← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وبُلهنية وسُحفنية١، وكذلك عرقوة، وترقوة وقلنسوة وقمحدوة ٢. فأما رباع٣ وثمان وشناح٤ فإنما احتمل ذلك فيه للفرق بين المذكر والمؤنث في رباعية وثمانية وشناحية. وأيضًا فلو زادوا الواو طرفًا لوجب قلبها ياء ألا تراها لما حذفت التاء عنها في الجمع قلبوها ياء قال: أهل الرباط البيض والقلنسي٥ وقال المجنون: وبيض القلنسي من رجال أطاول وقال: حتى تقُضّي٦ عرقي الدُلي وأيضًا فلو زيدت هذه الحروف طرفًا للمد بها لانتقض الغرض من موضع آخر. وذلك أن الوقف على حرف اللين ينقصه ويستهلك بعض مده ولذلك احتاجوا لهن إلى الهاء في الوقف ليبين بها حرف المد. وذلك قولك: وازيداه٧، وواغلامهموه، وواغلام غلامهيه. وهذا شيء اعترض فقلنا فيه ولنعد.

стр. 247

فإن قيل زيادة على ما مضى: إذا كان موضع زيادة الفعل أوله؛ بما قدمته, وبدلالة اجتماع ثلاث زوائد فيه, نحو استفعل؛ وباب زيادة الاسم آخرًا بدلالة اجتماع ثلاث زوائد فيه؛ نحو عِنظيان١ وخِنذيان٢، وخُنزوان٣، وعُنفوان، فما بالهم جعلوا الميم -وهي من زوائد الأسماء- مخصوصًا بها أول المثال نحو مفعل ومفعول ومِفعال ومُفعِل وذلك الباب على طوله؟ قيل: لما جاءت لمعنى ضارعت بذلك حروف المضارعة فقدمت وجعل ذلك عوضًا من غلبة زيادة الفعل على أول الجزء كما جعل قلب الياء واوًا في التقوى والبقوى عوضًا من كثرة دخول الواو على الياء. وعلى الجملة فالاسم أحمل للزيادة في آخره من الفعل وذلك لقوة الاسم وخفته فاحتمل سحب الزيادة من آخره. والفعل -لضعفه وثقله- لا يتحامل بما يتحامل به الاسم من ذلك لقوته. ويدلك على ثقل الزيادة في آخر الكلمة أنك لا تجد في ذوات الخمسة ما زيد٤ فيه٥ من آخره إلا الألف لخفتها وذلك قبعثرى٦ وضبغطرى٧ وإنما ذلك لطول ذوات الخمسة فلا ينتهي٨ إلى آخرها إلا وقد ملت لطولها. فلم يجمعوا على آخرها تماديه وتحميله الزيادة عليه. فإنما زيادتها في حشوها؛ نحو عضرفوط٩، وقرطبوس١٠، ويستعور١١، وصهصليق١٢، وجعفليق١٣، وعندليب، وحنبريت ١٤. وذلك أنهم لما أرادوا ألا يخلوا ذوات الخمسة

стр. 248

من الزيادة كما لم يخلوا منها الأصلين اللذين قبلها حشوا بالزيادة تقديمًا لها كراهية أن ينتهي إلى آخر الكلمة على طولها ثم يتجشموا حينئذ زيادة هناك فيثقل أمرها ويتشنع١ عليهم تحملها. فقد رأيت -بما أوردناه- غلبة المعنى للفظ وكون اللفظ خادمًا له مشيدًا٢ به وأنه٣ إنما جيء به له ومن أجله. وأما غير هذه الطريق: من الحمل على المعنى وترك اللفظ كتذكير المؤنث, وتأنيث المذكر, وإضمار الفاعل لدلالة المعنى عليه وإضمار المصدر لدلالة الفعل عليه وحذف الحروف والأجزاء التوام والجمل وغير ذلك حملا عليه وتصورًا له وغير ذلك مما يطول ذكره ويمل أيسره فأمر مستقر, ومذهب مستنكر. باب في أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها، وحملناه عليها: اعلم أن هذا موضع في تثبيته وتمكينه منفعة ظاهرة وللنفس به مسكة وعصمة؛ لأن فيه تصحيح ما ندعيه على العرب: من أنها أرادت كذا لكذا وفعلت كذا لكذا. وهو أحزم لها وأجمل بها وأدل على الحكمة المنسوبة إليها، من٤ أن تكون تكلفت ما تكلفته: من استمرارها على وتيرة واحدة وتقريها منهجًا واحدًا، تراعيه

стр. 249

وتلاحظه وتتحمل لذلك مشاقه وكلفه وتعتذر من تقصير إن جرى وقتًا منها في شيء منه. وليس يجوز أن يكون ذلك كله في كل لغة لهم، و١عند كل قوم منهم حتى٢ لا يختلف ولا ينتقض ولا يتهاجر على كثرتهم وسعة بلادهم وطول عهد زمان هذه اللغة لهم وتصرفها على ألسنتهم اتفاقًا٣ وقع حتى لم يختلف فيه اثنان, ولا تنازعه فريقان إلا وهم له مريدون وبسياقه٤ على أوضاعهم فيه معنيون؛ ألا ترى إلى اطراد رفع الفاعل ونصب المفعول والجر بحروف الجر والنصب بحروفه والجزم بحروفه وغير ذلك من حديث التثنية والجمع والإضافة والنسب والتحقير وما يطول شرحه فهل يحسن بذي لب أن يعتقد أن هذا كله اتفاق وقع, وتوارد اتجه. فإن قلت "فما تنكر "٥ أن يكون ذلك شيئًا طبعوا عليه وأجيئوا إليه من غير اعتقاد منهم لعلله٦، ولا لقصد من القصود التي تنسبها إليهم في قوانينه وأغراضه بل لأن آخرًا منهم حذا على ما نهج الأول فقال به وقام الأول للثاني في كونه إمامًا له فيه مقام من هدى الأول إليه وبعثه عليه ملكًا كان أو خاطرًا؟ قيل: لن يخلو ذلك أن يكون خبرًا روسلوا به أو تيقظًا نبهوا على وجه الحكمة فيه. فإن كان وحيًا أو ما يجري مجراه فهو أنبه له وأذهب في شرف الحال

стр. 250

به؛ لأن الله سبحانه إنما هداهم لذلك ووقفهم عليه لأن في طباعهم قبولًا له وانطواء على صحة الوضع فيه لأنهم مع ما قدمناه من ذكر كونهم عليه في أول الكتاب من لطف الحس وصفائه ونصاعة جوهر الفكر ونقائه لم يؤتوا هذه اللغة الشريفة المنقادة الكريمة إلا ونفوسهم قابلة لها محسة لقوة الصنعة فيها معترفة بقدر١ النعمة عليهم بما وهب لهم منها ألا ترى إلى قول أبي مهدية ٢: يقولون لي شنبِذ ولست مشنبِذا ... طوال الليالي ما أقام ثبير٣ ولا قائلا زوذا ليعجل صاحبي ... وبستان في صدري على كبير٤ ولا تاركًا لحني لأحسن لحنهم ... ولو دار صرف الدهر حيث يدور وحدثني المتنبي شاعرنا -وما عرفته إلا صادقًا- قال: كنت عند منصرفي من مصر في جماعة من العرب وأحدهم يتحدث. فذكر في كلامه فلاة واسعة فقال: يحير فيها الطرف قال: وآخر٥ منهم يلقنه سرًا من الجماعة بينه وبينه فيقول له: يحار يحار. أفلا ترى إلى هداية بعضهم لبعض وتنبيهه إياه على الصواب. وقال عمار٦ الكلبي -وقد عيب عليه بيت من شعره فامتعض لذلك: ماذا لقينا من المستعربين ومن ... قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا٧

