهم: طلح البعير، إذا أعيا.
стр. 941
ومثاله في "أم" قول أبي ذؤيب: [من الطويل]
٦٨٤-
.......................................... ... ....... فما أدري أشكلكم شكلي
قال أبو الفتح: أي: فما أدري أطريقكم طريقي أم غيره، فحذف، واقتصر الموضح على ذكر الفاء والواو تبعًا لقول الناظم:
٥٦١-
والفاء قد تحذف مع ما عطفت ... والواو إذ لا لبس..................
"وتختص الواو بجواز عطفها عاملا قد حذف وبقي معموله، مرفوعًا كان نحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ " [البقرة: ٣٥] فـ"زوجك" فاعل بفعل محذوف معطوف على "اسكن" "أي: وليسكن زوجك"، فهو من عطف الأمر على الأمر. "أو منصوبًا نحو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ " [الحشر: ٩] فـ"الإيمان" مفعول بفعل محذوف معطوف على تبوءوا "أي: وألفوا الإيمان" فهو من عطف جملة على جملة. "أو مجرورًا نحو: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة"١ فـ"بيضاء" مجرور بمضاف محذوف معطوف على "كل" أي: ولا كل بيضاء.
"وإنما لم يجعل العطف فيهن" أي في الأمثلة الثلاثة "على الموجود في الكلام بدون حذف، "لئلا يلزم في" المثال "الأول" وهو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] "رفع فعل الأمر" وهو "اسكن" "للاسم الظاهر" وهو "زوجك".
بيان الملازمة أنه لو جعل "زوجك" معطوفًا على فاعل "اسكن" المستتر فيه لكان [شريكه في عامله، والأمر بالصيغة لا يرفع ظاهرًا، فلا يعطف على فاعله ظاهر.
وقد يقال: يغتفر في الثواني] ٢ ما لا يغتفر في الأوائل، "ورب شيء يصح تبعًا ولا يصح استقلالا، كالحاج عن غيره، يصلي عنه ركعتي الطواف، ولو صلى أحد عن غيره ابتداء لم يصح على الصحيح"، كما قاله في المغني٣. وفي التسهيل٤: لا يشترط في صحة العطف وقوع المعطوف موقع المعطوف عليه. انتهى. ولو سلم فاجتماع حذف الفعل وحذف حرف
стр. 942
الأمر شاذ، كما سيأتي١ له في باب التحذير، فلا يحسن تخريج التنزيل عليه. "و" لئلا يلزم "في" المثال "الثاني" وهو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] "كون الإيمان متبوأ".
بيان الملازمة أنه لو جعل الإيمان معطوفًا على "الدار" لكان معمولًا لـ"تبوؤوا" لأن المعطوف يشارك المعطوف عليه في عامله، وهو فاسد من جهة المعنى، لأن الإيمان لا يتبوأ "وإنما يتبوأ المنزل"، إذ التبوؤ: التهيؤ، يقال: بوأت له منزلا، أي: هيأته له.
وفي إعراب الحوفي في سورة آل عمران: يقال: تبوأ فلان الدار، إذا لزمها. انتهى. فعلى هذا يصح العطف ولا يحتاج إلى تقدير عامل آخر. "و" لئلا يلزم "في" المثال "الثالث" وهو "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة" "العطف على معمولي عاملين مختلفين".
بيان الملازمة أن "سوداء" معمول "كل" وتمرة: معمول "ما"، فلو عطف "بيضاء" على "سوداء" و"شحمة" على "تمرة" لزم العطف على معمولي عاملين، وذلك لا يجوز على الأصح عند سيبويه والأكثرين٢، وأجاز الأخفش العطف على معمولي عاملين إن كان أحدهما جار أو اتصل المعطوف بالعطف، أو انفصل بـ"لا" كهذا المثال.
وقيل: يجوز مطلقًا. حكاه الفارسي وابن الحاجب عن الفراء٣، والأصح في التسهيل٤ المنع مطلقًا، لأن العاطف حرف ضعيف لا ينوب عن عاملين. قال في المغني٥: والحق جواز العطف على معمولي عاملين في نحو: في الدار زيد، والحجرة عمرو. انتهى.
واتفقوا على أنه لا يجوز العطف على معمولي عاملين مختلفين إن تأخر المجرور عن المرفوع أو المنصوب، فلا يقال: دخل زيد إلى عمرو وبكر خالد، وإن زيدًا في الدار وعمرًا الحجرة، للفصل بين نائب الجار؛ وهو العاطف؛ والمجرور٦. قاله السيد عبد الله.
