ولم نسمعه في النثر أمهجا. وقد يقال: لبن أمهجان، وماهج قال هميان بن قحافة:
وعرضوا المجلس محضا ماهجا١
"ويروى: وأروت المجلس"٢ وكنت قلت لأبي علي ﵀ وقت القراءة:
يكون٣ أمهج محذوفًا من أمهوج فقبل ذلك ولم يأبه.
وقد يجوز أن يكون أمهج في الأصل اسمًا٤ غير صفة، إلا أنه وصف به، لما فيه من معنى الصفاء والرقة٥، كما يوصف بالأسماء الضامنة لمعاني٦ الأوصاف، "كما أنشد أبو عثمان من"٧ قول الراجز:
مئبرة العرقوب إشفى المرفق٨
فوصف بإشفى "وهو اسم"٩ لما فيه من معنى الحدة، وكقول الآخر:
فلولا الله والمهر المفدى ... لرحت وأنت غربال الإهاب١٠
فهذا كقولك: وأنت مخرق الإهاب وله نظائر.
وأما مهوأن١١ ففائت للكتاب. وذهب بعضهم إلى أنه بمنزلة مطمأن. وهذا سهو ظاهر. وذلك لأن الواو لا تكون أصلًا في ذوات الأربعة إلا عن تضعيف.
стр. 1122
فأما١ ورنتل فشاذ. فمهوأن إذًا مفوعل. كأنه جارٍ على اهوأن. وقد قالوا: اكوهد٢ واقوهد وهو افوعل "ونحوه"٣ قول٤ الهذلي٥:
فشايع وسط ذودك مقبئنًا ... لتحسب سيدًا ضبعًا تبول
مقبئنًا: منصبًا. فهذا مفعلل كما ترى. وشبه هذا المجوز لأن يكون مهوأن بمنزلة مطمأن الواو فيه بالواو في غوغاء وضوضاء، وليس هذا من خطأ أهل الصناعة؛ لأن غوغاء وضوضاء من ذوات تضعيف الواو، بمنزلة ضوضيت وقوقيت. وقد يجوز من وجه آخر أن يكون واو مهوأن أصلًا. وذلك بأن يكون سيبويه قد سأل جماعة من الفصحاء عن تحقير مهوأن٦ على الترخيم، فحذفوا الميم وإحدى النونين ولم يحذفوا الواو البتة، مع حذفهم واو كوثر على الترخيم "في قولهم"٧: كثير، وحذفهم واو جدول، وقولهم: جديل وامتنعوا من حذف٨ واو مهوأن، فقطع سيبويه بأنها أصل فلم يذكره. وإذا كان هذا جائزًا، وعلى مذهب إحسان الظن به سائغًا، كان فيه نصرة له و"تجميل٩ لأثره" فاعرفه١٠؛ فتكون الواو مثلها في ورنتلٍ. وكذلك يمكن أن يحتج بنحو هذا في فرانسٍ وكنادر١١؛ فتكون النون فيهما أصلًا.
стр. 1123
وأما عياهم١ فحاكيه صاحب العين، وهو مجهول. وذاكرت أبا علي ﵀ يومًا بهذا٢ الكتاب فأساء نثاه٣. فقلت له: إن تصنيفه أصح وأمثل من تصنيف الجمهرة، فقال: الساعة لو صنف إنسان لغة بالتركية تصنيفًا جيدًا أكانت٤ تعتد عربية لجودة تصنيفها؟ أو كلاهما هذا نحوه. وعلى٥ أن صاحب العين أيضًا إنما قال فيها: وقال بعضهم: عياهمة وعياهم؛ كعذافرة وعذافر. فإن صح فهو فُياعل، ملحق بعذافر وقلت فيه لأبي علي: يجوز أن تكون العين فيه بدلًا من همزة؛ كأنه أياهم كأباتر وأحامر فقبل ذلك.
وأما تماضر وترامز فذهب أبو بكر إلى أن التاء فيهما زائدة. ولا وجه لذلك؛ لأنها٦ في موضع عين٧ عذافر فهذا٨ يقضى بكونها أصلًا، وليس معنا اشتقاق فيقطع بزيادتها. قال أبو زيد: وهو الجمل٩ القوي الشديد؛ وأنشد:
إذا أردت طلب المفاوز ... فاعمد لكل بازلٍ ترامز
وذهب بعضهم في تماضر إلى أنه تُفاعل، وأنه فعل منقول؛ كيزيد وتغلب. ولا حاجة به إلى ذلك، بل تماضر رباعي وتاؤه فاء كترامز. فإن توهم ذلك لامتناع صرفه في قوله١٠:
حيوا تماضر واربعوا صحبي ... وقفوا فإن وقوفكم حسبي
стр. 1124
فليس شيئا؛ لأن تماضر علم مؤنث، وهو اسم الخنساء الشاعرة. وإنما منع الصرف لاجتماع التأنيث والتعريف، كامرأة سميتها بعذافر وعماهج. وهذا واضح.
وأما ينابعات١ فما أظرف أبا بكر أن أورده٢ على أنه أحد الفوائت! ألا يعلم أن سيبويه قد٣ قال٤: ويكون على يفاعل نحو اليحامد٥ واليرامع٦. فأما لحاق علم التأنيث والجمع به٧ فزائد على المثال، وغير٨ محتسب به فيه٩ وإن رواه راوٍ ينابعات فينابع يفاعل؛ كيضارب ويقاتل، نقل وجمع.
وأما دحندح فإنه صوتان: الأول منهما منون١٠: دحٍ، والآخر منهما١١ غير منون: دح "وكأن الأول نون للوصل. ويؤكد ذلك قولهم في معناه: دح دح"١٢ فهذا كصهٍ صهٍ في النكرة، وصه صه في المعرفة. فظنته الرواة كلمة واحدة. ومن هنا قلنا: إن صاحب اللغة إن لم يكن له نظر أحال كثيرًا منها وهو يرى أنه على صواب. ولم يؤت من أمانته وإنما أتي من معرفته. ونحو هذا الشاهد إذا١٣ لم يكن فقيها: يشهد١٤ بما لا يعلم وهو يرى أنه يعلم. ولذلك ما استد١٥ عندنا أبو عمرو الشيباني
стр. 1125
لملازمته١ ليونس وأخذه عنه. ومعنى هذه الكلمة فيما ذكر "محمد٢ بن الحسن أبو بكر٣: قد٤ أقررت فاسكت" "وذكر محمد بن حبيب أن دحندح دويبة صغيرة: يقال: هو أهون علي من دحندح"٥ ومثل هذين الصوتين عندي قول الآخر:
إن الدقيق يلتوى بالجنبخ ... حتى يقول بطنه جخٍ جخ٦
وأما عفرين فقد ذكر سيبويه٧ فعلا٨ كطمر وحبر٩. فكأنه ألحق علم الجمع كالبرحين١٠ والفتكرين١١. إلا أن بينهما فرقًا. وذلك أن هذا يقال فيه: البرحون والفتكرون، ولم يسمع في عفرين الواو. وجواب هذا أنه لم يسمع عفرين١٢ في الرفع١٣ يالياء، وإنما سمع في موضع الجر، وهو قولهم: ليث عفرين. فيجب أن يقال فيه١٤ في الرفع: هذا عفرون. لكن لو سمع في موضع الرفع بالياء لكان أشبه بأن يكون فيه النظر. فأما١٥ وهو في موضع الجر فلا يستنكر فيه الياء.