стр. 251

إن قلت قافية بكرًا يكون بها ... بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا قالوا لحنت وهذا ليس منتصبًا ... وذاك خفض وهذا ليس يرتفع وحرضوا بين عبد الله من حمق ... وبين زيد فطال الضرب والوجع كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قوم على إعرابهم طبعوا ما كل قولي مشروحًا لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا لأن أرضي أرض لا تشب بها ... نار المجوس ولا تبنى بها البيع والخبر المشهور في هذا للنابغة وقد عيب عليه قوله في الدالية المجرورة: وبذاك خبرنا الغراب الأسود فلما لم يفهمه أتى بمغنية فغنته: من آل مية رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزود ومدت الوصل وأشبعته ثم قالت: وبذاك خبرنا الغراب الأسود ومطلت واو الوصل فلما أحسه عرفه واعتذر منه وغيره -فيما يقال- إلى قوله: وبذاك تنعاب الغراب الأسود وقال دخلت يثرب وفي شعري صنعة ثم خرجت منها وأنا أشعر العرب. كذا الرواية. وأما أبو الحسن فكان يرى ويعتقد أن العرب لا تستنكر الإقواء. ويقول: قلت قصيدة إلا وفيها الإقواء. ويعتل لذلك بأن يقول: إن كل بيت منها شعر قائم برأسه. وهذا الاعتلال منه يضعف ويقبح التضمين في الشعر. وأنشدنا أبو عبد الله الشجري يومًا لنفسه شعرًا مرفوعًا وهو قوله: نظرت بسنجار كنظرة ذي هوى ... رأى وطنًا فانهل بالماء غالبه

стр. 252

لأونس من أبناء سعد ظعائنا ... يزن الذي من نحوهن مناسبه١ يقول فيها يصف البعير: فقامت إليه خدلة الساق أعلقت ... به منه مسموما دوينة حاجبه٢ فقلت: يا أبا عبد الله: أتقول " دوينة حاجبه " مع قولك "مناسبه " و "أشانبه "! فلم يفهم ما أردت فقال: فكيف٣ أصنع؟ أليس ههنا تضع الجرير٤ على القِرمة٥، على الجِرفة٦؟ وأمأ إلى أنفه فقلت: صدقت غير أنك قلت "أشانبه " و "غالبه " فلم يفهم وأعاد اعتذاره الأول. فلما طال هذا قلت له: أيحسن أن يقول الشاعر ٧: آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاوٍ يُمَل منه الثواء ومطلت الصوت ومكنته ثم يقول مع ذلك: ملك المنذر بن ماء السمائي٨

стр. 253

فأحس حينئذ وقال: أهذا! أين هذا من ذاك! إن هذا طويل وذاك قصير. فاستروح إلى قصر الحركة في "حاجبه " وأنها أقل من الحرف في "أسماء " و"السماء ". وسألته يومًا فقلت له: كيف تجمع "دكانًا "؟ فقال: دكاكين قلت: فسرحانًا؟ قال: سراحين قلت: فقرطانًا١؟ قال: قراطين قلت: فعثمان قال: عثمانون. فقلت له: هلا قلت أيضًا عثامين قال: أيش عثامين! أرأيت إنسانًا يتكلم بما ليس من لغته والله لا أقولها أبدًا ٢. والمروي عنهم في شغفهم٣ بلغتهم وتعظيمهم لها واعتقادهم أجمل الجميل فيها أكثر من أن يورد أو جزء من أجزاء كثيرة منه. فإن قلت: فإن العجم أيضًا بلغتهم مشغوفون ولها مؤثرون ولأن يدخلها شيء من العربي كارهون ألا ترى أنهم إذا أورد الشاعر منهم شعرًا فيه ألفاظ من العربي عيب به٤، وطعن لأجل ذلك عليه. فقد تساوت حال اللغتين في ذلك. فأية فضيلة للعربية على العجمية؟ قيل: لو أحست العجم بلطف صناعة العرب في هذه اللغة وما فيها من الغموض والرقة والدقة لاعتذرت من اعترافها بلغتها فضلا عن التقديم لها والتنويه منها. فإن قيل: لا, بل لو عرفت العرب مذاهب العجم في حسن لغتها, وسداد تصرفها وعذوبة طرائقها لم تبء٥ بلغتها ولا رفعت من رءوسها باستحسانها وتقديمها.

стр. 254

قيل: قد اعتبرنا ما تقوله فوجدنا الأمر فيه بضده. وذلك أنا نسأل علماء العربية مما أصله عجمي وقد تدرب بلغته قبل استعرابه عن حال اللغتين فلا يجمع بينهما بل لا يكاد يقبل السؤال عن ذلك لبعده في نفسه وتقدم لطف العربية في رأيه وحسه. سألت غير مرة أبا علي ﵁ عن ذلك فكان جوابه عنه نحوًا مما حكيته. فإن قلت: ما تنكر أن يكون ذلك لأنه كان عالمًا بالعربية ولم يكن عالمًا باللغة العجمية ولعله لو كان عالمًا بها لأجاب بغير ما أجاب به. قيل: نحن قد قطعنا بيقين وأنت إنما عارضت بشك ولعل هذا ليس قطعًا كقطعنا, ولا يقينًا كيقيننا. وأيضًا فإن العجم العلماء بلغة العرب وإن لم يكونوا علماء بلغة العجم فإن قواهم في العربية تؤيد معرفتهم بالعجمية وتؤنسهم بها وتزيد في تنبيههم على أحوالها لاشتراك العلوم اللغوية واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها. ولم نر أحدًا من أشياخنا فيها١ -كأبي حاتم٢، وبندار٣، وأبي علي, وفلان وفلان- يسوون بينهما ولا يقربون بين حاليهما. وكأن هذا موضع ليس للخلاف فيه مجال لوضوحه عند الكافة. وإنما أوردنا منه هذا القدر احتياطًا به واستظهارًا على مورد له عسى أن يورده. فإن قلت: زعمت أن العرب تجتمع على لغتها فلا تختلف فيها وقد نراها ظاهرة الخلاف ألا ترى إلى الخلاف في "ما " الحجازية، والتميمية وإلى الحكاية في الاستفهام

