فإن قيل: هذا يدعوك إلى حمل شيء على شيء، ولو سلكت طريقتنا لما احتجت إلى ذلك١؛ ألا ترى أن الأسماء المسمى بها الفعل في الخبر واقعة موقع المبني وهو الماضي، ما أنها في الأمر واقعة موقع المبني، وهو اسكت.
قيل: ما أحسن هذا لو سلم أول، ولكن من لك بسلامته؟ أم من يتابعك على أن علة بناء الأسماء في العربية كلها شيء غير مشابهتها للحرف؟ فإذا كان كذلك لم يكن لك مزحل عما قلناه، ولا معدل عما أفرطناه وقدمناه. وأيضا فإن اسكت -لعمري- مبني، فما تصنع بقولهم: حذرك زيدا الذي هو نهي؟ أليس في موضع لا تقرب زيدا، و"تقرب" من لا تقرب معرب، ولهذا سماه سيبويه نهيا؟ فإن قلت: إن النبي في هذا محمول على الأمر صرت إلى ما صرفتنا عنه، وسوأت إلينا التمسك به، فآعرف هذ فإنه واضح.
باب في أن سبب الحكم قد٢ يكون سببًا لضده "على٣ وجه".
هذا سبب ظاهره٤ التدافع وهو مع استغرابه٥ صحيح واقع؛ وذلك نحو قولهم: القود والحوكة، والخونة وروع٦ وحول، وعور و"عوز، لوز"٧ وشول؛ قال٨:
شاوٍ مشل شلول شلشل شول
стр. 982
وتلخيص هذه الجملة أن كل واحد من هذه الأمثلة قد جاء مجيئا مثله مقتضٍ للإعلال، وهو مع ذلك مصحح، وذلك أنه قد تحركت عينه، وهي معتلة وقبلها فتحة، وهذا يوجب قلبها ألفا، كباب، ودار، وعابٍ، ونابٍ، ويومٍ راحٍ، وكبشٍ صافٍ، إلا أن سبب صحته طريف، وذلك أنهم شبهوا حركة العين التابعة لها بحرف اللين التابع لها فكأن فعلًا١ فعال كأن فعلا فعيل. فكما يصح نحو جواب، وهيام، وطويل، وحويل، فعلى نحوٍ من ذلك صح باب القود والحوكة والغيب٢ الروع والحول والشول، من حيث شبهت فتحة العين بالألف من بعدها "وكسرتها بالياء من بعدها"٣.
ألا ترى إلى حركة العين التي هي سبب الإعلال كيف٤ صارت على وجه آخر "سببا للتصحيح"٥ وهذا٦ وجه غريب المأخذ. وينبغي أن يضاف هذا إلى احتجاجهم فيه بأنه٧ خرج على أصله منبهة٨ على ما غير من أصل بابه. ويدلك على أن فتحة العين قد أجروها في بعض الأحوال مجرى حرف اللين قول مرة بن محكان:
في ليلةٍ من جمادى ذات أنديةٍ ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا٩
стр. 983
فتكسيرهم ندًى على أندية يشهد بأنهم أجروا ندًى -وهو فعل- مجرى فعال فصار لذلك ندى وأندية كغداء وأغدية. وعليه قالوا: باب وأبوبة و"خال١ وأخولة". وكما أجروا فتحة العين مجرى الألف الزائدة بعدها، كذلك أجروا الألف الزائدة بعدها مجرى الفتحة. وذلك قولهم: جواد وأجود وصواب وأصواب، جاءت في شعر الطرماح. وقالوا: عراء٢ وأعراء حياء٣ وأحياء، وهباء٤ وأهباء. فتكسيرهم فعالا على أفعال كتكسيرهم فعلا على أفعلة هذا هنا، كذلك ثمة. وعلى ذلك -عندي- ما جاء عنهم من تكسير فعيل على أفعال؛ نحو يتيم وأيتام، وشريف وأشراف حتى كأنه إنما كسر فعل لا فعيل كنمر وأنمار وكبد وأكباد، وفخذ وأفخاذ. ومن ذلك قوله٥:
إذا المرء لم يخش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا
وهذا عندهم قبيح، وهو إعادة الثاني مظهرا بغير لفظه الأول؛ وإنما سبيله أن يأتي مضمرًا نحو: زيد مررت به. فإن لم يأت مضمرًا وجاء مظهرا فأجود ذلك أن يعاد لفظ الأول البتة؛ نحو: زيد مررت بزيد، كقول الله سبحانه: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ ٦ و ﴿الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ﴾ ٧ وقوله ٨:
لا أرى الموت يسبق الموت شيءٌ ... نغض الموت ذا الغنى والفقيرا
ولو قال: زيد مررت بأبي محمد "وكنيته أبو محمد"٩ لم "يجز عند"١٠ سيبويه، وإن كان أبو الحسن قد أجازه. وذلك أنه لم يعد على الأول ضميره، كما يجب،
стр. 984
ولا عاد عليه لفظه. فهذا١ وجه القبح. ويمكن أن يجعله جاعل سبب الحسن. وذلك أنه لما لم يعد لفظ الأول البتة، وعاد مخالفا للأول شابه -بخلافه له- المضمر الذي هو أبدا٢ مخالف للمظهر. وعلى ذلك قال:
............. أوشكت ... حبال الهوينى بالفتى ... ...
ولم يقل: "به٣ ولا" بالمرء. أفلا ترى أن القبح الذي كان في مخالفة الظاهر الثاني للأول قد عاد٤ فصار بالتأويل من حيث أرينا حسنا. وسببهما جميعا واحد. وهو وجه المخالفة في الثاني للأول.
وأما قول ذي الرمة:
ولا الخرق منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ما هيا٥
فيجوز أن تكون "هي" الثانية فيه إعادة للفظ الأول كقوله٦ : ﴿الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ﴾ وهو الوجه. ويجوز أن تكون "هي" الثانية ضمير "هي" الأولى؛ كقولك: هي مررت بها. وإنما كان الوجه الأول؛ لأنه إنما يعاد لفظ الأول في مواضع٧ التعظيم والتفخيم وهذا من مظانه؛ لأنه في مدحه وتعظيم أمره.
ومن ذلك أنهم قالوا: أبيض لياح. فقلبوا الواو التي في تصريف لاح يلوح للكسرة قبلها، على ضعف ذلك لأنه ليس جمعا كثياب ولا مصدرا
стр. 985
كقيام. وإنما استروح إلى قلب الواو ياء لما يعقب من الخف كقولهم في صوار البقر: صيار وفي الصوان للتخت١ صيان. وكان٢ يجب على هذا أن متى زالت هذه الكسرة عن لام "لياح" أن تعود الواو. وقد قالوا مع هذا: أبيض لياح، فأقروا القلب بحاله مع زوال ما كانوا سامحوا أنفسهم في القلب به٣ على ضعفه. ووجه٤ التأول منهم في٥ هذا أن قالوا: لما لم يكن القلب مع الكسر عن وجوب واستحكام وإنما ظاهره وباطنه العدول عن الواو إلى الياء هربا منها إليها وطلبا، لخفتها، لم تراجع٦ الواو لزوال الكسرة؛ إذا مثلها في هذا الموضع في غالب الأمر ساقط غير مؤثر نحو خوان وزوان٧ وقوام وعواد مصدري قاومت وعاودت فمضينا٨ على السمت في الإقامة على الياء. أفلا ترى إلى ضعف٩ حكم الكسرة في "لياح" الذي كان مثله قمنا بسقوطه لأدنى عارض يعرض له فينقضه كيف صار سببا وداعيا إلى استمراره والتعدي به١٠ إلى ما يعرى عنه، والتعذر١١ في إقرار الحكم به. وهذا ظاهر.
