← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وكذلك١ إن قلت: إذا كان سيبويه لا يجمع بين ياءي٢ الإضافة وبين صيغة بنت, وأخت, من حيث كانت الصيغة علمًا لتأنيثهما فلم صرفهما٣ علمين لمذكر, وقد أثبت فيهما علامة تأنيث بفكها ونقضها مع ما لا يجامع علامة التأنيث: من٤ ياءي الإضافة في بنوي وأخوي؟ فإذا أثبت٥ في٦ الاسمين بها٧ علامة للتأنيث فهلا٨ منع الاسمين الصرف بها مع التعريف كما تمنع الصرف باجتماع التأنيث إلى التعريف في نحو طلحة وحمزة وبابهما فإن هذا أيضًا مما قد أجبنا عنه في موضع آخر. وكذلك القول في تاء ثنتان, وتاء ذيت, وكيت, وكلتى: التاء في جميع ذلك بدل من حرف علة, كتاء بنت وأخت, وليست للتأنيث. إنما التاء في ذية, وكية, واثنتان وابنتان, للتأنيث. فإن قلت: فمن أين لنا في علامات التأنيث ما يكون معنى٩ لا لفظًا؟ قيل: إذا قام الدليل لم يلزم النظير. وأيضًا فإن التاء في هذا وإن لم تكن للتأنيث فإنها بدل خص التأنيث والبدل وإن كان كالأصل لأنه بدل منه فإن له أيضًا شبهًا بالزائد من موضع آخر, وهو كونه غير أصل, كما أن الزائد غير أصل؛ ألا ترى إلى ما حكاه١٠ عن أبي الخطاب من قول بعضهم في راية: راءة بالهمز, كيف شبه ألف

стр. 212

راية -وإن كانت بدلا من العين- بالألف الزائدة, فهمز اللام بعدها كما يهمزها بعد الزائدة في نحو سقاء وقضاء. وأما قول أبي عمر ١: إن التاء في كلتى زائدة, وإن مثال الكلمة بها "فِعتل " فمردود عند أصحابنا؛ لما قد ذكر في معناه من قولهم: إن التاء لا تزاد حشوًا إلا في "افتعل " وما تصرف منه, "و "٢ لغير ذلك، غير أني قد وجدت لهذا القول نحوًا ونظيرًا. وذلك فيما حكاه الأصمعي من قولهم للرجل القواد: الكلتبان وقال مع ذلك: هو من الكَلَب وهو القيادة. فقد ترى التاء على هذا زائدة حشوًا ووزنه فعتلان. ففي هذا شيئان: أحدهما التسديد من قول أبي عمر والآخر إثبات مثال فائت للكتاب. وأمثل ما يصرف إليه ذلك أن يكون الكلب ثلاثيًا والكلتبان رباعيًا؛ كزرم٣ وازرأم٣ وضفد٤، واضفأد٤، وكزغَّب٥ الفرخ وازلَغب٥، ونحو ذلك من الأصلين الثلاثي والرباعي المتداخلين. وهذا غور عرض, فقلنا فيه ولنعد. ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادين على غير هذا الوجه. وهو أن يحكم في شيء بحكم ما ثم يحكم فيه نفسه بضده غير أنه لم يعلل أحد القولين. فينبغي حينئذ أن ينظر إلى الأليق بالمذهب والأجرى على قوانينه فيجعل هو المراد المعتزم منهما ويتأول الآخر إن أمكن.

стр. 213

وذلك كقوله ١: حتى الناصبة للفعل وقد تكرر من قوله أنها حرف من حروف الجر وهذا ناف لكونها ناصبة له, من حيث كانت عوامل الأسماء لا تباشر الأفعال فضلًا عن أن تعمل فيها. وقد استقر من قوله في غير مكان ذكر عدة الحروف الناصبة للفعل وليست فيها حتى. فعلم بذلك وبنصه٢ عليه في غير هذا الموضع أن "أن " مضمرة عنده بعد حتى كما تضمر مع اللام الجارة في نحو قوله سبحانه ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ونحو ذلك. فالمذهب إذًا هو هذا. ووجه القول في الجمع بين القولين بالتأويل أن الفعل لما انتصب بعد حتى ولم تظهر هناك "أن " وصارت٣ حتى عوضًا منها ونائبة عنها نسب٤ النصب إلى "حتى " وإن كان في الحقيقة لـ "أن ". ومثله معنى لا إعرابًا قول الله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ . فظاهر هذا تناف بين الحالتين؛ لأنه أثبت في أحد القولين ما نفاه قبله ٥: وهو قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ . ووجه الجمع بينهما أنه لما كان الله أقدره على الرمي ومكنه منه وسدده له وأمره به فأطاعه في فعله نسب الرمي إلى الله وإن كان مكتسبًا للنبي ﷺ مشاهدًا منه ٦. ومثله معنى قولهم: أذن ولم يؤذن, وصلى ولم يصل؛ ليس أن الثاني ناف للأول لكنه لما لم يعتقد الأول مجزئًا لم يثبته صلاة ولا أذانًا.

стр. 214

وكلام العرب لمن عرفه وتدرب بطريقها فيه جار مجرى السحر لطفًا, وإن جسا١ عنه أكثر من ترى وجفا. ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادين, غير أنه قد نص في أحدهما على الرجوع عن القول الآخر فيعلم بذلك أن رأيه مستقر على ما أثبته ولم ينفه وأن القول الآخر مطرح من رأيه. فإن تعارض القولان مرسلين غير مبان أحدهما من صاحبه بقاطع يحكم عليه به بحث عن تاريخهما, فعلم أن الثاني هو ما اعتزمه, وأن قوله به انصراف منه عن القول الأول إذ٢ لم يوجد في أحدهما ما يماز به عن صاحبه. فإن استبهم الأمر فلم يعرف التاريخ وجب سبر المذهبين, وإنعام الفحص عن حال القولين , فإن كان أحدهما أقوى من صاحبه وجب إحسان الظن بذلك العالم وأن ينسب إليه أن٣ الأقوى منهما هو قوله الثاني الذي به يقول وله يعتقد وأن الأضعف منهما هو الأول منهما الذي تركه إلى الثاني. فإن تساوى القولان في القوة وجب أن يعتقد فيهما أنهما رأيان له؛ فإن الدواعي إلى تساويهما فيهما عند الباحث عنهما هي الدواعي التي دعت القائل بهما إلى أن أعتقد كلا منهما. هذا بمقتضى العرف وعلى إحسان الظن فأما القطع البات فعند الله علمه. وعليه طريق الشافعي في قوله بالقولين فصاعدًا. وقد كان أبو الحسن ركابًا٤ لهذا الثبج٥ آخذًا به, غير محتشم منه, وأكثر كلامه في عامة كتبه عليه. "وكنت٦ إذا

стр. 215

ألزمت عند أبي علي ﵀ قولا لأبي الحسن شيئًا لا بد للنظر من إلزامه إياه يقول لي: مذاهب أبي الحسن كثيرة ". ومن الشائع في الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس تتبع١ به كلام سيبويه وسماه مسائل الغلط. فحدثني أبو علي عن أبي بكر٢ أن أبا العباس كان يعتذر منه ويقول ٣: هذا شيء كنا رأيناه في أيام الحداثة, فأما الآن فلا. وحدثنا أبو علي قال: كان أبو يوسف٤ إذا أفتى بشيء٥ أو أمل٦ شيئًا فقيل له: قد قلت في موضع كذا غير هذا يقول: هذا يعرفه من يعرفه أي إذا أنعم النظر في القولين وجدا مذهبًا واحدًا. وكان أبو علي ﵀ يقول في هيهات: أنا أفتي مرة بكونها اسمًا سمي به الفعل كصه ومه وأفتي مرة أخرى بكونها ظرفًا٧، على قدر ما يحضرني في الحال. وقال مرة أخرى: إنها وإن كانت ظرفًا فغير ممتنع أن تكون٨ مع ذلك اسمًا سمي به الفعل كعندك ودونك. وكان إذا سمع شيئًا من كلام أبي الحسن يخالف قوله يقول: عكر٩ الشيخ. وهذا ونحوه من خلاج الخاطر وتعادي المناظر هو الذي دعا أقوامًا إلى أن قالوا بتكافؤ الأدلة١٠، واحتملوا أثقال الصغار والذلة.

