باب في الامتناع من نقض الغرض:
اعلم أن هذا المعنى الذي تحامته العرب -أعني امتناعها من نقض أغراضها١- يشبه البداء٢ الذي تروم اليهود إلزامنا إياه في نسخ الشرائع وامتناعهم منه إلا٣ أن الذي رامته العرب من٤ ذلك صحيح على السير، والذي ذهبوا هم إليه فاسد غير مستقيم. وذلك أن نسخ الشرائع ليس ببداءٍ٥ عندنا؛ لأنه ليس نهيا عما أمر الله تعالى به، وإنما هو٦ نهى عن مثل ما أمر الله تعالى به في وقت آخر غير الوقت الذي كان -سبحانه- أمر بالأول فيه؛ ألا ترى أنه -عز اسمه- لو قال لهم: صوموا يوم كذا ثم نهاهم عن الصوم فيه فيما بعد لكان إنما نهاهم عن مثل ذلك الصوم، لا عنه نفسه. فهذا٧ ليس بداء٨. لكنه لو قال: صوموا يوم الجمعة ثم قال لهم قبل مضيه: لا تصوموه٩ لكان -لعمري- بداء١٠ وتنقلا، والله -سبحانه- يجل عن هذا؛ لأن فيه انتكاثا، وتراجعا، واستدراكا، وتتبعا. فكذلك١١ امتناع العرب من نقض أغارضها هو في الفساد١٢ مثل ما نزهنا القديم -سبحانه- عنه من البداء١٣.
فمن ذلك امتناعهم من ادغام الملحق؛ نحو جلبب١٤، وشملل، وشربب "ورمدد ومهدد"١٥ وذلك أنك إنما١٦ أردت بالزيادة والتكثير١٧ البلوغ إلى مثال معلوم، فلوا ادغمت
стр. 1157
في نحو شربب فقلت: شرب لا تنقض غرضك الذي اعتزمته: من مقابلة الساكن بالساكن والمتحرك بالمتحرك فأدى ذلك إلى ضد ما اعتزمته ونقض ما رمته. فاحتمل التقاء المثلين متحركين لما ذكرنا من حراسة هذا الموضع وحفظه.
ومن ذلك امتناعهم من تعريف الفعل. وذلك أنه إنما الغرض فيه إفادته فلابد من١ أن يكون منكورا لا يسوغ تعريفه٢؛ لأنه لو كان معرفة لما كان مستفادا لأن المعروف قد غنى بتعريفه عن اجتلابه٣ ليفاد من جملة الكلام. ولذلك قال أصحابنا: اعلم أن حكم الجزء المستفاد من الجملة أن يكون منكورا، والمفاد هو الفعل لا الفاعل. ولذلك٤ لو أخبر بما لا شك فيه لعجب منه وهزئ "من قوله"٥. فلما كان كذلك لم يجز تعريف ما وضعه على التنكير؛ ألا تراه يجرى وصفا على النكرة وذلك٦ نحو مررت برجل يقرأ، فهذا كقولك: قارئٍ، ولو كان معرفة لاستحال جريه وصفا على النكرة.
ومن ذلك امتناعهم من إلحاق "من" بأفعل٧ إذا عرفته باللام؛ نحو الأحسن منه٨، والأطول منه. وذلك أن "من" -لعمري-٩ تكسب ما يتصل به: من أفعل هذا١٠ تخصيصا ما، ألا تراك لو قلت: دخلت البصرة فرأيت أفضل من ابن سيرين لم يسبق
стр. 1158
الوهم إلا إلى الحسن ﵁ "فبمن ما صحت لك"١ هذه الفائدة، وإذا قلت: الأحسن أو الأفضل أو نحو ذلك فقد استوعبت اللام من التعريف أكثر مما تفيده "من" حصتها من التخصيص، فكرهوا أن يتراجعوا بعد ما حكموا به من قوة التعريف إلى الاعتراف بضعفه، إذا هم أتبعوه من الدالة٢ على حاجته إليها، وإلى قد ما تفيده: من التخصيص المفاد منه.
فأما ما ظن أبو عثمان الجاحظ من أنه يدخل على قول أصحابنا "في هذا من قول الشاعر"٣:
فلست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
فساقط عنهم٤. وذلك أن "من" هذه ليست هي التي تصحب "أفعل" هذا٥ لتخصيصه، فيكون ما رامه أبو عثمان من جمعها مع لام التعريف. وذلك لأنها إنما٦ هي حال من تاء "لست"؛ كقولك: لست فيهم بالكثير مالا، ولا أنت منهم٧ بالحسن وجها، أي لست من بينهم وفي جملتهم بهذه٨ الصفة، كقولك: أنت والله من بين الناس حر وزيد من جملة رهطه كريم.
стр. 1159
ومن ذلك امتناعهم من إلحاق علم التأنيث لما فيه علمه، حتى دعاهم ذلك إلى أن قالوا: مسلمات، ولم يقولوا مسلمتات، لئلا يلحقوا "علامة تأنيث مثلها"١. وذلك أن إلحاق علامة٢ التأنيث إنما هو ليخرج المذكر قبله إليه وينقله إلى حكمه فهذا٣ أمر يجب عنه وله أن يكون ما نقل إلى التأنيث قبل نقله إليه مذكرا كقائم من٤ قائمة وظريف من٤ ظريفة. فلو ذهبت تلحق العلامة العلامة٥ لنقضت الغرض. وذلك أن التاء في قائمة قد أفادت تأنيثه وحصلت له حكمه فلو ذهبت تلحقها علامة أخرى فتقول: قائمتات لنقضت ما أثبت٦ من التأنيث الأول، بما تجشمته من إلحاق علم التأنيث الثاني له؛ لأن في ذلك إيذانا بأن الأول به لم يكن مؤنثا، وكنت أعطيت اليد بصحة تأنيثه لحصول ما حصل فيه من علمه، وهذا هو النقض والبداء٧ البتة. ولذلك أيضا لم يثن الاسم المثنى؛ لأن ما حصل فيه من علم التثنية مؤذن بكونه إثنين، وما يلحقه من علم التثنية ثانيا يؤذن بكونه في الحال الأولى مفردا؛ وهذا هو الانتقاض والانتكاث لا غير.
فإن قلت: فقد يجمع الجمع؛ نحو أكلب وأكالب "وأسقية وأساقٍ"٨ فكيف القول في ذلك؟
стр. 1160
قيل له: فرق بينهما أن علمي١ التأنيث في "مسلمات لو قيل مسلمتات"٢ لكانا لمعنى واحدٍ٣ وهو التأنيث فيهما جميعًا، وليس كذلك معنيا التكسير في أكلب وأكالب. وذلك أن معنى أكلب أنها دون العشرة ومعنى أكالب أنها للكثرة التي٤ أول رتبتها٥ فوق العشرة. فهذان معنيان -كما تراهما- اثنان، فلم ينكر اجتماع لفظيهما، لاختلاف معنييهما٦.
فإن قلت: فهلا أجازوا -على هذا- مسلمتات، فكانت٧ التاء الأولى لتأنيث الواحد، والتاء٨ الثانية لتأنيث الجماعة؟
قيل: كيف تصرفت الحال فلم تفد واحدة من التاءين شيئًا غير التأنيث البتة. فأما عدة المؤنث في إفراده وجمعه فلم يفده العلمان فيجوز اجتماعهما؛ كما جاز تكسير التكسير في نحو أكلب وأكالب.