ومن ذلك أن الإدغام يكون في المعتل سببا للصحة؛ نحو قولك في فعل من القول: قول، وعليه جاء اجلواذ، والإدغام نفسه يكون في الصحيح سببا للإعلال؛ ألا تراهم كيف جمعوا حرة بالواو والنون فقالوا: إحرون١٢؛ لأن العين أعلت بالادغام، فعوضوا من ذلك الجمع بالواو والنون. وله نظائر فاعرفه.
стр. 986
باب: في اقتضاء الموضع ١ لك لفظا هو ٢ معك إلا أنه ليس بصاحبك ٣:
من ذلك قولهم: لا رجل عندك ولا غلام لك فـ"ـلا" هذه٤ ناصبة اسمها وهو مفتوح، إلا أن الفتحة فيه ليست فتحة النصب التي تتقاضاها "لا" إنما هذه فتحة بناء وقعت موقع فتحة الإعراب الذي هو عمل لا في المضاف، نحو لا غلام رجل عندك والممطول٥؛ نحو لا خيرا من زيد فيها.
وأصنع من هذا قولك: لا خمسة عشر لك فهذه الفتحة الآن فى راء " عشر" فتحة بناء التركيب فى هذين الاسمين، وهى واقعة موقع فتحة البناء فى قولك: لا رجل عندك، وفتحة لام رجل واقعة موقع فتحة الإعراب فى قولك: لا غلام رجل فيها ولا خيرا منك عنده. ويدل على أن فتحة راء٦ "عشر " من قولك لا خمسة عشر عندك هى فتحة تركيب الاسمين، لا التى تحدثها " لا " فى نحو٧ قولك: لا غلام لك أن " خمسة٨ عشر " لا يغيرها العامل الأقوى أعني الفعل فى قولك جاءني خمسة عشر، والجار فى نحو٩ قولك: مررت بخمسة عشر. فإذا كان العامل الأقوى لا١٠ يؤثر فيها
стр. 987
فالعامل الأضعف الذي هو "لا " أحجى بألا يغير. فعلمت بذلك أن فتحة راء عشر من قولك: لا خمسة عشر لك إنما هي فتحة "للتركيب لا فتحة للإعراب؛ فصح بهذا أن فتحة راء عشر من قولك: لا خمسة عشر لك إنما هي فتحة"١ بناء واقعة موقع حركة٢ الإعراب، والحركات كلها من جنس واحد وهو الفتح.
ومن ذلك قولك: مررت بغلامي. فالميم موضع جرة الإعراب المستحقة بالباء، والكسرة فيها ليست الموجبة بحرف الجر، إنما هذه٣ هي التي تصحب ياء المتكلم في الصحيح، نحو هذا غلامي ورأيت غلامي، فثباتها٤ في الرفع والنصب يؤذنك أنها ليست كسرة الإعراب وإن كانت بلفظها.
ومن ذلك قولهم٥: يسعني حيث يسعك فالضمة في "حيث" ضمة بناء واقعة موقع رفع الفاعل. فاللفظ واحد التقدير مختلف. "ومن ذلك قولك: جئتك الآن. فالفتحة فتحة بناء في "الآن" وهي واقعة موقع فتحة نصب الظرف "٦.
ومن ذلك قولك: كنت عندك في أمس. فالكسرة الآن كسرة بناء. وهي واقعة موقع كسرة الإعراب المقتضيها الجر. وأما قوله:
وإني وقفت اليوم والأمس قبله ... ببابك حتى كادت الشمس تغرب٧
стр. 988
فيروى: "والأمس" جرا ونصبا. فمن نصبه فلانه لما عرفه باللام الظاهرة وأزال عنه تضمنه إياها أعربه والفتحة١ فيه نصبه الظرف؛ كقولك أنا آتيك اليوم وغدا٢. وأما من جره فالكسرة فيه كسرة البناء التي في٣ قولك: كان هذا أمس، واللام فيه زائدة كزيادتها في الذي والتي
وفي قوله:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلًا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر٤
قال أبو عثمان: سألت الأصمعي عن هذا، فقال: الألف واللام في "الأوبر" زائدة. وإنما تعرف "الأمس"٥ بلام أخرى مرادةٍ غير هذه مقدرة.وهذه الظاهرة ملقاة زائدة للتوكيد.
ومثله مما تعرف بلام٦ مرادة "وظهرت"٧ فيه لام أخرى غيرها زائدة قولك: الآن. فهو٨ معرف بلام مقدرة وهذه الظاهرة فيه زائدة. وقد ذكر أبو علي هذا قبلنا وأوضحه وذكرناه نحن أيضًا في غير هذا الموضع من كتبنا. وقد ذكرت٩ في كتاب التعاقب في العربية من هذا الضرب نحوا كثيرا. فلندعه هنا.
стр. 989
باب في احتمال القلب لظاهر الحكم:
هذا موضع يحتاج إليه مع السعة؛ ليكون معدا عند الضرورة.
فمن١ ذلك قولهم: أسطر. فهذا وجهه أن يكون جمع سطر ككلب وأكلب وكعب وأكعب. وقد يجوز أيضًا٢ أن يكون جمع سطر فيكون حينئذ كزمن وأزمن، وجبل وأجبل؛ قال:
إني لأكني بأجبالٍ عن اجلبها ... وباس أودية عن اسم واديها٣
ومثله أسطار، فهذا وجهه أن يكون جمع سطرٍ "كجبل٤ وأجبال" وقد يجوز أيضًا أن يكون جمع سطر كثلج وأثلاج وفرخ وأفراخ قال الحطيئة ٥:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
ومثله قولهم: الجباية في الخراج ونحوه: الوجه أن يكون مصدر جبيته، ويجوز أن يكون من جبوته؛ كقولهم: شكوته شكاية. وأصحابنا يذهبون في قولهم: الجباوة إلى أنها مقلوبة عن الياء في جبيت، ولا يثبتون جبوت.
ونحو من ذلك قولهم٦: القنية يجب على ظاهرها أن تكون٧ من قنيت.
وأما أصحابنا فيحملونها على أنها من قنوت أبدلت لضعف الحاجز -لسكونه- عن الفصل به بين الكسرة وبينها.
على أن أعلى اللغتين قنوت.
стр. 990
ومن ذلك قولهم: الليل يغسى١، فهذا يجب أن يكون من غسى كشقى يشقى، ويجوز أن يكون من غسا فقد قالوا: غسى يغسى وغسا، يغسو ويغسى أيضًا وغسا يغسى نحو أبى يأبى، وجبا٢ الماء يجباه.