стр. 216

وحدثني أبو علي؛ قال: قلت لأبي عبد الله البصري: أنا أعجب من هذا الخاطر في حضوره تارة ومغيبه أخرى. وهذا يدل على أنه من عند الله. فقال: نعم هو من عند الله إلا أنه لا بد من تقديم النظر ألا ترى أن حامدًا البقال لا يخطر له. ومن طريف١ حديث هذا الخاطر أنني كنت منذ زمان طويل رأيت رأيًا جمعت فيه بين معنى آية ومعنى قول الشاعر ٢: وكنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر ولم أثبت حينئذ شرح حال الجمع بينهما ثقة بحضوره متى استحضرته ثم إني الآن -وقد مضى له سنون- أعان٣ الخاطر وأستثمده٤، وأفانيه٥ وأتودده على أن يسمح لي بما كان أرانيه من الجمع بين معنى الآية والبيت وهو معتاص متأب وضنين به غير معط. وكنت وأنا أنسخ التذكرة لأبي علي إذا مر بي شيء قد كنت رأيت طرفًا منه أو ألممت به فيما قبل أقول له: قد كنت شارفت هذا الموضع وتلوح لي بعضه ولم أنته إلى آخره وأراك أنت قد جئت به واستوفيته وتمكنت فيه فيبتسم ﵀ له ويتطلق٦ إليه؛ سرورًا باستماعه، ومعرفة بقدر نعمة الله عنده فيه، وفي أمثاله.

стр. 217

وقلت مرة لأبي١ بكر أحمد بن علي الرازي ﵀ وقد أفضنا في ذكر أبي علي ونبل قدره ونباوة٢ محله: أحسب أن أبا علي قد خطر له وانتزع من علل هذا العلم ثلث٣ ما وقع لجميع أصحابنا, فأصغى أبو بكر إليه ولم يتبشع هذا القول عليه. وإنما تبسطت في هذا الحديث ليكون باعثًا على إرهاف الفكر واستحضار الخاطر والتطاول إلى ما أوفى نهده, وأوعر سمته وبالله سبحانه الثقة. باب في الدور٤ والوقوف منه على أول رتبة هذا موضع كان أبو حنيفة ﵀ يراه ويأخذ به. وذلك أن تؤدي الصنعة إلى حكم ما مثله مما يقتضي التغيير؛ فإن أنت غيرت صرت٥ أيضًا إلى مراجعة مثل ما منه هربت. فإذا حصلت على هذا وجب أن تقيم على أول رتبة،

стр. 218

ولا تتكلف عناء ولا مشقة. وأنشدنا أبو علي ﵀ غير دفعة١ بيتًا مبني معناه على هذا وهو: رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا٢ وذلك كأن تبني من قويت مثل رسالة فتقول على التذكير٣: قواءة وعلى التأنيث: قواوة, ثم تكسرها على حد قول الشاعر ٤: موالي حلف لا موالي قرابة ... ولكن قطينا يحلبون الأتاويا٥ جمع إتاوة؛ فيلزمك أن تقول حينئذ: قواوٍ فتجمع بين واوين مكتنفتي ألف التكسير, ولا حاجز بين الأخيرة منهما وبين الطرف. ووجه ذلك أن الذي قال "الأتاويا " إنما أراد جمع إتاوة, وكان قياسه أن يقول: أتاوى؛ كقوله في علاوة وهراوة: علاوى وهراوى غير أن هذا الشاعر سلك طريقًا أخرى غير هذه. وذلك أنه لما كسر إتاوة حدث في مثال التكسير همزة بعد ألفه بدلا من ألف فعالة كهمزة رسائل وكنائن فصار التقدير به إلى أتاء، ثم تبدل٦ من كسرة الهمزة فتحة؛ لأنها عارضة في الجمع, واللام معتلة

стр. 219

كباب مطايا, وعطايا, فتصير حينئذ إلى أتاءيَ ثم تبدل من الياء ألفًا فتصير إلى أتاءا ثم تبدل من الهمزة واوًا؛ لظهورها لامًا في الواحد؛ فتقول: أتاوى كعلاوى. وكذا تقول العرب في تكسير إتاوة: أتاوى. غير أن هذا الشاعر لو فعل ذلك لأفسد قافيته فاحتاج إلى قرار الكسرة بحالها لتصح بعدها الياء التي هي روي القافية كما معها من القوافي التي هي "الروابيا " و "الأدانيا" ونحو ذلك فلم يستجز أن يقر الهمزة العارضة في الجمع بحالها إذ كانت العادة في هذه الهمزة أن تعل وتغير إذا كانت اللام معتلة فرأى إبدال همزة أتاء واوًا ليزول لفظ الهمزة التي من عادتها في هذا الموضع أن تعل ولا تصح لما ذكرنا فصار "الأتاويا ". وكذلك قياس فعالة من القوة إذا كسرت أن تصير بها الصنعة إلى قواء ثم تبدل من الهمزة الواو كما فعل من قال "الأتلويا " فيصير اللفظ إلى قواو. فإن أنت استوحشت من اكتناف الواوين لألف التكسير على هذا الحد وقلت: أهمز كما همزت١ في أوائل لزمك أن تقول: قواء؛ ثم يلزمك ثانيًا أن تبدل من هذه الهمزة الواو على ما مضى من حديث " الأتاويا " فتعاود أيضًا قواو ثم لا تزال بك قوانين الصنعة إلى أن تبدل من الهمزة الواو ثم من الواو الهمزة ثم كذلك ثم كذلك إلى ما لا غاية٢. فإن أدت الصنعة إلى هذا ونحوه وجبت الإقامة٣ على أول رتبة منه وألا تتجاوز إلى أمر ترد٤ بعد إليها, ولا توجد٥ سبيلا ولا منصرفًا عنها.

стр. 220

فإن قلت: إن بين المسألتين فرقًا. وذلك أن الذي قال "الأتاويا " إنما دخل تحت هذه الكلفة والتزم ما فيها من المشقة وهي ضرورة واحدة وأنت إذا قلت في تكسير مثال فعالة من القوة: قواو قد التزمت ضرورتين: إحداهما إبدالك١ الهمزة الحادثة في هذا المثال واوًا على ضرورة " الأتاويا" والأخرى كنفك الألف بالواوين مجاورًا آخرهما الطرف فتانك ضرورتان, وإنما هي في "الأتاويا " واحدة. وهذا فرق, يقود إلى اعتذار وترك. قيل: هذا ساقط وذلك أن نفس السؤال قد كان ضمن ما يلغي هذا الاعتراض؛ ألا ترى أنه كان: كيف٢ يكسر مثال فعالة من القوة على قول من قال "الأتاويا "؟ والذي قال ذلك كان قد أبدل من الهمزة العارضة في الجمع واوًا فكذلك فأبدلها أنت أيضًا في مسألتك. فأما كون ما قبل الألف واوًا أو غير ذلك من الحروف فلم يتضمن السؤال ذكرًا له ولا عيجًا٣, فلا يغني إذًا ذكره ولا الاعتراض على ما مضى بحديثه أفلا ترى أن هذا الشاعر لو كان يسمح نفسًا بأن يقر هذه الهمزة العارضة في أتاء مكسورة بحالها كما أقرها الآخر في قوله ٥: له ما رأت عين البصير وفوقه ... سماء الإله فوق سبع سمائيا٦

