فيقيم على ذلك زمانا، ثم يعرض له فيما بعد من الجفوف واليبس ما يعرض لما هذه سبيله، فإذا استقر على ذلك اليبس وتمكن فيه "حتى ينخر"١ لم يغن عنه فيما بعد أن تعيده٢ إلى قعر البحر فيقيم فيه مائة عام؛ لأنه قد كان بعد عن الرطوبة بعدا أوغل فيه، حتى أيأس من معاودته البتة إليها٣.
فهذه حال إقرار الحكم مع زوال العلة، وهو الأقل في كلامهم. وعلى طرف من الملامحة له قول الله : ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ ٤.
ومنها أنهم قد٥ قلبوا الواو ياء قلبًا صريحًا لا عن علة مؤثرة أكثر من الاستخفاف، نحو قولهم: رجل غديان٦، وعشيان٦، والأريحية٧، ورياح، ولا كسرة هناك، ولا اعتقاد كسرة فيه قد٧ كانت في واحده، لأنه ليس جمعًا فيحتذى به٨ ويقتاس٩ به١٠ على حكم واحده. وكذلك قول الآخر:
جول التراب فهو جيلاني١١
فإذا١٢ جنحوا إلى الياء هذا الجنوح العاري من السبب المؤثر١٣ سوى ما فيه من الاسترواح إليه، كان قلب الأثقل إلى الأخف وبقاؤه على ذلك لضرب من التأول أولى وأجدر.
стр. 1087
نعم، وإذا كانوا قد أقروا حكم الواحد على تكسيره مع ثقل ما صاروا إليه مراعاة لأحكامه؛ نحو بأز وبئزان حتى شبهوه برأل ورئلان، كان إقرار قلب الأثقل إلى الأخف عند التكسير أولى وأجدر١؛ ألا ترى أن الهمزة أثقل من الياء. وكذلك قولهم لياح -وإنما هو فعال من لاح يلوح لبياضه- قد راعوا فيه انقلاب عينه مع الكسرة في "لياح" على ضعف هذا الأثر؛ لأنه ليس بجمع "كحياض ورياض"٢ ولا مصدر كقيام وصيام. فإقرار الحكم القوي الوجوب٣ في الواحد عند تكسيره أجدر بالجواز.
وكذلك حديث قنية وصبيان وصبية في إقرار الياء بحالها، مع زوال الكسرة في صبيان وقنية. وذلك أن القلب مع الكسرة لم يكن له قوة في القياس، وإنما كان مجنوحًا به إلى الاستخفاف. وذلك أن الكسرة لم تل الواو؛ ألا ترى أن بينهما حاجزًا وإن كان ساكنًا فإن مثله في أكثر اللغة يحجز. وذلك نحو جرو وعلوٍ، وصنو، وقنو، ومجولٍ، ومقولٍ٤، و"قرواح، وجلواخ، وقرواش، ودرواس"٥ وهذا كثير فاشٍ. فلما أعلوا في صبية وبابه، علم أن أقوى سببي القلب إنما هو طلب الاستخفاف، لا متابعة الكسر مضطرًا إلى الإعلال. فلما كان الأمر كذلك أمضوا العزمة في ملازمة الياء؛ لأنه لم يزل من الكسرة مؤثر يحكم القياس
стр. 1088
له بقوة فيدعو زواله إلى المصير إلى ضد١ الحكم الذي كان وجب به. وليس هذا كمياثق٢؛ من قبل أن القلب في ميثاق واجب، والقلب في قنية وصبية ليس بواجب. فكأن باب ميثاق أثر في النفس أثرًا قوي الحكم فقرره٣ هناك، فلما زال بقي حكمه دالًّا على قوة الحكم الذي٤ كان به، وباب صبية وعلية أقر حكمه٥ مع زوال الكسرة عنه٦، اعتذارًا في ذلك بأن الأول لم يكن عن وجوب فيزال عنه لزوال ما دعا إليه، وإنما كان استحسانًا، فليكن مع زوال الكسر أيضًا استحسانًا.
أفلا ترى إلى اختلاف حال الأصلين في الضعف والقوة، كيف صرت له٧ بهما إلى فرع واحد، وهو القلب. فإنه جيد في معناه، ونافع في سواه، مما شرواه٨. "ومن بعد"٩ فقد قالوا أيضًا: صبوان وصبوة وقنوة؛ وعلى أن البغداديين قالوا: قنوت، وقنيت، وإنما كلامنا على ما أثبته أصحابنا، وهو قنوت لا غير.
ومن بقاء الحكم مع زوال علته قول الراجز١٠:
لما رأى أن لادعه ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقفٍ فالطجع
وهو افتعل من الضجعة. وأصله: "فاضتجع فأبدلت التاء طاء لوقوع الضاد قبلها١١، فصارت"١٢: فاضطجع، ثم أبدل الضاد لامًا. وكان سبيله "إذ أزال"١٣ جرس الضاد أن تصح١٤ التاء، فيقال: فالتجع؛ كما يقال: التحم١٥، والتجأ، لكنه أقرت١٦ الطاء
بحالها؛ إيذانًا بأن هذا القلب الذي دخل الضاد إلى اللام لم يكن عن استحكام، ولا عن وجوب؛ كما أن صحة الواو في١٧ قوله١٨:
وكحل العينين بالعواور
إنما جاء لإرادة الياء في العواوير١٩، وليعلم أن هذا الحرف ليس بقياس ولا منقاد.
فهذه طريق بقاء الأحكام، مع زوال العلل والأسباب. فاعرف ذلك؛ فإنه كثير جدًّا.
стр. 1089
باب في توجه اللفظ الواحد إلى معنيين اثنين:
وذلك في الكلام على ضربين:
أحدهما -وهو الأكثر- أن يتفق اللفظ البتة، ويختلف في تأويله.
وعليه عامة الخلاف؛ نحو قولهم: هذا أمر لا ينادى وليده؛ فاللفظ غير مختلف فيه، لكن يختلف في تفسيره.
فقال قوم١: إن الإنسان يذهل عن ولده لشدته، فيكون هذا كقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ ٢ وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ ٣ "والآي في هذا المعنى كثيرة"٤.
стр. 1090
وقال قوم: أي هو أمر عظيم فإنما ينادى فيه الرجال والجلة لا الإماء والصبية.
وقال آخرون: الصبيان١ إذا ورد الحي كاهن أو حواء أو رقاء حشدوا عليه، واجتمعوا له٢. أي ليس هذا اليوم بيوم أنس ولهو، إنما هو يوم تجرد، وجد.
وقال آخرون -وهم أصحاب المعاني: أي لا وليد فيه فينادي "وإنما فيه الكفاة والنهضة"٣ ومثله قوله٤:
على لا حل لا يهتدي بمناره
أي لا منار فيه فيهتدى به٥، وقوله أيضًا:
لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الذئب بها ينجحر٦
أي لا أرنب بها فتفزعها٧ أهوالها.