ومن ذلك زيد مررت به واقفا الوجه أن يكون "واقفا" حالا من الهاء "في٣ به"، وقد يجوز أن يكون حالا من نفس "زيد" المظهر ويكون مع هذا العامل فيه ما كان عاملا فيه وهو حال من الهاء؛ ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون العامل في الحال هو "غير العامل في صاحب"٤ الحال ومن ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ ٥ فـ"مصدقا" حال من "الحق" والناصب له غير الرافع للحق، وعليه البيت:
أنا ابن دارة معروفًا بها نسبي ... وهل بدارة يا للناس من عار٦
وكذلك عامة ما يجوز فيه وجهان أو أوجه ينبغي أن يكون جميع ذلك٧ مجوزًا فيه٨. ولا يمنعك٩ قوة القوى من إجازة الضعيف أيضًا١٠؛ فإن العرب تفعل ذلك؛ تأنيسًا١٠ لك بإجازة الوجه الأضعف لتصح به طريقك ويرحب به١١ خناقك إذا١٢ لم تجد وجها غيره، فتقول: إذا أجازوا نحو هذا ومنه بد وعنه مندوحة فما ظنك بهم إذا لم يجدوا
стр. 991
منه بدلا، ولا عنه معدلا ألا تراهم كيف يدخلون تحت قبح الضرورة مع قدرتهم على تركها، ليعدوها لوقت الحاجة إليها. فمن١ ذلك قوله٢:
قد أصبحت أم الخيار تدعى ... على ذنبًا كله لم أصنع
أفلا٣ تراه كيف دخل تحت ضرورة الرفع، ولو نصب لحفظ الوزن وحمى جانب الإعراب من الضعف. وكذلك قوله ٤:
لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعدٌ ولم تغذ دعد في العلب
كذا٥ الرواية بصرف "دعد" الأولى، ولو لم يصرفها لما كسر وزنا وأمن الضرورة أو ضعف إحدى اللغتين. وكذلك قوله:
أبيت على معاري فاخرات ... بهن ملوب كدم العباط٦
هكذا أنشده: على معاري بإجراء المعتل مجرى الصحيح ضرورة، ولو أنشد: على معارٍ فاخرات لما كسر وزنا ولا احتمل ضرورة.
стр. 992
باب في الشئ يرد فيوجب له القياس حكما ويجوز أن يأتي السماع بضده، أيقطع بظاهره، أم يتوقف إلى أن يرد السماع بجلية حاله
...
باب في الشيء ١ يرد فيوجب له القياس حكما ويجوز أن يأتي السماع ٢ بضده، أيقطع بظاهره، أم يتوقف إلى أن يرد السماع بجلية حاله:
وذلك نحو عنتر وعنبر وحنزقر٣ وحنبتر٤ وبلتع٥ وقرناس٦.
فالمذهب٧ أن يحكم في جميع هذه النونات والتاءات وما يجري مجراها -مما هو واقع موقع الأصول مثلها- بأصليته، مع تجويزنا أن يرد دليل على زيادة شيء منه كما ورد في عنسل وعنبس ما قطعنا به على زيادة نونهما، وهو الاشتقاق٨ المأخوذ من عبس وعسل، وكما٩ قطعنا على زيادة نون قنفخر١٠ لقولهم: امرأة قفاخرية١١. وكذلك تاء تألب١٢؛ لقولهم: ألب١٣ الحمار طريدته يألبها، فكذلك يجوز أن يرد دليل يقطع به على نون عنبر في الزيادة، وإن كان ذلك كالمتعذر الآن لعدم المسموع من الثقة المأنوس١٤ بلغته، وقوة طبيعته١٥؛ ألا ترى أن هذا ونحوه مما١٦ لو كان له أصل لما تأخر أمره، ولوجد في اللغة ما يقطع له به. وكذلك ألف آءةٍ حملها الخليل ﵀ على أنها منقلبة عن الواو، حملا على الأكثر، ولسنا ندفع مع ذلك١٧ أن يرد شيء من السماع
стр. 993
يقطع معه بكونها منقلبة عن ياء، على ما قدمناه١ من بعد نحو ذلك وتعذره.
ويجيء على قياس ما نحن عليه أن تسمع نحو بيت وشيخ فظاهره -لعمري- أن يكون فعلا مما عينه ياء، ثم لا يمنعنا هذا أن نجيز كونها٢ فيعلا مما عينه واو؛ كميت وهين. ولكن إن وجدت في تصريفه نحو شيوخ وأشياخ ومشيخة قطعت بكونه من باب: بيع وكيل. غير أن القول وظاهر العمل أن يكون من باب بيع. بل إذا كان سيبويه قد حمل سيدا٣ على أنه من الياء تناولا٤ لظاهره مع توجه كونه فعلا مما عينه واو كريح وعيد, كان حمل نحو٥ شيخ على أن يكون من الياء لمجيء الفتحة قبله أولى وأحجيى.
فعلى نحوٍ من هذا فليكن العمل فيما يرد من هذا.
стр. 994
باب في الاقتصار في التقسيم على ما يقرب ويحسن، لا على ما يبعد ويقبح:
وذلك١ كأن تقسم٢ نحو٣ مروان إلى٤ ما يحتمل حاله من التمثيل له فنقول٥: لا يخلو٦ من أن يكون فعلان أو مفعالا أو فعوالا. فهذا٧ ما يبيحك٨ التمثيل في بابه.
فيفسد كونه مفعالا أو فعوالا أنهما مثالان لم يجيئا, وليس لك٩أن تقول١٠ي تمثيله: لا يخلو١١ن يكون مفلان أو١٢فوالا أو فعوان أو مفوان١٣ونحو ذلك، لأن هذه١٤نحوها١٥ما١٦ي" أمثلة ليست موجودة أصلا ولا قريبة من الموجودة كقرب فعوال ومفعال من الأمثلة الموجودة١٧ألا ترى أن فعوالا أخت فعوال كقرواش١٨وأخت فعوال كعصواد١٩ وأن مفعالا أخت مفعال كمحراب٠٢ وأن كل واحد من مفلان ومفوان وفعوان لا يقرب منه شيء من أمثلة كلامهم.
وتقول على ذلك في تمثيل٢١ أيمن من قوله٢٢:
يبري لها من أيمن وأشمل
لا يخلو أن يكون أفعلا أو فعلنا أو أيفلا أو فيعلا. فيجوز هذا كله لأن بعضه له نظير "وبعضه قريب مما له نظير"٢٣، الا ترى أن أفعلا٢٤ كثير النظير، كأكلب
стр. 995
إذا قسمته: لا يخلو أن يكون فعولا كثدي، أو فعيلا كشعير، أو فعيا كمئي إذا نسبت إلى مائة ولم تردد لامها أو فعلا، كطمر. ولا تقول في قسمتها: أو فوعلًا أو إفعلا أو فويًا أو إفلعا١ أو نحو ذلك؛ لبعد هذه الأمثلة مما جاء عنهم. فإذا تناءت عن مثلهم إلى ههنا لم تمرر٢ بها في التقسيم؛ لأن مثلها ليس مما يعرض الشك فيه، ولا يسلم الفكر به ولا توهم الصنعة كون مثله.