стр. 255

عن الأعلام١ في الحجازية وترك ذلك في التميمية إلى غير ذلك قيل: هذا القدر من٢ الخلاف لقلته ونزارته محتقر غير محتفل به ولا معيج٣ عليه وإنما هو في شيء من الفروع يسير. فأما الأصول وما عليه العامة والجمهور فلا خلاف فيه ولا مذهب للطاعن به. وأيضًا فإن أهل كل واحدة من اللغتين عدد كثير وخلق "من الله "٤ عظيم وكل واحد منهم محافظ على لغته لا يخالف شيئًا منها ولا يوجد عنده تعاد فيها. فهل ذلك إلا لأنهم يحتاطون ويقتاسون ولا يفرطون ولا يخلطون. ومع هذا فليس شيء مما يختلفون فيه -على قلته وخفته- إلا له من القياس وجه يؤخذ به. ولو كانت هذه اللغة حشوًا٥ مكيلا، وحثوًا٦ مهيلا لكثر خلافها وتعادت أوصافها: فجاء عنهم جر الفاعل ورفع المضاف إليه والمفعول به والجزم بحروف النصب والنصب بحروف الجزم بل جاء عنهم الكلام سدى غير محصل وغفلا من الإعراب ولاستغنى بإرساله وإهماله عن إقامة إعرابه والكلف الظاهرة بالمحاماة على طرد أحكامه. هذا كله وما أكني عنه من مثله -تحاميًا للإطالة به- إن كانت هذه اللغة شيئًا خوطبوا به٧، وأخذوا باستعماله. وإن كانت شيئًا اصطلحوا عليه، وترافدوا٨

стр. 256

بخواطرهم ومواد حكمهم على عمله وترتيبه وقسمة أنحائه وتقديمهم أصوله وإتباعهم إياها فروعه -وكذا ينبغي أن يعتقد ذلك منهم لما نذكره آنفًا- فهو مفخر لهم ومعلم من معالم السداد دل على فضيلتهم. والذي يدل على أنهم قد أحسوا ما أحسسنا، وأرادوا "وقصدوا"١ ما نسبنا إليهم إرادته وقصده شيئان: أحدهما حاضر معنا والآخر غائب عنا إلا أنه مع أدنى تأمل في حكم الحاضر معنا. فالغائب ما كانت الجماعة من علمائنا تشاهده من احوال العرب "ووجوهها"٢، وتضطر إلى معرفته من أغراضها وقصودها: من استخفافها شيئًا أو استثقاله وتقبله أو إنكاره والأنس به أو الاستيحاش منه والرضا به أو التعجب من قائله وغير ذلك من الأحوال الشاهدة بالقصود بل الحالفة على ما في النفوس ألا ترى إلى قوله ٣: تقول وصكت وجهها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس ٤ فلو قال حاكيًا عنها: أبعلي هذا بالرحى المتقاعس -من غير أن يذكر صك الوجه- لأعلمنا بذلك أنها كانت متعجبة منكرة لكنه لما حكى الحال فقال: "وصكت وجهها " علم بذلك قوة إنكارها وتعاظم الصورة لها. هذا مع أنك سامع لحكاية الحال غير مشاهد لها ولو شاهدتها لكنت بها أعرف ولعظم الحال في نفس تلك

стр. 257

المرأة أبين, وقد قيل "ليس المخبر كالمعاين "١ ولو لم ينقل إلينا هذا الشاعر حال هذه المرأة بقوله: وصكت وجهها لم نعرف به حقيقة تعاظم الأمر لها. وليست كل حكاية تروى لنا ولا كل خبر ينقل إلينا يشفع به شرح الأحوال التابعة له, المقترنة -كانت- به. نعم ولو نقلت إلينا لم نفد بسماعها ما كنا نفيده لو حضرناها. وكذلك قول الآخر: قلنا لها قفي لنا قالت قاف٢ لو نقل إلينا هذا الشاعر شيئًا آخر من جملة الحال فقال مع قوله "قالت قاف ": "وأمسكت بزمام بعيرها" أو " وعاجته علينا" لكان أبين لما كانوا عليه وأدل على أنها أرادت: وقفت أو توقفت دون أن يظن أنها أرادت: قفي لنا! أي يقول لي: قفي لنا! متعجبة منه. وهو إذا شاهدها وقد وقفت علم٣ أن قولها "قاف" إجابة له لا رد لقوله وتعجب منه في قوله "قفي لنا ". وبعد فالحمالون والحماميون والساسة٤، والوقادون ومن يليهم ويعتد منهم يستوضحون من مشاهدة الأحوال ما لا يحصله أبو عمرو من شعر الفرزدق إذا أخبر به عنه ولم يحضره ينشده. أولا تعلم أن الإنسان إذا عناه أمر فأراد أن يخاطب به صاحبه وينعم تصويره له في نفسه استعطفه ليقبل عليه فيقول له:

стр. 258

يا فلان أين أنت أرني وجهك أقبل علي أحدثك أما أنت حاضر يا هناه. فإذا أقبل عليه وأصغى إليه اندفع يحدثه أو يأمره أو ينهاه أو نحو ذلك. فلو كان استماع الأذن مغنيًا عن مقابلة العين مجزئًا عنه لما تكلف القائل ولا كلف١ صاحبه الإقبال عليه والإصغاء إليه. وعلى ذلك قال: العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من العداوة أو ود إذا كانا٢ وقال الهذلي ٣: رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم٤ أفلا ترى إلى اعتباره بمشاهدة الوجوه وجعلها دليلا على ما في النفوس. وعلى ذلك قالوا: "رب إشارة أبلغ من عبارة " وحكاية٥ الكتاب من هذا الحديث, وهي قوله: "ألا تا " و"بلى فا ". وقال لي بعض مشايخنا ﵀: أنا لا أحسن أن أكلم إنسانًا في الظلمة.

стр. 259

ولهذا الموضع نفسه ما توقف١ أبو بكر عن كثير مما أسرع إليه أبو إسحاق من ارتكاب طريق الاشتقاق واحتج أبو بكر عليه بأنه لا يؤمن أن تكون هذه الألفاظ المنقولة إلينا قد كانت لها أسباب لم نشاهدها ولم ندر ما حديثها ومثل له بقولهم " رفع عقيرته " إذا رفع صوته. قال له أبو بكر: فلو ذهبنا نشتق لقولهم "ع ق ر " من معنى الصوت لبعد الأمر جدًا وإنما هو أن رجلًا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى ثم نادى وصرخ بأعلى صوته فقال الناس: رفع عقيرته أي رجله المعقورة. قال أبو بكر: فقال أبو إسحاق: لست أدفع هذا. ولذلك قال سيبويه في نحو من هذا: أو لأن الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر يعني ما نحن عليه من مشاهدة الأحوال والأوائل. فليت شعري إذا شاهد أبو عمرو وابن أبي إسحاق ويونس, وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه وأبو الحسن وأبو زيد وخلف الأحمر والأصمعي, ومن في الطبقة والوقت من علماء البلدين وجوه العرب فيما تتعاطاه٢ من كلامها وتقصد له من أغراضها ألا تستفيد٣ بتلك المشاهدة وذلك الحضور ما لا تؤديه الحكايات ولا تضبطه الروايات فتضطر إلى قصود العرب وغوامض ما في أنفسها حتى لو حلف منهم حالف على غرض دلته عليه إشارة لا عبارة لكان عند نفسه وعند جميع من يحضر حاله صادقًا فيه غير متهم الرأي والنحيزة والعقل. فهذا حديث ما غاب عنا فلم ينقل إلينا وكأنه حاضر معنا، مناج٤ لنا.