فإن قلت: فقد يجمع أيضًا الكثرة، نحو بيوت وبيوتات وحُمُر وحُمُرات ونحو قولهم: صواحبات يوسف، ومواليات العرب؛ وقوله:
قد جرت الطير أيامنينا٩
فهذا جمع أيامن، وأنشدوا:
فهن يعلكن حدائداتها١٠
стр. 1161
وكسروا أيضا مُثُل١ الكثرة؛ قال٢:
عقابين يوم الدجن تعلو وتسفل
وقال آخر٣:
ستشرب كأسا مرة تترك الفتى ... تليلا لفيه للغرابين والرخم٤
وأجاز أبو الحسن في قوله:
في ليلة من جمادى ذات أندية٥
أن يكون كسر ندى على نداء؛ كجبل وجبال، ثمم كسر نداء على أندية، كرداء وأردية.
قيل: جميع ذلك و"ما كان"٦ مثله -وما أكثره! - "إنما٧ جاز" لأنه لا ينكر أن يكون جمعان أحدهما أكثر من صاحبه وكلاهما مثال الكثرة ألا ترى أن مائة للكثرة وألفا أيضا كذلك وعشرة آلاف أيضا كذلك ثم على٨ هذا ونحوه. فكأن بيوتا مائة، وبيوتات مائة ألف، وكأن عقبانا خمسون وعقابين أضعاف ذلك. وإذا كان ذلك علمت اختلاف المعنيين لاختلاف اللفظين. وإذا آل بك الأمر إلى هذا لم "تبق وراءه مضطربا"٩ فهذا قول١٠.
стр. 1162
وجواب١ ثان: أنك إنما تكسر نحو أكلب وعقبان ونداء لمجئ كل واحد من ذلك على أمثلة الآحاد وفي طريقها، فلما جاءت هذا المجئ جرت مجرى الآحاد فجاز تكسيرها، كما يجوز تكسيرها٢؛ ألا ترى أن لذلك ما جاز صرفها، وترك الاعتداد بمعنى الجمعية فيها، لما٣ جاءت مجيء الآحاد، فصرف كلاب؛ لشبهه بكتاب، وصرف بيوت، لشبهه "بأتى وسدوس"٤ ومرور٥؛ وصرف عقبان؛ لشبهه بعصيان وضبعان. وصرف قضبان لأنه على مثال قرطان٦. وصرف أكلب؛ لأنه قد جاء عنهم أصبع وأرز٧ وأسنمة٨ ولأنه٩ أيضا لما كان لجمع القلة أشبه في المعنى الواحد؛ لأن محل مثال القلة من مثال الكثرة في المعنى محل الواحد من الجمع فكما كسروا الواحد كذلك كسروا ما قاربه من الجمع. وفي هذا كاف. فإن قلت: فهلا ثنيت التثية كما جمعت الجمع قيل: قد كفتنا العرب بقولهم: أربعة "عن قولهم"١٠ اثنانان. وأيضا فكرهوا أن يجمعوا في "اثنانان" ونحوه بين إعرابين متفقين كانا أو مختلفين؛ وليس شيء من ذلك في أكلب وأكالب.
ومن ذلك ما قال أصحابنا: إن وصف العلم جارٍ مجرى نقض الغرض. وذلك أن العلم إنما وضع ليغنى عن الأوصاف الكثيرة؛ ألا ترى أنك إذا قلت: قال
стр. 1163
الحسن في هذه المسئلة كذا فقد استغنيت "بقولك: الحسن"١ عن قولك٢: الرجل الفقيه القاضي العالم الزاهد البصري الذي كان من حاله كذا، ومن أمره كذا، فلما قلت: الحسن أغناك عن جميع ذلك. فإذا وصف العلم٣ فلأنه كثر المسمون به، فدخله اللبس فيما بعد، فلذلك وصف؛ ألا ترى أن ما كان من الأعلام لا شريك له في العلمية فإنه لا يوصف. وذلك كقولنا: الفرزدق فإنه لا يوصف فيقال: التميمي ولا نحو ذلك؛ لأنه لم يسم به أحد غيره. وإذا ذكرته باسمه الذي هو همام جاز وصفه فقلت همام بن غالب لأن هماما شورك٤ فيه، فجاز لذلك لحاق الوصف له.
فإن قلت: فقد يكثر في الأنساب وصف كثيرٍ من الأعلام التي لا شركة فيها؛ نحو قولهم: فلان بن يشجب بن يعرب بن قحطان ونظائره٥ كثيرة قيل: ليس "الغرض إلا التنقل به"٦ والتصعد٧ إلى فوق، وإعلام السامع وجه النسب، وأن فلانا اسم أبيه كذا، واسم جده كذا، واسم أبي جده كذا. فإنما البغية بذلك استمرار النسب، وذكر الآباء شيئا فشيئا على توالٍ. وعلى هذا يجوز أيضا أن يقال٨: الفرزدق بن غالب؛ فأما على التخليص "والتخصيص"٩ فلا.
стр. 1164
ومن ذلك امتناعهم من تنوين الفعل. وذلك أنه قد استمر فيه الحذف والجزم بالسكون١ لثقله. فلما كان موضعا للنقص منه لم تلق به الزيادة فيه، فهذا قول.
وإن شئت قلت: إن التنوين إنما لحق في الوقف مؤذنا بالتمام، والفعل أحوج شيء إلى الفاعل، فإذا كان من الحاجة إليه من بعده على هذه الحال لم يلق به التنوين اللاحق للإيذان بالتكامل والتمام، فالحالان إذًا كما ترى ضدان. ولأجل ذلك ما٢ امتنعوا من لحاق التنوين للمضاف. وذلك أن المضاف على غاية الحاجة إلى٣ المضاف إليه من بعده. فلو ألحقته التنوين المؤذن بالوقف وهو متناهٍ في قوة الحاجة إلى الوصل جمعت بين الضدين. وهذا جلي غير خاف. وأيضا فإن التنوين دليل التنكير والإضافة موضوعة للتخصيص فكيف لك باجتماعهما مع ما ذكرنا من حالهما.
فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فما بالهم نونوا الأعلام كزيد وبكر؟.
قيل: جاز لك؛ لأنها ضارعت بألفاظها النكرات؛ إذ كان تعرفها معنويا لا لفظيا لأنه لا لام تعريف٤ فيها٥ ولا إضافة، كما صرفوا من الجمع ما ضارع الواحد ببنائه نحو كلاب "لأنه ككتاب"٦، وشيوخ لأنه كسدوس ودخول وخروج. وهذا٧ باب مطرد فاعرفه.
стр. 1165
باب في التراجع عند التناهي:
هذا معنى مطروق في غير صناعة الإعراب؛ كما أنه مطروق فيها. وإذا تشاهدت١ حالاهما كان أقوى لها، وأذهب في الأنس بها.
فمن ذلك قولهم: إن الإنسان إذا تناهى في الضحك بكى، وإذا تناهى في الغم ضحك، وإذا تناهى في العظة أهمل، وإذا تناهت العداوة استحالت مودة.
وقد٢ قال٣:
وكل شيء بلغ الحد انتهى
وأبلغ من هذا قول شاعرنا٤:
ولجدت حتى كدت تبخل حائلا ... للمنتهى ومن السرور بكاء
والطريق في هذا ونحوه معروفة مسلوكة.
