← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ذوات الخمسة جعفليق١، وحنبريت١، ودردبيس، وعضرفوط١، وقرطبوس١، وقرعبلانة٢، وفنجليس ٣. فأما عرطليل٤ -وهو رباعي- فقد استعمل بغير زيادة قال أبو النجم: في سرطم هادٍ وعنقٍ عرطل٥ وكذلك خنشليل ألا ترى إلى قولهم: خنشلت المرأة والفرس إذا أسنت وكذلك عنتريس ألا ترى أنه من العترسة وهي الشدة. فأما قِنفَخر٦ فإن النون فيه زائدة. وقد حذفت -لعمري- في قولهم: امرأة قفاخرية إذا كانت فائقة في معناها غير أنك وإن كنت قد حذفت النون فإنك قد صرت إلى زيادة أخرى خلفتها وشغلت الأصل شغلها وهي الألف وياء الإضافة. فأما تاء التأنيث فغير معتدة. وأما حيزبون٧ فرباعي لزمته زيادة الواو. فإن قلت: فهلا جعلته ثلاثيًا من لفظ "الحزب"؟ قيل يفسد هذا أن النون في موضع زاي عيضموز٧، فيجب لذلك أن تكون أصلًا كجيم "خيسفوج "٨ وأما "عريقصان "٩ فتناوبته زيادتان وهما الياء في عريقصان والنون في "عرنقصان " كلاهما يقال١٠ بالنون

стр. 282

والياء. وأما "عِزويت "١ فمن لفظ "عزوت " لأنه "فِعليت " والواو لام. وأما " قنديل" فكذلك أيضًا ألا ترى إلى قول العجلي ٢: رُكب في ضخم الذفاري قندل٣ وأما عَلَندى٤ فتناهبته الزوائد. وذلك أنهم قد قالوا فيه: عِلوَدٌ وعُلادى وعُلَندًى وعَلَندًى ألا تراه غير منفك من الزيادة. ولزوم الزيادة لما لزمته من الأصول يضعف٥ تحقير الترخيم؛ لأن فيه حذفًا للزوائد. وبإزاء ذلك ما حذف من الأصول كلام يد ودم وأب وأخ وعين سهٍ ومذ وفاء عدة وزنة وناس والله في أقوى قولي٦ سيبويه. فإذا جاز حذف الأصول فيما أرينا وغيره كان حذف الزوائد التي ليست لها حرمة الأصول أحجى وأحرى. وأجاز أبو الحسن أظننت زيدًا عمرًا عاقلا ونحو ذلك وامتنع منه أبو عثمان وقال: استغنت العرب عن ذلك بقولهم: جعلته يظنه عاقلا. ومن ذلك استغناؤهم بواحد عن اثنٍ وباثنين عن واحدين وبستة عن ثلاثتين وبعشرة عن خمستين وبعشرين عن عشرتين ونحو ذلك.

стр. 283

باب في عكس التقدير: هذا موضع من العربية غريب. وذلك أن تعتقد في أمر من الأمور حكمًا ما وقتامًا ثم تحور١ في ذلك الشيء عينه في وقت آخر فتعتقد فيه حكمًا آخر. من ذلك الحكاية عن أبي عبيدة ٢. وهو قوله: ما رأيت أطرف٣ من أمر النحويين؛ يقولون: إن علامة التأنيث لا تدخل على علامة التأنيث وهم يقولون "علقاة " وقد قال العجاج: فكر في علقي وفي مكور٤ يريد أبو عبيدة أنه قال: "في علقي " فلم يصرف التأنيث ثم قالوا مع هذا "علقاة " أي فألحقوا تاء التأنيث ألفه. قال أبو عثمان ٥: كان أبو عبيدة أجفى من أن يعرف هذا. وذلك أن من قال "علقاة " فالألف عنده للإلحاق بباب جعفر كألف "أرطى " فإذا نزع الهاء أحال اعتقاده الأول عما كان عليه وجعل الألف للتأنيث فيما بعد فيجعلها للإلحاق مع تاء التأنيث وللتأنيث إذا فقد التاء. ولهذا نظائر. هي قولهم ٦: بُهمي٧ وبُهماة وشكاعى٨ وشكاعاة، وباقلى وباقلاة ونقاوى٩، ونقاواة،

стр. 284

وسمانى١ وسماناة. ومثل ذلك من الممدود قولهم: طرفاء وطرفاءة وقصباء وقصباءة وحلفاء وحلفاءة وباقلاء وباقلاءة. فمن قال: "طرفاء " فالهمزة عنده للتأنيث ومن قال: "طرفاءة " فالتاء عنده للتأنيث وأما الهمزة على قوله فزيادة لغير التأنيث. وأقوى القولين فيها عندي أن تكون همزة مرتجلة غير منقلبة لأنها إذا كانت منقلبة في هذا المثال فإنها عن ألف التأنيث لا غير نحو صحراء وصلفاء٢، وخبراء٣، والحرشاء٤. وقد يجوز أن تكون منقلبة عن حرف لغير الإلحاق فتكون -في الانقلاب لا في الإلحاق- كألف علباء وحرباء. وهذا مما يؤكد عندك حال الهاء ألا ترى أنها إذا لحقت اعتقدت فيما قبلها حكمًا ما فإن لم تلحق حار٥ الحكم إلى غيره. ونحو٦ منه قولهم: الصفنة٧، والصفن، والرضاع٨، والرضاعة وهو صفو الشيء وصفوته٩، وله نظائر قد ذكرت ومنه البرك١٠، والبركة للصدر. ومن ذلك قولنا: كان١١ يقوم زيد ونحن نعتقد رفع "زيد " بـ "كان " ويكون "يقوم " خبرًا مقدمًا عليه. فإن قيل: ألا تعلم أن "كان " إنما تدخل على الكلام الذي كان قبلها

стр. 285

مبتدأ وخبرًا, وأنت إذا قلت: يقوم زيد فإنما الكلام من فعل وفاعل فكيف ذلك فالجواب أنه لا يمتنع أن يعتقد مع "كان " في قولنا: كان يقوم زيد أن زيدًا مرتفع بـ "كان " , وأن "يقوم " مقدم عن موضعه فإذا حذفت "كان " زال الاتساع وتأخر الخبر الذي هو "يقوم " فصار بعد "زيد " كما أن ألف "علقاة " للإلحاق, فإذا حذفت الهاء استحال التقدير فصارت للتأنيث حتى قال: فكر في علقى وفي مكور على ذا تأوله أبو عثمان: ولم يحمله على أنهما لغتان. وأظنه إنما ذهب إلى ذلك لما رآه قد كثرت نظائره؛ نحو سمانى وسماناة وشكاعى وشكاعاة وبهمى وبهماة. فألف "بهمى " للتأنيث وألف "بهماة " زيادة لغير الإلحاق كألف قبعثرى وضبغطرى. ويجوز أن تكون للإلحاق بجخدب على قياس قول أبي الحسن الأخفش إلا أنه إلحاق اختص مع التأنيث ألا ترى أن أحدًا لا ينون " بهمى" فعلى ذلك يكون الحكم على قولنا: كان يقوم زيد ونحن نعتقد أن زيدًا مرفوع بكان. ومن ذلك ما نعتقده في همزاء حمراء وصفراء ونحوهما أنهما١ للتأنيث، فإن ركبت الاسم مع آخر قبله، حرت٢ عن ذلك الاستشعار والتقدير فيها واعتقدت غيره. وذلك أن تركب٣ مع " حمراء " اسمًا قبلها فتجعلهما جميعًا كاسم واحد فتصرف٤ "حمراء " حينئذ. وذلك قولك: هذا دار حمراء ورأيت دار حمراء ومررت