стр. 260

وأما ما روي لنا فكثير. منه ما حكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها. فقلت له: أتقول جاءته كتابي! قال: نعم أليس بصحيفة. أفتراك تريد من أبي عمرو وطبقته وقد نظروا وتدربوا وقاسوا وتصرفوا أن يسمعوا أعرابيًّا جافيًا غفلا يعلل هذا الموضع بهذه العلة ويحتج لتأنيث المذكر بما ذكره فلا " يهتاجواهم "١ لمثله, ولا يسلكوا فيه طريقته فيقولوا: فعلوا كذا لكذا وصنعوا كذا لكذا وقد شرع لهم العربي ذلك ووقفهم على سمته وأمه. وحدثنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقرأ ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ فقلت له ما تريد؟ قال: أردت: سابقٌ النهار. فقلت له: فهلا قلته فقال: لو قلته لكان أوزن ٢. ففي هذه الحكاية لنا ثلاثة أغراض مستنبطة منها: أحدها تصحيح قولنا: إن أصل كذا كذا والآخر قولنا: إنها فعلت٣ كذا لكذا ألا تراه إنما طلب الخفة يدل عليه قوله: لكان أوزن: أي أثقل في النفس وأقوى من قولهم: هذا درهم وازن: أي ثقيل له وزن. والثالث أنها قد تنطق بالشيء غيره في أنفسها٤ أقوى منه لإيثارها التخفيف. وقال سيبويه٥ حدثنا من نثق به أن بعض العرب قيل له أما بمكان كذا وكذا وجذ٦؟ فقال: بلى وِجاذًا أي أعرف٧ بها وِجاذًا، وقال أيضًا: وسمعنا٨ بعضهم

стр. 261

يدعو على غنم رجل فقال: اللهم ضبعًا وذئبًا فقلنا ١ له: ما أردت؟ فقال: أردت: اللهم اجمع فيها ضبعًا وذئبًا كلهم يفسر ما ينوي. فهذا تصريح منهم بما ندعيه عليهم وننسبه إليهم. وسألت الشجري٢ يومًا فقلت: يا أبا عبد الله كيف تقول ضربت أخاك؟ فقال: كذاك. فقلت: أفتقول: ضربت أخوك فقال: لا أقول: أخوك أبدًا. قلت: فكيف تقول ضربني أخوك فقال: كذاك. فقلت: ألست زعمت أنك لا تقول: أخوك أبدًا؟ فقال أيش ذا! اختلفت جهتا الكلام. فهل هذا في معناه إلا كقولنا نحن: صار المفعول فاعلا وإن لم يكن بهذا اللفظ البتة, فإنه هو لا محالة. ومن ذلك ما يروى عن النبي ﷺ أن قومًا من العرب أتوه فقال لهم: "من أنتم" , فقالوا: نحن بنو غيان٣، فقال: "بل أنتم بنو رشدان" ٤. فهل هذا إلا كقول أهل الصناعة: إن الألف والنون زائدتان وإن كان ﵇ لم يتفوه بذلك غير أن اشتقاقه إياه من الغي بمنزلة قولنا نحن: إن الألف

стр. 262

والنون فيه زائدتان. وهذا واضح. وكذلك قولهم ١: إنما سميت هانئًا لتهنأ قد عرفنا منه أنهم كأنهم قد قالوا: إن الألف في هانيء زائدة وكذلك قولهم: فجاء٢ يدرم من تحتها -أي يقارب خطاه, لثقل الخريطة بما فيها, فسمى دارمًا- قد أفادنا اعتقادهم زيادة الألف في دارم عندهم. باب في الحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره اعلم أن المذهب هو هذا الذي ذكرناه والعمل عليه والوصية به. فإذا شاهدت ظاهرًا يكون مثله أصلا أمضيت الحكم على ما شاهدته من حاله, وإن أمكن أن تكون الحال في باطنه بخلافه؛ ألا ترى أن سيبويه حمل٣ سيدًا على أنه مما عينه ياء فقال في تحقيره: سييد٤، كديك ودييك وفيل وفييل. وذلك أن عين الفعل٥ لا ينكر أن تكون ياء وقد وجدت في سيد ياء فهي في٦ ظاهر أمرها إلى أن يرد ما يستنزل عن بادي حالها.

стр. 263

فإن قلت: فإنا لا نعرف في الكلام تركيب "س ي د " فهلا لما لم يجد١ ذلك، حمل الكلمة على ما في الكلام مثله وهو ما عينه من هذا اللفظ واو, وهو السواد، والسودد٢, ونحو ذلك؟ قيل: هذا يدلك على قوة الظاهر عندهم وأنه إذا كان مما تحتمله القسمة, وتنتظمه القضية, حكم به وصار أصلًا على بابه. وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره ألا٣ يحكم به حتى يوجد له نظير. وذلك أن النظير -لعمري- مما يؤنس به فأما ألا تثبت الأحكام إلا به فلا ألا ترى أنه٤ قد أثبت في الكلام فعُلت تفعَل وهو كدت٥ تكاد وإن لم يوجدنا٦ غيره وأثبت بإنقحل٧ باب "إنفعل " وإن لم يحك هو غيره وأثبت بسخاخين٨ "فُعاعِيلا" وإن لم يأت بغيره. فإن قلت: فإن "سيدًا " مما يمكن أن يكون من باب ريح وديمة فهلا توقف٩ عن الحكم بكون عينه ياء لأنه لا يأمن أن تكون واوًا قيل: هذا الذي تقوله إنما تدعي فيه ألا١٠ يؤمن أن يكون من الواو وأما الظاهر فهو ما تراه. ولسنا ندع حاضرًا له وجه من القياس لغائب مجوز ليس عليه دليل. فإن قيل: كثرة عين الفعل واوًا تقود١١ إلى الحكم بذاك قيل: إنما يحكم بذاك مع عدم الظاهر فأما والظاهر معك فلا معدل عنه بك. لكن -لعمري-

стр. 264

إن لم يكن معك ظاهرًا احتجت إلى التعديل والحكم بالأليق, والحمل على الأكثر. وذلك إذا كانت العين ألفًا مجهولة فحينئذ ما تحتاج إلى تعديل الأمر فتحمل على الأكثر. فلذلك قال١ في ألف "آءة": إنها بدل من واو. وكذلك ينبغي أن تكون ألف "الراء " لضرب من النبت وكذلك ألف " الصاب " لضرب من الشجر. فأما ألا٢ يجيء من ذلك اللفظ نظير فتعلل بغير نافع ولا مجد؛ ألا ترى أنك تجد من الأصول ما لم يتجاوز٣ به موضع واحد كثيرًا. من ذلك في الثلاثي حوشب٤، وكوكب، ودودري٥، وأبنبم٦. فهذه ونحوها لا تفارق موضعًا واحدًا ومع ذلك فالزوائد فيها لا تفارقها. وعلى نحو مما جئنا به في "سيد " حمل سيبويه عيَّنًا٧، فأثبت به٨ "فيعلا " مما عينه ياء وقد كان يمكن أن يكون "فوعلا " و "فعولا " من لفظ العين ومعناها ولو حكم بأحد هذين المثالين لحمل على مألوف غير منكور "ألا ترى أن فوعلا وفعولا"٩