стр. 996
باب في خصوص ما يقنع ١ فيه العموم من أحكام صناعة الإعراب:
وذلك كأن تقول في تخفيف همزة نحو صلاءة وعباءة: لا تلقى حركتها على الألف؛ لأن الألف لا تكون مفتوحة أبدا. فقولك: "مفتوحة" تخصيص لست٢ بمضطر إليه؛ ألا ترى أن الألف لا تكون متحركة أبدا بالفتحة ولا غيرها. وإنما صواب ذلك أن تقول: لأن الألف لا تكون متحركة أبدا.
وكذلك٣ لو قلت: لأن٤ الألف لا تلقى عليها حركة الهمزة لكان -لعمري- صحيحًا كالأول؛ إلا أن فيه تخصيصًا يقنع منه٥ عمومه.
فإن قلت: استظهرت بذلك للصنعة قيل: لا بل، استظهرت به عليها، ألا ترى أنك إذا قلت: إن الألف لا تكون مفتوحة أبدا جاز أن يسبق إلى نفس
стр. 997
من يضعف نظره أنها وإن تكن مفتوحة فقد يجوز أن تكون مضمومة أو مكسورة. نعم وكذلك إذا قلت: إنها لا تلقي عليها حركة الهمزة جاز أن يظن أنها١ تلقى عليها حركة غير الهمزة. "فإذا أنت قلت: لا يلقى عليها الحركة"٢ أو لا تكون متحركة أبدا احتطت للموضع واستظهرت للفظ والمعنى.
وكذلك لو قلت: إن ظننت وأخواتها تنصب مفعوليها٣ المعرفتين -نحو طننت أخاك أباك لكنت -لعمري- صادقا إلا انك مع ذلك كالموهم به أنه٤ إذا كان مفعولاها نكرتين كان لها حكم غير حكمها إذا كانا معرفتين. ولكن إذا قلت: ظننت وأخواتها تنصب مفعوليها عممت الفريقين بالحكم٥ وأسقطت الظنة عن المستضعف الغمر، وذكرت هذا النحو من هذا اللفظ حراسة له٦، وتقريبًا منه ونفيًا لسوء المعتقد عنه ٧.
стр. 998
باب في تركيب المذاهب:
قد كنا أفرطنا في هذا الكتاب تركيب١ اللغات. وهذا الباب نذكر فيه كيف تتركب المذاهب إذا ضممت بعضها إلى بعض وأنتجت٢ بين ذلك مذهبا.
وذلك أن أبا عثمان كان يعتقد مذهب يونس في رد المحذوف في التحقير وإن غنى المثال عنه فيقول٣ في تحقيرها هارٍ: وهو يئر، وفي يضع٤ اسم رجل: يويضع٥،وفي بالة من قولك٦ ما٧ باليت به بالة: بويلية. وسيبويه إذا استوفى التحقير٨ مثاله لم يردد ما كان قبل ذلك محذوفًا. فيقول هوير ويضيع٩، وبويلة.
وكان أبو عثمان أيضًا يرى رأي سيبويه في صرف١٠ نحو جوارٍ علما وإجرائه بعد العلمية على ما كان عليه قبلها. فيقول١١ في رجل أو امرأة اسمها جوارٍ١٢ أو غواشٍ بالصرف في الرفع والجر على حاله قبل نقله، ويونس لا يصرف ذلك ونحوه علما ويجريه مجرى الصحيح في ترك الصرف.
فقد تحصل إذا لأبي عثمان مذهب مركب من مذهبي الرجلين، وهو الصرف على مذهب سيبويه، والرد على مذهب يونس. فتقول١٣ على قول أبي عثمان في تحقير اسم رجل سميته بيري: هذا يرىءٍ كيريع ١٤. فترد الهمزة على قول يونس وتصرف على قول سيبويه. ويونس يقول في هذا: يربئى "بوزن١٤ يريعي" فلا يصرف وقياس قول سيبويه يرى، فلا يرد، وإذا لم يرد لم يقع الطرف بعد كسرة فلا يصرف إذًا، كما لا يصرف أحي تصغير١٥ أحوي. وقياس قول أن يصرف١٦ فيقول١٧: يريٌ؛ كما يصرف١٨ تحقير أحوي: أحيٌ.
стр. 999
فقد عرفت إذًا تركب مذهب أبي عثمان من١ قولي٢ الرجلين.
فإن خففت همزة يرىءٍ قلت يريى فجمعت٣ في اللفظ بين ثلاث ياءات، والوسطى٤ مكسورة. ولم٥ يلزم حذف الطرف للاستثقال، كما حذف في تحقير أحوي إذا قلت: أحي؛ من قبل أن الياء الثانية ليست ياء مخلصة، وإنما هي همزة مخففة فهي٦ في تقدير الهمز٧. فكما لا تحذف في قولك: يرىءٍ، كذلك لا تحذف في قولك: يريى. ولو رد عيسى كما رد يونس٨ للزمه ألا يصرف في النصب لتمام مثال الفعل؛ فيقول: رأيت يريئ ويريى، وأن يصرف في الرفع والجر على مذهب سيبويه، حملا لذلك على صرف جوارٍ.
و"من ذلك"٩ قول أبي عمر١٠ في حرف التثنية: إن الألف حرف الإعراب ولا إعراب فيها، وهذا هو١١ قول سيبويه. وكان يقول: إن انقلاب الألف إلى الياء هو الإعراب. وهذا١٢ هو قول الفراء أفلا تراه كيف تركب له في التثنية مذهب ليس بواحد من المذهبين الآخرين.
стр. 1000
وقال أبو العباس في قولهم: "أساء سمعا فأساء جابة": إن أصلها إجابة، ثم كثر فجرى مجرى المثل، فحذفت همزته تخفيفًا فصارت جابة. فقد تركب الآن من قوله هذا وقولي١ أبي الحسن والخليل مذهب طريف. وذلك أن أصلها اجوابة فنقلت الفتحة من العين إلى الفاء فسكنت العين "وألف إفعالة بعدها ساكنة فحذفت الألف على قول الخليل، والعين"٢ على قول٣ أبي الحسن، جريا على خلافهما٤ المتعالم من مذهبيهما في مقول ومبيع. فجابة على قول الخليل إذا ضامه "قول أبي العباس"٥ فعلة ساكنة العين، وعلى قول أبي الحسن إذا ضامه قول أبي العباس فالة ٦.
"أفلا ترى"٧ إلى هذه الذي أدى إليه مذهب أبي العباس في هذه اللفظة "وأنه٨ قول" مركب ومذهب لولا ما أبدعه فيه أبو العباس لكان غير هذا.
وذلك أن الجابة -على الحقيقة- فعلة مفتوحة العين، جاءت على أفعل بمنزلة أرزمت٩ السماء رزمة، وأجلب القوم جلبة. ويشهد أن١٠ الأمر كذا، ولا١١ كما ذهب إليه أبو العباس قولهم: أطعت طاعة، وأطقت طاقة. وليس واحدة١٢ منهما بمثل ولا كثرت١٣ فتجري مجرى المثل فتحذف همزتها، إلا أنه تركب من قول أبي العباس فيها إذا سبق على مذهبي الخليل وأبي الحسن ما قدمناه: من كونها فعلة ساكنة العين "أو فالة"١٤ كما ترى. وكذا كثير من المذاهب التي هي مأخوذة من قولين ومسوقة على أصلين: هذه حالها.