стр. 221

وكان أبو علي ينشدنا١: . .. فوق ست سمائيا لقال " الأتائيا" كقوله "سمائيا ". فقد علمت بذلك شدة نفوره عن إقرار الهمزة العارضة في هذا الجمع مكسورة. وإنما اشتد ذلك عليه ونبا عنه لأمر ليس موجودًا في واحد "سمائيا " الذي هو٢ سماء. وذلك أن في إتاوة واوًا ظاهرة, فكما أبدل غيره منها الواو مفتوحة في قوله " الأتاوى" كالعلاوى والهراوى؛ تنبيهًا على كون الواو ظاهرة في واحدة -أعني إتاوة- كوجودها في هراوة وعلاوة كذلك أبدل منها الواو في أتاو وإن كانت مكسورة شحًا على الدلالة على حال الواحد وليس كذلك قوله: ... فوق سبع سمائيا ألا ترى أن لام واحده ليست واوًا في اللفظ فتراعى في تكسيره؛ كما روعيت في تكسير هراوة وعلاوة. فهذا فرق -كما تراه- واضح. نعم، وقد يلتزم الشاعر لإصلاح البيت ما تتجمع فيه أشياء مستكرهة لا شيئان اثنان: وذلك أكثر من أن يحاط به. فإذا كان كذلك لزم ما رمناه وصح به ما قدمناه. فهذا طريق ما يجيء عليه؛ فقس ما يرد عليك به.

стр. 222

باب في الحمل عل أحسن الأقبحين ... باب في الحمل ١ على أحسن الأقبحين: اعلم أن هذا موضع من مواضع الضرورة المميلة ٢. وذلك أن تحضرك الحال ضرورتين لا بد من ارتكاب إحداهما فينبغي حينئذ أن تتحمل الأمر على أقربهما وأقلهما فحشًا. وذلك كواو "ورنتل "٣ أنت فيها بين ضرورتين: إحداهما أن تدعي كونها أصلا في ذوات الأربعة غير مكررة والواو لا توجد في ذوات الأربعة إلا مع

стр. 223

التكرير؛ نحو الوصوصة, والوحوحة, وضوضيت, وقوقيت. والآخر أن تجعلها زائدة أولا والواو لا تزاد أولا. فإذا كان كذلك كان أن تجعلها أصلا أولى من أن تجعلها زائدة وذلك أن الواو قد تكون أصلا في ذوات الأربعة على وجه من الوجوه أعني في حال التضعيف. فأما أن تزاد أولا فإن هذا أمر لم يوجد على حال. فإذا كان كذلك رفضته ولم تحمل الكلمة عليه. ومثل ذلك قولك: فيها قائمًا١ رجل. لما كنت بين أن ترفع قائمًا فتقدم الصفة على الموصوف -وهذا لا يكون- وبين أن تنصب الحال من النكرة -وهذا على قلته جائز- حملت المسئلة على الحال فنصبت. وكذلك ما قام إلا زيدًا أحد, عدلت إلى النصب؛ لأنك إن رفعت لم تجد قبله ما تبدله منه, وإن نصبت دخلت تحت تقديم المستثنى على ما استثني منه. وهذا وإن كان ليس في قوة تأخيره عنه فقد جاء على كل حال. فاعرف ذلك أصلا في العربية تحمل عليه غيره. باب٢ في حمل الشيء على الشيء من غير الوجه الذي أعطى الأول ذلك الحكم: علم أن هذا باب طريقه الشبه اللفظي؛ وذلك كقولنا في الإضافة٣ إلى ما فيه التأنيث بالواو وذلك نحو حمراوي وصفراوي وعشراوي. وإنما قلبت الهمزة فيه ولم تقر بحالها لئلا تقع علامة التأنيث حشوًا. فمضى هذا على هذا لا يختلف.

стр. 224

ثم إنهم قالوا في الإضافة إلى عِلباء: علباوي, وإلى حِرباء: حرباوي؛ فأبدلوا هذه الهمزة وإن لم تكن للتأنيث, لكنها لما شابهت همزة حمراء وبابها بالزيادة حملوا عليها همزة علباء. ونحن نعلم أن همزة حمراء لم تقلب في حمراوي لكونها زائدة فتشبه بها همزة علباء من حيث كانت زائدة مثلها لكن لما اتفقتا في الزيادة حملت همزة علباء على همزة حمراء. ثم إنهم تجاوزوا هذا إلى أن قالوا في كساء وقضاء: كساوي وقضاوي فأبدلوا الهمزة واوًا حملا لها على همزة علباء من حيث كانت همزة كساء وقضاء مبدلة من حرف ليس للتأنيث فهذه علة غير الأولى ألا تراك لم تبدل همزة علباء واوًا في علباوي لأنها ليست للتأنيث فتحمل عليها همزة كساء وقضاء من حيث كانتا لغير التأنيث. ثم إنهم قالوا من بعد في قراء: قراوي فشبهوا همزة قراء بهمزة كساء من حيث كانتا أصلا غير زائدة كما أن همزة كساء غير زائدة. وأنت لم تكن أبدلت همزة كساء في كساوي من حيث كانت غير زائدة لكن هذه أشباه لفظية يحمل أحدها على ما قبله تشبثًا به وتصورًا له. وإليه وإلى نحوه أومأ سيبويه بقوله: وليس شيء يضطرون١ إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا. وعلى ذلك قالوا: صحراوات فأبدلوا الهمزة واوًا لئلا يجمعوا بين علمي تأنيث ثم حملوا التثنية عليه من حيث كان هذا الجمع على طريق التثنية ثم قالوا: علباوان حملا بالزيادة على حمراوان ثم قالوا: كساوان تشبيهًا له بعلباوان ثم قالوا: قُرّاوان حملا له على كساوان على ما تقدم.

стр. 225

وسبب هذه الحمول والإضافات والإلحاقات كثرة هذه اللغة وسعتها وغلبة حاجة أهلها إلى التصرف فيها والتركح١ في أثنائها٢ لما يلابسونه ويكثرون استعماله من الكلام المنثور والشعر الموزون والخطب والسجوع ولقوة إحساسهم في كل شيء شيئًا وتخيلهم ما لا يكاد يشعر به من لم يألف مذاهبهم. وعلى هذا ما منع الصرف من الأسماء للشبه اللفظي نحو أحمر وأصفر وأصرم وأحمد وتألب وتنضب علمين٣؛ لما في ذلك من شبه لفظ الفعل فحذفوا التنوين من الاسم لمشابهته ما لا حصة له في التنوين وهو الفعل. والشبه اللفظي كثير. وهذا كاف.

