← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن الاستحسان قولهم: صبية وقِنية وعِذيُ وبِليُ سفر, وناقة عليان, ودبة١ مهيار. فهذا كله استحسان٢ لا عن استحكام علة. وذلك أنهم لم يعتدوا الساكن حائلا بين الكسرة والواو لضعفه وكله من الواو. وذلك أن " قنية" من قنوت ولم يثبت أصحابنا قنيت وإن كان البغداديون قد حكوها و" صبية" من صبوت و" علية" من علوت و " عذي " من قولهم أرضون عذوات و" بلي " سفر من قولهم في معناه: بِلوٌ أيضًا ومنه البلوى, وإن لم يكن فيها دليل٣، إلا أن الواو مطردة في هذا الأصل قال ٤: فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو٥ وهو راجع إلى معنى بلو سفر وقالوا: فلان مبلو بمحنة وغير ذلك والأمر فيه واضح وناقة " عليان" من علوت أيضًا كما قيل لها: ناقة سناد, أي أعلاها متساند إلى أسفلها ومنه سندنا إلى الجبل أي علونا وقال الأصمعي: قيل لأعرابي: ما الناقة القرواح فقال: التي كأنها تمشي على أرماح. ودبة " مهيار" من قولهم هار يهور وتهور الليل على أن أبا الحسن قد حكى فيه هار يهير وجعل الياء فيه لغة وعلى قياس قول٦ الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه لا يكون في يهير دليل، لأنه قد يمكن أن يكون: فَعِل يَفعِل مثلهما. وكله لا يقاس؛ ألا تراك لا تقول في جرو: جِرى ولا في عِدوة الوادي: عِدية ولا نحو ذلك. ولا يجوز في قياس قول من

стр. 142

قال عليان, ومهيار, أن تقول في قرواح١, ودرواس٢: قرياح ودرياس٣، وذلك لئلا يلتبس مثال فعوال بفعيال فيصير قرياح ودرياس كسرياح وكرياس. وإنما يجوز هذا فيما كانت واوه أصلية لا زائدة وذلك أن الأصلي يحفظ نفسه بظهوره في تصرف أصله ألا تراك إذا قلت: علية ثم قلت: علوت وعلو وعلوة٤ وعلاوة ويعلو٥ ونحو ذلك, دلك وجود الواو في تصرف هذا الأصل على أنها هي الأصلية وأن الياء في علية بدل منها وأن الكسرة هي التي عذرت بعض العذر في قلبها وليس كذلك الزائد ألا تراه لا يستمر في تصرف الأصل استمرار الأصلي فإذا عرض له عارض من بدل أو حذف لم يبق هناك في أكثر الأمر ما يدل عليه وما يشهد به؛ ألا تراك لو حقرت قرياحًا بعد أن أبدلت واوه ياء على حذف زوائده لقلت ٦: قريح فلم تجد للواو أثرًا يدلك على أن ياء قرياح بدل من الواو٧، كما دلك علوت وعلو ورجل معلو بالحجة ونحو ذلك على أن ياء " علية" بدل من الواو. فإن قلت: فقد قالوا في قرواح: قرياح أيضًا سمعًا جميعًا فإن هذا ليس على إبدال الياء من الواو لا بل كل واحد منها مثال برأسه مقصود قصده.

стр. 143

فقرواح كقرواش١ وجلواخ٢، وقرياح ككرياس٣ وسرياح٤؛ ألا ترى أن أحدًا لا يقول: كرواس ولا سرواح ولا يقول أحد أيضًا في شرواط٤ وهلواع ٥: شرياط ولا هلياع. وهذا أحد ما يدلك على ضعف القلب فيما هذه صورته؛ لأن القلب للكسرة مع الحاجز لو كان قويًّا في القياس لجاء في الزائد مجيئه في الأصلي كأشياء كثيرة من ذلك. ومثل امتناعهم من قلب الواو في نحو هذا ياء من حيث كانت زائدة فلا عصمة لها ولا تلزم لزوم الأصلي فيعرف بذلك أصلها أن ترى الواو الزائدة مضمومة ضمًّا لازمًا ثم لا ترى العرب أبدلتها همزة كما أبدلت الواو الأصلية نحو أجوه وأُقتت. وذلك نحو الترهوك٧، والتدهور والتسهوك ٨: لا يقلب أحد هذه الواو -وإن انضمت ضمًّا لازمًا- همزة من قبل أنها زائدة فلو قلبت فقيل: الترهؤك لم يؤمن أن يظن أنها همزة أصلية غير مبدلة من واو. فإن قلت: ما تنكر أن يكون تركهم قلب هذه الواو همزة مخافة أن تقع الهمزة بعد الهاء وهما حلقيان وشديدا التجاور, قيل: يفسد هذا أن هذين الحرفين قد تجاورا والهاء مقدمة على الهمزة نحو قولهم: هأهأت في الدعاء ٩.

стр. 144

فإن قلت: هذا إنما جاء في التكرير, والتكرير قد يجوز فيه ما لولاه لم يجز؛ ألا ترى أن الواو لا توجد منفردة في ذوات الأربعة إلا في ذلك الحرف وحده وهو "وَرَنْتَل "١ ثم إنها قد جاءت مع التكرير مجيئًا متعالمًا نحو وَحْوَحَ٢ ووَزْوَزَ٣ ووكواك٤ ووُزاوِزة٣ وقوقيت وضوضيت وزوزيت٥ وموماة ودَوْداة٦ وشَوْشاة٧ قيل: قد جاء امتناعهم من همز نظير هذه الواوات بحيث لا هاء. ألا تراهم قالوا: زحْولته٨ فتزحول تَزَحْولا وليس أحد يقول تزحؤلا. وقد جمعوا بينهما متقدمة الحاء على الهمزة: نحو قولهم في الدعاء: حُؤْ حُؤْ ٩. فإن قيل: فهذا أيضًا إنما جاء في الأصوات المكررة كما جاء في الأول أيضًا في الأصوات المكررة نحو هُؤْ هُؤْ وقد ثبت أن التكرير محتمل فيه ما لا يكون في غيره. قيل: هذه مطاولة نحن فتحنا لك بابها وشرعنا منهجها, ثم إنها مع ذلك لا تصحبك ولا تستمر بك؛ ألا تراهم قد قالوا في " عنونت الكتاب ": إنه يجوز