وأما طريق صناعة الإعراب في مثله" فقول أبي إسحاق في ذكر العلة التي امتنع لها أن يقولوا: مازال زيد إلا قائمًا: "نفي و"٥ نفي النفي إيجاب. وعلى نحو٦ هذا ينبغي أن يكون قولهم: ظلمة، وظلم، وسدرة، وسدر، وقصعة، وقصاع، "وشفرة وشفار"٧. وذلك أن الجمع يحدث للواحد تأنيثًا نحو قولهم: هذا جمل وهذه جمال وهذا رجل وهذه رجال٨ قد أقبلت. وكذلك بكر وبكارة، وعير وعيورة، وجريب٩ وأجربة، وصبى وصبية ونحو ذلك. فلما كانت ظلمة،
стр. 1166
وسدرة وقصعة مؤنثاتٍ -كما ترى- وأردت أن تكسرها صرت كأنك أردت تأنيث المؤنث: فاستحال بك الأمر إلى التذكير فقلت ظلم وسدر وقصاع وشفار. فتراحعت الإيغال١ في التأنيث إلى لفظ التذكير. فعلى هذا النحو٢ لو دعا داع، أو حمل حامل على "تأنيث٣ نحو" قائمة ومسلمة لكان طريقه -على ما رأينا- أن نعيده إلى التذكير فنقول: قائم ومسلم. هذا لو سوغ مسوغ تأنيث نحو قائمة، وكريمة، ونحو ذلك.
فإن قيل: فليزم على هذا أن لو أريد تذكير المذكر أن يؤنث، قيل: هذا تقرير فاسد، ووضع غير متقبل. وذلك أن التذكير هو الأول، والأصل. فليس٤ لك التراجع عن الأصول؛ لأنها أوائل، وليس تحت الأصل ما يرجع إليه. وليس كذلك التأنيث؛ لأنه فرع على التذكير. وقد يكون الأصل واحدًا وفروعه متضعفة ومتصعدة٥ ألا ترى أن الاشتقاق تجد له أصولًا ثم تجد لها٦ فروعًا، ثم تجد لتلك الفروع فروعًا صاعدة عنها نحو قولك: نبت٧؛ فهو الأصل لأنه جوهر، ثم "يشتق منه فرع"٨ هو٩ النبات، وهو حدث، ثم يشتق١٠ من النبات الفعل، فتقول: نبت. فهذا١١ أصل. وفرع وفرع فرع. فلذلك جار تصور تأنيث المؤنث، ولم١٢ يجز تصور تذكير المذكر. نعم١٣، ولو جاز تصور١٤
стр. 1167
تذكير المذكر لأوجب فيه القياس أن يعاد به إلى١ التأنيث. كذا وجه النظر. وما "في هذا"٢ من المنكر!. فعلى هذا السمت لو ساغ تذكير قائم لوجب أن يقال فيه: قائمة. فاعرف ذلك، وأنس به. ولا تنب عنه.
فإن قلت: فلسنا نجد كل المذكر إذا أريد تكسيره أنث، ألا تراك تقول: رجل ورجال. وغلام، وغلمان، وكلب، وأكلب. فهذا٣ بخلاف ذكر وذكارة، وذكورة، وفحل، وفحالة، وفحولة.
قيل: لم ندع أن كل مذكر كسر٤ فلا بد في مثال٥ تكسيره من علم تأنيث، وإنما أرينا أن هذا٦ المعنى قد يوجد٧ فيه٨، فاستدللنا بذلك على صحة ما كنا٩ عليه وبسبيله. وكيف تصرفت الحال فأنت قد تلاحظ تأنيث الجماعة في نحو رجال فتقول: قامت الرجال، و"إذا١٠ عاديت الرجال؛ فاصبر لها أي للرجال وإن شئت كانت الهاء للمعاداة"١١.
وعلى نحو مما نحن بصدده ما قالوا: ثلاثة رجال، وثلاث نسوة، فعكسوا الأمر على ما تراه. ولأجل ذلك ما قالوا١٢: امرأة صابرة "وغادرة، فألحقوا علم التأنيث، فإذا تناهوا في ذلك قالوا: صبور"١٣ وغدور، فذكروا. وكذلك رجل ناكح فإذا بالغوا قالوا: رجل١٤ نكحة.
стр. 1168
ونحو من ذلك سواءً اطراد التصرف في الأفعال؛ نحو قام، ويقوم، وقم، وما كان مثله. فإذا بالغوا وتناهوا منعوه التصرف، فقالوا: نعم الرجل، وبئس الغلام فلم يصرفوهما وجعلوا ترك التصرف في الفعل الذي هو أصله١ وأخص الكلام به أمارة للأمر الحادث له، وأن حكمًا من أحكام المبالغة قد٢ طرأ عليه؛ كما تركوا لذلك أيضًا تأنيثه دليلًا عليه في نحو قولهم: نعم المرأة، وبئس الجارية.
فإن قلت: فما بالهم منعوا هذين الفعلين التصرف البتة، ولم يمنعوهما علم التأنيث البتة ألا تراك أيضًا قد تقول: نعمت المرأة وبئست الجارية وأنت لا تصرف واحدًا منهما على وجه؟
قيل: إنما حظروا عليهما ما هو أخص الأوصاف بهما -أعني التصرف- ليكون حظره عليهما أدل شيء على حدوث عائق٣ لهما، وليست٤ كذلك علامة التأنيث لأن الفعل لم يكن في القياس تأنيثه ألا تراه مفيدًا للمصدر الدال على الجنس والجنس أسبق شيء إلى٥ التذكير، وإنما دخل علم التأنيث في نحو قامت هند وانطلقت جمل لتأنيث فاعله ولو كان تأنيث الفعل لشيء يرجع إليه هو لا إلى فاعله لجاز قامت زيد وانطلقت جعفر فلأجل ذلك ما اعتزموا الدلالة على خروج هذين الفعلين إلى معنى المبالغة بترك تصرفهما الذي هو أقعد من غيره فيهما دون الاقتصار على ترك تأنيثهما إذ التأنيث فيهما ليس في الأصل مستحقًا لهما ولا راجعًا إليهما؛ وإنما هو مراعىً به تأنيث فاعليهما٦. ويؤكد ذلك عندك ما رواه الأصمعي عنهم من قوله: إذا فاق الشيء في بابه٧ سموه خارجيًا، وأنشد بيت طفيل الغنوي٨:
وعارضتها رهوا على متتابع ... شديد القصيري خارجي محنب٩
فقولهم في هذا المعنى: خارجي، واستعمالهم فيه لفظ خرج١٠، من أوثق ما يستدل له على هذا١١ المعنى، وهو الغاية فيه١٢. فاعرفه واشدد يدك به١٣.