стр. 226

باب في الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني: اعلم أن هذا الباب من أشرف فصول العربية وأكرمها وأعلاها وأنزهها. وإذا تأملته عرفت منه وبه ما يؤنقك ويذهب١ في الاستحسان له كل مذهب بك. وذلك أن العرب كما تعنى بألفاظها فتصلحها وتهذبها وتراعيها٢، وتلاحظ أحكامها بالشعر تارة وبالخطب أخرى وبالأسجاع التي تلتزمها وتتكلف استمرارها فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأفخم قدرًا في نفوسها. فأول ذلك عنايتها بألفاظها. فإنها لما كانت عنوان معانيها وطريقًا إلى إظهار أغراضها ومراميها أصلحوها ورتبوها٣، وبالغوا في تحبيرها وتحسينها؛ ليكون

стр. 227

ذلك أوقع لها في السمع وأذهب بها في الدلالة على القصد ألا ترى أن المثل إذا كان مسجوعا لذ لسامعه فحفظه فإذا هو حفظه كان جديرًا باستعماله ولو لم يكن مسجوعًا لم تأنس النفس به١، ولا أنقت لمستمعه٢، وإذا كان كذلك لم تحفظه وإذا لم تحفظه لم تطالب أنفسها باستعمال ما وضع له وجيء به من أجله. وقال لنا أبو علي يومًا: قال لنا أبو بكر ٣: إذا لم تفهموا كلامي فاحفظوه فإنكم إذا حفظتموه فهمتموه. وكذلك الشعر: النفس له أحفظ وإليه أسرع ألا ترى أن الشاعر قد يكون راعيًا جلفًا أو عبدًا عسيفًا تنبو صورته وتمج جملته٤، فيقول ما يقوله من الشعر فلأجل قبوله وما يورده عليه من طلاوته٥، وعذوبة مستمعه٦ ما يصير قوله حكمًا يرجع إليه ويقتاس٧ به ألا ترى إلى قول العبد الأسود ٨: إن كنت عبدًا فنفسي حرة كرمًا ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق وقول نصيب ٩: سودت فلم١٠ أملك سوادي وتحته ... قميص من القوهي بيض بنائقه١١

стр. 228

وقول الآخر ١: إني وإن كنت صغيرًا٢ سني ... وكان في العين نبوٌ عني فإن شيطاني أمير الجن ... يذهب بي في الشعر كل فن حتى يزيل عني التظني فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها وحموا حواشيها وهذبوها وصقلوا غروبها٣ وأرهفوها فلا ترين أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني وتنويه "بها"٤ وتشريف منها. ونظير ذلك إصلاح الوعاء وتحصينه وتزكيته٥، وتقديسه وإنما المبغي٦ بذلك منه٧ الاحتياط للموعى عليه٨ وجواره بما يعطر بشره٩ ولا١٠ يعر جوهره كما قد نجد من المعاني الفاخرة السامية ما يهجنه١١ ويغض منه كدرة١٢ لفظه وسوء العبارة عنه. فإن قلت: فإنا نجد من ألفاظهم ما قد نمقوه وزخرفوه ووشوه ودبجوه ولسنا نجد مع ذلك تحته معنى شريفًا بل لا نجد قصدًا١٣ ولا مقاربًا؛ ألا ترى إلى قوله ١٤:

стр. 229

ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح فقد ترى إلى علو هذا اللفظ ومائه, وصقاله وتلامح١ أنحائه, ومعناه مع هذا ما تحسه وتراه: إنما هو: لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين, وتحدثنا على ظهور الإبل. ولهذا نظائر كثيرة شريفة الألفاظ رفيعتها مشروفة المعاني خفيضتها. قيل: هذا الموضع قد سبق إلى التعلق به من لم ينعم النظر فيه, ولا رأى ما أراه٢ القوم منه, وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر, وخفاء غرض الناطق. وذلك أن في قوله " كل حاجة" "ما"٣ يفيد منه أهل النسيب والرقة، وذوو٤ الأهواء والمقة ما لا يفيده غيرهم, ولا يشاركهم فيه من ليس منهم ألا ترى أن من حوائج "منى" أشياء كثيرة غير ما الظاهر عليه والمعتاد فيه سواها٥؛ لأن منها التلاقي، ومنها التشاكي٦، ومنها التخلي٨، إلى غير ذلك مما هو تال له ومعقود الكون به. وكأنه صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه وعقد غرضه عليه بقوله في آخر البيت: ومسح بالأركان من هو ماسح

стр. 230

أي إنما كانت حوائجنا التي قضيناها, وآرابنا التي أنضيناها١، من هذا النحو الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به وجار في القربة من الله مجراه أي لم يتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح. وأما البيت الثاني فإن فيه: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وفي هذا ما أذكره لتراه فتعجب ممن عجب منه ووضع من معناه. وذلك أنه لو قال: أخذنا في أحاديثنا ونحو ذلك لكان فيه معنى يكبره أهل النسيب وتعنو له ميعة٢ الماضي الصليب. وذلك أنهم قد شاع عنهم واتسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الأليفين والفكاهة بجمع شمل المتواصلين؛ ألا ترى إلى قول الهذلي ٣: وإن حديثًا منك لو تعلمينه ... جنى النخل في ألبان عوذ مطافل٤ وقال آخر: وحديثها كالغيث يسمعه ... راعى سنين تتابعت جدبا فأصاخ يرجو أن يكون حيًّا ... ويقول من فرح هيا ربا٥ وقال الآخر ٦: وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... جنونًا فزدني من حديثك يا سعد

стр. 231

وقال المولد ١: وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز الأبيات الثلاثة. فإذا كان قدر الحديث -مرسلا- عندهم هذا, على ما ترى فكيف به إذا قيده بقوله "بأطراف الأحاديث ". وذلك أن قوله٢: "أطراف الأحاديث " وحيًا خفيًّا ورمزًا حلوًا ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ويتفاوضه٣ ذوو الصبابة المتيمون من التعريض والتلويح والإيماء دون التصريح وذلك أحلى وأدمث وأغزل وأنسب من أن يكون مشافهة وكشفًا, ومصارحة وجهرًا وإذا كان كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم وأشد تقدمًا في نفوسهم من لفظهما وإن عذب موقعه وأنق له مستمعه. نعم، وفي قوله: وسالت بأعناق المطي الأباطح من الفصاحة ما لا خفاء به. والأمر في هذا أسير، وأعرف وأشهر. فكأن العرب إنما تحلى ألفاظها وتدبجها وتشيها وتزخرفها عناية بالمعاني التي وراءها وتوصلا بها إلى إدراك مطالبها وقد قال رسول الله ﷺ : "إن من الشعر لحكمًا وإن من البيان لسحرًا" ٤. فإذا كان رسول الله ﷺ يعتقد هذا في ألفاظ هؤلاء القوم التي جعلت مصايد وأشراكًا للقلوب وسببًا وسلمًا إلى تحصيل المطلوب عرف بذلك أن الألفاظ خدم للمعاني والمخدوم -لا شك- أشرف من الخادم.

стр. 232

والأخبار في التلطف بعذوبة الألفاظ إلى قضاء الحوائج أكثر من أن يؤتى عليها أو يتجشم للحال "نعت لها"١، ألا ترى إلى قول بعضهم وقد سأل آخر حاجة فقال المسئول: إن علي يمينًا ألا أفعل هذا. فقال له السائل: إن كنت -أيدك الله- لم تحلف يمينًا قط على أمر فرأيت غيره خيرًا منه فكفرت عنها له وأمضيته فما أحب أن أحنثك وإن كان ذلك قد كان منك فلا تجعلني أدون الرجلين عندك. فقال له: سحرتني, وقضى حاجته. وندع هذا ونحوه لوضوحه, ولنأخذ لما كنا عليه فتقول: مما يدل على اهتمام العرب بمعانيها وتقدمها٢ في أنفسها على٣ ألفاظها أنهم قالوا في شمللت٤, وصعررت٥، وبيطرت، وحوقلت٦، ودهورت٧، وسلقيت٨، وجعبيت ٩: إنها ملحقة بباب دحرجت. وذلك أنهم وجدوها على سمتها١٠: عدد حروف وموافقة بالحركة والسكون, فكانت هذه صناعة لفظية, ليس فيها أكثر من إلحاقها ببنائها, واتساع العرب بها في محاوراتها, وطرق كلامها. والدليل على أن فعللت وفعيلت وفوعلت وفعليت ملحقة بباب دحرجت مجيء مصادرها على مثل مصادر باب دحرجت. وذلك قولهم: الشمللة والبيطرة والحوقلة والدهورة والسلقاة والجعباة. فهذا "ونحوه"١١ كالدحرجة والهملجة١٢،