стр. 145

أن يكون فعولت من عنّ يعنّ ومطاوعه تَعَنْوَن ومصدره التَّعَنْوُن وهذه الواو لا يجوز همزها لما قدمنا ذكره, وأيضًا فقد قالوا في عَلْونته: يجوز أن يكون فَعْولت من العلانية وحاله في ذلك حال عنونته على ما مضى. وقد قالوا أيضًا: سرولته تسرولا ولم يهمزوا هذه الواو لما ذكرنا. فإن قيل: فلو همزوا فقالوا: التسرؤل لما خافوا لبسًا لقولهم مع زوال الضمة عنها: تسرول وسرولته ومسرول كما أنهم لما قالوا: وقت وأوقات وموقت ووقّته أعلمهم ذلك أن همزة "أقتت " إنما هي بدل من واو. فقد ترى الأصل والزائد١ جميعًا متساويين متساوقين في دلالة الحال بما يصحب كل واحد منهما من تصريفه وتحريفه وفي هذا نقض لما رُمْت به الفصل بين الزائد والأصل. قيل كيف تصرَّفت الحال فالأصل أحفظ لنفسه, وأدلُّ عليها من الزائد؛ ألا ترى أنك لو حقرت تسرولا -وقد همزته- تحقير الترخيم لقلت " سريل" فحذفت الزائد٢ ولم يبق معك دليل عليه ولو حقرت نحو "أقتت " -وقد نقلتها إلى التسمية فصارت "أقتة " - تحقير الترخيم لقلت: وقيتة وظهرت الواو التي هي فاء. فإن قلت: فقد تجيز ههنا أيضًا "أقيتة " قيل الهمز ههنا جائز لا واجب وحذف الزوائد من "تسرؤل " في تحقير الترخيم واجب لا جائز. فإن قلت: وكذلك همز الواو في "تسرؤل " إنما يكون جائزًا أيضًا لا واجبًا قيل: همز الواو حشوًا أثبت قدمًا من همزها مبتدأة أعني في بقائها وإن زالت الضمة عنها؛ ألا ترى إلى قوله٣ في تحقير قائم: قويئم وثبات الهمزة وإن زالت الألف الموجبة

стр. 146

لها, فجرت لذلك مجرى الهمزة الأصلية في نحو سائل وثائر١ من سأل وثأر، -كذا٢ قال- فلذلك اجتنبوا أن يهمزوا واو "تسرول " لئلا تثبت قدم الهمزة فيرى أنها ليست بدلا وليس كذلك همزة " أقتت", ألا تراها متى زالت الضمة عنها عادت واوًا نحو موقت ومويقت. فإن قلت: فهلا أجازوا همز واو " تسرول " وأمنوا اللبس وإن قالوا في تحقير ترخيمه " سريل " من حيث كان وسط الكلمة ليس بموضع لزيادة الهمزة إنما هو موضع زيادة الواو نحو جدول وخِروع٢ وعجوز وعمود. فإذا رأوا الهمزة موجودة في " تسرؤل" محذوفة من " سريل" علموا -بما فيها مكن الضمة- أنها بدل من واو زائدة فكان ذلك يكون أمنًا من اللبس؟ قيل: قد زادوا الهمزة وسطًا في أحرف صالحة. وهي شمأل٣ وشأمل٣، وجرائض٤، وحطائط بطائط٥، ونِئدلان٦، وتأبل٧، وخأتم, وعألم, وتأبلت القدر, والرئبال ٨، فلما جاء ذلك كرهوا أن يقربوا باب لبس. فإن قلت: فإن همزة تأبل, وخأتم, والعألم إنما هي بدل من الألف قيل: هي وإن كانت بدلا فإنها بدل من الزائد والبدل من الزائد زائد وليس البدل من الأصل بأصل.

стр. 147

فقد ترى أن حال البدل من الزائد أذهب به١ في حكم ما هو بدل منه من الأصل في ذلك. فاعرف هذا. ومن الاستحسان قولهم: رجل غديان وعشيان وقياسه: غدوان وعشوان لأنهما من غدوت وعشوت أنشدنا أبو عليّ: بات ابن أسماء يعشوه ويصبحه ... من هجمة كأشاء النخل درار٢ ومثله أيضًا دامت٣ السماء تديم ديمًا, وهو من الواو, لاجتماع العرب طرًّا على " الدوام " و "هو أدوم من كذا ". ومن ذلك ما يخرج تنبيهًا على أصل بابه نحو استحوذ وأَغْيَلَتِ المرأة، و: صددتَ فأطوَلْتَ الصدود ٤ ...

стр. 148

وقالوا١: هذا شراب مبولة٢، وهو مطيبة للنفس، وقالوا: فإنه٣ أهل لأن يؤكرما ونظائره كثيرة غير أن ذلك يخرج ليعلم به أن أصل استقام استقوم وأصل مقامة مقومة وأصل يحسن يؤحسن. ولا يقاس هذا ولا ما قبله لأنه لم تستحكم علته وإنما خرج تنبيهًا وتصرفًا واتساعًا.

стр. 149

باب في تخصيص العلل ١: اعلم أن محصول مذهب أصحابنا ومتصرف٢ أقوالهم مبني على جواز تخصيص العلل. وذلك أنها وإن تقدمت علل الفقه فإنها أو أكثرها إنما تجري مجرى

стр. 150

التخفيف والفرق, ولو تكلف متكلف نقضها لكان ذلك ممكنًا -وإن كان على غير قياس- ومستثقلا؛ ألا تراك لو تكلفت تصحيح فاء ميزان وميعاد لقدرت على ذلك١، فقلت: مِوزان ومِوعاد. وكذلك لو آثرت تصحيح فاء موسر, ومُوقن, لقدرت على ذلك فقلت: ميسر, وميقن. وكذلك لو نصبت الفاعل ورفعت المفعول أو ألغيت العوامل: من الجوار والنواصب والجوازم لكنت مقتدرًا على النطق بذلك٢، وإن نفى القياس تلك الحال. وليست كذلك علل المتكلمين لأنها لا قدرة على غيرها ألا ترى أن اجتماع السواد والبياض في محل واحد ممتنع لا مستكره وكون الجسم متحركًا ساكنًا في حال واحدة فاسد. لا طريق إلى ظهوره ولا إلى تصوره. وكذلك ما كان من هذا القبيل. فقد ثبت بذلك تأخر علل النحويين عن علل المتكلمين وإن تقدمت علل المتفقهين. ثم اعلم من بعد هذا أن علل النحويين على ضربين: أحدهما ما لا بد منه فهو لاحق بعلل المتكلمين وهو قلب الألف واوًا لانضمام ما قبلها وياء لانكسار ما قبلها نحو ضورب وقراطيس وقد تقدم ذكره. ومن ذلك امتناع الابتداء بالساكن وقد تقدم ما فيه. ثم يبقى النظر فيما بعد فنقول: إن هذه العلل التي يجوز تخصيصها كصحة الواو إذا اجتمعت مع الياء وسبقت الأولى منهما بالسكون؛ نحو حيوة وعوى الكلب عوية, ونحو صحة الواو, والياء في نحو غزوا ورميا, والنزوان, والغليان, وصحة الواو في نحو اجتوروا, واعتونوا, واهتوشوا٣،

стр. 151

إنما اضطر القائل بتخصيص العلة فيها وفي أشباهها؛ لأنه لم يحتط في وصف العلة ولو قدم الاحتياط فيها لأمن الاعتذار بتخصيصها. وذلك أنه إذا عقد هذا الموضع قال في علة قلب الواو والياء ألفًا: إن الواو والياء متى تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين١، نحو قام وباع, وغزا, ورمى, وباب, وعاب, وعصا, ورحى, فإذا أدخل٢ عليه فقيل له: قد صحتا في نحو غزوا, ورميا, وغزوان, وصميان٣, وصحت الواو خاصة في نحو اعتونوا, واهتوشوا أخذ يتطلب ويتعذر فيقول: إنما صحتا في نحو رميا, وغزوا مخافة أن تقلبا ألفين فتحذف إحداهما فيصير اللفظ بهما: غزا ورمى فتلتبس التثنية بالواحد. وكذلك لو قلبوهما ألفين في نحو نفيان ونزوان لحذفت إحداهما فصار اللفظ بهما نفان ونزان فالتبس فعلان مما لامه حرف علة بفعال مما لامه نون. وكذلك يقولون ٤: صحت الواو في نحو اعتونوا واهتوشوا لأنهما في معنى ما لا بد من صحته أعني تعاونوا وتهاوشوا. وكذلك يقولون: صحتا في نحو عور وصيد لأنهما في معنى اعور واصيد وكذلك يقولون في نحو بيت٥ الكتاب: وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه

стр. 152

إنما جاز ما فيه من الفصل " بين ما لا يحسن"١ فصله لضرورة الشعر. وكذلك ما جاء من قصر الممدود ومد المقصور وتذكير المؤنث وتأنيث المذكر ومن وضع الكلام في غير موضعه يحتجون في ذلك وغيره بضرورة الشعر ويجنحون٢ إليها مرسلة غير متحجرة وكذلك ما عدا هذا: يسوون بينه ولا يحتاطون فيه فيحرسوا أوائل التعليل له. وهذا هو الذي نتق٣ عليهم هذا الموضع حتى اضطرهم إلى القول بتخصيص العلل وأصارهم إلى حيز التعذر والتمحل. وسأضع في ذلك رسمًا يقتاس فينتفع به بإذن الله ومشيئته. وذلك أن نقول في علة قلب الواو والياء ألفًا: إنهما متى تحركتا حركة لازمة وانفتح ما قبلهما وعرى الموضع من اللبس أو أن يكون في معنى ما لا بد من صحة الواو والياء فيه, أو أن يخرج على الصحة منبهة على أصل بابه, فإنهما يقلبان ألفًا. ألا ترى أنك إذا احتطت في وصف العلة بما ذكرناه سقط عنك الاعتراض عليك بصحة الواو والياء في حوبة وجيل إذ كانت الحركة فيهما عارضة غير لازمة، إنما هي منقولة إليهما من الهمزة المحذوفة للتخفيف في حوأبة٤ وجيأل٥. وكذلك يسقط عنك الإلزام لك بصحة الواو والياء في نحو قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وفي قولك في تفسير قوله : ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا

стр. 153

وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ﴾ : معناه: أي امشوا. فتصح الياء والواو متحركتين مفتوحًا ما قبلهما من حيث كانت الحركة فيهما لالتقاء الساكنين فلم يعتد لذلك. وكذلك يسقط عنك الاعتراض بصحة الواو والياء في عور وصيد, بأنهما في معنى ما لا بد فيه من صحة الواو والياء وهما اعور واصيد. وكذلك صحت في نحو اعتونوا وازدوجوا لما كان١ في معنى ما لا بد فيه من صحتها وهو تعاونوا وتزاوجوا. وكذلك صحتا في كروان وصميان مخافة أن يصيرا من مثال فعلان واللام معتلة إلى فعال واللام صحيحة وكذلك صحتا في رجل سميته بكروان, وصميان ثم رخمته ترخيم قولك يا حار فقلت: يا كرو ويا صمى لأنك٢ لو قلبتهما فيه فقلت: يا كرا ويا صما لالتبس فعلان بفعل ولأن الألف والنون فيهما مقدرتان أيضًا فصحتا كما صحتا وهما موجودتان. وكذلك صحت أيضًا الواو والياء في قوله عز اسمه: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ وقوله تعالى ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ من حيث كانت الحركة عارضة لالتقاء الساكنين غير لازمة. وكذلك صحتا في القود والحوكة والغيب تنبيهًا على أصل باب ودار وعاب. أفلا ترى إلى احتياطك في العلة كيف أسقط عنك هذه الالتزامات كلها ولو لم تقدم الأخذ بالحزم لاضطررت إلى تخصيص العلة وأن تقول: هذا من أمره ... ، وهذا من حاله ... ، والعذر في كذا وكذا ... ، وفي كذا وكذا ... ،

стр. 154

وأنت إذا قدمت ذلك الاحتياط لم يتوجه عليك سؤال؛ لأنه متى قال لك: فقد صحت الياء والواو في جيل وحوبة, قلت: هذا سؤال يسقطه ما تقدم, إذ كانت الحركة عارضة لا لازمة ولو لم تحتط بما قدمت لأجاءتك الحال إلى تمحل الاعتذار. وهذا عينه موجود في العلل الكلامية ألا ترى أنك تقول في إفساد اجتماع الحركة والسكون على المحل الواحد: لو اجتمعا لوجب أن يكون المحل الواحد ساكنًا متحركًا في حال واحدة ولولا قولك: في حال واحدة لفسدت العلة ألا ترى أن المحل الواحد قد يكون ساكنًا متحركًا في حالين اثنين. فقد علمت بهذا وغيره مما هو جار مجراه قوة الحاجة إلى الاحتياط في تخصيص العلة. فإن قلت: فأنت إذا حصل عليك هذا الموضع لم١ تلجأ في قلب الواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما ألفين إلا إلى الهرب من اجتماع الأشباه وهي حرف العلة والحركتان اللتان اكتنفتاه وقد علم مضارعة الحركات لحروف, اللين وهذا أمر موجود في قام, وخاف, وهاب كوجوده في حوِل, وعوِر, وصيِد, وعيِن؛ ألا ترى أن أصل خاف وهاب: خوِف وهَيِب فهما في الأصل كحول وصيد, وقد تجشمت في حول وصيد من الصحة ما تحاميته في خوف وهيب. فأما احتياطك بزعمك في العلة بقولك: إذا عري الموضع من اللبس، وقولك: إذا٢

стр. 155

كان في معنى ما لا بد من صحته وقولك: وكانت الحركة غير لازمة فلم نرك أوردته إلا لتستثنى به ما يورده الخصم عليك: مما صح من الياء والواو وهو متحرك وقبله فتحة. وكأنك إنما جئت إلى هذه الشواذ التي تضطرك إلى القول بتخصيص العلل فحشوت بها حديث علتك لا غير, وإلا فالذي أوجب القلب في خاف وهاب من استثقال حرفي اللين متحركين مفتوحًا ما قبلهما موجود البتة في حول وصيد وإذا كان الأمر كذلك دل على انتقاض العلة وفسادها. قيل: لعمري إن صورة حول وصيد لفظًا هي صورة خوف وهيب إلا أن هناك من بعد هذا فرقًا وإن صغر في نفسك وقل في تصورك وحسك فإنه معنى عند العرب مكين في أنفسها متقدم في إيجابه التأثير الظاهر عندها. وهو ما أوردناه وشرطناه: من كون الحركة غير لازمة وكون الكلمة في معنى ما لا بد من صحة حرف لينه ومن تخوفهم التباسه بغيره فإن العرب -فيما أخذناه عنها وعرفناه من تصرف مذاهبها- عنايتها بمعانيها أقوى من عنايتها بألفاظها. وسنفرد لهذا بابًا نتقصاه فيه بمعونة الله. أولا تعلم عاجلا إلى أن تصير إلى ذلك الباب آجلا أن سبب إصلاحها ألفاظها وطردها إياها على المثل والأحذية١ التي قننتها لها وقصرتها عليها إنما هو لتحصين٢ المعنى وتشريفه والإبانة عنه وتصويره, ألا ترى أن استمرار رفع الفاعل ونصب المفعول إنما هو للفرق بين الفاعل والمفعول وهذا الفرق أمر معنوي أصلح اللفظ له وقيد مقادة الأوفق من أجله. فقد علم بهذا أن زينة الألفاظ وحليتها لم يقصد بها إلا تحصين المعاني وحياطتها. فالمعنى إذًا هو المكرم المخدوم, واللفظ هو المبتذل الخادم.