стр. 1169
باب فيما يؤمنه علم العربية من الاعتقادات الدينية:
اعلم أن هذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب، وأن الانتفاع به ليس إلى غاية ولا وراءه من نهاية. وذلك أن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها وحاد١ عن الطريقة المثلى إليها فإنما استهواه "واستخف٢ حلمه" ضعفه في هذه اللغة الكريمة الشريفة، التي خوطب الكافة بها، وعرضت عليها الجنة والنار من حواشيها وأحنائها٣، وأصل اعتقاد التشبيه٤ لله تعالى بخلقه منها، وجاز٥ عليهم بها وعنها. وذلك أنهم لما سمعوا قول الله -سبحانه، وعلا عما يقول الجاهلون علوا كبيرًا: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ ٦ وقوله: "عز اسمه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ ٧ وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٨ وقوله:
стр. 1170
تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ١ وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ٢ وقوله، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٣ وقوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٤ ونحو ذلك من الآيات٥ الجارية هذا المجرى وقوله٦ في الحديث: "خلق الله آدم على صورته"، حتى ذهب بعض هؤلاء٧ الجهال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ٨ أنها ساق ربهم -ونعوذ٩ بالله من ضعفة١٠ النظر، وفساد المعتبر- ولم يشكوا أن١١ هذه أعضاء١٢ له، وإذا كانت أعضاء كان هو لا محالة جسمًا معضىً١٣؛ على ما يشاهدون من خلقه، عز وجهه، وعلا قدره، وانحطت سوامى "الأقدار و"١٤ الأفكار دونه. ولو كان لهم أنس بهذه اللغة الشريفة١٥ أو تصرف فيها، أو مزاولة لها لحمتهم١٦ السعادة بها، ما أصارتهم الشقوة إليه، بالبعد عنها. وسنقول في هذا ونحوه ما يجب مثله. ولذلك ما قال١٧ رسول الله -صلى اله عليه وسلم- لرجل لحن: أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل، فسمي اللحن ضلالًا وقال ﵇: "رحم ١٨ الله امرأ أصلح من لسانه"، وذلك لما "علمه ﷺ مما يعقب"١٩ الجهل لذلك من ضد السداد، وزيغ الاعتقاد.
стр. 1171
وطريق ذلك أن هذه اللغة أكثرها جارٍ على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة. وقد قدمنا ذكر ذلك في كتابنا هذا وفي غيره. فلما كانت كذلك، وكان القوم الذين خوطبوا بها أعرف الناس بسعة مذاهبها وانتشار، أنحائها جرى خطابهم بها مجرى ما يألفونه ويعتادونه منها وفهموا أغراض المخاطب لهم بها على حسب عرفهم وعادتهم في استعمالها. وذلك أهم يقولن: هذا الأمر يصغر في جنب هذا أي بالإضافة إليه و"قرنه به"١. فكذلك٢ قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ ٣ "أي فيما بيني وبين الله"٤ إذا أضفت تفريطي إلى أمره لي ونهيه أياي. وإذا كان أصله اتساعًا جرى بعضه مجرى بعض. وكذلك٥ قوله -صلى اله عليه وسلم: كل الصيد في جنب الفرأ، "وجوف الفرأ"٦، أي "كأنه يصغر"٧ بالإضافة إليه٨ وإذا قيس به.
وكذلك قوله -سبحانه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ ٩، إنما هو الاتجاه "إلى الله"١٠، ألا ترى إلى بيت الكتاب:
أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل١١
стр. 1172
أي الاتجاه١. فإن٢ شئت قلت: إن٣ الوجه هنا مصدر٤ محذوف الزيادة، كأنه وضع الفعل موضع الافتعال، كوحده، وقيد الأوابد "في أحد القولين"٥ ونحوهما. وإن شئت قلت: خرج مخرج الاستعارة. وذلك أن وجه الشيء أبدا هو أكرمه وأوضحه، فهو المراد منه، والمقصود إليه. فجرى استعمال هذا في القديم -سبحانه- مجرى العرف فيه والعادة في أمثاله. أي لو كان -تعالى- مما يكون له وجه لكان كل موضع توجه٦ إليه فيه وجها له؛ إلا٧ أنك إذا جعلت الوجه في القول الأول مصدرا كان في المعنى مضافا إلى المفعول دون الفاعل؛ لأن المتوجه إليه مفعول "في المعنى فيكون"٨ إذًا من باب قوله : ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ﴾ ٩ و ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ ١٠ ونحو ذلك مما أضيف فيه المصدر إلى المفعول به.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ ١١ إن شئت قلت: لما كان العرف١٢ أن يكون أكثر الأعمال باليد١٣ جرى هذا مجراه. وإن شئت قلت: الأيدي هنا١٤ جمع اليد١٥ التي هي القوة فكأنه قال: مما عملته قوانا أي القوى التي أعطيناها الأشياء لا أن له -سبحانه- جسما تحله القوة أو الضعف. ونحوه قولهم في القسم: لعمر الله إنما هو: وحياة الله، أي والحياة التي آتانيها الله، لا أن القديم سبحانه محل
стр. 1173
للحياة كسائر الحيوانات. ونسب العمل إلى القدرة وإن كان في الحقيقة للقادر؛ لأن بالقدرة ما يتم له العمل كما يقال: قطعه السيف وخرقه١ الرمح. فيضاف الفعل إليهما؛ لأنه إنما كان بهما.
وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٢ أي تكون مكنوفا برأفتي بك وكلاءتي لك كما أن من يشاهده الناظر له، والكافل به٣، أدنى إلى صلاح أموره وانتظام أحواله ممن يبعد عمن يدبره ويلي أمره قال المولد:
شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا ... فينا وليس كغائب من يشهد
وهو باب واسع.
وقوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٤ إن شئت جعلت اليمين هنا الجارحة، فيكون على "ما ذهبنا"٥ إليه من المجاز والتشبيه، أي حصلت السموات تحت قدرته حصول ما تحيط اليد به في يمين القابض عليه، وذكرت اليمين هنا دون الشمال لأنها أقوى اليدين وهو من مواضع ذكر الاشتمال والقوة. وإن شئت جعلت اليمين هنا القوة؛ كقوله٦:
إذا ما رايةٌ رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
أي بقوته وقدرته. ويجوز أن يكون أراد بيد عرابة: اليمنى٧ على ما مضى. وحدثنا أبو علي سنة إحدى وأربعين٨، قال: في قول الله -جل اسمه: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ
стр. 1174
ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ ١ ثلاثة أقوال: أحدها: باليمين٢ التي هي خلاف الشمال. والآخر باليمين التي هي القوة. والثالث "باليمين التي هي"٣ قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ ٤ فإن جعلت يمينه من٥ قوله: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ "هي الجارجة مجازا وتشبيها كانت الباء هنا ظرفا"٦ أي مطويات في يمينه وتحت يمينه. وإن جعلتها القوة لم تكن الباء ظرفا لكنها تكون حرفا معناه الإلصاق والاستعانة به على التشبيه بما يستعان به كقولهم: ضرب بالسيف وقطع بالسكين٧، وحفر بالفأس. هذا هو المعنى٨ الظاهر، وإن كان غيره جائزا على التشبيه والسعة.
وقوله٩ في الحديث: خلق الله آدم على صورته يحتمل١٠ الهاء فيه أن تكون راجعة على اسم الله تعالى وأن تكون راجعة على آدم. فإذا كانت عائدة على اسم الله تعالى كان معناه: على الصورة التي أنشأها الله وقدرها. فيكون المصور حينئذ مضافا إلى الفاعل لأنه -سبحانه- هو المصدر لها لا أن له -عز اسمه- صورة ومثالا١١؛ كما أن قولهم: لعمر الله إنما معناه: والحياة التي كانت بالله والتي آتانيها الله لا أن له -تعالى- حياة تحله ولا أنه١٢ -عز وجهه- محل للآعراض. وإن جعلتها عائدة على آدم كان معناه: على صورة آدم أي على
стр. 1175
صورة أمثاله ممن هو مخلوق ومدبر١، فيكون هذا٢ حينئذ كقولك٣ في السيد والرئيس: قد خدمته، خدمته أي الخدمة التي تحق لأمثاله، وفي العبد والمبتذل: قد استخدمته استخدامه، أي استخدام أمثاله ممن هو مأمور بالخفوف، والتصرف فيكون إذًا كقوله : ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ ٤ وكذلك نظائر هذا: هذه سبيله.