стр. 1126
وأما ترعاية فقد قيل فيه أيضا: رجل ترعية، وترعاية. وكان أبو علي صنع ترعاية فقال: أصلها ترعية ثم أبدلت الياء الأولى للتخفيف ألفا؛ كقولهم في الحيرة: حارى. وإذا كان ذاك١ أمرا محتملا لم يقطع بيقين على أنه مثال فائت في الصفات. ولكن قد٢ حكى الأصمعي: ناقة تضراب إذا ضربها الفحل. فظاهر٣ هذا أنه٤ تفعال في الصفة كما ترى. وقد ذكرنا ما فيه في أول الباب.
وأما الصنبر فقد كنت قلت فيه في هذا الكتاب في قول طرفة:
بجفان تعترى نادينا ... وسديف حين هاج الصنبر٥
ما قد مضى، وإنه يرجع بالصنعة إلى أنه من نحو مررت ببكر. وذهب بعضهم إلى أنه كسر الباء لسكونها وسكون الراء. وفيه ضعف. وذلك أن الساكنين إذا التقيا من كلمة واحدة حرك الآخر منهما، نحو أمس٦، وجير، وأين، وسوف، ورب. وإنما يحرك الأول منهما إذا كانا من كلمتين، نحو قد انقطع، وقم الليل، وأيضا فإن الساكنين لا ينكر اجتماعهما في الوقف.
فإن قلت: فالوزن اقتضى تحريك الأول، قيل: أجل إلا أنه لم يقتضك فساد الاعتلال٧. فإذا٨ قلت ما قلنا نحن في هذا فيما مضى من كتابنا سلم على يديك، وثلج به صدرك إن شاء الله.
فإن قلت: فقد قالوا في الوقف: ضربته٩.
стр. 1127
قيل: هذا أمر يخص تاء التأنيث، رغبة في الكسرة الدالة على التأنيث. وأيضًا فإن التاء آخر الكلمة، والهاء زائدة١ من بعدها، ليست منها. وكذلك القول في ادعه٢، واغزه، ألا ترى "أن الهاء زائدة"٣ من بعد الكلمة. وعلى أنه قد يجوز أن تكون الكسرة فيهما٤ إنما هي على حد قولك: ادع واغز، ثم لحقت الهاء. ونحوه ما أنشده أبو سهل أحمد بن زياد القطان٥:
كأن ريح دبرات خمس ... وظربانا بينهن يفسى
ريح ثناياها بعيد النعس٦
أراد: يفسو، ثم حذف الواو استخفافا، وأسكن السين، والفاء قبلها ساكنة، فكسر السين لالتقائهما، ثم أشبع للإطلاق فقال: يفسى. فاعرف ذلك.
وأما هزنبزان٧ وعفزران فقد ذكرا في بعض نسخ الكتاب. والهزنبزان السيء الخلق، قال:
لقد منيت بهزنبران ... لقد نسيت غفل الزمان٨
стр. 1128
وعفزران: اسم رجل. وقد يجوز أن يكون أصله: عفزر، كشعلع وعديس، ثم ثنى١ وسمي به، وجعلت النون حرف إعراب، كما حكى أبو الحسن عنهم في اسم رجل: خليلان. وكذلك أيضًا ذهب في قوله٢:
ألا يا ديار الحي بالسبعان
إلى أنه تثنية سبع وجعل النون حرف إعراب. وليس لك٣ مثل هذا التأويل في هزنبزان؛ لأنه نكرة وصفة للواحد. وهذا "يبعده عن"٤ العلمية والتثنية.
وأما هديكر فقال أبو علي: سألت محمد بن الحسن عن الهيدكر فقال: لا أعرفه، وأعرف الهيدكور. قال أبو بكر: وإن سمع فلا يمتنع. هذا حديث الهيدكر وأما٥ الهديكر فغير محفوظ عنهم، وأظنه من تحريف النقلة، ألا ترى إلى بيت طرفة:
فهي بداء إذا ما أقبلت ... فخمة الجسم رداح هيدكر٦
وكأن٧ الواو حذفت من هيدكور ضرورة. فإذا جاز أن تحذف الواو الأصلية لذلك في قول "الأسود بن يعفر"٨.
فألحقت أخراهم طريق ألاهم
стр. 1129
كان حذف الزيادة١ أولى. ويقال: تهدكرت المرأة تهدكرا في مشيها٢. وذلك إذا ترجرجت.
وأما زيتون فأمره واضح، وأنه فعلون، ومثال فائت. والعجب أنه في القرآن، وعلى أفواه الناس للاستعمال٣. وقد كان بعضهم قد تجشم أن أخذه من الزتن، وإن كان أصلا مماتا فجعله فيعولا. وصاحب هذا القول ابن كيسان أو ابن دريد: أحد الرجلين.
ومثل زيتون -عندي- ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد بن معاوية. وكان٤ سمعها تهجوه، فقال لها: الحقي بأهلك.
وأما قيطون فإنه فيعول٥، من قطنت بالمكان؛ لأنه بيت في جوف بيت.
وأما الهندلع فبقلة، وقيل: إنها غريبة٦ ولا تنبت في كل سنة. وما كانت هذه سبيله كان الإخلال بذكره قدرا مسموحا به، ومعفوا عنه. وإذا صح أنه من كلامهم فيجب أن تكون نونه زائدة؛ لأنه لا أصل بإزائها فتقابله٧. فهى إذا كنون كنتأل٨. ومثال الكلمة على هذا: فنعلل. ومن ادعى أنها أصل، وأن الكلمة بها خماسية، فلا دلالة له ولا برهان معه. ولا فرق بين أن يدعى أصلية هذه النون وبين ادعائه أصلية نون كنتأل وكنهبل٩.
стр. 1130
وأما كذبذب خفيفا، وكذبذب ثقيلا ففائتان. ونحوهما ما رويته عن بعض أصحابنا من قول بعضهم: ذرحرح في هذا "الذرحرح بفتح الرائين"١ "أنشد أبو زيد"٢:
وإذا أتاك بأنني قد بعتها ... بوصال غانية فقل كذبذب
ولسنا نعرف كلمة فيها ثلاث عينات غير٣ كذبذب وذرحرح. وقد٤ أنشد بعض البغدادين "قول الشاعر"٥:
بات يقاسي ليلهن زمام ... والفقعسي حاتم بن همام
مسترعفات ليصللخم سام
"اللام الأولى هي الزائدة هنا، لأنه لا يلتقي عينان إلا٦ والأولى ساكنة"٧، وهذا مصنوع للضرورة" يريد: لصلخم٨، فاحتاج لإقامة الوزن، فزاد على العينين أخرى، فصار من فعل إلى فععل.