стр. 233

والقوقاة والزوزاة. فلما جاءت مصادرها١ الرباعية والمصادر أصول للأفعال حكم بإلحاقها بها ولذلك استمرت في تصريفها استمرار ذوات الأربعة. فقولك: بيطر يبيطر بيطرة كدحرج يدحرج دحرجة ومبيطر كمدحرج. وكذلك شملل يشملل شمللة وهو مشملل. فظهور٢ تضعيفه على هذا الوجه أوضح دليل على إرادة إلحاقه. ثم إنهم قالوا: قاتل يقاتل قتالًا ومقاتلة وأكرم يكرم إكرامًا وقطع يقطع تقطيعًا فجاءوا بأفعل وفاعل وفعل غير ملحقة بدحرج وإن كانت على سمته وبوزنه كما كانت فعلل وفيعل وفوعل وفعول وفعلى على سمته ووزنه ملحقة ٣. والدليل على أن فاعل وأفعل وفعل غير ملحقة بدحرج وبابه امتناع مصادرها أن تأتي على مثال الفعللة ألا تراهم لا يقولون: ضارب ضاربة ولا أكرم أكرمة ولا قطع قطعة فلما امتنع فيها هذا -وهو العبرة في صحة الإلحاق- علم أنها ليست ملحقة بباب دحرج. فإذا قيل: فقد تجيء مصادرها من غير هذا الوجه على مثال مصادر ذوات الأربعة ألا تراهم يقولون: قاتل قيتالا٤، وأكرم إكرامًا ﴿وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ فهذا بوزن الدحراج, والسرهاف, والزلزال, والقلقال؛ قال ٥: سرهفته ما شئت من سرهاف

стр. 234

قيل: الاعتبار بالإلحاق بها ليس إلا من جهة الفعللة, دون الفعلال, وبه كان يعتبر سيبويه. ويدل على صحة ذلك أن مثال الفعللة لا زيادة فيه فهو بفعلل أشبه من مثال الفعلال والاعتبار١ بأصول أشبه منه وأوكد منه بالفروع. فإن قلت: ففي الفعللة الهاء زائدة قيل: الهاء في غالب أمرها وأكثر أحوالها غير معتدة من حيث كانت في تقدير المنفصلة. فإن قيل: فقد صح إذًا أن فاعل وأفعل وفعّل -وإن كانت بوزن دحرج- غير ملحقة به, فلم لم تلحق به؟ قيل: العلة في ذلك أن كل واحد من هذه المثل جاء بمعنى. فأفعل للنقل وجعل الفاعل مفعولا؛ نحو دخل وأدخلته, وخرج, وأخرجته. ويكون أيضًا للبلوغ نحو أحصد الزرع, وأركب المهر, وأقطف الزرع, ولغير ذلك من المعاني. وأما فاعل فلكونه من اثنين فصاعدًا نحو ضارب زيد عمرًا وشاتم جعفر بشرًا ٢. وأما فعّل فللتكثير نحو غلّق الأبواب وقطّع الحبال وكسّر الجرار. فلما كانت هذه الزوائد في هذه المثل إنما جيء بها للمعاني خشوا إن هم جعلوها ملحقة بذوات الأربعة أن يقدر أن غرضهم فيها إنما هو إلحاق اللفظ باللفظ؛ نحو شملل, وجهور, وبيطر, فتنكبوا إلحاقها بها؛ صونًا للمعنى وذبًّا عنه أن يستهلك ويسقط حكمه, فأخلوا بالإلحاق لما كان صناعة لفظية، ووقروا٣ المعنى

стр. 235

ورجبوه؛ لشرفه عندهم وتقدمه في أنفسهم. فرأوا الإخلال باللفظ في جنب الإخلال بالمعنى يسيرًا سهلا وحجمًا محتقرًا. وهذا الشمس إنارة مع أدنى تأمل. ومن ذلك أيضًا أنهم لا يلحقون الكلمة من أولها إلا أن يكون مع الحرف الأول غيره ألا ترى أن "مَفعلًا " لما كانت زيادته في أوله لم يكن ملحقًا بها١، نحو: مَضرب ومَقتل. وكذلك "مِفعل " نحو: مِقطع ومِنسج وإن كان مَفعل بوزن جعفر ومِفعل بوزن هِجرع ٢. يدل على أنهما ليسا ملحقين بهما ما نشاهده من ادغامهما٣ نحو مسد ومرد ومتل٤ ومشل ٥. ولو كانا ملحقين لكانا حري أن يخرجا على أصولهما كما خرج شملل وصعرر على أصله. فأما محبب فعلم خرج شاذًا كتهلل ومكوزة ونحو ذلك مما احتمل لعلميته. وسبب امتناع مَفعل ومِفعل أن يكونا ملحقين -وإن كانا على وزن جعفر, وهجرع- أن الحرف الزائد في أولهما٦، وهو لمعنى؛ وذلك أن مَفعلا يأتي للمصادر نحو ذهب مذهبًا ودخل مدخلا وخرج مخرجًا. ومِفعلا يأتي للآلات٧، والمستعملات؛ نحو مِطرق ومِروح٨ ومِخصف٩ ومئزر. فلما كانت الميمان ذواتي معنى خشوا إن هم ألحقوا بهما أن يتوهم أن الغرض فيهما إنما هو الإلحاق حسب فيستهلك المعنى المقصود بهما فتحاموا الإلحاق بهما ليكون ذلك موفرًا على المعنى لهما. ويدلك على تمكن المعنى في أنفسهم وتقدمه للفظ عندهم تقديمهم لحرف المعنى في أول الكلمة, وذلك لقوة العناية به فقدموا دليله ليكون ذلك أمارة لتمكنه عندهم.

стр. 236

وعلى ذلك تقدمت حروف المضارعة في أول الفعل إذ كن دلائل على الفاعلين: من هم وما هم وكم عدتهم نحو أفعل ونفعل وتفعل ويفعل وحكموا بضد " هذا لِلّفظ"١؛ ألا ترى إلى٢ ما قاله أبو عثمان٣ في الإلحاق: إن أقيَسه أن يكون بتكرير اللام فقال: باب شمللت وصعررت أقيس من باب حوقلت وبيطرت وجهورت. أفلا ترى إلى حروف المعاني: كيف بابها التقدم وإلى حروف الإلحاق والصناعة: كيف بابها التأخر. فلو لم يعرف سبق المعنى عندهم وعلوه في تصورهم إلا بتقديم دليله وتأخر دليل نقيضه لكان مغنيًا من غيره كافيًا. وعلى هذا حشوا بحروف المعاني فحصنوها بكونها حشوًا وأمنوا عليها ما لا يؤمن على الأطراف المعرضة للحذف والإجحاف. وذلك كألف التكسير وياء التصغير نحو دارهم ودريهم وقماطر وقميطر. فجرت في ذلك -لكونها حشوًا- مجرى عين الفعل المحصنة في غالب الأمر المرفوعة عن حال الطرفين من الحذف ألا ترى إلى كثرة باب عدة وزنة وناس٤، والله في أظهر٥ قولي سيبويه، وما حكاه أبو زيد من قولهم لاب٦ لك وويلِمّهِ٧،