стр. 156

وبعد فإذا جرت العادة في١ معلولها، واستتبت على منهجها وأمها قوي حكمها واحتمى جانبها, ولم يسع أحدًا أن يعرض لها إلا بإخراجه٢ شيئًا إن قدر على إخراجه منها. فأما أن يفصلها ويقول: بعضها هكذا, وبعضها هكذا فمردود عليه, ومرذول عند أهل النظر فيما جاء به. وذلك أن مجموع ما يورده المعتل بها هو حدها ووصفها فإذا انقادت وأثرت وجرت في معلولاتها فاستمرت لم يبق على بادئها, وناصب نفسه للمراماة عنها, بقية فيطالب بها, ولا قصمة٣ سواك٤ فيفك يد ذمته عنها. فإن قلت: فقد قال الهذلي:.... .... ...."٥. فقد كنت قلت في هذه اللفظة٦ في كتابي في ديوان هذيل: إنه إنما أعلت٧ هذه العين هناك ولم تصح كما صحت عين اجتوروا واعتونوا من حيث كان ترك قلب الياء ألفًا أثقل عليهم من ترك قلب الواو ألفًا لبعد ما بين الألف والواو وقربها من الياء وكلما تدانى الحرفان أسرع انقلاب أحدهما إلى صاحبه وانجذابه نحوه وإذا تباعدا كانا بالصحة والظهور قمنًا ٨. وهذا -لعمري- جواب جرى هناك

стр. 157

على مألوف العرف في تخصيص العلة. فأما هذا الموضع فمظنة من استمرار المحجة واحتماء العلة. وذلك أن يقال: إن استاف هنا لا يراد به تسايفوا أي تضاربوا بالسيوف فتلزم صحته كصحة عين تسايفوا كما لزمت صحة اجتوروا لما كان في معنى ما لا بد من صحة عينه وهو تجاوروا بل تكون استافوا هنا: تناولوا سيوفهم وجردوها. ثم يعلم أنهم تضاربوا مما دل عليه قولهم: استافوا فكأنه من باب الاكتفاء بالسبب عن المسبب كقوله: ذر الآكلين الماء ظلمًا فما أرى ... ينالون خيرًا بعد أكلهم الماء١ يريد قومًا كانوا يبيعون الماء فيشترون بثمنه ما يأكلونه فاكتفى بذكر الماء الذي هو سبب المأكول٢ من ذكر المأكول. فأما تفسير أهل اللغة أن استاف القوم في معنى تسايفوا فتفسير على المعنى كعادتهم في أمثال ذلك ألا تراهم قالوا في قول الله : ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ : إنه بمعنى مدفوق, فهذا -لعمري- معناه غير أن طريق الصنعة فيه أنه ذو دفق كما حكاه الأصمعي عنهم من قولهم: ناقة ضارب إذا ضربت٣ وتفسيره أنها ذات ضرب أي ضربت. وكذلك قوله تعالى ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي لا ذا عصمة وذو العصمة يكون مفعولا كما يكون فاعلا فمن هنا قيل: إن معناه: لا معصوم. وكذلك قوله: لقد عيل الأيتام طعنة ناشره ... أناشر لا زالت يمينك آشره٤

стр. 158

أي ذات أشر, والأشر: الحز والقطع, وذو الشيء قد يكون مفعولا كما يكون فاعلا وعلى ذلك عامة باب طاهر وطالق وحائض وطامث ألا ترى أن معناه: ذات طهر وذات طلاق وذات حيض وذات طمث. فهذه ألفاظ١ ليست جارية على الفعل, لأنها لو جرت عليه للزم إلحاقها تاء التأنيث كما لحقت نفس الفعل. وعلى هذا قول الله تعالى ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي ذات رضا فمن هنا صارت بمعنى مرضية. ولو جاءت مذكرة لكانت كضارب وبازل, كباب حائض وطاهر, إذ الجميع غير جار على الفعل لكن قوله تعالى ﴿رَاضِيَةٍ﴾ كقوله: "لا زالت يمينك آشرة ". وينبغي أن يعلم أن هذه التاء في "راضية " و "آشرة " ليست التاء التي يخرج بها اسم الفاعل على التأنيث لتأنيث الفعل٢ من لفظه لأنها لو كانت تلك لفسد القول ألا ترى أنه لا يقال: ضربت الناقة ولا رضيت العيشة. وإذا لم تكن إياها وجب٣ أن تكون التي للمبالغة كفروقة, وصرورة, وداهية, وراوية, مما لحقته التاء للمبالغة والغاية. وحسن ذلك أيضًا شيء آخر. وهو جريانها صفة

стр. 159

على مؤنث, وهي بلفظ الجاري على الفعل, فزاد ذلك فيما ذكرنا, ألا ترى إلى همز حائض وإن لم يجر على الفعل إنما سببه أنه شابه في اللفظ ما اطرد همزه من الجاري على الفعل؛ نحو قائم وصائم وأشباه ذلك. ويدلك على أن عين حائض همزة, وليست ياء خالصة -كما لعله يظنه كذلك ظان- قولهم: امرأة زائر من زيارة النساء وهذا واضح ألا ترى أنه لو كانت العين صحيحة لوجب ظهورها واوًا وأن يقال: زاور. وعليه قالوا: الحائش١، والعائر للرمد, وإن لم يجريا على الفعل لما جاءا مجيء ما يجب همزه وإعلاله في غالب الأمر. نعم وإذا كانوا قد أنثوا المصدر لما جرى وصفًا على المؤنث نحو امرأة عدلة, وفرس طوعة القياد, وقول أمية ٢: والحية الحتفة الرقشاء أخرجها ... من جحرها آمنات الله والكلم٣ وإذا جاز دخول التاء على المصادر وليست على صورة اسم الفاعل ولا هي الفاعل في الحقيقة, وإنما استهوى لذلك جريها وصفًا على المؤنث كان باب "عيشة راضية " و"يد آشرة " أحرى بجواز ذلك فيه وجريه عليه.

стр. 160

فإن قلت: فقد قالوا في يوجل: ياجل وفي ييأس: ياءس وفي طيئي طائي, وقالوا: حاحيت, وعاعيت, وهاهيت, فقلبوا الياء والواو هنا ألفين وهما ساكنتان وفي هذا نقض لقولك؛ ألا تراك إنما جعلت علة قلب الواو والياء ألفين تلك الأسباب التي أحدها كونهما متحركتين, وأنت تجدهما ساكنتين, ومع ذلك فقد تراهما منقلبتين. قيل: ليس١ هذا نقضًا ولا يراه أهل النظر قدحًا. وذلك أن الحكم الواحد قد يكون معلولا بعلتين ثنتين, وفي وقت واحد تارة وفي وقتين اثنين. وسنذكر ذلك في باب المعلول بعلتين. فإن قلت: فما شرطك واحتياطك في باب قلب الواو ياء إذا اجتمعت مع الياء في نحو سيد, وهين, وجيد, وشويت شيًّا, ولويت يده ليًّا, وقد تراهم قالوا: حيوة, وضيون, وقالوا عوى الكلب عوية, وقالوا في تحقير أسود وجدول: جديول, وأسيود, وأجازوا قياس ذلك فيما كان مثله: مما واوه عين متحركة أو زائدة قبل الطرف؟ فالذي نقول في هذا ونحوه: أن الياء والواو متى اجتمعتا وسبقت الأولى بالسكون منهما ولم تكن الكلمة٢ علمًا، ولا مرادًا بصحة واوها التنبيه على أصول أمثالها ولا كانت تحقيرًا محمولا على تكسير فإن الواو منه تقلب ياء. فإذا فعلت هذا واحتطت للعلة به أسقطت تلك الإلزامات عنك ألا ترى أن " حيوة " علم والأعلام تأتي مخالفة للأجناس في كثير من الأحكام وأن " ضيون" إنما صح لأنه

