الزيادى عن الأصمعى قال: حضر الفرزدق١ مجلس ابن أبي إسحاق، فقال له: كيف تنشد هذا البيت:
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر٢
فقال الفرزدق: كذا أنشد. فقال ابن أبي إسحاق: ما كان عليك لو قلت: فعولين! فقال الفرزدق: لو شئت أن تسبح لسبحت. ونهض فلم يعرف أحد في المجلس ما أراد بقوله: لو شئت أن تسبح لسبحت، أى لو نصب لأخبر أن الله خلقهما وأمرهما أن تفعلا ذلك، وإنما أراد: أنهما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر "قال أبو الفتح: كان هنا تامة غير محتاجة إلى الخبر، فكأنه قال: وعينان قال الله: احدثا فحدثتا، أو اخرجا إلى الوجود فخرجتا"٣.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال: سأل رجل سيبويه عن قول الشاعر٤:
يا صاح يا ذا الضامر العنس
فرفع سيبويه "الضامر" فقال له الرجل: إن فيها:
والرحل "ذي الأقتاد"٥ والحلس
стр. 1227
فقال سيبويه١: من هذا هربت. وصعد فى الدرجة. فقال أبو الفتح: هذا عندنا٢ محمول على معناه دون لفظه. وإنما أراد: ياذا العنس الضامر، والرحل "ذى الاقتاد" فحمله على معناه، "دون لفظه"٢.
قال أبو العباس: حدثني أبو عثمان قال: جلست في حلقة الفراء، فسمعته يقول لأصحابه: لا يجوز حذف لام الأمر إلا في شعر. وأنشد:
من كان لا يزعم أني شاعر ... فيدن مني تنهه المزاجر٣
قال: فقلت له: لم جاز في الشعر ولم يجز في الكلام؟ فقال: لأن الشعر يضطر فيه الشاعر، فيحذف. قال: فقلت: وما الذى اضطره هنا، وهو يمكنه أن يقول: فليدن منى؟ قال: فسأل عنى، فقيل له: المازنى، فأوسع لى. قال أبو الفتح: قد كان يمكن الفراء أن يقول له: إن العرب قد تلزم٤ الضرورة في الشعر في حال السعة، أنسًا بها "واعتيادًا٥ لها"، وإعدادًا لها لذلك عند وقت الحاجة إليها؛ ألا ترى إلى قوله٦:
قد أصبحت أم الخيار تدعى ... عليّ ذنبا كله لم أصنع
стр. 1228
فرفع للضرورة ولو نصب لما كسر الوزن. وله نظائر. فكذلك قال: "فيدن منى" وهو قادر على أن يقول: "فليدن منى"؛ لما١ ذكرت.
والمحفوظ في هذا قول أبي عمرو لأبي خيرة وقد قال: استأصل الله عرقاتهم٢ -بنصب٣ التا- هيهات، أبا خيرة لان جلدك! ثم رواها أبو عمرو فيما بعد.
وأجاز أيضًا أبو خيرة: حفرت إراتك، جمع إرة٤. وعلى نحوه إنشاد الكوفيين:
ألا يزجر الشيخ الغيور بناته٥
وإنشادهم أيضًا:
فلما جلاها بالإيام تحيزت ... ثباتًا عليها ذلها واكتئابها٦
وأصحابنا لا يرون فتح هذه التاء في موضع النصب. وأما٧ عرقاتهم فواحدة؛ كسعلاة. وكذلك إراة: علفة، وأصلها وئرة: فعلة، فقلبت الفاء إلى موضع اللام، فصار: "إروة، ثم قلبت الواو ألفا فصار"٨ إراة؛ مثل الحادى، وأصله: الواحد، فقلبت الفاء إلى موضع اللام، فصار وزنه على اللفظ: عالفا ومثله قول القطامى:
ولا تقضى بواقي دينها الطادي٩
أصله: الواطد، ثم قلب إلى عالف. وأنا ثباة ففعلة من الثبة، وأما بناته ففعلة، كقناة كما أن ثباة وسمعت لغاتهم إنما "هي واحدة"١٠؛ كرطبة.
стр. 1229
هذا كله إن كان مارووه -من فتح هذه التاء- صحيحا ومسموعا من فصيح يؤخذ بلغته ولم يجز أصحابنا فتح هذه التاء في الجماعة، إلا شيئا قاسه أبو عثمان، فقال: أقول: لا مسلمات لك -بفتح التاء- قال: لأن الفتحة الآن ليست لـ"مسلمات" وحدها، وإنما لها ولـ"لا" قبلها. وإنما يمتنع١ من فتح هذه التاء ما دامت الحركة في آخرها لها وحدها. فإذا٢ كانت لها ولغيرها فقد زال طريق ذلك٣ الحظر الذي كان عليها. وتقول على هذا: لا سمات بإبلك -بفتح٤ التاء- على ما مضى. وغيره يقول: لا سمات بها -بكسر٥ التاء- على كل حال. وفي هذا مسألة لأبي على ﵀ طويلة حسنة.
وقال الرياشي: سمعت أبا زيد يقول: قال المنتجمع: أعمى على المريض، وقال أبو خيرة: غمى عليه. فأرسلوا إلى أم أبى خيرة، فقالت: غمى على المريض. فقال لها المنتجع: أفسدك ابنك. وكان وراقا.
وقال أبو زيد: قال منتجع: كمء واحدة وكمأة للجميع. وقال أبو خيرة: كمأة واحدة، وكمء للجميع؛ مثل تمرة وتمر، قال: فمر بهما رؤبة، فسألوه، فقال كما قال منتجع٦. وقال أبو زيد: قد يقال: كمأة وكمء كما قال أبو خيرة.
وأخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحجاج عن أبي علي بن بشر بن موسى الأسدى عن الأصمعى، قال: اختلف رجلان، فقال أحدهما: الصقر، وقال الآخر: السقر. فتراضيا بأول وارد يرد عليهما، فإذا رجل قد أقبل، فسألاه فقال: ليس كما قلت أنت ولا "كما قلت أنت"٧؛ إنما هو الزقر.
стр. 1230
وقال الرياشي: حدثني الأصمعى، قال: ناظرني المفضل عند عيسى بن جعفر، فأنشد بيت أوس:
وذات هدم عارٍ نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جذعا١
فقلت: هذا تصحيف؛ لا يوصف التولب بالإجذاع، وإنما هو: جدعا، وهو السىء الغذاء. قال: فجعل المفضل يشغب، فقلت له: تكلم كلام النمل وأصب. لو نفخت في شبور٢ يهودى ما نفعك شيئا.
ومن ذلك إنكار الأصمعى على ابن الأعرابى ما كان رواه ابن الأعرابى لبعض ولد سعيد بن سلم بحضرة سعيد بن سلم لبعض بنى كلاب:
سمين الضواحى، لم تؤرقه ليلة ... وأنعم أبكار الهموم٣ وعونها
стр. 1231
فرفع ابن الأعرابي "ليلة"، ونصبها الأصمعى، وقال: إنما أراد: لم تؤرقه أبكار الهموم١ وعونها ليلةً، وأنعم أي زاد٢ على ذلك. فأحضر ابن الأعرابي، وسئل عن ذلك فرفع "ليلة" فقال الأصمعى لسعيد: من لم يحسن هذا القدر فليس بموضع لتأديب ولدك، فنحاه سعيد، فكان ذلك سبب طعن ابن الأعرابي على الأصمعى.