стр. 286

بدار حمراء وكذلك هذا كلبصفراء١، ورأيت كلبصفراء ومررت بكلبصفراء, "فلا تصرف الاسم للتعريف والتركيب كحضرموت. فإن نكرت صرفت فقلت: رب كلبصفراءٍ مررت به"٢، وكلبصفراء آخر. فتصرف في النكرة وتعتقد في هذه الهمزة مع التركيب أنها لغير التأنيث وقد كانت قبل التركيب له. ونحو من ذلك ما نعتقده في الألفات إذا كن في الحروف والأصوات أنها غير منقلبة, وذلك نحو ألف لا وما وألف قاف وكاف ودال وأخواتها وألف على, وإلى, ولدى٣، وإذا فإن نقلتها فجعلتها أسماء أو اشتققت منها فعلًا استحال ذلك التقدير واعتقدت فيها ما تعتقده في المنقلب. وذلك قولك: مويت إذا كتبت "ما " ولويت إذا كتبت " لا " وكوفت كافًا حسنة ودولت دالًا جيدة, وزويت زايًا قوية. ولو سميت رجلًا بـ "على " أو "إلى " أو " لدى " أو "ألا " أو "إذا " ٤، لقلت في التثنية: عَلَوان وإلَوان ولَدَوان وأَلَوان وإذَوَان فاعتقدت في هذه الألفات مع التسمية بها وعند الاشتقاق منها الانقلاب وقد كانت قبل ذلك عندك غير منقلبة. وأغرب من ذلك قولك: بأبي أنت! . فالباء في أول الاسم حرف جر بمنزلة اللام في قولك: لله أنت! فإذا اشتققت منه فعلًا اشتقاقًا صوتيًّا استحال ذلك التقدير فقلت: بأبأت٥ به بئباء وقد أكثرت من البأبأة. فالباء الآن في لفظ الأصل وإن كنا قد أحطنا علمًا بأنها فيما اشتقت منه زائدة للجر. ومثال

стр. 287

البِئباء على هذا الفعلال كالزلزال, والقلقال, والبأبأة١ الفعللة, كالقلقلة, والزلزلة, وعلى هذا اشتقوا منهما "البئب " فصار فعلا من باب سلس, وقلق؛ قال ٢: يا بأبي أنت ويا فوق البئب ٣ فالبئب الآن بمنزلة الضلع, والعنب, والقمع, "والقرب"٤. ومن ذلك قولهم: القرنوة٥ للنبت وقالوا: قرنيت السقاء إذا دبغته بالقرنوة فالياء في قرنيت الآن للإلحاق, بمنزلة ياء سلقيت وجعبيت وإنما هي بدل من واو "قرنوة " التي هي لغير الإلحاق. وسألني أبو علي ﵀ عن ألف "يا " من قوله -فيما أنشده أبو زيد٦: فخيرٌ نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يا لا٧ فقال: أمنقلبة هي؟ قلت: لا؛ لأنها في حرف أعني " يا " فقال: بل هي منقلبة. فاستدللته على ذلك فاعتصم بأنها قد خلطت باللام بعدها ووقف عليها فصارت اللام كأنها جزء منها فصارت "يال " بمنزلة قال والألف في موضع العين وهي مجهولة فينبغي أن يحكم عليها بالانقلاب عن الواو. هذا٨ جمل ما قاله ولله هو وعليه رحمته،

стр. 288

فما كان أقوى قياسه وأشد بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه. فكأنه إنما كان مخلوقًا له. وكيف كان لا يكون كذلك وقد أقام على هذه الطريقة مع جلة أصحابها وأعيان شيوخها سبعين سنة زائحة علله ساقطة عنه كلفه, وجعله همه وسدمه١، لا يعتاقه عنه ولد ولا يعارضه فيه متجر ولا يسوم به مطلبًا ولا يخدم به رئيسًا إلا بأخرة٢ وقد حط من أثقاله وألقى عصا ترحاله! ثم إني -ولا أقول إلا حقًا- لأعجب من نفسي في وقتي هذا كيف تطوع لي بمسئلة أم كيف تطمح بي إلى انتزاع علة! مع ما الحال عليه من علق الوقت وأشجانه وتذاؤبه٣ وخلج٤ أشطانه، ولولا معازة٥ الخاطر واعتناقه٦، ومساورة الفكر واكتداده٧، لكنت عن هذا الشأن بمعزل وبأمر سواه على شغل. وقال لي مرة ﵀ بهذه الانتقالات: كما جاز إذا سميت بـ "ضرب " أن تخرجه من البناء إلى الإعراب كذلك يجوز أيضًا أن تخرجه من جنس إلى جنس إذا أنت نقلته من موضعه إلى غيره. ومن طريف ما ألقاه -رضي الله تعالى عنه- علي أنه سألني يومًا عن قولهم هات لا هاتيت فقال "ما هاتيت "؟ فقلت: فاعلت فهات من هاتيت كعاط من عاطيت فقال: أشيء آخر فلم يحضر إذ ذاك فقال أنا أرى فيه غير هذا. فسألته عنه, فقال: يكون فعليت, قلت: ممه؟ قال: من الهوتة٨،

стр. 289

وهي المنخفض من الأرض -قال: وكذلك " هيت " لهذا البلد١، لأنه منخفض من الأرض- فأصله٢ هوتيت، ثم أبدلت الواو التي هي عين فعليت وإن كانت ساكنة؛ كما أبدلت في ياجل٣ وياحل٣، فصار هاتيت وهذا لطيف حسن. على أن صاحب العين قد قال: إن الهاء فيه بدل من همزة كهرقت ونحوه. والذي يجمع بين هاتيت وبين الهوتة حتى دعا ذلك أبا علي إلى ما قال به أن الأرض المنخفضة تجذب إلى نفسها بانخفاضها. وكذلك قولك: هات إنما هو استدعاء منك للشيء واجتذابه إليك. وكذلك صاحب العين إنما حمله على اعتقاد بدل الهاء من الهمزة أنه أخذه من أتيت الشيء والإتيان ضرب من الانجذاب إلى الشيء. والذي ذهب إليه أبو علي في "هاتيت " غريب لطيف. ومما يستحيل فيه التقدير لانتقاله من صورة إلى أخرى قولهم "هلممت" إذا قلت: هلم. فهلممت الآن كصعررت وشمللت وأصله قبل غير هذا إنما هو أول٤ "ها " للتنبيه لحقت مثال الأمر للمواجه توكيدًا. وأصلها٥ ها لُمَّ فكثر استعمالها وخلطت "ها " بـ "لم " توكيدًا للمعنى لشدة الاتصال فحذفت الألف لذلك ولأن لام " لم " في الأصل ساكنة ألا ترى أن تقديرها أول "المم " وكذلك يقولها أهل الحجاز ثم زال هذا كله بقولهم "هلممت " فصارت كأنها فعللت من لفظ "الهلمام "٦ وتنوسيت حال التركيب. وكأن الذي صرفهما جميعًا عن ظاهر حاله حتى دعا أبا علي إلى أن جعله من "الهوتة " وغيره من لفظ أتيت عدم تركيب٧ ظاهره،

