← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ومثله قول الضبي: في فتيةٍ كلما تجمعت الـ ... ـبيداء لم يهلعوا ولم يخموا١ يريد: ولم يخيموا. فلم يحفل بضمة٢ الميم، وأجراها مجرى غير اللازم فيما ذكرناه٣ وغيره فلم يردد العين المحذوفة من لم يخم. وإن شئت قلت في هذين: إنه اكتفى بالحركة من الحرف، كما اكتفى الآخر بها منه في قوله: كفاك كف ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما وقول الآخر: ... بالذي تردان أي بالذي٤ تريدان٥. وسيأتي هذا في بابه. الثاني منهما وهو إجراء غير اللازم مجرى اللازم وهو كثير. من ذلك قول بعضهم في الأحمر إذا خففت همزته: لحمر حكاها أبو عثمان. ومن قال: الحمر قال: حركة اللام٦ غير لازمة، إنما هي لتخفيف الهمزة والتحقيق لها جائز فيها. ونحو ذلك قول الآخر: قد كنت تخفي حب سمراء حقبةً ... فبح لان منها بالذي أنت بائح٧ فأسكن الحاء التي كانت متحركة لالتقاء الساكنين في بح الآن لما٨ تحركت للتخفيف٩ اللام.

стр. 1017

وعليه قراءة من قرأ: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ ١ فأثبت واو "قالوا" لما تحركت لام لان. والقراءة القوية: "قاللان" بإقرار الواو على حذفها لأن الحركة عارضة للتخفيف. وعلى القول الأول قول الآخر٢: حدبدبي بدبدبي منكم لان ... إن بني فزارة بن ذيبان قد طرقت ناقتهم بإنسان ... مشيأ سبحان ربي الرحمن أسكن ميم "منكم" لما تحركت لام "لان" وقد كانت مضمومة عند التحقيق في قولك: منكم الآن، فاعتد٣ حركة التخفيف، وإن لم تكن لازمة. وينبغي أن تكون قراءة أبي عمرو: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ ٤ على هذه اللغة، وهي قولك مبتدئًا: لولى، لأن الحركة على هذا في اللام أثبت منها على قول من قال: الحمر. وإن كان حملها أيضًا على هذا جائزًا، لأن الادغام وإن كان بابه أن يكون في المتحرك فقد أدغم أيضًا في الساكن فحرك في شد ومد وفرّ يا رجل وعض ونحو ذلك. ومثله ما أنشده أبو زيد: ألا يا هند هند بني عميرٍ ... أرثٌ لان وصلك أم جديد ادغم تنوين رثّ في لام لان.

стр. 1018

ومما نحن على سمته قول الله ﴿لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ١ وأصله: لكن أنا فخففت الهمزة "بحذفها٢ وإلقاء" حركتها على نون لكن فصارت لكننا٣ فأجرى غير اللازم مجرى اللازم فاستثقل التقاء المثلين متحركين فأسكن الأول وادغم في الثاني فصار: لكنا كما ترى. وقياس قراءة من قرأ: قاللان فحذف الواو ولم يحفل بحركة اللام أن يظهر النونين٤ هنا لأن حركة الثانية غير لازمة فيقول: لكننا بالإظهار كما تقول في تخفيف حوأبة٥ وجيئل٦: حوبة وجيل، فيصح حرفا اللين هنا، ولا يقلبان لما كانت حركتهما غير لازمة. ومن ذلك قولهم في تخفيف رؤيا ونؤي: رويا ونوي فتصح الواو هنا وإن سكنت قبل الياء من قبل أن التقدير فيهما٧ الهمز٨ كما صحت في ضوٍ ونوٍ تخفيف ضوء ونوء لتقديرك الهمز وإرادتك إياه. وكذلك أيضًا صح نحو شى وفي في تخفيف شيء وفيء لذلك٩. وسألت أبا علي ﵀ فقلت: من أجرى غير اللازم مجرى اللازم فقال: لكنا كيف قياس قوله إذا خفف نحو حوءبة وجيئل أيقلب فيقول: حابة وجال أم يقيم "على التصحيح فيقول حوبة وجيل"١٠ فقال: القلب هنا لا سبيل إليه. وأومأ إلى أنه أغلظ من الادغام فلا يقدم عليه.

стр. 1019

فإن قيل فيما بعد؛ فقد قلبت العرب الحرف للتخفيف، وذلك "قول بعضهم"١ ريا ورية في تخفيف رؤيا ورؤية "وهذا واضح، قيل: الفرق أنك لما صرت إلى لفظ رويا وروية"٢ ثم قلبت الواو "إلى٣ الياء" فصار٤ إلى ريا ورية، إنما٥ قلبت حرفا إلى آخر كأنه هو؛ ألا ترى إلى قوة شبه الواو بالياء، وبعدها عن الألف فكأنك لما قلبت مقيم على الحرف نفسه ولم تقلبه لأن الواو كأنها هي الياء نفسها وليست كذلك الألف لبعدها عنهما بالأحكام الكثيرة التي قد أحطنا بها علمًا. وهذا فرق. وما٦ يجري من كل واحد من الفريقين مجرى صاحبه كثير وفيما مضى من جملته كاف.

стр. 1020

باب في إجراء المتصل مجرى المنفصل، وإجراء المنفصل مجرى المتصل: فمن الأول قولهم: اقتتل القوم واشتتموا. فهذا بيانه "نحو من بيان"١ "شئت تلك"٢ وجعل لك إلا أنه أحسن من قوله: الحمد لله العلي الأجلل وهذا٣ لأن إنما يظهر مثله ضرورة وإظهار٤ نحو اقتتل واشتتم مستحسن وعن غير ضرورة. وكذلك باب قولهم: هم يضربونني وهما يضربانني أجري -وإن كان متصلًا- مجرى يضربان نعم ويضربون٥ نافعًا. ووجه الشبه بينهما أن نون الإعراب هذه٦ لا يلزم٧ أن يكون بعدها نون؛ ألا ترى أنك تقول: يضربان زيدًا ويكرمونك ولا تلزم٨ هي أيضًا، نحو لم يضرباني. ومن ادغم نحو هذا واحتج بأن المثلين في كلمة واحدة فقال: يضرباني و"قال٩ تحاجونا" فإنه يدغم أيضًا نحو اقتتل، فيقول: قتل. ومنهم من يقول: قتل ومنهم من يقول: قتل. ومنهم من يقول: اقتل، فيثبت همزة الوصل مع حركة القاف، لما كانت الحركة عارضة للنقل أو لالتقاء١٠ الساكنين وهذا مبين في فصل الادغام. ومن ضد ذلك١١ قولهم: ها الله ذا١٢، أجرى مجرى دابةٍ وشابةٍ. وكذلك قراءة من قرأ ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾ ١٣ و ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا﴾ ١٤ ومنه -عندي- قول الراجز -فيما أنشده١٥ أبو زيد: من أي يومي من الموت أفرّ ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر

стр. 1021

كذا أنشده أبو زيد: لم يقدر بفتح الراء وقال: أراد النون الخفيفة فحذفها وحذف نون التوكيد وغيرها من علاماته جارٍ عندنا مجرى ادغام الملحق في أنه نقض الغرض إذ كان التوكيد من١ أماكن الإسهاب والإطناب والحذف من مظان الاختصار والإيجاز. لكن القول فيه عندي أنه أراد: أيوم٢ لم يقدر أم يوم قدر ثم خفف همزة "أم" فحذفها وألقى حركتها على راء "يقدر" فصار تقديره "أيوم لم يقدرم٣، ثم أشبع فتحة الراء فصار تقديره"٤: أيوم لم يقدر ام، فحرك الألف لالتقاء الساكنين، فانقلبت همزة، فصار تقديره أم واختار٥ الفتحة إتباعًا لفتحة الراء. ونحو من هذا التخفيف قولهم في المرأة والكمأة "إذا خففت الهمزة: المراة والكماة"٦. وكنت ذاكرت الشيخ أبا علي ﵀ بهذا منذ بضع عشرة سنة فقال: هذا إنما يجوز في المتصل. قلت له٧: فأنت أبدًا تكرر ذكر إجرائهم المنفصل مجرى المتصل فلم يرد٨ شيئًا. وقد ذكرت قديما هذا الموضع في كتابي "في سر صناعة الإعراب". ومن إجراء المنفصل مجرى المتصل قوله٩: وقد بدا هنك من المئزر فشبه "هنك" بعضد فأسكنه١٠؛ كما يسكن نحو ذلك.