محمد بن يزيد قال: حدثني أبو محمد التوزى عن أبى عمرو الشيبانى قال: كنا بالرقة، فأنشد الأصمعي:
عننًا باطلا وظلما كما تعـ ... ـنز عن حجرة الربيض الظباء٣
فقلت: يا سبحان الله، تعتر من العتيرة. فقال الأصمعى: تعنز أى تطعن بعنزة٤. فقلت: لو نفخت في شبور اليهودى، وصحت إلى التنادى٥، ما كان إلا تعتر، ولا ترويه بعد اليوم إلا تعتر. قال أبو العباس قال لى التوزى، قال لى أبو عمرو: فقال: والله لا أعود بعده٦ إلى تعنز.
стр. 1232
وأنشد الأصمعى أبا توبة ميمون بن حفص١ مؤدب عمرو بن سعيد بن سلم بحضرة سعيد:
واحدةٌ أعضلكم شأنها ... فكيف لو قمت على أربع! ٢
قال: ونهض الأصمعى فدار على أربع، يلبس بذلك على أبي توبة. فأجابه أبو توبة بما يشاكل فعل الأصمعى. فضحك سعيد، وقال "لأبي توبة"٣: ألم أنهك عن مجاراته في المعانى هذه صناعته.
وروى أبو زيد: ما يعوز٤ له شيء إلا أخذه، فأنكرها الأصمعى، وقال: إنما هو "يعور" -بالراء- وهو كما قال الأصمعى.
وقال الأثرم على٥ بن المغيرة: مثقل استعان بدفيه٦، ويعقوب بن السكيت حاضر. فقال يعقوب: هذا تصحيف؛ إنما هو: مثقل٧ استعان بذقنه. فقال الأثرم: إنه يريد الرياسة بسرعة، ودخل بيته هذا في حديث لهما.
وقال أبو الحسن لأبي حاتم، ما صنعت في كتاب المذكر والمؤنث؟ قال: قلت٨: قد صنعت فيه شيئا. قال: فما تقول في الفردوس؟ قال٩: ذكر. قال فإن الله يقول: ﴿الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١٠ قال: قلت:
стр. 1233
ذهب إلى الجنة فأنث. قال أبو حاتم: فقال لى التوزى: يا عاقل١! أما سمعت قول الناس: أسألك الفردوس الأعلى، "فقلت يا نائم: الأعلى هنا"٢ أفعل لا فعلى! قال أبو الفتح: لا وجه لذكره هنا؛ لأن الأعلى لا يكون أبدا فعلى.
أبو عثمان قال: قال لى أبو عبيدة: ما أكذب النحويين! يقولون: إن هاء التأنيث، لا تدخل على ألف التأنيث وسمعت رؤبة ينشد:
فكر في علقى وفي مكور٣
فقلت له: واحد العلقى؟ فقال: علقاة. قال أبو عثمان: فلم أفسر له؛ لأنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا. وقد ذكرنا نحو هذا فيما قبل، أو شرحناه.
قال أبو الفتح: قد أتينا في هذا الباب من هذا الشأن على أكثر مما يحتمله هذا الكتاب، تأنيسا به، وبسطا للنفس بقراءته. وفيه أضعاف هذا؛ إلا أن في هذا كافيا من غيره بعون الله.
стр. 1234
باب في صدق النقلة وثقة الرواة والحملة:
هذا موضع من هذا الأمر، لا يعرف صحته إلا من تصور أحوال السلف فيه١ تصورهم٢، ورآهم من الوفور والجلالة بأعيانهم، واعتقد في هذا العلم الكريم ما يجب اعتقاده له٣، وعلم أنه لم يوفق لاختراعه٤، وابتداء قوانينه وأوضاعه، إلا البر عند الله سبحانه، الحظيظ٥ بما نوه به، وأعلى شأنه. أو لا يعلم أن أمير المؤمنين عليا ﵁ هو البادئه والمنبه عليه والمنشئه والمرشد٦ إليه. ثم تحقق٧ ابن عباس، ﵁ به، واكتفال أبي الأسود ﵀ إياه. هذا، بعد تنبيه رسول الله ﷺ عليه، وحضه على الأخذ بالحظ منه، ثم تتالى السلف ﵏ عليه، واقتفائهم -آخرا على٨ أول- طريقه. ويكفى من٩ بعد ما تعرف١٠ حاله، ويتشاهد١١ به من عفة أبي عمرو بن العلاء ومن كان معه، ومجاورا زمانه. حدثنا بعض أصحابنا -يرفعه- قال: قال أبو عمرو بن العلاء ﵀: مازدت في شعر العرب إلا بيتا واحدا. يعنى مايرويه للأعشى من قوله:
وأنكرتنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
أفلا ترى إلى هذا البدر الطالع١٢ الباهر، والبحر الزاخر الذي هو أبو العلماء وكهفهم، وبدء١٣ الرواة وسيفهم، كيف تخلصه من تبعات هذا العلم وتحرجه، وتراجعه فيه إلى الله وتحوبه، حتى أنه لما زاد فيه -على سعته وانبثاقه، وتراميه وانتشاره- بيتا واحدا، وفقه الله للاعتراف به، "وجعل ذلك"١٤ عنوانا على توفيق ذويه وأهليه.
стр. 1235
وهذا الأصمعى -وهو صناجة١ الرواة والنقلة، وإليه محط٢ الأعباء والثقلة، ومنه تجنى الفقر والملح، وهو ريحانة كل مغتبق ومصطبح- كانت مشيخة القراء وأماثلهم تحضره -وهو حدث- لأخذ قراءة نافع عنه. ومعلوم "كم٣ قدر ما" حذف من اللغة، فلم يثبته؛ لأنه لم يقو عنده؛ إذ لم يسمعه. وقد ذكرنا في الباب الذي هذا٤ يليه طرفا منه.
فأما إسفاف من لا علم له، وقول من لا مسكة به: إن الأصمعى كان يزيد في كلام العرب، ويفعل كذا، ويقول كذا، فكلام معفو عنه، غير معبوء به ولا منقوم من مثله، حتى كأنه لم يتأد إليه توقفه عن تفسير القرآن وحديث رسول الله ﷺ وتحوبه من٥ الكلام في الأنواء.
ويكفيك من ذا خشنة٦ أبي زيد وأبي عبيدة. وهذا أبو حاتم بالأمس، وما كان عليه من الجد والانهماك، والعصمة والاستمساك.
وقال لنا أبو علي ﵀ يكاد يعرف٧ صدق أبى الحسن ضرورة. وذلك أنه كان مع الخليل في بلد واحد "فلم يحك عنه حرفا واحدا"٨.
هذا إلى ما يعرف عن عقل الكسائي وعفته، وظلفه٩، ونزاهته؛ حتى إن الرشيد كان يجلسه ومحمد بن الحسن على كرسيين بحضرته، ويأمرهما ألا ينزعجا١٠ لنهضته.
стр. 1236
وحكى أبو الفضل الرياشي قال: جئت أبا زيد لأقرأ عليه كتابه في النبات، فقال: لا تقرأه علي؛ فإني قد أنسيته.
