← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

معنوي١ كما ترى مؤثر داع إلى البناء والشبه اللفظي أقوى من الشبه المعنوي فقد كان يجب على هذا أن يبني ما جاء من الأسماء على حرفين وله أصل في الثلاثة وألا يمنع من بنائه كونه في الأصل ثلاثيًا كما لم يمنع من بناء زيد في النداء كونه في الأصل معربًا بل إذا كانت صورة إعراب زيد قبل ندائه معلومة مشاهدة, ثم لم يمنع ذاك من بنائه كان أن يبنى باب يد ودم وهن لنقصه ولأنه لم يأت تامًا على أصله إلا في أماكن شاذة أجدر. وعلى أن منها ما لم يأت على أصله البتة وهو معرب. وهو حر، وسه، وفم. فأما قوله: يا حبذا عينا سليمى والفما٢ وقول الآخر ٣: هما نفثا في فِيَّ من فمويهما٤ فإنه على كل حال لم يأت على أصله وإن كان قد زيد٥ فيه ما ليس منه.

стр. 177

فإن قلت: فقد ظهرت اللام في تكسير ذلك نحو أفواه وأستاه وأحراخ قيل: قد ظهر أيضًا الإعراب في زيد نفسه لا في جمعه ولم يمنع ذلك من بنائه. وكذلك القول في تحقيره وتصريفه نحو فويه, وأسته١, وحرح ٢. ومن ذلك قول أبي إسحاق في التنوين اللاحق في مثال الجمع الأكبر نحو جوار وغواش: إنه عوض من ضمة الياء وهذه علة غير جارية٣، ألا ترى أنها لو كانت متعدية لوجب أن تعوض من ضمة ياء يرمي، فتقول: هذا يرم، ويقض، ويستفض. فإن قيل: الأفعال لا يدخلها التنوين، ففي هذا جوابان: أحدهما أن يقال له: علتك ألزمتك إياه فلا تلم إلا نفسك والآخر أن يقال له: إن الأفعال إنما يمتنع منها التنوين اللاحق للصرف فأما التنوين غير ذاك فلا مانع له ألا ترى إلى تنوينهم الأفعال في القوافي لما لم يكن ذلك الذي هو علم للصرف كقول العجاج: من طلل كالأتحمي أنهجَن٤ وقول جرير: وقولي إن أصبت لقد أصابن٥ ومع هذا فهل التنوين إلا نون وقد ألحقوا الفعل النونين: الخفيفة والثقيلة. وههنا إفساد لقول أبي إسحاق آخر وهو أن يقال له: إن هذه الأسماء قد عاقبت

стр. 178

ياءاتها ضماتها؛ ألا تراها لا تجتمع معها فلما عاقبتها جرت لذلك مجراها فكما أنك لا تعوض من الشيء وهو موجود, فكذلك أيضًا يجب ألا تعوض منه وهناك ما يعاقبه ويجري مجراه. غير أن الغرض في هذا الكتاب إنما هو الإلزام الأول؛ لأن به ما١ يصح تصور العلة, وأنها غير متعدية. ومن ذلك قول الفراء في نحو لغة, وثُبة, ورئة, ومئة: إن كان من ذلك المحذوف منه الواو فإنه يأتي مضموم الأول نحو لغة وبرة, وثبة, وكرة, وقلة؛ وما كان من الياء فإنه يأتي مكسور الأول؛ نحو مئة, ورئة. وهذا يفسده قولهم: سنة فيمن قال: سنوات٢ وهي من الواو كما ترى وليست مضمومة الأول. وكذلك قولهم: عِضة محذوفها الواو لقولهم فيها: عضوات, قال: هذا طريق يأزم المآزما ... وعضوات تقطع اللهازما٣ وقالوا أيضًا: ضَعَة, وهي من الواو مفتوحة الأول, ألا تراه قال ٤: متخذًا من ضَعَوات تَوْلَجا فهذا وجه فساد العلل إذا كانت واقفة٥ غير متعدية. وهو كثير, فطالب فيه بواجبه, وتأمل ما يرد عليك من أمثاله.

стр. 179

باب في العلة وعلة العلة: ذكر أبو بكر١ في أول أصوله هذا ومثل منه برفع الفاعل. قال: فإذا سئلنا عن علة رفعه قلنا: ارتفع بفعله فإذا قيل: ولم صار الفاعل مرفوعًا فهذا سؤال عن علة العلة. وهذا موضع ينبغي أن تعلم٢ منه أن هذا الذي سماه علة العلة إنما هو تجوز في اللفظ فأما في الحقيقة فإنه شرح وتفسير وتتميم للعلة ألا ترى أنه إذا قيل له: فلم ارتفع الفاعل قال: لإسناد الفعل إليه ولو شاء لابتدأ هذا فقال في جواب رفع زيد من قولنا قام زيد: إنما ارتفع لإسناد الفعل إليه فكان مغنيًا عن قوله: إنما ارتفع بفعله حتى تسأله فيما بعد عن العلة التي ارتفع لها الفاعل. وهذا هو الذي أراده المجيب بقوله: ارتفع بفعله أي بإسناد الفعل إليه. نعم ولو شاء لماطله فقال له: ولم صار المسند إليه الفعل مرفوعًا؟ فكان جوابه أن يقول: إن صاحب الحديث أقوى الأسماء والضمة أقوى الحركات فجعل الأقوى للأقوى. وكان يجب على ما رتبه أبو بكر أن تكون هنا علة وعلة العلة وعلة علة العلة. وأيضًا فقد كان له أن يتجاوز هذا الموضع إلى ما وراءه فيقول: وهلا عكسوا الأمر فأعطوا الاسم الأقوى الحركة الضعيفة لئلا يجمعوا بين ثقيلين. فإن تكلف متكلف جوابًا عن هذا تصاعدت عدة٣ العلل وأدى ذاك إلى هجنة القول وضعفة٤ القائل به وكذلك لو قال لك قائل في قولك: قام القوم إلا زيدًا: لم نصبت زيدًا لقلت: لأنه مستثنى وله من بعد أن يقول:

стр. 180

ولم نصبت المستثنى فيكون من جوابه لأنه فضلة ولو شئت أجبت مبتدئًا بهذا فقلت: إنما نصبت زيدًا في قولك: قام القوم إلا زيدًا لأنه فضلة. والباب واحد والمسائل كثيرة. فتأمل وقس. فقد ثبت بذلك أن هذا موضع تسمح " فيه أبو بكر "١ أو لم٢ ينعم تأمله. ومن بعد فالعلة الحقيقية عند أهل النظر لا تكون معلولة ألا ترى أن السواد الذي هو علة لتسويد ما يحله إنما صار كذلك لنفسه لا لأن جاعلًا جعله على هذه القضية. وفي هذا بيان. فقد ثبت إذًا أن قوله: علة العلة إنما غرضه فيه أنه تتميم وشرح لهذه العلة المقدمة عليه. وإنما ذكرناه في جملة هذه الأبواب لأن أبا بكر ﵀ ذكره فأحببنا أن نذكر ما عندنا فيه. وبالله التوفيق.