وأما الدرداقس فقيل فيه: إنه أعجمي، وقال الأصمعي: أحسبه روميا، وهو طرف العظم الناتئ فوق القفا. وأنشد أبو زيد:
من زل عن قصد السبيل تزايلت ... بالسيف هامته عن الدرداقس٩
стр. 1131
وكذلك الخزرانق أعجمي١ أيضا. وهو فارسي، يعنى به ضرب من ثياب الديباج.
ويجب أن تكون "نونه زائدة"٢ إن كان الدرداقس أعجميا. فإن كان عربيا فيجب أن تكون نونه٣ أصلا، لمقابلتها قاف درداقس العربي.
وأما شمنصير ففائت أيضا إن كان عربيا. قال الهذلي٤:
لعلك هالك إما غلام ... تبوأ من شمنصير مقاما
وقد يجوز٥ أن يكون محرقا من شمنصير٦ لضرورة الوزن.
وأما مؤقٍ فظاهر أمره أنه فعلٍ وفائت. وقد يجوز أن يكون مخففًا من فعلي، كأنه في الأصل مؤقي بمعنى مؤقٍ، وزيدت الياء لا للنسب، بل كزيادتها في كرسي وإن كانت في كرسي لازمة وفي مؤقي غير لازمة لقولهم فيه: مؤقٍ. لكنها في أحمري وأشقري غير لازمة. وأنشدنا أبو علي:
كان حداء قراقريا٧
"يريد قراقرا"٨ وأنشدنا أيضًا للعجاج:
غضف طواها لأمس كلابي٩
"أي كلاب يعنى صاحب كلاب"١٠ وأنشدنا أيضًا له١١:
والدهر بالإنسان دواري١٢
стр. 1132
أي دوار؛ إلا أن زيادة هذه الياء فى الصفة أكثر منها في الاسم، لأن الغرض فيها توكيد الوصف.
ومثل مؤقٍ في هذه القضية ما رواه الفراء من قول بعضهم فيه: ماقٍ. فيجب أيضًا أن يكون مخففًا١ من ثقيله. وأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
يا من العين لم تذق تغميضا ... وماقيين اكتحلا مضيضا٢
فمقلوب. وذلك أنه أراد من المأق مثال فاعل فكان قياسه مائق، إلا أنه قد قلبه إلى فالع، فصار: مأقٍ بمنزلة شاكٍ ولاثٍ في شائك ولائث. ومثله قوله٣:
وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
أراد: الخائل: فاعلا من الخيلاء.
وجبروة من قبل الكوفيين. وهو فائت. ومثاله فعلوة.
وأما مسكين ومنديل فرواهما اللحياني. وذاكرت يومًا أبا علي بنوادره٤ فقال: كناش٥. وكان أبو بكر ﵀ يقول: إن كتابه لا تصله به٦ رواية، قدحًا فيه، وغضًا منه.
стр. 1133
وأما حوريت فدخلت يومًا على أبي علي ﵀ فحين رأنى قال: أين أنت! أنا أطلبك. قلت؛ وما هو؟ قال: ما تقول في حوريت١؟ فخضنا فيه، فرأيناه خارجًا عن الكتاب. وصانع أبو علي عنه بأنه قال: إنه٢ ليس من لغة ابني نزار٣، فأقل الحفل به لذلك. وأقرب ما ينسب إليه أن يكون فعليتا٤، قريبًا من عفريت. ونحوه ما أخبرنا به أبو علي من قول بعضهم في الخلبوت٥: الخلبوت، وأنشد:
ويأكل الحية والحيوتا٦
وهو ذكر الحيات، فهذان٧ فعلوت٨.
وأما ترقؤة فبادي أمرها أنها فائتة؛ لكونها فعلؤة. ورويناها٩ عن قطرب، وذكر أنها لغة لبعض عكل. ووجه القول عليها -عندي- أن تكون١٠ مما همز من غير المهموز، بمنزلة استلأمت الحجر، واستنشأت الرائحة -وقد ذكرنا ذلك في بابه- وأصلها ترقوة، ثم همزت على ما قلناه.
وأما سمرطول١١ فأظنه تحريف سمرطول بمنزلة عضرفوط١١، ولم نسمعه في نثر١٢. قال:
على سمرطولٍ نيافٍ شعشع١٣
стр. 1134
وإذا استكرهوا في الشعر لإقامة الوزن خلطوا فيه قال:
بسحبل الدفين عيسجور
أراد سبحلا، فغير كما ترى. وله نظائر قد ذكرت في باب١ التحريف.
وقرعبلانة كأنها٢ قرعبل، ولا اعتداد بالألف والنون وما بعدهما. ويدلك على إقلالهم الحفل بهما٣، ادغامهم الإمدان٤؛ كما يدغم أفعل من المضاعف؛ نحو أرد وأشد، ولو كانت الألف والنون معتدة لخرج بهما المثال عن وزن الفعل فوجب إظهاره، كما يظهر ما٥ "خرج عن مثاله، نحو حضض٦، وسُرر٧، وسَرر٧. وعلى أن هذه اللفظة" لم تسمع إلا من كتاب العين. وهي -فيما ذكر- دويبة. وفيه وجه آخر. وهو أن الألف والنون قد عاقبتا تاء التأنيث وجرتا مجراها. وذلك في "حذفهم لهما"٨ عند إرادة الجمع كما تحذف٩؛ ألا تراهم قالوا في استخلاص الواحد من الجمع بالهاء وذلك شعير وشعيرة وتمر وتمرة وبط وبطة، وسفرجل وسفرجلة. فكذلك انتزعوا الواحد من الجمع بالألف والنون أيضًا. وذلك قولهم: إنس، فإذا أرادوا الواحد قالوا: إنسان، وظرب، فإذا أراد الواحد قالوا: ظربان قال١٠:
قبحتم يا ظربا مجحره
стр. 1135
وكذلك أيضًا حذفوا الألف والنون لياءي١ الإضافة؛ كما حذفت٢ التاء لهما؛ قالوا في خراسان: خراسي، كما يقولون في خراشة٣: خراشي. وكسروا أيضًا الكلمة على حذفهما، كما يكسرونها على حذف التاء. وذلك قولهم: كَروان وكِروان "وشَقذان وشِقذان"٤ كما قالوا: بَرق٥ وبِرقان، وخرب٦ خربان. فنظير هذا قولهم: نعمة وأنعم. وشدة وأشد عنده سيبويه. فهذا نظير٧ ذئب وأذؤب وقطح٨ وأقطع، وضرس وأضرس، قال:
وقرعن نابك قرعة بالأضرس٩
وقالوا أيضًا: رجل كذبذب وكذبذبان، حتى كأنهما مثال واحد، كما أن دمًا ودمة وكوكبًا وكوكبة مثال واحد. ومثله الشعشع١٠ والشعشان١٠، والهزنبر١١ والهزنبران١١ و"الفرعل والفرعلان"١٢.