стр. 161

خرج على الصحة تنبيهًا على أن أصل سيّد وميّت: سيّود وميّوت. وكذلك "عوية " خرجت سالمة؛ ليعلم بذلك أن أصل لية لوية وأن أصل طية طوية وليعلم أن هذا الضرب من التركيب وإن قل في الاستعمال فإنه مراد على كل حال. وكذلك أجازوا تصحيح نحو أسيود وجديول إرادة للتنبيه على أن التحقير والتكسير في هذا النحو من المُثُل من قبين واحد. فإن قلت: فقد قالوا في العلم أسيد, فأعلوا كما أعلوا في الجنس؛ نحو قوله ١: أسيد ذو خريطة نهارا ... من المتلقطي قرد القمام٢ فعن ذلك٣ أجوبة. منها أن القلب الذي في أسيد قد كان سبق إليه وهو جنس كقولك: غليم أسيد, ثم نقل إلى العلمية بعد أن أسرع فيه القلب فبقي بحاله،

стр. 162

لا أن القلب إنما وجب فيه بعد العلمية وقد كان قبلها -وهو جنس نكرة- صحيحًا. ويؤنس بهذا أيضًا أن الإعلال في هذا النحو هو الاختيار في الأجناس. فلما سبق القلب الذي هو أقوى وأقيس القولين سمي به معلا فبقي بعد النقل على صورته. ومثل ذلك ما نقوله في " عيينة" أنه إنما سمي به مصغرًا فبقي بعد بحاله قبل, ولو كان إنما حقر بعد أن سمي به لوجب ترك إلحاق علامة التأنيث به كما أنك لو سميت رجلًا هندًا ثم حقرت قلت: هنيد: ولو سميته بها محقرة قبل التسمية لوجب أن تقر التاء بحالها فتقول: هذا هنيدة مقبلًا. هذا مذهب الكتاب١، وإن كان يونس يقول بضده. ومنها أنا لسنا نقول: إن كل علم فلا بد من صحة واوه إذا اجتمعت مع الياء ساكنة أولاهما فيلزمنا ما رمت إلزامنا وإنما قلنا: إذا اجتمعت الياء والواو وسبقت الأولى منهما بالسكون ولم يكن الاسم علمًا ولا على تلك الأوصاف التي ذكرنا فإن الواو تقلب ياء وتدغم الياء في الياء. فهذه علة من علل قلب الواو ياء. فأما ألا تعتل الواو إذا اجتمعت مع الياء ساكنة أولاهما إلا من هذا الوجه فلم نقل به. وكيف يمكن أن نقول به وقد قدمنا أن الحكم الواحد قد يكون معلولا بعلتين وأكثر من ذلك وتضمنا أن نفرد لهذا الفصل بابًا! فإن قلت: ألسنا إذا رافعناك في صحة " حيوة " إنما نفزع إلى أن نقول: إنما صحت لكونهما علمًا والأعلام تأتي كثيرًا أحكامها تخالف٢ أحكام الأجناس وأنت تروم في اعتلالك هذا الثاني أن تسوي بين أحكامهما وتطرد على سمت واحد كلا منهما.

стр. 163

قيل: الجواب الأول قد استمر ولم تعرض١ له، ولا سوغتك الحال الطعن فيه وإنما هذا الاعتراض على الجواب الثاني. والخطب فيه أيسر. وذلك أن لنا مذهبًا سنوضحه في باب يلي هذا وهو حديث الفرق بين علة الجواز وعلة الوجوب. ومن ذلك أن يقال لك: ما علة قلب واو سوط, وثوب, إذا كسرت فقلت: ثياب, وسياط؟. وهذا حكم لا بد في تعليله من جمع خمسة أغراض فإن نقصت واحدًا فسد الجواب, وتوجه عليه الإلزام ٢. والخمسة: أن ثيابًا وسياطًا وحياضًا وبابه جمع والجمع أثقل من الواحد وأن عين واحده ضعيفة بالسكون وقد يراعى في الجمع حكم الوحد وأن قبل عينه كسرة وهي مجلبة في كثير من الأمر لقلب الواو ياء وأن بعدها ألفًا والألف شبيهة بالياء وأن لام سوط وثوب صحيحة. فتلك خمسة أوصاف لا غنى٣ بك عن واحد منها. ألا ترى إلى صحة خوان, وبوان٤, وصوان, لما كان مفردًا لا جمعًا. فهذا باب. ثم٥ ألا ترى إلى صحة واو زوجة وعودة, وهي جمع واحد ساكن العين, وهو زوج وعود٦، ولامه أيضًا صحيحه وقبلها في الجمع كسرة. ولكن بقي من مجموع العلة أنه لا ألف بعد عينه كألف حياض ورياض. وهذا باب أيضًا

стр. 164

ثم ألا ترى إلى صحة طوال وقوام وهما جمعان وقبل عينهما كسرة وبعدهما ألف ولاماهما صحيحتان. لكن بقي من مجموع العلة أن عينه في الواحد متحركة وهي في طويل وقويم. وهذا أيضًا باب. ثم ألا ترى إلى صحة طواء ورواء جمع طيان وريان فيه الجمعية وأن عين واحده ساكنة بل معتلة وقبل عينه كسرة وبعدها ألف. لكن بقي عليك أن لامه معتلة فكرهوا إعلال عينه لئلا يجمعوا بين إعلالين. وهذا الموضع مما يسترسل١ فيه المعتل لاعتلاله فلعله أن يذكر من الأوصاف الخمسة التي ذكرناها وصفين " أو أكثره "٢ ثلاثة ويغفل الباقي فيدخل عليه الدخل٣ منه فيرى أن ذلك نقض للعلة ويفزع إلى ما يفزع إليه من لا عصمة له ولا مسكة عنده. ولعمري إنه كسر لعلته هو لاعتلالها في نفسها. فأما مع إحكام علة الحكم فإن هذا ونحوه ساقط عنه. ومن ذلك ما يعتقده٤ في علة الادّغام. وهو أن يقال: إن الحرفين المثلين إذا كانا لازمين متحركين حركة لازمة, ولم يكن هناك إلحاق ولا كانت الكلمة مخالفة لمثال فعِل وفعُل أو كانت فعَل فعلا٥ ولا خرجت منبهة٦ على بقية بابها, فإن الأول منها يسكن ويدغم في الثاني. وذلك نحو شد وشلت يده وحبذا