стр. 181

باب في حكم المعلول بعلتين: وهو على ضربين: أحدهما ما لا نظر فيه والآخر محتاج إلى النظر. الأول منهما نحو قولك: هذه عشري وهؤلاء مسلمي. فقياس هذا على قولك: عشروك ومسلموك أن يكون أصله عشروي ومسلموي, فقلبت الواو ياء لأمرين كل واحد منهما موجب للقلب غير محتاج إلى صاحبه للاستعانة به على قلبه: أحدهما اجتماع الواو والياء وسبق الأولى منهما بالسكون والآخر أن ياء المتكلم أبدًا تكسر الحرف الذي قبلها إذا كان صحيحًا نحو هذا غلامي ورأيت صاحبي وقد ثبت١ فيما قبل أن نظير الكسر في الصحيح الياء في هذه الأسماء؛

стр. 182

نحو مررت بزيد ومررت بالزيدين ونظرت إلى العشرين. فقد وجب إذًا ألا يقال: هذه عشروي بالواو كما لا يقال: هذا غلامي بضم الميم. فهذه علة غير الأولى في وجوب قلب الواو ياء في عشروي وصالحوي ونحو ذلك وأن يقال عشري بالياء البتة كما يقال هذا غلامي بكسر الميم البتة. ويدل على وجوب قلب هذه الواو إلى الياء في هذا الموضع من هذا الوجه ولهذه العلة لا للطريق الأول -من استكراههم إظهار الواو ساكنة قبل الياء- أنهم لم يقولوا: رأيت فاي وإنما يقولون: رأيت في. هذا مع أن هذه الياء لا ينكر أن تأتي بعد الألف نحو رحاي وعصاي لخفة الألف فدل امتناعهم من إيقاع الألف قبل هذه الياء على أنه ليس طريقه طريق الاستخفاف والاستثقال, وإنما هو لاعتزامهم ترك الألف والواو قبلها كتركهم الفتحة والضمة قبل الياء في الصحيح؛ نحو غلامي وداري. فإن قيل: فأصل هذا إنما هو لاستثقالهم الياء بعد الضمة لو قالوا: هذا غلامي قيل: لو كان لهذا الموضع البتة لفتحوا ما قبلها لأن الفتحة على كل حال أخف قبل الياء من الكسرة فقالوا: رأيت غلامي. فإن قيل: لما تركوا الضمة هنا وهي علم للرفع أتبعوها الفتحة ليكون العمل من موضع واحد كما أنهم لما استكرهوا الواو بعد الياء نحو يعد حذفوها أيضًا بعد الهمزة والنون والتاء في نحو أعد ونعد وتعد قيل: يفسد هذا من أوجه. وذلك أن حروف المضارعة تجري مجرى الحرف الواحد من حيث كانت كلها متساوية في جعلها الفعل صالحًا لزمانين: الحال والاستقبال فإذا وجب في أحدها شيء أتبعوه سائرها وليس كذلك علم الإعراب؛ ألا ترى أن موضوع١ الإعراب على مخالفة بعضه بعضًا من حيث كان إنما جيء به دالا على اختلاف المعاني.

стр. 183

فإن قلت: فحروف المضارعة أيضًا موضوعة على اختلاف معانيها؛ لأن الهمزة للمتكلم, والنون للمتكلم إذا كان معه غيره وكذلك بقيتها قيل: أجل إلا أنها كلها مع ذلك مجتمعة على معنى واحد وهو جعلها الفعل صالحًا للزمانين على ما مضى. فإن قلت: فالإعراب أيضًا كله مجتمع على جريانه على حرفه قيل: هذا عمل لفظي, والمعاني أشرف من الألفاظ. وأيضًا فتركهم إظهار الألف قبل هذه الياء مع ما يعتقد من خفة الألف حتى إنه لم يسمع منهم نحو فاى ولا أباى ولا أخاى وإنما المسموع عنهم رأيت أبي وأخي وحكى سيبويه كَسَرت فِيَ أدل دليل على أنهم لم يراعوا حديث الاستخفاف والاستثقال حسب وأنه أمر غيرهما. وهو اعتزامهم ألا تجيء هذه الياء إلا بعد كسرة أو ياء أو ألف لا تكون علمًا للنصب: نحو هذه عصاي وهذا مصلاي. وعلى أن بعضهم راعى هذا الموضع أيضًا فقلب هذه الألف ياء فقال: عصي ورحي, ويا بشرَيَّ "هذا غلام "١ وقال أبو داود ٢: فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا

стр. 184

وروينا أيضًا عن قطرب ١: يطوف بي عكب في معد ... ويطعن بالصملة في قفيا٢ فإن لم تثأراني من عكب ... فلا أرويتما أبدا صديا٣ وهو كثير. ومن قال هذا لم يقل في هذان غلاماي: "غلامَي"٤ بقلب الألف ياء لئلا يذهب علم الرفع. ومن المعلول بعلتين قولهم: سيّ, ُ وريُّ. وأصله سوي وروي, فانقلبت الواو ياء -إن شئت- لأنها ساكنة غير مدغمة وبعد كسرة -وإن شئت- لأنها ساكنة قبل الياء. فهاتان علتان إحداهما كعلة قلب ميزان والأخرى كعلة طيا وليا مصدري طويت ولويت وكل واحدة منهما مؤثرة. فهذا ونحوه أحد ضربي الحكم المعلول بعلتين الذي لا نظر فيه. والآخر منهما ما فيه النظر وهو باب ما لا ينصرف. وذلك أن علة امتناعه من الصرف إنما هي لاجتماع شبهين فيه من أشباه الفعل. فأما السبب الواحد فيقل عن أن يتم٥ علة بنفسه حتى ينضم إليه الشبه الآخر من الفعل.

стр. 185

فإن قيل: فإذا كان في الاسم شبه واحد من أشباه الفعل أله فيه تأثير أم لا؟ فإن كان له فيه تأثير فماذا التأثير؟ وهل صرف زيد١ إلا كصرف كلب وكعب؟ وإن لم يكن للسبب الواحد إذا حل الاسم تأثير فيه فما باله إذا انضم إليه سبب آخر أثرا فيه فمعناه الصرف؟ وهلا إذا كان السبب الواحد لا تأثير له فيه لم يؤثر فيه الآخر كما لم يؤثر فيه الأول؟ وما الفرق بين الأول والآخر؟ فكما لم يؤثر الأول هلا لم يؤثر الآخر؟ فالجواب أن السبب الواحد وإن لم يقو حكمه إلى٢ أن يمنع الصرف فإنه لا بد في حال انفراده من تأثير فيما حله وذلك التأثير الذي نوميء إليه وندعي حصوله هو تصويره٣ الاسم الذي حله على صورة ما إذا انضم إليه سبب آخر اعتونا معًا على منع الصرف ألا ترى أن الأول لو لم تجعله٤ على هذه الصفة التي قدمنا ذكرها لكان مجيء الثاني مضمومًا إليه لايؤثر أيضًا كما لم يؤثر الأول ثم كذلك إلى أن تفنى أسباب منع الصرف فتجتمع كلها فيه وهو مع ذلك منصرف. لا بل دل تأثير الثاني على أن الأول قد كان شكل الاسم على صورة إذا انضم إليه سبب آخر انضم إليها مثلها وكان من مجموع الصورتين ما يوجب ترك الصرف. فإن قلت: ما تقول في اسم أعجمي علم في بابه مذكر متجاوز للثلاثة نحو يوسف وإبراهيم ونحن نعلم أنه الآن غير مصروف لاجتماع التعريف والعجمة عليه فلو سميت به من بعد مؤثنًا ألست قد جمعت فيه بعد ما كان عليه -من التعريف والعجمة- التأنيث فليت شعري أبالأسباب الثلاثة منعته الصرف أم باثنتين منها؟