стр. 237

ويا با١ المغيرة وكثرة باب يد ودم وأخ وأب وغَد وهَن وحِر واست وباب ثُبة وقُلة وعِزَة وقلة باب٢ مُذ وسَه: إنما هما هذان الحرفان بلا خلاف. وأما ثُبة٣ ولِثة فعلى الخلاف. فهذا يدلك على ضنهم بحروف المعاني وشحهم عليها: حتى قدموها عناية بها أو وسطوها تحصينًا لها. فإن قلت: فقد نجد حرف المعنى آخرًا كما نجده أولا ووسطًا. وذلك تاء التأنيث وألف التثنية وواو الجمع على حده والألف والتاء في المؤنث٤، وألفا التأنيث في حمراء وبابها وسكرى وبابها وياء الإضافة كهني٥، فما ذلك؟ قيل: ليس شيء مما تأخرت فيه علامة معناه إلا لعاذر مقنع. وذلك أن تاء التأنيث إنما جاءت في طلحة٦ وبابها آخرًا من قبل أنهم أرادوا أن يعرفونا تأنيث ما هو وما مذكره فجاءوا بصورة المذكر كاملة مصححة ثم ألحقوها تاء التأنيث ليعلموا حال صورة التذكير وأنه قد استحال بما لحقه إلى التأنيث فجمعوا بين الأمرين ودلوا على الغرضين. ولو جاءوا بعلم التأنيث حشوًا لانكسر المثال ولم يعلم تأنيث أي شيء هو.

стр. 238

فإن قلت: فإن ألف التكسير وياء التحقير قد تكسران مثال الواحد والمكبر وتخترمان صورتيهما لأنهما حشو لا آخر. وذلك قولك دفاتر ودفيتر وكذلك كليب وحجير ونحو ذلك قيل: أما التحقير فإنه أحفظ للصورة من التكسير ألا تراك تقول في تحقير حبلى: حبيلى وفي صحراء: صحيراء فتقر ألف التأنيث بحالها فإذا كسرت قلت: حبالى وصحارى وأصل حبالى حبال كدعاو وتكسير دعوى فتغير علم التأنيث. وإنما كان الأمر كذلك من حيث كان تحقير الاسم لا يخرجه عن رتبته الأولى -أعني الإفراد- فأقر "بعض لفظه"١ لذلك وأما التكسير فيبعده عن الواحد الذي هو الأصل فيحتمل التغيير لا سيما مع اختلاف معاني الجمع فوجب اختلاف اللفظ. وأما ألف٢ التأنيث المقصورة والممدودة فمحمولتان على تاء التأنيث وكذلك علم التثنية والجمع على حده لاحق بالهاء أيضًا. وكذلك ياء النسب. وإذا كان الزائد غير ذي المعنى قد قوي سببه حتى لحق بالأصول عندهم فما ظنك بالزائد ذي المعنى وذلك قولهم في اشتقاق الفعل من قلنسوة تارة: تقلنس وأخرى: تقلسى فأقروا النون وإن كانت زائدة وأقروا أيضًا الواو حتى قلبوها ياء في تقلسيت. وكذلك قالوا: قَرنُوة٣ فلما اشتقوا الفعل منها قالوا قرنيت السقاء فأثبتوا الواو كما أثبتوا بقية حروف الأصل: من القاف والراء والنون ثم قلبوها ياء في قرنيت. هذا مع أن الواو في قرنوة زائدة للتكثير والصيغة لا للإلحاق ولا للمعنى وكذلك الواو في قلنسوة للزيادة غير الإلحاق وغير المعنى. وقالوا في نحوه: تعفرت الرجل إذا

стр. 239

صار عفريتًا فهذا تفعلت؛ وعليه جاء تمسكن وتمدرع١، وتمنطق وتمندل٢، ومخرق٣، وكان يسمى محمدًا ثم تمسلم أي صار يسمى مسلمًا و "مرحبك الله ومسهلك "٤ فتحملوا ما فيه تبقية الزائد مع الأصل في حال الاشتقاق كل ذلك توفية٥ للمعنى وحراسة له ودلالة عليه. ألا تراهم إذ قالوا: تدرع وتسكن وإن كانت أقوى اللغتين عند أصحابنا فقد عرضوا أنفسهم لئلا يعرف غرضهم: أمن الدرع والسكون أم من المدرعة والمسكنة وكذلك بقية الباب. ففي هذا شيئان: أحدهما حرمة الزائد في الكلمة عندهم حتى أقروه إقرار الأصول. والآخر ما يوجبه ويقضى به: من ضعف تحقير الترخيم وتكسيره عندهم لما يقضى به ويفضي بك إليه: من حذف الزوائد على معرفتك بحرمتها عندهم. فإن قلت: فإذا كان الزائد إذا وقع أولا للإلحاق فكيف ألحقوا بالهمزة في ألَندد٦ وألَنجج٧ والياء في يلَندد٦ ويلَنجج٧ والدليل على الإلحاق ظهور التضعيف؟ قيل: قد قلنا قبل: إنهم لا يلحقون الزائد من أول الكلمة إلا أن يكون معه زائد آخر فلذلك جاز الإلحاق بالهمزة والياء في ألندد ويلندد لما انضم إلى الهمزة والياء والنون.

стр. 240

وكذلك ما جاء عنهم١ من إنقحل٢ -في قول صاحب٣ الكتاب- ينبغي أن تكون الهمزة في أوله للإلحاق -بما اقترن بها من النون- بباب جِردَحل. ومثله ما رويناه عنهم من قولهم: رجل إنزَهوٌ، وامرأة إنزَهوة، ورجال إنزهوون، ونساء إنزهوات إذا كان٤ ذا زهو فهذا إذًا إنفعل. ولم يحك سيبويه من هذا الوزن إلا إنقحلا وحده وأنشد الأصمعي٥ ﵀: لما رأتني خَلَقًا إنقَحلا ويجوز عندي في إنزهوٍ غير هذا, وهو أن تكون همزته بدلا من عين, فيكون أصله عِنزَهو: فِنعلو من العزهاة وهو الذي لا يقرب النساء. والتقاؤهما أن فيه انقباضًا وإعراضًا وذلك طرف من أطراف الزهو؛ قال ٦: إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا ... فكن حجرًا من يابس الصخر جلمدا وإذا حملته على هذا لحق بباب أوسع من إنقحل وهو باب٧ قِندأو٨، وسِندأو٩، وحِنطأو١٠، وكِنتأو ١١. فإن قيل: ولم لما كان مع الحرف الزائد إذا وقع أولًا زائد ثان غيره صارا جميعًا للإلحاق وإذا انفرد الأول لم يكن له قيل: لما كنا عليه من غلبة المعاني للألفاظ على ما تقدم.