стр. 165

زيد, وما كان عاريًا مما استثنيناه؛ ألا ترى أن شد وإن كان فعَل فإنه فِعل, وليس كطلل, وشرر, وجدد١، فيظهر. وكذلك شلت يده: فَعِلَت. وحبذا زيد أصله حبب ككرم, وقضو الرجل. ومثله شر الرجل من الشر: هو٢ فعل لقولهم: شررت يا رجل وعليه جاء رجل شرير كرديء. وعلى ذلك قالوا أجد في الأمر وأسر الحديث واستعد لخلوة مما شرطناه ٣. فلو عارضك معارض بقولهم: اصبب الماء, وامدد الحبل, لقلت: ليست الحركتان لازمتين, لأن الثانية لالتقاء الساكنين. وكذلك إن ألزمك ظهور نحو جلبب وشملل: وقعدد، ورمدد٤، قلت: هذا كله ملحق، فلذلك ظهر. وكذلك إن أدخل على قولك هما يضربانني, ويكرمانني, ويدخلاننا قلت: سبب ظهوره أن الحرفين ليسا لازمين ألا ترى أن الثاني من الحرفين ليس ملازمًا لقولك: هما يضربان زيدًا ويكرمانك ونحو ذلك. وكذلك إن ألزمك ظهور نحو جُدَد٥، وقِدَد٦، وسُرُر, قلت: هذا مخالف لمثال فَعُل وفَعِل. فإن ألزمك نحو قول قعنب ٧: مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا٨

стр. 166

وقول العجاج: تشكو الوجى من أظلل وأظلل١ وقول الآخر: وإن رأيت الحجج الرواددا ... قواصرًا بالعمر أو مواددا٢ قلت: هذا ظهر على أصله منبهة على بقية بابه فتعلم به أن أصل الأصم أصمم, وأصل صب صبِب, وأصل الدواب والشواب الدوابب والشوابب على ما نقوله في نحو استصوب وبابه: إنما خرج على أصله إيذانًا بأصول ما كان مثله. فإن قيل: فكيف اختصت هذه الألفاظ ونحوها بإخراجها على أصولها٣ دون غيرها قيل: رجع الكلام بنا وبك إلى ما كنا فرغنا منه معك في باب استعمال بعض الأصول وإهمال بعضها فارجع إليه٤ تره إن شاء الله. وهذا الذي قدمناه آنفًا هو الذي عناه أبو بكر٥ ﵀ بقوله: قد تكون علة الشيء الواحد أشياء كثيرة فمتى عدم بعضها لم تكن علة. قال: ويكون أيضًا عكس هذا وهو أن تكون علة واحدة لأشياء كثيرة. أما الأول فإنه ما نحن بصدده من اجتماع أشياء تكون كلها علة وأما الثاني فمعظمه الجنوح إلى

стр. 167

المستخف, والعدول عن المستثقل. وهو أصل الأصول في هذا الحديث وقد مضى صدر منه. وسترى بإذن الله بقيته. واعلم أن هذه المواضع التي ضممتها وعقدت العلة على مجموعها قد أرادها أصحابنا وعنوها, وإن لم يكونوا جاءوا بها مقدمة محروسة فإنهم لها أرادوا وإياها نووا؛ ألا ترى أنهم إذا استرسلوا في وصف العلة وتحديدها قالوا: إن علة شد ومد ونحو ذلك في الادّغام إنما هي اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد. فإذا قيل لهم: فقد قالوا: قعدد وجلبب واسحنكك قالوا: هذا ملحق فلذلك ظهر. وإذا ألزموا نحو اردد الباب واصبب الماء قالوا: الحركة الثانية عارضة لالتقاء الساكنين وليست بلازمة. وإذا أدخل عليهم نحو جدد وقدد وخلل١ قالوا: هذا مخالف لبناء الفعل. وإذا عورضوا بنحو طلل ومدد فقيل لهم: هذا على وزن الفعل قالوا: هو كذلك إلا أن الفتحة خفيفة والاسم أخف من الفعل فظهر التضعيف في الاسم لخفته ولم يظهر في الفعل -نحو قص ونص- لثقله. وإذا قيل لهم: قالوا هما يضربانني وهم يحاجوننا قالوا: المثل الثاني ليس بلازم. وإذا أوجب٢ عليهم نحو قوله "وإن ضننوا " ولححت عينه وضبب البلد وألل السقاء قالوا: خرج هذا شاذًّا ليدل على أن أصل قرت عينه قررت وأن أصل حل الحبل ونحوه حلل. فهذا الذي يرجعون إليه فيما بعد متفرقًا قدمناه نحن مجتمعًا.

стр. 168

وكذلك كتب محمد١ بن الحسن ﵀ إنما ينتزع٢ أصحابنا٣ منها العلل٤، لأنهم يجدونها منثورة في أثناء كلامه, فيجمع بعضها إلى بعض بالملاطفة والرفق. ولا تجد له علة في شيء من كلامه مستوفاة محررة. وهذا معروف من هذا الحديث عند الجماعة غير منكور. الآن قد أريتك بما مثلته لك من الاحتياط في وضع العلة كيف حاله, والطريق إلى استعمال مثله فيما عدا ما أوردته وأن تستشف٥ ذلك الموضع فتنظر إلى آخر ما يلزمك إياه الخصم فتدخل الاستظهار بذكره في أضعاف ما تنصبه من علته لتسقط عنك فيما بعد الأسولة٦ والإلزامات التي يروم مراسلك الاعتراض بها عليك والإفساد لما قررته من عقد علتك. ولا سبيل إلى ذكر جميع ذلك لطوله ومخافة الإملال ببعضه. وإنما تراد المثل ليكفي قليلها من كثير غيرها, ولا قوة إلا بالله.

стр. 169

باب ذكر الفرق بيت العلة الموجبة، وبين العلة المجوزة ... باب ذكر الفرق بين العلة الموجبة، وبين العلة المجوزة: اعلم أن أكثر العلل عندنا مبناها على الإيجاب بها كنصب الفضلة أو ما شابه١ في اللفظ الفضلة, ورفع المبتدأ؛ والخبر, والفاعل, وجر المضاف إليه, وغير ذلك. فعلل هذه الداعية إليها موجبة لها, غير مقتصر بها على تجويزها٢؛ وعلى هذا مقاد كلام العرب. وضرب آخر يسمى علة, وإنما هو في الحقيقة سبب يجوز ولا يوجب ٤. من ذلك الأسباب الستة الداعية إلى الإمالة هي علة الجواز لا علة الوجوب ألا ترى أنه ليس في الدنيا أمر يوجب الإمالة لا بد منها وأن كل ممال لعلة من تلك الأسباب٥ الستة لك أن تترك إمالته مع وجودها فيه. فهذه إذًا علة الجواز لا علة الوجوب. ومن ذلك أن يقال لك: ما علة قلب واو " أقتت " همزة؟ فتقول: علة ذلك أن الواو انضمت ضمًّا لازمًا. وأنت مع هذا تجيز ظهورها واوًا غير