فلما تراسلت الألف والنون، والتاء في هذه المواضع وغيرها جرتا مجرى المتعاقبتين١٣، فإذا التقتا في مثال واحد ترافعتا أحكامهما، على ما "قدمناه١٤ في" ترافع الأحكام. فكذلك قرعبلانة لما اجتمعت١٥ عليه١٦ التاء مع الألف والنون ترافعتا١٧
стр. 1136
أحكامهما، فكأن لا تاء هناك ولا ألف ولا نونًا، فبقى الاسم على هذا كأنه قرعبل. وذلك ما أردنا بيانه. فاعرفه.
وأما عقربان "مشدد١ الباء" فلك فيه أمران: إن شئت قلت: إنه لا اعتداد بالألف والنون فيه -على ما مضى- فيبقى حينئذ كأنه عقرب، بمنزلة قسقب٢ وقسحب٢ وطرطب٣. وإن شئت ذهبت مذهبا أصنع من هذا. وذلك أنه قد جرت الألف والنون من حيث ذكرنا في كثير من كلامهم مجرى ما ليس موجودًا على بيننا. وإذا كان كذلك كانت الباء لذلك كأنها حرف الإعراب وحرف الإعراب قد يلحقه التثقيل في الوقف، نحو هذا خالد، وهو يجعل. ثم إنه قد يطلق ويقر تثقيله عليه نحو الأضخما٤، وعيهل٥. فكأن عقربانًا٦ لذلك عقرب، ثم لحقتها التثقيل لتصور معنى الوقف عليها عند اعتقاد حذف الألف والنون من بعدها، فصارت كأنها عقرب ثم لحقها٧ الألف والنون فبقي على تثقيله كما بقى "الأضخما" عند إطلاقه على تثقيله إذا٨ أجرى٩ الوصل مجرى الوقف، فقيل: عقربان، على ما شرحنا وأوضحنا. فتأمله ولا "يجف عليك"١٠ ولا تنب عنه، فإن له نظيرًا، بل نظراء، ألا تراهم قالوا في الواحد: سيد١١، فإذا١٢ أرادوا الواحدة قالوا سيدانة، فألحقوا علم التأنيث بعد
стр. 1137
الألف والنون، وإنما يجب أن يلحق بعد حرف إعراب المذكر، كذئب وذئبة، وثعلب وثعلبة؛ وقد ترى إلى قلة اعتدادهم بالألف والنون في سيدانة، حتى كأنهم قالوا: سيدة. وهذا تناهٍ في إضعاف حكم الألف والنون. وقد١ قالوا: "الفرعل والفرعلان"٢ والشعشع والشعشعان "والصحصح والصحصحان"٣ بمعنى واحد فكأن اللفظ لم يتغير.
ومثل التثقيل في الحشو لنية الوقف ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
غضٌ نجارى طيب عنصري٤
فثقل الراء من عنصري"٥ وإن كانت الكلمة مضافة إلى مضمر. وهذا يحظر عليك الوقوف على الراء كما يثقلها٦ في عنصر نفسه.
ومثله أيضًا قول الآخر:
يا ليتها قد خرجت من فمه٧
فثقل آخر الكلمة وهي مضافة إلى مضمر، فكذلك٨ حديث٩ عقربان. فاعرفه فإنه غامض.
стр. 1138
وأما مألك فإنه أراد: مألكة فحذف الهاء ضرورة، كما حذفها الآخر من قوله:
إنا بنو عمكم لا أن نباعلكم ... ولا نصالحكم إلا على ناح١
أراد: ناحية"٢. وكذلك قوله الآخر:
ليوم روع أو فعال مكرم٣
أراد: مكرمة، وقول الآخر٤:
بثين الزمي لا إن لا إن لزمته ... على كثرة الواشين أي معون
أراد: أي معونة، فحذف التاء. وقد كثر حذفها في غير هذا.
وأما أصرى٥ فإن أبا العباس استدركها. وقال٦: وقد جاءت أيضا إصبع. وحدثنا أبو علي قال: قال إبراهيم الحربي: في إصبع وأنملة جميع ما يقول الناس. ووجدت بخط أبي علي: قال الفراء: لا يلتفت إلى ما رواه البصريون من قولهم: إصبع؛ فإنا بحثنا عنها فلم نجدها. وقد حكيت أيضا: زئبر وضئبل وخرفع؛ وجميع ذلك شاذ لا يلتفت إلى مثله؛ لضعفه في القياس، وقلته في الاستعمال. ووجه ضعف قياسه خروجك من كسر إلى ضم بناء لازما وليس بينهما إلا الساكن. ونحو منه ما رويناه عن قطرب من "قول بعضهم"٧ في الأمر: اقتل، اعبد. ونحو منه٨ في الشذوذ عن الاستعمال قول بعضهم: إزلزل، وهي كلمة تقال عند الزلزلة.
стр. 1139
وينبغي أن تكون من معناها، وقريبة من لفظها، ولا تكون من حروف الزلزلة. وإنما حكمنا بذلك لأنها١ لو كانت منها لكانت إفعلل، فهو مع أنه مثال فائت فيه بلية من جهة أخرى. وذلك أن ذوات الأربعة لا تدركها الزيادة من أولها، إلا في الأسماء الجارية على أفعالها؛ نحو مدحرج وليس إزلزل من ذلك. فيجب أن تكون٢ من لفظ الأزل ومعناه٣. ومثاله فعلعل، نحو كذبذب فيما مضى.
وأما مد المقصور وقصر الممدود، والإشباع والتحريف فلا تعتد أصولا، ولا تثبت بها مثل، موافقة ولا مخالفة.
وقال٤: الفعلال لا يأتي إلا مضاعفا٥؛ نحو القلقال٦ والزلزال. وحكى الفراء: ناقة بها خزعال، أي داء. وقال أوس٧:
ولنعم مأوى المستضيف إذا دعا ... والخيل خارجة من القسطال
وقد يمكن أن يكون أراد: القسطل، فاحتاج، فأشبع الفتحة؛ على قوله:
ينباع من ذفرى
وقد٨ جاء في شعر ابن ذريح سراوع اسم مكان؛ قال:
عفا سرفٌ من أهله فسراوع٩
стр. 1140
وقالوا: جلس الأربعاوي١.
وجاء الفرنوس في٢ أسماء الأسد.