"ولا يجوز في" المثال "الثاني كون الإيمان مفعولا معه، لعدم الفائدة في تقييد" الأنصار المعطوفين على "المهاجرين بمصاحبة الإيمان، إذ هو أمر معلوم"، وإلى
стр. 943
هذه المسألة أشار الناظم بقوله:
٥٦١-
.............................. ... ............. وهي انفردت
٥٦٢-
بعطف عامل مزال قد بقي ... معموله دفعًا لوهم اتقي
"ويجوز حذف المعطوف عليه بالواو والفاء" و"أم" المتصلة.
"فالأول": وهو حذف المعطوف عليه بالواو. "كقول بعضهم: "وبك وأهلا وسهلا" جوابا لمن قال له: "مرحبًا" بك"١. الواو الأولى لعطف جميع الكلام على كلام المتكلم الأول، والواو الثانية عاطفة على "مرحبًا" المقدرة، فهي لعطف المفردات وهي محل الاستشهاد. قاله في الحواشي. "والتقدير: ومرحبًا بك وأهلا". فـ"بك" متعلق بـ"مرحبًا"، و"أهلا" معطوف على "مرحبًا".
"والثاني": وهو حذف المعطوف عليه بالفاء، وهو خاص بالجمل، "نحو: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] فجملة "نضرب" معطوفة على جملة محذوفة "أي: أنهملكم"؛ بتقديم الهاء على الميم؛ "فنضرب، ونحو: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [سبأ: ٩] فجملة "لم يروا" معطوفة على جملة محذوفة؛ "أي: أعموا فلم يروا". وظاهره أن الفاء عطفت على جملة مقدرة بينها وبين الهمزة، وأن الهمزة في محلها الأصلي، وهو قول الزمخشري وطائفة. ومذهب سيبويه والجمهور أن الهمزة قدمت من تأخير تنبيها على أصالتها في التصدير، ومحلها الأصلي بعد الفاء، والأصل: فأنضرب، فألم يروا.
والثالث: وهو حذف المعطوف عليه بـ"أم" المتصلة نحو: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] أي: أعلمتم أن الجنة حفت بالمكاره أم حسبتم ... وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
٥٦٣-
وحذف متبوع بدا هنا استبح ... ....................................
стр. 944
باب البدل
مدخل
...
باب البدل:
هذه التسمية للبصريين، واختلف في تسميته عن الكوفيين فقال الأخفش: يسمونه الترجمة والتبيين. وقال ابن كيسان: يسمونه التكرير١. والغرض منه٢ أن يذكر الاسم مقصودًا بالنسبة بعد التوطئة لذكره بالتصريح بتلك النسبة إلى ما قبله لإفادة توكيد الحكم وتقريره، ولذلك يقولون: البدل في حكم تكرير العامل.
وقولهم: المبدل منه في حكم الطرح، إنما يعنون به من جهة المعنى غالبًا دون اللفظ بدليل جواز: ضربت زيدًا يده، إذ لو لم يعتد بزيد أصلا لما كان للضمير ما يعود عليه.
والبدل لغة العوض، "و" اصطلاحًا: "هو التابع المقصود بالحكم" المنسوب إلى متبوعه نفيًا أو إثباتًا بلا واسطة. هذا معنى قول الناظم:
٥٦٥-
..... المقصود بالحكم بلا ... واسطة هو المسمى بدلا
"فخرج بالفصل الأول" وهو المقصود بالحكم، ثلاثة توابع: "النعت والبيان والتوكيد، فإنها مكملات للمقصود بالحكم" وهو متبوعها، وليست مقصودات بالحكم.
"وأما النسق فثلاثة أنواع:
[أحدها] ٣: ما ليس مقصودًا بالحكم" أصلا، وهو المعطوف بـ"لا" بعد الإيجاب وبـ"بل" و"لكن" بعد النفي "كـ: جاء زيد لا عمرو، و: ما جاء زيد بل
стр. 945
عمرو، أو: لكن عمرو". "أما الأول" وهو المعطوف بـ"لا" "فواضح" أمره, "لأن الحكم السابق" وهو إثبات المجيء لزيد "منفي عنه" بـ"لا" "وأما الآخران" وهما المعطوف بـ"بل" والمعطوف بـ"لكن" بعد النفي "فلأن الحكم السابق هو نفي المجيء، والمقصود به إنما هو الأول" دون الثاني.
"النوع الثاني: ما هو مقصود بالحكم هو وما قبله فيصدق عليه أنه مقصود بالحكم لا أنه" هو "المقصود" وحده، "وذلك كالمعطوف بالواو" إثباتًا أو نفيًا "نحو: جاء زيد وعمرو، وما جاء زيد ولا عمرو. وهذان النوعان" وهما الأول والثاني "خارجان بما خرج به النعت والتوكيد والبيان"، أما الأول فلأن المقصود بالحكم إنما هو المتبوع، وأما الثاني فلأن التابع ليس هو المقصود بالحكم وحده.