стр. 290

ألا ترى أنه ليس في كلامهم تركيب "هـ ت و " ولا "هـ ت ي " فنزلا جميعًا عن بادي أمره إلى لفظ غيره. فهذه طريق اختلاف التقدير وهي واسعة غير أني قد نبهت عليها فأمض الرأي والصنعة فيما يأتي منها. ومن لفظ "الهوتة " ومعناها قولهم مضى١ هيتاء٢ من الليل؛ وهو فعلاء منه ألا تراهم قالوا: قد تهور٣ الليل، ولو كسرت "هيتاء " لقلت "هواتي " وقريب من لفظه ومعناه قول الله سبحانه: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ إنما معناه هلم لك وهذا اجتذاب واستدعاء له؛ قال: أن العراق وأهله ... عنق إليك فهيت هيتا٤

стр. 291

باب في الفرق ١ بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى: هذا الموضع كثيرًا ما يستهوي من يضعف نظره إلى أن يقوده إلى إفساد الصنعة. وذلك كقولهم في تفسير قولنا "أهلَكَ والليلَ " معناه الحق أهلك قبل الليل، فربما دعا ذاك من لا دربة له إلى أن يقول "أهلك والليل " فيجره وإنما تقديره الحق أهلك وسابق الليل. وكذلك قولنا زيد قام: ربما ظن بعضهم أن زيدًا هنا فاعل في الصنعة، كما أنه فاعل في المعنى. وكذلك تفسير معنى قولنا: سرني قيام هذا وقعود ذاك، بأنه سرني أن قام هذا وأن قعد ذاك، ربما٢ اعتقد في هذا وذاك أنهما في موضع٣ رفع لأنهما فاعلان في المعنى. ولا تستصغر هذا الموضع؛ فإن العرب أيضًا قد مرت به وشمت روائحه وراعته. وذلك أن الأصمعي أنشد في جملة أراجيزه شعرًا من مشطور السريع طويلًا ممدودًا مقيدًا التزم الشاعر فيه أن جعل قوافيه كلها في موضع جر إلا بيتًا واحدًا من الشعر ٤: يستمسكون من حذار الإلقاء ... بتلعات كجذوع الصيصاء٥ رِدِي رِدِي وِردَ قطاة صماء ... كدرية أعجبها برد الماء٦ تطرد قوافيها كلها على الجر إلا بيتا واحدا، وهو قوله: كأنها وقد رآها الرؤاء٧ والذي سوغه٨ ذاك -على ما التزمه في جميع القوافي- ما كنا على سمته من القول. وذلك أنه لما كان معناه: كأنها في وقت رؤية الرؤاء تصور معنى الجر من هذا الموضع فجاز أن يخلط هذا البيت بسائر الأبيات وكأنه لذلك لم يخالف.

стр. 292

ونظير هذا عندي قول طرفة: في جفان تعتري نادينا ... وسديف حين هاج الصِنَّبِر١ يريد الصِنَّبر فاحتاج للقافية إلى تحريك الباء فتطرق إلى ذلك بنقل حركة الإعراب إليها تشبيهًا بباب قولهم: هذا بكر ومررت ببكر وكان يجب على هذا أن يضم الباء فيقول: الصَنَّبُر لأن الراء مضمومة إلا أنه تصور معنى إضافة الظرف إلى الفعل فصار إلى أنه كأنه قال: حين هيج الصنبر فلما احتاج إلى حركة الباء تصور معنى الجر فكسر الباء وكأنه قد نقل الكسرة عن الراء إليها. ولولا ما أوردته في هذا لكان الضم مكان الكسر ٢. وهذا أقرب مأخذًا من أن تقول: إنه حرّف القافية للضرورة كما حرفها الآخر في قوله ٣: هل عرفت الدار أم أنكرتها ... بين تبراك فشسَّى عبقُر٤ في قول من قال: أراد عبقر٥، ثم حرف الكلمة. ونحوه في التحريف قول العبد٦:

стр. 293

وما دمية من دمى ميسنا ... ن معجبة نظرًا واتصافا١ أراد -فيما قيل- ميسان٢، فزاد النون ضرورة، فهذا -لعمري- تحريف بتعجرف عار من الصنعة. والذي ذهبت أنا إليه هناك في "الصنبِر " ليس عاريًا من الصنعة. فإن قلت: فإن الإضافة في قوله "حين هاج الصنبر " إنما هي إلى الفعل لا إلى الفاعل فكيف حرفت غير المضاف إليه؟ قيل الفعل مع الفاعل٣ كالجزء الواحد وأقوى الجزأين منهما هو الفاعل فكأن الإضافة إنما هي إليه لا إلى الفعل فلذلك جاز أن يتصور فيه معنى الجر. فإن قيل: فأنت إذا أضفت المصدر إلى الفاعل جررته في اللفظ واعتقدت مع هذا أنه في المعنى مرفوع فإذا كان في اللفظ أيضًا مرفوعًا فكيف يسوغ لك بعد حصوله في موضعه من استحقاقه الرفع لفظًا ومعنى أن تحور به فتتوهمه مجرورًا؟ قيل هذا الذي أردناه وتصورناه هو مؤكد للمعنى الأول لأنك كما تصورت في المجرور معنى الرفع كذلك تممت حال الشبه بينهما فتصورت في المرفوع معنى الجر. ألا ترى أن سيبويه لما شبه الضارب الرجل بالحسن الوجه وتمثل ذلك في نفسه ورسا في تصوره زاد في تمكين هذه الحال له وتثبيتها عليه, بأن عاد فشبه الحسن الوجه بالضارب الرجل في الجر كل ذلك تفعله العرب, وتعتقده العلماء في الأمرين ليقوى تشابههما٤ وتعمر ذات بينهما، ولا يكونا على