فأما قول٥ من طغى به جهله، وغلبت عليه شقوته، حتى قال في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ٦: إنه٧ أراد به عضو القديم، وإنها جوهر كهذه الجواهر الشاغلة للأماكن٨، وإنها ذات شعر، وكذا وكذا مما تتايعوا٩ "في شناعته"١٠ وركسوا١١ في "غوايته"١٢ فأمر نحمد الله على أن نزهنا عن الإلمام بحراه١٣. وإنما الساق هنا يراد بها شدة الأمر؛ كقولهم: قد قامت الحرب على ساق. ولسنا ندفع من ذلك أن الساق إذا أريدت١٤ بها الشدة فإنما هي مشبهة بالساق هذه التي تعلق١٥ القدم، وأنه إنما قيل ذلك لأن الساق هي الحاملة للجملة١٦، المنهضة لها. فذكرت هنا لذلك تشبيها وتشنيعا١٧. فأما أن تكون للقديم -تعالى- جارحة: ساق أو غيرها فنعوذ بالله من اعتقاده "أو الاجتياز"١٨ بطواره. وعليه بيت الحماسة:
стр. 1176
كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح١
وأما قول ابن قيس٢ في صفة الحرب والشدة فيها:
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء
فإنه وجه آخر، وطريق من طرق الشدة غير ما تقدم. وإنما الغرض فيه أن الروع قد بز العقيلة -وهي المرأة الكريمة- حياءها٣، حتى ابدت عن ساقها، للحيرة والهرب، كقول الآخر:
لما رايت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدا
وبدت محاسنها التي ... تخفى وكان الأمر جدا٤
стр. 1177
وقوله:
إذا أبرز الروع الكعاب فإنهم ... مصادٌ لمن يأوى إليهم ومعقل١
وهو باب. وضده ما أنشده أبو الحسن:
أرفعن أذيال الحقي واربعن ... مشى حيياتٍ كأن لم يفزعن
إن تمنع اليوم نساء تمنعن٢
وأذكر يوما وقد خطر لي خاطر مما نحن بسبيله، فقلت: لو أقام إنسان على خدمة هذا العلم ستين سنة حتى لايحظى٣ منه إلا بهذا الموضع لما كان مغبونا فيه ولا منتقص الحظ منه ولا السعادة به. وذلك قول الله -عز اسمه ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ٤ ولن يخلو٥ "أغفلنا" هنا من أن يكون٦ من باب أفعلت الشيء أي صادفته ووافقته كذلك؛ كقوله٧:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق
أي صادفها هائجة٨ النبات٩ "وقوله١٠:
فمضى وأخلف من قتيلة موعدا١١
стр. 1178
أي صادفه محلفا"، وقوله١:
أصم دعاء عاذلتي تحجى ... بأخرنا وتنسى أولينا
أي صادف قوما صما وقول الآخر:
فأصممت عمرا وأعميته ... عن الجواد والمجد يوم الفخار٢
أي صادفته أعمى. وحكى الكسائي: دخلت بلدة فأعمرتها، أي وجدتها عامرة ودخلت بلدة فأخربتها أي وجدتها خرابا ونحو ذلك أو يكون ما قاله٣ الخصم: أن معنى أغفلنا قلبه: منعنا وصددنا، نعوذ بالله من ذلك. فلو كان الأمر على ما ذهبوا إليه منه٤ لوجب أن يكون العطف عليه بالفاء دون الواو، وأن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه. وذلك أنه كان يكون على هذا الأول علة للثاني، والثاني مسببا٥ عن الأول، ومطاوعا٦ له؛ كقولك: أعطيته فأخذ وسألته فبذل، لما٧ كان الأخذ مسببا عن العطية، والبذل مسببا عن السؤال. وهذا من مواضع الفاء لا الواو؛ ألا "ترى٨ أنك" إنما تقول: جذبته فانجذب، ولا تقول: وانجذب إذا جعلت الثاني مسببًا عن الأول. وتقول: كسرته فانكسر، واستخبرته فأخبر، كله بالفاء. فمجيء قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ بالواو ودليل على أن الثاني ليس مسببا عن الأول على ما يعتقده المخالف. وإذا "لم يكن"٩ عليه كان معنى أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي صادفناه غافلا؛ على ما مضى، وإذا صودف غافلا فقد غفل لا محالة. فكأنه -والله أعلم: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا، أي لا تطع من فعل كذا، وفعل كذا. وإذا صح هذا الموضع ثبت به لنا أصل شريف يعرفه من يعرفه. ولولا ما تعطيه العربية صاحبها من قوة النفس، ودربة الفكر لكان هذا الموضع ونحوه مجوزا عليه غير مأبوه له. وأنا أعجب من الشيخين أبوى١٠ علي رحمهما الله وقد دوخا هذا الأمر، وجولاه١١، وامتخضاه وسقياه، ولم يمرر واحد منهما ولا من غيرهما -فيما علمته به١٢- على قربه وسهولة مأخذه. ولله قطرب! فإنه قد أحرز١٣ عندي أجرا عظيما فيما صنفه من كتابه الصغير في الرد على الملحدين، وعليه عقد أبو علي ﵀ كتابة في تفسير القرآن. وإذا قرأته سقطت عنك الشبهة في هذا الأمر بإذن الله وعونه.
стр. 1179
باب في تجاذب المعاني والإعراب:
هذا موضع كان أبو علي ﵀ يعتاده، ويلم كثيرا به، ويبعث على المراجعة له، وإلطاف النظر فيه. وذلك أنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم الإعراب والمعنى متجاذبين: هذا يدعوك إلى أمر، وهذا يمنعك منه. فمتى اعتورا كلاما١ ما أمسكت بعروة المعنى وارتحت لتصحيح الإعراب.
فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ ٢، فمعنى هذا: إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، فإن حملته في الإعراب على هذا كان
стр. 1180
خطأ؛ لفصلك بين الظرف الذي هو "يوم تبلى"، وبين ما هو معلق به من المصدر الذي هو الرجع، والظرف من صلته، والفصل بين الصلة والموصول الأجنبي أمر١ لا يجوز. فإذا كان المعنى مقتضيا له والإعراب مانعا٢ منه، احتلت له، بأن تضمر ناصبا يتناول الظرف، ويكون المصدر الملفوظ به دالًا على ذلك الفعل حتى كأنه قال٣ فيما بعد: يرجعه يوم تبلى السرائر. ودل "رجعه" على "يرجعه" دلالة المصدر على فعله.
ونحوه٤ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ٥ فـ"إذ" هذه في المعنى متعلقة بنفس قوله: لمقت الله، أي يقال لهم: لمقت الله إياكم وقت دعائكم إلى الإيمان فكفركم، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن؛ إلا أنك إن حملت الأمر على هذا كان فيه الفصل بين الصلة التي هي إذ وبين الموصول الذي هو لمقت٦ الله. فإذا كان المعنى عليه ومنع جانب الإعراب منه أضمرت ناصبا يتناول الظرف ويدل المصدر عليه، حتى كأنه قال بأخرة: مقتكنم إذ تدعون.