و"النوع الثالث: ما هو مقصود بالحكم دون ما قبله، وهذا هو المعطوف بـ"بل"١ بعد الإثبات، نحو: جاءني زيد بل عمرو"٢. وفي بعض النسخ ذكر "لكن" بعد "بل" وهو إنما يتمشى على قول الكوفيين. "وهذا النوع خارج بقولنا: بلا واسطة، وسلم الجد بذلك للبدل.
وإذا تأملت ما ذكرته في تفسير هذا الحد، وما ذكره الناظم٣ وابنه٤ ومن قلدهما" من شراح النظم٥ وغيره٦ "علمت أنهم عن إصابة الغرض بمعزل. وأقسام البدل أربعة"٧: أشار إليها الناظم بقوله:
٥٦٦-
مطابقًا أو بعضا أو ما يشتمل ... عليه يلفى أو كمعطوف ببل
"الأول: بدل كل من كل: وهو بدل الشيء٨ مما هو طبق معناه،
стр. 946
نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦-٧] فـ"صرط الذين": بدل من "الصراط المستقيم" بدل كل من كل، "وسماه الناظم" في النظم "البدل المطابق"، وخالف الجماعة في تسميته بدل كل من كل، "لوقوعه في اسم الله تعالى، نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١-٢] فيمن قرأ بالجر"١، فـ"الله" بدل من "العزيز" بدل مطابق. ولا يقال فيه: بدل كل من كل، "وإنما" لم يقل ذلك، لأن كلا إنما "يطلق" على ما يقبل التجزيء، فعند الإطلاق تدل "كل، على ذي أجزاء، وذلك ممتنع هنا"، لأن الله تعالى منزه عن ذلك، ولا يحتاج البدل المطابق إلى ضمير يربطه بالمبدل منه، لأنه نفس المبدل منه في المعنى، كما أن الجملة التي هي نفس المبتدأ في المعنى لا تحتاج لرابط.
"والثاني: بدل بعض من كل: وهو بدل الجزء من كله، قليلا كان ذلك الجزء" بالنسبة إلى الباقي من المبدل منه، "أو مساويًا" له "أو أكثر" منه "كـ: أكلت الرغيف ثلثه"، فالثلث أقل من الباقي، وهو الثلثان، "أو نصفه"، فالنصف مساو للنصف الثاني، "أو ثلثيه"، فالثلثان أكثر من الثلث الباقي.
وذهب الكسائي وهشام إلى أن [بدل] ٢ البعض لا يقع إلا على ما دون النصف فلا يسمى: أكلت الرغيف نصفه أو ثلثيه أو أكثره، بدل بعض عندهما. "ولا بد" في بدل البعض "من اتصاله بضمير يرجع إلى المبدل منه" ليربط البعض بكله. "مذكور" ذلك الضمير، متصل بالبدل أو بغيره، فالأول "كالأمثلة المذكورة" في قوله: ثلثه أو نصفه أو ثلثيه. "و" الثاني "كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ " [المائدة: ٧١] فـ"كثير" بدل من الواو الأولى فقط، والواو الثانية عائدة على "كثير" لأنه مقدم رتبة، والأصل؛ والله أعلم: ثم عموا كثير منهم وصموا. والذي حملنا على ذلك أنا لو جعلناه بدلا من الواوين معًا لزم توارد عاملين على معمول واحد، وإن جعلناه بدلا من أحدهما، وبدل من الآخر محذوف، فهو متوقف على إجازة حذف البدل، وإن جعلناه بدلا من الواو الثانية فقط بقيت الأولى بلا مفسر، وإن جعلناه مبتدأ، والجملة قبله٣ خبره، فقال البيضاوي٤: إنه ضعيف، لأن تقديم الخبر في مثله ممتنع. ا. هـ.
стр. 947
وأن جعلناه فاعلًا لأحد الفعلين على سبيل التنازع ففيه ضعف من وجهين: أحدهما: أنه يخرج على لغة أكلوني البراغيث. والثاني: أنه يجب أن يقدر في العامل المهمل ضمير مستتر راجع إلى "كثير" ووجوب استتار الضمير في فعل الغائبين من غرائب العربية، كما قاله في المغني١. وإن جعلناه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: العمي والصم كثير منهم، فهو تكلف.