стр. 265

لا مانع لكل واحد منهما أن يكون في المعتل كما يكون في الصحيح، وأما "فيعل " -بفتح العين- مما عينه معتلة فعزيز ثم لم يمنعه عزه ذلك أن حكم به على "عين " وعدل عن أن يحمله على أحد المثالين اللذين كل واحد منهما لا مانع له من كونه في المعتل العين كونه في الصحيحها ١. وهذا أيضًا مما يبصرك بقوة الأخذ بالظاهر عندهم وأنه مكين القدم راسيها في أنفسهم. وكذلك يوجب القياس فيما جاء من الممدود٢ لا يعرف له تصرف ولا مانع من الحكم بجعل همزته أصلًا فينبغي حينئذ أن يعتقد فيها أنها أصلية. وكذلك همزة "قساء "٣ فالقياس يقتضي اعتقاد كونها أصلًا اللهم إلا أن يكون "قساء " هو " قسى"٤ في قوله ٥: بجو من قسى ذفر الخزامى ... تداعى الجربياء به الحنينا٦

стр. 266

فإن كان كذلك وجب أن يحكم بكون همزة "قساء " أنها بدل من حرف العلة الذي١ أبدلت منه ألف "قسى ". وأن يكون ياء٢ أولى من أن يكون واوًا لما ذكرناه في كتابنا في شرح المقصور والممدود ليعقوب بن السكيت. فإن قلت: فلعل "قسى " هذا مبدل من "قساء " والهمزة فيه هي الأصل. قيل: هذا حمل على الشذوذ لأن إبدال الهمز شاذ والأول أقوى لأن إبدال حرف العلة همزة إذا وقع طرفًا بعد ألف زائدة هو الباب. وذكر محمد بن الحسن٣ " أروى" في باب "أرو "٤ فقلت لأبي علي: من أين له أن اللام واو وما يؤمنه أن تكون ياء فتكون من باب التقوى والرعوى؟ فجنح إلى ما نحن عليه: من الأخذ بالظاهر وهو القول. فاعرف بما ذكرته قوة اعتقاد العرب في الحمل على الظاهر ما لم يمنع منه مانع. وأما حيوة والحيوان فيمنع من حمله على الظاهر أنا لا نعرف في الكلام ما عينه

стр. 267

ياء ولامه واو فلا بد أن تكون الواو بدلا من ياء لضرب من الاتساع مع استثقال التضعيف في الياء, ولمعنى العلمية في حيوة. وإذا كانوا قد كرهوا تضعيف الياء مع الفصل حتى دعاهم ذلك إلى التغيير في حاحيت وهاهيت وعاعيت كان إبدال اللام في الحيوان -ليختلف الحرفان- أولى وأحجى. فإن قلت: فهلا حملت الحيوان على ظاهره وإن لم يكن له نظير كما حملت سيدًا على ظاهره وإن لم تعرف تركيب "س ي د " قيل: ما عينه ياء كثر وما عينه ياء ولامه واو مفقود أصلًا من الكلام. فلهذا أثبتنا سيدًا١ ونفينا " ظاهر أمر"٢ الحيوان. وكذلك القول في نون عنتر وعنبر: ينبغي أن تكون أصلا وإن كان قد جاء عنهم نحو عنبس وعنسل لأن أذنيك أخرجهما الاشتقاق. وأما عنتر وعنبر, وخَنشَلت وحِنزَقر٣، وحِنبَتر٣، ونحو ذلك فلا اشتقاق يحكم له بكون شيء منه زائدًا فلا بد من القضية بكونه كله أصلا. فاعرف ذلك واكتف به بإذن الله تعالى. باب في مراتب الأشياء وتنزيلها تقديرًا وحكمًا لا زمانًا ووقتًا: هذا الموضع كثير الإيهام٤ لأكثر من يسمعه لا٥ حقيقة تحته. وذلك كقولنا: الأصل في قام قوم وفي باع بيع وفي طال طول وفي خاف ونام وهاب: خوف ونوم وهيب وفي شد شدد وفي استقام استقوم وفي يستعين يستعون،

стр. 268

وفي يستعد يستعدد. فهذا يوهم أن هذه الألفاظ وما كان نحوها -مما يدعي أن له أصلًا يخالف ظاهر لفظه- قد كان مرة يقال حتى إنهم كانوا يقولون في موضع قام زيد: قوَم زيد وكذلك نوِم جعفر وطَوُلَ محمد وشدَد أخوك يده واستعدد الأمير لعدوه وليس الأمر كذلك بل بضده. وذلك أنه لم يكن قط مع اللفظ به إلا على ما تراه وتسمعه. وإنما معنى قولنا: إنه كان أصله كذا: أنه لو جاء مجيء الصحيح١ ولم يعلل لوجب أن يكون مجيئه "على ما ذكرنا "٢. فأما أن يكون استعمل وقتًا من الزمان كذلك ثم انصرف عنه فيما بعد إلى هذا اللفظ فخطأ لا يعتقده أحد من أهل النظر. ويدل على أن ذلك عند العرب معتقد "كما أنه عندنا مراد معتقد"٣ إخراجها بعض ذلك مع الضرورة، على الحد الذي نتصوره نحن فيه. وذلك قوله: صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم٤ هذا يدلك على أن أصل أقام أقوم وهو الذي نوميء نحن إليه ونتخيله فرب حرف يخرج هكذا منبهة على أصل بابه ولعله إنما أخرج على أصله فتُجشم ذلك فيه لما يعقب من الدلالة على أولية أحوال أمثاله. وكذلك قوله ٥: أني أجود لأقوام وإن ضننوا

стр. 269

فأنت تعلم بهذا أن أصل شلت يده شلِلَت: أي لو جاء مجيء الصحيح لوجب فيه إظهار تضعيفه. وقد قال الفرزدق: ولو رضيت يداي بها وضنت ... لكان علي في القدر الخيار١ "فأصل ضنت إذًا ضنِنَت بدلالة قوله: ضِننوا ". وكذلك قوله ٢: تراه وقد فات الرماة كأنه ... أمام الكلاب مُصغِي الخد أصلم٣ تعلم منه أن أصل قولك: هذا معطي زيد. معطيُ زيد.