стр. 186

فإن كان بالثلاثة كلها فما الذي زاد فيه التأنيث الطاريء عليه فإن كان لم يزد فيه شيئًا فقد رأيت أحد أشباه الفعل غير مؤثر وليس هذا من قولك. وإن كان أثر فيه التأنيث الطارئ عليه شيئًا فعرفنا ما ذلك المعنى. فالجواب هو أنه جعله على صورة ما إذا حذف منه سبب من أسباب الفعل بقي بعد ذلك غير مصروف أيضًا ألا تراك لو حذفت من يوسف اسم امرأةٍ التأنيث فأعدته إلى التذكير لأقررته أيضًا على ما كان عليه من ترك الصرف وليس كذلك امرأة سميتها بجعفر ومالك ألا تراك لو نزعت عن الاسم تأنيثه لصرفته لأنك لم تبق فيه بعد إلا شبهًا واحدًا من أشباه الفعل. فقد صار إذًا المعنى الثالث مؤثرًا أثرًا ما كما كان السبب الواحد مؤثرًا أثرًا ما على ما قدمنا ذكره فاعرف ذلك. وأيضًا فإن "يوسف " اسم امرأة أثقل منه اسم رجل كما أن "عقرب " اسم امرأة أثقل من "هند " ألا تراك تجيز صرفها ولا تجيز صرف "عقرب " علمًا. فهذا إذًا معنى حصل ليوسف عند تسمية المؤنث به وهو معنى زائد بالشبه الثالث. فأما قول من قال: إن الاسم الذي اجتمع فيه سببان من أسباب منع الصرف فمنعه إذا انضم إلى ذلك ثالث امتنع من الإعراب أصلًا ففاسد عندنا من أوجه: أحدها أن سبب البناء في الاسم ليس طريقه طريق حديث الصرف وترك الصرف إنما سببه مشابهة الاسم للحرف لا غير. وأما تمثيله ذلك بمنع إعراب حذام وقطام وبقوله فيه: إنه لما كان معدولًا عن حاذمة وقاطمة وقد كانتا معرفتين لا ينصرفان١، وليس بعد منع الصرف إلا ترك الإعراب البتة فلاحق في الفساد بما قبله لأنه منه وعليه حذاه. وذلك أن علة منع هذه

стр. 187

الإعراب إنما هو شيء أتاها من باب دراك، ونزال، ثم شبهت١ حذام وقطام ورقاش بالمثال٢ والتعريف، والتأنيث بباب دراك ونزال على " ما بيناه"٣ هناك. فأما أنه لأنه ليس بعد منع الصرف إلا رفع الإعراب أصلا فلا. ومما يفسد قول من قال: إن الاسم إذا منعه السببان الصرف فإن اجتماع الثلاثة فيه ترفع٤ عنه الإعراب أنا نجد في كلامهم من الأسماء ما يجتمع فيه خمسة أسباب من موانع الصرف وهو مع ذلك معرب غير مبني. وذلك كامرأة سميتها " بأذربيجان " فهذا اسم قد اجتمعت فيه خمسة٥ موانع: وهو التعريف والتأنيث، والعجمة، والتركيب٦، والألف والنون وكذلك إن عنيت "بأذربيجان " البلدة والمدينة لأن البلد فيه الأسباب الخمسة وهو مع ذلك معرب٧ كما ترى. فإذا كانت الأسباب الخمسة لا ترفع الإعراب فالثلاثة أحجى بألا ترفعه وهذا بيان. ولتحامي الإطالة ما أحذف أطرافًا من القول على أن فيما يخرج إلى الظاهر كافيًا بإذن الله.

стр. 188

باب في إدراج ١ العلة واختصارها: هذا موضع يستمر "النحويون عليه ٢" فيفتق عليهم ما يتعبون٣ بتداركه والتعذر منه. وذلك كسائل سأل عن قولهم: آسيت الرجل فأنا أواسيه وآخيته فأنا أواخيه فقال: وما أصله فقلت: أؤاسيه وأؤاخيه -وكذلك نقول- فيقول لك: فما٤ علته في التغيير فنقول: اجتمعت الهمزتان فقلبت الثانية واوًا لانضمام ما قبلها. وفي ذلك شيئان: أحدهما أنك لم تستوف ذكر الأصل والآخر أنك لم تتقص شرح العلة. أما إخلالك بذكر حقيقية الأصل فلأن أصله "أؤاسوك " لأنه أفاعلك من الأسوة فقلبت الواو ياء لوقوعها طرفًا بعد الكسرة وكذلك أؤاخيك أصله "أؤاخوك " لأنه من الأخوة٥ فانقلبت اللام لما ذكرنا كما تنقلب في نحو أعطِى واستقصِى. وأما تقصي علة تغيير الهمزة بقلبها واوًا فالقول فيه أنه اجتمع في كلمة واحدة همزتان غير عينين " الأولى منهما مضمومة والثانية مفتوحة "٦ و " هي"٧ حشو غير طرف فاستثقل ذلك فقلبت الثانية على حركة ما قبلها -وهي الضمة-

стр. 189

واوًا. ولا بد من ذكر جميع ذلك وإلا أخللت ألا ترى أنك قد تجمع في الكلمة الواحدة بين همزتين فتكونان عينين فلا تغير ذلك وذلك نحو سآل ورآس, وكبنائك من سألت نحو تبع، فتقول ١: "سؤل " فتصحان لأنهما عينان ألا ترى أن لو بنيت من قرأت مثل " جرشع" ٢ لقلت "قرء " وأصله قرؤؤ فقلبت الثانية ياء وإن كانت قبلها همزة مضمومة وكانتا في كلمة واحدة لما كانت الثانية منهما طرفًا لا حشوًا. وكذلك أيضًا ذكرك كونهما في كلمة واحدة ألا ترى أن من العرب من يحقق الهمزتين إذا كانتا من كلمتين نحو قول الله تعالى٣ ﴿السُّفَهَاءُ أَلا﴾ فإذا كانتا في كلمة واحدة فكلهم يقلب نحو جاء وشاء ونحو خطايا وزوايا٤، في قول الكافة غير الخليل. فأما ما يحكى عن بعضهم من تحقيقهما في الكلمة الواحدة نحو أئمة وخطائئ "مثل خطا عع "٥، وجائئ فشاذ لا يجوز أن يعقد عليه باب. ولو اقتصرت في تعليل التغيير في " أؤاسيك" ونحوه على أن تقول: اجتمعت الهمزتان في كلمة واحدة فقلبت الثانية واوًا لوجب عليك أن تقلب الهمزة الثانية في نحو سأآل ورأآس واوًا, وأن تقلب همزة أأدم وأأمن واوًا وأن تقلب الهمزة الثانية في خطائئ واوًا. ونحو ذلك كثير لا يحصى وإنما أذكر من كل نبذًا لئلا يطول الكتاب جدًّا.