وحسبنا من هذا حديث سيبويه، وقد حطب١ بكتابه -وهو٢ ألف ورقة- علما مبتكرا ووضعا٣ متجاوزا لما يسمع ويرى، قلما تسند إليه حكاية، أو توصل به رواية، إلا الشاذ الفذ الذي لا حفل به ولا قدر. فلولا تحفظ من يليه، ولزومه طريق ما يعنيه، لكثرت الحكايات٤ عنه، ونيطت أسبابها به، لكن أخلد كل إنسان منهم إلى عصمته، وأدرع جلباب ثقته، وحمى جانبه من صدقه وأمانته، ما أريد من صون هذا العلم الشريف "له به"٥.
فإن قلت: فإنا نجد علماء هذا الشأن من البلدين، والمتحلين به في المصرين، كثيرا ما يهجن٦ بعضهم بعضا، ولا٧ يترك له في٨ ذلك سماء ولا أرضا.
قيل له: هذا أول دليل على كرم هذا الأمر، ونزاهة هذا العلم؛ ألا ترى أنه إذا سبقت إلى أحدهم ظنة، أو توجهت نحوه شبهة، سب بها، وبرئ إلى الله منه لمكانها. ولعل أكثر من يرمى بسقطة في رواية أو غمز في حكاية محمى جانب الصدق فيها برئ عند ذكره٩ من تبعتها؛ لكن أخذت عليه، إما لاعتنان شبهة عرضت له أو لمن أخذ عنه، وإما لأن ثالبه ومتعيبه مقصر عن مغزاه، مغضوض
стр. 1237
الطرف دون مداه. وقد تعرض الشبه للفريقين "وتعترض على كلتا الطريقتين"١. فلولا أن هذا العلم في نفوس أهله، والمتفيئين بظله، كريم الطرفين، جدد٢ السمتين، لما تسابوا بالهجنة فيه، ولا تنابزوا بالألقاب في تحصين فروجه ونواحيه، ليطووا ثوبه على أعدل غروره٣ ومطاويه.
نعم، وإذا كانت هذه المناقضات٤ والمثقافات٥ موجودة بين السلف القديم، ومن باء فيه بالمنصب والشرف العميم، ممن هم سرج الأنام، والمؤتم بهديهم في الحلال، والحرام ثم لم يكن ذلك قادحا فيما تنازعوا فيه، ولا غاضا منه، ولا عائدا بطرف من أطراف التبعة عليه، جاز مثل ذلك أيضا في علم العرب، الذي لا يخلص جميعه للدين خلوص الكلام والفقه له: ولا يكاد يعدم أهله الأنق به، والارتياح لمحاسنه. ولله أبو العباس أحمد بن يحيى، وتقدمه في نفوس أصحاب الحديث ثقةً وأمانة، وعصمة وحصانة. وهم عيار هذا الشان، وأساس هذا البنيان.
وهذا أبو علي ﵀، كأنه بعد معنا، ولم تبن به الحال عنا، كان من تحو به وتأنيه٦، وتحرجه كثير التوقف فيما يحكيه، دائم الاستظهار لإيراد ما يرويه. فكان تارة يقول، أنشدت لجرير فيما أحسب، وأخرى: قال لي أبو بكر٧ فيما أظن، وأخرى٨: في غالب ظني كذا، وأرى أني قد سمعت كذا.
هذا جزء من جملة، وغصن من دوحة، وقطرة من بحر، مما يقال في هذا الأمر. وإنما أنسنا بذكره، ووكلنا الحال فيه، إلى تحقيق ما يضاهيه.
стр. 1238
باب في الجمع بين الأضعف والأقوى في عقد واحد:
وذلك جائز عنهم١، وظاهر وجه الحكمة في لغتهم٢؛ قال الفرزدق:
كلاهما حين جد الجرى بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابى٣
"فقوله: كلاهما قد أقلعا ضعيف؛ لأنه حمل على المعنى؛ وقوله: وكلا أنفيهما رابى"٤ قوي لأنه حمل على اللفظ. وأنشد أبو عمرو الشيباني:
كلا جانبيه يعسلان كلاهما ... كما اهتز خوط النبعة المتتابع٥
فإخباره بـ"يعسلان" عن "كلا جانبيه"٦ ضعيف على ما ذكرنا. وأما "كلاهما" فإن جعلته توكيدا لـ"كلا" ففيه ضعيف؛ لأنه حمل على المعنى دون اللفظ. ولو كان على اللفظ لوجب أن يقول: كلا جانبيه يعسل كله، أو قال: يعسلان كله، فحمل "يعسلان" على المعنى، و"كله" على اللفظ، وإن كان في هذا ضعف، لمراجعة اللفظ بعد الحمل على المعنى. وإن جعلت "كلاهما" توكيدا للضمير في "يعسلان" فإنه قوى، لأنهما في اللفظ اثنان كما أنهما في المعنى كذلك.
وقال الله -سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٧ فحمل أول الكلام على اللفظ، وآخره على المعنى، والحمل على اللفظ أقوى.
стр. 1239
وتقول: أنتم كلكم بينكم درهم. فظاهر هذا أن يكون "كلكم" توكيدا لـ"أنتم" والجملة بعده خبر "عنه. ويجوز أن يكون كلكم مبتدأ ثانيا، والجملة بعده خبر"١ عن "كلكم". وكان أجود من٢ ذلك أن يقال: بينه درهم؛ لأنه لفظ كل مفرد؛ ليكون كقولك أنتم غلامكم له مال. ويجوز أيضا: أنتم كلكم بينهم درهم، فيكون عود الضمير بلفظ الغائب حملا على اللفظ، وجمعه حملا على المعنى. كل ذلك "مساغ عندهم"٣ ومجاز بينهم.
وقال ابن٤ قيس:
لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت ... سعيدا فأضحى قد قلى كل مسلم
وفتن أقوى من أفتن؛ حتى إن الأصمعي لما أنشد هذا البيت شاهدا لأفتن قال: ذلك مخنث، ولست آخذ بلغته. وقد جاء به رؤبة إلا أنه لم يضممه إلى غيره؛ قال:
يعرضن إعراضا لدين المفتن٥
ولسنا ندفع أن في الكلام كثيرا من الضعف فاشيا، وسمتا منه مسلوكا متطرقا.
وإنما غرضنا هنا أن نرى إجازة العرب جمعها بين قوى الكلام وضعيفه في عقد واحد وأن لذلك وجها من النظر صحيحا. وسنذكره.
стр. 1240
وأما قوله:
أما ابن طوق فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها١
فلغتان قويتان.
وقال:
لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعدٌ ولم تسق دعد في العلب٢
فصرف ولم يصرف. وأجود اللغتين ترك الصرف.
وقال:
إني لأكنى بأجبال عن اجبلها ... وبآسم أودية عن اسم واديها٣
وأجبال أقوى من أجبل، وهما -كما ترى- في بيت واحد.
ومثله في المعنى لا في الصنعة٤ قول الاخر:
أبكى إلى الشرق ما كانت منازلها ... مما يلي الغرب خوف القيل والقال
وأذكر الخال في الخد اليمين لها ... خوف الوشاة وما في الخد من خال٥
وقال٦:
أنك يا معاويا بن الأفضل
стр. 1241
قال صاحب الكتاب: أراد: يا معاوية فرخمه على يا حارُ فصار يا معاوى، ثم رخّمه ثانيا على قولك: يا حارِ، فصار: يامعاوِ؛ كما ترى. أفلا تراه كيف١ جمع بين الترخيمين: أحدهما٢ على يا حارُ، وهو الضعيف، والآخر٣ على يا حارِ، وهو القوي.