ونحوه -عندي- بيت الكتاب:
وقدرٍ ككف القرد لا مستعيرها ... يعار ولا من يأتها يتدسم٨
стр. 1091
أي لا مستعير يستعيرها فيعارها؛ لأنها -لصغرها ولؤمها- مأبية معيفة١. وكذلك قوله٢:
زعموا أن كل من ضرب العيـ ... ـر مولٍ لنا وأنا الولاء
على ما فيه من الخلاف٣.
وعلى ذلك عامة ما جاء في القرآن، وفي حديث النبي ﷺ ومن بعده رضوان الله عليهم، وما وردت به الأشعار، وفصيح الكلام.
وهذا باب في نهاية الانتشار، وليس عليه عقد هذا الباب. وإنما الغرض الباب الآخر الأضيق الذي ترى لفظه على صورة، ويحتمل أن يكون على غيرها، كقوله٤:
نطعنهم سلكى ومخلوجةً ... كرك لامين على نابل
فهذا ينشد على أنه ما تراه٥: كرك لامين "أي ردك لامين"٦ -وهما سهمان- على نابل. ذلك أن تعترض٧ من٨ صاحب النبل شيئًا منها فتتأمله٩ ترده١٠ إليه، فيقع
стр. 1092
بعضه كذا وبعضه كذا. فكذلك قوله١: كرك لامين أي طعنًا مختلفًا: بعضه كذا وبعضه كذا. ويروى أيضًا على أنه: كر كلامين أي كرك كلامين على صاحب النبل؛ كما تقول٢ له: ارم ارم، تريد السرعة والعجلة. ونحو من ذلك -وإن كان فيه أيسر خلافٍ- بيت المثقب العبدي:
أفاطم قبل بينك نوليني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني٣
فهذه رواية الأصمعي: أي منعك كبينك، وإن كنت مقيمة. ومثله: "قول الطائي"٤ الكبير:
لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عند نوًى قدفا٥
ورواه٦ ابن الأعرابي:
ومنعك ما سألتك أن تبيني
أي منعك٧ إياي ما سألتك هو بينك. ورواية الأصمعي أعلى وأذهب في معاني الشعر.
ومن ذلك ما أنشده أبو زيد:
وأطلس يهديه إلى الزاد أنفه ... أطاف بنا والليل داجي العساكر
فقلت لعمرو صاحبي إذ رأيته ... ونحن على خوص دقاق عواسر
أي عوى هذا الذئب، فسر أنت.
стр. 1093
وأنشدنا أبو علي:
خليلي لا يبقى على الدهر فادر ... بتيهورة بين الطخا فالعصائب١
أي بين هذين الموضعين، وأنشدناه أيضًا: بين الطخاف العصائب.
وأنشد أيضًا٢:
أقول للضحاك والمهاجر ... إنا ورب القلص الضوامر٣
إنا أي٤ تعبنا، من الأين، وهو التعب والإعياء. وأنشد٥ أبو زيد:
هل تعرف الدار ببيدا إنه ... دار لخود قد تعفت إنه
فانهلت العينان تسفحنه ... مثل الجمان جال في سلكنه
لاتعجبي مني سليمى إنه ... إنا لحلالون بالثغرنه
وهذه أبيات عملها٦ أبو علي في المسائل البغدادية. فأجاز في جميع قوافيها أن يكون أراد: إن، وبين الحركة بالهاء، وأطال فيها هناك. وأجاز أيضًا أن يكون أراد: ببيداء٧ ثم صرف وشدد التنوين للقافية٨، وأراد: في سلك، فبنى منه فعلنًا كفرسن،
стр. 1094
ثم شدده لنية الوقف، فصار؛ سلكن. وأراد: بالثغر، فبنى منه للضرورة١ فعلنا٢، وإن لم يكن٣ هذا مثالًا معروفًا؛ لأنه أمر ارتجله مع الضرورة إليه، وألحق الهاء في سلكنه والثغرنه؛ كحكاية الكتاب٤: أعطني أبيضه. وأنشدوا قوله:
نفلق هاما لم تنله سيوفنا ... بأيماننا هام الملوك القماقم
وإنما هو: ها من لم تنله سيوفنا. فـ"ها" تنبيه، و"من لم تنله سيوفنا" نداء أي يا من لم ننله سيوفنا خفنا فإنا٥ من عادتنا أن نفلق بسيوفنا هام الملوك، فكيف من سواهم.
ومنه المثل السائر: زاحم بعود أو دع، أي زاحم بقوة أو فاترك ذلك، حتى توهمه بعضهم: بعود أو دع، فذهب إلى أن "أودع" صفة لعود؛ كقوله٦: بعود أو قص أو أوطف أو نحو ذلك مما جاء على أفعل وفاؤه واو.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٧. فذهب٨ الخليل وسيبويه فيه إلى٩ أنه وي مفصول، وهو اسم سمي به الفعل في الخبر، وهو معنى١٠ أعجب، ثم قال مبتدئًا: كأنه لا يفلح الكافرون وأنشد فيه:
وي كأن من يكن له نشب يحـ ... ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضر١١
стр. 1095
وذهب أبو الحسن فيه إلى أنه: ويك أنه لا يفلح الكافرون، أراد: ويك أي أعجب أنه لا يفلح الكافرون، أي أعجب لسوء اختيارهم "ونحو ذلك"١ فعلق "أن" بما في "ويك" من معنى الفعل، وجعل الكاف حرف خطاب بمنزلة كاف ذلك وهنالك. قال أبو علي ناصرًا لقول سيبويه: قد جاءت كأن كالزائدة، وأنشد بيت عمر٢:
كأنني حين أمسي لا تكلمني ... ذو بغية يشتهى ما ليس موجودا
أي أنا كذلك. وكذلك٣ قول الله سبحانه ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي "هم لا يفلحون"٤. "وقال الكسائي: أراد: ويلك ثم حذف اللام"٥.
ومن ذلك بيت الطرماح:
وما جلس أبكار أطاع لسرحها ... جنى ثمر بالواديين وشوع٦
قيل فيه قولان: وشوع أي كثير٧. ومنه قوله:
إني امرؤ لم أتوشع بالكذب
أي لم أتحسن به ولم أتكثر به. وقيل: إنها واو العطف والشوع: ضرب من النبت.