стр. 170

مبدلة, فتقول: وقتت. فهذه علة الجواز إذًا لا علة الوجوب. وهذا وإن كان في ظاهر ما تراه١ فإنه معنى صحيح وذلك أن الجواز معنى تعقله النفس؛ كما أن الوجوب كذلك فكما أن هنا علة للوجوب فكذلك هنا علة للجواز. هذا أمر لا ينكر، ومعنى مفهوم لا يتدافع. ومن علل الجواز أن تقع النكرة بعد المعرفة التي يتم٢ الكلام بها وتلك النكرة هي المعرفة في المعنى فتكون حينئذ مخيرًا في جعلك تلك النكرة -إن شئت- حالا -وإن شئت- بدلا؛ فتقول على هذا: مررت بزيد رجل صالح على البدل وإن شئت قلت: مررت بزيد رجلا صالحًا على الحال. أفلا ترى كيف كان وقوع النكرة عقيب المعرفة على هذا الوصف علة لجواز كل واحد من الأمرين لا علة لوجوبه. وكذلك كل ما جاز لك فيه من المسائل الجوابان, والثلاثة, وأكثر من ذلك على هذا الحد فوقوعه عليه علة لجواز ما جاز منه لا علة لوجوبه. فلا تستنكر هذا الموضع. فإن قلت: فهل تجيز أن يحل السواد محلًا ما فيكون ذلك علة لجواز اسوداده لا لوجوبه؟ قيل: هذا في هذا ونحوه لا يجوز بل لا بد من اسوداده٣ البتة، وكذلك البياض والحركة والسكون ونحو ذلك متى حل شيء منها في محل لم يكن له بد من وجود حكمه فيه ووجوبه البتة له لأن هناك أمرًا لا بد من ظهور أثره. وإذا تأملت ما قدمناه رأيته عائدًا إلى هذا الموضع غير مخالف له ولا بعيد عنه وذلك أن وقوع النكرة٤ تلية المعرفة -على ما شرحناه من تلك الصفة- سبب لجواز

стр. 171

الحكمين اللذين جازا فيه فصار مجموع الأمرين في وجوب جوازهما كالمعنى المفرد الذي استبد به ما أريتناه: من تمسكك١ بكل واحد من السواد والبياض والحركة والسكون. فقد زالت عنك إذًا شناعة هذا الظاهر وآلت بك الحال إلى صحة معنى ما قدمته: من كون الشيء علة للجواز لا للوجوب. فاعرف ذلك وقسه فإنه٢ باب واسع.

стр. 172

باب في تعارض العلل: الكلام في هذا المعنى من موضعين: أحدهما الحكم الواحد تتجاذب١كونه٢ العلتان أو أكثر منهما. والآخر الحكمان في الشيء الواحد المختلفان دعت إليهما علتان مختلفتان. الأول منهما كرفع المبتدأ فإننا نحن نعتل لرفعه بالابتداء على ما قد بيناه وأوضحناه من شرحه وتلخيص معناه. والكوفيون يرفعونه إما بالجزء الثاني الذي هو مرافعه٣عندهم: وإما بما يعود عليه من ذكره على حسب مواقعه ٤. وكذلك رفع الخبر ورفع الفاعل, ورفع ما أقيم مقامه ورفع خبر إن وأخواتها. وكذلك نصب ما انتصب وجر ما انجر وجزم ما انجزم مما يتجاذب الخلاف في علله. فكل واحد من هذه الأشياء له حكم واحد تتنازعه العلل على ما هو مشروح من حاله في أماكنه.

стр. 173

وإنما غرضنا أن نرى هنا جملة١، لا أن نشرحه ولا أن نتكلم على تقوية ما قوي منه وإضعاف ما ضعف منه. الثاني منهما الحكمان في الشيء الواحد المختلفان دعت إليهما علتان مختلفتان؛ وذلك كإعمال أهل الحجاز ما النافية للحال, وترك بني تميم إعمالها وإجرائهم إياها مجرى "هل " ونحوها مما لا يعمل فكأن أهل الحجاز لما رأوها داخلة على المبتدأ والخبر دخول ليس عليهما ونافية للحال نفيها إياها أجروها في الرفع والنصب مجراها إذا اجتمع فيها الشبهان بها ٢. وكأن بني تميم لما رأوها حرفًا داخلا بمعناه على الجملة المستقلة بنفسها ومباشرة لكل واحد من جزأيها كقولك: ما زيد أخوك, وما قام زيد, أجروها مجرى " هل " ألا تراها داخلة على الجملة لمعنى النفي دخول " هل"؛ عليها للاستفهام ولذلك كانت عند سيبويه٣ لغة التميميين أقوى قياسًا من لغة الحجازيين. ومن ذلك "ليتما "؛ ألا ترى أن بعضهم يركبهما٤ جميعًا فيسلب بذلك "ليت " عملها وبعضهم يلغي٥ "ما " عنها, فيقر عملها عليها: فمن ضم "ما " إلى "ليت " وكفها بها عن عملها ألحقها بأخواتها: من "كأن " و "لعل " و "لكن " وقال أيضًا: لا تكون "ليت " في وجوب العمل بها أقوى من الفعل "و "٦ قد نراه إذا كف بـ"ما " زال عنه عمله وذلك كقولهم: قلما يقوم زيد فـ"ما "

стр. 174

دخلت على "قل " كافة لها عن عملها, ومثله كَثُر ما, وطالما, فكما دخلت "ما " على الفعل نفسه فكفته عن عمله وهيأته لغير ما كان قبلها متقاضيًا له كذلك تكون ما كافة ل" ليت" عن عملها ومصيرة لها إلى جواز وقوع الجملتين جميعًا بعدها ومن ألغى "ما " عنها وأقر عملها جعلها كحرف الجر في إلغاء "ما " معه نحو قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ وقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ و ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ ونحو ذلك, وفصل بينها١ وبين "كأن " , و "لعل " بأنها أشبه بالفعل منهما٢؛ ألا تراها مفردة وهما مركبتان؛ لأن الكاف زائدة واللام زائدة. هذا طريق اختلاف العلل لاختلاف الأحكام في الشيء الواحد, فأما أيها أقوى, وبأيها يجب أن يؤخذ؟ فشيء آخر ليس هذا موضعه, ولا وضع هذا الكتاب٣ له. ومن ذلك اختلاف أهل الحجاز وبني تميم في هلم. فأهل الحجاز يجرونها مجرى صه, ومه, ورويد, ونحو ذلك مما سمي به الفعل, وألزم طريقًا واحدًا. وبنو تميم يلحقونها علم التثينة والتأنيث والجمع, ويراعون أصل ما كانت عليه لم. وعلى هذا مساق جميع ما اختلفت العرب فيه. فالخلاف إذًا بين العلماء أعم منه بين العرب. وذلك أن العلماء اختلفوا في الاعتلال لما اتفقت العرب عليه كما اختلفوا٤ أيضًا فيما اختفلت العرب فيه وكل ذهب مذهبًا وإن كان بعضه قويًا وبعضه ضعيفًا.

стр. 175

باب في أن العلة إذا لم تتعد١ لم تصح: من ذلك قولهم من اعتل لبناء نحو: كم, ومن, وما, وإذ, ونحو ذلك بأن هذه الأسماء لما كانت على حرفين شابهت بذلك ما جاء من الحروف على حرفين؛ نحو: هل, وبل, وقد. قال: فلما شابهت الحرف من هذا الموضع وجب بناؤها, كما أن الحروف مبنية. وهذه علة غير متعدية, وذلك أنه كان يجب على هذا أن يبنى ما كان من الأسماء أيضًا على حرفين نحو يد, وأخ, وأب, ودم, وفم, وحِر, وهَن, ونحو ذلك. فإن قيل: هذه الأسماء لها أصل في الثلاثة, وإنما حذف منها حرف, فهو لذلك معتد, فالجواب أن هذه زيادة٢ في وصف العلة, لم تأت بها في أول اعتلالك. وهبنا سامحناك بذلك, قد كان يجب على هذا أن يبني باب يد, وأخ, وأب, ونحو ذلك؛ لأنه لما حذف فنقص شابه الحرف, وإن كان أصله الثلاثة, ألا ترى أن المنادى المفرد المعرفة قد كان أصله أن يعرب, فلما دخله شبه الحرف لوقوعه موقع المضمر بني, ولم يمنع من بنائه جريه معربًا قبل حال البناء. وهذا شبه