стр. 270

ومن أدل الدليل على أن هذه الأشياء التي ندعي١ أنها أصول مرفوضة لا يعتقد٢ أنها قد كانت مرة مستعملة ثم صارت من بعد مهملة ما تعرضه الصنعة فيها من تقدير ما لا يطوع النطق به لتعذره. وذلك كقولنا في شرح حال الممدود غير المهموز الأصل نحو سماء وقضاء. ألا ترى أن الأصل سماوٌ وقضايٌ, فلما وقعت الواو والياء طرفًا بعد ألف زائدة قلبتا ألفين فصار التقدير بهما إلى سماا وقضاا فلما التقت الألفان تحركت الثانية "منهما"٣ فانقلبت همزة, فصار ذلك إلى سماء وقضاء. أفلا تعلم أن أحد ما قدرته -وهو التقاء الألفين- لا قدرة لأحد على النطق به. " وكذلك"٤ ما نتصوره وننبه عليه أبدًا من تقدير "مفعول" مما عينه أحد حرفي العلة وذلك نحو مبيع ومكيل ومقول ومصوغ ألا تعلم أن الأصل مبيوع, ومكيول ومقوول ومصووغ فنقلت الضمة من العين إلى الفاء فسكنت, وواو٥ مفعول بعدها ساكنة فحذفت إحداهما -على الخلاف فيهما- لالتقاء الساكنين. فهذا جمع لهما تقديرًا وحكمًا. فأما أن يمكن النطق بهما على حال فلا. واعلم مع هذا أن بعض ما ندعي أصليته من هذا الفن قد ينطق به على ما ندعيه من حاله -وهو أقوى الأدلة على صحة ما نعتقده من تصور الأحوال الأول- وذلك اللغتان تختلف فيهما القبيلتان كالحجازية والتميمية ألا ترى أنا نقول في الأمر من المضاعف في التميمية - نحو شُدّ وضَنّ وفِرّ واستَعِدّ واصطبّ٦

стр. 271

يا رجل, واطمئنّ يا غلام: إن الأصل اشدُد, واضنَن, وافرِر, واستعدِد, واصطبِب واطمأنِن ومع هذا فهكذا١ لغة أهل الحجاز وهي اللغة الفصحى القدمى. ويؤكد ذلك قول الله سبحانه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أصله٢ استطاعوا فحذفت التاء لكثرة الاستعمال ولقرب التاء من الطاء وهذا الأصل مستعمل ألا ترى أن عقيبه قوله تعالى ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ . وفيه لغة أخرى؛ وهي: استعت بحذف الطاء كحذف التاء ولغة ثالثة: أسطعت بقطع الهمزة مفتوحة ولغة رابعة: أستعت مقطوعة الهمزة مفتوحة أيضًا. فتلك خمس لغات: استطعت واسطعت واستعت وأسطعت وأستعت. وروينا بيت الجران٣: وفيك إذا لاقيتنا عجرفية ... مرارًا فما نستيع من يتعجرف٤ بضم حرف المضارعة وبالتاء. ومن ذلك اسم المفعول من الثلاثي المعتل العين نحو مبيع ومخيط ورجل مدين من الدين. فهذا كله مغير. وأصله مبيوع ومديون ومخيوط, فغير على ما مضى. ومع ذلك فبنو تميم -على ما حكاه أبو عثمان٥ عن الأصمعي- يتمون مفعولا من الياء فيقولون: مخيوط ومكيول؛ قال٦:

стр. 272

قد كان قومك يزعمونك سيدًا ... وإخال أنك سيد معيون١ وأنشد أبو عمرو بن العلاء ٢: وكأنها تفاحة مطيوبة وقال علقمة بن عبدة: يوم رذاذٍ عليه الدجن مغيوم٣ ويروى: يومٌ رذاذٌ. وربما تخطوا الياء في هذه إلى الواو وأخرجوا مفعولا منها على أصله وإن كان "أثقل منه من"٤ الياء. وذلك قول بعضهم: ثوب مصوون وفرس مقوود ورجل معوود من مرضه. وأنشدوا فيه: والمسك في٥ عنبره مدووف ولهذا نظائر كثيرة؛ إلا أن هذا سمتها وطريقها ٦. فقد ثبت بذلك أن هذه الأصول المومأ إليها على أضرب: منها ما لا يمكن النطق به أصلا؛ نحو ما اجتمع فيه ساكنان؛ كسماء, ومبيع, ومصوغ, ونحو ذلك.

стр. 273

ومنها ما يمكن النطق به غير أن فيه من الاستثقال ما دعا إلى رفضه واطراحه إلا أن يشذ الشيء القليل منه فيخرج على أصله منبهة ودليلًا على أولية حاله كقولهم: لححت عينه وألِل السقاء إذا تغيرت ريحه وكقوله ١: لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطَّلب ومن ذلك امتناعهم من تصحيح الياء في نحو موسر وموقن والواو في نحو ميزان وميعاد وامتناعهم من إخراج افتعل وما تصرف منه إذا كانت فاؤه صادًا أو ضادًا أو طاء أو ظاء أو دالًا أو ذالًا أو زايًا على أصله وامتناعهم من تصحيح الياء والواو إذا وقعتا طرفين بعد ألف زائدة وامتناعهم من جمع الهمزتين في كلمة واحدة ملتقيتين غير عينين ٢. فكل هذا وغيره مما يكثر تعداده يمتنع منه استكراهًا للكلفة فيه وإن كان النطق به ممكنًا غير متعذر. وحدثنا أبو علي ﵀ فيما حكاه -أظنه-٣ عن خلف الأحمر: قال: يقال التقطت النوى، واشتقطته٤، واضتقطته ٥. فصحح تاء افتعل وفاؤه ضاد ونظائره -مما يمكن النطق به إلا أنه رفض استثقالًا له- كثيرة. قال أبو الفتح: ينبغي

стр. 274

أن تكون الضاد في اضتقطت بدلا من شين اشتقطت فلذلك ظهرت كما تصح التاء مع الشين. ونظيره قوله ١: مال إلى أرطاة حقف فالطجع٢ اللام بدل من الضاد، فلذلك أقرت الطاء بدلا من التاء، وجعل ذلك دليلا على البدل. ومنها ما يمكن النطق به إلا أنه لم يستعمل لا لثقله لكن لغير ذلك: من التعويض منه أو لأن الصنعة أدت إلى رفضه. وذلك نحو "أن " مع الفعل إذا كان جوابًا للأمر والنهي وتلك الأماكن السبعة نحو اذهب فيذهب معك ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ وذلك أنهم عوضوا من "أن " الناصبة حرف العطف "وكذلك"٣ قولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك وقوله ٤: ............................ إنما ... نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا٥

стр. 275

صارت أو "والواو"١ فيه عوضًا من "أن " وكذلك الواو التي تحذف "معها رب"٢ في أكثر الأمر نحو قوله ٣: وقاتم الأعماق خاوي المخترق٤ غير أن الجر لرب لا للواو, كما أن النصب في الفعل إنما هو لأن المضمرة, لا للفاء ولا للواو ولا " لأو". ومن ذلك ما حذف من الأفعال وأنيب عنه غيره مصدرًا كان أو غيره؛ نحو ضربًا زيدًا وشتمًا عمرًا. وكذلك دونك زيدًا وعندك جعفرًا, ونحو ذلك: من الأسماء المسمى بها الفعل. فالعمل الآن إنما هو لهذه الظواهر المقامات مقام الفعل الناصب. ومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعال الناصبة نحو قولك إذا رأيت قادمًا: خير مقدم أي قدمت خير مقدم. فنابت٥ الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب. وكذلك قولك للرجل يهوي بالسيف ليضرب به: عمرًا وللرامي للهدف إذا أرسل النزع فسمعت صوتًا القرطاس والله: أي اضرب عمرًا, وأصاب القرطاس. فهذا ونحوه لم يرفض ناصبه لثقله بل لأن ما ناب عنه جار عندهم مجراه ومؤد تأديته. وقد ذكرنا في كتابنا الموسوم "بالتعاقب " من هذا النحو ما فيه كاف بإذن الله تعالى.