والحبليل٣: دويبة يموت٤ فإذا أصابه٥ المطرعاش. وقالوا: رجل ويلمة٦، وويلم للداهية. وهذا خارج على٧ الحكاية، أي يقال له من دهائه: ويلمه، ثم ألحقت٨ الهاء للمبالغة، كداهية ومنكرة٩. وقد رووا قوله١٠:
وجلنداء في عمان مقيما
وإنما هو١١: جلندى مقصورا. وكذلك ما أنشده١٢ من قول رؤبة:
ما بال عيني كالشعيب العين
حملوه على فيعل مما اعتلت عينه. وهو١٣ شاذ. وأوفق من هذا -عندي- أن يكون: فوعلا أو فعولا حتى لا يرتكب شذوذه. وكأن الذي سوغهم هذا ظاهر
стр. 1141
الأمر وأنه أيضا قد روى "العين" بكسر العين. وكذلك طيلسان مع الألف والنون: فيعل في الصحيح، على أن الأصمعي قد أنكر كسر اللام. وذهب أحمد بن يحيى وابن دريد في يستعور١ إلى أنه يفتعول. وليس هذا من غلط أهل الصناعة. وكذلك ذهب ابن الأعرابي في يوم أرونانٍ٢ إلى أنه أفوعال من الرنة، وهذا كيستعورٍ في الفساد. ونحوه في الفساد قول أحمد بن يحيى في أسكفة٣: إنها من استكف، وقوله في تواطخ القوم: إنه من الطيخ، وهو الفساد. وقد قال أمية:
إن الأنام رعايا الله كلهم ... هو السليطيط فوق الأرض مستطر٤
ويروى السلطليط وكلاهما شاذ.
وأما صعفوق فقيل: إنه أعجمي. وهم خول٥ باليمامة، قال العجاج:
من آل صعفوقٍ وأتباعٍ أخر٦
وقد٧ جاء في شعر أمية بن أبي عائذ:
مطاريح بالوعث مر الحشو ... ر هاجرن رماحه زيزفونا٨
стр. 1142
يعني قوسا. وهي في ظاهر الأمر: فيفعول من الزفن؛ لأنه ضرب من الحركة مع صوت. وقد يجوز أن يكون "زيزفون" رباعيا قريبا من لفظ الزفن. ومثله من الرباعي ديدبون.
وأما الماطرون١ فذهب أبو الحسن إلى أنه رباعي. واستدل على ذلك بكسر النون مع الواو ولو كانت زائدة لتعذر ذلك فيها.
ومثله الماجشون وهي ثياب مصبغة، قال٢:
طال ليلى وبت كالمحزون ... واعترتني الهموم بالماطرون
وقال أمية الهذلي أيضا:
ويخفى بفيحاء مغبرة ... تخال القتام به الماجشونا٣
وينبغي أن يكون السقلاطون٤ على هذا خماسيا، لرفع النون وجرها مع الواو.
وكذلك أيضا نون أطرنون، قال٥:
وإن يكن أطربون قطعها ... فإن فيها بحمد الله منتفعا
والكلمة بها خماسية كعضرفوط.
وضهيد٦: اسم موضع. ومثله عتيد. وكلاهما مصنوع.
стр. 1143
وقيل: الخرنباش: نبت طيب الريح قال:
أتتنا رياح الغور من نحو أرضها ... بريح خرنباش الصرائم والحقل١
وقد٢ يمكن أن يكون في الأصل خرنبش، ثم أشيعت فتحته فصار: خرنباش.
وحكى أبو عبيدة القهو باة٣. وقد قال سيبويه: ليس في الكلام فعولى. وقد يمكن أن يحتج له، فيقال: قد يأتي مع الهاء ما لولا هي لما أتى نحو ترقوة وحذرية.
وأنشد ابن الأعرابي:
إن تك ذا بز فإن بزى ... سابغةٌ فوق وأي إوز٤
قال أبو علي: لا يكون إوز من لفظ الوز لأنه قد٥ قال٦: ليس في الكلام إفعل صفة. وقد يمكن -عندى- أن يكون وصف به لتضمنه معنى الشدة كقوله٧:
لرحت وأنت غربال الإهاب
وقد مضى ذكره. ويجوز أيضا أن يكون كقولك٨: مررت بقائمٍ رجلٍ.
وقال أبو زيد: الزونك: اللحيم القصير الحياك في مشيه٩. زاك يزوك زوكانا. فهذا يدل على أنه فعنل.
وقيل: الضفنط من الضفاطة، وهو الرجل الضخم الرخو البطن.
стр. 1144
وأما زونزك فإنه فونعل "فيجب أن يكونا من أصلين"١. وأما زوزى٢ فإنه من مضاعف الواو. وهو فعلل كعدبس.
وحكى أبو زيد زرنوق٣ بفتح الزاي، فهذا فعنول. وهو غريب. وجميع هذا شاذ. وقد تقدم في أول الباب٤ وصف حاله، ووضوح العذر في الإخلال به "وقالوا٥: تعفرت الرجل. فهذا٦ تفعلت. وقالوا: يرنأ لحيته إذا صبغها باليرنأ "وهو الحناء"٧ وهذا يفعل في الماضي. وما أغربه وأظرفه".
стр. 1145
باب في الحوار
...
باب في ١ الجوار:
وذلك في كلامهم على ضربين: أحدهما تجاور الألفاظ والآخر تجاور الأحوال.
فأما تجاور الألفاظ فعلى ضربين: أحدهما في المتصل، والآخر في المنفصل.
فأما المتصل فمنه مجاورة العين للام بحملها٢ على٣ حكمها. وذلك قولهم في صوم صيم ألا تراه٤ قال: إنهم شبهوا باب صوم بباب عصى فقلبه بعضهم. ومثله قولهم في جوع: جيع؛ قال٥:
بادرت طبختها لرهط جيع
وأنشدوا:
لولا الإله ما سكنا خضما ... ولا ظللنا بالمشاء قيما٦
وعليه ما أنشده محمد بن حبيب من قوله٧:
بريذينة بل البراذين ثفرها ... وقد شربت من آخر الصيف أيلا
أجاوز فيه أن يكون أراد: جمع لبن آئل أي خاثر، من قولهم: آل اللبن يئول٨ إذا٩ خثر، فقلبت العين حملا على قلب اللام١٠ كما تقدم.
ومن الجوار في المتصل قول جرير١١:
لحب لمؤقدان إلي مؤسى
وقد ذكرنا أنه تصور الضمة -لمجاورتها الواو- أنها١٢ كأنها فيها، فهمزها كما تهمز في أدؤرٍ١٣ والنؤور١٤، ونحو ذلك.
стр. 1146
وعليه أيضا أجازوا النقل لحركة الإعراب إلى ما قبلها في الوقف؛ نحو هذا بكر، ومررت ببكر؛ ألا تراها لما جاورت اللام بكونها في العين، صارت لذلك كأنها في اللام لم تفارقها.
وكذلك أيضا قولهم: شابة ودابة، صار فضل الاعتماد بالمد في الألف كأنه تحريك للحرف الأول المدغم، حتى كأنه لذلك لم يجمع بين ساكنين. فهذا نحو من الحكم على جوار الحركة للحرف.
ومن جوار المتصل استقباح الخليل نحو العقق١، مع الحمق، مع المخترق. وذلك لأن هذه الحركات قبل الروى المقيد لما جاورته وكان الروى في أكثر الأمر وغالب العرف مطلقا لا مقيدا صارت الحركة قبله كأنها فيه فكاد يلحق ذلك بقبح الإقواء. وقد تقدم ذكر نحو هذا. وله نظائر.