стр. 190

باب في دور ١ الاعتلال: هذا موضع طريف ٢. ذهب محمد بن يزيد في وجوب إسكان اللام في نحو ضربْن وضربْت إلى أنه لحركة ما بعده من الضمير: يعني مع الحركتين قبل. وذهب أيضًا في حركة الضمير من نحو هذا أنها إنما وجبت لسكون ما قبله. فتارة اعتل لهذا بهذا ثم دار تارة أخرى فاعتل لهذا بهذا. وفي ظاهر ذلك اعتراف بأن كل واحد منهما ليست له حال مستحقة تخصه في نفسه وإنما استقر على ما استقر عليه لأمر راجع إلى صاحبه. ومثله ما أجازه سيبويه في جر " الوجه" من قولك: هذا الحسن الوجه. وذلك أنه أجاز فيه الجر من وجهين: أحدهما طريق الإضافة الظاهرة والآخر تشبيهه بالضارب الرجل. "وقد أحطنا علمًا بأن الجر إنما جاز في الضارب الرجل "٣ ونحوه مما كان الثاني منهما منصوبًا لتشبيههم إياه بالحسن الوجه أفلا ترى كيف صار كل واحد من الموضعين علة لصاحبه في الحكم الواحد الجاري عليهما جميعًا. وهذا من طريف أمر هذه اللغة وشدة تداخلها وتزاحم الألفاظ والأغراض على جهاتها. والعذر أن الجر لما فشا واتسع في نحو الضارب الرجل والشاتم الغلام والقاتل البطل صار -لتمكنه فيه وشياعه في استعماله- كأنه أصل في بابه وإن كان إنما سرى إليه لتشبيهه بالحسن الوجه. فلما كان كذلك قوي في بابه حتى صار لقوته

стр. 191

قياسًا وسماعًا كأنه أصل للحر في "هذا الحسن الوجه " وسنأتي على بقية هذا الموضع في باب نفرده له١ بإذن الله. لكن ما أجازه أبو العباس وذهب إليه في باب ضربن وضربت من تسكين اللام لحركة الضمير, وتحريك الضمير لسكون اللام شنيع الظاهر, والعذر فيه أضعف منه في مسئلة الكتاب ألا ترى أن الشيء لا يكون علة نفسه وإذا لم يكن كذلك كان من أن يكون علة علته أبعد وليس كذلك قول سيبويه وذلك أن الفروع إذا تمكنت " قويت قوة تسوغ"٣ حمل الأصول عليها. وذلك لإرادتهم تثبيت الفرع والشهادة له بقوة الحكم.

стр. 192

باب في ارد على من اعتقد فساد علل النحويين لضعفه هو نفسه عن أحكام العلة ... باب في الرد على من اعتقد فساد علل النحويين لضعفه هو في نفسه عن إحكام العلة: اعلم أن هذا الموضع هو الذي يتعسف بأكثر من ترى. وذلك أنه لا يعرف أغراض القوم فيرى لذلك أن ما أوردوه من العلة ضعيف واه ساقط غير متعال. وهذا كقولهم: يقول النحويون إن الفاعل رفع والمفعول به نصب وقد ترى الأمر بضد ذلك ألا ترانا نقول: ضرب زيد فنرفعه وإن كان مفعولا به, ونقول: إن زيدًا قام فننصبه وإن كان فاعلًا ونقول: عجبت من قيام زيد فنجره وإن كان فاعلًا ونقول أيضًا: قد قال الله ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ فرفع "حيث " وإن كان بعد حرف الخفض. ومثله عندهم في الشناعة قوله : ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ وما يجري هذا المجرى. ومثل هذا يتعب مع هذه الطائفة لا سيما إذا كان السائل "عنه"١ من يلزم الصبر عليه. ولو بدأ الأمر بإحكام الأصل لسقط عنه هذا الهوس وذا اللغو ألا ترى أنه لو عرف أن الفاعل عند أهل العربية ليس كل من كان فاعلًا في المعنى وأن الفاعل عندهم إنما هو كل اسم ذكرته بعد الفعل وأسندت ونسبت ذلك الفعل إلى ذلك الاسم وأن الفعل الواجب وغير الواجب في ذلك سواء لسقط صداع٢ هذا المضعوف السؤال. وكذلك القول على المفعول أنه إنما ينصب٣ إذا أسند الفعل إلى الفاعل فجاء هو فضلة وكذلك لو٤ عرف أن الضمة في نحو حيث وقبل وبعد ليست إعرابًا وإنما هي بناء. وإنما ذكرت هذا الظاهر الواضح ليقع الاحتياط في المشكل الغامض. وكذلك ما يحكى عن الجاحظ من أنه قال: قال النحويون: إن أفعل الذي٥ مؤنثه فُعلى لا يجتمع فيه الألف واللام ومن وإنما هو بمن أو بالألف واللام؛ نحو قولك: الأفضل وأفضل منك, والأحسن وأحسن من جعفر, ثم قال: وقد قال الأعشى: فلست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر٦ ورحم الله أبا عثمان أما إنه لو علم أن "من " في هذا البيت ليست التي تصحب أفعل للمبالغة نحو أحسن منك وأكرم منك، لضرب عن هذا القول إلى غيره مما يعلو فيه قوله ويعنو لسداده وصحته خصمه. وذلك أن "من " في بيت الأعشى إنما هي كالتي في قولنا: أنت من الناس حر وهذا الفرس من الخيل كريم. فكأنه قال: لست من بينهم بالكثير الحصى ولست فيهم بالأكثر حصى. فاعرف ذلك.

стр. 193

باب في الاعتلال لهم بأفعالهم: ظاهر هذا الحديث طريف١، ومحصوله صحيح وذلك إذا كان الأول المردود إليه الثاني جاريًا على "صحة علة "٢. من ذلك أن يقول قائل: إذا كان الفعل قد حذف في الموضع الذي لو ظهر فيه لما أفسد معنى كان ترك إظهاره في الموضع الذي لو ظهر فيه لأحال المعنى وأفسده أولى وأحجى ألا ترى أنهم يقولون: الذي في الدار زيد وأصله الذي استقر أو ثبت في الدار زيد ولو أظهروا هذا الفعل هنا لما أحال معنى ولا أزال غرضًا فكيف بهم في ترك إظهاره في النداء ألا ترى أنه لو تجشم إظهاره فقيل: أدعو زيدًا وأنادي زيدًا لاستحال أمر النداء فصار إلى لفظ الخبر المحتمل للصدق والكذب والنداء مما٣ لا يصح فيه تصديق ولا تكذيب. ومن الاعتلال بأفعالهم أن تقول: إذا كان اسم الفاعل -على قوة تحمله للضمير- متى جرى على غير من هو له -صفة أو صلة أو حالا أو خبرًا- لم يحتمل الضمير كما يحتمله٤ الفعل، فما ظنك بالصفة المشبهة باسم الفاعل، نحو