стр. 1022

ومنه: فاليوم أشرب غير مستحقب١ كأنه شبه "ر ب غ" بعضد. وكذلك ما أنشده أبو زيد: قالت سليمى اشتر لنا سويقًا٢ وهو مشبه بقولهم في علم: علم لأن "ترل"٢ بوزن علم. وكذلك ما أنشده أيضًا من قول الراجز: فاحذر ولا تكتر كريا أعوجا٣ لأن "ترك" بوزن علم. وهذا الباب نحو من الذي قبله. وفيه ما يحسن ويقاس وفيه مالا يحسن ولا يقاس. ولكلٍّ وجه فاعرفه إلى ما يليه من نظيره.

стр. 1023

باب في احتمال اللفظ الثقيل لضرورة التمثيل: هذا موضوع يتهاداه أهل هذه الصناعة بينهم، ولا يستنكره -على ما فيه- أحد منهم. وذلك كقولهم١ في التمثيل من الفعل في حبنطى: فعنلى. فيظهرون النون ساكنة قبل اللام. وهذا شيء ليس موجودًا في شيء من كلامهم ألا ترى أن صاحب الكتاب قال٢: ليس في الكلام مثل قنرٍ وعنل. وتقول في تمثيل عرند٣: فعنل وهو كالأول. وكذلك مثال جحنفل: فعنلل ومثال عرنقصان٤: فعنللان. وهذا لا بد أن يكون هو ونحوه مظهرًا، ولا يجوز ادغام النون في اللام في هذه الأماكن؛ لأنه لو فعل ذلك لفسد الغرض. وبطل المراد المعتمد؛ ألا تراك لو ادغمت نحو هذا للزمك أن تقول في مثل عرندٍ: إنه فعل فكان إذًا لا فرق بينه وبين قمدًّ٥، وعتل٦، وصمل٧،. وكذلك لو قلت في تمثيل جحنفل: إنه فعلل لالتبس٨ ذلك بباب سفرجل وفرزدق، وباب عدبس وهملع وعملس. وكذلك لو ادغمت مثال٩ حبنطى فقلت: فعلى١٠ لالتبس بباب صلخدى وجعلبى. وذكرت ذرأ١١ من هذا ليقوم وجه العذر فيه بإذن الله. وبهذا تعلم أن التمثيل للصناعة ليس ببناء معتمد ألا تراك لو قيل لك١٢: ابن من دخل مثل جحنفل لم يجز لأنك كنت تصير به إلى دخنلل فتظهر النون ساكنة قبل اللام وهذا غير موجود. فدل أنك في التمثيل لست ببانٍ. ولا جاعل ما تمثله من جملة كلام العرب كما تجعله منها إذا بنيته غير ممثل. ولو كانت عادة هذه الصناعة أن يمثل فيها من الدخول كما مثل من الفعل لجاز أن تقول: وزن جحنفل من دخنلل، كما قلت في التمثيل: وزن جحنفل من الفعل فعنلل، فاعرف ذلك فرقا بين الموضعين.

стр. 1024

باب في الدلالة اللفظية والصناعية والمعنوية: اعلم أن كل واحد١ من هذه الدلائل معتد مراعىً مؤثر؛ إلا أنها في القوة والضعف على ثلاث مراتب: فأقواهن الدلالة اللفظية ثم تليها الصناعية ثم تليها المعنوية. ولنذكر من ذلك ما يصح به الغرض. فمنه جميع الأفعال. ففي كل واحد منها الأدلة الثلاثة. ألا ترى إلى قام و"دلالة لفظه على مصدره"٢ ودلالة بنائه على زمانه، ودلالة معناه على فاعله. فهذه ثلاث دلائل من لفظه وصيغته ومعناه. وإنما كانت الدلالة الصناعية أقوى من المعنوية من قبل أنها وإن لم تكن لفظًا فإنها٣ صورة يحملها اللفظ. ويخرج عليها ويستقر على المثال المعتزم بها. فلما كانت كذلك لحقت بحكمه وجرت مجرى اللفظ المنطوق به فدخلا بذلك في باب المعلوم بالمشاهدة. وأما المعنى فإنما دلالته لاحقة بعلوم٤ الاستدلال، وليست في حيز الضروريات٥؛ ألا تراك حين تسمع ضرب قد عرفت حدثه وزمانه ثم تنظر فيما بعد فتقول: هذا فعل، ولا بد٦ له من فاعل، فليت شعري من هو؟ وما هو؟ فتبحث حينئذ إلى أن تعلم الفاعل من٧ هو وما حاله٨، من موضع آخر لا من مسموع ضرب؛ ألا ترى أنه

стр. 1025

يصلح أن يكون فاعله كل مذكر يصح منه١ الفعل، مجملًا غير مفصل. فقولك: ضرب زيد، وضرب عمرو وضرب جعفر ونحو ذلك شرع سواء وليس لضرب بأحد الفاعلين هؤلاء "ولا"٢ غيرهم خصوص ليس له بصاحبه؛ كما يخص بالضرب دون غيره من الأحداث، وبالماضي دون غيره من الأبنية. ولو كنت إنما تستفيد الفاعل "من٣ لفظ" ضرب لا معناه للزمك إذا قلت: قام أن تختلف دلالتهما على الفاعل لاختلاف لفظيهما، كما اختلفت دلالتهما على الحدث لاختلاف لفظيهما، وليس الأمر في هذا كذلك، بل دلالة ضرب على الفاعل كدلالة قام وقعد وأكل وشرب وانطلق واستخرج عليه لا فرق بين جميع ذلك. فقد علمت أن دلالة المثال على الفاعل من جهة معناه، لا٤ من جهة لفظه، ألا ترى أن كل واحد من هذه الأفعال وغيرها يحتاج٥ إلى الفاعل حاجة واحدة، وهو استقلاله به، وانتسابه إليه، وحدوثه عنه أو كونه٦ بمنزلة الحادث عنه، على ما هو مبينٌ في باب الفاعل. وكان أبو علي يقوي قول أبي الحسن في نحو قولهم: إني لأمر بالرجل مثلك: إن اللام زائدة حتى كأنه قال: إني لأمر برجل مثلك، لما لم يكن الرجل هنا مقصودًا معينًا على قول الخليل: إنه تراد٧ اللام في المثل، حتى كأنه قال: إني لأمر بالرجل المثل لك، أو نحو ذلك؛ قال٨: لأن الدلالة

