وأما سبب نعمتهن ووفائهن وتماديهن إذا وقع المشدد بعدهن١ فلأنهن -كما ترى- سواكن وأول المثلين مع التشديد ساكن فيجفو عليهم أن يتلقى الساكنان حشوا في كلامهم، فحينئذ ما ينهضون بالألف٢ بقوة الاعتماد عليها، فيجعلون طولها ووفاء الصوت بها عوضًا مما كان يجب لالتقاء الساكنين: من تحريكها إذا لم يجدوا عليه تطرقًا، ولا بالاستراحة إليه٣ تعلقًا. وذلك نحو شابة، ودابة، وهذا قضيب بكر في قضيب بكر وقد تمود الثوب وقد قوص بما عليه. وإذا كان كذلك فكلما رسخ٤ الحرف في المد كان حينئذ محفوظًا٥ بتمامه، وتمادى الصوت به٦، وذلك الألف، ثم الياء ثم الواو. فشابة إذًا أوفى صوتًا وأنعم جرسا من أختيها وقضيب بكر أنعم وأتم من قوص به. وتمود ثوبه لبعد الواو من أعرق الثلاث في المد -وهي الألف- وقرب الياء إليها. نعم وربما لم يكتف من تقوى لغته، ويتعالى٧ تمكينه وجهارته بما تجشمه من مد الألف في هذا الموضع، دون أن يطغى٨ به طبعه ويتخطى٩ به اعتماده ووطؤه، إلى أن يبدل من هذه الألف همزة فيحملها الحركة التي كان كلفا١٠ بها، و"مصانعًا١١ بطول" المدة عنها، فيقول: شأبة ودأبة. وسنأتي بنحو هذا في بابه؛ قال كثير.
إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت١٢
стр. 1052
وقال١:
وللأرض أما سودها فتجللت ... بياضا وأما بيضها فاسوأدت
وهذا الهمز الذي تراه أمر يخص الألف دون أختيها. وعلته في اختصاصه بها دونهما أن همزها في بعض الأحوال إنما هو لكثرة ورودها ساكنة بعدها الحرف المدغم فتحاملوا وحملوا أنفسهم على قلبها همزة تطرقًا إلى الحركة وتطاولا إليها إذ لم يجدوا إلى تحريكها هي٢ سبيلًا، لا في هذا الموضع ولا في غيره. وليست كذلك أختاها لأنهما وإن سكنتا في نحو هذا قضيب بكر وتمود الثوب فإنهما قد تحركان كثيرًا في غير هذا الموضع. فصار تحركتهما٣ في غير هذا الموضع عوضًا من سكونهما فيه. فاعرف ذلك فرقًا.
وقد أجروا الياء والواو الساكنتين المفتوح ما قبلهما مجرى التابعتين لما هو منهما. وذلك نحو قولهم٤: هذا جيب٥ بكر أي جيب بكر وثوب٦ بكر، أي ثوب بكر. وذلك أن الفتحة وإن كانت مخالفة الجنس للياء والواو، فإن فيها سرا له، ومن أجله جاز أن تمتد الياء والواو بعدها في نحو ما رأينا٧. وذلك أن أصل المد وأقواه، وأعلاه، وأنعمه، وأنداه إنما هو للألف٨. وإنما الياء والواو في ذلك محمولان عليها، وملحقان٩ في الحكم بها، والفتحة بعض الألف،
стр. 1053
فكأنها إذا قدمت قبلهما١ في نحو بيت وسوط إنما قدمت٢ الألف؛ إذ كانت الفتحة بعضها، فإذا جاءتا بعد الفتحة جاءتا في موضع٣ قد سبقتهما٤ إليه الفتحة التي هي ألف صغيرة، فكان ذلك سببًا للأنس بالمد لا سيما وهما بعد الفتحة٥ -لسكونهما- أختا الألف وقويتا٦ الشبه بها؛ فصار٧ ثوب وشيخ نحوًا من شاخ وثاب، فلذلك ساغ وقوع المدغم بعدهما، فاعرف ذلك.
وأما مدها٨ عند التذكر فنحو قولك: أخواك ضربا، إذا كنت متذكرا للمفعول "أو الظرف أو نحو ذلك"٩ أي ضربا زيدا ونحوه. وكذلك تمطل الواو إذا تذكرت في نحو ضربوا، إذا كنت تتذكر المفعول أو الظرف أو نحو ذلك: أي ضربوا زيدا، أو ضربوا يوم الجمعة أو ضربوا قياما فتتذكر الحال. وكذلك الياء في نحو اضربي أي اضربي زيدا ونحوه.
وإنما مطلت ومدت هذه الأحرف١٠ في الوقف وعند التذكر، من قبل أنك لو وقفت عليها غير ممطولة ولا ممكنة المدة، فقلت: ضربا وضربوا واضربي وما كانت١١ هذه حاله وانت مع ذلك متذكر لم "توجد في"١٢ لفظك دليلا على أنك متذكر شيئًا ولأوهمت١٣ كل الإيهام أنك قد أتممت كلامك ولم يبق من بعده مطلوب متوقع لك؛ لكنك لما وقفت ومطلت الحرف علم بذلك أنك متطاول إلى كلام تالٍ١٤ للأول منوطٍ به، معقود ما قبله على تضمنه وخلطه بجملته.
стр. 1054
ووجه الدلالة من ذلك أن حروف اللين هذه الثلاثة إذا وقف عليهن ضعفن، وتضاءلن، ولم يف مدهن، وإذا وقع بين الحرفين تمكن، واعترض الصدى معهن. ولذلك قال أبو الحسن: إن الألف إذا وقعت بين الحرفين كان لها صدى. ويدل ذلك على أن العرب لما أرادت مطلهن للندبة وإطالة الصوت بهن في الوقف وعلمت أن السكوت١ عليهن ينتقصهن ولا يفي بهن أتبعتهن الهاء في الوقف توفية لهن وتطاولا إلى إطالتهن. وذلك قولك٢: وازيداه، واجعفراه. ولابد من الهاء في الوقف فإن وصلت أسقطتها، وقام التابع غيرها في إطالة الصوت مقامها. وذلك قولك: وازيدا٣، واعمراه. وكذلك أختاها. وذلك قولهم٤: وانقطاع ظهرهيه، وواغلامكيه، وواغلامهوه، وواغلامهموه. وتقول في الوصل: اغلامهمو لقد كان كريما! وانقطاع ظهرهي من هذا الأمر!
والمعنى الجامع بين التذكر والندبة قوة الحاجة إلى إطالة الصوت في الموضعين. فلما كانت هذه حال هذه الأحرف وكنت عند التذكر كالناطق بالحرف٥ المستذكر٦؛ صار كأنه هو ملفوظ به. فتمت هذه الأحرف وإن وقعن أطرافا، كما يتممن٧ إذا وقعن حشوا لا أواخر. فاعرف ذلك. "فهذه حال الأحرف الممطولة"٨.
وكذلك الحركات عند التذكر يمطلن حتى يفين٩ حروفا. فإذا صرنها١٠ جرين مجرى الحروف المبتدأة توام، فيمطلن أيضًا حينئذ؛ كما تمطل الحروف. وذلك١١ قولهم
стр. 1055
عند التذكر مع الفتحة في قمت: قمتا، أي قمت يوم الجمعة، ونحو ذلك، ومع الكسرة: أنتى، أي أنت عاقلة، ونحو ذلك، ومع الضمة: قمتو في١ قمت إلى زيد، ونحو ذلك.
فإن كان الحرف الموقوف عليه ساكنا فعل ضربين: "صحيح ومعتل"٢.