стр. 1001
باب في السلب:
نبهنا أبو علي ﵀ من هذا الموضع على ما أذكره وأبسطه، لتتعجب١ من حسن الصنعة فيه.
اعلم أن كل فعل أو اسم مأخوذٍ من الفعل أو فيه معنى الفعل، فإن وضع ذلك في كلامهم على إثبات معناه لا سلبهم إياه.
وذلك قولك٢: قام فهذا لإثبات القيام، وجلس لإثبات الجلوس، وينطلق لإثبات الانطلاق، وكذلك الانطلاق ومنطلق: جميع ذلك وما كان مثله إنما هو لإثبات هذه المعاني لا لنفيها. ألا ترى أنك إذا أردت نفي شيء منها ألحقته حرف النفي فقلت: ما فعل، ولم يفعل، ولن يفعل "ولا تفعل"٣ ونحو ذلك.
ثم إنهم مع هذا قد استعملوا ألفاظا من كلامهم من الأفعال ومن٤ الأسماء الضامنة لمعانيها، في سلب تلك المعاني لا إثباتها. ألا ترى أن تصريف "ع ج م" أين وقعت في كلامهم إنما "هو٥ للإبهام" وضد البيان. ومن ذلك العجم لأنهم٦ لا يفصحون، وعجم٧ الزبيب ونحوه لاستتار في ذي العجم ومنه عجمة الرمل لما استبهم منه على سالكيه فلم يتوجه٨ لهم. ومنه عجمت العود ونحوه إذا عضضته: لك فيه وجهان: إن شئت قلت: إنما ذلك لإدخالك إياه في فيك وإخفائك٩ له،
стр. 1002
وإن شئت قلت: "إن١ ذلك" لأنك لما عضضته ضغطت٢ بعض ظاهر٣ أجزائه "فغارت"٤ في المعجوم، فخفيت. ومن ذلك استعجمت الدار إذا لم تجب سائلها، قال٥:
صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل
ومنه "جرح٦ العجماء جبار"، لأن البهيمة لا تفصح عما في نفسها. ومنه "قيل لصلاة"٧ الظهر والعصر: العجماوان لأنه لا يفصح فيهما بالقراءة. "وهذا"٨ كله على ما تراه من الاستبهام٩ وضد البيان، ثم إنهم قالوا: أعجمت الكتاب إذا بينته١٠ وأوضحته. فهو١١ إذًا لسلب معنى الاستبهام لا إثباته.
ومثله١٢ تصريف "ش ك و" فأين١٣ وقع ذلك فمعناه إثبات الشكو والشكوى والشكاة وشكوت واشتكيت. فالباب فيه كما تراه لإثبات هذا المعنى، ثم إنهم
стр. 1003
قالوا: أشكيت الرجل إذا "زلت له عما يشكوه"١ فهو٢ إذًا لسلب معنى الشكوى لا لإثباته أنشد أبو زيد:
تمد بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أننا نشكيها
مس حوايا قلما نجفيها٣
وفي الحديث٤: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يشكنا، أي فلم٥ يفسح لنا في إزالة ما شكوناه من ذلك إليه.
ومنه٦ تصريف "م ر ض" "إنها لإثبات معنى"٧ المرض، نحو مرض يمرض وهو مريض "ومارض"٨ ومرضى ومراضى.
ثم إنهم قالوا: مرضت الرجل أي داويته من مرضه حتى أزلته عنه أو لتزيله عنه.
وكذلك تصريف "ق ذ ي" إنها٩ لإثبات معنى القذى منه "قذت عينه وقذيت وأقذيتها ثم إنهم مع هذا يقولون: قذيت عينه"١٠ إذا أزلت عنها القذى وهذا١١ لسلب القذى لا لإثباته.
стр. 1004
ومنه حكاية الفراء عن أبي١ الجراح: بي إجل فأجلوني، أي داووني ليزول عني. والإجل: وجع في العنق.
ومن ذلك تصريف "أث م" أين هي وقعت لإثبات معنى الإثم؛ نحو أثم يأثم وآثم وأثيم وأثوم "والمأثم"٢ وهذا كله لإثباته.
ثم إنهم قالوا: تأثم أي ترك الإثم. ومثله تحوب أي ترك الحوب.
فهذا كله كما٣ تراه في الفعل وفي ذي الزيادة لما سنذكره.
وقد وجدته أيضًا في الأسماء غير الجارية على الفعل إلا أن فيها معاني الأفعال، كما أن مفتاحًا فيه معنى الفتح وخطافًا فيه معنى الاختطاف٤، وسكينًا فيه معنى التسكين وإن لم يكن واحد من ذلك جاريًا على الفعل.
فمن تلك الأسماء قولهم: التودية لعودٍ٥ يصر على خلف الناقة ليمنع٦ اللبن. وهي٧ تفعلة من ودى يدى، إذا سال وجرى، وإنما هي لإزالة الودى لا لإثباته. فآعرف ذلك.
ومثله٨ قولهم السكاك للجو، هو لسلب معنى تصريف٩ "س ك ك" ألا ترى أن ذلك للضيق أين وقع. منه أذن سكاء أي٩ لاصقة، وظليم أسك: إذا ضاق ما بين منسميه، وبئر سك، أي ضيقة١٠ الجراب. ومنه١١ قوله:
ومسك سابغةٍ هتكت فروجها
يريد ضيق حلق الدرع. وعليه بقية الباب. ثم قالوا للجو -ولا أوسع منه: السكاك؛ فكأنه سلب ما في غيره من الضيق.
стр. 1005
ومن ذلك قولهم: النالة لما حول الحرم. والتقاؤهما أن من كان فيه لم تنله اليد؛ قال الله -عز اسمه: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ١. فهذا لسلب هذا المعنى لا لإثباته.
ومنه: المئلاة للخرقة في يد النائحة تشير بها. قال٢ لي أبو علي: هي من ألوت، فقلت له: فهذا إذًا من "ما ألوت"؛ لأنها لا تألو أن تشير بها؛ فتبسم ﵀ إلي٣ إيماء؛ إلى ما نحن إليه وإثباتًا له واعترافًا به. وقد مر بنا من ذلك ألفاظ غير هذه.
وكان أبو علي ﵀ يذهب في الساهر إلى هذا، ويقول: إن قولهم: سهر فلان أي نبا جنبه عن الساهرة "وهي وجه الأرض"٤ قال الله : ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ ٥ فكأن٦ الإنسان إذا سهر قلق جنبه عن مضجعه ولم يكد يلاقي الأرض فكأنه سلب الساهرة.
ومنه تصريف "ب ط ن" إنما هو لإثبات معنى البطن نحو بطن، وهو بطين ومبطان، ثم قالوا: رجل مبطن٧ للخميص البطن٨ فكأنه٩ لسلب هذا المعنى؛ قال الهذلي ١٠:
مخطوف الحشا زرم
وهذا مثله سواءً.