стр. 194

قولك: زيد هند شديد عليها هو, إذا أجريت١ " شديدًا " خبرًا عن "هند " وكذلك قولك: أخواك زيد حسن في عينه هما, والزيدون هند ظريف في نفسها هم, وما ظنك أيضًا بالشفة المشبهة "بالصفة المشبهة "٢ باسم الفاعل نحو قولك: أخوك جاريتك أكرم عليها من عمرو هو وغلاماك أبوك أحسن عنده من جعفر هما والحجر الحية أشد عليها من العصا هو. ومن قال: مررت برجل أبي عشرة أبوه قال: أخواك جاريتهما أبو عشرة عندها هما فأظهرت الضمير. وكان ذلك أحسن من رفعه الظاهر لأن هذا الضمير وإن كان منفصلا ومشبهًا للظاهر بانفصاله فإنه على كل حال ضمير. وإنما وحدت فقلت: أبو عشرة عندها هما ولم تثنه فتقول: أبوا عشرة من قبل أنه قد رفع ضميرًا منفصلا مشابهًا للظاهر فجرى مجرى قولك: مررت برجل أبي عشرة أبواه. فلما رفع الظاهر وما يجري مجرى الظاهر شبهه بالفعل فوحد البتة. ومن قال: مررت برجل قائمين أخواه فأجراه مجرى قاما أخواه فإنه يقول: مررت برجل أبوي عشرة أبواه. والتثنية في "أبوي عشرة " من وجه تقوى ومن آخر تضعف. أما وجه القوة فلأنها بعيدة عن اسم الفاعل الجاري مجرى الفعل فالتثنية فيه -لأنه اسم- حسنة وأما وجه الضعف فلأنه على كل حال قد أعمل في الظاهر ولم يعمل إلا لشبهه بالفعل وإذا كان كذلك وجب له أن يقوى شبه الفعل ليقوم العذر بذلك في إعماله عمله ألا ترى أنهم لما شبهوا الفعل باسم الفاعل فأعربوه كنفوا هذا المعنى بينهما وأيدوه بأن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه. وهذا في معناه واضح سديد كما تراه. وأمثال هذا في الاحتجاج لهم بأفعالهم كثيرة وإنما أضع من كل شيء رسمًا ما ليحتذى. فأما الإطالة والاستيعاب فلا.

стр. 195

باب في الاحتجاج بقول المخالف: اعلم أن هذا -على "ما في"١ ظاهره- صحيح ومستقيم. وذلك أن ينبغ من٢ أصحابه نابغ فينشئ خلافًا ما على أهل مذهبه, فإذا سمع٣ خصمه به, وأجلب عليه قال: هذا لا يقول به أحد من الفريقين, فيخرجه مخرج التقبيح له, والتشنيع عليه. وذلك كإنكار أبي العباس٤ جواز تقديم خبر "ليس" عليها, فأحد ما يحتج به عليه أن يقال له: إجازة هذا مذهب سيبويه٥ وأبي الحسن وكافة أصحابنا٥، والكوفيون٥ أيضًا معنا. فإذا كانت إجازة ذلك مذهبًا للكافة من البلدين٦ وجب عليك

стр. 196

-يا أبا العباس- أن تنفر عن خلافه, وتستوحش منه, ولا تأنس بأول خاطر يبدو لك فيه. ولعمري إن هذا ليس بموضع قطع على الخصم إلا أن فيه تشنيعًا عليه وإهابة به إلى تركه وإضافة١ لعذره في استمراره عليه وتهالكه فيه، من غير إحكامه وإنعام الفحص عنه. وإنما لم يكن فيه قطع لأن للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس ما لم يلو٢ بنص أو ينتهك حرمة شرع. فقس على ما ترى؛ فإنني إنما أضع من كل شيء مثالا موجزًا.

стр. 197

باب القول على إجمال أهل العربية متى يكون حجة ... باب القول على إجماع أهل العربية متى يكون حجة: اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف١ المنصوص. والمقيس على النصوص فأما إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجة عليه. وذلك أنه لم يرد ممن يطاع أمره في قرآن ولا سنة أنهم لا يجتمعون على الخطأ كما جاء النص عن رسول الله ﷺ من قوله٢: "أمتي لا تجتمع على ضلالة" وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة.

стр. 198

فكل من فرق له عن علة صحيحة وطريق نهجة١ كان خليل٢ نفسه، وأبا عمرو فكره ٣. إلا أننا -مع هذا الذي رأيناه وسوغناه مرتكبة- لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قد طال بحثها وتقدم نظرها٤، وتتالت أواخر على أوائل وأعجازًا على كلاكل والقوم الذين لا نشك في أن الله -سبحانه وتقدست أسماؤه- قد هداهم لهذا العلم الكريم وأراهم وجه الحكمة في الترجيب٥ له والتعظيم وجعله ببركاتهم وعلى أيدي طاعاتهم خادمًا للكتاب المنزل وكلام نبيه المرسل وعونًا على فهمهما ومعرفة ما أمر به أو نهي عنه الثقلان منهما إلا بعد أن يناهضه٦ إتقانًا ويثابته عرفانًا ولا يخلد إلى سانح خاطره ولا إلى نزوة من نزوات تفكره. فإذا هو حذا على هذا المثال وباشر بإنعام تصفحه أحناء الحال أمضى الرأي فيما يريه الله منه غير معاز٧ به، ولا غاض من السلف ﵏ في شيء منه. فإنه إذا فعل ذلك سدد رأيه. وشيع خاطره وكان بالصواب٨ مئنة ومن التوفيق مظنة وقد قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ٩: ما على الناس شيء أضر من قولهم:

стр. 199

ما ترك الأول للآخر شيئًا. وقال أبو عثمان المازني ١: "وإذا قال العالم قولا متقدمًا فللمتعلم الاقتداء به "والانتصار له"٢ "والاحتجاج"٣ لخلافه٤ إن٥ وجد إلى ذلك سبيلا" وقال الطائي الكبير: يقول من تطرق أسماعه ... كم ترك الأول للآخر ٦ فمما جاز خلاف الإجماع الواقع فيه منذ بدئ هذا العلم وإلى آخر هذا الوقت ما رأيته٧ أنا في قولهم: هذا حجر ضب خرب. فهذا يتناوله آخر عن أول، وتال

стр. 200

عن ماض على أنه غلط من العرب لا يختلفون فيه ولا يتوقفون عنه وأنه من الشاذ الذي لا يحمل عليه ولا يجوز رد غيره إليه. وأما أنا فعندي أن في القرآن مثل هذا الموضع نيفًا على ألف موضع. وذلك أنه على حذف المضاف لا غير. فإذا حملته على هذا الذي هو حشو الكلام من القرآن والشعر ساغ وسلس وشاع وقبل. وتلخيص هذا أن أصله: هذا جحر ضب خربٍ جحره فيجري "خرب " وصفًا على "ضب " وإن كان في الحقيقة للجحر. كما تقول مررت برجل قائم أبوه فتجري "قائمًا وصفًا على " رجل "وإن كان القيام للأب لا للرجل لما ضمن من ذكره ١. والأمر في هذا أظهر من أن يؤتى بمثال له أو شاهد٢ عليه. فلما كان أصله كذلك حذف الجحر المضاف إلى الهاء وأقيمت الهاء مقامه فارتفعت لأن المضاف المحذوف كان مرفوعًا فلما ارتفعت استتر الضمير المرفوع في نفس " خرب" فجرى وصفًا على ضب -وإن كان الخراب للجحر لا للضب- على تقدير حذف المضاف على ما أرينا. وقلت آية تخلو من حذف المضاف نعم وربما كان في الآية الواحدة من ذلك عدة مواضع. وعلى نحو من هذا حمل أبو علي ﵀: كبير أناس في بجاد مزمل٣

стр. 201

ولم يحمله على الغلط قال: لأنه أراد: مزمل فيه ثم حذف حرف الجر فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول. فإذا أمكن ما قلنا ولم يكن أكثر من حذف المضاف الذي قد شاع واطرد, كان حمله عليه أولى من حمله على الغلط الذي لا يحمل غيره عليه ولا يقاس به. ومثله قول لبيد: أو مذهب جدد على ألواحه ... الناطق المبروز والمختوم١ أي المبروز به, ثم حذف حرف الجر فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول. وعليه قول الآخر: إلى١ غير موثوق من الأرض تذهب أي موثوق به ثم حذف حرف الجر فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول.