ووجه الحكمة "في الجمع بين اللغتين"٤: القويّة والضعيفة في كلام واحد هو: أن يُروك أن جميع كلامهم -وإن تفاوت أحواله فيما ذكرنا وغيره- على ذكر منهم وثابت في نفوسهم. نعم وليؤنِّسك بذاك حتى إنك إذا رأيتهم٥، وقد جمعوا بين ما يقوى، وما يضعف في عقد واحد، ولم "يتحاموه ولم يتجنبوه"٦، ولم يقدح أقواهما في أضعفهما، كنت إذا أفردت الضعيف منهما بنفسه، ولم تضممه إلى القوي، فيتبين٧ به ضعفه وتقصيره عنه، آنس به وأقل احتشاما لاستعماله فقد عرفت ما جاء عنهم من نحو قولهم: كل مجرٍ بالخلاء يسر. وأنشد الأصمعي:
فلا تصلي بمطروق إذا ما ... سرى في القوم أصبح مستكينا
إذا شرب المرضة قال: أوكي ... على ما في سقائك قد روينا٨
стр. 1242
وغرضه في هذين البيتين أن يريك١ خفضة في حال دعته٢. وقريب منه قول لبيد:
يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد٣
أي: هناك يُعرف قد الإنسان، لا٤ في في حال الخلوة والخفيضة٥. وعليه قولها٦:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس
أي وقتى الإغارة والإضافة. وقد كثر جدا. وآخر ما جاء به شاعرنا، قال٧:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
ونظير هذا الإنسان يكون له ابنان أو أكثر من ذلك، فلا يمنعه نجابة النجيب منهما الاعتراف بأدونهما، وجمعه بينهما في المقام الواحد إذا احتاج إلى ذلك.
وقد كنا قدمنا٨ في هذا الكتاب حكاية أبي العباس مع عمارة وقد قرأ: "ولا الليل سابقُ النهارَ"٩ فقال له "أبو العباس"١٠: ما أردت؟ فقال: أردت: سابق النهار. فقال: فهلا قلته! فقال عمارة١٠: لو قلته لكان أوزن.
وهذا يدلك على أنهم قد يستعملون من الكلام ما غيره "آثر في نفوسهم منه"١١؛ سعة في التفسح، وإرخاء١٢ للتنفس١٣، وشحا على ما جشموه١٤ فتواضعوه، أن يتكارهوه فيلغوه ويطرحوه. فاعرف ذلك مذهبا لهم، ولا "تطعن عليهم"١٥ متى ورد عنهم شيء منه.
стр. 1243
باب في جمع الأشباه من حيث يغمض الاشتباه:
هذا غور من اللغة١ بطين، يحتاج مجتابه إلى فقاهة في النفس، ونصاعة من٢ الفكر، ومساءلة خاصية٣، ليست٤ بمبتذلة ولا ذات هجنة.
ألقيت يوما على بعض من كان٥ يعتادني، فقلت٦: من أين تجمع بين قوله٧:
لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
وبين قولنا: اختصم زيد وعمرو؟ فأجبل٨ ورجع مستفهما. فقلت: اجتماعهما من حيث وضع كل واحد منهما في غير الموضع الذي بدئ له. وذلك٩ أن الطريق خاص وضع موضع العام. وذلك أن وضع هذا أن يقال: كما عسل أمامه الثعلب، وذلك الأمام قد كان يصلح لأشياء من الأماكن كثيرة: من طريق وعسف
стр. 1244
وغيرهما. فوضع الطريق -وهو بعض ما كان يصلح للأمام أن يقع عليه- موضع الأمام. فنظير هذا أن واو العطف وضعها لغير الترتيب، وأن تصلح للأوقات الثلاثة، نحو جاء زيد وبكر. فيصلح أن يكونا جاءا معا، وأن يكون زيد قبل بكر، وأن يكون بكر قبل زيد. ثم إنك١ قد تنقلها من هذا العموم إلى الخصوص. وذلك قولهم٢: اختصم زيد وعمرو. فهذا لا يجوز أن يكون الواو فيه إلا لوقوع الأمرين في وقت واحد. ففي هذا أيضا إخراج الواو عن أول ما وضعت له في ألأصل: من صلاحها للأزمنة الثلاثة والاقتصار بها على بعضها؛ كما اقتصر على الطريق من بعض ما كان يصلح له الأمام.
ومن ذلك أن يقال لك٣: من أين تجمع بين قول الله سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ ٤ من قول الشاعر:
زمان عليّ غراب غداف ... فطيره الدهر عنى فطارا٥
فالجواب: أن في كل واحد من الآية والبيت دليلا على قوة شبه الظرف بالفعل. أما الآية فلأنه عطف الظرف في قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ على قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ والعطف نظير التثنية؛ وهو مؤذن بالتماثل والتشابه. وأما البيت فلأنه عطف الفعل فيه على الظرف الذي هو قوله: "علي غراب غداف". وهذا واضح. وبهذا يقوى عندي قول مبرمان: إن الفاء في نحو قولك: خرجت فإذا زيد عاطفة، وليست زائدة كما قال أبو عثمان؛ ولا للجزاء كما قال الزيادي.
стр. 1245
ومن ذلك أن يقال: من أين تجمع قول١ الله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ٢ مع قول امرئ القيس:
على لا حب لا يهتدي بمناره ... إذا ساقه العود النباطي جرجرا٣
والجواب أن معنى قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ : لم يذل فيحتاج إلى ولى من الذل؛ كما أن هذا معناه: لا منار به فيهتدى به. ومثله قول الآخر:
لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا يرى الضب بها ينجحر٤
وعليه قول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٥، أى لا يشفعون لهم فينتفعوا بذلك. يدل عليه قوله عز اسمه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٦ وإذا كان كذلك فلا شفاعة إلا للمرتضى٧. فعلمت بذلك أن لو "شفع لهم لا ينتفعون"٨ بذلك. ومنه قولهم: هذا أمر لا ينادى وليده أى لا وليد فيه فينادى.
فإن قيل: فإذا كان لا منار به ولا وليد فيه "ولا أرنب هناك"٩ فما وجه إضافة هذه الأشياء إلى ما لا ملابسة بينها وبينه؟
قيل: لا١٠؛ بل هناك ملابسة لأجلها ما صحت الإضافة. وذلك أن العرف أن يكون في الأرض الواسعة منا يهتدى به، وأرنب تحلها. فإذا شاهد الإنسان هذا البساط١١ من الأرض خاليا من المنار والأرنب١٢، ضرب بفكره إلى ما فقده
стр. 1246
منهما فصار ذلك القدر من الفكر وصلة بين الشيئين، وجامعا لمعتاد الأمرين. وكذلك١ إذا عظم الأمر واشتد الخطب على أنه لا يقوم له، ولا يحضر فيه إلا الأجلاد وذوو البسالة، دون الولدان وذوي الضراعة. فصار العلم بفقد هذا الضرب من الناس وصله فيه٢ بينهما، وعذرا في تصاقبهما٣ وتدانى حاليهما.