"أو مقدر كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ " [آل عمران: ٩٧] . فـ: "من استطاع": بدل من "الناس" بدل بعض من كل، والضمير العائد على المبدل منه مقدر؛ "أي: منهم". قال ابن إياز: قال النحويون: "من استطاع": بدل بعض٢. وقال ابن برهان: بدل كل، واحتج بأن المراد بالناس المستطيع، فهو عام أريد به خاص، لأن الله لا يكلف الحج من لا يستطيع. ا. هـ.
قال الموضح في الحواشي: والجماعة يقولون: عام مخصوص، ولا ضير٣، لأن الكلام بآخره ومقصوده وليس بظاهره المحض من غير نظر إلى مقصوده، والحق أنهما محتملان. ا. هـ. وقال الكسائي: من: شرطية وجوابها محذوف، والتقدير: من استطاع فليحج. ورد بأن لا حاجة إلى الحذف مع إمكان تمام الكلام، وقال ابن السيد: مَنْ: فاعل "حج" والمصدر مضاف إلى مفعوله. ورد بأنه: يقتضي أنه يجب على جميع الناس أن مستطيعهم يحج، وذلك باطل٤.
"والثالث: بدل الاشتمال". واختلف في المشتمل في بدل الاشتمال فقال الرماني: هو الأول. واختاره في التسهيل٥، وعلله الجزولي بأن الثاني إما صفة للأول كـ: أعجبتني الجارية حسنها، أو مكتسب منه صفة نحو: سلب زيد ماله، فإن الأول اكتسب من الثاني كونه مالكًا. ورد بأنه يلزم منه أن يجيز: ضربت زيدًا عبده، على الاشتمال وهم قد منعوا ذلك. قاله أبو حيان في التذكرة٦. وقال الفارسي في الحجة: المشتمل هو الثاني. قال: بدليل: سُرِق زيدٌ ثوبُهُ، ورد بـ: سرِقَ زيدٌ فرسُهُ.
стр. 948
وقيل: لا اشتمال لأحدهما على الآخر، وإنما المشتمل المسند إلى الأول على معنى أن الإسناد إلى الأول لا يكتفى به من جهة المعنى، وإنما أسند إليه على قصد غيره مما يتعلق به، ويكون المعنى مختصًا بغير الأول. وهذا القول أفصح عنه السيرافي وأبو العباس١، ولهذا لا يجوز: ضُرِبَ زيدٌ عبدُهُ، على الاشتمال، لاكتفاء المسند بالأول.
وهذا المذهب قيل: إنه التحقيق، وإنه الذي نصره الأستاذ أبو إسحاق بن ملكون وقال٢: إن النحويين؛ يعني أكثرهم؛ لم يفصحوا عنه كل الإفصاح، ولم يوضحوه كل الإيضاح، فلذلك اختاره الموضح وقال: "وهو بدل شيء من شيء يشتمل عامله على معناه اشتمالا بطريق الإجمال".
وقال في الحواشي: هذا هو الذي يظهر وبه قال المبرد والسيرافي وابن جني وابن الباذش وابن الأبرش وابن أبي العافية وابن ملكون، "وذلك كـ: أعجبني زيد علمه أو حسنه أو كلامه". ألا ترى أن الإعجاب مشتمل على زيد بطريق المجاز، وعلى علمه وحسنه وكلامه بطريق الحقيقة. "و" كذلك: "سرِقَ زيدٌُ ثوبُهُ أو فرسُهُ"، فإن زيدًا مسروق مجازًا والثوب والفرس مسروقان حقيقة، وهذا مطرد.
فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ؟ قلت: كلمة "عن" دالة على المجاوزة والسؤال متجاوز فاعله إلى الشهر وإلى القتال بطريقي الحقيقة والمجاز، كما بينا, فلا إشكال فيها. ا. هـ. ومع ذلك يرد عليه: زيد ماله كثير، إذا أعرب "ماله" بدلا من "زيد" إلا أن يقول: إن الابتداء مشتمل٣ على زيد مجازًا وعلى ماله حقيقة. وأفاد بهذه الأمثلة أن بدل الاشتمال تارة يكون مصدرًا وتارة يكون غيره، وإذا كان مصدرًا فتارة يكون مكتسبًا كالعلم، وتارة يكون غير مكتسب، وغير المكتسب تارة يكون لازمًا كالحسن، وتارة يكون مفارقًا كالكلام، وغير المصدر تارة يكون مشتملا اشتمال الظرف على المظروف كالثوب، وتارة لا يكون كذلك، كالفرس، وبدأ بالمصدر لأنه الأكثر. "و" بدل الاشتمال "أمره في الضمير" الرابط له بالمبدل منه "كأمر بدل البعض"، ثم تارة يكون مذكورًا وتارة يكون مقدرًا.