стр. 1096
ونحو من ذلك ما أنشده أبو زيد "من قول الشاعر"١:
خالت خويلة أني هالك ودأ
قيل: إنه٢ واو عطف أي إني هالك وداء١ من قولهم: رجل داءٌ أي دوٍ، ثم قلب. وحدثنا عن ابن سلام أن أعرابيًا قال للكحال: كحلني بالمكحال الذي تكحل به العيون الداءة. وأجاز أيضًا في قوله: "ودأ" أن يكون فعلا من قوله٣:
وللأرض كم من صالح قد تودأت ... عليه فوارته بلماعةٍ قفر
أي غطته وثقلت عليه. فكذلك يكون قوله: إني هالك كدًا٤ وثقلًا، وكان يعتمد التفسير الأول، ويقول: إذا كانت الواو للعطف كان المعنى أبلغ وأقوى٥ وأعلى؛ كأنه ذهب٦ إلى ما يراه أصحابنا من قولهم في التشهد: التحيات لله، والصلوات لله٧، والطيبات. قالوا: لأنه إذا عطف كان أقوى له٨، وأكثر لمعناه، من أن يجعل
стр. 1097
الثاني مكررًا على الأول بدلًا أو وصفًا. وقال الأصمعي في قوله١:
وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
أراد جمع عدة. وقال٢ الفراء: أراد عدة٣ الأمر، فلما أضاف حذف الهاء؛ كقول الله سبحانه: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ ٤ وهذا يجيء في قول الأصمعي على القلب؛ فوزنه على قوله: علف الأمر.
وهذا باب واسع. وأكثره في الشعر. فإذا مر بك فتنبه عليه "ومنه٥ قوله:
وغلت بهم سجحاء جارية ... تهوي بهم في لجة البحر٦
стр. 1098
يكون: فعلت من التوغل. وتكون الواو أيضًا عاطفة فيكون من الغليان. ومنه قوله١:
غدوت بها طيًّا يدي برشائها
يكون فعلى من طويت. ويجوز أن يكون تثنية طي، أي طيا يدي، وأراد: طياها٢ بيدي فقلب".
ومنه بيت أوس:
فملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغرقئ كنه بيض القيض من عل٣
"الأصمعي: هو من الملك وهو التشديد. وقال ابن الأعرابي"٤: أراد: من لك بهذا الليط.
ومنه بيت الخنساء:
أبعد ابن عمرو من آل الشريـ ... ـد حلت به الأرض أثقالها٥
هو من الحلية أي زينت به موتاها. وقال ابن الأعرابي: هو من الحل كأنه لما مات "انحل به"٦ عقد الأمور.
стр. 1099
باب في الاكتفاء بالسبب من المسبب وبالمسبب من السبب:
هذا موضع١ من العربية شريف لطيف، وواسع لمتأمله كثير. وكان أبو علي ﵀ يستحسنه، ويعنى به. وذكر منه مواضع قليلة. ومر بنا نحن منه٢ ما لا نكاد نحصيه.
فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ ٣ وتأويله٤ -والله أعلم: فإذا أردت قراءة القرآن؛ فاكتفى بالمسبب الذي هو القراءة من السبب الذي هو الإرادة. وهذا أولى من تأول من ذهب إلى أنه أراد: فإذا استعدت٥ فاقرأ؛ لأن فيه قلبًا لا ضرورة بك إليه. وأيضًا فإنه ليس كل مستعيذ بالله واجبةً عليه القراءة ألا ترى إلى قوله:
أعوذ بالله وبابن مصعب ... الفرع من قريشٍ المهذب٦
وليس أحد أوجب عليه من طريق الشرع القراءة في هذا الموضع.
وقد يكون على ما قدمنا قوله عز اسمه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ ٧ أي إذا أردتم القيام لها، والانتصاب فيها.
ونحو منه ما أنشده أبو بكر٨:
قد علمت إن لم أجد معينا ... لأخلطن بالخلوق طينا
стр. 1100
يعني امرأته. يقول١: إن لم أجد من يعينني على سقي الإبل قامت فاستقت معي، فوقع الطين على خلوق يديها٢. فاكتفى بالمسبب الذي هو اختلاط الطين بالخلوق من السبب الذي هو الاستقاء معه.
ومثله قول الآخر:
يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ... إن العواذل لسن لي بأمير٣
أراد: لا تلمنني، فاكتفى بإرادة اللوم منه، وهو تالٍ لها ومسبب عنها. وعليه قول الله تعالى ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ٤ أي فضرب فانفجرت؛ فاكتفى بالمسبب الذي هو الانفجار من السبب الذي هو الضرب. وإن شئت أن تعكس هذا٥ فتقول: اكتفى بالسبب الذي هو القول، من المسبب الذي هو الضرب.
ومثله قوله:
إذا ما الماء خالطها سخينا٦
إن شئت قلت: اكتفى بذكر مخالطة الماء لها -وهو السبب- من الشرب وهو المسبب. وإن شئت قلت اكتفى بذكر السخاء -وهو المسبب- من ذكر الشرب وهو السبب.
ومثله قول الله عز اسمه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ ٧ أي فحلق فعليه فدية. وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٨ أي فأفطر فعليه كذا.
стр. 1101
ومنه١ قول رؤبة:
يا رب إن أخطأت أو نسيت ... فأنت لا تنسى ولا تموت٢
وذلك أن حقيقة الشرط وجوابه، أن يكون الثاني مسببًا عن الأول "نحو قوله: إن زرتني أكرمتك فالكرامة مسببة عن الزيارة"٣ وليس كون الله سبحانه غير ناس ولا مخطئا أمرا٤ مسببا عن خطأ رؤبة، ولا عن إصابته، إنما تلك صفة له -عز اسمه- من صفات نفسه٥. لكنه كلام٦ محمول على معناه، أي إن أخطأت أو نسيت فاعف عنى؛ لنقصي وفضلك. فاكتفى بذكر الكمال والفضل -وهو السبب- من العفو وهو المسبب.
ومثله بيت الكتاب:
إني إذا ما جئت نار لمرملة ... ألفى بأرفع تل رافعا نارى٧
وذلك "أنه إنما"٨ يفخر ببروز بيته لقرى الضيف وإجارة٩ المستصرخ؛ كما أنه إنما يذم من أخفى بيته وضاءل شخصه، بامتناعه من ذلك. فكأنه قال إذًا١٠: إني١١ إذا منع غيري وجبن، أعطيت وشجعت١٢. فاكتفى بذكر السبب -وهو "التضاؤل والشخوص"١٣- من المسبب وهو المنع والعطاء.
стр. 1102
ومنه بيت الكتاب:
فإن تنجل سدوس بدرهيهما ... فإن الريح طيبة قبول١
أي إن بخلت تركناها وانصرفنا عنها. فاكتفى بذكر طيب الريح المعين على الارتحال عنها.