ومن ذلك أن يقال: من أين تجمع قول الأعشى:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا٤
مع قول الآخر -فيما رويناه عن ابن الأعرابي:
وطعنة مستبسل ثائر ... ترد الكتيبة نصف النهار٥
ومع قول العجاج:
ولم يضع جاركم لحم الوضم٦
ومع قوله أيضًا:
حتى إذا اصطفوا له جدارا٧
стр. 1247
والجواب: أن التقاء هذه المواضع كلها هو في١ أن نصب في جميعها "على المصدر"٢ ما ليس مصدرا. وذلك أن قوله: "ليلة أرمدا" انتصب٣ "ليلة" منه على المصدر؛ وتقديره: ألم تغتمض عيناك اغتماض ليلة أرمد، فلما حذف المضاف الذي هو "اغتماض" أقام "ليلة" مقامه، فنصبها على المصدر؛ كما كان الاغتماض منصوبا عليه. فالليلة إذًا ههنا منصوبة على المصدر لا على الظرف. كذا قال أبو على لنا. وهو كما ذكر؛ لما ذكرنا. فكذلك٤ إذًا قوله:
ترد٥ الكتيبة نصف النهار
"إنما نصف النهار"٦ منصوب على المصدر لا على الظرف؛ ألا ترى أن ابن الأعرابي قال في تفسيره: إن معناه: ترد الكتيبة مقدار نصف اليوم أى مقدار مسيرة نصف يوم. فليس إذًا معناه: تردها في وقت نصف٧ النهار؛ بل: الرد الذي لو بدئ أول النهار لبلغ نصف يوم. وكذلك قول العجاج:
ولم يضع جاركم لحم الوضم
فـ"لحم الوضم" منصوب على المصدر، أى ضياع لحم الوضم. وكذلك قوله٨ أيضًا:
حتى إذا اصطفوا له جدارا
فـ"جدارا" الوضم منصوب على المصدر. هذا هو الظاهر؛ ألا ترى أن معناه: "حتى إذا اصطفوا٨ له" اصطفاف جدار، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛
стр. 1248
على ما مضى. وقد يجوز أن يكون "جدارا" حالا أي مثل الجدار، وأن يكون أيضًا منصوبا على فعل آخر، أى صاروا جدارا، أى مثل جدار، فنصبه١ في هذا الموضع٢ على أنه خبر صاروا. والأول أظهر وأصنع.
ومن ذلك أن يقال: من أين يجمع قول الله سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ ٣ مع قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ ٤. والتقاؤهما أن أبا علي ﵀ كان يقول: إن عين "استكانوا" من الياء، وكان يأخذه من لفظ٥ الكين ومعناه، وهو لحم باطن الفرج، أى فما ذلوا وما خضعوا. وذلك لذل هذا الموضع ومهانته. وكذلك قوله: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ إنما هو من لفظ الحياء٦ ومعناه "أى الفرج"٧، أى يطئوهن٨ وهذا واضح.
ومن ذلك أن يقال: من أين "يجمع بين"٩ قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ ١٠، وبين١١ قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ١٢. والتقاءهما من قبل أن الفاء في قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ إنما دخلت لما في الصفة التي هي قوله: ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ "من معنى الشرط"١٣، أى إن فررتم منه لاقاكم -فجعل- عز اسمه- هربهم منه سببا للقيه إياهم؛ على وجه المبالغة؛ حتى كأن هذا مسبب عن هذا؛ كما قال زهير:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه١٤
стр. 1249
فمعنى الشرط إذًا١ إنما هو مفاد من الصفة لا الموصوف. وكذلك قوله : ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ إنما استحقوا الويل لسهوهم عن الصلاة، لا للصلاة نفسها، والسهو مفاد من الصفة لا من٢ الموصوف. فقد ترى إلى اجتماع الصفتين في أن المستحق من المعنى إنما هو لما فيهما من الفعل الذي هو الفرار والسهو، وليس من نفس الموصوفين اللذين هما الموت والمصلون. وليس كذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِم﴾ ٣، من قبل أن معنى الفعل المشروط به هنا إنما هو مفاد من نفس الاسم الذي ليس موصوفا، أعنى: الذين ينفقون. وهذا واضح.
وقال لى أبو علي ﵀: إنى لم أودع كتابى" "في الحجة" شيئا من انتزاع أبي العباس غير هذا الموضع، أعنى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ مع قوله:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
وكان ﵀ يستحسن الجمع بينهما.
ومن ذلك أن يقال: من أين يجمع٤ قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٥ مع قول الأعشى:
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر٦
والتقاؤهما أن معناه: فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة، وكذلك قوله: حتى يقول الناس، أى حتى يقول كل واحد من الناس: يا عجبا!؛ ألا ترى أنه
стр. 1250
لولا ذلك لقيل: يا عجبنا. ومثل ذلك ما حكاه أبز ويد من قولهم: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة وأعطانا كلنا مائة؛ أى كسا كل واحد منا، حلة وأعطاه مائة. ومثل قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ ١ أى: أو لم نعمر كل واحد منكم ما يتذكر فيه من تذكر.
ومن ذلك أن يقال: من أين يجمع٢ قول العجاج٣:
وكحل العينين بالعواور
مع قول الآخر:
لما رأى أن لادعه ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقف فالطجع٤
واجتماعهما أنه صحح الواو في العواور، لإرادة الياء في العواوير٥، كما أنه أراد: فاضطجع، ثم أبدل من الضاد٦ لا ما. فكان قياسه إذ زالت الضاد وخلفتها اللام أن تظهر تاء افتعل، فيقال: التجع، كما يقال: التفت، والتقم، والتحف. لكن أقرت الطاء بحالها ليكون اللفظ بها دليلا على إرادة الضاد التي هذه اللام بدل منها، كما دلت صحة الواو "في العواور"٧ على إرادة الياء في العواوير، وكما دلت الهمزة في أوائيل -إذا مددت مضطرا- على زيادة الياء فيها وأن الغرض إنما هو أفاعل لا أفاعيل.
ونحو من الطجع في إقرار الطاء لإرادة الضاد ما حكى لنا أبو علي عن خلف من قولهم: التقطت النوى واستقطته واضتقطته. فصحة التاء مع الضاد في اضتقطته
стр. 1251
دليل على إرادة اللام١ في التقطته، وإن هذه الضاد بدل من تلك اللام؛ كما أن لام الطجع بدل من ضاد اضطجع: هذا هنا كذلك ثمة.
ونحو من ذلك ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: لا أكلمك حيرى٢ دهرٍ، بإسكان الياء في الكلام وعن غير ضرورة من الشعر. وذلك أنه أراد: حيرى دهر -أى امتداد الدهر، وهو من الحيرة؛ لأنها مؤذنة بالوقوف والمطاولة- فحذف الياء الأخيرة٣، وبقيت الياء الأولى على سكونها، وجعل بقاؤها ساكنة على الحال التي كانت عليها قبل حذف الأخرى من بعدها دليلا على إرادة هذا المعنى فيها وأنها ليست مبنية على التخفيف في أول أمرها إذ لو كانت كذلك لوجب تحريكها بالفتح فيقال: لا أكلمك حيرى دهر كقولك: مدة الدهر "وأبد الأبد ويد المسند"٤ و:
بقاء الوحى في الصم الصلاب
ونحو ذلك. وهذا يدل على أن المحذوف من الياءين في قوله:
بكى بعينك واكف القطر ... ابن الحوارى العالى الذكر٥
إنما هو الياء الثانية في الحوارى، كما أن المحذوف من حيرى دهر، إنما هو الثانية في حيرى. فاعرفه.