وأما الجوار في المنفصل فنحو ما ذهبت الكافة إليه في قولهم: هذا حجر ضب خرب وقول الحطيئة:
فإياكم وحية بطن واد ... هموز الناب ليس لكم بسي٢
стр. 1147
فيمن جر "هموز الناب" وقول الآخر١:
كأن نسج العنكبوت المرمل٢
"وإنما صوابه المرملا"٣ وأما قوله٤:
كبير أناس في بجاد مزمل
فقد يكون٥ أيضا على هذا النحو من الجوار. فأما عندنا نحن فإنه أراد: مزمل فيه، فحذف حرف الجر، فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول. وقد ذكرنا هذا أيضا.
وتجد في تجاور المنفصلين ما هو لاحق بقبيل المنفصل الذي أجرى مجرى المتصل في نحو قولهم: ها الله ذا، أجروه في الادغام مجرى دابة وشابة٦ ومنه قراءة بعضهم: ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾ ٧ و ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا﴾ ٨ "بإثبات الألف في ذا ولا"٩. ومنه ما رأيته أنا في إنشاد أبي زيد:
من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر١٠
стр. 1148
أعني فتح راء يقدر. وقد ذكرته. فهذا طريق تجاور الألفاظ وهو باب.
وأما تجاور الأحوال "فهو غريب"١. وذلك أنهم لتجاور الأزمنة ما يعمل في بعضها ظرفا ما لم يقع فيه من الفعل، وإنما وقع فيما يليه؛ نحو قولهم: أحسنت إليه إذا أطاعني، وأنت لم تحسن إليه في أول وقت الطاعة وإنما أحسنت إليه في ثاني ذلك ألا ترى أن الإحسان مسبب عن الطاعة وهي كالعلة له ولا بد من تقدم وقت السبب على وقت المسبب كما لا بد من ذلك مع العلة. لكنه لما تقارب الزمانان٢، وتجاورت الحالان، في الطاعة والإحسان، أو الطاعة، واستحقاق الإحسان صارا٣ كأنهما إنما وقعا في زمان واحد٤. ودليل ذلك أن "لما" من قولك: لما أطاعني أحسنت إليه، إنما هي منصوبة بالإحسان وظرف له، كقولك٥: أحسنت إليه وقت طاعته، وأنت لم تحسن إليه لأول وقت الطاعة وإنما كان الإحسان في ثاني ذلك أو ما يليه ومن شرط الفعل إذا نصب ظرفا أن يكون واقعا فيه أو في بعضه، كقولك: صمت يوما، وسرت فرسخا، وزرتك يوم الجمعة وجلست عندك. فكل واحد من هذه الأفعال واقع في الظرف الذي نصبه لا محالة ونحن نعلم أنه لم يحسن إليه إلا بعد أن أطاعه لكن لما كان الثاني مسببا عن الأول وتاليا له فاقتربت الحالان، وتجاور الزمانان صار الإحسان؛ كأنه إنما هو والطاعة في زمان واحد، فعمل الإحسان في الزمان الذي يجاور وقته، كما يعمل في الزمان الواقع فيه٦ هو نفسه. فاعرفه.
стр. 1149
فيصير معناه لا إعرابه: ولن ينفعكم إذ ظلمتم اشتراككم اليوم في العذاب، فينتزع من معنى ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ ما يعمل في "اليوم" على حد قولنا في قوله -سبحانه: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ ١ في أحد الأقوال٢ الثلاثة فيه، وعلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ ٣ وإذ أنت فعلت هذا أيضا لم تخرج به من أن يكون "إذ ظلمتم" في اللفظ معمولا لقوله "لن ينفعكم" لما ذكرنا من الجوار، وتلو الآخرة الأولى بلا فصل.
وكأنه إنما جاء هذا النحو في الأزمنة دون الأمكنة، من حيث كان كل جزء من الزمان لا يجتمع مع جزء آخر منه إنما يلي الثاني الأول خالفا له وعوضا منه. ولهذا قيل -عندى- للدهر عوض -وقد ذكرت هذا في كتابي في التعاقب- فصار الوقتان كأنهما واحد وليس كذلك المكان؛ لأن المكانين يوجدان في الوقت الواحد بل في أوقات كثيرة غير منقضية. فلما كان المكانان بل الأمكنة كلها تجتمع في الوقت الواحد والأوقات كلها لم يقم بعضها مقام بعض ولم يجر مجراه. فلهذا لا نقول٤: جلست في البيت من خارج أسكفته وإن كان ذلك موضعا يجاور البيت ويماسه لأن البيت لا يعدم فيكون٥ خارج بابه نائبا عنه، وخالفا٦ في الوجود له كما يعدم الوقت فيعوض منه ما بعده.
стр. 1150
فإن قلت: فقد تقول: سرت من بغداد إلى البصرة نهر١ الدير، قيل: ليس هذا من٢ حديث الجوار في شيء، وإنما٣ هو من باب٤ بدل البعض؛ لأنه بعض طريق البصرة؛ يدل على ذلك أنك لا تقول: سرت من بغداد إلى البصرة "نهر الأمير؛ لأنه أطول من طريق البصرة"٥ زائدة٦ عليه، والبدل لا يجوز إذا كان "الثاني أكثر من الأول، كما يجوز إذا كان"٧ الأول أكثر من الثاني؛ ألا ترى أنهم لم يجيزوا أن يكون "ربع" من قوله:
اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل
ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل٨
بدلا من "الطلل"؛ من حيث كان الربع أكثر من الطلل. ولهذا ما حمله سيبويه على القطع والابتداء، دون البدل والإتباع "هذا٩ إن" أردت بالبصرة حقيقة نفس البلد. فإن أردت جهتها وصعقها جاز: انحدرت من بغداد إلى البصرة نهر الأمير. وغرضنا فيما قدمناه أن تريد "بالبصرة"١٠ نفس البلد البتة.
стр. 1151
وهذا التجاور الذي ذكرناه في الأحوال والأحيان لم يعرض له أحد من أصحابنا. وإنما ذكروا تجاور الألفاظ فيما١ مضى. وقد مر بنا شيء من هذا النحو في المكان؛ قال:
وهم إذا الخيل جالوا في كواثبها٢
وإنما يجول الراكب في صهوة الفرس لا في كاثبته٣، لكنهما لما تجاورا جريا مجرى الجزء الواحد.
باب في نقض الأصول وإنشاء أصول "غيرها منها"٤:
رأيت أبا علي ﵀ معتمدا هذا الفصل من العربية، ملما به، دائم التطرق له والفزع فيما يحدث٥ إليه. وسنذكر من أين أنس به، حتى عول في كثير من الأمر عليه.