стр. 241

وذلك أن أصل الزيادة في أول الكلمة إنما هو للفعل. وتلك حروف المضارعة في أفعلُ ونفعلُ وتفعلُ ويفعلُ وكل واحد من أدلة المضارعة إنما هو حرف واحد فلما انضم إليه حرف آخر فارق بذلك طريقه في باب الدلالة على المعنى فلم ينكر أن يصار به حينئذ إلى صنعة اللفظ وهي الإلحاق. ويدلك على تمكن الزيادة إذا وقعت أولًا في الدلالة على المعنى تركهم صرف أحمد وأرمل، وأزمل١، وتنضب ونرجس معرفة لأن هذه الزوائد في أوائل الأسماء وقعت موقع ما هو أقعد منها في ذلك الموضع وهي حروف المضارعة. فضارع أحمد أركب وتنضب تقتل ونرجس نضرب فحمل زوائد الأسماء في هذا على أحكام زوائد الأفعال دلالة على أن الزيادة في أوئل الكلم إنما بابها الفعل ٢. فإن قلت: فقد نجدها٣ للمعنى ومعها زائد آخر غيرها وذلك نحو ينطلق, وأنطلق وأحرنجم ويخرنطم ويقعنسس. قيل: المزيد للمضارعة هو حرفها وحده فأما النون فمصوغة في حشو الكلمة في الماضي نحو احرنجم ولم تجتمع مع حرف المضارعة في وقت واحد, كما التقت الهمزة والياء مع النون في ألنجج ويلندد في وقت واحد. فإن قلت: فقد تقول: رجل ألد ثم تلحق النون فيما بعد فتقول: ألندد, فقد رأيت الهمزة والنون غير مصطحبتين. قيل: هاتان حالان متعاديتان؛ وذلك أن ألد ليس من صيغة ألندد في شيء، إنما ألد مذكر لفداء؛ كما أن أصم تذكير صماء. وأما ألندد فهمزته مرتجلة مع النون في حال واحدة, ولا يمكنك أن تدعي أن احرنجم لما صرت إلى مضارعه فككت يده عما كان فيها من الزوائد ثم ارتجلت

стр. 242

له زوائد غيرها؛ ألا ترى أن المضارع مبناه على أن ينتظم جميع حروف الماضي من أصل أو زائد كبيطر ويبيطر وحوقل ويحوقل وجهور ويجهور وسلقى ويسلقي وقطع ويقطع، و"تكسر ويتكسر"١ وضارب ويضارب. فأما أكرم يكرم فلولا ما كره من التقاء الهمزتين في أؤكرم لو جيء به على أصله للزم أن يؤتى بزيادته فيه كما جيء بالزيادة في نحو يتدحرج وينطلق. وأما همزة انطلق فإنما حذفت في ينطلق للاستغناء عنها بل قد كانت في حال ثباتها في حكم الساقط أصلًا فهذا واضح. ولأجل ما قلناه: من أن الحرف المفرد في أول الكلمة لا يكون للإلحاق ما حمل أصحابنا تهلل٢ على أن ظهور تضعيفه إنما جاز لأنه عَلَم والأعلام تغير كثيرًا. ومثله عندهم٣ محبب لما ذكرناه. وسألت يومًا أبا علي ﵀ عن تجفاف ٤: أتاؤه للإلحاق بباب قرطاس؟ فقال: نعم واحتج في ذلك بما انضاف إليها من زيادة الألف معها. فعلى هذا يجوز أن يكون ما جاء عنهم من باب أُملود٥ وأُظفور ملحقًا بباب عُسلوج٦ ودُملوج٧، وأن يكون إطريح٨ وإسليح٩ ملحقًا بباب شِنظيز١٠ وخنزير. ويبعد هذا عندي لأنه يلزم منه أن

стр. 243

يكون باب إعصار وإسنام١ ملحقًا بباب حِدبار٢ وهِلقام٣ وباب إفعال لا يكون ملحقًا ألا ترى أنه في الأصل للمصدر نحو إكرام وإحسان وإجمال وإنعام وهذا مصدر فعل غير ملحق فيجب أن يكون المصدر في ذلك على سمت فعله غير مخالف له. وكأن هذا ونحوه إنما لا يجوز أن يكون ملحقًا من قبل أن ما زيد على الزيادة الأولى في أوله إنما هو حرف لين وحرف٥ اللين لا يكون للإلحاق إنما جيء به لمعنى وهو امتداد الصوت به وهذا حديث غير حديث الإلحاق ألا ترى أنك إنما تقابل بالملحق الأصل وباب المد إنما هو الزيادة أبدًا فالأمران على ما ترى في البعد غايتان. فإن قلت على هذا: فما٦ تقول في باب إزمَول٧، وإدرَون٨، أملحق هو أم غير ملحق وفيه -كما ترى- مع الهمزة الزائدة؟ الواو زائدة قيل: لا بل هو ملحق بباب جردحل وحنزقر ٩. وذلك أن الواو التي فيه ليست مدًا لأنها مفتوح ما قبلها فشابهت الأصول بذلك فألحقت بها. فإن قلت: فقد قال١٠ في طومار: إنه ملحق بقسطاس والواو كما ترى بعد الضمة أفلا تراه كيف ألحق بها مضمومًا ما قبلها. قيل: الأمر كذلك؛ وذلك

стр. 244

أن موضع المد إنما هو قبيل الطرف مجاورًا له كألف عماد وياء سعيد وواو عمود. فأما واو طومار وياء ديماس١ فيمن قال دياميس فليستا للمد لأنهما لم تجاورا الطرف. وعلى ذلك قال في طومار: إنه ملحق لما تقدمت الواو فيه، فلم تجاور طرفه. فلو بنيت على هذا من "سألت " مثل طومار وديماس لقلت: سوءال وسيئال. فإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على الحرفين قبلها ولم تحتشم ذلك٢، فقلت: سوال وسيال ولم تجرهما٣ مجرى واو مقروءة وياء خطيئة في إبدالك الهمزة بعدهما إلى لفظهما وادغامك إياهما فيها في نحو مقروة وخطية. فلذلك لم يقل في تخفيف سوءال وسيئال: سُوّال ولا سِيّال. فاعرفه. فإن قيل: ولم لم يتمكن حال المد إلا أن يجاور الطرف قيل: إنما جيء بالمد في هذه المواضع لنعمته٤ وللين الصوت به. وذلك أن آخر الكلمة موضع الوقف, ومكان الاستراحة والأون٥؛ فقدموا أمام الحرف الموقوف عليه ما يؤذن بسكونه, وما يخفض من غلواء٦ الناطق واستمراره على سنن جريه٧، وتتابع نطقه. ولذلك كثرت

стр. 245

حروف المد قبل حرف الرويّ -كالتأسيس والردف- ليكون ذلك مؤذنًا بالوقوف ومؤديًا إلى الراحة والسكون. وكلما جاور حرف المد الروي كان آنس به وأشد إنعامًا لمستمعه. نعم وقد نجد١ حرف اللين في القافية عوضًا عن حرف متحرك أوزنة حرف متحرك حذف من آخر البيت في أتم أبيات ذلك البحر؛ كثالث الطويل وثاني البسيط والكامل. فلذلك كان موضع حرف اللين إنما هو لما جاور الطرف. فأما ألف فاعل وفاعال وفاعول ونحو ذلك فإنها وإن كانت راسخة في اللين وعريقة في المد فليس ذلك لاعتزامهم المد بها بل المد فيها -أين وقعت- شيء يرجع إليها في ذوقها وحسن النطق بها ألا تراها دخولها٢ في " فاعل" لتجعل الفعل من اثنين فصاعدًا نحو ضارب وشاتم فهذا معنى غير معنى المد وحديث غير حديثه. وقد ذكرت هذا الموضع في كتابي في شرح تصريف أبي عثمان وغيره من كتبي وما خرج من كلامي. فإن قلت: فإذا كان الأمر كذا فهلا زيدت المدات في أواخر الكلم للمد, فإن ذلك أنأى لهن وأشد تماديًا بهن؟ قيل: يفسد ذاك من حيث كان مؤديًا إلى نقض الغرض وذلك أنهن لو تطرفن لتسلط الحذف عليهن فكان يكون ما أرادوه من زيادة الصوت بهن داعيًا إلى استهلاكه بحذفهن ألا ترى أن ما جاء في آخره الياء والواو قد حفظن٣ عليه، وارتبطن له بما زيد عليهن من التاء من بعدهن وذلك كعفرية، وحدرية٤، وعفارية وقراسية٥، وعلانية، ورفاهية،

стр. 246

وبُلهنية وسُحفنية١، وكذلك عرقوة، وترقوة وقلنسوة وقمحدوة ٢. فأما رباع٣ وثمان وشناح٤ فإنما احتمل ذلك فيه للفرق بين المذكر والمؤنث في رباعية وثمانية وشناحية. وأيضًا فلو زادوا الواو طرفًا لوجب قلبها ياء ألا تراها لما حذفت التاء عنها في الجمع قلبوها ياء قال: أهل الرباط البيض والقلنسي٥ وقال المجنون: وبيض القلنسي من رجال أطاول وقال: حتى تقُضّي٦ عرقي الدُلي وأيضًا فلو زيدت هذه الحروف طرفًا للمد بها لانتقض الغرض من موضع آخر. وذلك أن الوقف على حرف اللين ينقصه ويستهلك بعض مده ولذلك احتاجوا لهن إلى الهاء في الوقف ليبين بها حرف المد. وذلك قولك: وازيداه٧، وواغلامهموه، وواغلام غلامهيه. وهذا شيء اعترض فقلنا فيه ولنعد.