ومثله إنشاد أبي الحسن:
ارهن بنيك عنهم أرهن بنى
стр. 1252
يريد بني، فحذف الياء الثانية للقافية، ولم يعد النون التي كان حذفها للإضافة، فيقول: بنين؛ لأنه نوى الياء الثانية، فجعل ذلك دليلا على إرادتها ونيته إياها.
فهذا شرح من خاصي السؤال١، لم تكد تجرى به عادة في الاستعمال. وقد كان أبو علي ﵀ -وإن لم يكن تطرقه٢- يعتاد٣ من الإلقاء نحوا منه، فيتلو الآية، وينشد البيت، ثم يقول: ما في هذا مما يسأل عنه؟ من غير أن يبرز٤ "نفس حال"٥ المسئول عنه، ولا يسمح بذكره من جهته، ويكله إلى استنباط المسئول عنه، حتى إذا وقع له غرض أبي علي فيه، أخذ في الجواب عليه.
стр. 1253
باب في المستحيل، وصحة قياس الفروع، على فساد الأصول:
اعلم أن هذا الباب، وإن ألانه عندك ظاهر ترجمته، وغض منه في نفسك بذاذة سمته، فإن فيه ومن ورائه تحصينا للمعاني، وتحريرا للألفاظ، وتشجيعا على مزاولة الأغراض.
والكلام فيه من موضعين:
أحدهما: ذكر استقامة المعنى من١ استحالته، والآخر: الاستطالة على اللفظ بتحريفه والتعلب به، ليكون ذلك مدرجة للفكر، ومشجعة للنفس، وارتياضا لما يرد من ذلك الطرز. وليس لك أن تقول: فما في الاشتغال بإنشاء فروع كاذبة٢، عن٣ أصول فاسدة! وقد كان في التشاغل بالصحيح، مغنٍ عن التكلف للسقيم. هذا خطأ من القول، من قبل أنه إذا أصلح الفكر، وشحذ البصر، وفتق النظر، كان ذلك عونا لك، وسيفا ماضيا في يدك؛ ألا ترى إلى ما كان نحو هذا من الحساب وما فيه من التصرف والاعتمال.
وذلك قولك٤: إذا فرضت٥ أن سبعة في خمسة أربعون فكم يجب أن يكون على هذا ثمانية في ثلاثة؟ فجوابه أن تقول: سبعة وعشرون وثلاثة أسباع. وبابه -على الاختصار- أن تزيد على الأربعة والعشرين سُبُعها، وهو ثلاثة وثلاثة أسباع؛ كما زدت على الخمسة والثلاثين سبعها -وهو خمسة- حتى صارت: أربعين.
وكذلك لو قال: لو كانت سبعة في خمسة ثلاثين، كم كان يجب أن تكون ثمانية في ثلاثة؟ لقلت: عشرين وأربعة أسباع، نقصت من الأربعة والعشرين سبعها، كما نقصت من الخمسة والثلاثين سبعها. وكذلك لو كان نصف المائة أربعين لكان نصف الثلاثين اثنى عشر. "وكذلك لو كان نصف المائة ستين لكان نصف الثلاثين ثمانية عشر"٦.
ومن المحال أن يقول لك: ما تقول في مال نصفه ثلثاه، كم ينبغي أن يكون ثلثه؟ فجوابه أن تقول: أربعة أتساعه. وكذلك لو قال: ما تقول في مال ربعه وخمسه نصفه وعشره، كم ينبغي أن يكون نصفه وثلثه؟ فجوابه أن يكون: جميعه٧ وتسعه. وكذلك لو قال: ما تقول في مال نصفه ثلاثة أمثاله، كم يجب أن تكون
стр. 1254
سبعة أمثاله؟ فجوابه أن تقول: اثنين وأربعين مثلا له. "وكذلك لو قال: ما تقول في مال ضعفه ثلثه كم ينبغي أن يكون أربعة أخماسه؟ وجوابه أن تقول: عشره وثلث عشره"١. وكذلك لو قال لك: إذا كانت أربعة وخمسة ثلاثة عشر فكم يجب أن يكون تسعة وستة؟ فجوابه أن تقول: أحدا وعشرين وثلثين.
وكذلك طريق الفرائض أيضا؛ ألا تراه لو قال: مات رجل، وخلف ابنا وثلاث عشرة بنتا، فأصاب الواحدة ثلاثة أرباع ما خلفه المتوفى، كم يجب أن٢ يصيب الجماعة؟ فالجواب أنه يصيب جميع الورثة مثل ما خلفه المتوفى إحدى عشرة مرة وربعا.
وكذلك لو قال: امرأة ماتت، وخلفت زوجا وأختين لأب وأم، فأصاب كل واحدة٣ منهما أربعة أتساع ما خلفته المتوفاة، كم ينبغي أن يصيب جميع٤ الورثة؟ والجواب أنه يصيبهم ما خلفته المرأة وخمسة أتساعه.
فهذه كلها ونحوه من غير ما ذكرنا، أجوبة صحيحة، على أصول فاسدة.
ولو شئت أن تزيد وتغمض في السؤال لكان ذلك لك٥. وإنما الغرض في هذا ونحوه التدرب به، والارتياض بالصنعة فيه. وستراه بإذن الله.
فمن المحال أن تنقض أول كلامك بآخره. وذلك كقولك: قمت غدا، وسأقوم أمس، ونحو هذا. فإن قلت: فقد تقول؛ إن قمت غدا قمت معك، وتقول: لم أقم أمس، وتقول: أعزك الله، وأطال بقاءك، فتأتى بلفظ الماضي ومعناه الاستقبال؛ وقال٦:
ولقد أمر على اللئيم يسبنى ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
стр. 1255
أي: ولقد مررت. وقال١:
وإنى لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستيجاب ما كان في غد
أي ما يكون. وقال:
أوديت إن لم تحب حبو المعتنك٢
أي أودى -وأمثاله كثيرة.
قيل: ما قدمناه على ما أردنا فيه. فأما هذه المواضع المتجوزة٣، وما كان نحوها، فقد ذكرنا أكثرها فيما حكيناه عن أبي علي، وقد سأل أبا بكر عنه في٤ نحو هذا فقال "أبو بكر"٥ كان حكم الأفعال أن تأتي كلها٦ بلفظ واحد؛ لأنها لمعنى واحد، غير أنه لما كان الغرض في صناعتها أن تفيد أزمنتها، خولف بين مُثُلها، ليكون ذلك دليلا على المراد فيها. قال: فإن أمن اللبس فيها جاز أن يقع بعضها موقع بعض. وذلك مع حرف الشرط؛ نحو إن قمت جلست؛ لأن الشرط معلوم أنه لا يصح إلا مع الاستقبال. وكذلك لم يقم أمس، وجب لدخول لم ما لولا هي لم يجز. قال٧: ولأن المضارع أسبق في الرتبة من الماضي، فإذا نفى٨ الأصل كان الفرع أشد انتفاء. وكذلك أيضا حديث الشرط في نحو إن قمت قمت جئت فيه بلفظ الماضي الواجب تحقيقا للأمر، وتثبيتا له، أي إن هذا وعد موفى به لا محالة؛ كما أن الماضي واجب ثابت لا محالة.