стр. 1006
وأكثر ما وجدت هذا١ المعنى من الأفعال فيما كان ذا زيادة؛ ألا ترى أن أعجم ومرض وتحوب وتأثم كل واحد منها ذو زيادة. فكأنه إنما كثر فيما كان ذا زيادة من قبل أن السلب معنى حادث على إثبات الأصل الذي هو الإيجاب٢؛ فلما كان السلب معنى زائدًا حادثًا لاق به من الفعل ما كان ذا زيادة؛ من حيث كانت الزيادة حادثة طارئة على الأصل الذي هو الفاء والعين واللام كما أن التأنيث لما كان معنى٣ طارئًا٤ على التذكير احتاج إلى زيادة في اللفظ علمًا له كتاء طلحة وقائمة وألفى بشرى وحمراء وسكرى٥؛ وكما أن التعريف لما كان طارئًا على التنكير احتاج إلى زيادة لفظ به كلام التعريف في الغلام والجارية ونحوه٦.
فأما سهر فإن في بابه وإنه٧ خرج إلى سلب٨ أصل الحرف بنفسه من غير زيادة فيه؛ فلك فيه عذران:
إن شئت قلت: إنه وإن عري من زيادة الحروف فإنه٩ لم يعر من زيادة ما هو مجارٍ للحرف وهو ما فيه من الحركات. وقد عرفت١٠ من غير وجهٍ مقاربة الحروف للحركات والحركات للحروف فكأن في "سهر" ألفًا وياء حتى كأنه ساهير فكأنه١١ إذًا ليس بعار من الزيادة؛ إذ كان فيه ما هو مضارع للحرف، أعني الحركة. فهذا وجه.
стр. 1007
وإن شئت قلت: خرج "سهر" منتقلًا عن أصل بابه إلى سلب معناه منه١؛ كما خرجت الأعلام عن شياع الأجناس إلى خصوصها بأنفسها لا بحرف يفيد التعريف فيها؛ ألا ترى أن بكرًا وزيدًا ونحوهما من الأعلام إنما تعرفه بوضعه، لا بلام التعريف٢ فيه، كلام الرجل والمرأة وما أشبه ذلك. وكما أن ما كان مؤنثًا بالوضع كذلك أيضًا، نحو هند وجملٍ وزينب وسعاد فاعرفه. ومثل سهر في تعريه من الزيادة قوله ٣:
يخفي النراب بأظلاف ثمانية
ومن ذي الزيادة منه قولهم: أخفيت الشيء أي٤ أظهرته.
وأنا أرى أن في هذا الموضع من العربية ما أذكره لك، وهو أن هذا المعنى الذي وجد في الأفعال من الزيادة على معنى الإثبات بسلبه٥ كأنه مسوق على ما جاء من الأسماء ضامنًا لمعنى الحرف، كالأسماء المستفهم بها، نحو: كم٦ ومن وأي وكيف ومتى وأين٧ وبقية الباب. فإن الاستفهام معنى حادث فيها على ما وضعت له الأسماء
стр. 1008
من إفادة معانيها. وكذلك الأسماء المشروط بها: من وما وأي، وأخواتهن، فإن الشرط معنى زائد على مقتضاهن: من معنى الأسمية. فأرادوا ألا تخلو الأفعال من شيء من هذا الحكم -أعني١ تضمنها معنى حرف النفي- كما تضمن الأسماء معنى حرف الإستفهام، ومعنى حرف الشرط٢ ومعنى حرف التعريف في أمس والآن، ومعنى حرف الأمر في تراك وحذار وصه ومه ونحو ذلك. وكأن الحرف الزائد الذي لا يكاد٣ ينفك٤ منه أفعال السلب يصير كأنه عوض من حرف٥ السلب. وأيضًا فإن الماضي وإن عرى من حرف٦ الزيادة فإن المضارع لا بد له من حرف المضارعة والأفعال كلها تجري مجرى المثال الواحد. فإذا وجد في بعضها شيء فكأنه موجود في بقيتها.
وإنما جعلنا هذه الأفعال في كونها ضامنة لمعنى حرف النفي ملحقة بالأسماء في ذلك، وجعلنا الأسماء أصلا فيه، من حيث كانت الأسماء أشد تصرفًا في هذا ونحوه من الأفعال، إذ كانت هي الأول، والأفعال توابع وثوانٍ لها، وللأصول من الاتساع والتصرف ما ليس للفروع.
فإن قيل: فكان يجب على هذا أن يبنى من الأسماء ما تضمن هذا المعنى، وهو ما ذكرته: من التودية والسكاك٧ والنالة والمئلاة وأنت ترى كلا من ذلك معربا.
стр. 1009
قيل: الموضع في هذا المعنى من السلب إنما هو للفعل، وفيه كثرته، فلما لم يؤثر هذا المعنى في نفس الفعل كان ألا يؤثر فيما هو محمول عليه "أولى١ و" أحرى بذلك.
فإن قيل: وهلا أثر هذا المعنى في الفعل أصلا، كما يؤثر تضمن معنى الحرف في الاسم؟
قيل: البناء لتضمن معنى الحرف أمر "يخص٢ الاسم" ككم وأين وكيف ومتى ونحو ذلك، والأفعال لا تبنى لمشابهتها الحروف. أما الماضي فلأن فيه من البناء ما يكفيه، وكذلك فعل الأمر العارى من حروف المضارعة، نحو افعل. وأما المضارع فلأنه لما أهيب٣ به ورفع عن ضعة٤ البناء إلى شرف الإعراب لو يروا أن يتراجعوا به إليه وقد انصرفوا٥ به عنه لئلا يكون ذلك نقصا.
فإن قلت: فقد بنوا من الفعل المعرب ما لحقته نون التوكيد نحو لتفعلن.
قيل: لما خصته النون بالاستقبال، ومنعته الحال التي المضارع أولى بها جاز أن يعرض له البناء. وليس كذلك السين وسوف؛ لأنهما لم يبينا معه بناء نون التوكيد فيبنى هو، وإنما هما فيه كلام التعريف "الذي لا يوجب"٦ بناء الاسم فاعرفه.
стр. 1010
باب في وجوب الجائز ١:
وذلك في الكلام على ضربين:
أحدهما أن توجبه الصنعة فلا بد إذًا منه.
والآخر أن تعتزمه العرب فتوجبه وإن كان القياس يبيح غيره.