стр. 176

معنوي١ كما ترى مؤثر داع إلى البناء والشبه اللفظي أقوى من الشبه المعنوي فقد كان يجب على هذا أن يبني ما جاء من الأسماء على حرفين وله أصل في الثلاثة وألا يمنع من بنائه كونه في الأصل ثلاثيًا كما لم يمنع من بناء زيد في النداء كونه في الأصل معربًا بل إذا كانت صورة إعراب زيد قبل ندائه معلومة مشاهدة, ثم لم يمنع ذاك من بنائه كان أن يبنى باب يد ودم وهن لنقصه ولأنه لم يأت تامًا على أصله إلا في أماكن شاذة أجدر. وعلى أن منها ما لم يأت على أصله البتة وهو معرب. وهو حر، وسه، وفم. فأما قوله: يا حبذا عينا سليمى والفما٢ وقول الآخر ٣: هما نفثا في فِيَّ من فمويهما٤ فإنه على كل حال لم يأت على أصله وإن كان قد زيد٥ فيه ما ليس منه.

стр. 177

فإن قلت: فقد ظهرت اللام في تكسير ذلك نحو أفواه وأستاه وأحراخ قيل: قد ظهر أيضًا الإعراب في زيد نفسه لا في جمعه ولم يمنع ذلك من بنائه. وكذلك القول في تحقيره وتصريفه نحو فويه, وأسته١, وحرح ٢. ومن ذلك قول أبي إسحاق في التنوين اللاحق في مثال الجمع الأكبر نحو جوار وغواش: إنه عوض من ضمة الياء وهذه علة غير جارية٣، ألا ترى أنها لو كانت متعدية لوجب أن تعوض من ضمة ياء يرمي، فتقول: هذا يرم، ويقض، ويستفض. فإن قيل: الأفعال لا يدخلها التنوين، ففي هذا جوابان: أحدهما أن يقال له: علتك ألزمتك إياه فلا تلم إلا نفسك والآخر أن يقال له: إن الأفعال إنما يمتنع منها التنوين اللاحق للصرف فأما التنوين غير ذاك فلا مانع له ألا ترى إلى تنوينهم الأفعال في القوافي لما لم يكن ذلك الذي هو علم للصرف كقول العجاج: من طلل كالأتحمي أنهجَن٤ وقول جرير: وقولي إن أصبت لقد أصابن٥ ومع هذا فهل التنوين إلا نون وقد ألحقوا الفعل النونين: الخفيفة والثقيلة. وههنا إفساد لقول أبي إسحاق آخر وهو أن يقال له: إن هذه الأسماء قد عاقبت

стр. 178

ياءاتها ضماتها؛ ألا تراها لا تجتمع معها فلما عاقبتها جرت لذلك مجراها فكما أنك لا تعوض من الشيء وهو موجود, فكذلك أيضًا يجب ألا تعوض منه وهناك ما يعاقبه ويجري مجراه. غير أن الغرض في هذا الكتاب إنما هو الإلزام الأول؛ لأن به ما١ يصح تصور العلة, وأنها غير متعدية. ومن ذلك قول الفراء في نحو لغة, وثُبة, ورئة, ومئة: إن كان من ذلك المحذوف منه الواو فإنه يأتي مضموم الأول نحو لغة وبرة, وثبة, وكرة, وقلة؛ وما كان من الياء فإنه يأتي مكسور الأول؛ نحو مئة, ورئة. وهذا يفسده قولهم: سنة فيمن قال: سنوات٢ وهي من الواو كما ترى وليست مضمومة الأول. وكذلك قولهم: عِضة محذوفها الواو لقولهم فيها: عضوات, قال: هذا طريق يأزم المآزما ... وعضوات تقطع اللهازما٣ وقالوا أيضًا: ضَعَة, وهي من الواو مفتوحة الأول, ألا تراه قال ٤: متخذًا من ضَعَوات تَوْلَجا فهذا وجه فساد العلل إذا كانت واقفة٥ غير متعدية. وهو كثير, فطالب فيه بواجبه, وتأمل ما يرد عليك من أمثاله.

стр. 179

باب في العلة وعلة العلة: ذكر أبو بكر١ في أول أصوله هذا ومثل منه برفع الفاعل. قال: فإذا سئلنا عن علة رفعه قلنا: ارتفع بفعله فإذا قيل: ولم صار الفاعل مرفوعًا فهذا سؤال عن علة العلة. وهذا موضع ينبغي أن تعلم٢ منه أن هذا الذي سماه علة العلة إنما هو تجوز في اللفظ فأما في الحقيقة فإنه شرح وتفسير وتتميم للعلة ألا ترى أنه إذا قيل له: فلم ارتفع الفاعل قال: لإسناد الفعل إليه ولو شاء لابتدأ هذا فقال في جواب رفع زيد من قولنا قام زيد: إنما ارتفع لإسناد الفعل إليه فكان مغنيًا عن قوله: إنما ارتفع بفعله حتى تسأله فيما بعد عن العلة التي ارتفع لها الفاعل. وهذا هو الذي أراده المجيب بقوله: ارتفع بفعله أي بإسناد الفعل إليه. نعم ولو شاء لماطله فقال له: ولم صار المسند إليه الفعل مرفوعًا؟ فكان جوابه أن يقول: إن صاحب الحديث أقوى الأسماء والضمة أقوى الحركات فجعل الأقوى للأقوى. وكان يجب على ما رتبه أبو بكر أن تكون هنا علة وعلة العلة وعلة علة العلة. وأيضًا فقد كان له أن يتجاوز هذا الموضع إلى ما وراءه فيقول: وهلا عكسوا الأمر فأعطوا الاسم الأقوى الحركة الضعيفة لئلا يجمعوا بين ثقيلين. فإن تكلف متكلف جوابًا عن هذا تصاعدت عدة٣ العلل وأدى ذاك إلى هجنة القول وضعفة٤ القائل به وكذلك لو قال لك قائل في قولك: قام القوم إلا زيدًا: لم نصبت زيدًا لقلت: لأنه مستثنى وله من بعد أن يقول:

стр. 180

ولم نصبت المستثنى فيكون من جوابه لأنه فضلة ولو شئت أجبت مبتدئًا بهذا فقلت: إنما نصبت زيدًا في قولك: قام القوم إلا زيدًا لأنه فضلة. والباب واحد والمسائل كثيرة. فتأمل وقس. فقد ثبت بذلك أن هذا موضع تسمح " فيه أبو بكر "١ أو لم٢ ينعم تأمله. ومن بعد فالعلة الحقيقية عند أهل النظر لا تكون معلولة ألا ترى أن السواد الذي هو علة لتسويد ما يحله إنما صار كذلك لنفسه لا لأن جاعلًا جعله على هذه القضية. وفي هذا بيان. فقد ثبت إذًا أن قوله: علة العلة إنما غرضه فيه أنه تتميم وشرح لهذه العلة المقدمة عليه. وإنما ذكرناه في جملة هذه الأبواب لأن أبا بكر ﵀ ذكره فأحببنا أن نذكر ما عندنا فيه. وبالله التوفيق.
следующие страницы →