стр. 1256
أي إن لم تتداركني هلكت الساعة غير١ شك، هكذا يريد. فلأجله ما٢ جاء بلفظ الواجب الواقع غير المرتاب به، ولا المشكوك في وقوعه. وقد نظر إلى هذا الموضع أبو العتاهية، فاتبعه فيه، وإن صغر لفظه، وتحاقر دونه. قال:
عتب الساعة الساعهْ ... أموت الساعة الساعهْ
وهذا -على نذالة٣ لفظه- وفق ما نحن على سمته. وهذا هذا. وليس كذلك قولك: قمت غدا، وسأقوم أمس، لأنه عارٍ من جميع ما نحن فيه؛ إلا أنه لو دل دليل من لفظ أو حال لجاز نحو هذا. فأما على تعرية منه، وخلوه مما شرطناه فيه فلا.
ومن المحال قولك: زيد أفضل إخوته، ونحو ذلك. وذلك أن أفضل: أفعل، وأفعل هذه التي٤ معناها المبالغة والمفاضلة، متى أضيفت إلى شيء فهى بعضه؛ كقولك: زيد أفضل الناس، فهذا جائز؛ لأنه منهم، والياقوت أنفس الأحجار؛ لأنه بعضها. ولا تقول: زيد أفضل الحمير، ولا الياقوت أنفس الطعام؛ لأنهما ليسا منهما. وهذا مفاد٥ هذا. فعلى ذلك لم يجيزوا: زيد أفضل إخوته؛ لأنه ليس واحد من إخوته، وإنما هو واحد من بنى أبيه؛ ألا ترى أنه لو كان له إخوة بالبصرة وهو ببغداد، وكان٦ بعضهم وهم٧ بالبصرة، لوجب من هذا أن يكون من ببغداد البتة في حال كونه بها، مقيما بالبصرة البتة في تلك الحال. وأيضا فإن الإخوة مضافون إلى ضمير زيد، وهي الهاء في إخوته، فلو كان واحدا منهم وهم مضافون إلى ضميره كما ترى؛ لوجب أيضا٨ أن يكون داخلا معهم في إضافته
стр. 1257
إلى ضميره، وضمير الشيء هو الشيء البتة، والشيء لا يضاف إلى نفسه. وأما١ قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ ٢ فإن الحق هنا غير اليقين، وإنما هو خالصه وواضحه فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكل؛ نحو هذا ثوب خز. ونحوه قولهم: الواحد بعض العشرة. ولا يلزم من حيث كان الواحد بعض العشرة أن يكون بعض نفسه؛ لأنه لم يضف إلى نفسه، وإنما أضيف إلى جماعة نفسه بعضها وليس كذلك زيد أفضل إخوته؛ لأن الإخوة مضافة إلى نفس زيد، وهي الهاء التي هي ضميره. ولو كان زيد بعضهم وهم مضافون إلى ضميره لكان هو أيضا مضافا إلى ضميره الذي هو نفسه، وهذا محال. فاعرف ذلك فرقا بين الموضعين؛ فإنه واضح.
فأما قولنا٣: أخذت كل المال، وضربت كل القوم، فليس الكل هو ما أضيف إليه. قال أبو بكر: إنما الكل عبارة عن أجزاء الشيء، وكما جاز أن يضاف أجزاء الجزء الواحد٤ إلى الجملة، جاز أيضا أن تضاف الأجزاء كلها إليه.
فإن قيل: فالأجزاء كلها هي الجملة، فقد عاد الأمر إلى إضافة الشيء إلى نفسه.
قيل: هذا فاسد، وليس أجزاء الشيء هي الشيء وإن كان مركبا منها. بل الكل في هذا جارٍ مجرى البعض في أنه ليس بالشيء٥ نفسه؛ كما أن البعض ليس به نفسه. يدل على ذلك وأن حال البعض متصورة في الكل قولك: كل
стр. 1258
القوم عاقل، أي كل واحد منهم على انفراده عاقل. هذا هو الظاهر، وهو طريق الحمل على اللفظ؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ ٢ فوحد، وقال٣:
كلا أبويكم كان فرع دعامة
فلم يقل: كانا، وهو الباب. ومثله قول الأعشى أيضا:
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر٤
أي حتى يقول كل واحد منهم: يا عجبا. وعليه قول الآخر:
تفوقت مال ابنى حجير وما هما ... بذي حطمة فانٍ ولا ضرع غمر٥
أي: وما كل واحد منهما كذلك.
فأما قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ٦ و ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ ٧ فمحمول على المعنى دون اللفظ. وكأنه إنما حمل عليه هنا لأن كلا فيه غير مضافة، فلما لم تضف إلى جماعة عوض من ذلك ذكر الجماعة في الخيبر. ألا ترى أنه لو قال: وكل له
стр. 1259
قانت لم يكن فيه لفظ الجمع١ البتة، ولما قال: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ٢ فجاء بلفظ الجماعة مضافا إليها، استغنى به عن ذكر الجماعة في الخبر.
وتقول -على اللفظ: كل نسائك قائم، ويجوز: قائمة إفرادا على اللفظ أيضا، وقائمات على المعنى البتة؛ قال الله -سبحانه: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ ٣ ولم يقل: كواحدة؛ لأن الموضع موضع عموم، فغلب فيه التذكير، وإن كان معناه: ليست كل واحدة منكن كواحدة من النساء؛ لما ذكرناه من دخول الكلام "معنى العموم"٤. فاعرف ذلك.
وصواب٥ المسألة أن تقول: زيد أفضل بني أبيه، وأكرم نجل أبيه "وعترة أبيه"٦، ونحو ذلك، وأن تقول: زيد أفضل من إخوته؛ لأن بدخول "مِن" ارتفعت الإضافة فجازت المسألة.
ومن المحال قولك: أحق الناس بمال أبيه ابنه. وذلك أنك إذا ذكرت الأبوة فقد انطوت على البنوة، فكأنك إذًا إنما قلت: أحق الناس بمال أبيه أحق الناس بمال أبيه. فجرى ذلك٧ مجرى قولك: زيد زيد، والقائم القائم، ونحو ذلك مما ليس في الجزء الثاني منه إلا ما في الجزء الأول البتة، وليس على ذلك عقد٨ الإخبار؛ لأنه "يجب أن يستفاد من الجزء الثاني"٩ ما ليس مستفادا من الجزء الأول. ولذلك١٠ لم يجيزوا: ناكح الجارية واطئها، ولا رب الجارية مالكها؛ لأن الجزء الأول مستوف لما انطوى عليه الثاني.
стр. 1260
فإن قلت: فقد قال أبو النجم:
أنا أبو النجم وشعري شعري١
وقال الآخر:
إذ الناس ناسٌ والبلاد بغرة ... وإذ أم عمار صديقٌ مساعف٢
"وقال٣ آخر":
بلاد بها كنا وكنا نحلها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد٤
وقال الآخر:
هذه رجائي وهذي مصر عامرةً ... وأنت أنت وقد ناديت من كثب
وأنشد أبو زيد:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هُم هُم٥
وأمثاله كثيرة.
стр. 1261
قيل: هذا كله وغيره مما هو جار مجراه، محمول عندنا على معناه دون لفظه؛ ألا ترى أن المعنى: وشعرى متناهٍ في الجودة، على ما تعرفه وكما بلغك١، وقوله: إذ الناس ناس أي: إذ الناس أحرار، والبلاد أحرار، وأنت أنت أي: وأنت المعروف بالكرم، وهم هم أي: هم الذين أعرفهم بالشر والنكر لم يستحيلوا ولم يتغيروا.