стр. 202

باب في الزيادة في صفة العلة لضرب من الاحتياط: قد يفعل أصحابنا ذلك إذا كانت الزيادة مثبتة لحال المزيد عليه. وذلك كقولك في همز "أوائل ": أصله "أواول " فلما اكتنفت الألف واوان وقربت الثانية منهما من الطرف ولم يؤثر إخراج ذلك على الأصل تنبيهًا على غيره من المغيرات في معناه١، ولا هناك ياء قبل الطرف منوية مقدرة وكانت الكلمة جمعًا ثقل ذلك فأبدلت الواو همزة فصار أوائل. فجميع ما أوردته محتاج إليه إلا ما استظهرت به من قولك: وكانت الكلمة جمعًا فإنك لو لم تذكره لم يخلل ذلك بالعلة ألا ترى أنك لو بنيت من قلت وبعت واحدًا على فواعل كعوارض٢ أو أفاعل "من أول أو يوم أو ويح "٣ كأباتر٤ لهمزت كما تهمز في الجمع. فذكرك "الجمع" في أثناء الحديث إنما زدت الحال به أنسًا من حيث كان الجمع في غير هذا مما يدعو إلى قلب الواو ياء في نحو حقي٥ ودلي فذكرته هنا تأكيدًا لا وجوبًا. وذكراك أنهم لم يؤثروا في هذا إخراج الحرف على أصله دلالة على أصل ما غير من غيره في نحوه لئلا يدخل عليك أن يقال لك: قد قال الراجز: تسمع من شدانها عواولا٦

стр. 203

وذكرت أيضًا قولك: ولم يكن هناك ياء قبل الطرف مقدرة لئلا يلزمك قوله: وكحل العينين بالعواور١ ألا ترى أن أصله عواوير من حيث كان جمع عوار. والاستظهار في هذين الموضعين أعني حديث عواول وعواور أسهل احتمالًا من دخولك تحت الإفساد عليك بهما واعتذارك من بعد بما قدمته في صدر العلة. فإذا كان لا بد من إيراده فيما بعد إذا لم تحتط بذكره "فيما قبل"٢ كان الرأي تقديم ذكره والاستراحة من التعقب عليك به. فهذا ضرب. ولو استظهرت بذكر ما لا يؤثر في الحكم لكان ذلك منك خطلًا ولغوًا من القول ألا ترى أنك لو سئلت عن رفع طلحة من قولك: جاءني طلحة فقلت: ارتفع لإسناد الفعل إليه٣، ولأنه مؤنث، أو لأنه علم لم يكن ذكرك التأنيث والعلمية إلا كقولك: ولأنه مفتوح الطاء أو لأنه ساكن عين الفعل ونحو ذلك مما لا يؤثر في الحال. فاعرف بذلك موضع ما يمكن الاحتياط به للحكم مما يعوى من ذلك، فلا يكون له فيه٤ حجم٥. وإنما المراعي من ذلك كله كونه مسندًا إليه الفعل.

стр. 204

فإن قيل: هلا كان ذكرك أنت أيضًا هنا الفعل لا وجه له ألا ترى أنه إنما ارتفع بإسناد غيره إليه فاعلًا كان أو مبتدأ. والعلة في رفع الفاعل هي العلة في رفع المبتدأ وإن اختلفا من جهة التقديم والتأخير؟ قلنا: لا١ لسنا نقول هكذا مجردًا وإنما نقول في رفع المبتدأ: إنه إنما وجب ذلك له من حيث كان مسندًا إليه عاريًا من العوامل اللفظية قبله فيه وليس كذلك الفاعل لأنه وإن كان مسندًا إليه فإن قبله عاملًا لفظيًا قد عمل فيه وهو الفعل وليس كذلك قولنا: زيد قام لأن هذا لم يرتفع لإسناد الفعل٢ إليه حسب دون أن انضم إلى ذلك تعريه من العوامل اللفظية من قبله. فلهذا قلنا: ارتفع الفاعل بإسناد الفعل إليه ولم نحتج٣ فيما بعد إلى شيء نذكره كما احتجنا إلى ذلك في باب المبتدأ ألا تراك تقول: إن زيدًا قام فتنصبه -وإن كان الفعل مسندًا إليه- لما لم يعر من العامل اللفظي الناصبه. فقد وضح بذلك فرق ما بين حالي المبتدأ والفاعل في وصف تعليل ارتفاعهما وأنهما وإن اشتركا في كون كل واحد منهما مسندًا إليه فإن هناك فرقًا من حيث أرينا. ومن ذلك قولك في جواب من سألك عن علة انتصاب زيد من قولك: ضربت زيدًا: إنه إنما انتصب لأنه فضلة ومفعول به فالجواب قد استقل بقولك: لأنه فضلة وقولك من بعد: "ومفعول به " تأنيس وتأييد لا ضرورة بك إليه ألا ترى أنك تقول في نصب "نفس " من قولك: طبت به نفسًا: إنما انتصب لأنه فضلة وإن كانت النفس هنا فاعلة في المعنى. فقد علمت بذلك أن قولك: ومفعول به

стр. 205

زيادة على العلة تطوعت بها. غير أنه في ذكرك كونه مفعولًا معنى ما وإن كان صغيرًا. وذلك أنه قد ثبت وشاع في الكلام أن الفاعل رفع والمفعول به نصب وكأنك أنست بذلك شيئًا. وأيضًا فإن فيه ضربًا من الشرح. وذلك أن كون الشيء فضلة لا يدل على أنه لا بد من أن يكون مفعولًا١ به ألا ترى أن الفضلات كثيرة كالمفعول به والظرف والمفعول له والمفعول معه والمصدر والحال والتمييز والاستثناء. فلما قلت: "ومفعول به"٢ ميزت أي الفضلات هو. فاعرف ذلك وقسه.

стр. 206

باب في عدم النظير: أما إذا دل الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير. وذلك مذهب الكتاب١ فإنه حكى فيما جاء على فِعِلٍ "إبلا " وحدها ولم يمنع الحكم بها عنده أن لم يكن لها نظير لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأنس به لا للحاجة إليه. فأما إن لم يقم دليل فإنك محتاج إلى إيجاد النظير ألا ترى إلى عِزويت٢، لما لم يقم الدليل على أن واوه وتاءه أصلان احتجت إلى التعلل٣ بالنظير فمنعت من أن يكون "فِعويلا" لما لم تجد له نظيرًا وحملته على "فِعليت" لوجود النظير وهو عفريت ونفريت. وكذلك قال أبو عثمان في الرد على من٤ ادعى أن "السين" و"سوف" ترفعان الأفعال المضارعة: لم نر عاملًا في الفعل تدخل عليه اللام وقد قال سبحانه ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ . فجعل عدم النظير ردًّا على من أنكر قوله.