стр. 294

حرد١، وتناظر غير مجد، فاعرف هذا من مذهب القوم واقتفه تصب بإذن الله تعالى. ومن ذلك قولهم في قول العرب: كل رجل وصنعته٢، وأنت وشأنك: معناه أنت مع شأنك وكل رجل مع صنعته فهذا يوهم من أمم أن الثاني خبر عن الأول كما أنه إذا قال أنت مع شأنك فإن قوله "مع شأنك " خبر عن أنت. وليس الأمر كذلك بل لعمري إن المعنى عليه غير أن تقدير الأعراب على غيره. وإنما " شأنك" معطوف على "أنت " والخبر محذوف للحمل على المعنى, فكأنه قال: كل رجل وصنعته مقرونان وأنت وشأنك مصطحبان. وعليه جاء العطف بالنصب مع أن؛ قال: أغار على معزاي لم يدر أنني ... وصفراء منها عبلة الصفوات٣ ومن ذلك قولهم أنت ظالم إن فعلت ألا تراهم يقولون في معناه: إن فعلت فأنت ظالم فهذا ربما أوهم أن "أنت ظالم" جواب مقدم ومعاذ الله أن يقدم جواب الشرط عليه وإنما قوله "أنت ظالم " دال على الجواب وساد مسده فأما أن يكون هو الجواب فلا. ومن ذلك قولهم في عليك زيدًا: إن معناه خذ زيدًا وهو -لعمري- كذلك, إلا أن "زيدًا " الآن إنما هو منصوب بنفس " عليك " من حيث كان اسمًا لفعل متعد لا أنه منصوب بـ "خذ ". ألا ترى إلى فرق ما٤ بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى فإذا مر بك شيء من هذا عن أصحابنا فاحفظ نفسك منه ولا تسترسل إليه فإن أمكنك أن يكون

стр. 295

تقدير الإعراب على سمت تفسير المعنى فهو ما لا غاية وراءه وإن كان تقدير الإعراب مخالفًا لتفسير المعنى تقبلت١ تفسير المعنى على ما هو عليه، صححت طريق تقدير الإعراب حتى لا يشذ شيء منها عليك وإياك أن تسترسل فتفسد ما تؤثر إصلاحه ألا تراك تفسر نحو قولهم: ضربت زيدًا سوطًا أن معناه ضربت زيدًا ضربة بسوط. وهو -لا شك- كذلك ولكن طريق إعرابه أنه على حذف المضاف, أي ضربته ضربة سوط ثم حذفت الضربة على عبرة حذف المضاف. ولو ذهبت تتأول ضربته سوطًا على أن تقدير إعرابه: ضربة بسوط كما أن معناه كذلك للزمك أن تقدر أنك حذفت الباء كما تحذف حرف الجر في نحو قوله: أمرتك الخير٢، وأستغفر٣ الله ذنبًا فتحتاج إلى اعتذار من حذف حرف الجر وقد غنيت عن ذلك كله بقولك ٤: إنه على حذف المضاف أي ضربة سوط ومعناه ضربة بسوط فهذا -لعمري- معناه، فأما طريق إعرابه وتقديره فحذف المضاف. باب في أن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به، إلا أن يعترض هناك من صناعة اللفظ ما يمنع منه: من ذلك أن ترى رجلا قد سدد سهمًا نحو الغرض ثم أرسله فتسمع صوتًا فتقول: القرطاس والله أي أصاب القرطاس. فـ "أصاب " الآن في حكم الملفوظ به

стр. 296

البتة، وإن لم يوجد في اللفظ، غير أن دلالة الحال عليه نابت مناب اللفظ به. وكذلك قولهم لرجل مهو بسيف في يده: زيدًا, أي اضرب زيدًا. فصارت شهادة الحال بالفعل بدلا من اللفظ به. وكذلك قولك للقادم من سفر: خير مقدم أي قدمت خير مقدم وقولك: قد مررت برجل إن زيدًا١ وإن عمرًا أي إن كان زيدًا وإن كان عمرًا وقولك للقادم من حجه: مبرور مأجور أي أنت مبرور مأجور, ومبرورًا مأجورًا٢ أي قدمت مبرورًا مأجورًا وكذلك قوله ٣: رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الغداة من جلله٤ أي رب رسم دار. وكان رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ يقول: خير عافاك الله -أي بخير- يحذف٥ الباء لدلالة الحال عليها بجري العادة والعرف بها. وكذلك قولهم: الذي ضربت زيد تريد الهاء وتحذفها لأن في الموضع دليلا عليها. وعلى نحو من هذا تتوجه عندنا قراءة حمزة وهي قوله سبحانه: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ " ليست هذه القراءة عندنا من الإبعاد والفحش والشناعة والضعف على ما رآه فيها وذهب إليه أبو العباس٦، بل الأمر فيها دون ذلك وأقرب وأخف وألطف وذلك أن لحمزة أن يقول لأبي العباس: إنني لم أحمل " الأرحام " على العطف على المجرور المضمر بل اعتقدت أن تكون فيه باء ثانية حتى كأني٧ قلت: "وبالأرحام " ثم حذفت الباء لتقدم ذكرها؛ كما حذفت لتقدم

стр. 297

ذكرها في نحو قولك: بمن تمرر أمرر وعلى من تنزل أنزل ولم تقل: أمرر به ولا أنزل عليه لكن حذفت الحرفين لتقدم ذكرهما. وإذا جاز للفرزدق أن يحذف حرف الجر لدلالة ما قبله عليه "مع مخالفته له في الحكم "١ في قوله: وإني من قوم بهم يتقى العدا ... ورأب الثأى والجانب المتخوف٢ أراد: وبهم رأب الثأى فحذف الباء في هذا الموضع لتقدمها في قوله: بهم يتقى العدا وإن كانت حالاهما مختلفتين ٣. ألا ترى أن٤ الباء في قوله٥: "بهم يتقى العدا " منصوبة الموضع لتعلقها بالفعل الظاهر الذي هو يتقى كقولك: بالسيف يضرب زيد والباء في قوله: "وبهم رأب الثأى " مرفوعة الموضع عند٦ قوم، وعلى كل حال فهي متعلقة بمحذوف ورافعه٧ الرأب -ونظائر هذا كثيرة- كان٨ حذف الباء من قوله "والأرحام " لمشابهتها الباء في "به " موضعًا وحكمًا أجدر وقد أجازوا تبًّا له وويل على تقدير وويل له فحذفوها وإن كانت اللام في "تبًّا له " لا ضمير فيها وهي

стр. 298

متعلقة بنفس١ "تبًا " مثلها في هلم لك وكانت اللام في "ويل له " خبرًا ومتعلقة بمحذوف وفيها ضمير فهذا عروض٢ بيت الفرزدق. فإن قلت: فإذا كان المحذوف للدلالة عليه عندك بمنزلة الظاهر فهل تجيز توكيد الهاء المحذوفة في نحو قولك: الذي ضربت زيد فتقول: الذي ضربت نفسه زيد كما تقول: الذي ضربته نفسه زيد قيل: هذا عندنا غير جائز؛ وليس ذلك لأن المحذوف هنا ليس بمنزلة المثبت بل لأمر آخر وهو أن الحذف هنا إنما الغرض به٣ التخفيف لطول الاسم فلو ذهبت تؤكده لنقضت٤ الغرض. وذلك أن التوكيد والإسهاب ضد التخفيف والإيجاز فلما كان الأمر كذلك تدافع الحكمان فلم يجز أن يجتمعا كما لا يجوز ادغام الملحق لما فيه من نقض الغرض. وكذلك قولهم لمن سدد سهمًا ثم أرسله نحو الغرض فسمعت صوتًا فقلت: القرطاس والله أي أصاب القرطاس: لا يجوز توكيد الفعل الذي نصب "القرطاس ". لو قلت: إصابةً القرطاس فجعلت "إصابة " مصدرًا للفعل الناصب للقرطاس لم يجز من قبل أن الفعل هنا قد حذفته العرب وجعلت الحال المشاهدة دالة عليه, ونائبة عنه فلو أكدته لنقضت الغرض لأن في توكيده تثبيتًا للفظه المختزل, ورجوعًا عن المعتزم من حذفه واطراحه والاكتفاء بغيره منه. وكذلك قولك للمهوي