ومنه قول الآخر: د
فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا٢
يعنى سيوفا٣، أي فإنا٤ نضركم بسيوفنا. فاكتفى بذكر السيوف من ذكر الضرب بها٤. وقال:
يا ناق ذات الوخد والعنيق ... أما ترين وضح الطريق٥
أي فعليك بالسير٦. وأنشد أبو العباس:
ذر الآكلين الماء ظلما؛ فما أرى ... ينالون خيرا بعد أكلهم الماء٧
وقال: هؤلاء قوم كانوا يبيعون الماء، فيشترون بثمنه ما يأكلون، فقال: الآكلين الماء؛ لأن ثمنه سبب أكلهم ما يأكلونه. ومر بهذا الموضع٨ بعض٩ مولدى البصرة، فقال:
جزت بالساباط يوما ... فإذا القينة تلجم
стр. 1103
وهذا إنسان كانت له جارية تغنى، فباعها، واشترى بثمنها برذونا، فمر به هذا الشاعر وهو يلجم، فسماه قينة؛ إذ كان شراؤه مسببًا عن ثمن القينة. وعليه قول الله سبحانه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ١ "وإنما يعصر عنبا يصير خمرا"٢ فاكتفى بالمسبب الذي هو الخمر من السبب الذي هو العنب٣. وقال الفرزدق:
قتلت قتيلا لم ير الناس مثله ... أقبله ذا تومتين مسورا٤
وإنما قتل حيا يصير بعد قتله قتيلا، فاكتفى بالمسبب من السبب. وقال:
قد سبق الأشقر وهو رابض ... فكيف لا يسبق إذا يراكض
يعنى مهرا سبقت أمه وهو في جوفها؛ فاكتفى بالمسبب الذي هو المهر، من السبب الذي هو الأم. وهو كثير جدًا. فإذا مر بك فاضممه إلى ما "ذكرنا منه"٥:
باب في كثرة الثقيل، وقلة الخفيف:
هذا موضع من كلامهم طريف، وذلك أنا قد أحطنا٦ علما بأن الضمة أثقل من الكسرة، وقد ترى مع ذلك إلى كثرة٧ ما توالت فيه الضمتان؛ نحو طُنُب، وعُنُق، وفُنُق٨، وحُشُد٩، وجُمُد١٠، وسُهُد١١، وطُنُف١٢، وقلة نحو إبل. وهذا موضع محتاج إلى نظر.
وعلة ذلك عندى أن بين المفرد والجملة أشباها.
стр. 1104
منها وقوع الجملة موقع المفرد من الصفة، والخبر، والحال. فالصفة نحو مررت برجل وجهُه حسن. والخبر نحو زيد قام أخوه. والحال كقولنا: مررت بزيد فرسه واقفة.
ومنها أن بعض الجمل قد١ تحتاج٢ إلى جملة ثانية احتياج المفرد إلى المفرد. وذلك في الشرط وجزائه٣، والقسم وجوابه.
فالشرط نحو قولك: إن قام زيد قام عمرو. والقسم نحو قولك: أقسم ليقومن زيد. فحاجة٤ الجملة الأولى إلى الجملة٥ الثانية كحاجة الجزء الأول من الجملة إلى الجزء الثاني؛ نحو زيد أخوك، وقام أبوك.
ومنها أن المفرد قد أوقع موقع الجملة في مواضع؛ كنعم، ولا؛ لأن كل واحد من هذين الحرفين نائب٦ عن الجملة، ألا ترى إلى٧ قولك: نعم في موضع قد كان ذاك، "ولا في موضع لم يكن ذاك"٨ وكذلك صه، ومه، وإيه، وأف، وآوتاه، وهيهات: كل واحد منها جزء مفرد وهو قائم برأسه، وليس للضمير الذي فيه٩ استحكام الضمير في الفعل. "يدل على ذلك أنه لما ظهر في بعض أحواله ظهر مخالفا للضمير في الفعل"١٠ وذلك قول الله سبحانه: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ﴾ ١١ وأنت لا تقول في الفعل: اضربُم ولا ادخلُم ولا اخرجُم، ولا نحو ذلك.
стр. 1105
فلما كانت بين المفرد١ وبين الجملة هذه الأشباه والمقاربات وغيرها، شبهوا توالي الضمتين في نحو سُرُح٢ وعُلُط٣، بتواليهما في٤ نحو زيد قائم، ومحمد سائر٥. وعلى ذلك قال بعضهم: الحمدُ لُله، فضم لام الجر إتباعا لضمة الدال، وليس كذلك الكسر في نحو إبل، لأنه لا يتوالى في الجملة الجرّان؛ كما يتوالى الرفعان.
فإن قلت: فقد قالوا: "الحمدِ لِله" فوالوا بين الكسرتين، كما والوا بين الضمتين، قيل: الحمدُ لُله هو الأصل، ثم٦ شبه به الحمد لله؛ ألا ترى أن إتباع الثاني للأول -نحو مُد وفِر وضَن- أكثر من إتباع الأول للثاني؛ نحو: اُقتُل. وإنما كان كذلك٧ لأن تقدم السبب أولى من تقدم المسبب؛ لأنهما يجريان مجرى العلة والمعلول٨؛ وعلى أن ضمة الهمزة في نحو: اقتل لا تعتد٩، لأن الوصل يزيلها، فإنما١٠ هي عارضة، وحركة نحو مُد وفِر وعَض ثابتة مستمرة في الوصل الذي هو العيار، وبه الاعتبار١١. وأيضا فإنه١٢ إذا انضم الأول، وأريد تحريك الثاني كانت الضمة أولى به من الكسرة والفتحة. أما الكسرة فلأنك تصير إلى لفظ فُعِل١٣، وهذا مثال لا حظَّ فيه للاسم، وإنما هو أمر يخصّ الفعل. وأما دُئل فشاذّ. وقد يجوز أن يكون منقولا أيضا كبَدَّر١٤ وعَثَّر١٥.
стр. 1106
فإن قيل: فإن دئلا نكرة غير علم، وهذا النقل إنما هو أمر يخص العلم، نحو يشكر ويزيد وتغلب.
قيل: قد يقع النقل في النكرة أيضًا. وذلك الينجلب١. فهذا منقول من مضارع انجلب الذي هو مطاوع٢ جلبته؛ ألا ترى إلى قولهم٣ في التأخيذ: أخذته بالينجلب، فلم يحر٤ ولم يغب. ومثله رجل أباترٌ. وهو٥ منقول من مضارع باترت، فنقل فوصف به. وله نظائر.
فهذا٦ حديث فعل.