стр. 1026

اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية، أي أن اللام "في قول أبي الحسن"١ ملفوظ بها، وهي في قول الخليل مرادة مقدرة. واعلم أن هذا القول من أبي علي غير مرضي عندي؛ لما أذكره لك. وذلك أنه جعل لفظ اللام دلالة على زيادتها وهذا محال٢، وكيف يكون لفظ الشيء دلالة على زيادته وإنما جعلت الألفاظ أدلة على إثبات معانيها، لا٣ على سلبها، وإنما الذي يدل على زيادة اللام هو كونه مبهمًا لا مخصوصًا؛ ألا ترى أنك لا تفصل بين معنيي قولك: إني لأمر بالرجل مثلك، وإني لأمر برجل مثلم في كون كل واحد منهما منكورًا٤ غير معروف ولا مومأ به٣ إلى شيء بعينه فالدلالة أيضًا من هذا الوجه "كما ترى"٥ معنوية؛ كما أن إرادة الخليل اللام في "مثلك" إنما دعا إليها جريه صفة على شيء هو في اللفظ معرفة، فالدلالتان إذًا كلتاهما معنويتان. ومن ذلك قولهم للسلم٦: مرقاة وللدرجة٧ مرقاة فنفس اللفظ يدل٨ على الحدث الذي هو الرقي، وكسر٩ الميم يدل على أنها مما١٠ ينقل ويعتمل١١ عليه١٢ وبه كالمطرقة والمئزر والمنجل١٣، وفتحة ميم مرقاة تدل١٤ على أنه مستقر في موضعه،

стр. 1027

كالمنارة والمثابة١. ولو كانت المنارة مما يجوز كسر ميمها لوجب تصحيح عينها وأن تقول فيها٢: منورة "لأنه٣ كانت" تكون حينئذ منقوصة، من مثال مفعال؛ كمروحة ومسورة٤ ومعول ومجول٥، فنفس "ر ق ي" يفيد معنى الارتقاء و"كسرة الميم وفتحتها تدلان"٦ على ما قدمناه: من معنى الثبات أو الانتقال. وكذلك الضرب والقتل: نفس اللفظ يفيد الحدث فيهما ونفس الصيغة تفيد فيهما صلاحهما للأزمنة الثلاثة على ما نقوله في المصادر. وكذلك اسم الفاعل -نحو قائم وقاعد- لفظه يفيد الحدث الذي هو٧ القيام والقعود وصيغته وبناؤه يفيد كونه صاحب الفعل. وكذلك قطع وكسر، فنفس اللفظ ههنا٨ يفيد معنى الحدث، وصورته تفيد شيئين: أحدهما الماضي، والآخر تكثير الفعل؛ كما أن ضارب يفيد بلفظه الحدث، وببنائه الماضي وكون الفعل من اثنين وبمعناه على٩ أن له فاعلًا. فتلك أربعة معانٍ. فاعرف ذلك إلى ما يليه، فإنه كثير، لكن هذه طريقه.

стр. 1028

باب في الاحتياط: أعلم أن العرب إذا أرجات المعنى مكنته واحتاطت١ له. فمن ذلك التوكيد، وهو على ضربين: أحدهما تكرير الأول١ بلفظه. وهو نحو قولك: قام زيد "قام٢ زيد" و"ضربت٣ زيدًا ضربت" وقد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، والله أكبر الله أكبر٤، وقال٥: إذا التياز ذو العضلات قلنا ... إليك إليك ضاق بها ذراعا وقال٦: وإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاء وللشر جالب وقال: إن قومًا منهم عمير وأشبا ... هـ عميرٍ ومنهم السفاح لجديرون بالوفاء إذا قا ... ل أخو النجدة: السلاح السلاح٧ وقال: أخاك أخاك إن من لا أخاله ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح٨ وقال: أبوك أبوك أربد غير شك ... أحلك في المخازى حيث حلا٩

стр. 1029

يجوز أن يكون من هذا تجعل١ أبوك الثاني منهما٢ تكريرًا للأول، وأريد الخبر، ويجوز أن يكون أبوك الثاني خبرًا عن الأول أي أبوك الرجل المشهور بالدناءة والقلة: وقال: قم قائمًا قم قائمًا ... رأيت عبدًا نائمًا وأمة مراغمًا ... وعشراء رائمًا٣ هذا رجل يدعو لابنه وهو صغير وقال: فأين إلى أين النجاء ببغلتي ... أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس٤ وقالوا في قول امرئ القيس: #نطعنهم سلكى ومخلوجةً كر كلامين على نابلٍ٥# قولين: أحدهما ما نحن عليه، أي٦ تثنية كلامين على ذي النبل إذ قيل له: ارم ارم، والآخر: كرك لامين، وهما السهمان، أي كما ترد السهمين على البراء للسهام إذا أخذتهما لتنظر إليهما ثم رميتهما إليه فوقعا مختلفين: هكذا أحدهما وهكذا الآخر. وهذا الباب كثير جدًّا. وهو في الجمل والآحاد جميعًا.

стр. 1030

والثاني١ تكرير الأول بمعناه. وهو على ضربين: أحدهما للإحاطة٢ والعموم والآخر للتثبيت٣ والتمكين. الأول كقولنا: قام القوم كلهم، ورأيتهم أجمعين -ويتبع ذلك٤ من اكتع وأبضع٥ وأبتع وأكتعين وأبضعين٦ وأبتعين ما هو معروف- "مررت بهما كليهما"٧. والثاني نحو قولك: قام زيد نفسه ورأيته نفسه٨. ومن ذلك الاحتياط في التأنيث، كقولهم: فرسة، وعجوزة. ومنه ناقة؛ لأنهم لو اكتفوا بخلاف مذكرها لها -وهو جمل- لغنوا بذلك. ومنه الاحتياط في إشباع معنى الصفة كقوله٩: والدهر بالإنسان دوارى أي دوار، وقوله١٠: غضف طواها الأمس كلابي

стр. 1031

أي كلاب، وقوله: كان حداءً قراقريًّا١ أي قراقرًا. حدثنا أبو علي قال: يقال خطيب مصقع، وشاعر مرقع، وحداء قراقر، ثم أنشدنا البيت، وقد ذكرنا من أين صارت ياء الإضافة إذا لحقتا الصفة قوتا معناها. وقد يؤكد بالصفة كما تؤكد٢ هي، نحو قولهم: أمس الدابر، وأمس المدبر وقول٣ الله -عز اسمه- ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ٥ وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٦. ومنه قولهم: لم يقم زيد. جاءوا فيه بلفظ المضارع وإن كان معناه المضى. وذلك أن المضارع أسبق رتبة في النفس من الماضي ألا ترى أن أول٧ أحوال الحوادث أن تكون معدومة ثم توجد فيما بعد. فإذا نفى المضارع الذي هو الأصل فما ظنك بالماضي الذي هو الفرع. وكذلك قولهم: إن قمت قمت فيجيء٨ بلفظ الماضي والمعنى "معنى المضارع"٩. وذلك أنه أراد الاحتياط للمعنى، فجاء بمعنى المضارع المشكوك في وقوعه بلفظ "الماضي١٠ المقطوع" بكونه حتى كأن هذا قد وقع واستقر "لا أنه"١١ متوقع مترقب. وهذا تفسير أبي علي عن أبي بكر، وما أحسنه!