стр. 299

بالسيف في يده: زيدًا أي اضرب زيدًا لم يجز أن تؤكد ذلك الفعل الناصب لزيد ألا تراك لا تقول: ضربًا زيدًا وأنت تجعل "ضربًا " توكيدًا لاضرب المقدرة من قبل أن تلك اللفظة قد أنيبت عنها الحال الدالة عليها وحذفت هي اختصارًا فلو أكدتها لنقضت القضية التي كنت حكمت بها لها لكن لك أن تقول: ضربًا زيدًا لا على أن تجعل ضربًا توكيدًا للفعل الناصب لزيد بل على أن تبدله منه فتقيمه مقامه فتنصب به زيدًا فأما على التوكيد به لفعله وأن يكون زيد منصوبًا بالفعل الذي هذا١ توكيد له فلا. فهذه الأشياء لولا ما عرض من صناعة اللفظ -أعني الاقتصار على شيء٢ دون شيء- لكان توكيدها جائزًا حسنًا لكن "عارض ما منع "٣ فلذلك لم يجز؛ لا لأن المحذوف ليس في تقدير الملفوظ به. ومما يؤكد لك أن المحذوف للدلالة عليه بمنزلة الملفوظ به إنشادهم قول الشاعر ٤: قاتلي القوم يا خزاع ولا ... يأخذكم من قتالهم فشل٥ فتمام الوزن أن يقال: فقاتلي القوم فلولا أن المحذوف إذا دل الدليل عليه بمنزلة المثبت لكان هذا كسرًا لا زخافًا. وهذا من أقوى وأعلى ما يحتج به لأن المحذوف للدلالة عليه بمنزلة الملفوظ به البتة فاعرفه واشدد يدك به.

стр. 300

وعلى الجملة فكل ما حذف تخفيفًا فلا يجوز توكيده لتدافع حاليه به من حيث١ التوكيد للإسهاب والإطناب والحذف للاختصار والإيجاز. فاعرف ذلك مذهبًا للعرب. ومما يدلك على صحة ذلك قول العرب -فيما رويناه عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: "راكب الناقة طليحان " كذا رويناه هكذا وهو يحتمل٢ عندي وجهين: أحدهما ما نحن عليه من الحذف فكأنه قال: راكب الناقة والناقة طليحان فحذف المعطوف لأمرين: أحدهما تقدم ذكر الناقة والشيء إذا تقدم ذكره دل٣ على ما هو مثله. ومثله من حذف المعطوف قول الله : ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ أي فضرب فانفجرت. فحذف " فضرب " لأنه معطوف على قوله: "فقلنا ". وكذلك قول التغلبي ٤: إذا ما الماء خالطها سخينا٥ أي شربنا٦ فسخينا. فكذلك قوله: راكب الناقة طليحان أي راكب الناقة والناقة طليحان. فإن قلت: فهلا كان التقدير على حذف المعطوف عليه أي الناقة وراكب الناقة طليحان قيل يبعد ذلك من وجهين:

стр. 301

أحدهما أن الحذف اتساع والاتساع بابه آخر الكلام وأوسطه لا صدره وأوله ألا ترى أن من اتسع بزيادة " كان" حشوًا أو آخرًا لا يجيز زيادتها أولا, وأن من اتسع بزيادة " ما " حشوًا وغير أول لم يستجز زيادتها أولًا إلا في شاذ من القول نحو قوله: وقد ما هاجني فازددت شوقا ... بكاء حمامتين تجاوبان فيمن رواه " وقدما " بزيادة " ما " على أنه يريد: وقد هاجني لا فيمن رواه فقال: "وقدمًا هاجني " أي وقديمًا هاجني. والآخر أنه لو كان تقديره: الناقة وراكب الناقة طليحان لكان قد حذف حرف العطف وبقي المعطوف به وهذا شاذ إنما حكى منه أبو عثمان عن أبي زيد: أكلت لحمًا سمكًا تمرًا، وأنشد أبو الحسن: كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يزرع الود في فؤاد الكريم٢ وأنشد ابن الأعرابي ٣: وكيف لا أبكي على علاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي٤

стр. 302

وهذا كله شاذ ولعله جميع ما جاء منه. وأما على القول الآخر فإنه -لعمري- قد حذف حرف العطف مع١ المعطوف به وهذا ما لا بد منه؛ ألا ترى أنه إذا حذف المعطوف لم يجز أن يبقى الحرف العاطفه قبله بحاله؛ لأن حرف العطف لا يجوز تعليقه٢. فإن قلت فقد قال٣: قد وعدتني أم عمرو أن تا ... تدهن رأسي وتفليني وا٤ وتمسح القنفاء حتى تنتا فإنما جاز هذا لضرورة الشعر, ولأنه أيضًا قد أعاد الحرف في أول البيت الثاني فجاز تعليق الأول بعد أن دعمه بحرف الإطلاق وأعاده فعرف ما أراد بالأول فجرى مجرى قوله ٥: عجل لنا هذا وألحقنا بذا ال ... الشحم إنا قد مللناه بجل٦ فكما٧ علق حرف التعريف مدعومًا بألف الوصل وأعاده فيما بعد فكذلك علق حرف العطف مدعومًا بحرف الإطلاق وأعاده فيما بعد. فإن قلت: فألف قوله " وا "٨ ملفوظ بها وألف الوصل في قوله "بذا ال " غير ملفوظ بها قيل: لو ابتدأت اللام لم يكن من الهمزة بد. فإن قلت: أفيجوز على هذا "قام زيدوه, وعمرو " فتجري

стр. 303

هاء١ بيان الحركة ألف الإطلاق؟ فإنه٢ أضعف القياسين. وذلك أن ألف الإطلاق أشبه بما صيغ في الكلمة من هاء بيان الحركة ألا ترى إلى ما جاء من قوله ٣: ولاعب بالعشي بني بنينه ... كفعل الهر يحترش العظايا٤ فأبعده الإله ولا يؤبى ... ولا يسقى من المرض الشفايا٥ وقرأته على أبي علي: ولا يشفى. ألا ترى أن أبا٦ عثمان قال: شبه ألف الإطلاق بتاء التأنيث أي فصحح اللام لها كما يصححها للهاء وليست كذلك هاء بيان الحركة لأنها لم تقو قوة تاء التأنيث أولا ترى أن ياء الإطلاق في قوله: ... .. . كله لم أصنعي٧ قد نابت عن الضمير العائد حتى كأنه قال: لم أصنعه فلذلك كان "وا " من قوله " وتفليني وا " كأنه لاتصاله بالألف غير معلق. فإذا كان في اللفظ كأنه غير معلق وعاد من بعد معطوفًا به لم يكن هناك كبير مكروه فيعتذر منه.