стр. 276

باب في فرق ١ بين البدل ٢ والعوض ٣: جماع ما في هذا أن البدل أشبه بالمبدل منه من العوض بالمعوض منه " وإنما يقع البدل في موضع المبدل منه والعوض لا يلزم فيه ذلك ألا تراك تقول في الألف من قام: إنها بدل من الواو التي هي عين الفعل ولا تقول فيها: إنها عوض منها وكذلك يقال في واو جُوَن وياء مِيَر: إنها بدل للتخفيف من همزة جؤن٣ ومئر ولا تقول: إنها عوض منها. وكذلك تقول في لام غاز وداع: إنها بدل من الواو ولا تقول: إنها عوض منها. وتقول في العوض: إن التاء في عدة, وزنة عوض من فاء الفعل ولا تقول: إنها بدل من منها. فإن قلت: ذاك فما أقله! وهو تجوز في العبارة. وسنذكر لم ذلك. وتقول في ميم " اللهم": إنها عوض من " يا" في أوله ولا تقول: بدل. وتقول في تاء زنادقة: إنها عوض٤ من ياء زناديق ولا تقول: بدل. وتقول في ياء "أينق ": إنها عوض من عين "أنوق " فيمن جعلها أيفل ومن جعلها عينًا مقدمة مغيرة إلى الياء جعلها بدلا من الواو. فالبدل أعم تصرفًا من العوض. فكل عوض بدل وليس كل بدل عوضًا. وينبغي أن تعلم أن العوض من لفظ " عَوضُ " -وهو الدهر- ومعناه؛ قال الأعشى ٥: رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق٦ والتقؤهما أن الدهر إنما هو مرور الليل والنهار وتصرم أجزائهما فكلما مضى جزء منه خلفه جزء آخر يكون عوضًا منه. فالوقت الكائن الثاني غير الوقت الماضي الأول. فلهذا كان العوض أشد مخالفة للمعوض منه من البدل. وقد ذكرت في موضع من كلامي مفرد اشتقاق أسماء الدهر والزمان وتقصيته هناك. وأتيت أيضًا في كتابي الموسوم ب "التعاقب " على كثير من هذا الباب ونهجت الطريق إلى ما أذكره بما نبهت به عليه.

стр. 277

باب في ١ الاستغناء بالشيء عن الشيء: قال سيبويه: واعلم٢ أن العرب قد تستغني بالشيء "عن الشيء"٣ حتى يصير المستغنى عنه مسقطًا من كلامهم البتة. فمن ذلك استغناؤهم بترك عن "ودع " و "وذر ". فأما قراءة بعضهم "ما ودَعك ربك وما قلى " وقول أبي الأسود٤ " حتى وَدَعه " فلغة شاذة وقد تقدم القول٥ عليها.

стр. 278

ومن ذلك استغناؤهم بلمحة عن ملمحة وعليها كسرت ملامح وبشبه عن مشبه وعليه جاء مشابه وبليلة عن ليلاة وعليها جاءت ليال وعلى أن ابن الأعرابي قد أنشد: في كل يوم ما وكل ليلاه ... حتى يقول كل راء إذ١ راه يا ويحه من جمل ما أشقاه وهذا شاذ لم يسمع إلا من هذه الجهة. وكذلك استغنوا بذكر عن مذكار أو مذكير وعليه جاء مذاكير. وكذلك استغنوا بـ"أينق " عن أن يأتوا به والعين في موضعها فألزموه القلب أو الإبدال فلم يقولوا " أنوق" إلا في شيء شاذ حكاه الفراء. وكذلك١ استغنوا بقسي عن قووس فلم يأت إلا مقلوبًا. ومن ذلك استغناؤهم بجمع القلة عن جمع الكثرة نحو قولهم أرجل لم يأتوا فيه بجمع الكثرة. وكذلك شسوع: لم يأتوا فيه بجمع القلة. وكذلك أيام: لم يستعملوا فيه جمع الكثرة. فأما جيران فقد أتوا فيه بمثال القلة أنشد الأصمعي: مذمة الأجوار والحقوق٣ وذكره أيضًا ابن الأعرابي فيما أحسب. فأما دراهم, ودنانير, ونحو ذلك -من الرباعي وما ألحق به- فلا سبيل فيه إلى جمع القلة. وكذلك٤ اليد التي هي العضو قالوا فيها أيد البتة. فأما أياد فتكسير أيد لا تكسير يد وعلى أن "أياد " أكثر ما تستعمل في النعم لا في الأعضاء. وقد جاءت أيضًا فيها أنشد أبو الخطاب: ساءها ما تأملت في أياديـ ... ـنا وإشناقُها إلى الأعناق٥

стр. 279

وأنشد أبو زيد ١: أما واحدًا فكفاك مثلي ... فمن ليد تطاوحها الأيادي٢ ومن أبيات٣ المعاني في ذلك "قوله"٤: ومستامة تستام وهي رخيصة ... تباع بساحات الأيادي وتمسح٥ "مستامة " يعني أرضًا تسوم فيها الإبل، من السير٦ لا من السوم الذي هو البيع و "تباع " أي تمد فيها الإبل أبواعها وأيديها و " تمسح " من المسح وهو القطع من قول الله ﵎: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ وقال العجاج: وخطرت فيه الأيادي وخطر ... رايٌ إذا أورده الطعن صدر٧

стр. 280

وقال الراجز ١: كأنه بالصحصحان الأنجل ... قطنٌ سخامٌ بأيادي غُزَّل٢ ومن ذلك استغناؤهم بقولهم: ما أجود جوابه عن "هو أفعل منك ٣" من الجواب. فأما قولهم: ما أشد سواده وبياضه وعوره وحوله فما لا بد منه. ومنه أيضًا استغناؤهم باشتد وافتقر عن قولهم: فقر وشد. وعليه جاء فقير. فأما شد فحكاها أبو زيد في المصادر ولم يحكها سيبويه. ومن ذلك استغناؤهم عن الأصل مجردًا من الزيادة بما استعمل منه حاملًا للزيادة وهو صدر صالح من اللغة. وذلك قولهم " حوشب "٤ هذا لم يستعمل منه "حشب " عارية من الواو الزائدة ومثله "كوكب " ألا ترى أنك لا تعرف في الكلام " حشب " عاريًا من الزيادة ولا "ككب " ومنه قولهم "دَودَرَّي " لأنا لا نعرف "ددر " ومثله كثير في ذوات الأربعة ٥. وهو في الخمسة أكثر منه في الأربعة. فمن الأربعة فلنقس٦، وصرنفخ٧، وسميدع٨، وعميثل٩، وسرومط١٠، وجحجبي١١، وقسقبّ١٢، وقسحبّ١٣، وهرشفّ١٤. ومن