وأما فعل فدون فعل أيضًا. وذلك أنه كثيرًا ما يعدل عن أصول كلامهم، نحو عمر، وزفر، وجشم، وقثم، وثعل، وزحل. فلما كان كذلك لم يتمكن عندهم تمكن فعل الذي ليس معدولا. ويدلك على انحراف فعل عن بقية الأمثلة الثلاثية٧ غير ذوات الزيادة انحرافهم٨ بتكسيره عن جمهور تكاسيرها. وذلك نحو جعلٍ وجعلان، وصرد، وصردان، ونغر، ونغران، "وسلك، وسلكان"٩، فاطراد هذا في فعل مع عزته في غيرها، يدلك على أن له فيه خاصية انفرد بها، وعدل عن نظائره إليها. نعم، وقد ذهب أبو العباس إلى أنه "كأنه منقوص"١٠ من فعالٍ. واستدل على ذلك
стр. 1107
باستمراره على فعلان؛ قال: فجرذان وصردان في بابه كغراب وغربان، وعقاب وعقبان. وإذا كان١ كذلك ففيه تقوية لما نحن عليه؛ ألا ترى أن
فعُالأ أيضًا مثال٢ قد يؤلف العدل٣، نحو أحاد، وثناء وثلاث، ورباع. وكذلك إلى٤ عشار، قال٥:
ولم يستريثوك حتى علو ... ت فوق الرجال خصالا عشارا
ومما يسأل عنه من هذا الباب كثرة الواو فاءً، وقلة الياء هناك. وذلك نحو وعد، ووزن، وورد، ووقع، ووضع، ووفد٦، على قلة باب يمن ويسر. وذلك أن سبب كثرة الواو هناك٧ أنك قادر متى انضمت٨ أو انكسرت أن تقلبها همزة. وذلك نحو أعد وأجوهٍ وأرقة واصلة وإسادة وإفادة. وإذا تغير الحرف الثقيل فكان تارة كذا وأخرى كذا كان أمثل من أن يلزم محجة واحدة. والياء "إذا وقعت أولا و"٩ انضمت أو٨ انكسرت لم تقلب همزة ولا غيرها.
فإن قلت فقد قالوا: باهلة بن أعصر ويعصر، وقالوا١٠:
طاف والركب بصحراء يسر
وأسر، وقالوا: قطع الله يديه وأديه.
стр. 1108
قيل: أما أعصر فهمزته هي الأصل، والياء في يعصر بدل منها. يدل على هذا أنه إنما بذلك١ لبيت قاله؛ وهو:
أبني إن أباك شيب رأسه ... كر الليالي واختلاف الأعصر
فالياء في يعصر إذًا بدل من همزة أعصر. وهذا ضد ما أردته، وبخلاف ما توهمته. وأما أسر ويسر فأصلان، كل واحد منهما قائم بنفسه، كيتن٢، وأتن وألملم٣، ويلملم. وأما أديه ويديه فلعمري إن الهمزة فيه بدل من الياء؛ بدلالة يديت إليه وأيدٍ ويدي ونحو ذلك، لكنه ليس البدل من ضرب إبدال الواو همزة. وذلك أن الياء مفتوحة والواو إذا كانت مفتوحة شذ فيها البدل، نحو أناة وأجم٤. فإذا كان هذا حديث الواو التي يطرد إبدالها فالياء حرى ألا يكون البدل فيها إلا لضرب من الاتساع، وليس طريقه الاستخفاف والاستثقال.
فإن قلت: فالهمزة٥ على كل حال أثقل من الواو، فكيف عدل عن الأثقل إلى ما هو أثقل منه؟.
стр. 1109
قيل١: الهمزة وإن كانت أثقل من الواو على الإطلاق، فإن إذا انضمت كانت أثقل من الهمزة، لأنه ضمتها تزيدها ثقلا. فأما إسادة فإن الكسرة فيهما محمولة على الضمة في أقنت، فلذلك قل نحو إسادة، وكثر نحو أجوه، وأرقة، حتى أنهم قالوا في الوجنة: الأجنة، فأبدلوها مع الضمة البتة، ولم يقولوا: وجنة.
وأيضًا فإن الواو إذا وقعت بين ياء وكسرة في نحو يعد ويرد ويرد حذفت، والياء ليست، كذلك ألا ترى إلى صحتها في نحو ييعر٢ وييسر٣ "وكأنهم إنما"٤ استكثروا مما هو معرض تارة للقلب. أخرى للحذف، وهذا غير موجود في الياء. فلذلك قلت بحيث كثرت الواو.
فإن قلت: فقد كثر عنهم توالي الكسرتين في نحو سدراتٍ، وكسراتٍ، وعجلاتٍ.
قيل: هذا إنما احتمل لمكان الألف والتاء كما احتمل لهما٥ صحة الواو في نحو خطوات وخطوات. ولأجل ذلك ما أجاز٦ في جمع ذيت٧ إذا سميت بها٨ ذياتٍ٩
стр. 1110
بتخفيف الياء، وإن كان يبقى معك من الاسم حرفان، والثاني منهما حرف لين. ولأجل ذلك ما صح١ في لغة هذيل قولهم١: جوزات وبيضات، لما كان التحريك أمرا عرض مع تاء جماعة المؤنث؛ قال٢:
أبو بيضات رائح متأوب ... رفيق بمسح المنكبين سبوح
فهذا٣ طريق من الجواب عما تقدم من السؤال في هذا الباب.
وإن شئت سلكت فيه مذهب الكتاب، فقلت: كثر فعل، وقل فعل، وكثرت الواو فاء، وقلت الياء هنالك لئلا يكثر في كلامهم ما يستثقلون. ولعمري إن هذه محافلة٤ في الجواب٥، وربما أتعبت وترامت "ألا٦ ترى أن" لقائل أن يقول: فإذا كان الأمر كذلك فهلا كثر أخف الأثقلين لاأثقلهما فكان٧ يكون أقيس المذهبين لا أضعفهما.
وكذلك قولهم: سرت٨ سوورا، وغارت عينه غوورا، وحال عن العهد حوولا؛ هذا٩ مع عزة باب سوك١٠ الإسحل، وفي غوور وسوور فضل واو، وهي واو فعول.
стр. 1111
وجواب هذا أن الواو وإن١ زادت في عدة المعتد فإن الصوت أيضًا "بلينها يلذ وينعم"٢، ألا ترى أن غوورا وحوولا وإن كان٣ أطول من سوك وسور٤ فإنه ليس فيه قلق سوك وسور؛ فتوالي٥ الضمتين مع الواو غير "موف لك"٦ بلين الواو المنعمة للصوت. يدل على ذلك أنهم إذا أضافوا إلى نحو أسيد حذفوا الياء المحركة، فقالوا: أسيدي كراهية لتقارب أربع ياءات، فإذا أضافوا إلى نحو مهييم لم يحذفوا فقالوا مهييمي فقاربوا٧ بين خمس ياءات لما مطل الصوت فلان بياء المد. وهذا واضح. فمذهب الكتاب -على شرفه، وعلو طريقته- يدخل عليه هذا. وما قدمناه نحن فيه لا يكاد يعرض شيء من هذا الدخل٨ له. فاعرفه وقسه وتأت له ولا تحرج صدرا به.