стр. 207

وأما١ إن لم يقم الدليل ولم يوجد النظير فإنك تحكم مع عدم النظير. وذلك كقولك في الهمزة والنون من أندلس ٢: إنهما زائدتان, وإن وزن الكلمة بهما "أنفعُل " وإن كان مثالا لا نظير له. وذلك أن النون لا محالة زائدة؛ لأنه ليس في ذوات الخمسة شيء على " فعلَلُل" فتكون النون فيه أصلا لوقوعها موقع العين, وإذا ثبت أن النون زائدة فقد برد في يدك ثلاثة أحرف أصول وهي الدال واللام والسين, وفي٣ أول الكلمة همزة, ومتى وقع ذلك حكمت بكون الهمزة زائدة, ولا تكون النون أصلا والهمزة زائدة؛ لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزوائد من أوائلها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها؛ نحو مدحرج وبابه. فقد وجب إذًا أن الهمزة والنون زائدتان وأن الكلمة بهما على أنفعل وإن كان هذا مثالا لا نظير له. فإن٤ ضام الدليل النظير فلا مذهب بك عن ذلك؛ وهذا كنون عنتر ٥. فالدليل يقضي بكونها أصلا, لأنها مقابلة لعين جعفر, والمثال أيضًا معك وهو " فعلَل" وكذلك القول على بابه. فاعرف ذلك وقس.

стр. 208

باب في إسقاط الدليل: وذلك كقول أبي عثمان: لا تكون الصفة غير مفيدة فلذلك قلت: مررت برجل أفعل ١. فصرف أفعل هذه لما لم تكن الصفة مفيدة. وإسقاط هذا أن يقال له: قد جاءت الصفة غير مفيدة. وذلك كقولك في جواب من قال رأيت زيدًا: آلمنيّ٢ يا فتى فالمنيّ صفة, وغير مفيدة. ومن ذلك قول البغداديين ٣: إن الاسم يرتفع بما يعود عليه من ذكره؛ نحو زيد مررت به, وأخوك أكرمته. فارتفاعه عندهم إنما هو لأن عائدًا عاد عليه, فارتفع بذلك العائد. وإسقاط هذا الدليل أن يقال لهم: فنحن نقول: زيد هل ضربته, وأخوك متى كلمته ومعلوم أن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله فكما اعتبر أبو عثمان أن كل صفة فينبغي أن تكون مفيدة فأوجد٤ أن من الصفات ما لا يفيد وكان ذلك كسرًا لقوله؛ كذلك قول هؤلاء: إن كل عائد على اسم عار من العوامل يرفعه يفسده وجود عائد على اسم عار من العوامل وهو غير رافع له, فهذا٥ طريق هذا.

стр. 209

باب في اللفظين على المعنى الواحد يردان عن العالم متضادين: وذلك عندنا على أوجه: أحدها أن يكون أحدهما مرسلا والآخر معللا. فإذا اتفق ذلك كان المذهب الأخذ بالمعلل, ووجب مع ذلك أن يتأول المرسل. وذلك كقول صاحب الكتاب -في غير موضع- في التاء من "بنت وأخت ": إنها للتأنيث١، وقال أيضًا مع ذلك في باب٢ ما ينصرف وما لا ينصرف: إنها ليست للتأنيث. واعتل لهذا القول بأن ما قبلها ساكن وتاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها ساكنًا, إلا أن يكون ألفًا كقناة, وفتاة, وحصاة, والباقي كله مفتوح كرطبة وعنبة وعلامة ونسابة. قال ٣: ولو سميت رجلا ببنت وأخت لصرفته ٤. وهذا واضح. فإذا ثبت هذا القول الثاني بما ذكرناه, وكانت التاء فيه إنما هي عنده على ما قاله بمنزلة تاء "عفريت " و "ملكوت " وجب أن يحمل قوله فيها: إنها للتأنيث على المجاز وأن يتأول ولا يحمل القولان على التضاد. ووجه الجمع بين القولين أن هذه التاء وإن لم تكن عنده للتأنيث فإنها لما لم توجد في الكلمة إلا في حال التأنيث استجاز أن يقول فيها: إنها للتأنيث ألا ترى أنك إذا ذكرت قلت " ابن" فزالت التاء كما تزول التاء من قولك: ابنة. فلما ساوقت تاء بنت تاء ابنة وكانت تاء ابنة للتأنيث قال في تاء بنت ما قال في تاء ابنة. وهذا من أقرب ما يتسمح به في هذه الصناعة ألا ترى أنه قال٥ في عدة مواضع في نحو "حمراء "

стр. 210

و "أصدقاء " و "عشراء " ١ وبابها: إن الألفين للتأنيث وإنما صاحبة التأنيث منهما الأخيرة التي قلبت همزة لا الأولى, وإنما الأولى زيادة لحقت قبل الثانية التي هي كألف "سكرى " و "عطشى " فلما التقت الألفان وتحركت الثانية قلبت همزة. ويدل على أن الثانية للتأنيث وأن الأولى ليست له أنك لو٢ اعتزمت إزالة العلامة للتأنيث في هذا الضرب من الأسماء غيرت الثانية وحدها ولم تعرض للأولى. وذلك قولهم "حمراوان " و "عشراوات " و "صحراوي ". وهذا واضح. قال أبو علي ﵀: ليس بنت من ابن كصعبة من صعب, إنما تأنيث ابن على لفظه٢ ابنة. والأمر على ما ذكر. فإن قلت: فهل في بنت وأخت علم تأنيث أو لا؟ قيل: بل فيهما علم تأنيث. فإن قيل: وما ذلك العلم قيل: الصيغة "فيهما علامة تأنيثهما "٤، وذلك أن أصل هذين الاسمين عندنا فعل: بنو وأخو بدلالة تكسيرهم إياهما على أفعال في قولهم: أبناء وآخاء. قال بشر٥ بن المهلب: وجدتم بنيكم دوننا إذ نسيتم ... وأي بنى الآخاء تنبو مناسبه فلما عدلا عن فَعل إلى فِعل وفُعل وأبدلت لاماهما تاء فصارتا بنتا وأختا كان هذا العمل وهذه الصيغة علمًا لتأنيثهما ألا تراك إذا فارقت هذا الموضع من التأنيث رفضت هذه الصيغة البتة فقلت في الإضافة إليهما: بنوي وأخوي كما أنك إذا أضفت إلى ما فيه علامة تأنيث أزلتها البتة نحو حمراوي وطلحي وحبلوي. فأما قول يونس: بنتي وأختي فمردود عند سيبويه. وليس هذا الموضع موضوعًا للحكم بينهما وإن كان لقول يونس أصول تجتذبه وتسوغه.