стр. 247

فإن قيل زيادة على ما مضى: إذا كان موضع زيادة الفعل أوله؛ بما قدمته, وبدلالة اجتماع ثلاث زوائد فيه, نحو استفعل؛ وباب زيادة الاسم آخرًا بدلالة اجتماع ثلاث زوائد فيه؛ نحو عِنظيان١ وخِنذيان٢، وخُنزوان٣، وعُنفوان، فما بالهم جعلوا الميم -وهي من زوائد الأسماء- مخصوصًا بها أول المثال نحو مفعل ومفعول ومِفعال ومُفعِل وذلك الباب على طوله؟ قيل: لما جاءت لمعنى ضارعت بذلك حروف المضارعة فقدمت وجعل ذلك عوضًا من غلبة زيادة الفعل على أول الجزء كما جعل قلب الياء واوًا في التقوى والبقوى عوضًا من كثرة دخول الواو على الياء. وعلى الجملة فالاسم أحمل للزيادة في آخره من الفعل وذلك لقوة الاسم وخفته فاحتمل سحب الزيادة من آخره. والفعل -لضعفه وثقله- لا يتحامل بما يتحامل به الاسم من ذلك لقوته. ويدلك على ثقل الزيادة في آخر الكلمة أنك لا تجد في ذوات الخمسة ما زيد٤ فيه٥ من آخره إلا الألف لخفتها وذلك قبعثرى٦ وضبغطرى٧ وإنما ذلك لطول ذوات الخمسة فلا ينتهي٨ إلى آخرها إلا وقد ملت لطولها. فلم يجمعوا على آخرها تماديه وتحميله الزيادة عليه. فإنما زيادتها في حشوها؛ نحو عضرفوط٩، وقرطبوس١٠، ويستعور١١، وصهصليق١٢، وجعفليق١٣، وعندليب، وحنبريت ١٤. وذلك أنهم لما أرادوا ألا يخلوا ذوات الخمسة

стр. 248

من الزيادة كما لم يخلوا منها الأصلين اللذين قبلها حشوا بالزيادة تقديمًا لها كراهية أن ينتهي إلى آخر الكلمة على طولها ثم يتجشموا حينئذ زيادة هناك فيثقل أمرها ويتشنع١ عليهم تحملها. فقد رأيت -بما أوردناه- غلبة المعنى للفظ وكون اللفظ خادمًا له مشيدًا٢ به وأنه٣ إنما جيء به له ومن أجله. وأما غير هذه الطريق: من الحمل على المعنى وترك اللفظ كتذكير المؤنث, وتأنيث المذكر, وإضمار الفاعل لدلالة المعنى عليه وإضمار المصدر لدلالة الفعل عليه وحذف الحروف والأجزاء التوام والجمل وغير ذلك حملا عليه وتصورًا له وغير ذلك مما يطول ذكره ويمل أيسره فأمر مستقر, ومذهب مستنكر. باب في أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها، وحملناه عليها: اعلم أن هذا موضع في تثبيته وتمكينه منفعة ظاهرة وللنفس به مسكة وعصمة؛ لأن فيه تصحيح ما ندعيه على العرب: من أنها أرادت كذا لكذا وفعلت كذا لكذا. وهو أحزم لها وأجمل بها وأدل على الحكمة المنسوبة إليها، من٤ أن تكون تكلفت ما تكلفته: من استمرارها على وتيرة واحدة وتقريها منهجًا واحدًا، تراعيه

стр. 249

وتلاحظه وتتحمل لذلك مشاقه وكلفه وتعتذر من تقصير إن جرى وقتًا منها في شيء منه. وليس يجوز أن يكون ذلك كله في كل لغة لهم، و١عند كل قوم منهم حتى٢ لا يختلف ولا ينتقض ولا يتهاجر على كثرتهم وسعة بلادهم وطول عهد زمان هذه اللغة لهم وتصرفها على ألسنتهم اتفاقًا٣ وقع حتى لم يختلف فيه اثنان, ولا تنازعه فريقان إلا وهم له مريدون وبسياقه٤ على أوضاعهم فيه معنيون؛ ألا ترى إلى اطراد رفع الفاعل ونصب المفعول والجر بحروف الجر والنصب بحروفه والجزم بحروفه وغير ذلك من حديث التثنية والجمع والإضافة والنسب والتحقير وما يطول شرحه فهل يحسن بذي لب أن يعتقد أن هذا كله اتفاق وقع, وتوارد اتجه. فإن قلت "فما تنكر "٥ أن يكون ذلك شيئًا طبعوا عليه وأجيئوا إليه من غير اعتقاد منهم لعلله٦، ولا لقصد من القصود التي تنسبها إليهم في قوانينه وأغراضه بل لأن آخرًا منهم حذا على ما نهج الأول فقال به وقام الأول للثاني في كونه إمامًا له فيه مقام من هدى الأول إليه وبعثه عليه ملكًا كان أو خاطرًا؟ قيل: لن يخلو ذلك أن يكون خبرًا روسلوا به أو تيقظًا نبهوا على وجه الحكمة فيه. فإن كان وحيًا أو ما يجري مجراه فهو أنبه له وأذهب في شرف الحال

стр. 250

به؛ لأن الله سبحانه إنما هداهم لذلك ووقفهم عليه لأن في طباعهم قبولًا له وانطواء على صحة الوضع فيه لأنهم مع ما قدمناه من ذكر كونهم عليه في أول الكتاب من لطف الحس وصفائه ونصاعة جوهر الفكر ونقائه لم يؤتوا هذه اللغة الشريفة المنقادة الكريمة إلا ونفوسهم قابلة لها محسة لقوة الصنعة فيها معترفة بقدر١ النعمة عليهم بما وهب لهم منها ألا ترى إلى قول أبي مهدية ٢: يقولون لي شنبِذ ولست مشنبِذا ... طوال الليالي ما أقام ثبير٣ ولا قائلا زوذا ليعجل صاحبي ... وبستان في صدري على كبير٤ ولا تاركًا لحني لأحسن لحنهم ... ولو دار صرف الدهر حيث يدور وحدثني المتنبي شاعرنا -وما عرفته إلا صادقًا- قال: كنت عند منصرفي من مصر في جماعة من العرب وأحدهم يتحدث. فذكر في كلامه فلاة واسعة فقال: يحير فيها الطرف قال: وآخر٥ منهم يلقنه سرًا من الجماعة بينه وبينه فيقول له: يحار يحار. أفلا ترى إلى هداية بعضهم لبعض وتنبيهه إياه على الصواب. وقال عمار٦ الكلبي -وقد عيب عليه بيت من شعره فامتعض لذلك: ماذا لقينا من المستعربين ومن ... قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا٧
следующие страницы →