وإذا كان هذا ونحوه وقد جاء في القرآن فما أكثره وأوسعه في الشعر! فمن ذلك ما أنشده أبو الحسن من قوله:
لسنا كمن حلت إيادٍ دارها ... تكريت ترقب حبها أن يحصدا٧
стр. 1181
فـ"إيادٍ" بدل مِن "مَن"، وإذا كان كذلك لم يمكنك أن تنصب "دارها" بـ "حلت" هذه الظاهرة؛ لما فيه من الفصل، فحينئذ١ ما تضمر٢ له فعلا يتناوله، فكأنه قال فيما بعد: حلت دارها. وإذا جازت دلالة المصدر على فعله، والفعل على مصدره، كانت دلالة الفعل٣ على الفعل الذي هو مثله، أدنى٤ إلى الجواز وأقرب مأخذا في الاستعمال. ومثله قول الكميت في ناقته:
كذلك تيك وكالناظرات ... صواحبها ما يرى المسحل٥
أي وكالناظرات ما يرى المسحل صواحبها. فإن حملته على هذا كان فيه الفصل المكروه. فإذا كان المعنى عليه، ومنع طريق الإعراب منه أضمر له ما يتناوله، ودل "الناظرات" على ذلك المضمر. فكأنه قال فيما بعد: نظرن٦ ما يرى المسحل، ألا تراك لو قلت: كالضارب زيدٌ جعفرا وأنت تريد: كالضارب جعفرا زيد لم يجز؛ كما أنك لو قلت: إنك على صومك لقادر شهر رمضان وأنت تريد: إنك على صومك شهر رمضان لقادر لم يجز شيء من ذلك للفصل.
وما أكثر استعمال الناس لهذا الموضع في محاوراتهم وتصرف الأنحاء "في كلامهم"٧! وأحد من اجتاز به البحتري في قوله:
لا هناك الشغل الجديد بحزوى ... عن رسوم برامتين قفار٨
стр. 1182
فـ"عن" في المعنى متعلقة "بالشغل"١ أي لا هناك الشغل عن هذه الأماكن؛ إلا أن الإعراب مانع منه، وإن كان المعنى متقاضيا له. وذلك أن قوله "الجديد" صفة للشغل، والصفة إذا جرت على الموصوف٢ آذنت بتمامه، وانقضاء أجزائه. فإن ذهبت تعلق "عن" بنفس "الشغل" على ظاهر المعنى، كان فيه الفصل بين الموصول وصلته، وهذا فاسد، ألا تراك لو قلت: عجبت من ضربك الشديد عمرا لم يجز، لأنك وصفت المصدر وقد بقيت منه بقية، فكان ذلك فصلا بين الموصول وصلته بصفته. وصحتها أن تقول: عجبت من ضربك الشديد عمرا؛ لأنه مفعول الضرب وتنصب عمرا بدلا من الشديد كقولك: مررت بالظريف عمروٍ، ونظرت إلى الكريم جعفر. فإن أردت أن تصف المصدر بعد إعمالك إياه قلت: عجبت من ضربك الشديد عمرا الضعيف، أي عجبت من أن ضربت هذا الشديد ضربا ضعيفا. هذا تفسير المعنى.
وهذا الموضع من هذا العلم كثير في الشعر القديم والمولد. فإذا٣ اجتاز بك شيء منه فقد عرفت طريق القول فيه، والرفق به إلى أن يأخذ٤ مأخذه بإذن الله تعالى. ومنه قول الحطيئة:
أزمعت يأسًا مبينا من نوالكم ... ولن ترى طاردا للحر كالياس٥
стр. 1183
أي يأسًا من نوالكم مبينا. فلا يجوز أن يكون قوله: "من نوالكم" متعلقا بيأس وقد وصفه١ بمبين، وإن كان المعنى يقتضيه؛ لأن الإعراب مانع منه. لكن تضمر له حتى كأنك قلت: يئست من نوالكم.
ومن تجاذب الإعراب والمعنى ما جرى من المصادر وصفا؛ نحو قولك: هذا رجل دنف، وقوم رضا ورجل عدل. فإن وصفته بالصفة الصريحة قلت: رجل دنف، وقوم مرضيون، ورجل عادل. هذا هو الأصل. وإنما انصرفت العرب عنه في بعض الأحوال إلى أن وصفت بالمصدر لأمرين: أحدهما صناعي، والآخر معنوي. أما الصناعي فليزيدك أنسا بشبه المصدر للصفة التي أوقعته موقعها، كما أوقعت الصفة موقع المصدر، في نحو٢ قولك٣: أقائمًا والناس قعود "أي تقوم قياما والناس قعود"٤ ونحو ذلك.
وأما المعنوي فلأنه إذا وصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل. وذلك لكثرة تعاطيه له واعتياده٥ إياه. ويدل على أن هذا معنى لهم، ومتصور في نفوسهم٦ قوله "فيما أنشدناه"٧:
ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنت علينا والضنين من البخل٨
أي كأنه مخلوق من البخل لكثرة ما يأتي به٩ منه. ومنه١٠ قول الآخر:
وهن من الإخلاف والولعان١١
وقوله:
وهن من الإخلاف بعدك والمطل١٢
وأصل هذا الباب عندي قول الله : ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ١٣. وقد ذكرنا هذا الفصل فيما مضى. فقولك إذًا: هذا رجل دنف "بكسر النون"١٤ أقوى إعرابا؛ لأنه هو الصفة المحضة غير المتجوزة١٥. وقولك: رجل دنف أقوى معنى؛ لما ذكرناه: من كونه كأنه مخلوق من ذلك الفعل. وهذا معنى لا تجده، ولا تتمكن منه مع الصفة الصريحة. فهذا١٦ وجه تجاذب الإعراب والمعنى؛ فاعرفه وأمض الحكم فيه على أي الأمرين شئت.
стр. 1184
باب في التفسير على المعنى دون اللفظ:
اعلم أن هذا موضع قد أتعب كثيرًا من الناس واستهواهم، ودعاهم من سوء الرأي وفساد الاعتقاد إلى ما مذلوا به وتتابعوا١ فيه؛ حتى إن أكثر٢ ما ترى٣ من هذه الآراء المختلفة، والأقوال المستشنعة٤، إنما دعا إليها القائلين بها تعلقهم بظواهر هذه الأماكن، دون أن يبحثوا عن سر معانيها، ومعاقد٥ أغراضها.
فمن ذلك قول سيبويه في بعض ألفاظه: حتى الناصبة٦ للفعل، يعني٧ في٨ نحو قولنا: اتق الله حتى يدخلك الجنة. فإذا سمع هذا من يضعف٩ نظره اعتدها في جملة
стр. 1185
الحروف الناصبة للفعل، وإنما النصب بعدها بأن مضمرة. وإنما جاز أن يتسمح بذلك من حيث كان الفعل بعدها منصوبا بحرف لا يذكر معها؛ فصارت١ في اللفظ كالخلف له، والعوض منه، وإنما هي في الحقيقة جارة لا ناصبة.
ومنه قوله أيضًا في قول الشاعر:
أنا اقتسمنا خطيتنا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجار٢
إن فجار معدولة عن الفجرة. وإنما غرضه أنها معدولة عن فجرة "معرفة علما"٣ على ذا يدل هذا الموضع من الكتاب. ويقويه ورود برة معه في البيت وهي -كما ترى- علم. لكنه فسره٤ على المعنى دون اللفظ. وسوغه ذلك أنه لما أراد تعريف الكلمة المعدول٥ عنها مثل ذلك "بما٦ تعرف" باللام؛ لأنه لفظ معتاد، وترك لفظ فجرة، لأنه لا يعتاد ذلك علما، وإنما يعتاد نكرة وجنسا٧ نحو فجرت فجرة كقولك٨: تجرت تجرة؛ ولو عدلت برة هذه على هذا الحد لوجب أن يقال٩ فيها١٠: برار كفجار.
ومنه قولهم: أهلك والليل، فإذا فسروه١١ قالوا: أراد١٢: الحق أهلك قبل الليل.