стр. 1032

ومنه قوله١: قالت بنو عامر خالوا بني أسدٍ ... يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام أي يا بؤس الحرب، فأقحم لام الإضافة "تمكينًا واحتياطًا لمعنى الإضافة"٢ وكذلك قول الآخر٣: يا بؤس للحرب التي ... وضغت أراهط فاستراحوا أي٤ يا بؤس الحرب إلا أن الجر في هذا ونحوه إنما هو اللام الداخلة عليه وإن كانت زائدة. وذلك أن الحرف العامل وإن كان زائدًا فإنه لا بد عامل، ألا ترى إلى قوله٥: بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني مضر فالباء زائدة وهي "مع ذا"٦ عاملة، وكذلك قولهم: قد كان من مطر، وقد كان من حديث فخل عني؛ فـ"من" زائدة وهي جارّة ولا يجوز أن تكون٧ "الحرب" من قوله:

стр. 1033

يا بؤس مجرورة بإضافة "بؤس" إليها، واللام معلقة من قبل أن تعليق اسم١ المضاف والتأول له أسهل من تعليق حرف الجر والتأول له، لقوة الاسم وضعف الحرف فأما قوله٢: لو كنت في خلقاء من رأس شاهقٍ ... وليس إلى منها النزول سبيل٣ فإن هذا إنما هو فصل بحرف الجر لا تعليق. فإن قلت: فما٤ تقول في قوله: أني جزوا عامرًا سوءًا بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوءى من الحسن٥ وجمعه بين أم وكيف؟ فالقول أنهما ليسا لمعنى واحد. وذلك أن "أم" هنا جردت لمعنى الترك٦ والتحول، وجردت من معنى الاستفهام "وأفيد"٧ ذلك من "كيف" لا منها. وقد دللنا على ذلك فيما مضى. فإن قيل: فهلا وكدت إحداهما الأخرى٨ كتوكيد٩ اللام لمعنى الإضافة وياءي١٠ النسب لمعنى الصفة. قيل: يمنع من ذلك أن "كيف" لما بنيت واقتصر بها على الاستفهام البتة١١، جرت مجرى الحرف البتة وليس في الكلام اجتماع حرفين لمعنى واحد؛ لأن في ذلك نقضًا

стр. 1034

لما اعتزم عليه١ من الاختصار في استعمال الحروف. وليس كذلك يا بؤس للحرب وأحمري وأشقري. وذلك أن هنا إنما انضم الحرف إلى الاسم فهما مختلفان فجاز أن يترادفا في موضعهما لاختلاف جنسيهما. فإن قلت: فقد قال٢: وما إن طبنا جبنٌ ولكن وقال٣: ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم فجمع بين ما وإن، وكلاهما لمعنى النفي، وهما -كما ترى- حرفان. قيل: ليست إن من قوله: ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم٤ بحرف نفي٥ فيلزم ما رمت إلزامه، وإنما هي حرف يؤكد به، بمنزلة ما ولا والباء ومن وغير ذلك ألا ترى إلى قولهم في الاستثبات عن زيد من نحو قولك٦ جاءني زيد: أزيد إنيه؟، وفي باب٧ رأيت زيدًا: أزيدا إنيه؟ فكما زيدت "إن" هنا توكيدًا مع غير٨ "ما"، فكذلك زيدت مع "ما" توكيدًا. وأما قوله٩: طعامهم لئن أكلوا معدٌ ... وما إن لا تحاك لهم ثياب

стр. 1035

فإن "ما" وحدها ايضًا للنفي "وإن" و"لا" جميعًا للتوكيد، ولا ينكر اجتماع حرفين للتوكيد لجملة الكلام. وذلك أنهم قد وكدوا١ بأكثر من الحرف الواحد في غير هذا. وذلك قولهم: لتقومن ولتقعدن. فاللام٢ والنون جميعًا للتوكيد. وكذلك قول الله -جل وعز: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ ٣ فما والنون جميعًا مؤكدتان. فإما اجتماع الحرفين في قوله: وما إن لا تحاك لهم ثياب وافتراقهما في لتفعلن وإنا ترين فلأنهم أشعروا لجمعهم إياهما في موضع واحد بقوة عنايتهم بتوكيد ما هم عليه لأنهم كما جمعوا بين حرفين لمعنى٥ واحد، كذلك أيضًا جعلوا اجتماعهما وتجاورهما تنويهًا وعلمًا على قوة العناية بالحال. وكأنهم حذوا ذلك على الشائع الذائع عنهم من احتمال٦ تكرير الأسماء المؤكد بها في نحو أجمع٧ وأكتع وأبضع٨ وأبتع وما يجري مجراه. فلما شاع ذلك وتنوزع٩ في غالب الأمر في الأسماء لم يخلو١٠ الحروف من نحوٍ منه، إيذانًا بما هم عليه مما١١ اعتزموه ووكدوه. وعليه أيضًا ما جاء عنهم من تكرير الفعل فيه نحو قولهم: اضرب اضرب وقم قم وارم وارم وقوله: أتاك أتاك اللاحقوك احبس احبس١٢

стр. 1036

فاعرف ذلك فرقًا بين توكيد المعنى الواحد -نحو الأمر والنهي والإضافة- وتوكيد معنى الجملة في "امتناع اجتماع"١ حرفين لمعنى واحد، وجواز اجتماع حرفين لمعنى جملة الكلام في لتقربن وإما ترين؛ ألا ترى أنك إذا قلت: هل تقومن فـ"هل" وحدها للاستفهام؛ وأما النون فلتوكيد جملة الكلام. يدل٢ على أنها لذلك٣ لا لتوكيد معنى الاستفهام وحده وجودك إياها في الأمر نحو اضربن زيدًا، وفي٤ النهي في لا تضربن زيدًا، والخبر في لتضربن زيدًا، والنفي في نحو قلَّما تقومن٥. فشياعها في جميع هذه المواضع أدل دليل على ما نعتقده٦: من كونها توكيدًا لجملة القول لا لمعنى مفرد منه مخصوص لأنها لو كانت موضوعة له وحده لخصت به ولم تشع في غيره كغيرها من الحروف. فإن قلت: يكون من الحروف ما يصلح من المعاني لأكثر من الواحد نحو: من فإنها تكون تبغيضًا وابتداء ولا تكون نفيًا ونهيًا وتوكيدًا، وإن فإنها تكون شرطًا ونفيًا وتوكيدًا. قيل: هذا إلزام يسقطه تأمله. وذلك أن من ولا وإن ونحو ذلك لم يقتصر بها على معنى واحد؛ لأنها حروف وقعت مشتركة كما وقعت الأسماء مشتركة؛ نحو الصدى؛ فإنه ما يعارض الصوت، وهو بدن الميت، وهو طائر يخرج فيما يدعون

стр. 1037

من رأس القتيل إذا لم يؤخذ بثأره. وهو أيضًا الرجل الجيد الرعية١ للمال في قولهم: هو صدى مالٍ، وخائل مالٍ، وخال مال، وسر سور مال، وإزاء مالٍ، و"نحو ذلك من"٢ الشوى٣ ونحوه٤ مما اتفق لفظه واختلف معناه. وكما وقعت الأفعال مشتركة، نحو وجدت في الحزن، ووجدت في الغضب ووجدت في الغنى ووجدت في٥ الضالة، ووجدت بمعنى علمت ونحو ذلك فكذلك جاء نحو هذا في الحروف. وليست كذلك النون؛ لأنها وضعت لتوكيد ما قد أخذ مأخذه، واستقر من الكلام بمعانيه المفادة من أسمائه وأفعاله وحروفه. فليست لتوكيد شيء مخصوص من ذلك دون غيره، ألا تراها للشيء وضده نحو اذهبن، ولا تذهبن والإثبات في لتقومن والنفي في قلما تقومن. فهي إذًا لمعنى واحد وهو التوكيد لا غير. ومن الاحتياط إعادة العامل في العطف، والبدل. فالعطف نحو مررت بزيد وبعمرو؛ فهذا أوكد معنى من مررت بزيد وعمرو. والبدل كقولك: مررت بقومك بأكثرهم؛ فهذا أوكد معنى من قولك: مررت بقومك أكثرهم. ووجوه الاحتياط في الكلام٦ كثيرة، و"هذا طريقها"٧ "فتنبه عليها"٨