стр. 211

وكذلك١ إن قلت: إذا كان سيبويه لا يجمع بين ياءي٢ الإضافة وبين صيغة بنت, وأخت, من حيث كانت الصيغة علمًا لتأنيثهما فلم صرفهما٣ علمين لمذكر, وقد أثبت فيهما علامة تأنيث بفكها ونقضها مع ما لا يجامع علامة التأنيث: من٤ ياءي الإضافة في بنوي وأخوي؟ فإذا أثبت٥ في٦ الاسمين بها٧ علامة للتأنيث فهلا٨ منع الاسمين الصرف بها مع التعريف كما تمنع الصرف باجتماع التأنيث إلى التعريف في نحو طلحة وحمزة وبابهما فإن هذا أيضًا مما قد أجبنا عنه في موضع آخر. وكذلك القول في تاء ثنتان, وتاء ذيت, وكيت, وكلتى: التاء في جميع ذلك بدل من حرف علة, كتاء بنت وأخت, وليست للتأنيث. إنما التاء في ذية, وكية, واثنتان وابنتان, للتأنيث. فإن قلت: فمن أين لنا في علامات التأنيث ما يكون معنى٩ لا لفظًا؟ قيل: إذا قام الدليل لم يلزم النظير. وأيضًا فإن التاء في هذا وإن لم تكن للتأنيث فإنها بدل خص التأنيث والبدل وإن كان كالأصل لأنه بدل منه فإن له أيضًا شبهًا بالزائد من موضع آخر, وهو كونه غير أصل, كما أن الزائد غير أصل؛ ألا ترى إلى ما حكاه١٠ عن أبي الخطاب من قول بعضهم في راية: راءة بالهمز, كيف شبه ألف

стр. 212

راية -وإن كانت بدلا من العين- بالألف الزائدة, فهمز اللام بعدها كما يهمزها بعد الزائدة في نحو سقاء وقضاء. وأما قول أبي عمر ١: إن التاء في كلتى زائدة, وإن مثال الكلمة بها "فِعتل " فمردود عند أصحابنا؛ لما قد ذكر في معناه من قولهم: إن التاء لا تزاد حشوًا إلا في "افتعل " وما تصرف منه, "و "٢ لغير ذلك، غير أني قد وجدت لهذا القول نحوًا ونظيرًا. وذلك فيما حكاه الأصمعي من قولهم للرجل القواد: الكلتبان وقال مع ذلك: هو من الكَلَب وهو القيادة. فقد ترى التاء على هذا زائدة حشوًا ووزنه فعتلان. ففي هذا شيئان: أحدهما التسديد من قول أبي عمر والآخر إثبات مثال فائت للكتاب. وأمثل ما يصرف إليه ذلك أن يكون الكلب ثلاثيًا والكلتبان رباعيًا؛ كزرم٣ وازرأم٣ وضفد٤، واضفأد٤، وكزغَّب٥ الفرخ وازلَغب٥، ونحو ذلك من الأصلين الثلاثي والرباعي المتداخلين. وهذا غور عرض, فقلنا فيه ولنعد. ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادين على غير هذا الوجه. وهو أن يحكم في شيء بحكم ما ثم يحكم فيه نفسه بضده غير أنه لم يعلل أحد القولين. فينبغي حينئذ أن ينظر إلى الأليق بالمذهب والأجرى على قوانينه فيجعل هو المراد المعتزم منهما ويتأول الآخر إن أمكن.

стр. 213

وذلك كقوله ١: حتى الناصبة للفعل وقد تكرر من قوله أنها حرف من حروف الجر وهذا ناف لكونها ناصبة له, من حيث كانت عوامل الأسماء لا تباشر الأفعال فضلًا عن أن تعمل فيها. وقد استقر من قوله في غير مكان ذكر عدة الحروف الناصبة للفعل وليست فيها حتى. فعلم بذلك وبنصه٢ عليه في غير هذا الموضع أن "أن " مضمرة عنده بعد حتى كما تضمر مع اللام الجارة في نحو قوله سبحانه ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ونحو ذلك. فالمذهب إذًا هو هذا. ووجه القول في الجمع بين القولين بالتأويل أن الفعل لما انتصب بعد حتى ولم تظهر هناك "أن " وصارت٣ حتى عوضًا منها ونائبة عنها نسب٤ النصب إلى "حتى " وإن كان في الحقيقة لـ "أن ". ومثله معنى لا إعرابًا قول الله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ . فظاهر هذا تناف بين الحالتين؛ لأنه أثبت في أحد القولين ما نفاه قبله ٥: وهو قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ . ووجه الجمع بينهما أنه لما كان الله أقدره على الرمي ومكنه منه وسدده له وأمره به فأطاعه في فعله نسب الرمي إلى الله وإن كان مكتسبًا للنبي ﷺ مشاهدًا منه ٦. ومثله معنى قولهم: أذن ولم يؤذن, وصلى ولم يصل؛ ليس أن الثاني ناف للأول لكنه لما لم يعتقد الأول مجزئًا لم يثبته صلاة ولا أذانًا.

стр. 214

وكلام العرب لمن عرفه وتدرب بطريقها فيه جار مجرى السحر لطفًا, وإن جسا١ عنه أكثر من ترى وجفا. ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادين, غير أنه قد نص في أحدهما على الرجوع عن القول الآخر فيعلم بذلك أن رأيه مستقر على ما أثبته ولم ينفه وأن القول الآخر مطرح من رأيه. فإن تعارض القولان مرسلين غير مبان أحدهما من صاحبه بقاطع يحكم عليه به بحث عن تاريخهما, فعلم أن الثاني هو ما اعتزمه, وأن قوله به انصراف منه عن القول الأول إذ٢ لم يوجد في أحدهما ما يماز به عن صاحبه. فإن استبهم الأمر فلم يعرف التاريخ وجب سبر المذهبين, وإنعام الفحص عن حال القولين , فإن كان أحدهما أقوى من صاحبه وجب إحسان الظن بذلك العالم وأن ينسب إليه أن٣ الأقوى منهما هو قوله الثاني الذي به يقول وله يعتقد وأن الأضعف منهما هو الأول منهما الذي تركه إلى الثاني. فإن تساوى القولان في القوة وجب أن يعتقد فيهما أنهما رأيان له؛ فإن الدواعي إلى تساويهما فيهما عند الباحث عنهما هي الدواعي التي دعت القائل بهما إلى أن أعتقد كلا منهما. هذا بمقتضى العرف وعلى إحسان الظن فأما القطع البات فعند الله علمه. وعليه طريق الشافعي في قوله بالقولين فصاعدًا. وقد كان أبو الحسن ركابًا٤ لهذا الثبج٥ آخذًا به, غير محتشم منه, وأكثر كلامه في عامة كتبه عليه. "وكنت٦ إذا

стр. 215

ألزمت عند أبي علي ﵀ قولا لأبي الحسن شيئًا لا بد للنظر من إلزامه إياه يقول لي: مذاهب أبي الحسن كثيرة ". ومن الشائع في الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس تتبع١ به كلام سيبويه وسماه مسائل الغلط. فحدثني أبو علي عن أبي بكر٢ أن أبا العباس كان يعتذر منه ويقول ٣: هذا شيء كنا رأيناه في أيام الحداثة, فأما الآن فلا. وحدثنا أبو علي قال: كان أبو يوسف٤ إذا أفتى بشيء٥ أو أمل٦ شيئًا فقيل له: قد قلت في موضع كذا غير هذا يقول: هذا يعرفه من يعرفه أي إذا أنعم النظر في القولين وجدا مذهبًا واحدًا. وكان أبو علي ﵀ يقول في هيهات: أنا أفتي مرة بكونها اسمًا سمي به الفعل كصه ومه وأفتي مرة أخرى بكونها ظرفًا٧، على قدر ما يحضرني في الحال. وقال مرة أخرى: إنها وإن كانت ظرفًا فغير ممتنع أن تكون٨ مع ذلك اسمًا سمي به الفعل كعندك ودونك. وكان إذا سمع شيئًا من كلام أبي الحسن يخالف قوله يقول: عكر٩ الشيخ. وهذا ونحوه من خلاج الخاطر وتعادي المناظر هو الذي دعا أقوامًا إلى أن قالوا بتكافؤ الأدلة١٠، واحتملوا أثقال الصغار والذلة.
следующие страницы →