стр. 304

فإن قلت: فإن هاء بيان الحركة قد عاقبت لام الفعل؛ نحو ارمه, واغزه, واخشه, فهذا يقويها, فإنه موضع لا يجوز١ أن يسوى به بينها وبين ألف الإطلاق. والوجه الآخر الذي لأجله حسن حذف المعطوف أن الخبر جاء بلفظ التثنية٢، فكان ذلك دليلا على أن المخبر عنه اثنان. فدل الخبر على حال المخبر عنه. إذ كان الثاني هو الأول. فهذا أحد وجهي٣ ما تحتمله الحكاية. والآخر٤ أن يكون الكلام محمولا على حذف المضاف أي راكب الناقة أحد طليحين, كما يحتمل ذلك قوله سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ أي من أحدهما وقد ذهب٥ فيه إليه فيما حكاه أبو الحسن. فالوجه٦ الأول وهو ما كنا عليه: من أن المحذوف من اللفظ إذا دلت الدلالة عليه كان بمنزلة الملفوظ به, ألا ترى أن الخبر لما جاء مثنى دل على أن المخبر عنه مثنى كذلك أيضًا، وفي هذا القول٧ دليل على ما يرد من نحوه بمشيئة الله "وحوله"٨.

стр. 305

باب في نقض المراتب إذا عرض هناك عارض: من ذلك امتناعهم من تقديم الفاعل في نحو ضرب غلامه زيدًا. فهذا١ لم يمتنع من حيث كان الفاعل ليس رتبته التقديم وإنما امتنع لقرينة انضمت إليه، وهي إضافة الفاعل إلى ضمير المفعول وفساد تقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى. فلهذا وجب٢ إذا أردت تصحيح المسئلة أن تؤخر الفاعل فتقول: ضرب زيدًا غلامه، وعليه قول الله سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ وأجمعوا٣ على أن ليس بجائز ضرب غلامه زيدًا لتقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى. وقالوا في قول النابغة ٤: جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل إن الهاء عائدة على٥ مذكور متقدم كل ذلك لئلا يتقدم ضمير المفعول عليه مضافًا " إلى الفاعل"٦ فيكون مقدمًا عليه لفظًا ومعنى. وأما أنا فأجيز٧ أن تكون الهاء في قوله: جزى ربه عني عدي بن حاتم عائدة على "عدي" خلافًا على الجماعة. فإن قيل: ألا تعلم أن الفاعل رتبته التقدم، والمفعول رتبته التأخر٨، فقد وقع كل٩ منهما الموقع الذي هو أولى به فليس لك أن تعتقد في الفاعل وقد وقع مقدمًا أن

стр. 306

إضافة الفاعل إلى ضمير المفعول وفساد تقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى. فلهذا وجب١ إذا أردت تصحيح المسئلة أن تؤخر الفاعل فتقول: ضرب زيدًا غلامه، وعليه قول الله سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ وأجمعوا٢ على أن ليس بجائز ضرب غلامه زيدًا لتقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى. وقالوا في قول النابغة ٣: جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل إن الهاء عائدة على٤ مذكور متقدم كل ذلك لئلا يتقدم ضمير المفعول عليه مضافًا " إلى الفاعل"٥ فيكون مقدمًا عليه لفظًا ومعنى. وأما أنا فأجيز٦ أن تكون الهاء في قوله: جزى ربه عني عدي بن حاتم عائدة على "عدي" خلافًا على الجماعة. فإن قيل: ألا تعلم أن الفاعل رتبته التقدم، والمفعول رتبته التأخر٧، فقد وقع كل٨ منهما الموقع الذي هو أولى به فليس لك أن تعتقد في الفاعل وقد وقع مقدمًا أن

стр. 307

إذا هبطا الأرض المخوف بها الردى ... يخفض من جاشيهما منصلاهما١ وقول لبيد: فمدافع الريان عُرِّيَ رسمها ... خلقًا كما ضمن الوُحِيَّ سِلامها٢ ومن أبيات الكتاب ٣: اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل فقدم المفعول في المصراعين جميعًا وللبيد أيضًا: رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرهامها وله أيضًا: لمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمن طعامها٤ وقال الله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ وقال الآخر: أبعدك الله من قلب نصحت له ... في حب جمل ويأبى غير عصياني وقال المرقش الأكبر: لم يشج قلبي مِلحوادث إلـ ... ـلا صاحبي المتروك في تغلم٥

стр. 308

وفيها: في باذخات من عماية أو ... يرفعه دون السماء خيم١ والأمر في كثرة تقديم المفعول على الفاعل في القرآن وفصيح الكلام متعالم غير مستنكر فلما كثر وشاع تقديم المفعول "على الفاعل"٢ كان الموضع له، حتى إنه إذا أخر فموضعه التقديم فعلى ذلك كأنه قال: جزى عديَّ بن حاتم ربُّه ثم قدم الفاعل على أنه قد قدره مقدمًا عليه مفعوله فجاز ذلك٣، ولا تستنكر هذا الذي صورته لك ولا يجف عليك فإنه مما تقبله هذه اللغة ولا تعافه ولا تتبشعه ألا ترى أن سيبويه أجاز في جر "الوجه" من قولك: هذا الحسن الوجهِ أن يكون من موضعين: أحدهما بإضافة الحسن إليه، والآخر تشبيه٤ له بالضارب الرجل هذا مع أنا قد أحطنا علمًا بأن الجر في "الرجل" من قولك: هذا الضارب الرجل إنما جاءه وأتاه من جهة تشبيههم إياه بالحسن الوجه لكن لما اطرد الجر في نحو هذا الضارب الرجل والشاتم الغلام صار كأنه أصل في بابه حتى دع ذاك سيبويه إلى أن عاد "فشبه الحسن الوجه "٥ بالضارب الرجل، "من الجهة التي إنما صحت للضارب الرجل تشبيهًا بالحسن الوجه"٦ وهذا يدلك على تمكن الفروع عندهم حتى إن أصولها