стр. 1038

باب في فك الصيغ: أعلم أن هذا موضع من العربية لطيف، ومفعول عنه وغير مأبوه له. وفيه من لطف المأخذ وحسن الصنعة ما أذكره، لتعجب منه، ونانق له. وذلك أن العرب إذا حذفت من الكلمة حرفًا، إما١ ضرورة أو إيثارًا، فإنها تصور تلك الكلمة بعد الحذف٢ منها تصويرًا تقبله٣ أمثله كلامها، ولا تعافه وتمجه لخروجه٤ عنها، سواء كان ذلك الحرف المحذوف أصلًا أم٥ زائدًا. فإن كان ما يبقى بعد ذلك الحرف مثالًا تقبله مثلهم أقروه عليه. وإن نافرها وخالف ما عليها أوضاع كلمتها نقض عن تلك الصورة وأصير إلى احتذاء رسومها. فمن٦ ذلك أن تعتزم تحقير نحو منطلق أو تكسيره؛ فلا بد من حذف نونه. فإذا أنت حذفتها بقي لفظه بعد حذفها: مطلق، ومثاله مفعل. وهذا وزن ليس في كلامهم؛ فلا بد إذًا من نقله إلى أمثلتهم. ويجب حينئذ أن ينقل في التقدير إلى أقرب المثل منه ليقرب المأخذ ويقل التعسف. فينبغي أن تقدره قد صار بعد حذفه إلى مطلق؛ لأنه أقرب إلى مطلق من غيره، ثم حينئذ من بعد تحقره، فتقول: مطيلق، وتكسره، فتقول: مطالق كما تقول في تحقير مكرم وتكسيره: مكيرم ومكارم. فهذا٧ باب قد استقر ووضح، فلتغن به عن إطالة القول بإعادة مثله. وسنذكر العلة التي لها ومن أجلها وجب عندنا اعتقاد هذا فيه٨ بإذن الله. فإن كان حذف٩ ما حذف

стр. 1039

من الكلمة يبقي منها بعده مثالًا مقبولًا١ "لم يكن لك بد في الاعتزام عليه وإقراره"٢ على صورته تلك٣ البتة. وذلك كقولك في تحقير حارث على الترخيم: حريث. فهذا٤ لما حذفت ألفه بقي من بعد على حرث فلم يعرض٥ له بتغيير٦؛ لأنه كنمر، وسبط وحذر. فمن مسائل هذا الباب أن تحقر جحنفلًا أو تكسره؛ فلا بد من حذف نونه، فيبقى بعد٧: جحفل، فلا بد من إسكان عينه إلى أن يصير: جحفل. ثم بعد ما تقول: جحيفل وجحافل. وإن شئت لم تغير واحتججت بما جاء عنهم من قولهم في عرنتن: عرتن. فهذا وجه. ومنها تحقير سفرجل. فلا بد من حذف لامه فيبقى: سفرج وليس من أمثلتهم فتنقله٨ إلى أقرب ما يجاوره وهو سفرج كجعفر فتقول٩: سفيرج. وكذلك إن استكرهته على التكسير فقلت: سفارج. فإن كسرت حبنطى أو حقرته بحذف نونه بقي معك: حبطىً. وهذا مثال لا يكون في الكلام وألفه للإلحاق، فلا بد أن تصيره إلى حبطى ليكون كأرطى. ثم تقول: حبيطٍ وحباطٍ كأريطٍ وأراطٍ. فإن حذفت ألفه بقي حبنط، وهذا مثال غير معروف؛ لأنه ليس في الكلام فعنل فتنقله أيضًا إلى حبنط ثم تقول: حبينط وحبانط. فإن قلت: ولا في الكلام أيضًا فعنل قيل: هو وإن لم يأت اسمًا فقد أتى فعلًا وهو قلنسته فهذا فعنلته

стр. 1040

وتقول في تحقير جردحلٍ: جريدح. وكذلك إن استكرهته على التكسير فقلت: جرادح، وذلك أنك لما حذفت لامه بقي: جردح، وهذا مثال معروف كدرهم وهجرع فلم يعرض للبقية١ بعد حذف الآخر. فإن حقرت أو كسرت مستخرج٢ حذفت السين والتاء فبقي: مخرج فلم تغيره؛ فتقول٣: مخيرج ومخارج. فإن سميت رجلًا دراهم، ثم حقرته حذفت الألف، فبقي: درهم فأقررته على صورته ولم تغيره؛ لأنه مثال قد جاء عنهم وذلك قولهم: جندل، وذلذل٤، وخنثر٥. فتقول: دريهم. ولا تكسره؛ لأنك تعود إلى اللفظ الذي انصرفت عنه. فإن حقرت نحو عذافر فحذفت ألفه لم تعرض٦ لبقيته؛ لأنه يبرد في يدك حينئذ عذفر، وهذا قد جاء عنهم، نحو علبط٧ وخزخز٨ و"عجلط وعكلطٍ"٩ ثم تقول: عذيفر، وفي تكسيره: عذافر. فإن حقرت نحو قنفخرٍ حذفت نونه ولم تعرض١٠ لبقيته، لأنه يبقى: قفخر. وهذا نظير١١ دمثرٍ وحبجرٍ١٢؛ فتقول: قفيخر، وقفاخر. فإن حقرت نحو عوارض١٣ ودواسرٍ١٤ حذفت الألف، فبقي عورض ودوسر، وهذا مثال ليس من كلامهم، لأنه فوعل

стр. 1041

إلا أنك مع ذلك لا تغيره؛ لأنه هو فواعل وإنما حذفت الألف وهي١ في تقدير الثبات. ودليل ذلك توالي حركاته كتوالي حركات علبطٍ وبابه، فتقول في تحقيره وتكسيره: عُويرض، وعَوارض. ومثله هُداهد، وهَداهد، وقُناقن، وقَناقن، وجُوالق، وجَوالق. فإن حقرت نحو عنتريسٍ أو كسرته حذفت نونه، فبقي في التقدير عتريس. وليس في الكلام٢ شيء على فعليل، فيجب أن تعدله إلى أقرب الأشياء منه، فتصير إلى فعليل: عتريسٍ فتقول: عتيريس، وعتاريس. فإن حقرت خنفقيقًا حذفت القاف الأخيرة، فيبقى٣: خنفقي، وهذا فنعلي، وهو مثال غير معهود، فتحذف الياء فيبقى خنفق: فنعل كعنبس٤ وعنسل، فتقول فيه: خنيفق وخنافق. وعليه قول الراجز٥: بني عقيل ماذه الخنافق وليس عنتريس كخنفقيق؛ لأنه رباعي، فلا بد من حذف نونه وخنفقيق ثلاثي، فإحدى قافية زائدة، فلذلك حذفت الثانية وفيه شاهد لقول يونس في أن الثاني من المكرر هو الزائد. والذي يدل على أن العرب إذ حذفت من الكلمة حرفًا راعت حال ما بقي منه، فإن كان مما تقبله أمثلتهم أقروه على صورته وإن خالف ذلك مالوا به إلى نحو صورهم٦ قول الشماخ:

стр. 1042

حذاها من الصيداء نعلًا طراقها ... حوامي الكراع المؤيدات العشاوز١ ووجه الدلالة من ذلك أنه تكسير عَشَوزَن، فحذف النون لشبهها بالزائد، كما حذفت٢ الهمزة٣ في تحقير إسماعيل وإبراهيم لشبهها بالزائد في قولهم: بُريهيم وسُميعيل، وإن كانت عندنا أصلًا. فلما حذف النون بقي معه عَشَوز وهذا مثال فَعَول وليس من صور أبنيتهم، فعدله٤ إلى عَشوَز وهذا مثال فَعول، ليلحق بجدول وقَسور، ثم كسره فقال: عشاوِز. والدليل على أنه قد نقله من عَشَوز إلى عَشوز أنه لو كان كسره وهو على ما كان عليه من سكون واوه دون أنت يكون قد حركها لوجب عليه همزها وأن يقال: عشائز لسكون الواو في الواحد كسكونها في عجوز ونحوها. فأما انفتاح ما قبلها في عَشَوزٍ فلا يمنعها الإعلال. وذلك أن سبب همزها في التكسير إنما هو سكونها في الواحد لا غير. فأما اتباعها ما قبلها وغير اتباعها إياه فليس مما يتعلق عليه حال وجوب الهمز٥ أو تركه. فإذا ثبت بهذه المسئلة حال هذا الحرف قياسًا وسماعًا جعلته أصلًا في جميع ما يعرض له شيء من هذا التحريف. ويدل عليه أيضًا قولهم في تحقير ألنددٍ أليد؛ ألا ترى أنه لما حذف النون بقي معه ألدد،

стр. 1043

وهذا مثال منكور، فلما نبا عنه أماله إلى أقرب الأمثلة منه، وهو أفعَل فصار ألدد فلما أفضى إلى ذلك ادغمه، فصار ألد؛ لأنه جرى حينئذ مجرى ألد الذي هو مذكر لداء؛ إذ١ كان صفة وعلى٢ أَفعل، فانجذب حينئذ إلى باب أصم من صماء وأيل٣ من يلاء، قال: وكوني على الواشين لداء شغبةً ... كما أنا للواشي ألد شغوب٤ فلذلك قالوا في تحقيره: أليد، فادغموه ومنعوه الصرف. وفي هذا بيان ما نحن عليه. فأما قول سيببويه في نحو سفيرج وسفارج: إنه إنما حذف آخره لأن مثال التحقير والتكسير انتهى دونه فوجه آخر من الحجاج. والذي قلناه نحن شاهده العشاوز وأُليد. ومن فك الصيغة أن تريد البناء من أصلٍ ذي زيادة فتلقيها٥ عنه، ثم ترتجل البناء منه مجردًا منها. وذلك كأن تبني من ساعدٍ أو كاهل مثل جعفر أو غيره من الأمثلة فتفك عنه زائده وهو الألف فيبقى "ك هـ ل" و"س ع د" لا عليك على٦ أي صورة بقي بعد حذف زائده٧ -لأنه إنما غرضك البناء من هذه المادة مرتبة من تقديم حروفها وتأخيرها على هذا الوضع- أفَعلا٨ كانت أم٩ فُعلا أم٩ فِعلا أم٩ غير ذلك؛ لأنه على أيها بقي فالبناء منه سَعدَد وكَهلَل. وكذلك إن أردت البناء من منصور مثل قَمَحدُوة١٠ قلت١١: نَصرُّوة. وذلك أنك لما أردت ذلك حذفت ميمه وواوه فبقي معك "ن ص ر" ولا عليك على أي مثال بقي، على ما مضى.

стр. 1044

ومن ذلك جميع ما كسرته١ العرب على حذف زائده كقولهم في جمع كَروان: كِروان. وذلك أنك لما حذفت ألفه ونونه بقي معك كَرَو فقلبت واوه ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها طرفًا فصارت كرا ثم كسرت "كرا"٢ هذا على كِروان؛ كشبث٣ وشِبثان٤ وخرَب وخربان. وعليه قولهم في المثل: أطرق كرا إنما هو عندنا ترخيم كَروان على قولهم: يا حار. وأنشدنا٥ لذي الرمة: من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكِروان أبصرن بازيا٦ "قالوا والآن في كروان إنما هي بدل من ألف كرا المبدلة من واو كروان"٧. ومنه قول الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ ٨ وهو عند سيبويه تكسير شدة على حذف زائدته٩. وذلك أنه لما حذف التاء بقي الاسم على شد ثم كسره١٠ على أشد فصار كذئب وأذؤب وقطع وأقطع. ونظير شدة وأشد قولهم: نعمة وأنعم وقال١١ أبو عبيدة: هو جمع أشد على حذف الزيادة. قال: وربما استكرهوا على ذلك في الشعر وأنشد بيت عنترة: عهدي به شد النهار كأنما ... خضب اللبان ورأسه بالعظلم١٢

стр. 1045

ألا تراه لما حذف همزة أشد بقي معه شد كما ترى فكسره على أشد فصار كضَب وأضب وصَك وأصُك. ومن فك الصيغة -إلا أن ذلك إلى الزيادة لا إلى النقص- ما حكاه الفراء من قولهم في جمع أتون: أتاتين. فهذا كأنه زاد على عينه عينًا أخرى فصار من١ فَعُول مخفف العين إلى فعوُّل مشددها فتصوره٢ حينئذ على أتون فقال فيه: أتاتين كسفّود وسفافيد وكلّوب وكلاليب. وكذلك قولهم في تحقير رجل: رويجل "فهذا ليس"٣ بتحقير رجل، لكنه نقله من فَعُل إلى فاعل فصار إلى راجل ثم حينئذ قال في تحقيره: رويجل. وعليه عندي٤ قولهم في جمع دانق: دوانيق. وذلك أنه زاد على فتحة عينه ألفًا فصار دأناق ثم كسره على دوانيق كساباط وسوابيط. ولا يحسن أن يكون زاد حرف اللين على المكسور العين منهما لأنه كان يصير حينئذ إلى دانيق وهذا مثال معدوم عندهم ألا ترى أنه ليس في كلامهم فاعيل. ولك في دانق لغتان: دانَق ودانِق كخاتَم وخاتِم وطابَق وطابِق. وإن شئت قلت: لما كسره٥ فصار إلى دوانق أشبع الكسرة فصار: دوانيق كالصياريف والمطافيل٦ وهذا التغيير المتوهم كثير. وعليه باب٧ جميع ما غيرته الصنعة عن حاله ونقلته من صورة إلى صورة ألا تراك أنك لما أردت الإضافة إلى عدي حذفت ياءه الزائدة بقي معك عديٌ فأبدلت من الكسرة فتحة فصار إلى عدَيٍ٨ ثم أبدلت من يائه ألفًا فصار إلى عَدًا٩ ثم وقعت ياء الإضافة من بعد، فصار التقدير به إلى عداي، ثم احتجت إلى حركة الألف التي هي لام لينكسر ما قبل ياء الإضافة، فقلبتها واوًا فقلت: عَدَوي. فالواو الآن في "عَدَوِي"، إنما هي بدل من ألف عداي، وتلك الألف بدل من ياء عدي وتلك الياء١٠ بدل واو عدوت١١؛ على ما قدمنا كمن حفظ المراتب فاعرف ذلك. ومن فك الصيغة قوله: قد دنا الفصح فالولائد ينظـ ... ـم ن سراعًا أكلة المرجان١٢ فهذا١٣ جمع إكليل، فلما حذفت الهمزة وبقيت الكاف ساكنة فتحت، فصار إلى كليل، ليكون كدليل، ونحوه فعليه جاء أكلة؛ كدليل وأدلة.