стр. 1112
باب القول على ١ فوائت الكتاب:
اعلم أن الأمثلة المأخوذة على صاحبه سنذكرها ونقول فيها ما٢ يدحض عنه ظاهر معرتها لو صحت عليه. ولو٣ لم تكن٤ فيها حيلة تدرأ شناعة إخلاله بها عنه، لكانت معلاة له لا مزراة٥ عليه، وشاهدة بفضله ونقص المتتبع "له بها"٦ لا نقصه، إن كان أوردها مريدًا بها حط رتبته، والغض من فضيلته. وذلك لكلفة هذا الأمر وبعد أطرافه، وإيعار٧ أكنافه أن يحاط بها، أو يشتمل تحجر عليها. وإن إنسانًا أحاط بقاصي هذه اللغات المنتشرة، وتحجر٨ أذراءها٩ المترامية، على سعة البلاد، وتعادي ألسنتها اللداد١٠، وكثرة التواضع بين أهليها من حاضر وباد، حتى اغترق١١ جميع كلام الصرحاء والهجناء، والعبيد والإماء، في أطرار١٢ الأرض، ذات الطول والعرض، "ما بين"١٣ منثور إلى منظومٍ، ومخطوب به "إلى مسجوع"١٤، حتى لغات الرعاة الأجلاف، والواعي ذوات١٥ صرار١٦ الأخلاف، وعقلائهم والمدخولين، وهذاتهم١٧ الموسوسين١٨، في جدهم وهزلهم، وحربهم وسلمهم، وتغاير الأحوال عليهم، فلم يخلل من جميع ذلك -على سعته١٩ وانبثاثه وتناشره٢٠ واختلافه- إلا بأحرف تافهة المقدار، متهافتةٍ على البحث والاعتبار -ولعلها٢١ أو أكثرها مأخوذة٢٢ عمن فسدت لغته، فلم تلزم عهدته- لجدير أن يعلم بذلك توفيقه، وأن يخلي له إلى غايته طريقه.
стр. 1113
ولنذكر ما أورد عليه معقبًا١ به٢، ولنقل٣ فيه ما يحضرنا من إماطة الفحش به عنه بإذن الله.
ذكر الأمثلة الفائتة للكتاب:
وهي: تلقامة٤ وتلعابة، فِرناس، فُرانس، تنوفى، ترجمان، شحم أمهج، مهوأن، عياهم، ترامز٥، وتماضر، ينابعات، دحندح، عفرين٦، ترعاية، الصنبر، زيتون، ميسون، كذبذب، وكذبذب٧، هزنبزان٨، عفزران، هديكر، هندلع، درداقس، خزرانق، شمنصير، مؤقٍ، مأقٍ، جبروة، مسكين، منديل، حوريت، ترقؤة، خلبوت، حيوت، سمرطول، قرعبلانة، عقربان، مألك، إصري، إزلزل، إصبع، خرفع، زئبر، ضئبل، خرنباش، زرنوق، صعفوق، كنادر٩، الماطرون، خزعال، قسطال، ويلمة، فرنوس، سراوع، ضهيد، عتيد، الحبليل، الأربعاوى، مقبئن، "يرنأ، تعفرت"١٠.
أما تلقامة١١، وتلعابة١٢، فإنه١٣ وإن لم يذكر ذلك في الصفات فقد ذكر١٤ في المصادر تفعّلت١٥ تِعِفّالًا؛ نحو تحملت١٦ تِحمالًا ومثله تقربت تِقرابًا. ولو أردت الواحدة من
стр. 1114
هذا لوجب أن تكون تِحمالة. فإذا ذكر تفعالًا فكأنه قد١ ذكره بالهاء. وذلك لأن الهاء زائدة١ أبدًا في تقدير الانفصال على غالب الأمر.
وعلى الجملة فإن هذه الفوائت عند أكثر الناس إذا فحص عن حالها، وتؤملت حق تأملها، فإنها -إلا مالا بال به- ساقطة٢ عن صاحب الكتاب، وذلك أنها على أضرب.
فمنها٣ ما ليس قائله فصيحًا عنده.
ومنها لم يسمع إلا في الشعر، والشعر موضع إضطرار، وموقف اعتذار. وكثيرًا ما يحرف٤ فيه الكلم عن أبنيته وتحال فيه المثل عن أوضاع صيغها٥ لأجله.
ألا ترى قوله٦:
أبوك عطاء ألأم الناس كلهم
يريد عطية. وقالت امرأة٧ ترثي ابنًا لها يقال له حازوق:
أقلب طرفي في الفوارس لا أرى ... حزاقًا وعيني كالحجاة من القطر٨
وأمثاله كثيرة٩. وقد ذكرناها في فصل١٠ التحريف.
стр. 1115
ومنها ما هو لازم له. وعلى أنا قد قلنا في ذلك، ودللنا به على أنه من مناقب هذا الرجل ومحاسنه: أن يستدرك عليه من هذه اللغة الفائضة السائرة المنتشرة ما هذا قدره وهذه حال محصوله.
وليس لقائل أن يدعى أن تِلِقامة، وتلعابة في الأصل المرة الواحدة، ثم وصف بها١ على حد٢ ما يقال في المصدر "يوصف٣ به"؛ نحو قول الله سبحانه: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ ٤ أي غائرًا، ونحو قولها٥:
فإنما هي إقبالٌ وإدبار
وما كان مثله؛ من قبل أن من وصف بالمصدر فقال: هذا رجل زور، وصوم، ونحو ذلك، فإنما ساغ ذلك لأنه أراد المبالغة، وأن يجعله هو نفسه الحدث، لكثرة ذلك منه، والمرة الواحدة هي أقل القليل من ذلك الفعل؛ فلا يجوز أن يريد معنى غاية الكثرة، فيأتي لذلك بلفظ غاية القلة. ولذلك لم يجيزوا: زيد إقبالة وإدبارة قياسًا٦ على زيد إقبال وإدبار. فعلى هذا لا يجوز أن يكون قولهم: تِلِقامة على حد قولك: هذا رجل صوم لكن الهاء فيه كالهاء في علامة ونسابة للمبالغة. وإذا كان كذلك فإنه قد "كاد٧ يفارق" مذهب الصفة؛ ألا ترى أن من شرط الصفة أن تطابق موصوفها٨ في تذكيره، وتأنيثه، فوصف المذكر بالمؤنث، ووصف المؤنث، بالمذكر ليس متمكنًا في الوصف تمكن وصف المونث بالمؤنث والمذكر بالمذكر. فقولك إذًا: هذا رجل عليم أمكن في الوصف من قولك: هذا رجل
стр. 1116
علامة؛ كما أن قولك: مررت بامرأة كافرة أمكن في الوصف من قولك: مررت بامرأة كفور. وإذا كان كذلك جرى تِلِقامة من قولك "مررت١ برجل" تلقامة نحوًا من مجرى مررت بنسوة أربع، في أن أربعًا٢ ليس بوصف متمكن "ولذلك صرفته"٣، وإن كان "صفة وصف"٤ على أفعل. فكأن تلقامة بعد ذلك كله اسم لا صفة٥، وإذا كان اسما أو كالاسم سقط الاعتذار منه؛ لأن سيبويه قد ذكر في المصادر تفعّلت تِفِعالًا، فإذا٦ ذكره أغنى عن ذكره في الأبنية، ولم يجز لقائل أن يذكره مثالًا معتدًا عليه.