وذلك كقولنا٦: بأبأت بالصبى بأبأة وبئباء إذا قلت له: بئبا٧. وقد علمنا أن أصل هذا أن الباء حرف جر، والهمزة فاء الفعل، فوزن هذا على هذه المقدمة: بفبفت بفبفة وبفبافا، إلا أنا لا نقول مع هذا: إن هذه المثل على ما ترى، لكن نقول: إن بأبأت الآن بمنزلة رأرأت٨ عيناه، وطأطأت رأسي، ونحو ذلك مما ليس متنزعا ولا مركبا. فمثاله٩ إذا: فعللت فعللة وفعلالا، كدحرجت دحرجة ودحراجا.
стр. 1152
ومن ذلك قولهم: الخاز باز١. فالألف عندنا فيهما٢ أصل، بمنزلة ألف كافٍ ودال. وذلك لأنها أسماء مبينة٣ وبعيدة عن التصرف والاشتقاق. فألفاتها إذًا أصول فيها كألفات، ما، ولا، وإذا، وألا، وإلا، وكلا، وحتى. ثم إنه قال:
ورمت لهازمها من الخزباز٤
فالخزباز الآن بمنزلة السربال والغربال، وألفه محكوم عليها بالزيادة كألفهما؛ ألا ترى الأصل كيف استحال زائدا، كما استحالت "باء الجر الزائدة في بأبي أنت فاء في بأبأت بالصبى. وكذلك أيضا استحالت"٥ ألف قافٍ "ودالٍ ونحوهما"٦ وأنت تعتقد "فيها كونها أصلا"٧ غير٨ منقلبة، إلى اعتقادك فيها القلب، لما اعتزمت فيها الاشتقاق. وذلك قولك: قوفت قافا، ودولت دالا. وسألني أبو علي ﵀ يوما عن إنشاد أبي زيد:
فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا٩
فقال: ما تقول في هذه الألف من قوله: بالا، يعنى الأولى. فقلت: أصل، لأنها كألف ما، ولا، ونحوهما. فقال: بل هي الآن محكوم عليها بالانقلاب، كألف باب ودار. فسألته عن علة ذلك، فقال: لما خلصت بها١٠ لام الجر من بعدها
стр. 1153
وحسن قطعها، والوقوف عليها، والتعليق لها في قوله: يا لا أشبهت يال١ هذه الكلمة الثلاثية التي عينها ألف، فأوجب القياس أن يحكم عليها بأنها كباب، وساق، ونحو ذلك. فأنقت لذلك، وذهب بي٢ استحساني إياه٣ كل مذهب.
وهذا الحديث الذي نحن الآن عليه هو الذي سوغ عندى أن يكتب نحو قوله٤:
يال بكر أنشروا لي كليبا
ونحو ذلك مفصولة اللام الجارة عما جرته. وذلك أنها حيزت إلى "يا" من قبلها حتى صارت "يال" كباب ودار، وحكم على ألفها "من الانقلاب"٥ بما يحكم به على العينات إذا كن ألفات. وبهذا أيضا نفسه يستدل على شدة اتصال حروف٦ الجر بما تدخل٧ عليه من الأفعال لتقويه٨ فتعديه٩؛ نحو مررت بزيد ونظرت إلى جعفر، ألا ترى أن لام الجر "في نحو"١٠ يالزيد دخلت موصلة لـ"يا" إلى المنادى،
стр. 1154
كما توصل الباء الفعل في نزلت بك وظفرت به. وقد تراها محوزة إلى "يا" حتى قال "يالا" فعلق حرف الجر، ولو لم يكن لاحقا بـ "يا"١ وكالمحتسب جزءا منها٢، لما ساغ تعليقه دون مجروره؛ نحو قوله: يال بكر ويال الرجال ويال الله و:
يا لك من قبرة بمعمر٣
ونحو ذلك. فاعرفه غرضا٤ اعتن فيما كنا فيه فقلنا عليه. وإن فسح في المدة أنشأنا كتابا في الهجاء وأودعناه ما٥ هذه سبيله وهذا شرحه، مما لم تجر عادة بإيداع مثله٦. "ومن الله المعونة"٧.
ومما كنا عليه ما حكاه الأصمعي من أنهم إذا قيل لهم، هلم إلى كذا، فإذا أرادوا الامتناع منه قالوا: لا أهلم فجاءوا٨ بوزن أهريق وإنما هاء هلم٩ ها في التنبيه في نحو١٠ هذا وهذه؛ ألا ترى إلى قول الخليل فيها: إن أصلها هالم بنا، ثم حذفت الألف تخفيفا، وهاء أهريق إنما هي بدل من همزة أرقت، لما صارت إلى هرقت وليست من حديث التنبيه في قبيل ولا دبير.
ومن ذلك قولهم في التصويت١١: هاهيت وعاعيت وحاحيت؛ فهذه الألف عندهم الآن في موضع العين ومحكوم عليها بالانقلاب، وعن الياء أيضا، وإن كان أصلها
стр. 1155
ألفا أصلا١ في قولهم: هاء وعاء وحاء. فهي٢ هنا كألف قاف وكاف ودال ولام٣ أصل غير زائدة ولا منقلبة، وهي في هاهيت وأختيها "عين منقلبة"٤ عن ياء عندهم، أفلا ترى إلى استحالة التقدير فيها، وتلعب الصنعة بها.
ونحو من ذلك قولهم: دعدعت بالغنم٥ إذا قلت لها: داع داع٦، وجهجهت بالإبل٧ إذا قلت لها: جاه جاه٨، فجرى٩ دعدعت وجهجهت عندهم الآن مجرى قلقلت وصلصلت١٠ ولو راعيت أصولها وعملت١١ على ملاحظة أوائل أحوالها، لكانت١٢ فلفلت؛ لأن الألف التي هي عين عند تجشم التمثيل في١٣ داع وجاه، قد حذفت ودعدعت وجهجهت. وقد كنت عملت١٤ كتاب الزجر عن ثابت بن محمد، وشرحت أحوال تصريف ألفاظه واشتقاقها فجاء منه شيء صالح وطريف. وإذا ضممته١٥ إلى هذا الفصل كثر به؛ وأنس بانضمامه إليه.
стр. 1156
باب في الامتناع من نقض الغرض:
اعلم أن هذا المعنى الذي تحامته العرب -أعني امتناعها من نقض أغراضها١- يشبه البداء٢ الذي تروم اليهود إلزامنا إياه في نسخ الشرائع وامتناعهم منه إلا٣ أن الذي رامته العرب من٤ ذلك صحيح على السير، والذي ذهبوا هم إليه فاسد غير مستقيم. وذلك أن نسخ الشرائع ليس ببداءٍ٥ عندنا؛ لأنه ليس نهيا عما أمر الله تعالى به، وإنما هو٦ نهى عن مثل ما أمر الله تعالى به في وقت آخر غير الوقت الذي كان -سبحانه- أمر بالأول فيه؛ ألا ترى أنه -عز اسمه- لو قال لهم: صوموا يوم كذا ثم نهاهم عن الصوم فيه فيما بعد لكان إنما نهاهم عن مثل ذلك الصوم، لا عنه نفسه. فهذا٧ ليس بداء٨. لكنه لو قال: صوموا يوم الجمعة ثم قال لهم قبل مضيه: لا تصوموه٩ لكان -لعمري- بداء١٠ وتنقلا، والله -سبحانه- يجل عن هذا؛ لأن فيه انتكاثا، وتراجعا، واستدراكا، وتتبعا. فكذلك١١ امتناع العرب من نقض أغارضها هو في الفساد١٢ مثل ما نزهنا القديم -سبحانه- عنه من البداء١٣.