стр. 1046

باب في كمية ١ الحركات: أما ما في أيدي الناس في ظاهر الأمر فثلاث. وهي٢ الضمة والكسرة والفتحة. ومحصولها٣ على الحقيقة ست. وذلك أن بين كل حركتين حركة. فالتي بين الفتحة والكسرة هي الفتحة قبل الألف الممالة؛ نحو فتحة عين عالم، وكاف كاتب. فهذه حركة بين الفتحة والكسرة؛ كما أن الألف التي بعدها بين الألف والياء والتي بين الفتحة والضمة هي التي قبل ألف التفخيم؛ نحو فتحة لام الصلاة والزكاة٤ والحياة. وكذلك ألف٥ قام وعاد. والتي بين الكسرة والضمة، ككسرة قاف قيل و"سين سير"٦ فهذه الكسرة المشمة ضمًا. ومثلها الضمة المشمة كسرًا، كضمة قاف المنقر٧، وضمة عين مذعور، و"باء ابن بور"٨ فهذه ضمة أشربت كسرًا، كما أنها في قيل وسير كسرة أشربت ضمًا. فهما لذلك كالصوت الواحد، لكن ليس في كلامهم ضمة مشربة فتحة، ولا كسرة مشربة فتحة. فاعرف ذلك. ويدل على أن هذه الحركات٩ معتدات اعتداد سيبويه بألف الإمالة وألف التفخيم حرفين غير الألف "المفتوح ما قبلها"١٠.

стр. 1047

باب في مطل الحركات: وإذا فعلت العرب ذلك أنشأت عن الحركة الحرف من جنسها. فتنشئ بعد الفتحة الألف، وبعد الكسرة الياء، وبعد الضمة الواو. فالألف المنشأة عن إشباع الفتحة ما أنشدناه١ أبو علي لابن هرمة يرثي ابنه: من قوله: فأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح٢ أراد: بمنتزح: مفتعَل من النازح. وأنشدنا أيضًا لعنترة: ينباع من ذفرى غضوبٍ جسرة٣ وقال: أراد ينبع، فأشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفًا. وقال الأصمعي: يقال انباع الشجاع٤، ينباع انبياعًا إذا انخرط بين٥ الصفين ماضيًا وأنشد فيه: يطرق حلمًا وأناةً معًا ... ثمت ينباع انبياع الشجاع٦ فهذا٧: انفعل ينفعل انفعالًا والألف فيه عين. وينبغي أن تكون عينه واوًا؛ لأنها أقرب معنى من الياء هنا. نعم٨، وقد يمكن عندي أن تكون هذه لغة تولدت. وذلك أنه لما سمع "ينباع" أشبه في اللفظ ينفعل٩، فجاءوا منه بماض ومصدر، كما ذهب أبو بكر فيما حكاه أبو زيد من قولهم: ضفن الرجل يضفن إذا جاء ضيفًا مع الضيف. وذلك أنه لما سمعهم يقولون: ضيفنٌ، وكانت فيعل أكثر في الكلام من فعلن، توهمه فيعلا فاشتق الفعل منه، بعد أن سبق إلى وهمه هذا فيه، فقال: ضفن يضفن. فلو سئلت عن مثال ضفن يضفن على هذا القول لقلت إذا مثلته على لفظه: فلن يفلن؛ لأن العين قد حذفت. ولهذا موضع نذكره فيه مع بقية أغلاط العرب. ومن مطل الفتحة عندنا قول الهذلي١٠: بينا تعنقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جريء سلفع١١ أي بين أوقات تعنقه، ثم أشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفا.

стр. 1048

وحدثنا أبو علي أن أحمد بن يحيى حكى: خذه من حيث وليسا قال: وهو إشباع ليس. وذهب إلى مثل ذلك في قولهم١ آمين، وقال: هو إشباع "فتحة٢ الهمزة من أمين". فأما قول أبي العباس: إن آمين بمزلة عاصين، فإنما٣ يريد به أن الميم. خفيفة كعين عاصين. وكيف يجوز أن يريد به حقيقة الجمع، وقد حكى عن الحسن ﵀ أنه كان يقول: آمين: اسم من أسماء الله . فأين بك من أعتقاد معنى الجمع من هذا التفسير تعالى الله علوا كبيرا. وحكى الفرّاء عنهم: أكلت لحما شاةٍ، لحم شاة، فمطل الفتحة، فأنشأ عنها ألفا. ومن إشباع الكسرة ومطلها٤ ما جاء عنهم من الصياريف، والمطافيل، والجلاعيد. فأما ياء مطاليق ومطيليق فعوض من النون المحذوفة وليست مطلا. قال أبو النجم: منها المطافيل وغير المطفل٥ وأجود من ذلك قول الهذلي٦: جنى النحل في ألبان عوذٍ مطافل

стр. 1049

وكذلك قول الآخر: الخضر الجلاعيد١ وإنما هي الجلاعد، جمع جلعد وهو الشديد. ومن مطل الضمة قوله -فيما أنشدناه وغيره٢: وأنني حيث ما يشرى الهوى يصرى ... من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور٣ "يشرى: يحرك ويقلق. ورواه لنا يسرى"٤. وقول٥ الآخر: ممكورة جم العظام غطبول ... كأن في أنيابها القرنفول٦ فهذه هي الطريق. فما٧ جاء منها قسه٨ عليها.

стр. 1050

باب في مطل الحروف: والحروف الممطولة هي الحروف الثلاثة اللينة١ المصوتة. وهي الألف والياء والواو. اعلم أن هذه الحروف أين وقعت وكيف وجدت "بعد أن تكون سواكن يتبعن بعضهن غير مدغمات"٢ ففيها امتداد ولين؛ نحو قام، وسير٣ به، وحوتٍ٤، وكوز، وكتاب، وسعيد، وعجوز. إلا أن الأماكن التي يطول فيها٥ صوتها، وتتمكن٦ مدتها ثلاثة. وهي أن تقع بعدها٧ -وهي سواكن توابع لما "هو٨ منهن" وهو الحركات من جنسهن- الهمزة، أو الحرف المشدد، أو أن يوقف عليها عند التذكر. فالهمزة نحو كساء ورداء، و"خطيئة ورزيئة"٩، ومقروءة، ومخبوءة. وإنما تمكن المد فيهن١٠ مع الهمز أن الهمزة١١ حرف نأى نشؤه وتراخى مخرجه فإذا١٢ أنت نطقت بهذه الأحرف المصوتة قبله، ثم تماديت بهن نحوه طلن وشعن في الصوت فوفين له، وزدن "في بيانه"١٣ ومكانه١٤ وليس كذلك إذا وقع بعدهن غيرها وغير المشدد، ألا تراك إذا قلت: كتاب، وحساب، وسعيد، وعمود١٥، وضروب، وركوب لم تجدهن لدنات ولا ناعمات ولا وافيات مستطيلات١٦؛ كما تجدهن كذلك إذا تلاهن الهمز١٧ أو الحرف المشدد.

стр. 1051

وأما سبب نعمتهن ووفائهن وتماديهن إذا وقع المشدد بعدهن١ فلأنهن -كما ترى- سواكن وأول المثلين مع التشديد ساكن فيجفو عليهم أن يتلقى الساكنان حشوا في كلامهم، فحينئذ ما ينهضون بالألف٢ بقوة الاعتماد عليها، فيجعلون طولها ووفاء الصوت بها عوضًا مما كان يجب لالتقاء الساكنين: من تحريكها إذا لم يجدوا عليه تطرقًا، ولا بالاستراحة إليه٣ تعلقًا. وذلك نحو شابة، ودابة، وهذا قضيب بكر في قضيب بكر وقد تمود الثوب وقد قوص بما عليه. وإذا كان كذلك فكلما رسخ٤ الحرف في المد كان حينئذ محفوظًا٥ بتمامه، وتمادى الصوت به٦، وذلك الألف، ثم الياء ثم الواو. فشابة إذًا أوفى صوتًا وأنعم جرسا من أختيها وقضيب بكر أنعم وأتم من قوص به. وتمود ثوبه لبعد الواو من أعرق الثلاث في المد -وهي الألف- وقرب الياء إليها. نعم وربما لم يكتف من تقوى لغته، ويتعالى٧ تمكينه وجهارته بما تجشمه من مد الألف في هذا الموضع، دون أن يطغى٨ به طبعه ويتخطى٩ به اعتماده ووطؤه، إلى أن يبدل من هذه الألف همزة فيحملها الحركة التي كان كلفا١٠ بها، و"مصانعًا١١ بطول" المدة عنها، فيقول: شأبة ودأبة. وسنأتي بنحو هذا في بابه؛ قال كثير. إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت١٢