كما أن ترعاية٧ في٨ الصفات تسقط عنه أيضًا من هذا الوجه؛ ألا تراه صفة مؤنثة جرت على موصوف مذكر، فأوحش ذلك منها في الوصف، وجرى لذلك مجرى: مررت برجال أربعة، في أن أربعة ليس وصفًا محضًا، وإنما هو اسم عدد بمنزلة نسوة٩ أربع؛ كما أن أربعة لما لم يخص المؤنث دون المذكر جرى لذلك مجرى الاسم، فلذلك قالوا في جمعه: ربعات، فحركوا كما يحركون الاسم نحو٩ قصعات.
و"إذا كان كذلك سقط عنه أيضًا أن لم يذكر تِفِعالا في الصفة. و"١٠ كذلك١١ ما حكاه الأصمعي من قولهم ناقة تضراب١٢؛ لأنها لما كانت صفة مذكرة جارية على مؤنث لم تستحكم في الصفة.
стр. 1117
وأما فِرناس١ فقد ذكره٢ في الأبنية في آخر ما لحقته الألف رابعة مع٣ غيرها من الزوائد.
وأما فُرانس٤ فلعمري إنه لم يذكره. وظاهر أمره أنه فُعانل من لفظ الفرس قال:
أأن رأيت أسدًا فرانسًا ... الوجه كرهًا والجبين عابسا٥
وأما تنوفى٦ فمختلف في أمرها. وأكثر أحوالها ضعف روايتها، والاختلاف الواقع في لفظها. وإنما رواها السكري وحده. وأسندها إلى امرىء القيس "في قوله"٧:
كأن دثارًا حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب الفواعل٨
والذي٩ رويته عن أحمد بن يحيى:
عقاب تنوف لا عقاب الفواعل
стр. 1118
وقال القواعل إكام حولها، وقال أبو حاتم: هي ثنية طيئ "وهي مرتفعة"١. وكذا رواها ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني. ورواية أبي عبيدة: تنوفى. وأنا أرى أن تنوف٢ ليست٣ فعولًا٤؛ بل هي تفعل من النوف، وهو الارتفاع. سميت بذلك لعلوها. ومنه أناف على الشيء إذا ارتفع عليه والنيف في العدد من هذا هو فَيعَل بمنزلة صيب وميت. ولو كسرت النيف على مذهب أبي الحسن لقلت: نياوف، فأظهرت عينه. فتنوف -في أنه علم على تفعل- بمنزلة يشكر ويعصر. وقلت مرة لأبي علي "وهذا الموضع يقرأ عليه من كتاب أصول أبي بكر ﵀"٥: يجوز أن يكون "تنوفى" مقصورة من تنوفاء بمنزلة بروكاء٦، فسمع ذلك وعرف صحته.
وكذلك القول عندي في مسولي٧ في بيت المرار:
فأصبحت مهمومًا كأن مطيتي ... بجنب مسولي أو بوجرة ظالع٨
ينبغي أن تكون مقصورة من مسولاء؛ بمنزلة جلولاء.
فإن قلت: فإنا٩ لم نسمع بتنوفى ولا مسولى ممدودين، ولو كانا أو أحدهما ممدودًا لخرج ذلك إلى١٠ الاستعمال.
стр. 1119
قيل: ولم١ يكثر أيضًا استعمال هذين الاسمين، وإنما جاءا في هذين الموضعين. بل٢ لو كثر استعمالها مقصورين لصح ما أردته٣ ولزم ما أوردته، فإنه يجوز أن يكون ألف "تنوفى" إشباعًا للفتحة، لا سيما وقد رويناه "تنوف" مفتوحًا كما ترى، وتكون هذه الألف ملحقة مع الإشباع لإقامة الوزن، ألا تراها مقابلة لياء مفاعيلن٤؛ كما أن الألف في قوله٥:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة
إنما هي إشباع للفتحة طلبًا لإقامة الوزن؛ ألا ترى أنه لو قال: "ينبع من ذفرى" لصح الوزن؛ إلا أن فيه زحافًا هو الخزل٦؛ كما أنه لو قال: "تنوف" لكان الجزء مقبوضًا. فالإشباع٧ إذًا في الموضعين إنما هو مخافة٨ الزحاف الذي مثله جائز.
وأما٩ ترجمان فقد حكى فيه ترجمان بضم أوله. ومثاله فُعلُلان؛ كعُترُفان١٠، ودُحمُسان١١ وكذلك التاء أيضًا فيمن فتحها أصليةٌ، وإن لم يكن في الكلام مثال جعفر؛ لأنه قد يجوز مع الألف والنون من الأمثلة ما لولاهما لم يجز. ومن ذلك عُنفُوان، ألا ترى أنه ليس في الكلام فُعلُوٌ. وكذلك خِنظِيان١٢؛ لأنه ليس في الكلام فِعلِيٌ إلا بالهاء نحو حِدرِية١٣ وعِفرِية١٤؛ كما أنه ليس فيه فُعلُو إلا بالهاء نحو عُنصُوة١٥.
стр. 1120
وكذلك الريهقان١؛ لأنه ليس في الكلام فَيعُل. ونظير ذلك كثير. فكذلك٢ يكون ترجمان فَعلُلانًا، وإن لم يكن في الكلام فَعلُل ومثله قوله:
وما أيبلىٌ على هيكلٍ٣
هو فَيعُلي؛ لأنه٤ قد٥ يجىء مع ياءي٦ الإضافة ما لولاهما لم يجىء؛ نحو قولهم: تحوى في الإضافة إلى تحية وهو٧ تفلى.
وأما شحم أمهج٨ فلعمري إن سيبويه قد حظر في الصفة أفعل. وقد يمكن أن يكون محذوفًا من أمهوج٩ كأسكوب. وجدت بخط أبي علي عن الفراء: لبن أمهوج. فيكون أمهج هذا مقصورًا منه لضرورة الشعر وأنشد١٠ أبو زيد:
يطعمها اللحم وشحمًا أمهجا١١
стр. 1121
ولم نسمعه في النثر أمهجا. وقد يقال: لبن أمهجان، وماهج قال هميان بن قحافة:
وعرضوا المجلس محضا ماهجا١
"ويروى: وأروت المجلس"٢ وكنت قلت لأبي علي ﵀ وقت القراءة:
يكون٣ أمهج محذوفًا من أمهوج فقبل ذلك ولم يأبه.