فمن ذلك امتناعهم من ادغام الملحق؛ نحو جلبب١٤، وشملل، وشربب "ورمدد ومهدد"١٥ وذلك أنك إنما١٦ أردت بالزيادة والتكثير١٧ البلوغ إلى مثال معلوم، فلوا ادغمت
стр. 1157
في نحو شربب فقلت: شرب لا تنقض غرضك الذي اعتزمته: من مقابلة الساكن بالساكن والمتحرك بالمتحرك فأدى ذلك إلى ضد ما اعتزمته ونقض ما رمته. فاحتمل التقاء المثلين متحركين لما ذكرنا من حراسة هذا الموضع وحفظه.
ومن ذلك امتناعهم من تعريف الفعل. وذلك أنه إنما الغرض فيه إفادته فلابد من١ أن يكون منكورا لا يسوغ تعريفه٢؛ لأنه لو كان معرفة لما كان مستفادا لأن المعروف قد غنى بتعريفه عن اجتلابه٣ ليفاد من جملة الكلام. ولذلك قال أصحابنا: اعلم أن حكم الجزء المستفاد من الجملة أن يكون منكورا، والمفاد هو الفعل لا الفاعل. ولذلك٤ لو أخبر بما لا شك فيه لعجب منه وهزئ "من قوله"٥. فلما كان كذلك لم يجز تعريف ما وضعه على التنكير؛ ألا تراه يجرى وصفا على النكرة وذلك٦ نحو مررت برجل يقرأ، فهذا كقولك: قارئٍ، ولو كان معرفة لاستحال جريه وصفا على النكرة.
ومن ذلك امتناعهم من إلحاق "من" بأفعل٧ إذا عرفته باللام؛ نحو الأحسن منه٨، والأطول منه. وذلك أن "من" -لعمري-٩ تكسب ما يتصل به: من أفعل هذا١٠ تخصيصا ما، ألا تراك لو قلت: دخلت البصرة فرأيت أفضل من ابن سيرين لم يسبق
стр. 1158
الوهم إلا إلى الحسن ﵁ "فبمن ما صحت لك"١ هذه الفائدة، وإذا قلت: الأحسن أو الأفضل أو نحو ذلك فقد استوعبت اللام من التعريف أكثر مما تفيده "من" حصتها من التخصيص، فكرهوا أن يتراجعوا بعد ما حكموا به من قوة التعريف إلى الاعتراف بضعفه، إذا هم أتبعوه من الدالة٢ على حاجته إليها، وإلى قد ما تفيده: من التخصيص المفاد منه.
فأما ما ظن أبو عثمان الجاحظ من أنه يدخل على قول أصحابنا "في هذا من قول الشاعر"٣:
فلست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
فساقط عنهم٤. وذلك أن "من" هذه ليست هي التي تصحب "أفعل" هذا٥ لتخصيصه، فيكون ما رامه أبو عثمان من جمعها مع لام التعريف. وذلك لأنها إنما٦ هي حال من تاء "لست"؛ كقولك: لست فيهم بالكثير مالا، ولا أنت منهم٧ بالحسن وجها، أي لست من بينهم وفي جملتهم بهذه٨ الصفة، كقولك: أنت والله من بين الناس حر وزيد من جملة رهطه كريم.
стр. 1159
ومن ذلك امتناعهم من إلحاق علم التأنيث لما فيه علمه، حتى دعاهم ذلك إلى أن قالوا: مسلمات، ولم يقولوا مسلمتات، لئلا يلحقوا "علامة تأنيث مثلها"١. وذلك أن إلحاق علامة٢ التأنيث إنما هو ليخرج المذكر قبله إليه وينقله إلى حكمه فهذا٣ أمر يجب عنه وله أن يكون ما نقل إلى التأنيث قبل نقله إليه مذكرا كقائم من٤ قائمة وظريف من٤ ظريفة. فلو ذهبت تلحق العلامة العلامة٥ لنقضت الغرض. وذلك أن التاء في قائمة قد أفادت تأنيثه وحصلت له حكمه فلو ذهبت تلحقها علامة أخرى فتقول: قائمتات لنقضت ما أثبت٦ من التأنيث الأول، بما تجشمته من إلحاق علم التأنيث الثاني له؛ لأن في ذلك إيذانا بأن الأول به لم يكن مؤنثا، وكنت أعطيت اليد بصحة تأنيثه لحصول ما حصل فيه من علمه، وهذا هو النقض والبداء٧ البتة. ولذلك أيضا لم يثن الاسم المثنى؛ لأن ما حصل فيه من علم التثنية مؤذن بكونه إثنين، وما يلحقه من علم التثنية ثانيا يؤذن بكونه في الحال الأولى مفردا؛ وهذا هو الانتقاض والانتكاث لا غير.
فإن قلت: فقد يجمع الجمع؛ نحو أكلب وأكالب "وأسقية وأساقٍ"٨ فكيف القول في ذلك؟
стр. 1160
قيل له: فرق بينهما أن علمي١ التأنيث في "مسلمات لو قيل مسلمتات"٢ لكانا لمعنى واحدٍ٣ وهو التأنيث فيهما جميعًا، وليس كذلك معنيا التكسير في أكلب وأكالب. وذلك أن معنى أكلب أنها دون العشرة ومعنى أكالب أنها للكثرة التي٤ أول رتبتها٥ فوق العشرة. فهذان معنيان -كما تراهما- اثنان، فلم ينكر اجتماع لفظيهما، لاختلاف معنييهما٦.
فإن قلت: فهلا أجازوا -على هذا- مسلمتات، فكانت٧ التاء الأولى لتأنيث الواحد، والتاء٨ الثانية لتأنيث الجماعة؟
قيل: كيف تصرفت الحال فلم تفد واحدة من التاءين شيئًا غير التأنيث البتة. فأما عدة المؤنث في إفراده وجمعه فلم يفده العلمان فيجوز اجتماعهما؛ كما جاز تكسير التكسير في نحو أكلب وأكالب.
فإن قلت: فقد يجمع أيضًا الكثرة، نحو بيوت وبيوتات وحُمُر وحُمُرات ونحو قولهم: صواحبات يوسف، ومواليات العرب؛ وقوله:
قد جرت الطير أيامنينا٩
فهذا جمع أيامن، وأنشدوا:
فهن يعلكن حدائداتها١٠