стр. 281

ذوات الخمسة جعفليق١، وحنبريت١، ودردبيس، وعضرفوط١، وقرطبوس١، وقرعبلانة٢، وفنجليس ٣. فأما عرطليل٤ -وهو رباعي- فقد استعمل بغير زيادة قال أبو النجم: في سرطم هادٍ وعنقٍ عرطل٥ وكذلك خنشليل ألا ترى إلى قولهم: خنشلت المرأة والفرس إذا أسنت وكذلك عنتريس ألا ترى أنه من العترسة وهي الشدة. فأما قِنفَخر٦ فإن النون فيه زائدة. وقد حذفت -لعمري- في قولهم: امرأة قفاخرية إذا كانت فائقة في معناها غير أنك وإن كنت قد حذفت النون فإنك قد صرت إلى زيادة أخرى خلفتها وشغلت الأصل شغلها وهي الألف وياء الإضافة. فأما تاء التأنيث فغير معتدة. وأما حيزبون٧ فرباعي لزمته زيادة الواو. فإن قلت: فهلا جعلته ثلاثيًا من لفظ "الحزب"؟ قيل يفسد هذا أن النون في موضع زاي عيضموز٧، فيجب لذلك أن تكون أصلًا كجيم "خيسفوج "٨ وأما "عريقصان "٩ فتناوبته زيادتان وهما الياء في عريقصان والنون في "عرنقصان " كلاهما يقال١٠ بالنون

стр. 282

والياء. وأما "عِزويت "١ فمن لفظ "عزوت " لأنه "فِعليت " والواو لام. وأما " قنديل" فكذلك أيضًا ألا ترى إلى قول العجلي ٢: رُكب في ضخم الذفاري قندل٣ وأما عَلَندى٤ فتناهبته الزوائد. وذلك أنهم قد قالوا فيه: عِلوَدٌ وعُلادى وعُلَندًى وعَلَندًى ألا تراه غير منفك من الزيادة. ولزوم الزيادة لما لزمته من الأصول يضعف٥ تحقير الترخيم؛ لأن فيه حذفًا للزوائد. وبإزاء ذلك ما حذف من الأصول كلام يد ودم وأب وأخ وعين سهٍ ومذ وفاء عدة وزنة وناس والله في أقوى قولي٦ سيبويه. فإذا جاز حذف الأصول فيما أرينا وغيره كان حذف الزوائد التي ليست لها حرمة الأصول أحجى وأحرى. وأجاز أبو الحسن أظننت زيدًا عمرًا عاقلا ونحو ذلك وامتنع منه أبو عثمان وقال: استغنت العرب عن ذلك بقولهم: جعلته يظنه عاقلا. ومن ذلك استغناؤهم بواحد عن اثنٍ وباثنين عن واحدين وبستة عن ثلاثتين وبعشرة عن خمستين وبعشرين عن عشرتين ونحو ذلك.

стр. 283

باب في عكس التقدير: هذا موضع من العربية غريب. وذلك أن تعتقد في أمر من الأمور حكمًا ما وقتامًا ثم تحور١ في ذلك الشيء عينه في وقت آخر فتعتقد فيه حكمًا آخر. من ذلك الحكاية عن أبي عبيدة ٢. وهو قوله: ما رأيت أطرف٣ من أمر النحويين؛ يقولون: إن علامة التأنيث لا تدخل على علامة التأنيث وهم يقولون "علقاة " وقد قال العجاج: فكر في علقي وفي مكور٤ يريد أبو عبيدة أنه قال: "في علقي " فلم يصرف التأنيث ثم قالوا مع هذا "علقاة " أي فألحقوا تاء التأنيث ألفه. قال أبو عثمان ٥: كان أبو عبيدة أجفى من أن يعرف هذا. وذلك أن من قال "علقاة " فالألف عنده للإلحاق بباب جعفر كألف "أرطى " فإذا نزع الهاء أحال اعتقاده الأول عما كان عليه وجعل الألف للتأنيث فيما بعد فيجعلها للإلحاق مع تاء التأنيث وللتأنيث إذا فقد التاء. ولهذا نظائر. هي قولهم ٦: بُهمي٧ وبُهماة وشكاعى٨ وشكاعاة، وباقلى وباقلاة ونقاوى٩، ونقاواة،

стр. 284

وسمانى١ وسماناة. ومثل ذلك من الممدود قولهم: طرفاء وطرفاءة وقصباء وقصباءة وحلفاء وحلفاءة وباقلاء وباقلاءة. فمن قال: "طرفاء " فالهمزة عنده للتأنيث ومن قال: "طرفاءة " فالتاء عنده للتأنيث وأما الهمزة على قوله فزيادة لغير التأنيث. وأقوى القولين فيها عندي أن تكون همزة مرتجلة غير منقلبة لأنها إذا كانت منقلبة في هذا المثال فإنها عن ألف التأنيث لا غير نحو صحراء وصلفاء٢، وخبراء٣، والحرشاء٤. وقد يجوز أن تكون منقلبة عن حرف لغير الإلحاق فتكون -في الانقلاب لا في الإلحاق- كألف علباء وحرباء. وهذا مما يؤكد عندك حال الهاء ألا ترى أنها إذا لحقت اعتقدت فيما قبلها حكمًا ما فإن لم تلحق حار٥ الحكم إلى غيره. ونحو٦ منه قولهم: الصفنة٧، والصفن، والرضاع٨، والرضاعة وهو صفو الشيء وصفوته٩، وله نظائر قد ذكرت ومنه البرك١٠، والبركة للصدر. ومن ذلك قولنا: كان١١ يقوم زيد ونحن نعتقد رفع "زيد " بـ "كان " ويكون "يقوم " خبرًا مقدمًا عليه. فإن قيل: ألا تعلم أن "كان " إنما تدخل على الكلام الذي كان قبلها

стр. 285

مبتدأ وخبرًا, وأنت إذا قلت: يقوم زيد فإنما الكلام من فعل وفاعل فكيف ذلك فالجواب أنه لا يمتنع أن يعتقد مع "كان " في قولنا: كان يقوم زيد أن زيدًا مرتفع بـ "كان " , وأن "يقوم " مقدم عن موضعه فإذا حذفت "كان " زال الاتساع وتأخر الخبر الذي هو "يقوم " فصار بعد "زيد " كما أن ألف "علقاة " للإلحاق, فإذا حذفت الهاء استحال التقدير فصارت للتأنيث حتى قال: فكر في علقى وفي مكور على ذا تأوله أبو عثمان: ولم يحمله على أنهما لغتان. وأظنه إنما ذهب إلى ذلك لما رآه قد كثرت نظائره؛ نحو سمانى وسماناة وشكاعى وشكاعاة وبهمى وبهماة. فألف "بهمى " للتأنيث وألف "بهماة " زيادة لغير الإلحاق كألف قبعثرى وضبغطرى. ويجوز أن تكون للإلحاق بجخدب على قياس قول أبي الحسن الأخفش إلا أنه إلحاق اختص مع التأنيث ألا ترى أن أحدًا لا ينون " بهمى" فعلى ذلك يكون الحكم على قولنا: كان يقوم زيد ونحن نعتقد أن زيدًا مرفوع بكان. ومن ذلك ما نعتقده في همزاء حمراء وصفراء ونحوهما أنهما١ للتأنيث، فإن ركبت الاسم مع آخر قبله، حرت٢ عن ذلك الاستشعار والتقدير فيها واعتقدت غيره. وذلك أن تركب٣ مع " حمراء " اسمًا قبلها فتجعلهما جميعًا كاسم واحد فتصرف٤ "حمراء " حينئذ. وذلك قولك: هذا دار حمراء ورأيت دار حمراء ومررت
следующие страницы →