وهذا -لعمري- تفسير المعنى لا تقدير الإعراب؛ فإنه على: الحق أهلك وسابق الليل.
стр. 1186
ومنه ما حكاه الفراء من قولهم: معي عشرة فاحدهن١، أي اجعلهن أحد عشر. وهذا تفسير المعنى، أي أتبعهن ما يليهن وهو٢ من حدوث الشيء إذا جئت بعده. وأما اللفظ فإنه من "وح د"؛ لأن أصل أحد وحد؛ ألا ترى إلى قول النابغة:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد٣
أي منفرد، وكذلك الواحد إنما هو منفرد. وقلب هذه الواو المفتوحة المنفردة٤ شاذ ومذكور في التصريف. وقال لي٥ أبو علي ﵀ بحلب سنة ست وأربعين: إن الهمزة في قولهم: ما بها أحد ونحو ذلك مما أحد فيه للعموم ليست بدلا من واو؛ بل هي أصل في موضعها. قال: وذلك أنه٦ ليس من معنى٧ أحد في قولنا٨: أحد عشر، وأحد وعشرون. قال: لأن الغرض في٩ هذه الانفراد، والذي هو نصف الاثنين، قال: وأما أحد في نحو قولنا: ما بها أحد وديار، فإنما١٠ هي للإحاطة١١ والعموم. "والمعنيان"١٢ -كما ترى- مختلفان. وهكذا قال؛ وهو الظاهر.
стр. 1187
ومنه قول المفسرين في قول الله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ١ أي مع الله ليس أن "إلى" في اللغة بمعنى مع، ألا تراك لا تقول: سرت إلى زيد، وأنت تريد: سرت٢ مع زيد، هذا لا يعرف في كلامهم. وإنما جاز هذا التفسير في هذا الموضع؛ لأن النبي إذا كان له أنصار فقد٣ انضموا في نصرته إلى الله، فكأنه قال: من أنصاري منضمين إلى الله، كما تقول: زيد إلى خير، وإلى دعة وستر، أي آوٍ إلى هذه الأشياء ومنضم إليها. فإذا انضم إلى الله فهو معه لا محالة. فعلى هذا فسر المفسرون هذا الموضع.
ومن ذلك قول الله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ٤ قالوا معناه: قد امتلأت، وهذا أيضًا تفسير على المعنى دون اللفظ، و"هل" مبقاة على استفهامها. وذلك كقولك للرجل لا تشك٥ في ضعفه عن الأمر: هل ضعفت عنه، وللإنسان "يحب٦ الحياة" هل تحب٧ الحياة، أي فكما٨ تحبها فليكن حفظك نفسك لها، وكما ضعفت عن هذا الأمر فلا تتعرض لمثله مما تضعف عنه. وكأن الاستفهام إنما٩ دخل هذا الموضع ليتبع١٠ الجواب عنه بأن يقال: نعم "فإن كان كذلك"١١ فيحتج عليه باعترافه به١٢، فيجعل١٣ ذلك طريقا إلى وعظه أو تبكيته.
стр. 1188
ولو لم يعترف في ظاهر الأمر به لم يقو توقيفه١ عليه، وتحذيرة من مثله، قوته إذا اعترف به؛ لأن الاحتجاج على المعترف أقوى منه على المنكر أو المتوقف؛ فكذلك قوله سبحانه: هل امتلأت، فكأنها قالت: لا، فقيل لها: بالغي٢ في إحراق المنكر "كان٣ لك" فيكون هذا خطابا في اللفظ لجهنم، وفي المعنى للكفار. "وكذلك"٤ جواب هذا من قولها: هل من مزيد، أي أتعلم يا ربنا أن عندي مزيدا؟. فجواب هذا منه -عز اسمه- لا٥، أي فكما تعلم أن لامزيد فحسبي ما عندي. فعليه قالوا في تفسيره: قد امتلأت، فتقول٦: ما من مزيد. فاعرف هذا ونحوه. وبالله التوفيق.
стр. 1189
باب في قوة اللفظ لقوة المعنى:
هذا فصل من العربية حسن. منه قولهم: خشن واخشوشن. فمعنى خشن دون معنى اخشوشن؛ لما فيه من تكرير العين وزيادة الواو. ومنه قول عمر ﵁: اخشوشنوا وتمعددوا: أي اصلبوا وتناهوا في الخشنة١. وكذلك قولهم: أعشب المكان، فإذا أرادوا كثرة العشب فيه قالوا: اعشوشب. ومثله حلا واحلولي، وخلق٢ واخلولق، وغدن٣ واغدودن. ومثله باب فعل وافتعل، نحو قدر واقتدر. فاقتدر أقوى معنى من قولهم٤: قدر. كذلك قال أبو العباس وهو محض القياس، قال الله سبحانه: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ ٥؛ فمقتدر هنا أوفق من قادر؛ من حيث كان الموضع لتفخيم الأمر وشدة الأخذ. وعليه -عندي- قول الله : ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٦ وتأويل ذلك أن كسب الحسنة بالإضافة إلى اكتساب السيئة أمر يسير ومستصغر. وذلك لقوله -عز اسمه: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ ٧؛ أفلا ترى أن الحسنة تصغر بإضافتها إلى جزائها٨، صغر٩ الواحد إلى العشرة ولما كان جزاء السيئة إنما هو بمثلها١٠، لم تحتقر١١ إلى الجزاء عنها١٢، فعلم بذلك قوة فعل السيئة على فعل الحسنة؛ ولذلك قال ﵎: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ١٣ فإذا كان فعل السيئة١٤ ذاهبا بصاحبه إلى هذه الغاية البعيدة المترامية، عظم قدرها، وفخم لفظ العبارة عنها، فقيل: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. فزيد في لفظ فعل السيئة، وانتقص من لفظ فعل الحسنة؛ لما ذكرنا. ومثله سواءً بيت الكتاب:
أنا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجار١٥
стр. 1190
فعبر عن البر بالحمل، وعن الفجرة بالاحتمال. وهذا١ هو ما قلناه في قوله -عز اسمه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، لا فرق بينهما. وذاكرت بهذا الموضع بعض أشياخنا من المتكلمين فسر به، وحسن في نفسه.
ومن ذلك أيضًا٢ قولهم: رجل جميل، ووضئ، فإذا أرادوا المبالغة في ذلك قالوا: وضاء، وجمال، فزادوا في اللفظ٣ "هذه الزيادة"٤ لزيادة معناه؛ قال:
والمرء يلحقه بفتيان الندى ... خلق الكريم وليس بالوضاء٥
وقال:
تمشى بجهم حسن ملاح ... أجم حتى هم بالصياح٦
وقال:
منه صفيحة وجه غير جمال
وكذلك حسن وحسان، قال٧:
دار الفتاة التي كنا تقول لها ... يا ظبية عطلا حسانة الجيد
وكأن أصل هذا إنما هو لتضعيف العين في نحو المثال؛ نحو٨ قطع وكسر وبابهما.
وإنما جعلنا هذا هو الأصل لأنه٩ مطرد في بابه أشد من اطراد باب الصفة.
وذلك نحو قولك: قطع وقطّع، وقام الفرس١٠ وقومت الخيل، ومات البعير وموتت الإبل؛ ولأن العين قد تضعف في الاسم الذي ليس بوصف، نحو قبر١١ وتمر١٢ وحمر١٣.