стр. 309

التي أعطتها حكمًا من أحكامها قد حارت فاستعادت١ من فروعها ما كانت هي أدته إليها وجعلته عطية منها لها فكذلك أيضًا يصير تقديم المفعول لما استمر وكثر كأنه هو الأصل وتأخير الفاعل كأنه أيضًا هو الأصل. فإن قلت إن هذا ليس مرفوعًا إلى العرب ولا محكيًا عنها أنها رأته مذهبًا وإنما هو شيء رآه سيبويه واعتقده قولًا ولسنا نقلد سيبويه ولا غيره في هذه العلة ولا غيرها، فإن٢ الجواب عن هذا حاضر عتيد والخطب فيه أيسر وسنذكره في باب يلي هذا بإذن الله. ويؤكد أن الهاء في " ربه " لعدي٣ بن حاتم من جهة المعنى عادة العرب في الدعاء ألا تراك لا تكاد تقول: جزى رب زيد عمرًا وإنما يقال: جزاك ربك خيرًا أو شرًا. وذلك أوفق لأنه إذا كان مجازيه ربه كان أقدر على جزائه وأملأ٤ به. ولذلك جرى العرف بذلك فاعرفه. ومما نقضت مرتبته المفعول في الاستفهام والشرط فإنهما٥ يجيئان مقدمين٦ على الفعلين الناصبين لهما وإن كانت رتبة المعمول أن يكون بعد العامل فيه. وذلك قوله ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ فـ " أي منقلب " منصوب على المصدر بـ "ينقلبون " لا بـ "سيعلم " وكذلك قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ

стр. 310

قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ وقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فهذا ونحوه لم يلزم تقديمه من حيث كان مفعولًا. وكيف يكون ذلك وقد قال عز اسمه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ وقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وهو ملء الدنيا كثرة وسعة لكن إنما وجب تقديمه لقرينة انضمت إلى ذلك وهي وجوب تقدم الأسماء المستفهم بها والأسماء المشروط بها. فهذا من النقض العارض. ومن ذلك وجوب تأخير المبتدأ إذا كان نكرة وكان الخبر عنه ظرفًا نحو قولهم: عندك مال وعليك دين وتحتك بساطان ومعك ألفان. فهذه الأسماء كلها مرفوعة بالابتداء ومواضعها التقديم على الظروف قبلها التي هي أخبار عنها إلا أن مانعًا منع من ذلك حتى لا تقدمها١ عليها، ألا "ترى أنك"٢ لو قلت: غلام لك أو بساطان تحتك ونحو ذلك لم يحسن٣، لا لأن المبتدأ ليس "موضعه التقديم"٤ لكن لأمر حدث وهو كون المبتدأ هنا نكرة ألا تراه لو كان معرفة لاستمر وتوجه تقديمه فتقول: البساطان تحتك والغلام لك. أفلا ترى أن ذلك إنما فسد تقديمه لما ذكرناه: من قبح تقديم المبتدأ نكرة في الواجب ولكن لو أزلت الكلام إلى غير الواجب لجاز تقديم النكرة كقولك: هل غلام عندك وما بساط تحتك فجنيت الفائدة من حيث كنت قد أفدت بنفيك عنه كون البساط تحته واستفهامك عن الغلام: أهو عنده أم لا؟ إذ كان هذا معنى جليًا مفهومًا. ولو أخبرت عن النكرة في الإيجاب مقدمة فقلت: رجل عندك كنت قد أخبرت عن منكور لا يعرف وإنما ينبغي أن تقدم المعرفة ثم تخبر عنها بخبر يستفاد منه معنى منكور نحو زيد عندك ومحمد منطلق وهذا واضح. فإن قلت: فلم وجب مع هذا تأخير النكرة في الإخبار عنها بالواجب قيل لما قبح ابتداؤها نكرة لما ذكرناه رأوا تأخيرها وإيقاعها في موقع الخبر الذي بابه أن يكون نكرة فكان ذلك إصلاحًا للفظ كما أخروا اللام لام الابتداء مع "إن " في قولهم: إن زيدًا لقائم لإصلاح اللفظ. وسترى ذلك في بابه بعون الله وقدرته. فاعلم إذًا أنه لا تنقض مرتبة إلا لأمر حادث فتأمله وابحث عنه.

стр. 311

باب في غلبة الفروع على الأصول ... باب من غلبة الفروع على الأصول: هذا فصل من فصول العربية طريف١؛ تجده في معاني العرب، كما تجده في معاني الإعراب ٢. ولا تكاد تجد شيئًا من ذلك إلا والغرض فيه المبالغة. فمما جاء فيه ذلك للعرب قول ذي الرمة: ورمل كأوراك العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس٣ أفلا ترى ذا الرمة كيف جعل الأصل فرعًا والفرع أصلًا. وذلك أن العادة والعرف في نحو هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء ألا ترى إلى قوله: ليلى قضيب تحته كثيب ... وفي القلاد رَشَأٌ ربيب٤

стр. 312

وإلى قول ذي الرمة أيضًا -وهو من أبيات الكتاب١: ترى خلفها نصفًا قناة قويمة ... ونصفًا نقًا يرتج أو يتمرمر٢ وإلى قول الآخر: خلقت غير خلقة النسوان ... إن قمت فالأعلى قضيب بان وإن توليت فدعصتان ... وكل إد تفعل العينان٣ وإلى قوله ٤: كدِعص النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال وما أحسن ما ساق الصنعة فيه الطائي الكبير: كم أحرزت قضب الهندي مصلتةً ... تهتز من قضب تهتز في كثب٥

стр. 313

"ولله البحتري"١ فما أعذب وأظرف وأدمث قوله: أين الغزال المستعير من التقا ... كفلا ومن نور الأقاحي مبسما٢ فقلب ذو الرمة العادة والعرف في هذا فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء. وهذا كأنه يخرج مخرج المبالغة أي قد ثبت هذا الموضع وهذا٣ المعنى لأعجاز النساء وصار٤ كأنه الأصل فيه حتى شبه به كثبان الأنقاء. ومثله للطائي الصغير: في طلعة البدر شيء من ملاحتها ... وللقضيب نصيب من تثنيها٥ وآخر من٦ جاء به شاعرنا، فقال: نحن ركب مِلجِنِّ في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال٧ فجعل كونهم جنًّا أصلا وجعل كونهم ناسًا فرعًا وجعل كون مطاياه طيرًا أصلًا وكونها جمالا فرعًا فشبه الحقيقة بالمجاز في المعنى الذي منه أفاد المجاز من الحقيقة

стр. 314

ما أفاد. وعلى نحو من هذا قالوا "جمالية" لأنهم شبهوها بالجمل في شدته وعلو خلقه؛ قال الأعشى: جمالية تغتلي بالردف ... إذا كذب الآثمات الهجيرا١ وقال الراعي: على جمالية كالفحل هملاج وهو كثير. فلما شاع ذلك واطرد صار كأنه أصل في بابه، حتى عادوا فشبهوا الجمل بالناقة في ذلك؛ فقال٢: وقربوا كل جُمالي عَضِه ... قريبةٍ ندوتُه من مَحمَضِه فهذا من حملهم الأصل على الفرع فيما كان الفرع أفاده من الأصل، ونظائره في هذه اللغة كثيرة. وهذا المعنى عينه قد استعمله النحويون في صناعتهم فشبهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل ألا ترى أن سيبويه أجاز في قولك: هذا الحسن الوجه أن يكون الجر في الوجه من موضعين، أحدهما