فلولا هذه الأغراض وأنها مرادة معتزمة، لم يجز شيء من ذلك؛ لتعرى الجزء الآخر٢ من زيادة الفائدة على الجزء الأول. وكأنه إنما أعيد لفظ الأول لضرب من الإدلال والثقة بمحصول الحال. أي أنا أبو النجم الذي يكتفى باسمه من صفته ونعته. وكذلك بقية الباب؛ كما قال:
أنا الحباب الذي يكفي سمي نسبي٣
ونظر إليه شاعرنا وقلبه، فقال:
ومن يصفك فقد سماك للعرب٤
ولكن صحة المسألة أن تقول: أحق الناس بماله أبيه أبرهم به، وأقومهم بحقوقه. فتزيد في الثاني ما ليس موجودا٥ في الأول.
стр. 1262
فهذه١ طريقة استحالة المعنى. وهو باب.
وأما صحة قياس الفروع، على فساد الأصول فكأن يقول لك قائل: لو كانت الناقة من لفظ "القنو" ما كان يكون مثالها من الفعل؟.
فجوابه أن تقول: علفة. وذلك أن النون عين "والألف منقلبة عن واو، والواو لام"٢ القنو، والقاف فاؤه. ولو كان القنو مشتقا من لفظ الناقة لكان مثاله لفع. فهذان أصلان فاسدان، والقياس عليهما آوٍ بالفرعين إليهما.
وكذلك لو كانت الأسكفة مشتقة من استكف الشيء -على ما قال وذهب إليه أحمد بن يحيى لكانت أسفعلة- ولو كان استكف مشتقا من الأسكفة، لكان على اللفظ: افتعل بتشديد اللام، وعلى الأصل٣: افتعلل؛ لأن أصله على الحقيقة: استكفف.
ومن ذلك "أن لو كان ماهان عربيا"٤، فكان من٥ لفظ هوم أو هيم لكان لعفان. "ولو كان من لفظ الوهم لكان لفعان"٦. ولو كان من لفظ همى لكان: علفان. ولو وجد في الكلام تركيب "وم هـ" فكان ماهان من لفظه لكان مثاله: عفلان. ولو كان من لفظ النهم لكان: لاعافا. ولو كان من لفظ المهيمن لكان: عافالا٧. ولو كان في الكلام تركيب "م ن هـ" فكان ماهان منه لكان: فالاعا٨. ولو كان فيه تركيب "ن م هـ" "فكان منه لكان"٩: عالافا.
وذهب أبو عبيدة في المندوحة إلى أنها من قولهم: انداح بطنه إذا اتسع. وذلك خطأ فاحش. ولو كانت منه لكانت: منفعلة. وقد ذكرنا ذلك في باب
стр. 1263
سقطات العلماء١. نعم ولو كانت من لفظ الواحد لكانت: منلفعة. ولو كانت من لفظ حدوت لكانت: منعلفة. ولو كانت من دحوت لكانت: منفلعة. ولو كان في الكلام تركيب "ود ح" فكانت مندوحة منه لكانت: منعفلة. ولو كان قولهم: انداح بطنه من لفظ مندوحة لكانت: أفعال، بألف٢ موصولة "واللام مخففة"٣.
وذهب بعض أشياخ اللغة في يستعور إلى أنه: يفتعول، وأخذه من سعر. وهذا غلط٤. ولو كان من قولهم: عرس بالمكان لكان: يلتفوعا. ولو كان من سَرُع لكان: يفتلوعا. ولو كان من عسر لكان: يعتفولا. ولو كان من لفظ رسع لكان: يعتلوفا. ولو كان من لفظ رعس لكان: يلتعوفا.
وأما تيهورة فلو كانت من تركيب٥ "هـ ر ت" لكانت: ليفوعة. "ولو كانت من لفظ "ت ر هـ" لكانت: فيلوعة. ولو كانت من لفظ "هـ ت ر" لكانت: عيفولة"٥. ولو كانت من لفظ "ر هـ ت"، لكانت: ليعوفة. ولو كانت من لفظ "ر ت هـ"، لكانت: عيلوفة. ومع هذا فليست من لفظ "ت هـ ر"، وإن كانت -في الظاهر وعلى البادى- منه بل هي عندنا من لفظ "هـ ور". وقد ذكر ذلك أبو على في تذكرته فغنينا عن إعادته. وإنما غرضنا هنا مساق الفروع على فساد الأصول لما يعقب ذلك من قوة الصنعة وإرهاف الفكرة.
وأما مرمريس فلو كانت من لفظ "س م ر"، لكانت: علعليف. ولو كانت من لفظ "ر س م": لكانت لفلفيع ولو كانت من لفظ "ر م س" لكانت: عفعفيل. ولو كانت من لفظ "س ر م"، لكانت: لعلعيف. ولو كانت من لفظ "م س ر"
стр. 1264
لكانت: فلفليع"١. لكنها عندنا من لفظ "م ر س"، وهي على الحقيقة فعفعيل منه.
وأما قرقرير لقرقرة الحمام فإنها فعلليل، وهو رباعي، وليست من هذا الطرز الذي مضى.
وأما قندأو٢ فإنها فنعلو، من لفظ "ق د أ"، ولو كانت من لفظ "ق د و" لكانت: فنعأل. ولو كانت من لفظ "د وق" لكانت: لنفأع. ولو كانت من لفظ "ن ق د" لكانت: عفلأو. ولو كانت من لفظ "ن د ق" لكانت: لفعأو. ولو كانت من لفظ الندأة٣ لكانت قفلعو، فحكمت بزيادة القاف، وهذا أغرب مما قبله. ولو كانت من لفظ النآدى٤ لكانت: قفلعو بزيادة القاف أيضا.
والمسائل "من هذا النجر"٥ تمتد وتنقاد؛ إلا أن هذا طريق صنعتها. فاعرفه وقسه بإذن الله تعالى.
стр. 1265
باب في المستحيل، وصحة قياس الفروع، على فساد الأصول
...
ونحو من ذلك لفظ الدعاء ومجيئة على صورة الماضي الواقع؛ نحو أيدك الله، وحرسك الله، إنما كان ذلك١ تحقيقا له وتفؤلا٢ بوقوعه أن هذا ثابت بإذن الله، وواقع٣ غير ذي شك. وعلى ذلك يقول السامع للدعاء إذا كان مريدا لمعناه: وقع إن شاء الله ووجب لا محالة أن٤ يقع ويجب.
وأما قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
فإنما حكى فيه الحال الماضية، والحال لفظها أبدا في بالمضارع؛ نحو قولك: زيد يتحدث ويقرأ، أي هو في حال تحدث، وقراءة. وعلى نحو من حكاية الحال في نحو٥ هذا قولك: كان٦ زيد سيقوم أمس، أي كان متوقعا "منه القيام"٧ فيما مضى. وكذلك قول الطرماح:
واستيجاب ما كان في غد
يكون عذره فيه: أنه جاء بلفظ الواجب؛ تحقيقا له، وثقة بوقوعه، أي إن الجميل منكم واقع متى أريد، وواجب متى طلب.
وكذلك قوله:
أوديت إن لم تحب حبو المعتنك
جاء به٨ بلفظ الواجب؛ لمكان حرف الشرط الذي معه، أي إن هذا كذا لا شك فيه، فالله الله "في أمرى"٩ يؤكد بذلك١٠ على حكم في قوله:
يا حكم الوارث عن عبد الملك