стр. 1191
فعدل ذلك على سعة زيادة العين. فأما قولهم: خطاف وإن كان اسمًا فإنه لاحق بالصفة في إفادة معنى الكثرة؛ ألا تراه موضوعا لكثرة الاختطاف به. وكذلك سكين١، إنما هو موضوع٢ لكثرة تسكين الذابح٣ به٤. وكذلك البزار٥ والعطار والقصار٦ ونحو ذلك؛ إنما هي٧ لكثرة تعاطي هذه الأشياء وإن لم تكن مأخوذة من الفعل. وكذلك النساف لهذا الطائر، كأنه قيل له ذلك؛ لكثرة نسفه بجناحيه٨. وكذلك الخضارى للطائر أيضًا؛ كأنه قيل له ذلك لكثرة٩ خضرته، والحوارى١٠ لقوة حوره وهو بياضه. وكذلك الزمل١١ والزميل والزمال، إنما كررت عينه لقوة حاجته إلى أن يكون تابعا وزميلا. وهو باب منقاد.
ونحو من تكثير اللفظ لتكثير المعنى العدول عن معتاد حاله. وذلك فعال في معنى فعيل، نحو طوال، فهو أبلغ "معنى من"١٢ طويل، وعراض؛ فإنه أبلغ معنى من عريض. وكذلك خفاف من خفيف، وقلال من قليل، وسراع من سريع. ففعال -لعمري- وإن كانت أخت فعيل في باب الصفة فإن فعيلا أخص بالباب من فعال، ألا تراه أشد انقيادًا منه، تقول: جميل ولا تقول: جمال، وبطىء، ولا تقول: بطاء وشديد ولا تقول١٣: شداد "ولحم١٤ غريض
стр. 1192
ولا يقال غراض". فلما كانت فعيل هي١ الباب المطرد وأريدت المبالغة، عدلت إلى فعال. فضارعت فعال بذلك فعالا. والمعنى الجامع بينهما٢ خروج كل واحد منهما٣ عن أصله أما فعال فبالزيادة وأما فعال فبالانحراف به عن فعيل.
وبعد فإذا كانت الألفاظ أدلة٤ المعاني٥، ثم زيد فيها شيء، أوجبت القسمة له٦ زيادة٧ المعنى به. وكذلك إن انحرف به عن سمته وهديته٨ كان ذلك دليلًا على حادث متجدد له. وأكثر ذلك أن يكون ما حدث٩ له زائدًا فيه، لا منتقصًا منه؛ ألا ترى أن كل واحد من مثالي التحقير والتكسير عارضان١٠ للواحد، إلا أن أقوى التغييرين هو ما عرض لمثال التكسير. وذلك أنه أمر عرض للإخراج١١ عن الواحد والزيادة في العدة، فكان أقوى من التحقير؛ لأنه مبقٍّ للواحد على إفراده١٢. ولذلك لم يعتد١٣ التحقير سببًا مانعًا من الصرف، كما اعتد التكسير مانعًا منه ألا تراك تصرف دريهما ودنينيرا، ولا تصرف دراهم ولا دنانير؛ لما ذكرنا من هنا حمل سيبويه مثال التحقير على مثال التكسير، فقال تقول: سريحين، لقولك: سراحين، وضبيعين، لقولك: ضباعين: وتقول سكيران: لأنك لا تقول:
سكارين. هذا معنى قوله وإن لم يحضرنا١٤ الآن حقيقة١٥ لفظه. وسألت أبا علي عن رد سيبويه١٦ مثال التحقير إلى مثال التكسير فأجاب بما١٧ أثبتنا آنفًا. فاعرف ذلك إلى ما تقدمه.
стр. 1193
باب في نقض الأوضاع إذا ضامها ١ طارئ عليها:
من ذلك لفظ الاستفهام؛ إذ ضامه معنى التعجب استحال خبرًا. وذلك قولك: مررت برجل أي رجل. فأنت الآن مخبر بتناهي الرجل في الفضل، ولست مستفهمًا. وكذلك مررت برجل إيما رجل؛ لأن ما زائدة. وإنما كان كذلك لأن أصل الاستفهام الخبر والتعجب ضرب من الخبر. فكأن٢ التعجب لما طرأ على الاستفهام إنما أعاده٣ إلى أصله: من الخبرية.
ومن ذلك لفظ الواجب، إذا لحقته همزة التقرير عاد نفيًا، وإذا لحقت لفظ النفي عاد إيجابًا. وذلك كقول الله سبحانه: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ ٤ أي ما قلت لهم، وقوله: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ ٥ أي لم يأذن لكم. وأما دخولها على النفي فكقوله : ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ ٦ أي أنا كذلك وقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا٧
أي أنتم كذلك. وإنما كان الإنكار كذلك لأن منكر الشيء إنما غرضه أن يحيله إلى عكسه وضده، فلذلك٨ استحال به الإيجاب نفيًا، والنفي إيجابًا.
ومن ذلك أن تصف العلم، فإذا أنت فعلت ذلك فقد أخرجته به٩ عن حقيقة ما وضع له، فأدخلته١٠ معنى لولا الصفة١١ لم تدخله١٢ إياه. وذلك أن وضع العلم أن يكون "مستغنيًا بلفظه"١٣ عن عدة من الصفات، فإذا أنت وصفته فقد سلبته "الصفة له ما كان"١٤ في أصل وضعه مرادًا فيه: من الاستغناء بلفظه عن كثير من صفاته. وقد ذكرنا هذا الموضع فيما مضى. فتأمل هذه الطريق، حتى إذا ورد شيء منها عرفت مذهبه.
стр. 1194
باب في الاستخلاص من الأعلام معاني الأوصاف:
من ذلك ما أنشدناه١ أبو علي ﵀ من قول الشاعر:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان ... ليس علي حسبي بضؤلان٢
أنشدنيه ﵀ ونحن في دار الملك. وسألني عما يتعلق به الظرف الذي هو "بعض الأحيان" فخضنا٣ فيه إلى أن برد في اليد من جهته أنه يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون أراد: أنا مثل أبي المنهال، فيعمل في الظرف على هذا معنى التشبيه، أي أشبه أبا المنهال في بعض الأحيان. والآخر أن يكون قد عرف
стр. 1195
من أبي المنهال هذا الغناء والنجدة فإذا ذكر فكأنه١ قد ذكرا٢، فيصير معناه إلى أنه كأنه قال: أنا المغني في بعض الأحيان، أو أنا النجد٣ في بعض تلك الأوقات. أفلا تراك كيف انتزعت من العلم الذي هو "أبو المنهال" معنى الصفة والفعلية. ومنه قولهم في الخبر. إنما سميت هانئًا لنهنأ٤. وعليه جاء نابغة؛ لأنه نبغ فسمي بذلك. فهذا٥ -لعمري- صفة غلبت، فبقي عليها بعد التسمية بها بعض ما كانت تفيده من معنى الفعل من قبل. وعليه مذهب٦ الكتاب في ترك صرف أحمر إذا سمي به، ثم نكر. وقد ذكرنا ذلك في غير موضع "إلا أنك"٧ على الأحوال٨ قد انتزعت من العلم معنى الصفة. وقد مر بهذا الموضع الطائي الكبير فأحسن فيه واستوفى معناه فقال:
فلا تحسبًا هندًا لها الغدر وحدها ... سجية نفسٍ كل غانية هند٩
فقوله: "كل غانية هند" مثناه في معناه، وآخذ لأقصى مداه؛ ألا "ترى١٠ أنه" كأنه قال، كل غانية غادرة أو قاطعة "أو خائنة"١١ أو نحو ذلك.