"فمثال المذكور" المتصل بالبدل "ما تقدم من الأمثلة، و" مثال المتصل بغير البدل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فـ"قتال"
стр. 949
بدل اشتمال من "الشهر" والرابط بينهما الهاء المجرورة بـ"في"١.
"ومثال" الضمير "المقدر: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ [البروج: ٤, ٥] "أي: النار فيه"، وهو قول البصريين. "وقيل": لا تقدير، و"الأصل: ناره، ثم نابت "أل" عن الضمير"، وهو قول الكوفيين، والأخدود: شق في الأرض، وأصحابه ثلاثة: أنطيانوس الرومي بالشام، وبختنصر بفارس، ويوسف ذو نواس بنجران، شق كل واحد منهم شقًّا عظيمًا [في الأرض] ٢، طوله أربعون ذراعًا، وعرضه اثنا عشر ذراعًا، وهو الأخدود، وملئوه نارًا، وقالوا: من لم يكفر، وإلا ألقي فيه، ومن كفر ترك. قاله الكواشي. وهذه الأبدال الثلاثة مسموعة، وزعم السهيلي أن بدل البعض والاشتمال من بدل الكل، قال: وذلك أن العرب تحذف المضاف، فإذا قالوا: أكلت الرغيف ثلثه، وأعجبني زيد علمه، فالمعنى: أكلت بعض الرغيف وأعجبني وصف زيد، ثم أبدل من البعض والوصف، ثم حذفا للدليل عليهما.
"والرابع: البدل المباين" للمبدل منه، "وهو ثلاثة أقسام، لأنه لا بد أن يكون مقصودًا" بالحكم "كما تقدم في الحد، ثم الأول" وهو المبدل منه، "إن لم يكن مقصودًا البتة ولكن سبق٣ إليه اللسان فهو بدل الغلط، أي بدل عن اللفظ الذي هو غلط، لا أن البدل نفسه هو الغلط، كما قد يتوهم" من ظاهر اللفظ، "وإن كان" الأول "مقصودًا، فإن تبين بعد ذكره فساد قصده فبدل نسيان، أي بدل شيء ذكر نسيانًا.
وقد ظهر" من هذا٤ التقرير "أن الغلط متعلق باللسان والنسيان متعلق بالجنان" وهو القلب، "والناظم" في قوله في النظم:
٥٦٧-
................................ ... ودون قصد غلط به سلب
"وكثير من النحويين لم يفرقوا بينهما، فسموا النوعين بدل غلط"٥، قال ابن
стр. 950
عصفور١: وهذان النوعان جائزان قياسًا، ولم يرد بهما سماع. "وإن كان قصد كل واحد٢ منهما صحيحًا فبدل إضراب"، وإليه أشار الناظم بقوله:
٥٦٧-
وذا للإضراب اعز إن قصدا صحب ... .......................................
"ويسمى أيضًا بدل بداء"، بالدل المهملة والمد. قال ابن عصفور: وهذا النوع مختلف فيه، فقيل: بدل بداء، وقيل: معطوف حذف عاطفه٣. قال في الحواشي: وهو الواو لا بل؛ لأنه لم يثبت حذفها. "وقول الناظم" في النظم:
٥٦٨-
........................................ ... ................. وخذ نبلا مدى
"يحتمل الثلاثة" وهي الغلط والنسيان والبداء، "وذلك باختلاف التقادير" بحسب الإرادات، "وذلك لأن النبل اسم جمع للسهم، والمدى" بالقصر "جمع مدية، وهي السكين، فإن كان المتكلم" بقوله: "خذ نبلا مدى" "إنما أراد الأمر بأخذ المدى فسبقه لسانه إلى النبل، فبدل غلط٤، وإن كان أراد الأمر بأخذ النبل"، ابتداء، "ثم تبين له فساد تلك الإرادة وأن الصواب الأمر بأخذ المدى، فبدل نسيان، وإن كان أراد الأول"؛ وهو الأمر بأخذ النبل، "ثم أضرب عنه إلى الأمر بأخذ المدى، وجعل الأول"٥؛ وهو الأمر بأخذ النبل؛ "في حكم المتروك، فبدل إضراب وبداء"، لأنه أضرب٦ عن الأمر الأول حين بدا له الأمر الثاني.
"والأحسن فيهن أن يؤتى٧ بـ: بل" لئلا يتوهم إرادة الصفة، أي: نبلا حادة كما تقول: رأيت رجلا حمارًا، تريد جاهلا أو٨ بليدًا.