стр. 1052

وقال١: وللأرض أما سودها فتجللت ... بياضا وأما بيضها فاسوأدت وهذا الهمز الذي تراه أمر يخص الألف دون أختيها. وعلته في اختصاصه بها دونهما أن همزها في بعض الأحوال إنما هو لكثرة ورودها ساكنة بعدها الحرف المدغم فتحاملوا وحملوا أنفسهم على قلبها همزة تطرقًا إلى الحركة وتطاولا إليها إذ لم يجدوا إلى تحريكها هي٢ سبيلًا، لا في هذا الموضع ولا في غيره. وليست كذلك أختاها لأنهما وإن سكنتا في نحو هذا قضيب بكر وتمود الثوب فإنهما قد تحركان كثيرًا في غير هذا الموضع. فصار تحركتهما٣ في غير هذا الموضع عوضًا من سكونهما فيه. فاعرف ذلك فرقًا. وقد أجروا الياء والواو الساكنتين المفتوح ما قبلهما مجرى التابعتين لما هو منهما. وذلك نحو قولهم٤: هذا جيب٥ بكر أي جيب بكر وثوب٦ بكر، أي ثوب بكر. وذلك أن الفتحة وإن كانت مخالفة الجنس للياء والواو، فإن فيها سرا له، ومن أجله جاز أن تمتد الياء والواو بعدها في نحو ما رأينا٧. وذلك أن أصل المد وأقواه، وأعلاه، وأنعمه، وأنداه إنما هو للألف٨. وإنما الياء والواو في ذلك محمولان عليها، وملحقان٩ في الحكم بها، والفتحة بعض الألف،

стр. 1053

فكأنها إذا قدمت قبلهما١ في نحو بيت وسوط إنما قدمت٢ الألف؛ إذ كانت الفتحة بعضها، فإذا جاءتا بعد الفتحة جاءتا في موضع٣ قد سبقتهما٤ إليه الفتحة التي هي ألف صغيرة، فكان ذلك سببًا للأنس بالمد لا سيما وهما بعد الفتحة٥ -لسكونهما- أختا الألف وقويتا٦ الشبه بها؛ فصار٧ ثوب وشيخ نحوًا من شاخ وثاب، فلذلك ساغ وقوع المدغم بعدهما، فاعرف ذلك. وأما مدها٨ عند التذكر فنحو قولك: أخواك ضربا، إذا كنت متذكرا للمفعول "أو الظرف أو نحو ذلك"٩ أي ضربا زيدا ونحوه. وكذلك تمطل الواو إذا تذكرت في نحو ضربوا، إذا كنت تتذكر المفعول أو الظرف أو نحو ذلك: أي ضربوا زيدا، أو ضربوا يوم الجمعة أو ضربوا قياما فتتذكر الحال. وكذلك الياء في نحو اضربي أي اضربي زيدا ونحوه. وإنما مطلت ومدت هذه الأحرف١٠ في الوقف وعند التذكر، من قبل أنك لو وقفت عليها غير ممطولة ولا ممكنة المدة، فقلت: ضربا وضربوا واضربي وما كانت١١ هذه حاله وانت مع ذلك متذكر لم "توجد في"١٢ لفظك دليلا على أنك متذكر شيئًا ولأوهمت١٣ كل الإيهام أنك قد أتممت كلامك ولم يبق من بعده مطلوب متوقع لك؛ لكنك لما وقفت ومطلت الحرف علم بذلك أنك متطاول إلى كلام تالٍ١٤ للأول منوطٍ به، معقود ما قبله على تضمنه وخلطه بجملته.

стр. 1054

ووجه الدلالة من ذلك أن حروف اللين هذه الثلاثة إذا وقف عليهن ضعفن، وتضاءلن، ولم يف مدهن، وإذا وقع بين الحرفين تمكن، واعترض الصدى معهن. ولذلك قال أبو الحسن: إن الألف إذا وقعت بين الحرفين كان لها صدى. ويدل ذلك على أن العرب لما أرادت مطلهن للندبة وإطالة الصوت بهن في الوقف وعلمت أن السكوت١ عليهن ينتقصهن ولا يفي بهن أتبعتهن الهاء في الوقف توفية لهن وتطاولا إلى إطالتهن. وذلك قولك٢: وازيداه، واجعفراه. ولابد من الهاء في الوقف فإن وصلت أسقطتها، وقام التابع غيرها في إطالة الصوت مقامها. وذلك قولك: وازيدا٣، واعمراه. وكذلك أختاها. وذلك قولهم٤: وانقطاع ظهرهيه، وواغلامكيه، وواغلامهوه، وواغلامهموه. وتقول في الوصل: اغلامهمو لقد كان كريما! وانقطاع ظهرهي من هذا الأمر! والمعنى الجامع بين التذكر والندبة قوة الحاجة إلى إطالة الصوت في الموضعين. فلما كانت هذه حال هذه الأحرف وكنت عند التذكر كالناطق بالحرف٥ المستذكر٦؛ صار كأنه هو ملفوظ به. فتمت هذه الأحرف وإن وقعن أطرافا، كما يتممن٧ إذا وقعن حشوا لا أواخر. فاعرف ذلك. "فهذه حال الأحرف الممطولة"٨. وكذلك الحركات عند التذكر يمطلن حتى يفين٩ حروفا. فإذا صرنها١٠ جرين مجرى الحروف المبتدأة توام، فيمطلن أيضًا حينئذ؛ كما تمطل الحروف. وذلك١١ قولهم

стр. 1055

عند التذكر مع الفتحة في قمت: قمتا، أي قمت يوم الجمعة، ونحو ذلك، ومع الكسرة: أنتى، أي أنت عاقلة، ونحو ذلك، ومع الضمة: قمتو في١ قمت إلى زيد، ونحو ذلك. فإن كان الحرف الموقوف عليه ساكنا فعل ضربين: "صحيح ومعتل"٢. فالصحيح في نحو هذا يكسر؛ لأنه لا يجرى الصوت في الساكن، فإذا حرك٣ انبعث الصوت في الحركة، ثم انتهى إلى الحرف، ثم أشبعت ذلك الحرف ومطلته. وذلك قولك في نحو قد وأنت تريد قد قام ونحوه إلا أنك تشك، أو تتلوم لرأي تراه من ترك المبادرة٤ بما٥ بعد ذلك: قدي، وفي من: مني، وفي هل: هلي وفي نعم: نعمي أي نعم قد كان، أو نعم هو هو "أو نحوه"٦ مما تستذكر٧ أو "تراخي٨ بذكره". وعليه تقول في التذكر إذا وقفت على لام التعريف: إلى وأنت تريد: الغلام أو الخليل أو نحو ذلك. وإنما كانت حركة هذا ونحوه الكسرة دون أختيها من قبل أنه ساكن قد احتيج إلى حركته فجرت حركته إذًا مجرى حركة التقاء الساكنين في٩ نحو ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ ١٠ و ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ ١١ وعليه أطلق المجزوم والموقوف في القوافي المطلقة إلى الكسر١٢؛ نحو قوله١٣: وأنك مهما تأمرى القلب يفعل
следующие страницы →