فالصحيح في نحو هذا يكسر؛ لأنه لا يجرى الصوت في الساكن، فإذا حرك٣ انبعث الصوت في الحركة، ثم انتهى إلى الحرف، ثم أشبعت ذلك الحرف ومطلته. وذلك قولك في نحو قد وأنت تريد قد قام ونحوه إلا أنك تشك، أو تتلوم لرأي تراه من ترك المبادرة٤ بما٥ بعد ذلك: قدي، وفي من: مني، وفي هل: هلي وفي نعم: نعمي أي نعم قد كان، أو نعم هو هو "أو نحوه"٦ مما تستذكر٧ أو "تراخي٨ بذكره". وعليه تقول في التذكر إذا وقفت على لام التعريف: إلى وأنت تريد: الغلام أو الخليل أو نحو ذلك.
وإنما كانت حركة هذا ونحوه الكسرة دون أختيها من قبل أنه ساكن قد احتيج إلى حركته فجرت حركته إذًا مجرى حركة التقاء الساكنين في٩ نحو ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ ١٠ و ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ ١١ وعليه أطلق المجزوم والموقوف في القوافي المطلقة إلى الكسر١٢؛ نحو قوله١٣:
وأنك مهما تأمرى القلب يفعل
стр. 1056
وقوله١:
لما تزل برحالنا وكأن قد
ونحو مما نحن عليه حكاية الكتاب٢: هذا سيفنى وهو يريد: سيف من أمره كذا، أو من حديثه كذا. فلما أراد الوصل أثبت التنوين، ولما كان ساكنا صحيحا لم يجر الصوت فيه٣، فلما لم يجر فيه٤ حرّكة بالكسر -كما يجب في مثله- ثم أشبع كسرته، فأنشا عنها ياء فقال: سيفنى.
هذا٥ حكم الساكن الصحيح عند التذكر.
وأما الحرف المعتل فعلى ضربين: ساكن تابع٦ لما قبله؛ كقاما، وقاموا، وقومى؛ وقد قدمنا ذكر هذا، ومعتل غير تابع لما قبله، وهو الياء والواو الساكنتان بعد الفتحة نحو، أي وكي ولو وأو فإذا وقفت على شيء من ذلك مستذكرا كسرته٧، فقلت: قمت كي أي كي تقوم ونحوه. وتقول في العبارة: قد فعل كذا أبي معناه: أي أنه كذا ونحو ذلك. ومن كان من لغته أن يفتح أو يضم لالتقاء الساكنين فقياس قوله أن يفتح أيضًا أو يضم عند التذكر. روينا ذلك٨ عن قطرب: قم الليل وبع الثوب، فإذا تذكرت قلت: قما وبعا وفي سر: سرا. وليس كذلك قراءة ابن مسعود: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ٩ لأن الألف علم ضمير
стр. 1057
تثنية موسى وهارون، ﵉. وأيضًا فإنه لم يقف عليه؛ ألا ترى أن بعده ﴿لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وإنما هذه لغة لبعضهم، يجري١ حركة ألف التثنية وواو الجمع مجرى حركة التقاء الساكنين فيقول٢ في التثنية: بعا يا رجلان ويا رجال٣ بعوا، ويا غلامان قما. وعليه قراءة اين مسعود هذه وبيت الضبي٤:
... لم يهلعوا ولم يخموا
يريد: يخيموا، فجاء به على ما ترى. وروينا عن قطرب أن منهم من يقول: شم يا رجل. فإن تذكرت على هذه اللغة مطلت الضمة فوفيتها واوا، فقلت: شمو. ومن العرب من يقرأ٥ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ ٦ ومنهم من يكسر فيقول: اشتروا الضلالة. ومنهم من يفتح فيقول: اشتروا الضلالة. فإن مطلت متذكرا٧ قلت على من ضم: اشترووا، وعلى من كسر: اشتروى، وعلى من فتح: اشتروا.. وروينا عن محمد بن محمد عن أحمد بن موسى عن محمد بن الجهم عن يحيى بن زياد قول الشاعر:
فهم بطانتهم وهم وزراؤهم ... وهم القضاة ومنهم الحكام
فإن وقفت على "هم" من قوله: وهم القضاة، قلت: همي. وكذلك الوقوف على منهم الحكام: منهمي. فإن وقفت على هم من قوله: "وهم" وزراؤهم قلت: همو٩؛ لأنك كذا رأيته فعل الشاعر لما قال في أول البيت: فهمو، ففصلت بين حركة
стр. 1058
التقاء الساكنين وغيرها كما فصل، وإن شئت قلت١: وهمي، تريد: وهم وزراؤهم وقلت: وهمو تريد: وهم القضاة، حملا على قوله: فهم بطانتهم؛ لأنك إذا فعلت ذلك لم تعد٢ أن حملت على نظير. وكلما جاز شيء من ذلك عند وقفة التذكر جاز في القافية البتة على ما تقدم. وعليه تقول: عجبت منا إذا٣ أردت: من القوم على من فتح النون٤. ومن كسرها فقال: من القوم قال: منى. فاعرف ذلك إلى ما يليه إن شاء الله.
باب في إنابة الحركة عن الحرف والحرف عن الحركة:
الأول منهما أن تحذف الحرف وتقر الحركة قبله نائبةً عنه. ودليلةً٥ عليه، كقوله:
كفاك كفٌ لا تليق درهما ... جودًا وأخرى تعط بالسيف الدما٦
يريد: تعطى. وعليه بيت الكتاب:
وأخو الغوان متى يشأ يصر منه٧
وبيته:
دوامي الأيد يخبطن السريحا٨
стр. 1059
ومنه قول الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ١ وهو كثير في الكسرة. وقد جاء في الضمة منه قوله:
إن الفقير بيننا قاضٍ حكم ... أن ترد الماء إذا غار النجم٢
يزيد النجوم، فحذف الواو، وأناب عنها الضمة، وقوله:
حتى إذا بلت حلاقيم الحلق٣
يريد الحلوق. وقال الأخطل:
كلمع أيدي مثاكيل مسلبة ... يندبن ضرس بنات الدهر والخطب٤
ومنه قول الله عز اسمه ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ ٥ و ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ ٦ و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ٧ وكتب ذلك بغير واو "دليلا في الخط على الوقوف عليه بغير واو"٨ في اللفظ. وله نظائر وهذا٩ في المفتوح قليل١٠؛ لخفة الألف، قال:
مثل النقا لبده ضرب الطلل١١
ونحو منه قوله:
ألا لا بارك الله في سهيلٍ ... إذا ما الله بارك في الرجال١٢
стр. 1060
فحذف الألف من هذه اللفظة "الله". ومنه بيت الكتاب:
أو الفًا مكة من ورق الحمى١
يريد الحمام، فحذف الألف فالتقت الميمان فغير على ما ترى. وقال أبو عثمان في قول الله سبحانه ﴿يَا أَبَتِ﴾ ٢ أراد: يا أبتا، فحذف الألف. وأنشد أبو الحسن وابن الإعرابي:
فلست بمدرك ما فات منى ... بلهف ولا بليت ولا لو أني٣
يريد بلهفى وقد مضى نحو هذا.
الثاني منهما، وهو إنابة الحرف عن الحركة. وذلك في بعض الآحاد وجمع التثنية وكثير من الجمع.
فالآحاد نحو أبوك وأخوك وحماك وفاك وهنيك وذي مال. فالألف والياء والواو في جميع هذه الأسماء الستة دواخل على الفتح والكسر والضم. ألا تراها تفيد من الإعراب ما تفيده الحركات: الضمة والفتحة والكسرة.