الأول: من ذلك كأن تقول في تحقير أسود: أسيد. وإن شئت صححت فقلت: أسيود. والإعلال فيه أقوى لا جتماع الياء والواو وسبق الأولى منهما بالسكون. وكذلك جدول تقول فيه: جديل. وإن شئت صححت فقلت: جديول. فإذا صرت إلى تحقير نحو٢ عجوز، ويقوم اسم رجل، قلت بالإعلال لا غير: عجيز، ويقيم. وفي مقام: مقيم البتة. وذلك أنك إنما كنت تجيز أسيود وجديولا٣ لصحة الواو في الواحد، وظهورها في الجمع؛ نحو أساود وجداول. فأما مقام يقوم علمًا فإن العين وإن ظهرت في تكسيرهما -وهو مقاوم ويقاوم- فإنها في الواحد معتلة؛ ألا "ترى٤ أنها" في "مقام" مبدلة وفي "يقوم" مضعفة بالإسكان لها ونقل الحركة إلى الفاء عنها. فإذا كنت تختار فيما تحركت٥ واو واحدة وظهرت في جمعه الإعلال، صار القلب فيما ضعفت واوه بالقلب، وبألا تصح في جمعه واجبًا لا جائزًا. وأما واو عجوز فأظهر أمرًا في وجوب الإعلال من يقوم ومقام٦؛
стр. 1011
فذهب الكسائي فيه إلى أن أصله وآر، وأنه فعال من وأرت النار إذا حفرت لها الإرة١، فخففت الهمزة فصارت لفظًا إلى ووار فهمزت الفاء البتة فصارت: أوار. ولم يأت منهم٢ على أصله: وآر ولا٣ مخففا "مبدل٤ العين": ووار. وكلاهما يبيحه القياس ولا يحظره.
فأما قول الخليل في فعل من وأيت إذا خففته: أويٌ فقد رده أبو الحسن وأبو عثمان وما أبيا منه عندي٥ إلا مأبيًا.
وكذلك البرية فيمن أخذها٦ من برأ الله الخلق -وعليه أكثر الناس، والنبي عند سيبويه٧ ومن تبعه فيه، والذرية فيمن أخذها من ذرأ الله الخلق. وكذلك ترى وأرى ونرى ويرى في أكثر الأمر، والخابية، ونحو ذلك مما ألزم التخفيف. ومنه ما ألزم البدل، وهو النبي -عند سيبويه، وعيد؛ لقولهم: أعياد، وعييد.
ومن ذلك ما يبيحه٨ القياس في نحو يضرب ويجلس ويدخل ويخرج: من اعتقاب الكسر والضم على كل واحدة٩ من هذه العيون وأن يقال: يخرج ويخرج، ويدخل ويدخل، ويضرب ويضرب، ويجلس ويجلس، قياسًا على ما اعتقبت على عينه الحركتان معًا؛ نحو يعرش ويعرش ويشنق ويشنق١٠ ويخلق ويخلق١١، وإن كان
الكسر في عين١٢ مضارع فعل أولى به من يفعل؛ لما قد ذكرناه في شرح تصريف أبي عثمان، فإنهما على كل حال مسموعان أكثر السماع في عين مضارع فعل.
فاعرف ذلك ونحوه مذهبًا للعرب، فمهما ورد منه فتلقه عليه
стр. 1012
باب في وجوب الجائز
...
لأنها١ لاحظ لها في٢ الحركة. ولا تظهر أيضًا في التكسير، إنما تقول: عجائز ولا يجوز٣ عجاوز على كل٤ حال.
وكذلك تقول: ما قام إلا زيدًا أحدٌ فتوجب النصب إذا تقدم المستثنى، إلا في لغة ضعيفة. وذلك أنك قد كنت تجيز: ما قام أحد إلا زيدًا، فلما قدمت المستثنى لم تجد قبله ما تبدله منه، فأوجبت من النصب له ما كان جائزًا فيه. ومثله: فيما قائمًا رجل. وهذا معروف.
الثاني منهما وهو اعتزام أحد الجائزين. وذلك قولهم٥: أجنة في الوجنة.
قال أبو حاتم: ولا٦ يقولون٧: وجنة، وإن كانت جائزة. ومثله قراءة بعضهم: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ ٨ وجمع وثن ولم يأت فيه التصحيح: وثن. فأما أقتت ووقتت، ووجوه وأجوه "وأرقة٩ وورقة" ونحو ذلك فجميعه مسموع.
ومن ذلك قوله١٠:
وفوارسٍ كأوار حـ ... ـر النار أحلاس الذكور
стр. 1013
باب في إجراء اللازم مجرى غير اللازم وإجراء غير اللازم مجرى اللازم:
الأول منهما كقوله١:
الحمد لله العلي الأجلل
وقوله:
تشكو الوجى من أظللٍ وأظلل٢
وقوله:
وإن رأيت الحجج الرواددا ... قواصرا بالعمر أو مواددا٣
ونحو ذلك مما ظهر تضعيفه. فهذا عندنا على إجراء اللازم مجرى غير اللازم من المنفصل؛ نحو جعل لك وضرب٤ بكر؛ كما شبه غير اللازم "من ذلك"٥ باللازم فادغم؛ نحو ضر بكر وجعلك؛ فهذا٦ مشبه في اللفظ بشد ومد واستعد ونحوه مما لزم فلم يفارق.
ومن ذلك ما حكوه من قول بعضهم: عوى الكلب عوية. وهذا عندي وإن كان لازمًا فإنه أجرى مجرى بنائك من باب طويت فعلة وهو قولك: طوية.
стр. 1014
كقولك: امرأة١ جوية ولوية من الجوي٢ واللوي٣؛ فإن٤ خففت حركة العين فأسكنتها قلت: طوية وجوية ولوية فصححت العين ولم تعلها٥ بالقلب والادغام لأن الحركة فيها منوية.
وعلى ذلك قالوا٦ في فعلان من قويت: قويان، فإن أسكنوا صححوا العين أيضًا فقالوا: قويان، ولم يردوا اللام٧ أيضًا وإن زالت الكسرة من قبلها؛ لأنها مرادة في العين، فكذلك قالوا: عوى الكلب عوية تشبيهًا "بباب٨ امرأة" جوية ولوية وقويان، هذا الذي نحن بصدده.
فإن قلت: فهلا قالوا أيضًا٩ على قياس هذا: طويت الثوب طوية وشويت اللحم شوية، رجع الجواب الذي تقدم في أول الكتاب: من أنه لو فعل ذلك لكان قياسه قياس ما ذكرنا١٠، وأنه ليست لعوى فيه مزية على طوى وشوى؛ كما لم يكن لجاشم١١ ولا قاثم مزية يجب لها العدل بهما إلى جشم وقثم على مالك وحاتم، إذ لم يقولوا: ملك ولا حتم. وعلى أن ترك الاستكثار مما فيه إعلال أو استثقال هو القياس.
стр. 1015
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "فقلا له قولا لينا"١ وذلك أنه أجرى حركة اللام ههنا -وإن كانت لازمة- مجراها إذا٢ كانت غير لازمة في نحو قول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمّ﴾ ٣ و ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ ٤، وقوله:
زيادتنا نعمان لا تنسينها ... خف الله فينا والكتاب الذي تتلو٥
ويروى "تق الله فينا"٦. ويروى:
.....تنسينها اتـ ... ـق الله فينا
ونحوه ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
وأطلس يهديه إلى الزاد أنفه ... أطاف بنا والليل داجي العساكر
فقلت لعمروٍ صاحبي إذ رأيته ... ونحن على خوٍص دقاقٍ عواسر٧
أي عوى الذئب فسر أنت. فلم يحفل الراء فيرد العين التي كانت حذفت لالتقاء الساكنين فكذلك شبه ابن مسعود حركة اللام من قوله: "فقلا له"٨ -وإن كانت لازمة- بالحركة لالتقاء الساكنين في ﴿قُلِ اللَّهُمّ﴾ و ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ وحركة الإطلاق الجارية مجرى حركة٩ التقائهما في سر١٠.