وقد يجوز أن يكون أمهج في الأصل اسمًا٤ غير صفة، إلا أنه وصف به، لما فيه من معنى الصفاء والرقة٥، كما يوصف بالأسماء الضامنة لمعاني٦ الأوصاف، "كما أنشد أبو عثمان من"٧ قول الراجز:
مئبرة العرقوب إشفى المرفق٨
فوصف بإشفى "وهو اسم"٩ لما فيه من معنى الحدة، وكقول الآخر:
فلولا الله والمهر المفدى ... لرحت وأنت غربال الإهاب١٠
فهذا كقولك: وأنت مخرق الإهاب وله نظائر.
وأما مهوأن١١ ففائت للكتاب. وذهب بعضهم إلى أنه بمنزلة مطمأن. وهذا سهو ظاهر. وذلك لأن الواو لا تكون أصلًا في ذوات الأربعة إلا عن تضعيف.
стр. 1122
فأما١ ورنتل فشاذ. فمهوأن إذًا مفوعل. كأنه جارٍ على اهوأن. وقد قالوا: اكوهد٢ واقوهد وهو افوعل "ونحوه"٣ قول٤ الهذلي٥:
فشايع وسط ذودك مقبئنًا ... لتحسب سيدًا ضبعًا تبول
مقبئنًا: منصبًا. فهذا مفعلل كما ترى. وشبه هذا المجوز لأن يكون مهوأن بمنزلة مطمأن الواو فيه بالواو في غوغاء وضوضاء، وليس هذا من خطأ أهل الصناعة؛ لأن غوغاء وضوضاء من ذوات تضعيف الواو، بمنزلة ضوضيت وقوقيت. وقد يجوز من وجه آخر أن يكون واو مهوأن أصلًا. وذلك بأن يكون سيبويه قد سأل جماعة من الفصحاء عن تحقير مهوأن٦ على الترخيم، فحذفوا الميم وإحدى النونين ولم يحذفوا الواو البتة، مع حذفهم واو كوثر على الترخيم "في قولهم"٧: كثير، وحذفهم واو جدول، وقولهم: جديل وامتنعوا من حذف٨ واو مهوأن، فقطع سيبويه بأنها أصل فلم يذكره. وإذا كان هذا جائزًا، وعلى مذهب إحسان الظن به سائغًا، كان فيه نصرة له و"تجميل٩ لأثره" فاعرفه١٠؛ فتكون الواو مثلها في ورنتلٍ. وكذلك يمكن أن يحتج بنحو هذا في فرانسٍ وكنادر١١؛ فتكون النون فيهما أصلًا.
стр. 1123
وأما عياهم١ فحاكيه صاحب العين، وهو مجهول. وذاكرت أبا علي ﵀ يومًا بهذا٢ الكتاب فأساء نثاه٣. فقلت له: إن تصنيفه أصح وأمثل من تصنيف الجمهرة، فقال: الساعة لو صنف إنسان لغة بالتركية تصنيفًا جيدًا أكانت٤ تعتد عربية لجودة تصنيفها؟ أو كلاهما هذا نحوه. وعلى٥ أن صاحب العين أيضًا إنما قال فيها: وقال بعضهم: عياهمة وعياهم؛ كعذافرة وعذافر. فإن صح فهو فُياعل، ملحق بعذافر وقلت فيه لأبي علي: يجوز أن تكون العين فيه بدلًا من همزة؛ كأنه أياهم كأباتر وأحامر فقبل ذلك.
وأما تماضر وترامز فذهب أبو بكر إلى أن التاء فيهما زائدة. ولا وجه لذلك؛ لأنها٦ في موضع عين٧ عذافر فهذا٨ يقضى بكونها أصلًا، وليس معنا اشتقاق فيقطع بزيادتها. قال أبو زيد: وهو الجمل٩ القوي الشديد؛ وأنشد:
إذا أردت طلب المفاوز ... فاعمد لكل بازلٍ ترامز
وذهب بعضهم في تماضر إلى أنه تُفاعل، وأنه فعل منقول؛ كيزيد وتغلب. ولا حاجة به إلى ذلك، بل تماضر رباعي وتاؤه فاء كترامز. فإن توهم ذلك لامتناع صرفه في قوله١٠:
حيوا تماضر واربعوا صحبي ... وقفوا فإن وقوفكم حسبي
стр. 1124
فليس شيئا؛ لأن تماضر علم مؤنث، وهو اسم الخنساء الشاعرة. وإنما منع الصرف لاجتماع التأنيث والتعريف، كامرأة سميتها بعذافر وعماهج. وهذا واضح.
وأما ينابعات١ فما أظرف أبا بكر أن أورده٢ على أنه أحد الفوائت! ألا يعلم أن سيبويه قد٣ قال٤: ويكون على يفاعل نحو اليحامد٥ واليرامع٦. فأما لحاق علم التأنيث والجمع به٧ فزائد على المثال، وغير٨ محتسب به فيه٩ وإن رواه راوٍ ينابعات فينابع يفاعل؛ كيضارب ويقاتل، نقل وجمع.
وأما دحندح فإنه صوتان: الأول منهما منون١٠: دحٍ، والآخر منهما١١ غير منون: دح "وكأن الأول نون للوصل. ويؤكد ذلك قولهم في معناه: دح دح"١٢ فهذا كصهٍ صهٍ في النكرة، وصه صه في المعرفة. فظنته الرواة كلمة واحدة. ومن هنا قلنا: إن صاحب اللغة إن لم يكن له نظر أحال كثيرًا منها وهو يرى أنه على صواب. ولم يؤت من أمانته وإنما أتي من معرفته. ونحو هذا الشاهد إذا١٣ لم يكن فقيها: يشهد١٤ بما لا يعلم وهو يرى أنه يعلم. ولذلك ما استد١٥ عندنا أبو عمرو الشيباني
стр. 1125
لملازمته١ ليونس وأخذه عنه. ومعنى هذه الكلمة فيما ذكر "محمد٢ بن الحسن أبو بكر٣: قد٤ أقررت فاسكت" "وذكر محمد بن حبيب أن دحندح دويبة صغيرة: يقال: هو أهون علي من دحندح"٥ ومثل هذين الصوتين عندي قول الآخر:
إن الدقيق يلتوى بالجنبخ ... حتى يقول بطنه جخٍ جخ٦
وأما عفرين فقد ذكر سيبويه٧ فعلا٨ كطمر وحبر٩. فكأنه ألحق علم الجمع كالبرحين١٠ والفتكرين١١. إلا أن بينهما فرقًا. وذلك أن هذا يقال فيه: البرحون والفتكرون، ولم يسمع في عفرين الواو. وجواب هذا أنه لم يسمع عفرين١٢ في الرفع١٣ يالياء، وإنما سمع في موضع الجر، وهو قولهم: ليث عفرين. فيجب أن يقال فيه١٤ في الرفع: هذا عفرون. لكن لو سمع في موضع الرفع بالياء لكان أشبه بأن يكون فيه النظر. فأما١٥ وهو في موضع الجر فلا يستنكر فيه الياء.