стр. 315

الإضافة والآخر تشبيهه بالضارب الرجل الذي إنما جاز فيه الجر تشبيهًا له بالحسن الوجه على ما تقدم في الباب قبل هذا. فإن قيل: وما الذي سوغ سيبويه هذا وليس مما يرويه عن العرب رواية وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه وعلل به قيل يدل على صحة ما رآه من هذا وذهب إليه ما عرفه وعرفناه معه: من أن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء مكنت ذلك الشبه لهما، وعمرت١ به الحال بينهما؛ ألا تراهم لما شبهوا الفعل المضارع بالاسم فأعربوه تمموا ذلك المعنى بينهما بأن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه. وكذلك لما شبهوا الوقف بالوصل في نحو٣ قولهم "﵇ والرحمت " وقوله ٤: بل جوزتيهاء كظهر الحجفت٥ وقوله ٦: آلله نجاك بكفي مَسلمت ... من بعدما وبعدما وبعدمت٧ صارت نفوس القوم عند الغلصمت ... وكادت الحرة أن تدعى أمت

стр. 316

كذلك شبهوا أيضًا الوصل بالوقف في قولهم: ثلاثهَ اربعه يريد ثلاثه أربعه ثم تخفف الهمزة فتقول: ثلاثهَ اربَعَه وفي قولهم: " سبسبَّا وكلكلاّ"١. وكما أجروا غير اللازم مجرى اللازم في قولهم: "لَحمر٢ ورُيا ٣" وقولهم: وَهْوَ٤ الله وَهْيَ٤ التي فعلتْ وقوله ٥: فقمت للطيف مرتاعًا وأرقني ... فقلت أهي سرت أم عادني حلم٦

стр. 317

وقولهم ها١ الله ذا, أجروه مجرى دابة وقوله: ومن يتق فإن الله معه ... ورزق الله مؤتابٌ وغادي٢ أجرى "تَقِ فَ "٣ مجرى علم حتى صار "تَقْفَ " كعَلْمَ, كذلك٤ أيضًا أجروا اللازم مجرى غير اللازم في قول الله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٥ فأجرى النصب مجرى الرفع الذي لا تلزم فيه الحركة٦ ومجرى٧ الجزم الذي لا يلزم فيه الحرف أصلا وكما حمل النصب على الجر في التثنية والجمع الذي على حد التثينة, كذلك حمل الجر على النصب فيما لا ينصرف وكما شبهت الياء بالألف في قوله: كأن أيديهن بالقاع القَرِق٨

стр. 318

وقوله ١: يا دار هند عفت إلا أثافيها كذلك حملت الألف على الياء في قوله -فيما أنشد أبو زيد: إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضّاها ولا تملَّق٢ وكما وضع الضمير المنفصل موضع المتصل في قوله: إليك حتى بلغت إياكا ومنه قول أمية ٣: بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرض في دهر الدهارير كذلك وضع أيضا المتصل موضع المنفصل في قوله: فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار٤ وكما قلبت الواو ياء استحسانًا, لا عن قوة علة في نحو غديان٥، وعشيان٥، وأبيض لياح٥، كذلك أيضًا "قلبت الياء واوًا"٦ في نحو الفتوى والرعوى والتقوى،

стр. 319

والبقوى, والثنوى, والشروى -وقد ذكر١ ذلك- وقولهم عوى الكلب عوة. وكما أتبعوا الثاني الأول في نحو شد وفر وعض ومنذ كذلك أتبعوا الأول الثاني في نحو: اقتل اخرج ادخل وأشباه هذا كثير٢، فلما رأى سيبويه العرب إذا شبهت شيئًا بشيء فحملته على حكمه عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه, تثبيتًا لهما وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما حكم أيضًا لجر الوجه من قوله " هذا الحسن الوجه " أن يكون محمولًا على جر الرجل في قولهم " هذا الضارب الرجل " كما أجازوا أيضًا النصب في قولهم "هذا الحسن الوجهَ " حملًا له منهم على " هذا الضارب الرجل " ونظيره قولهم: يا أميمة٣، ألا تراهم حذفوا الهاء فقالوا: أميم فلما أعادوا الهاء أقروا الفتحة بحالها اعتيادًا للفتحة في الميم وإن كان الحذف فرعًا. وكذلك قولهم "اجتمعت أهل اليمامة"٤ أصله "اجتمع أهل اليمامة " ثم حذف المضاف فأنث الفعل فصار "اجتمعت اليمامة" ثم أعيد المحذوف فأقر التأنيث الذي هو الفرع بحاله فقيل اجتمعت أهل اليمامة "نعم " وأيد ذلك ما قدمنا ذكره؛ من عكسهم التشبيه وجعلهم فيه الأصول محمولة على الفروع، في تشبيههم كشبان الأنقاء بأعجاز النساء، وغير ذلك مما قدمنا ذكره. ولما كان النحويون بالعرب لاحقين, وعلى سمتهم آخذين, وبألفاظهم متحلين ولمعانيهم وقصودهم آمين، جاز لصاحب٥ هذا العلم الذي جمع شعاعه وشرع أوضاعه ورسم أشكاله ووسم أغفاله٧، وخلج أشطانه،

стр. 320

وبعج أحضانه، وزم شوارده, وأفاء١ فوارده، أن يرى فيه نحوًا مما رأوا ويحذوه على أمثلتهم التي حذوا وأن يعتقد في هذا الموضع نحوًا مما اعتقدوا في أمثاله لا سيما والقياس إليه مصغ وله قابل وعنه غير متثاقل. فاعرف إذًا ما نحن عليه للعرب مذهبًا ولمن شرح لغاتها مضطربًا وأن سيبويه لاحق بهم وغير بعيد فيه عنهم. ولذلك عندنا لم يتعقب هذا الموضع عليه أحد من أصحابه٢ ولا غيرهم، ولا أضافوه إلى ما نعوه عليه وإن كان بحمد الله ساقطًا عنه وحرىً بالاعتذار هم منه. وأجاز سيبويه أيضًا نحو هذا وهو قوله "زيدًا إذا يأتيني أضرب "٣ فنصبه بـ "أضرب " ونوى تقديمه حتى كأنه قال "زيدًا أضرب إذا يأتيني" ألا ترى إلى نيته بما يكون جوابًا ل "إذا " -وقد وقع في موقعه- أن يكون التقدير فيه تقديمه عن موضعه. ومن غلبة الفروع للأصول إعرابهم في الآحاد بالحركات نحو زيدٌ وزيدًا, وزيدٍ وهو يقوم وإذا تجووزت رتبة الآحاد٤ أعربوا بالحروف نحو الزيدان، والزيدين، والزيدون والعمرين وهما يقومان وهم ينطلقون. فأما ما جاء في الواحد من ذلك نحو أخوك وأباك وهنيك فإن أبا بكر ذهب فيه إلى أن العرب قدمت منه هذا القدر توطئة لما أجمعوه من الإعراب في التثنية والجمع بالحروف. وهذا أيضًا نحو آخر من حمل الأصل على الفرع ألا تراهم أعربوا بعض الآحاد بالحروف حملًا لهم على ذلك في التثنية والجمع. فأما قولهم " أنت تفعلين "
следующие страницы →