والتثنية نحو الزيدان والرجلين.
والجمع نحو الزيدون والمسلمين.
وأعربوا بالنون أيضًا، فرفعوا بها في الفعل: يقومان ويقومون وتقومين٤ فالنون في هذا نائبة عن الضمة في يفعل. وكما أن ألف التثنية وواو الجمع نائبتان عن الضمة والياء، فهما نائبتان عن الكسرة والفتحة، وإنما الموضع في الإعراب للحركات، فأما الحروف فدواخل عليها.
وليس من هذا الباب إشباع الحركات في نحو منتزاح، وأنظور، والمطافيل، لأن الحركة في نحو هذا لم تحذف وأنيب الحرف عنها بل هي موجودة٥ ومزيد فيها لا٦ منتقص منها.
стр. 1061
باب في هجوم الحركات على الحركات:
وذلك على ضربين: أدهما كثير مقيس١، والآخر قليل٤ غير مقيس٢.
الأول منهما، وهو قسمان: أحدهما أن تتفق فيه الحركتان والآخر أن تختلفا٣ فيه، فيكون الحكم للطارئ منهما، على ما مضى.
فالمتفقان٤ نحو قولك: هم يغزون ويدعون. وأصله يغزوون، فأسكنت الواو الأولى التي هي اللام، وحذفت لسكونها وسكون واو الضمير والجمع بعدها، ونقلت تلك الضمة المحذوفة على اللام إلى الزاي التي هي العين، فحذفت لها الضمة الأصلية في الزاي؛ لطروء الثانية المنقولة من اللام إليها عليها. ولا بد من هذا التقدير في هجوم الثانية الحادثة على الأولى الراتبة٥؛ اعتبارا في ذلك بحكم المختلفتين٦؛ ألا تراك تقول في العين الكسورة بنقل الضمة إليها مكان كسرتها؛ وذلك نحو يرمون ويقضون ألا تراك٧ نقلت ضمة ياء يرميون٨ إلى ميمها فابتزت٩ الضمة الميم كسرتها، وحلت
стр. 1062
محلها فصار١: يرمون. فكما لا يشك في أن ضمة ميم يرمون غير كسرتها في يرميون لفظا، فكذلك فلنحكم٢ على أن ضمة زاي يغزون غير ضمتها في يغزوون٣ تقديرا وحكما.
ونحو من ذلك قولهم في جمع مائة: مئون. فكسرة ميم مئون غير كسرتها في مائة؛ اعتبارا بحال المختلفين في سنة وسنين٤. وبرة وبرين٥. ومثله ترخيم برثن ومنصور فيمن قال: يا حار إذا قلت: يا برث، ويا منص فهذه الضمة في ثاء٦ برث وصاد منص غير الضمة فيمن قال: يا برث ويا منص علي يا حار على يا حار؛ اعتبارا بالمختلفتين٧. فكما لا شك في أن ضمة راء يا حار غير كسرة راء يا حار سماعا ولفظا فكذلك الضمة على يا حار في يا برث ويا منص غير الضمة فيهما على يا حار تقديرا وحكما. وعلى ذلك كسرة صاد صنو وقاف قنو غير كسرتها في قنوانٍ وصنوانٍ. وهذا باب؛ وقد٨ تقدم في فصله.
وكذلك كسرة ضاد تقضين غير كسرتها المقدرة فيها في أصل حالها، وهو تقضيين. والقول هنا هو ما تقدم في يدعون ويغزون.
فهذا حكم الحركتين المتفقتين.
стр. 1063
وأما١ المختلفتان فأمرهما واضح. وذلك نحو يرمون ويقضون. والأصل: يرميون ويقضيون، فأسكنت الياء استثقالا للضمة عليها، ونقلت إلى ما قبلها فابتزته كسرته٢، لطروئها٣ عليها٤؛ فصار: يرمون ويقضون. وكذلك قولهم: أنت تغزين، أصله تغزوين، فنقلت الكسرة من الواو إلى الزاي، فابتزتها ضمتها فصار: تغزين. إلا أن منهم من يشم الضمة أرادة للضمة المقدرة ومنهم من يخلص الكسرة فلا يشم. ويدلك على مراعاتهم لتلك الكسرة والضمة المبتزتين٥ عن هذين الموضعين أنهم إذا أمروا ضموا همزة الوصل وكسروها إرادة لهما٦؛ وذلك كقولهم٧: اقضوا، ابنوا٨، وقولهم: اغزى، ادعى٩. فكسرهم مع ضمة١٠ الثالث، وضمهم مع كسرته يدل على قوة مراعاتهم للأصل المغير، وأنه عندهم مراعىً معتد مقدر.
ومن المتفقة حركاته ما كانت في الفتحتان، نحو اسم المفعول١١ من١٢ نحو اشتد واحمر وذلك قولهم: مشتد ومحمر، ومن قولك: هذا رجل مشتد عليه، وهذا مكان محمر فيه "وأصله مشتددٌ ومحمررٌ"١٣ فأسكنت الدال والراء١٤ الأوليان، وادغمتا في مثلهما من بعدهما، ولم ننقل١٥ الحركة إلى ما قبلها، فتغلبه١٦ على حركته التي فيه،
стр. 1064
كما تغلب١ في يغزون ويرمين. يدل على أنك لم تنقل الحركة هنا كما نقلتها هناك قولهم في اسم الفاعل أيضًا كذلك، وهو "مشتد ومحمر ألا ترى أن أصله"٢ مشتد ومحمرر. فلو نقلت هذا لوجب أن تقول: مشتّد ومحمرّ. فلما لم تقل ذلك وصح في المختلفين٣ اللذين النقل فيهما موجود لفظا امتنعت من الحكم به فيما تحصل الصنعة فيه تقديرا ووهما. وسبب ترك النقل في المفتوح انفراد الفتح عن الضم والكسر في هذا النحو لزوال الضرورة فيه ومعه ألا ترى إلى صحة الياء والواو جميعا بعد الفتحة وتعذر الياء الساكنة بعد الضمة والواو الساكنة بعد الكسرة. وذلك أنك لو حذفت الضمة في٤ يرميون ولم تنقلها إلى الميم لصار التقدير إلى يرمون، ثم وجب قلب الواو ياء، وأن تقول: هم يرمين، فتصير إلى لفظ جماعة المؤنث. وكذلك لو لم تنقل كسرة الواو في تغزوين إلى الزاى لصار التقدير إلى تغزين. فوجب أن تقلب الياء لانضمام الزاى قبلها واوا، فتقول٥ للمرأة: أنت تغزون؛ فيلتبس٦ بجماعة المذكر.
فهذا حكم المضموم مع المكسور. وليس كذلك المفتوح؛ ألا ترى الواو والياء صحيحتين بعد الفتحة، نحو هؤلاء يخشون ويسعون، وأنت ترضين وتخشين. فلما لم تغير الفتحة هنا في المختلفين اللذين تغييرهما واجب، لم تغير الفتحتان اللتان إنما هما في التغيير محمولتان على الضم مع الكسر. فإن قلت٧: فقد يقع اللبس أيضًا بحيث
стр. 1065
رُمت الفرق؛ ألا تراك تقول للرجال: أنتم تغزون، "وللنساء: أنتنّ تغزون"١، وتقول للمرأة: أنت ترمين، ولجماعة النساء: أنتنّ ترمين.
قيل: إنما احتُمل هذا النحو في هذه الأماكن ضرورة، ولولا ذلك لما احتمل. ووجه الضرورة أن أصل أنتم تغزون: تغزوون، فالحركتان -كما ترى- متفقتان؛ لأنهما ضمتان. وكذلك أنت ترمين، الأصل فيه ترميين، فالحركتان أيضًا متفقتان؛ لأنهما كسرتان. فإذا أنت أسكنت المضموم الأول ونقلت٢ إليه ضمة الثاني، وأسكنت المكسور الأول ونقلت إليه كسرة الثاني، بقى اللفظ بحاله، كأن لم تنقله ولم تغيّر شيئًا منه، فوقع اللبس، فاحتمل، لما يصحب الكلام من أوله وآخره٣؛ كأشياء كثيرة يقع اللبس في لفظها، فيعتمد في بيانها على ما يقارنها٤؛ كالتحقير والتكسير وغير ذلك فلما وجدت إلى رفع اللبس بحيث وجدته٥ طريقا سلكتها، ولما لم تجد إليه طريقا في موضع آخر احتملته، ودللت بما يقارنه٦ عليه.
فهذه أحوال الحركات المنقولة، وغير المنقولة فيما٧ كان فيه الحرفان جميعا متحركين.
فأما إن سكن الأول فإنك تنقل الحركات جُمع٨ إليه. وذلك نحو أقام، ومُقيم، ومُقام، وأسار، ومُسِير، ومُسَار؛ ألا ترى أن أصل ذلك أقوَم، وأسيَر، ومُقوِم، ومُسيِر، ومُقوَم، ومُسيَر، وكذلك يقوم ويسير: أصلهما يَقوُم ويَسيِر، فنقل ذلك كله؛ لسكون الأول.
стр. 1066
والضرب١ الثاني مما٢ هجمت فيه الحركة على الحركة من غير قياس. وهو كبيت٣ الكتاب:
وقال اضرب الساقين إمك هابل٤
وأصله: امك هابل، إلا أن همزة "أمك" كسرت لانكسار ما قبلها، على حد قراءة من قرأ: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ٥ فصار: إمك هابل، ثم أتبع الكسر الكسر، فهجمت كسرة الإتباع على ضمة الإعراب، فابتزتها موضعها٦، فهذا شاذٌ لا يقاس عليه، ألا تراك لا تقول: قدرك واسعة، ولا٧ عدلك ثقيل، ولا بنتك عاقلة.
ونحو من ذلك في الشذوذ قراءة الكسائي "بما أنزليك"٨. وقياسه في تخفيف الهمزة أن تجعل الهمزة بين بين فتقول: بما أنزل إليك؛ لكنه حذف الهمزة حذفا، وألقى حركتها٩ على لام أنزل، وقد كانت مفتوحة فغلبت١٠ الكسرة الفتحة على الموضع، فصار تقديره: بما أنزلليك، فالتقت اللامان متحركتين، فأسكنت الأولى وادغمت في الثانية كقوله تعالى ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ١١.
ونحو منه ما حكاه لنا أبو علي عن أبي عبيدة أنه سمع: دعه في حر أمه. وذلك أنه نقل ضمة١٢ الهمزة -بعد أن حذفها- على الراء وهي مكسورة، فنفى١٣ الكسرة، وأعقب منها ضمة.
стр. 1067
ومنه ما حكاه أحمد بن يحيى في خبر له مع ابن الأعرابي بحضرة سعيد بن سلم، عن امرأة قالت لبنات لها وقد خلون إلى أعرابي كان١ يألفهن: أفي السو تنتنه! قال أحمد بن يحيى فقال لي ابن الأعرابي: تعالى إلى هنا، اسمع ما تقول٢. قلت: وما في هذا! أرادت: أفي السوأة أنتنه! فألقت فتحة "أنتن" على كسرة٣ الهاء، فصارت بعد تخفيف همزة السوأة: أفي السو تنتنه. فهذا٤ نحو مما نحن بسبيله. وجميعه غير مقيس؛ لأنه ليس على حد التخفيف القياسي، ألا ترى أن طريق قياسه أن يقول: في حرأمه، فيقر كسرة الراء عليها، ويجعل همزة أمه بين بين أي بين الهمزة والواو لأنها مضمومة، كقول الله سبحانه: يَسْتَهْزِئُون، فيمن خفف، أو في حريمه، فيبدلها ياء البتة "على يستهزيون وهو رأي أبي الحسن"٥ وكذلك قياس تخفيف قولها: أفي السوأة أنتنه: أفي السوءة ينتنه، فيخلص همزة "أنتنه يه" البتة، لانتفاخها وانكسار ما قبلها كقولك في تخفيف مئر٦: مير. وسنذكر شواذ الهمز في بابه بإذن الله.
стр. 1068
باب في شواذ الهمز:
وذلك في كلامهم على ضربين، وكلاهما غير مقيس.
أحدهما أن تقر الهمزة الواجبة تغييرها، فلا تغيرها١.
والآخر أن ترتجل همزا لا أصل له، ولا قياس يعضده.
الأول من هذين ما حكاه عنهم أبو زيد وأبو الحسن من قولهم: غفر الله له خطائئه. وحكى أبو زيد وغيره: دريئة٢ ودرائئ. وروينا عن قطرب: لفيئة٣ ولفائئ. وأنشدوا:
فإنك لا تدري متى الموت جائئٌ ... إليك ولا ما يحدث الله في غد٤
وفيما جاء من هذه الأحرف دليل على صحة ما يقوله النحويون دون الخليل: من أن هذه٥ الكلم٦ غير مقلوبة وأنه قد كانت التقت فيها٧ الهمزتان، على ما ذهبوا إليه، لا ما رآه هو.
ومن شاذ الهمز عندنا قراءة الكسائي "أئمة" بالتحقيق فيهما. فالهمزتان لا تلتقيان٨ في كلمة واحدة إلا أن تكونا٩ عينين، نحو سئال وسئار وجئار١٠ فأما التقاؤهما على التحقيق من كلمتين فضعيف عندنا، وليس لحنا. وذلك نحو قرأ أبوك، و ﴿السُّفَهَاءُ أَلا﴾ ١١ و ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ ١٢، و ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ ١٣ فهذا١٤ كله جائز عندنا على ضعفه، لكن التقاؤهما في كلمة واحدة غير عينيين لحن، إلا ما شذ مما حكيناه من خطائئ وبابه. وقد تقدم. وأنشدني بعض من ينتمي إلى الفصاحة شعرا لنفسه مهموزا يقول فيه: أشاؤهما
стр. 1069
وأدأؤها فنبهته عليه فلم يكد يرجع عنه وهذا١ مما لو كان "همزه أصلا"٢ لوجب تركه وإبداله، فكيف أن يرتجل همزا لا أصل له، ولا عذر في إبداله من حرف لين ولا غيره.
الثاني من الهمز. وهو ما جاء من غير أصل له، ولا إبدال "دعا قياس إليه"٣ وهو كثير.
منه قولهم: مصائب. وهذا مما لا ينبغي همزه في وجه من٤ القياس. وذلك أن مصيبة مفعلة. وأصلها مصوبة، فعينها كما ترى متحركة٥ في الأصل، فإذا احتيج إلى حركتها في الجمع٦ حملت الحركة. وقياسه٧ مصاوب. وقد جاء ذلك أيضا؛ قال:
يصاحب الشيطان من يصاحبه ... وهو أذيٌّ جمة مصاوبه٨
ويقال فيها أيضًا: مصوبة ومصابة. ومثله قراءة أهل المدينة: "معائش" بالهمز. وجاء٩ أيضا في شعر الطرماح مزائد جمع مزادة، وصوابها مزايد١٠. قال١١:
مزائد خرقاء اليدين مسيفةٍ
стр. 1070
وقالوا أيضا: منارة ومنائر، وإنما صوابها: مناور، لأن الألف عين وليست بزائدة. ومن الجيد قول الأخطل:
وإني لقوام مقاوم لم يكن ... جريرٌ ولا مولى جريرٍ يقومها١
ومن شاذ الهمز ما أنشده ابن الأعرابي لابن كثوة:
ولى نعام بني صفوان زوزأةً ... لما رأى أسدا في الغاب قد وثبا٢
وإنما هي زوزاة: فعللة من مضاعف الواو، بمنزلة االقوقاة والضوضاة.
وأنشدوا بيت امرؤ القيس:
كأني بفتخاء الجناحين لقوةٍ ... دفوفٍ من العقبان طاطات شئمالي٣
يريد شماله، أي خفضها بعنان فرسه. وقالوا: تأبلت القدر بالهمز٤. ومثله التأبل والخأتم والعألم٥. ونحو منه ما حكوه من قول بعضهم: بأز بالهمز، وهي البئزان بالهمز أيضًا. وقرأ ابن كثير: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ٦ وقيل في جمعه: سؤق مهموزا على فعل. وحكى أبو زيد: شئمة للخليقة بالهمز وأنشد الفراء٧:
يا دارمي بدكاديك البرق ... صبرا فقد هيجت شوق المشتئق٨
يريد المشتاق. وحكى أيضًا رجل مثل "بوزن٩ معل" إذا كان كثير المال. وحكوا أيضا: الرئبال بالهمز. وأما شأمل، وشمأل، وجرائض، وحطائط بطائط١٠، والضهيأ١١،
стр. 1071
فمشهور بزيادة الهمز فيه. وحكى لنا أبو علي في النيدلان١: النئدلان بالكسر، ومثاله٢ فئعلان. وأنشدوا لجرير:
لحب المؤقدان إلى مؤسى٣
بالهمز في "الموقدان" و"موسى" وحكى أنه وجد بخط الأصمعي: قطا جؤنى.
وحكى عنه أيضًا فيه٤ جوني.
ومن ذلك قولهم: لبأت بالحج، ورثأت زوجي بأبيات، وحلأت السويق، واستلأمت الحجر، وإنما هو استلمت: افتعلت، قال٥:
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
فوزن استلأم على ما ترى: افتعأل، وهو مثال مبدع غريب.
ونحو منه ما رويناه عن أحمد بن يحيى لبلال بن جرير جد عمارة:
إذا ضفتهم أو سآيلتهم ... وجدت بهم علة حاضرة٦
يريد: ساءلتهم. فإما زاد الياء وغير الصورة٧ فصار مثاله، فعايلتهم. وإما٨ أراد: ساءلتهم كالأول؛ إلا أنه زاد الهمزة الأولى، فصار تقديره: سئاءلتهم بوزن: فعاءلتهم، فجفا عليه٩ التقاء الهمزتين هكذا، ليس بينهما إلا الألف١٠، فأبدل الثانية ياء، كما أنه لما كره أصل تكسير ذؤابة -وهو ذآئب- أبدل الأولى واوًا. ويجوز أن يكون
стр. 1072
أراد: ساءلتهم ثم أبدل من الهمزة ياء١، فصار: سايلتهم، ثم جمع بين المعوض٢ والمعوض منه٣ فقال: سآيلتهم، فوزنه الآن على هذا: فعاعلتهم.
ومثله مما جمع فيه بين العوض والمعوض منه في العين ما ذهب إليه٤ أبو إسحاق وأبو بكر في قول الفرزدق:
هما نفثا في فيَّ من فمويهما٥
فوزن "فمويهما" على قياس٦ مذهبهما: فععيهما.
وأنا أرى ما ورد عنهم من همز الألف الساكنة في بأز وسأق وتأبل ونحو ذلك إنما هو عن تطرق وصنعة، وليس اعتباطًا هكذا من غير مسكة. وذلك أنه قد ثبت عندنا من عدة أوجه أن الحركة إذا جاورت الحرف الساكن فكثيرًا ما تجريها العرب مجراها فيه، فيصير٧ لجواره إياها كأنه محرك٨ بها. فإذا كان كذلك فكأن فتحة باء باز إنما هي في نفس الألف. فالألف لذلك وعلى هذا التنزيل كأنها٩ محركة١٠ وإذا١١ تحركت الألف انقلبت همزة. من ذلك قراءة أيوب السختياني: "غير المغضوب عليهم ولا الضألين". وحكى أبو العباس عن أبي عثمان عن أبي زيد قال:
стр. 1073
سمعت عمرو بن عبيد يقرأ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ ١ "فظننت أنه"٢ قد لحن، إلى أن سمعت العرب تقول: شأبة، ودأبة. وقال كثير:
إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت٣
"يريد احمارت"٤ وقال أيضًا:
وللأرض أما سودها فتجللت ... بياضا وأما بيضها فاسوأدت٥
وأنشد قوله:
يا عجبًا لقد رأيت عجبا ... حمار قبان يسوق أرنبا
خاطمها زأمها أن تذهبا٦
وقال دكين:
وجله حتى ابيأض ملببه
فإن قلت: فما أنكرت أن يكون ذلك فاسدا، لقولهم في جمع بأز: بئزان بالهمز٧. وهذا يدل على كون٨ الهمزة فيه٩ عينًا أصلًا كرأل١٠ ورئلانٍ.
قيل: هذا غير لازم. وذلك أنه لما وجد الواحد -وهو بأز- مهموزًا -نعم وهمزته غير مستحكمة السبب- جرى عنده وفي نفسه مجرى ما همزته أصلية، فصارت بئزان كرئلان. وإذا١١ كانوا ما قويت علة قلبه مجرى الأصلي في قولهم:
ميثاق ومياثق كان إجراء بأز مجرى رأل أولى وأحرى. وسيأتي نحو هذا في باب له.
وعليه أيضًا قوله:
لحب المؤقدان إلي مؤسى١٢
ألا ترى أن ضمة الميم في "الموقدان" و"موسى" لما جاورت الواو الساكنة صارت كأنها فيها، والواو إذا انضمت ضما لازما همزت؛ نحو أجوه وأقتت، فاعرف ذلك، وعليه جاء قوله:
... فرأٌ متار١٣
يريد: متأرا، فلما جاورت الفتحة في الهمزة التاء صارت كأنها فيها، فجرى ذلك مجرى متأر، فخفف على نحو من تخفيف رأس وبأس. وسيأتي ذلك في بابه بإذن الله.
стр. 1074
باب في حذف الهمز ١ وإبداله:
قد جاء هذا الموضع في النثر والنظم جميعًا. وكلاهما غير مقيس عليه، إلا عند٢ الضرورة.
فإن قلت: فهلا قست على٣ ما جاء منه في النثر٤؛ لأنه ليس موضع اضطرار؟
قيل: تلك مواضع كثر استعمالها٥، فعرفت أحوالها، فجاز الحذف فيها -وسنذكرها- كما حذفت لم يك، "ولم يبل"٦، ولا أدر في النثر، لكثرة الاستعمال، ولم يقس عليها غيرها.
стр. 1075
فمما جاء من ذلك في النثر قولهم: ويلمه. وإنما أصله ويل لأمه. يدل على ذلك ما أنشده الأصمعي:
لأم الأرض ويل! ما أجنت ... غداة أضر بالحسن السبيل١
فحذف لام "ويل" وتنوينه لما ذكرنا، وحذفت همزة أم، فبقي: ويلمه. فاللام الآن لام الجر؛ ألا تراها مكسورة. وقد يجوز أن تكون اللام المحذوفة هي لام الجر؛ كما حذف حرف الجر من قوله: الله أفعل، وقول رؤبة: خيرٍ عافاك الله، وقول٢ الآخر٣:
رسم دارٍ وقفت في طلله
"وهو من المقلوب، أي طلل دار وقفت في رسمه"٤ وعليه قراءة الكسائي: "بما أنزليك"٥ -وقد ذكرناه- وقراءة ابن كثير: "إنها لحدى الكبر"٦ وحكاية٧ أحمد ابن يحيى قول المرأة لبناتها وقد خلا الأعرابي بهن: أفي السوتنتنه "تريد: أفي السوءة أنتنه"٨ ومنه قولهم: الله٩ في هذه الكلمة في أحد قولي سيبويه وهو أعلاهما. وذلك أن يكون أصله إلاه، فحذفت الهمزة التي هي فاء. وكذلك الناس؛ لأن أصله أناس قال١٠:
وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
стр. 1076
ولا تكاد الهمزة تستعمل مع لام التعريف؛ غير أن أبا عثمان أنشد:
إن المنايا يطلعـ ... ـن على الأناس الآمنينا١
ومنه قولهم: لن، في قول الخليل. وذلك أن أصلها عنده "لا أن" فحذفت الهمزة عنده٢؛ تخفيفا لكثرته في الكلام، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون النون بعدها. فما جاء من نحوه فهذه سبيله. وقد اطرد الحذف في كل وخذ ومر. وحكى أبو زيد: لاب لك "يريد: لا أب لك"٣ وأنشد أبو الحسن:
تضب لثات الخيل في حجراتها ... وتسمع من تحت العجاج لها ازملا٤
وأنشدنا أبو علي:
إن لم أقاتل فالبسوني برقعا
وحكي لنا عن أبي عبيدة: دعه في حرامه، وروينا عن أحمد بن يحيى:
هوي جند ابليسٍ المريد٥
"وهو كثير"٦ ومنه قوله:
أرأيت إن جئت به أملودا٧
وقوله:
حتى يقول من رآه قد راه٨
وهو كثير.
стр. 1077
فأما الإبدال على غير قياس فقولهم١: قريت، وأخطيت، وتوضيت. وأنشدني بعض أصحابنا لابن هرمة:
ليت السباع لنا كانت مجاورة ... وأننا لا نرى ممن نرى أحدا
إن السباع لتهدا عن فرائسها ... والناس ليس بهادٍ شرهم أبدا
ومن أبيات الكتاب لعبد الرحمن بن حسان:
وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالفهرواجي٢
يريد: واجئ؛ كما أراد الأول: ليس بهادئ. ومن أبياته أيضًا:
راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعى فزارة لا هناك المرتع٣
ومن حكاياته بيس في بئس٤، أبدل الهمزة ياء. ونحوه قول ابن ميادة:
فكان لها يومذٍ أمرها
стр. 1078
وقرأ عاصم في رواية حفص: "أن تبويا"١ في الوقف، أي٢ تبوءا. وقال:
تقاذفه الرواد حتى رموا به ... ورا طرق الشأم البلاد الأقاصيا
أراد: وراء طرق الشام فقصر الكلمة. فكان ينبغي إذ ذاك أن يقول: ورأ، بوزن قرأ؛ لأن الهمزة أصلية عندنا، إلا أنه أبدلها ضرورة "فقلبها ياء؛ وكذلك ما كان من٣ هذا النحو فإنه إذا أبدل"٤ صار٥ إلى أحكام ذوات الياء؛ ألا ترى أن قريت مبدلة من قرأت، بوزن قريت من قريت الضيف ونحو ذلك. ومن البدل البتة النبي في مذهب سيبويه. وقد ذكرناه. وكذلك البرية عند غيره. ومنه الخابية، لم تسمع مهموزة. فإما أن يكون تخفيفا اجتمع عليه؛ كيرى وأخواته، وإما أن يكون بدلًا؛ قال٦:
أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالمٌ بالترهات
والنبوة عندنا مخففة لا مبدلة. وكذلك الحكم على ما جاء من هذا: أن يحكم عليه بالتخفيف إلى أن يقوم الدليل فيه٧ على الإبدال. فاعرف ذلك مذهبا للعرب نهجا بإذن الله. وحدثنا أبو علي قال: لقي أبو زيد سيبويه فقال له: سمعت العرب تقول: قريت وتوضيت. فقال له٨ سيبويه: كيف٩ تقول في أفعل منه؟ قال: أقرأ. وزاد أبو العباس هنا: فقال له سيبويه: فقد تركت مذهبك، أي لو كان البدل قويًا للزم ووجب١٠ أن تقول: أقري؛ كرميت أرمي. وهذا بيان.
стр. 1079
باب في حرف اللين المجهول:
وذلك مدة الإنكار؛ نحو قولك في جواب من قال: رأيت بكرا: أبكرنيه، وفي جاءني محمد: أمحمدنيه، وفي مررت على قاسم: أقاسمنيه! وذلك أنك ألحقت مدة الإنكار، وهي لا محالة ساكنة، فوافقت التنوين ساكنًا، فكسر "لالتقاء الساكنين"١ فوجب أن تكون المدة ياء لتتبع الكسرة. وأي المدات الثلاث كانت فإنها لا بد أن توجد في اللفظ بعد كسرة التنوين٢ ياء؛ لأنها إن كانت في الأصل ياء فقد كفينا النظر في أمرها. وإن كانت ألفًا أو واوًا فالكسرة قبلها تقلبها إلى الياء البتة.
فإن قيل: أفتنص في هذه المدة على حرف٣ معين: الألف أو الياء أو الواو؟.
قيل: لم تظهر٤ في شيء من الإنكار على صورة مخصوصة فيقطع بها عليها دون أختيها، وإنما تأتي تابعة لما قبلها، ألا تراك تقول في قام عمر: أعمروه وفي رأيت أحمد: أأحمداه وفي مررت بالرجل آلرجليه، وليست كذلك مدة الندبة؛ لأن تلك ألف لا محالة، وليست مدة مجهولة مدبرة بما قبلها، ألا تراها تفتح ما قبلها أبدًا، ما لم تحدث هناك لبسًا، ونحو ذلك نحو وا زيداه، ولم يقولوا: وا زيدوه وإن
стр. 1080
كانت الدال مضمومة في وا زيد. وكذلك وا عبد الملكاه، ووا غلام زيداه، لما حذفت لها التنوين "من زيد"١ صادفت الدال مكسورة ففتحتها.
غير أننا نقول: إن أخلق الأحوال بها أن تكون ألفًا من موضعين.
أحدهما أن الإنكار مضاهٍ للندبة. وذلك أنه موضع أريد فيه معنى الإنكار والتعجب فمطل الصوت به٢ وجعل ذلك أمارة لتناكره؛ كما جاءت مدة الندبة إظهارًا، للتفجع وإيذانًا بتناكر٣ الخطب الفاجع، والحدث الواقع. فكما أن مدة الندبة ألف، فكذلك ينبغي أن تكون مدة الإنكار ألفا.
والآخر أن الغرض في الموضعين جميعًا إنما هو مطل الصوت، ومده وتراخيه، والإبعاد فيه لمعنى الحادث هناك. وإن كان الأمر كذلك فالألف أحق به دون أختيها؛ لأنها أمدهن صوتًا، وأنداهن٤، وأشدهن إبعادا "وأنآهن"٥. فأما مجيئها تارة واوا، وأخرى ياء فثانٍ لحالها، وعن ضرورة دعت "إلى ذلك"٦؛ لوقوع الضمة والكسرة قبلها. ولولا ذلك لما كانت إلا ألفًا أبدا.
فإن قلت: فهلا تبعها ما قبلها٧ في الإنكار؛ كما تبعها في الندبة، فقلت في جاءني عمر: أعمراه؛ كما تقول الندبة: واعمراه؟.
قيل: فرق ما بينهما٨ أن الإنكار جارٍ مجرى الحكاية، ومعنى الجامع بينهما أنك مع إنكارك للأمر مستثبت، ولذلك قدمت في أول كلامك همزة الاستفهام.
стр. 1081
فكما تقول في جواب رأيت زيدا: من زيدا؟ كذلك قلت أيضًا في جواب جاءني عمر: أعمروه.
وأيضًا فإن مدة الإنكار لا تتصل بما قبلها اتصال مدة الندبة بما قبلها؛ ألا ترى التنوين فاصلا بينهما في نحو أزيدنيه، ولا يفصل به بين المندوب ومدة الندبة في نحو وا غلام زيداه، بل تحذفه١ لمكان مدة الندبة، وتعاقب٢ بينهما، لقوة اتصالها به؛ كقوة اتصال التنوين به، فكرهوا أن يظاهروا بينهما في آخر الاسم؛ لتثاقله عن احتمال زيادتين في آخره٣. فلما حذف التنوين لمدة الندبة قوى اتصالها بالمندوب، فخالطته فأثرت فيه الفتح. ولما تأخرت٤ عنه مدة الإنكار ولم تماسه مماسة مدة الندبة له لم تغيره٥ تغييرها إياه. ويزيدك في علمك ببعد مدة الإنكار عن الاسم الذي تبعته وقوع "إن" بعد التنوين فاصلة بينهما؛ نحو أزيدا إنيه! وأزيدٌ إنيه! وهذا ظاهر للإبعاد لها عنه. وأغرب من هذا أنك قد تباشر بعلامة الإنكار غير اللفظ الأول. وذلك في قول٦ بعضهم وقد قيل له: أتخرج إلى البادية إن أخصبت؟ فقال: أنا إنيه! فهذا أمر٧ آخر أطم من الأول؛ ألا تراك إذا ندبت زيدا ونحوه فإنما تأتي بنفس اللفظ الذي هو عبارة عنه، لا بلفظ آخر ليس بعبارة عنه. وهذا تناهٍ في ترك مباشرة مدة الإنكار للفظ الاسم المتناكرة حاله؛ وما أبعد هذا عن حديث الندبة!
стр. 1082
فإن قلت: فقد تقول في ندبة زيد "وا أبا محمداه"١ فتأتي بلفظ آخر، وكذلك إذا ندبت جعفرا قلت: وا من كان كريماه٢! فتأتي بلفظ غير لفظ زيد وجعفر.
قيل: أجل، إلا أن "أبا محمد" و"من كان كريما" كلاهما عبارة عينيهما٣، وقوله٤: أنا إنيه ليس باللفظ الأول، ولا بعبارة عن معناه. وهذا كما تراه واضح جلي.
ومثل مدة الإنكار هذه البتة في جهلها٥، مدة التذكر في قولك إذا تذكرت الخليل ونحوه: الي وعني ومنا٦ ومنذو، أي الخليل وعن الرجل ومن الغلام ومنذ الليلة.
стр. 1083
باب في بقاء الحكم مع زوال العلة:
هذا موضع ربما أوهم فساد العلة. وهو مع التأمل بضد ذلك؛ نحو قولهم فيما أنشده أبو زيد:
حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا ... ولا نسأل الأقوام عقد المياثق١
ألا ترى أن فاء ميثاق -التي هي واو وثقت- انقلبت للكسرة قبلها ياء؛ كما انقلبت في ميزان وميعاد؛ فكان يجب على هذا لما٢ زالت الكسرة في التكسير أن تعاود الواو فتقول على قول الجماعة: المواثيق٣؛ كما تقول: الموازين٤، والمواعيد. فتركهم الياء بحالها ربما أوهم أن٥ انقلاب هذه الواو ياء ليس٦ للكسرة قبلها، بل هو لأمر آخر غيرها؛ إذ لو كان لها لوجب زواله مع زوالها. ومثل ذلك "ما أنشده"٧ خلف الأحمر من٨ قول الشاعر٩:
عداني أن أزورك أم عمرو ... دياوين تشقق بالمداد
فللقائل أيضًا أن يقول: لو أن ياء ديوان إنما قلبت عن واو دوان للكسرة قبلها لعادت عند زوالها.
وكذلك للمعترض في هذا أن يقول: لو كانت ألف باز إنما قلبت همزة في لغة من قال: بأز؛ لأنها جاورت الفتحة فصارت الحركة كأنها فيها، فانقلبت همزة؛ كما انقلبت لما حركت٩ في نحو شأبة ودأبة، لكان ينبغي أن تزول الهمزة
стр. 1084
عند زوال الألف في قولهم: بئزان، فقد١ حكيت٢ أيضًا بالهمز٣؛ إذ كانت الياء "إذا تحركت"٤ لم تقلب٥ همزة في٦ نحو قول جرير:
فيومًا يجازين الهوى غير ماضيٍ ... ويومًا ترى منهن غولًا تغول٧
وكذلك لو كانت الواو إنما انقلبت في صبية وقنية وصبيان ولياح للكسرة قبلها، لوجب إذا زالت الكسرة أن تعود الواو، فتقول: صبوة وصبوان، وقنوة ولواح لزوال الكسرة.
والجواب عن هذا وغيره مما هذه حاله أن العلة في قلب هذه الأشياء هو ما ذكره القوم: من وقوع الكسرة قبلها لأشياء.
منها أن أكثر اللغة٨ وشائع الاستعمال هو إعادة الواو عند زوال الكسرة.
وذلك قولهم: موازين ومواعيد وقولهم في ريح: أرواح، وفي قيل: أقوال، وفي ميثاق: مواثيق، وفي ديوان: دواوين. فأما مياثق ودياوين فإنه لما كثر عندهم واطرد في الواحد القلب، وكانوا كثيرًا ما يحملون الجمع على حكم الواحد؛ وإن لم يستوف لجمع جميع أحكام الواحد نحو ديمة وديم، وقيمة وقيم، صار الأثر في الواحد كأنه ليس عندهم مسببًا عن أمر، ومعرضًا لانتقاله بانتقاله بل تجاوزوا به ذلك، وطغوا به٩ إلى ما وراءه، حتى صار الحرف المقلوب إليه لتمكنه في القلب كأنه أصل
стр. 1085
في موضعه، وغير مسبب عندهم عن علة، فمعرضٍ١ لانتقاله بانتقالها٢، حتى أجروا ياء ميثاق مجرى الياء الأصلية٣؛ وذلك كبنائك من اليسر مفعالا، وتكسيرك إياه على مفاعيل، كميسار ومياسير، فمكنوا قدم الياء في ميثاق٤؛ أنسابها، واسترواحًا إليها، ودلالة على تقبل الموضع٥ لها.
وكذلك -عندي- قياس تحقيره على هذه اللغة أن تقول: مييثيق.
ومنها أن الغرض في هذا القلب إنما هو طلب للخفة؛ فمتى وجدوا طريقًا أو شبهة في الإقامة عليها، والتعلل بخفتها سلكوها، واهتبلوها. وليس غرضهم وإن كان قلبها٦ مسببًا عن الكسرة أن يتناهوا في إعلامنا ذلك بأن يعيدوها واوًا مع زوالها. وإنما غالب الأمر ومجموع الغرض القلب لها٧؛ لما يعقب من الاسترواح إلى انقلابها. فكأنهم قنعوا أنفسهم بتصور القلب في الواحد لما انتقلوا عنه إلى الجمع ملاحظة لأحواله، ومحافظة على أحكامه، واسترواحًا إلى خفة المقلوب إليه، ودلالة على تمكن القلب في الواحد حتى ألحقوه بما أصله الياء.
وعندي مثل يوضح "الحال في"٨ إقرار الحكم مع زوال العلة، على قلة ذلك في الكلام٩، وكثرة ضده في الاستعمال، وهو العود تقطعه١٠ من شجرته١١ غضًا١٢ رطيبًا١٣،
стр. 1086
فيقيم على ذلك زمانا، ثم يعرض له فيما بعد من الجفوف واليبس ما يعرض لما هذه سبيله، فإذا استقر على ذلك اليبس وتمكن فيه "حتى ينخر"١ لم يغن عنه فيما بعد أن تعيده٢ إلى قعر البحر فيقيم فيه مائة عام؛ لأنه قد كان بعد عن الرطوبة بعدا أوغل فيه، حتى أيأس من معاودته البتة إليها٣.
فهذه حال إقرار الحكم مع زوال العلة، وهو الأقل في كلامهم. وعلى طرف من الملامحة له قول الله : ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ ٤.
ومنها أنهم قد٥ قلبوا الواو ياء قلبًا صريحًا لا عن علة مؤثرة أكثر من الاستخفاف، نحو قولهم: رجل غديان٦، وعشيان٦، والأريحية٧، ورياح، ولا كسرة هناك، ولا اعتقاد كسرة فيه قد٧ كانت في واحده، لأنه ليس جمعًا فيحتذى به٨ ويقتاس٩ به١٠ على حكم واحده. وكذلك قول الآخر:
جول التراب فهو جيلاني١١
فإذا١٢ جنحوا إلى الياء هذا الجنوح العاري من السبب المؤثر١٣ سوى ما فيه من الاسترواح إليه، كان قلب الأثقل إلى الأخف وبقاؤه على ذلك لضرب من التأول أولى وأجدر.
стр. 1087
نعم، وإذا كانوا قد أقروا حكم الواحد على تكسيره مع ثقل ما صاروا إليه مراعاة لأحكامه؛ نحو بأز وبئزان حتى شبهوه برأل ورئلان، كان إقرار قلب الأثقل إلى الأخف عند التكسير أولى وأجدر١؛ ألا ترى أن الهمزة أثقل من الياء. وكذلك قولهم لياح -وإنما هو فعال من لاح يلوح لبياضه- قد راعوا فيه انقلاب عينه مع الكسرة في "لياح" على ضعف هذا الأثر؛ لأنه ليس بجمع "كحياض ورياض"٢ ولا مصدر كقيام وصيام. فإقرار الحكم القوي الوجوب٣ في الواحد عند تكسيره أجدر بالجواز.
وكذلك حديث قنية وصبيان وصبية في إقرار الياء بحالها، مع زوال الكسرة في صبيان وقنية. وذلك أن القلب مع الكسرة لم يكن له قوة في القياس، وإنما كان مجنوحًا به إلى الاستخفاف. وذلك أن الكسرة لم تل الواو؛ ألا ترى أن بينهما حاجزًا وإن كان ساكنًا فإن مثله في أكثر اللغة يحجز. وذلك نحو جرو وعلوٍ، وصنو، وقنو، ومجولٍ، ومقولٍ٤، و"قرواح، وجلواخ، وقرواش، ودرواس"٥ وهذا كثير فاشٍ. فلما أعلوا في صبية وبابه، علم أن أقوى سببي القلب إنما هو طلب الاستخفاف، لا متابعة الكسر مضطرًا إلى الإعلال. فلما كان الأمر كذلك أمضوا العزمة في ملازمة الياء؛ لأنه لم يزل من الكسرة مؤثر يحكم القياس
стр. 1088
له بقوة فيدعو زواله إلى المصير إلى ضد١ الحكم الذي كان وجب به. وليس هذا كمياثق٢؛ من قبل أن القلب في ميثاق واجب، والقلب في قنية وصبية ليس بواجب. فكأن باب ميثاق أثر في النفس أثرًا قوي الحكم فقرره٣ هناك، فلما زال بقي حكمه دالًّا على قوة الحكم الذي٤ كان به، وباب صبية وعلية أقر حكمه٥ مع زوال الكسرة عنه٦، اعتذارًا في ذلك بأن الأول لم يكن عن وجوب فيزال عنه لزوال ما دعا إليه، وإنما كان استحسانًا، فليكن مع زوال الكسر أيضًا استحسانًا.
أفلا ترى إلى اختلاف حال الأصلين في الضعف والقوة، كيف صرت له٧ بهما إلى فرع واحد، وهو القلب. فإنه جيد في معناه، ونافع في سواه، مما شرواه٨. "ومن بعد"٩ فقد قالوا أيضًا: صبوان وصبوة وقنوة؛ وعلى أن البغداديين قالوا: قنوت، وقنيت، وإنما كلامنا على ما أثبته أصحابنا، وهو قنوت لا غير.
ومن بقاء الحكم مع زوال علته قول الراجز١٠:
لما رأى أن لادعه ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقفٍ فالطجع
وهو افتعل من الضجعة. وأصله: "فاضتجع فأبدلت التاء طاء لوقوع الضاد قبلها١١، فصارت"١٢: فاضطجع، ثم أبدل الضاد لامًا. وكان سبيله "إذ أزال"١٣ جرس الضاد أن تصح١٤ التاء، فيقال: فالتجع؛ كما يقال: التحم١٥، والتجأ، لكنه أقرت١٦ الطاء
بحالها؛ إيذانًا بأن هذا القلب الذي دخل الضاد إلى اللام لم يكن عن استحكام، ولا عن وجوب؛ كما أن صحة الواو في١٧ قوله١٨:
وكحل العينين بالعواور
إنما جاء لإرادة الياء في العواوير١٩، وليعلم أن هذا الحرف ليس بقياس ولا منقاد.
فهذه طريق بقاء الأحكام، مع زوال العلل والأسباب. فاعرف ذلك؛ فإنه كثير جدًّا.
стр. 1089
باب في توجه اللفظ الواحد إلى معنيين اثنين:
وذلك في الكلام على ضربين:
أحدهما -وهو الأكثر- أن يتفق اللفظ البتة، ويختلف في تأويله.
وعليه عامة الخلاف؛ نحو قولهم: هذا أمر لا ينادى وليده؛ فاللفظ غير مختلف فيه، لكن يختلف في تفسيره.
فقال قوم١: إن الإنسان يذهل عن ولده لشدته، فيكون هذا كقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ ٢ وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ ٣ "والآي في هذا المعنى كثيرة"٤.
стр. 1090
وقال قوم: أي هو أمر عظيم فإنما ينادى فيه الرجال والجلة لا الإماء والصبية.
وقال آخرون: الصبيان١ إذا ورد الحي كاهن أو حواء أو رقاء حشدوا عليه، واجتمعوا له٢. أي ليس هذا اليوم بيوم أنس ولهو، إنما هو يوم تجرد، وجد.
وقال آخرون -وهم أصحاب المعاني: أي لا وليد فيه فينادي "وإنما فيه الكفاة والنهضة"٣ ومثله قوله٤:
على لا حل لا يهتدي بمناره
أي لا منار فيه فيهتدى به٥، وقوله أيضًا:
لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الذئب بها ينجحر٦
أي لا أرنب بها فتفزعها٧ أهوالها.
ونحوه -عندي- بيت الكتاب:
وقدرٍ ككف القرد لا مستعيرها ... يعار ولا من يأتها يتدسم٨