стр. 1016
ومثله قول الضبي:
في فتيةٍ كلما تجمعت الـ ... ـبيداء لم يهلعوا ولم يخموا١
يريد: ولم يخيموا. فلم يحفل بضمة٢ الميم، وأجراها مجرى غير اللازم فيما ذكرناه٣ وغيره فلم يردد العين المحذوفة من لم يخم. وإن شئت قلت في هذين: إنه اكتفى بالحركة من الحرف، كما اكتفى الآخر بها منه في قوله:
كفاك كف ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما
وقول الآخر:
... بالذي تردان
أي بالذي٤ تريدان٥. وسيأتي هذا في بابه.
الثاني منهما وهو إجراء غير اللازم مجرى اللازم وهو كثير. من ذلك قول بعضهم في الأحمر إذا خففت همزته: لحمر حكاها أبو عثمان. ومن قال: الحمر قال: حركة اللام٦ غير لازمة، إنما هي لتخفيف الهمزة والتحقيق لها جائز فيها. ونحو ذلك قول الآخر:
قد كنت تخفي حب سمراء حقبةً ... فبح لان منها بالذي أنت بائح٧
فأسكن الحاء التي كانت متحركة لالتقاء الساكنين في بح الآن لما٨ تحركت للتخفيف٩ اللام.
стр. 1017
وعليه قراءة من قرأ: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ ١ فأثبت واو "قالوا" لما تحركت لام لان. والقراءة القوية: "قاللان" بإقرار الواو على حذفها لأن الحركة عارضة للتخفيف.
وعلى القول الأول قول الآخر٢:
حدبدبي بدبدبي منكم لان ... إن بني فزارة بن ذيبان
قد طرقت ناقتهم بإنسان ... مشيأ سبحان ربي الرحمن
أسكن ميم "منكم" لما تحركت لام "لان" وقد كانت مضمومة عند التحقيق في قولك: منكم الآن، فاعتد٣ حركة التخفيف، وإن لم تكن لازمة. وينبغي أن تكون قراءة أبي عمرو: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ ٤ على هذه اللغة، وهي قولك مبتدئًا: لولى، لأن الحركة على هذا في اللام أثبت منها على قول من قال: الحمر. وإن كان حملها أيضًا على هذا جائزًا، لأن الادغام وإن كان بابه أن يكون في المتحرك فقد أدغم أيضًا في الساكن فحرك في شد ومد وفرّ يا رجل وعض ونحو ذلك. ومثله ما أنشده أبو زيد:
ألا يا هند هند بني عميرٍ ... أرثٌ لان وصلك أم جديد
ادغم تنوين رثّ في لام لان.
стр. 1018
ومما نحن على سمته قول الله ﴿لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ١ وأصله: لكن أنا فخففت الهمزة "بحذفها٢ وإلقاء" حركتها على نون لكن فصارت لكننا٣ فأجرى غير اللازم مجرى اللازم فاستثقل التقاء المثلين متحركين فأسكن الأول وادغم في الثاني فصار: لكنا كما ترى. وقياس قراءة من قرأ: قاللان فحذف الواو ولم يحفل بحركة اللام أن يظهر النونين٤ هنا لأن حركة الثانية غير لازمة فيقول: لكننا بالإظهار كما تقول في تخفيف حوأبة٥ وجيئل٦: حوبة وجيل، فيصح حرفا اللين هنا، ولا يقلبان لما كانت حركتهما غير لازمة.
ومن ذلك قولهم في تخفيف رؤيا ونؤي: رويا ونوي فتصح الواو هنا وإن سكنت قبل الياء من قبل أن التقدير فيهما٧ الهمز٨ كما صحت في ضوٍ ونوٍ تخفيف ضوء ونوء لتقديرك الهمز وإرادتك إياه. وكذلك أيضًا صح نحو شى وفي في تخفيف شيء وفيء لذلك٩.
وسألت أبا علي ﵀ فقلت: من أجرى غير اللازم مجرى اللازم فقال: لكنا كيف قياس قوله إذا خفف نحو حوءبة وجيئل أيقلب فيقول: حابة وجال أم يقيم "على التصحيح فيقول حوبة وجيل"١٠ فقال: القلب هنا لا سبيل إليه. وأومأ إلى أنه أغلظ من الادغام فلا يقدم عليه.
стр. 1019
فإن قيل فيما بعد؛ فقد قلبت العرب الحرف للتخفيف، وذلك "قول بعضهم"١ ريا ورية في تخفيف رؤيا ورؤية "وهذا واضح، قيل: الفرق أنك لما صرت إلى لفظ رويا وروية"٢ ثم قلبت الواو "إلى٣ الياء" فصار٤ إلى ريا ورية، إنما٥ قلبت حرفا إلى آخر كأنه هو؛ ألا ترى إلى قوة شبه الواو بالياء، وبعدها عن الألف فكأنك لما قلبت مقيم على الحرف نفسه ولم تقلبه لأن الواو كأنها هي الياء نفسها وليست كذلك الألف لبعدها عنهما بالأحكام الكثيرة التي قد أحطنا بها علمًا. وهذا فرق. وما٦ يجري من كل واحد من الفريقين مجرى صاحبه كثير وفيما مضى من جملته كاف.
стр. 1020
باب في إجراء المتصل مجرى المنفصل، وإجراء المنفصل مجرى المتصل:
فمن الأول قولهم: اقتتل القوم واشتتموا. فهذا بيانه "نحو من بيان"١ "شئت تلك"٢ وجعل لك إلا أنه أحسن من قوله:
الحمد لله العلي الأجلل
وهذا٣ لأن إنما يظهر مثله ضرورة وإظهار٤ نحو اقتتل واشتتم مستحسن وعن غير ضرورة.
وكذلك باب قولهم: هم يضربونني وهما يضربانني أجري -وإن كان متصلًا- مجرى يضربان نعم ويضربون٥ نافعًا. ووجه الشبه بينهما أن نون الإعراب هذه٦ لا يلزم٧ أن يكون بعدها نون؛ ألا ترى أنك تقول: يضربان زيدًا ويكرمونك ولا تلزم٨ هي أيضًا، نحو لم يضرباني. ومن ادغم نحو هذا واحتج بأن المثلين في كلمة واحدة فقال: يضرباني و"قال٩ تحاجونا" فإنه يدغم أيضًا نحو اقتتل، فيقول: قتل. ومنهم من يقول: قتل ومنهم من يقول: قتل. ومنهم من يقول: اقتل، فيثبت همزة الوصل مع حركة القاف، لما كانت الحركة عارضة للنقل أو لالتقاء١٠ الساكنين وهذا مبين في فصل الادغام.
ومن ضد ذلك١١ قولهم: ها الله ذا١٢، أجرى مجرى دابةٍ وشابةٍ. وكذلك قراءة من قرأ ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾ ١٣ و ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا﴾ ١٤ ومنه -عندي- قول الراجز -فيما أنشده١٥ أبو زيد:
من أي يومي من الموت أفرّ ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر