← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

كذلك شبهوا أيضًا الوصل بالوقف في قولهم: ثلاثهَ اربعه يريد ثلاثه أربعه ثم تخفف الهمزة فتقول: ثلاثهَ اربَعَه وفي قولهم: " سبسبَّا وكلكلاّ"١. وكما أجروا غير اللازم مجرى اللازم في قولهم: "لَحمر٢ ورُيا ٣" وقولهم: وَهْوَ٤ الله وَهْيَ٤ التي فعلتْ وقوله ٥: فقمت للطيف مرتاعًا وأرقني ... فقلت أهي سرت أم عادني حلم٦

стр. 317

وقولهم ها١ الله ذا, أجروه مجرى دابة وقوله: ومن يتق فإن الله معه ... ورزق الله مؤتابٌ وغادي٢ أجرى "تَقِ فَ "٣ مجرى علم حتى صار "تَقْفَ " كعَلْمَ, كذلك٤ أيضًا أجروا اللازم مجرى غير اللازم في قول الله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٥ فأجرى النصب مجرى الرفع الذي لا تلزم فيه الحركة٦ ومجرى٧ الجزم الذي لا يلزم فيه الحرف أصلا وكما حمل النصب على الجر في التثنية والجمع الذي على حد التثينة, كذلك حمل الجر على النصب فيما لا ينصرف وكما شبهت الياء بالألف في قوله: كأن أيديهن بالقاع القَرِق٨

стр. 318

وقوله ١: يا دار هند عفت إلا أثافيها كذلك حملت الألف على الياء في قوله -فيما أنشد أبو زيد: إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضّاها ولا تملَّق٢ وكما وضع الضمير المنفصل موضع المتصل في قوله: إليك حتى بلغت إياكا ومنه قول أمية ٣: بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرض في دهر الدهارير كذلك وضع أيضا المتصل موضع المنفصل في قوله: فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار٤ وكما قلبت الواو ياء استحسانًا, لا عن قوة علة في نحو غديان٥، وعشيان٥، وأبيض لياح٥، كذلك أيضًا "قلبت الياء واوًا"٦ في نحو الفتوى والرعوى والتقوى،

стр. 319

والبقوى, والثنوى, والشروى -وقد ذكر١ ذلك- وقولهم عوى الكلب عوة. وكما أتبعوا الثاني الأول في نحو شد وفر وعض ومنذ كذلك أتبعوا الأول الثاني في نحو: اقتل اخرج ادخل وأشباه هذا كثير٢، فلما رأى سيبويه العرب إذا شبهت شيئًا بشيء فحملته على حكمه عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه, تثبيتًا لهما وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما حكم أيضًا لجر الوجه من قوله " هذا الحسن الوجه " أن يكون محمولًا على جر الرجل في قولهم " هذا الضارب الرجل " كما أجازوا أيضًا النصب في قولهم "هذا الحسن الوجهَ " حملًا له منهم على " هذا الضارب الرجل " ونظيره قولهم: يا أميمة٣، ألا تراهم حذفوا الهاء فقالوا: أميم فلما أعادوا الهاء أقروا الفتحة بحالها اعتيادًا للفتحة في الميم وإن كان الحذف فرعًا. وكذلك قولهم "اجتمعت أهل اليمامة"٤ أصله "اجتمع أهل اليمامة " ثم حذف المضاف فأنث الفعل فصار "اجتمعت اليمامة" ثم أعيد المحذوف فأقر التأنيث الذي هو الفرع بحاله فقيل اجتمعت أهل اليمامة "نعم " وأيد ذلك ما قدمنا ذكره؛ من عكسهم التشبيه وجعلهم فيه الأصول محمولة على الفروع، في تشبيههم كشبان الأنقاء بأعجاز النساء، وغير ذلك مما قدمنا ذكره. ولما كان النحويون بالعرب لاحقين, وعلى سمتهم آخذين, وبألفاظهم متحلين ولمعانيهم وقصودهم آمين، جاز لصاحب٥ هذا العلم الذي جمع شعاعه وشرع أوضاعه ورسم أشكاله ووسم أغفاله٧، وخلج أشطانه،

стр. 320

وبعج أحضانه، وزم شوارده, وأفاء١ فوارده، أن يرى فيه نحوًا مما رأوا ويحذوه على أمثلتهم التي حذوا وأن يعتقد في هذا الموضع نحوًا مما اعتقدوا في أمثاله لا سيما والقياس إليه مصغ وله قابل وعنه غير متثاقل. فاعرف إذًا ما نحن عليه للعرب مذهبًا ولمن شرح لغاتها مضطربًا وأن سيبويه لاحق بهم وغير بعيد فيه عنهم. ولذلك عندنا لم يتعقب هذا الموضع عليه أحد من أصحابه٢ ولا غيرهم، ولا أضافوه إلى ما نعوه عليه وإن كان بحمد الله ساقطًا عنه وحرىً بالاعتذار هم منه. وأجاز سيبويه أيضًا نحو هذا وهو قوله "زيدًا إذا يأتيني أضرب "٣ فنصبه بـ "أضرب " ونوى تقديمه حتى كأنه قال "زيدًا أضرب إذا يأتيني" ألا ترى إلى نيته بما يكون جوابًا ل "إذا " -وقد وقع في موقعه- أن يكون التقدير فيه تقديمه عن موضعه. ومن غلبة الفروع للأصول إعرابهم في الآحاد بالحركات نحو زيدٌ وزيدًا, وزيدٍ وهو يقوم وإذا تجووزت رتبة الآحاد٤ أعربوا بالحروف نحو الزيدان، والزيدين، والزيدون والعمرين وهما يقومان وهم ينطلقون. فأما ما جاء في الواحد من ذلك نحو أخوك وأباك وهنيك فإن أبا بكر ذهب فيه إلى أن العرب قدمت منه هذا القدر توطئة لما أجمعوه من الإعراب في التثنية والجمع بالحروف. وهذا أيضًا نحو آخر من حمل الأصل على الفرع ألا تراهم أعربوا بعض الآحاد بالحروف حملًا لهم على ذلك في التثنية والجمع. فأما قولهم " أنت تفعلين "

стр. 321

فإنهم إنما أعربوه بالحرف١ وإن كان في رتبة الآحاد -وهي الأول- من حيث كان قد صار بالتأنيث إلى حكم الفرعية ومعلوم أن الحرف أقوى من الحركة فقد ترى إلى علم إعراب الواحد أضعف لفظًا من إعراب ما فوقه فصار -لذلك- الأقوى كأنه الأصل والأضعف كأنه الفرع. ومن ذلك حذفهم الأصل لشبهه عندهم بالفرع ألا تراهم لما حذفوا الحركات -ونحن نعلم أنها زوائد في نحو لم يذهب ولم ينطلق- تجاوزوا ذلك إلى أن حذفوا للجزم أيضًا الحروف الأصول فقالوا: لم يخش ولم ير ولم يغز. ومن ذلك "أيضًا"٢ أنهم حذفوا ألف مغزىً٣، ومدعىً في الإضافة فأجازوا مغزِيّ ومرمِيّ ومَدعِيّ فحملوا الألف هنا -وهي لام- على الألف الزائدة في نحو٤ حبلىّ وسكرىّ. ومن ذلك حذفهم ياء تحية وإن كانت أصلًا حملًا لها على ياء شقية وإن كانت زائدة فلذلك قالوا تحويّ كما قالوا سقويّ وغنويّ في شقية وغنية. وحذفوا أيضًا النون الأصلية في قوله ٥: ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل وفي قوله٦: كأنهما ملآن لم يتغيرا

стр. 322

وقوله ١: أبلغ أبا دختنوس مألكةً ... غير الذي قد يقال مِلكذب٢ كما حذفوا الزائدة٣ في قوله ٤: وحاتم الطائي وهاب المئي وقوله ٥: ولا ذاكر الله إلا قليلا ومن ذلك حملهم التثنية -وهي أقرب إلى الواحد- على الجمع وهو أنأى عنه؛ ألا تراهم قلبوا همزة التأنيث فيها فقالوا: حمراوان وأربعاوان كما قلبوها فيه واوًا فقالوا: حمراوات علمًا وصحراوات وأربعاوات. ومن ذلك حملهم الاسم -وهو الأصل- على الفعل -وهو الفرع- في باب ما لا ينصرف "نعم " وتجاوزوا بالاسم رتبة الفعل إلى أن شبهوه بما ورءاه -وهو الحرف- فبنوه نحو أمس وأين وكيف وكم وإذا. وعلى ذلك ذهب بعضهم في ترك تصرف " ليس" إلى أنها ألحقت بـ "ما " فيه كما ألحقت "ما " ٦ بها في العمل في اللغة الحجازية. وكذلك قال أيضًا في " عسى ": "إنها"٧ منعت التصرف لحملهم إياها على لعل. فهذا ونحوه يدلك على قوة تداخل هذه اللغة وتلامحها٨، واتصال أجزائها وتلاحقها وتناسب أوضاعها وأنها لم تقتعث٩ اقتعاثًا ولا هيلت هيلا, وأن واضعها عني بها وأحسن جوارها١٠، وأمد بالإصابة والأصالة فيها.

стр. 323

باب في إصلاح ١ اللفظ: اعلم أنه لما كانت الألفاظ للمعاني أزمة وعليها أدلة وإليها موصلة، وعلى٢ المراد منها محصلة عنيت العرب بها فأولتها صدرًا٣ صالحًا من تثقيفها وإصلاحها. فمن ذلك قولهم: أما زيد فمنطلق ألا ترى أن تحرير هذا القول إذا صرحت بلفظ الشرط فيه صرت إلى أنك كأنك قلت: مهما يكن من شيء فزيد منطلق قتجد الفاء في جواب الشرط في صدر الجزأين مقدمة عليهما. وأنت في قولك: أما زيد فمنطلق إنما تجد الفاء واسطة بين الجزأين ولا تقول: أما فزيد منطلق كما تقول فيما هو "في معناه "٤: مهما يكن من شيء فزيد منطلق. وإنما فعل ذلك لإصلاح اللفظ. ووجه إصلاحه أن هذه الفاء وإن كانت جوابًا ولم تكن عاطفة فإنها على مذهب٥ لفظ العاطفة وبصورتها فلو قالوا: أما فزيد منطلق كما يقولون: مهما يكن من شيء فزيد منطلق لوقعت الفاء الجارية مجرى فاء العطف بعدها اسم

стр. 324

وليس قبلها اسم، إنما قبلها في اللفظ حرف, وهو أما. فتنكبوا ذلك لما ذكرنا, ووسطوها بين الحرفين ليكون قبلها اسم وبعدها آخر فتأتي على صورة العاطفة؛ فقالوا: أما زيد فمنطلق كما تأتي عاطفة بين الاسمين في نحو قام زيد فعمرو. وهذا تفسير أبي علي رحمه الله تعالى. وهو الصواب. ومثله امتناعهم أن يقولوا: انتظرتك وطلوع الشمس أي مع طلوع الشمس, فينصبوه١ على أنه مفعول معه؛ كما ينصبون نحو قمت وزيدًا, أي مع زيد. قال أبو الحسن: وإنما ذلك لأن الواو التي بمعنى مع لا تستعمل إلا في الموضع الذي لو استعملت فيه عاطفة لجاز. ولو قلت: انتظرتك وطلوع الشمس أي و "انتظرك٢ طلوع الشمس" لم يجز. أفلا ترى إلى إجرائهم الواو غير العاطفة في هذا مجرى العاطفة فكذلك أيضًا تجري الفاء غير العاطفة في نحو أما زيد فمنطلق مجرى العاطفة, فلا يؤتى بعدها بما لا شبيه له في جواز العطف عليه٣ قبلها. ومن ذلك قولهم في جمع تمرة وبسرة ونحو ذلك: تمرات وبسرات فكرهوا إقرار التاء تناكرًا لاجتماع علامتي تأنيث في لفظ اسم واحد فحذفت وهي في النية -مرادة البتة٤- لا لشيء٥ إلا لإصلاح اللفظ لأنها في المعنى مقدرة منوية٦

стр. 325

لا غير ألا تراك إذا قلت "تمرات" لم يعترض شك في أن الواحدة منها تمرة, وهذا واضح. " والعناية" ١ إذًا في الحذف إنما هي بإصلاح٢ اللفظ إذ المعنى ناطق بالتاء مقتض لها حاكم بموضعها ٣. ومن ذلك قولهم: إن زيدًا لقائم فهذه لام الابتداء وموضعها أول الجملة وصدرها لا آخرها وعجزها فتقديرها٤ أول: لَئنّ زيدًا منطلق فلما كره تلاقي حرفين لمعنى واحد -وهو التوكيد- أخرت اللام إلى الخبر فصار إن زيدًا لمنطلق. فإن قيل: هلا أخرت "إن " وقدمت اللام قيل: لفساد ذلك من أوجه: أحدها أن اللام لو تقدمت وتأخرت " إن " لم يجز أن تنصب "إن " اسمها الذي٥ من عادتها نصبه من قبل أن لام الابتداء إذا لقيت الاسم المبتدأ قوت سببه وحمت من العوامل جانبه فكان يلزمك أن ترفعه فتقول: لَزيدٌ إنَّ قائم ولم يكن إلى نصب "زيد " -وفيه لام الابتداء- سبيل. ومنها أنك لو تكلفت نصب زيد -وقد أخرت عنه "إن " - لأعملت " إن " فيما قبلها وإن لا تعمل أبدًا إلا فيما بعدها. ومنها أن "إن " عاملة واللام غير عاملة والمبتدأ لا يكون إلا اسمًا وخبره قد يكون جملة وفعلا وظرفًا وحرفًا فجعلت اللام فيه لأنها غير عاملة ومنعت منه " إن" لأنها لا تعمل في الفعل ولا في الجملة كلها النصب إنما تعمله في أحد جزأيها ولا تعمل أيضًا في الظرف, ولا في حرف الجر. ويدل على أن موضع اللام في خبر "إن " أول الجملة قبل " إن " أن العرب لما جفا عليها اجتماع هذين الحرفين قبلوا الهمزة هاء ليزول لفظ " إن "

стр. 326

فيزول أيضًا ما كان مستكرهًا من ذلك فقالوا "لهِنّك قائم " ١ أي لئنك قائم. وعليه قوله -فيما رويناه عن محمد بن سلمة عن أبي العباس٢: ألا ياسنا برق على قلل الحمى ... لهنك من برق على كريم٣ فإن قلت: فما تصنع بقول الآخر ٤: ثمانين حولا لا أرى منك راحة ... لهنك في الدنيا لباقية العمر٥ وما٦ هاتان اللامان؟ قيل: أما الأولى فلام الابتداء, على ما تقدم. وأما الثانية في قوله: "لباقية العمر " فزائدة كزيادتها في قراءة سعيد بن جبير ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ . ونحوه ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر: ألم تكن حلفت بالله العلي ... أن مطاياك لمن خير المطي٧ بفتح أن في الآية وفي البيت. وروينا عن أحمد بن يحيى -وأنشدناه أبو علي رحمه الله تعالى:

стр. 327

مروا عجالا وقالوا كيف صاحبكم ... قال الذي سألوا أمسى لمجهودا١ فزاد اللام. وكذلك اللام عندنا في "لعل" زائدة ألا ترى أن العرب قد تحذفها قال: عل صروف الدهر أو دولاتها ... يدلننا اللمة من لماتها٢ فتستريح النفس من زفراتها وكذلك٣ ما أنشده٤ ابن الأعرابي من قول الراجز: ثمت يغدو لكأن لم يشعر ... رخو الإزار زمح التبختر٥ أي كأن لم يشعر، فكذلك تكون اللام الثانية في قوله: لهنك في الدنيا لباقية العمر زائدة. فإن قلت: فلم لا تكون الأولى هي الزائدة والأخرى غير زائدة قيل: يفسد ذلك من جهتين: إحداهما أنها قد ثبتت في قوله "لهنك من برق علي كريم " هي لام الابتداء لا زائدة فكذلك ينبغي أن تكون في هذا الموضع أيضًا هي لام الابتداء. والأخرى أنك لو جعلت الأولى هي الزائدة لكنت قد قدمت الحرف الزائد والحروف إنما تزاد لضرب من ضروب الاتساع فإذا كانت للاتساع كان آخر الكلام أولى بها من أوله ألا تراك لا تزيد "كان " مبتدأة وإنما تزيدها حشوًا أو آخرًا وقد تقدم ذكر ذلك.

стр. 328

فأما قول١ من قال: إن قولهم "لهنك " إن أصله "لله إنك " فقد "تقدم ذكرنا"٢ ذلك مع ما عليه فيه في موضع آخر وعلى أن أبا علي قد كان قواه بأَخَرةٍ وفيه تعسف ٣. ومن إصلاح اللفظ قولهم: كأن زيدًا عمرو. اعلم أن أصل هذا الكلام: زيد كعمرو ثم أرادوا توكيد الخبر فزادوا فيه "إن " فقالوا: إن زيدًا كعمرو ثم إنهم بالغوا في توكيد التشبيه فقدموا حرفه إلى أول الكلام عناية به وإعلامًا أن عقد الكلام عليه فلما تقدمت الكاف وهي جارّة لم يجز أن تباشر "إن " لأنها ينقطع عنها ما قبلها من العوامل فوجب لذلك فتحها فقالوا: كأن زيدا عمرو. ومن ذلك أيضًا قولهم: لك مال وعليك دين فالمال والدين هنا مبتدآن, وما قبلهما خبر عنهما إلا أنك لو رمت تقديمهما إلى المكان المقدر لهما لم يجز, لقبح الابتداء بالنكرة في الواجب فلما جفا ذلك في اللفظ أخروا المبتدأ وقدموا الخبر وكان ذلك سهلا عليهم ومصلحًا لما فسد عندهم. وإنما كان تأخره مستحسنًا من قبل أنه لما تأخر وقع موقع الخبر ومن شرط الخبر أن يكون نكرة, فلذلك صلح به اللفظ وإن كنا قد أحطنا علمًا بأنه في المعنى مبتدأ. فأما٤ من رفع الاسم في نحو هذا بالظرفية فقد كفي مئونة هذا الاعتذار لأنه ليس مبتدأ عنده.

стр. 329

فإن قلت: فقد حكى١ عن العرب "أمتٌ في حجر لا فيك" وقولهم: "شر أهرَّ ذا ناب " وقولهم: " سَلَامٌ عَلَيْكَ", قال الله : ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ , وقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ونحو ذلك. والمبتدأ٢ في جميع هذا نكرة مقدمة. قيل: أما قوله سلام عليك وويل له وأمت في حجر لا فيك فإنه جاز لأنه ليس في المعنى خبرًا إنما هو دعاء ومسألة أي ليسلم الله عليك وليلزمه الويل وليكن الأمت في الحجارة لا فيك. والأمت: الانخفاض والارتفاع والاختلاف قال الله : ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ أي اختلافًا. ومعناه: أبقاك الله بعد فناء الحجارة وهي مما توصف بالخلود والبقاء ألا تراه كيف قال ٣: ما أطيب العيش لو أن التى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم٤ وقال: بقاء الوحي في الصم الصلاب

стр. 330

وأما قولهم "شر أهر ذا ناب " فإنما جاز الابتداء فيه بالنكرة من حيث كان الكلام عائدًا إلى معنى النفي أي ما أهر ذا ناب إلا شر وإنما كان المعنى هذا لأن الخبرية عليه أقوى ألا ترى أنك لو قلت: أهر ذا ناب شر لكنت على طرف من الإخبار غير مؤكد فإذا قلت: ما أهر ذا ناب إلا شر كان ذلك أوكد؛ ألا ترى أن قولك: ما قام إلا زيد أوكد من قولك: قام زيد. وإنما احتيج إلى التوكيد في هذا الموضع من حيث كان أمرًا عانيًا مهمًا. وذلك أن قائل هذا القول سمع هرير كلب فأضاف منه وأشفق١ لاستماعه أن يكون لطارق شر فقال: شر أهر ذا ناب؛ أي ما أهر ذا ناب إلا شر تعظيمًا عند نفسه أو عند مستمعه. وليس هذا في نفسه كأن يطرق بابه ضيف أو يلم به مسترشد. " فلما عناه وأهمه, وكد الإخبار عنه "٢، وأخرج القول مخرج الإغلاظ به والتأهيب٣ لما دعا إليه. ومن ذلك امتناعهم من الإلحاق بالألف إلا أن تقع آخرًا نحو أرطىً, ومعزىً, وحبنطىً, وسرندىً, وزبعرىً, وصلخدىً, وذلك أنها إذا وقعت طرفًا وقعت موقع حرف متحرك فدل ذلك على قوتها عندهم وإذا وقعت حشوًا وقعت موقع الساكن فضعفت لذلك فلم تقو فيعلم بذلك إلحاقها بما هي على سمت متحركه٤؛ ألا ترى أنك لو ألحقت بها ثانية فقلت: خاتم ملحق بجعفر لكانت مقابلة لعينه وهي ساكنة فاحتاطوا للفظ بأن قابلوا٥ بالألف فيه الحرف المتحرك ليكون أقوى لها وأدل على شدة تمكنها وليعلم بتنوينها أيضًا وكون ما هي في على "وزن أصل من الأصول له"٦ أنها للإلحاق به. وليست كذلك ألف قبعثرى, وضبغطرى؛

стр. 331

لأنها وإن كانت طرفًا ومنونة فإن المثال الذي فيه "لا"١ مصعد للأصول إليه فيلحق هذا به لأنه لا أصل لها٢ سداسيًا، فإنما٣ ألف قبعثرى قسم من الألفات الزوائد في أواخر الكلم ثالث لا للتأنيث ولا للإلحاق. فاعرف ذلك. ومن ذلك أنهم لما "أجمعوا الزيادة"٤ في آخر بنات الخمسة -كما زادوا في آخر بنات الأربعة- خصوا بالزيادة فيه الألف استخفافًا لها ورغبة فيها هناك دون أختيها: الياء والواو. وذلك أن بنات الخمسة لطولها لا ينتهي إلى آخرها إلا وقد ملت, فلما٥ تحملوا الزيادة في آخرها طلبوا أخف الثلاث -وهي الألف- فخصوها بها, وجعلوا الواو والياء حشوًا في نحو عضرفوط وجعفليق لأنهم لو جاءوا بهما طرفًا٦ وسداسيين مع ثقلهما لظهرت الكلفة في تجشمهما وكدت في احتمال النطق بهما كل ذلك لإصلاح اللفظ. ومن ذلك باب الادّغام في المتقارب نحو ود في وتد, ومن الناس "ميقول " في "من يقول " ومنه جميع باب التقريب؛ نحو اصطبر، وازدان، وجمع باب المضارعة، نحو مصدر٧ وبابه. ومن ذلك تسكينهم لام الفعل إذا اتصل بها علم الضمير المرفوع نحو ضربت وضربن وضربنا. وذلك أنهم أجروا الفاعل هنا مجرى جزء من الفعل فكره

стр. 332

اجتماع الحركات "الذي لا يوجد "١ في الواحد. فأسكنوا اللام٢، إصلاحًا للفظ فقالوا: ضربت ودخلنا وخرجتم. نعم وقد كان يجتمع فيه أيضًا خمس متحركات نحو: خرجتما فالإسكان إذًا أشد وجوبًا. وطريق إصلاح اللفظ كثير واسع فتفطن له. ومن ذلك أنهم لما أرادوا أن يصفوا المعرفة بالجملة كما وصفوا بها النكرة "ولم "٣ يجز أن يجروها عليها لكونها نكرة أصلحوا اللفظ بإدخال "الذي " لتباشر بلفظ حرف التعريف المعرفة فقالوا: مررت بزيد الذي قام أخوه ونحوه.

стр. 333

باب في تلاقي اللغة: هذا موضع لم أسمع فيه لأحد شيئًا إلا لأبي علي ﵀. وذلك أنه كان يقول في باب أجمع وجمعاء وما يتبع ذلك من أكتع وكتعاء وبقيته: إن هذا اتفاق وتوارد وقع في اللغة على غير ما كان في وزنه منها. قال: لأن باب أفعل وفعلاء إنما هو للصفات وجميعها تجيء١ على "هذا الوضع"٢ نكرات نحو أحمر وحمراء وأصفر وصفراء وأسود وسوداء وأبلق وبلقاء وأخرق وخرقاء. هذا كله صفات نكرات فأما أجمع وجمعاء فاسمان معرفتان وليسا بصفتين فإنما ذلك اتفاق وقع بين٣ هذه الكلم المؤكد بها. قال: ومثله ليلة طلقة وليال طوالق قال: فليس طوالق٤ تكسير "طلقة", لأن فعلة لا تكسر على فواعل, وإنما طوالق جمع طالقة وقعت موقع جمع طلقة.

стр. 334

وهذا الذي قاله وجه صحيح. وأبين منه عندي وأوضح قولهم في العلم: سلمان, وسلمى فليس سلمان إذًا من سلمى كسكران من سكرى. ألا ترى أن فعلان الذي يقاوده١ فعلى إنما بابه الصفة كغضبان وغضبى وعطشان وعطشى وخزيان وخزيا وصديان وصديا وليس سلمان ولا سلمى بصفتين ولا نكرتين, وإنما سلمان من سلمى كقحطان من ليلى غير أنهما كانا من لفظ واحد فتلاقيا في عرض اللغة من غير قصد لجمعهما ولا إيثار لتقاودهما. ألا تراك لا تقول: هذا رجل سلمان ولا امرأة سلمى كما تقول: هذا سكران وهذه سكرى وهذا غضبان, وهذه غضبى. وكذلك لو جاء في العلم " ليلان " لكان ليلان من ليلى كسلمان من سلمى. وكذلك لو وجد في العلم "قحطى " لكان من قحطان كسلمى من سلمان. وأقرب إلى ذلك من سلمان وسلمى قولهم في العلم: عدوان, والعدوى, مصدر أعداه الجرب ونحوه. ومن ذلك قولهم: "أسعد " لبطن من العرب؛ ليس٢ هذا من سعدى كالأكبر من الكبرى والأصغر من الصغرى. وذلك أن هذا إنما هو تقاود الصفة وأنت لا تقول: مررت بالمرأة السعدى ولا بالرجل الأسعد. فينبغي -على هذا- أن يكون أسعد من سعدى كأسلم من بشرى. وذهب بعضهم إلى أن أسعد تذكير سعدى ولو كان كذلك لكان حرىً أن يجيء به سماع, ولم نسمعهم قط وصفوا بسعدى وإنما هذا تلاق وقع بين هذين الحرفين٣ المتفقي اللفظ كما يقع هذان المثالان في المختلفية٤؛ نحو أسلم وبشرى.

стр. 335

وكذلك أيهم ويهماء ليسا١ كأدهم ودهماء لأمرين: أحدهما أن الأيهم الجمل الهائج "أو السيل "٢ واليهماء الفلاة فهما مختلفان. والآخر أن أيهم لو كان مذكر يهماء لوجب أن يأتي فيهما "يهم " كدهم ولم نسمع ذلك فعلمت بذلك أن هذا تلاق بين٣ اللغة وأن أيهم لا مؤنث له ويهماء لا مذكر لها. ومن التلاقي قولهم في العلم: أسلم وسلمى. وليس هذا كالأكبر والكبرى لأنه ليس وصفًا. فتأمل أمثاله في اللغة. ومثله شتان وشتى إنما هما كسرعان وسكرى. وإنما وضعت من هذا الحديث رسمًا٤ لتتنبه على ما يجيء من مثله فتعلم به أنه توارد وتلاق وقع في أثناء هذه اللغة عن غير قصد له ولا مراسلة بين بعضه وبعض. وليس من هذا الباب سعد وسعدة؛ من قبل أن هاتين صفتان مسوقتان على منهاج واستمرار. فسعد من سعدة كجلد من جلدة وندب٥ من ندبة. ألا تراك تقول: هذا يوم سعد وهذه ليلة سعدة كما تقول: هذا شعر جعد وهذه جمة٦ جعدة. فاعرف ذلك إلى ما يليه وقسه بما٧ قررته عليه بإذن الله تعالى.

стр. 336

باب في هل يجوز لنا في الشعر من الضرورة ما جاز للعرب أو ١ لا؟: سألت أبا علي ﵀ عن هذا فقال: كما جاز أن نقيس منثورنا على منثورهم فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم. فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا وما حظرته عليهم حظرته علينا. وإذا كان كذلك فما كان من أحسن ضروراتهم, فليكن من أحسن ضروراتنا, وما كان من أقبحها عندهم فليكن من أقبحها عندنا. وما بين ذلك بين ذلك. فإن قيل: هلا لم يجز لنا متابعتهم على الضرورة من حيث كان القوم لا يترسلون٢ في عمل أشعارهم ترسل المولدين ولا يتأنون فيه ولا يتلومون٣ على حوكه "وعمله"٤، وإنما كان أكثره ارتجالا قصيدًا كان أو رجزًا أو رملا. فضرورتهم إذًا أقوى من ضرورة المحدثين. فعلى هذا ينبغي أن يكون عذرهم فيه أوسع وعذر المولدين أضيق. قيل: يسقط هذا من أوجه: أحدها أنه ليس جميع الشعر القديم مرتجلا, بل قد كان يعرض لهم فيه من الصبر عليه, والملاطفة له, والتلوم على رياضته وإحكام صنعته نحو مما يعرض لكثير من المولدين. ألا ترى إلى ما يروى عن زهير: من أنه عمل سبع قصائد في سبع سنين فكانت تسمى حوليات زهير, لأنه كان يحوك القصيدة في سنة. والحكاية في ذلك عن ابن٥ أبي حفصة أنه قال: كنت أعمل القصيدة في أربعة أشهر، وأحككها٦ في أربعة أشهر, وأعرضها في أربعة أشهر، ثم أخرج بها إلى الناس.

стр. 337

فقيل له ١: فهذا هو٢ الحولي المنقح. وكذلك الحكاية عن ذي الرمة: أنه قال٣: لما قال: بيضاء في نعج صفراء في برج أجبل٤ حولا لا يدري ما يقول إلى أن مرت به صينية فضة "قد"٥ أشربت ذهبًا فقال: كأنها فضة قد مسها٦ ذهب وقد وردت أيضًا بذلك أشعارهم قال ذو الرمة: أجنبه المساند والمحالا٧ ألا تراه كيف اعترف بتأنيه٨ فيه وصنعته إياه. وقال عدي بن الرقاع العاملي: وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها٩ نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافة منآدها

стр. 338

وقال سويد بن كراع ١: أبيت بأبواب القوافي كإنما ... أذود بها سربا٢ من الوحش نزعا وإنما يبيت عليها لخلوه بها ومراجعته النظر فيها. وقال: أعددت للحرب التي أعنى بها ... قوافيًا لم أعي٣ باجتلابها حتى إذا أذللت٤ من صعابها ... واستوسقت لي صحت في أعقابها فهذا -كما ترى- مزاولة ومطالبة واغتصاب٥ لها ومعاناة كلفة بها. ومن ذلك الحكاية عن الكميت وقد افتتح قصيدته التي أولها: ألا حييت عنا يا مدينا ثم أقام برهة لا يدري بماذا يعجز٦ على هذا الصدر إلى أن دخل حمامًا وسمع إنسانًا دخله فسلم على آخر فيه فأنكر عليه، فانتصر بعض الحاضرين له فقال: وهل بأس يقول المسلمين؛ فأهتبلها كيت٧ فقال: وهل بأس بقول مسلّمينا

стр. 339

ومثل هذا في أشعارهم الدالة على الاهتمام بها، والتعلب في إحكامها كثير معروف. فهذا وجه. وثان: أن من المحدثين أيضًا من يسرع العمل ولا يعتاقه بطء ولا يستوقف فكره، ولا يتعتع١ خاطره. فمن ذلك ما حدثني به من شاهد المتنبي وقد حضر عند أبي علي الأوارجي٢، وقد وصف له طردًا٣ كان فيه وأراده على وصفه فأخذ الكاغد والدواة واستند إلى جانب المجلس -وأبو علي يكتب كتابا- فسبقه المتنبي في كتبه الكتاب فقطعه عليه ثم أنشده: ومنزل ليس لنا بمنزل وهي طويلة مشهورة "في شعره "٤. وحضرت أنا مجلسًا لبعض الرؤساء ليلة٥ وقد جرى ذكر السرعة وتقدم البديهة وهنالك حدث من غير شعراء بغداد, فتكفل أن يعمل في ليلته تلك مائتي بيت في ثلاث قصائد على أوزان اخترناها٦ عليه ومعان حددناها له فلما كان الغد في آخر النهار أنشدنا القصائد الثلاث على الشرط والاقتراح وقد صنعها وظاهر إحكامها وأكثر من البديع المستحسن فيها. وثالث: كثرة ما ورد في أشعار المحدثين من الضرورات؛ كقصر الممدود, وصرف ما لا ينصرف, وتذكير المؤنث ونحوه. وقد حضر ذلك وشاهده جلة أصحابنا

стр. 340

من أبي عمرو إلى آخر وقت, والشعراء من بشار إلى فلان وفلان ولم نر أحدًا من هؤلاء العلماء أنكر على أحد من المولدين ما ورد في شعره من هذه الضرورات التي ذكرناها وما كان نحوها فدل ذلك على رضاهم به وترك تناكرهم إياه. فإن قلت: فقد عيب بعضهم كأبي نواس وغيره في أحرف أخذت عليهم قيل: هذا كما عيب الفرزدق وغيره في أشياء استنكرها أصحابنا. فإذا جاز عيب أرباب اللغة وفصحاء شعرائنا كان مثل ذلك في أشعار المولدين أحرى بالجواز. فإذا كانوا قد عابوا بعض ما جاء به القدماء في غير الشعر بل في حال السعة وموقف الدعة كان يرد من المولدين في الشعر -وهو موقف فسحة وعذر- أولى بجواز مثله. فمن ذلك استنكارهم همز مصائب وقالوا: منارة ومنائر ومزادة ومزائد فهمزوا ذلك في الشعر وغيره وعليه قال الطرماح: مزائد خرقاء اليدين مسيفة ... يخب بها مستخلف غير آئن١

стр. 341

وإنما الصواب مزاود, ومصاوب, ومناور؛ قال: يصاحب الشيطان من يصاحبه ... فهو أذيٌّ١ جمةٌ مصاوبه ومن ذلك قولهم في غير الضرورة: ضبب البلد: كثرة ضبابه ٢. وألل السقاء: تغيرت ريحه. ولححت عينه: التصقت, ومششت٣ الدابة. وقالوا: إن الفكاهة مقودة إلى الأذى. وقرأ بعضهم٤ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ وقالوا: كثرة الشراب مبولة وكثرة الأكل منومة وهذا شيء مطيبة للنفس وهذا طريق مهيع إلى غير ذلك مما جاء في السعة ومع غير الضرورة. وإنما صوابه: لحت عينه وضب البلد وألَّ السقاء ومشَّت الدابة ومقادة إلى الأذى, ومثابة, ومبالة, ومنامة, ومطابة, ومهاع. فإذا جاز هذا للعرب عن غير حصر٥ ولا ضرورة قول كان استعمال الضرورة في الشعر للمولدين أسهل، وهم فيه أعذر. فأما ما يأتي عن العرب لحنًا فلا نعذر في مثله مولدًا. فمن ذلك بيت الكتاب ٦: وما مثله في الناس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه

стр. 342

ومراده فيه معروف وهو فيه غير معذور. ومثله في الفصل قول الآخر -"فيما"١ أنشده ابن الأعرابي: فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرًا رسومها قلما أراد: فأصبحت بعد بهجتها قفرًا كأن قلمًا خط رسومها فأوقع من الفصل والتقديم والتأخير ما تراه. وأنشدنا٢ أيضًا: فقد والشك بين لي عناءٌ ... بوشك فراقهم صرد يصيح٣ أراد: فقد بين لي صرد يصيح بوشك فراقهم والشك عناء. فقد ترى إلى ما فيه من الفصول التي لا وجه "لها ولا لشيء منها "٤. وأغرب من ذلك وأفحش وأذهب في القبح قول الآخر: لها مقلتا حوراء طل خميلة ... من الوحش ما تنفك ترعى عرارها أراد: لها مقلتا حوراء من الوحش ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها. فمثل هذا لا نجيزه للعربي أصلا فضلا عن أن نتخذه للمولدين رسمًا. وأما قول الآخر: معاوي لم ترع الأمانة فارعها ... وكن حافظًا لله والدين شاكر فحسن جميل؛ وذلك أن "شاكر " هذه قبيلة٥، وتقديره: معاوي لم ترع الأمانة شاكر، فارعها أنت وكن حافظًا لله والدين. فأكثر ما في هذا الاعتراض بين الفعل والفاعل،

стр. 343

والاعتراض للتسديد١ قد جاء بين الفعل والفاعل وبين المبتدأ والخبر وبين الموصول والصلة وغير ذلك مجيئًا كثيرًا في القرآن وفصيح الكلام. ومثله من الاعتراض بين الفعل والفاعل قوله ٢: وقد أدركتني والحوادث جمة ... أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل والاعتراض في هذه اللغة كثير حسن. ونحن نفرد له بابًا يلي هذا الباب. بإذن الله . ومن طريف الضرورات وغريبها ووحشيها وعجيبها ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر: هل تعرف الدار ببيدا إنه ... دار لخود قد تعفت إنَّه فانهلت العينان تسفحنه ... مثل الجمان جال في سلكنَّه لا تعجبي منا سليمي إنه ... إنا لحلالون بالثغرنه وهذه الأبيات قد شرحها أبو علي ﵀ في البغداديات٣، فلا وجه لإعادة ذلك هنا. فإذا آثرت معرفة ما فيها فالتمسه منها.

стр. 344

وكذلك ما أنشده أيضًا أبو زيد١ للزفيان السعدي: يا إبلي ما ذامه فتأبَيَه ... ماء رواء ونصيٌّ حولَيَه هدا بأفواهك حتى تأبَيَه ... حتى تروحي أصلا تباريه تباري العانة فوق الزازيه هكذا روينا عن أبي زيد وأما الكوفيون فرووه على خلاف هذا يقولون: فتأبَيْه, ونصي حولَيْه, وحتى تأبَيْه, وفوق الزازيْه. فينشدونه من السريع لا من الرجز كما أنشده أبو زيد. وقد ذكرت هذه الأبيات بما يجب فيها في كتابي " في النوادر الممتعة " ومقداره ألف ورقة. وفيه من كلتا الروايتين صنعة طريفة. وأخبرنا محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى -أحسبه عن ابن الأعرابي- يقول الشاعر: وما كنت أخشى الدهر إحلاس مسلم ... من الناس ذنبًا جاءه وهو مسلما وقال في تفسيره معناه: ما كنت أخشى الدهر إحلاس٢ مسلم مسلمًا ذنبًا جاءه وهو, ولو وكد الضمير في جاء فقال: جاءه هو وهو لكان أحسن ٣. وغير التوكيد أيضًا جائز.

стр. 345

وأبيات الإعراب١ كثيرة وليس على ذكرها وضعنا هذا الباب. ولكن اعلم أن البيت إذا تجاذبه أمران: زيغ الإعراب وقبح الزحاف فإن الجفاة الفصحاء لا يحفلون بقبح الزحاف إذا أدى إلى صحة الإعراب. كذلك قال٢ أبو عثمان وهو كما ذكر. وإذا كان الأمر كذلك فلو قال في قوله ٣: ألم يأتيك والأنباء تنمي لكان أقوى قياسًا على ما رتبه أبو عثمان؛ ألا ترى أن الجزء كان يصير منقوصا لأنه يرجع إلى مفاعيل: ألم يأت مفاعيل. وكذلك بيت الأخطل: كلمع أيدي مثاكيل مسلبة ... يندبن ضرس بنات الدهر والخطب٤ أقوى القياسين على ما مضى أن ينشد "مثاكيل " غير مصروف لأنه يصير الجزء فيه من مستفعلن إلى مفتعلن وهو مطوي والذي روى " مثاكيل " بالصرف. وكذلك بقية هذا. فإن كان ترك زيغ الإعراب يكسر البيت كسرًا لا يزاحفه زحافًا فإنه لا بد من ضعف زيغ الإعراب واحتمال ضرورته وذلك كقوله ٥: سماء الإله فوق سبع سمائيا

стр. 346

فهذا لا بد من التزام ضرورته لأنه لو قال: سمايا لصار من الضرب الثاني إلى الثالث وإنما مبنى هذا الشعر على الضرب الثاني١ لا الثالث. وليس كذلك قوله ٢: أبيت على معاري فاخرات ... بهن ملوب كدم العباط لأنه لو قال: معار٣ لما كسر الوزن؛ لأنه يصير من مفاعلتن إلى مفاعيلن وهو العصب. لكن مما لا بد من التزام ضرورته مخافة كسر وزنه قول الآخر: خريع٤ دوادي في ملعب ... تأزر طورًا وترخي الإزارا فهذا لا بد من تصحيح معتله؛ ألا ترى أنه لو أعل اللام وحذفها٥ فقال دواد, لكسر البيت البتة. فاعرف إذًا حال ضعف الإعراب الذي لا بد من التزامه مخافة كسر البيت من الزحاف الذي يرتكبه الجفاة الفصحاء إذا أمنوا كسر البيت, ويدعه من حافظ على صحة الوزن من غير زحاف وهو كثير. فإن أمنت كسر البيت اجتنبت ضعف الإعراب وإن أشفقت من كسره ألبتة دخلت تحت كسر الإعراب.

стр. 347

باب في الاعتراض: اعلم أن هذا القبيل من هذا العلم كثير قد جاء في القرآن وفصيح الشعر ومنثور الكلام. وهو جار عند العرب مجرى التأكيد، فلذلك لا يشنع١ عليهم ولا يستنكر عندهم أن يعترض به بين الفعل وفاعله والمبتدأ وخبره وغير ذلك مما لا يجوز الفصل "فيه"٢ بغيره٣، إلا شاذًّا أو متأولا. قال الله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ﴾ ٤, فهذا فيه اعتراضان: أحدهما قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ لأنه اعترض به بين القسم الذي هو قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وبين جوابه الذي هو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ﴾ وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو "قسم " وبين صفته التي هي "عظيم " وهو قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ . فذانك٥ اعتراضان كما ترى. ولو جاء٦ الكلام غير معترض فيه لوجب أن يكون: فلا أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم وإنه لقسم عظيم لو تعلمون٧. ومن ذلك "قول٨ امرئ القيس ": ألا هل أتاها والحوادث جمةٌ ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا٩

стр. 348

فقوله: "والحوادث جمة" اعتراض بين الفعل وفاعله. ومثله قوله: ألا هل أتاها والحوادث كالحصى وأنشدنا أبو علي: وقد أدركتني والحوادث جمة ... أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل١ فهذا كله اعتراض بين الفعل وفاعله. وأنشدنا٢ أيضًا: ذاك الذي وأبيك تعرف مالك٣ ... والحق يدفع ترهات الباطل فقوله: "وأبيك " اعتراض بين الموصول والصلة. وروينا لعبيد الله بن الحر: تعلم ولو كاتمته الناس أنني ... عليك ولم أظلم بذلك عاتب فقوله: "ولو كاتمته الناس " اعتراض بين الفعل ومفعوله وقوله: "ولم أظلم بذلك" اعتراض بين اسم أن وخبرها. ومن ذلك قول أبي النجم -أنشدناه٤: وبدلت والدهر ذو تبدل ... هيفًا دبورًا بالصبا والشمأل٥ فقوله: "والدهر ذو تبدل " اعتراض بين المفعول٦ الأول والثاني. ومن الاعتراض قوله: ألم يأتك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد٧

стр. 349

فقوله: "والأنباء تنمي " اعتراض بين الفعل وفاعله. وهذا أحسن مأخذًا في الشعر من أن يكون في "يأتيك " ضمير "من متقدم مذكور "١. فأما ما أنشده٢ أبو علي من قول الشاعر ٣: أتنسى لا هداك الله ليلى ... وعهد شبابها الحسن الجميل كأن وقد أتى حول جديد ... أثا فيها حمامات مثول فإنه لا اعتراض فيه. وذلك أن الاعتراض لا موضع له من الإعراب ولا يعمل فيه شيء من الكلام المعترض به بين بعضه وبعض على ما تقدم. فأما قوله: "وقد أتى حول جديد " فذو موضع من الإعراب وموضعه النصب بما في "كأن " من معنى التشبيه؛ ألا ترى أن معناه: أشبهت وقد أتى حول جديد حمامات مثولا أو أشبهها وقد مضى حول جديد بحمامات مثول أي أشبهها في هذا الوقت وعلى هذه الحال بكذا. وأنشدنا: أراني ولا كفران لله أية ... لنفسي لقد طالبت غير منيل٤

стр. 350

ففي هذا اعتراضان ١: أحدهما - "ولا كفران لله ". والآخر- قوله: "أية " أي أوَيت لنفسي أيَّة؛ معناه رحمتها ورققت٢ لها. فقوله: أويت لها لا موضع له من الإعراب. وسألنا الشجري أبا عبد الله يومًا عن فرس كانت له فقال: هي بالبادية. قلنا لم قال: إنها وجية٣ فأنا آوي لها أي أرحمها وأرق لها. وكذلك قول الآخر ٤: أراني ولا كفران لله إنما ... أواخي من الأقوام كل بخيل ومن الاعتراض قولهم: زيد -ولا أقول إلا حقًّا- كريم. وعلى ذلك مسألة٥ الكتاب: إنه -المسكين- أحمق٦؛ ألا ترى أن تقديره: إنه أحمق وقوله " المسكين" أي هو المسكين وذلك اعتراض بين اسم إن وخبرها. ومن ذلك مسألته ٧: "لا أخا -فاعلم- لك ". فقوله: "فاعلم " اعتراض بين المضاف والمضاف إليه كذا الظاهر. وأجاز أبو علي ﵀ أن يكون " لك" خبرًا ويكون " أخا " اسمًا مقصورًا تامًّا غير مضاف كقولك: لا عصا لك. ويدل على صحة هذا القول أنهم قد كسروه على أفعال وفاؤه مفتوحة فهو إذًا فعل وذلك قولهم: أخ وآخاء فيما حكاه يونس. وقال بعض آل المهلب: وجدتم بنيكم دوننا إذ نسبتم ... وأي بني الآخاء تنبو مناسبه ٨

стр. 351

فغير منكر أن يخرج١ واحدها أصله, كما خرج واحد الآباء على أصله، وذلك قولهم: هذا أبًا ورأيت أبًا ومررت بأبًا. وروينا عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال ٢: يقال هذا أبوك وهذا أباك وهذا أبُك؛ فمن قال: هذا أبوك أو أباك فتثنيته أبوان ومن قال هذا أبك فتثنيته أبان وأبوان. وأنشد: سوى أبك الأدنى وإن محمدا ... على كل عال يابن عم محمد وأنشد أبو علي عن أبي الحسن: تقول ابنتي لما رأتني شاحبا ... كأنك فينا يا أبات غريب٣ قال: فهذا تأنيث أبا وإذا كان كذلك جاز جوازًا حسنًا أن يكون قولهم: لا أبا لك "أبا " منه اسم مقصور كما كان ذلك في "أخالك " ويحسنه أنك إذا حملت الكلام عليه جعلت له خبرًا ولم يكن في الكلام فصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر؛ غير أنه يؤنس بمعنى إرادة الإضافة قول الفرزدق: ظلمت ولكن لا يدي لك بالظلم٤ فلهذا جوزناهما جميعًا. وروينا لمعن بن أوس: وفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... نوادب لا يمللنه ونوائح٥

стр. 352

ففصل بقوله: "والأيام يعثرن بالفتى" بين المبتدأ وخبره. وأنشدنا: لعلك والموعود صدق لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بداء١ وسألته عن بيت كثير: وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت٢ فأجاز أن يكون قوله: "وتهيامي بعزة " جملة من مبتدأ وخبر اعترض بها بين اسم إن وخبرها الذي هو قوله: لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت فقلت له: أيجوز أن يكون "وتهيامي "٣ بعزة قسمًا؟ فأجاز ذلك ولم يدفعه. وقال الله : ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ ٤. فقوله تعالى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ اعتراض بين المبتدأ وخبره. وقال رؤبة ٥: إني وأسطار سطرن سطرا ... لقائل يا نصر نصرٌ نصرا٦ فاعترض بالقسم بين اسم إن وخبرها. والاعتراض في شعر العرب ومنثورها كثير وحسن ودال على فصاحة المتكلم وقوة نفسه وامتداد نفسه وقد رأيته في أشعار المحدثين وهو في شعر إبراهيم بن المهدي أكثر منه في شعر غيره من المولدين ٧.

стр. 353

باب في التقديرات المختلفين لمعنيين مختلفين ... باب في التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين: هذا في كلام العرب كثير فاش والقياس له قابل مسوغ. فمن ذلك قولهم: مررت بزيد وما كان نحوه مما يلحق من حروف الجر معونة لتعدي الفعل. فمن وجه يعتقد في الباء أنها بعض الفعل من حيث كانت معدية وموصلة له. كما أن همزة النقل في " أفعلت " وتكرير العين في "فعلت " يأتيان لنقل الفعل وتعديته نحو قام وأقمته وقومته وسار وأسرته وسيرته. فلما كان حرف الجر الموصل للفعل معاقبًا لأحد شيئين١ كل واحد منهما مصوغ٢ في نفس المثال جرى مجراهما في كونه جزءًا من الفعل أو٣ كالجزء منه. فهذا وجه اعتداده كبعض الفعل. وأما وجه اعتداده كجزء من الاسم فمن حيث كان مع ما جره في موضع نصب، وهذا يقضي٤ له بكونه جزءًا مما بعده أو كالجزء منه ألا تراك تعطف على مجموعهما٥ بالنصب كما تعطف على الجزء الواحد في نحو قولك: ضربت٦ زيدًا وعمرًا؛ وذلك

стр. 354

قولك: مررت بزيد وعمرًا ورغبت فيك وجعفرًا ونظرت إليك وسعيدًا أفلا ترى إلى حرف الجر الموصل للفعل كيف ووجه جوازه من قبل القياس أنك إنما تستنكر اجتماع تقديرين مختلفين "لمعنيين مختلفين"١. ووجه جوازه من قبل٢ القياس أنك إنما تستنكر اجتماع تقديرين مختلفين لمعنيين متفقين؛ وذلك كأن تروم أن تدل على قوة اتصال حرف الجر بالفعل فتعتده تارة كالبعض له والأخرى كالبعض للاسم. فهذا ما لا يجوز مثله لأنه لا يكون كونه كبعض الاسم دليلا على شدة امتزاجه بالفعل لكن لما اختلف المعنيان جاز أن يختلف التقديران فاعرف ذلك فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه. ومثل ذلك قولهم: "لا أبا لك " فههنا تقديران مختلفان لمعنيين مختلفين. وذلك أن ثبات٣ الألف في "أبا " من "لا أبا لك " دليل الإضافة فهذا وجه. ووجه آخر أن ثبات اللام وعمل "لا " في هذا الاسم يوجب التنكير والفصل. فثبات الألف دليل الإضافة والتعريف ووجود اللام دليل الفصل والتنكير. وليس هذا في الفساد والاستحالة بمنزلة فساد تحقير مثال الكثرة الذي جاء فساده من قبل تدافع حاليه. وذلك أن وجود ياء التحقير يقتضي٤ كونه دليلا على القلة وكونه مثالا موضوعًا للكثرة دليل على الكثرة وهذا يجب منه أن يكون الشيء الواحد في الوقت الواحد قليلا كثيرًا. وهذا ما لا يجوز لأحد اعتقاده. وليس كذلك تقديرك الباء في نحو: مررت بزيد تارة كبعض الاسم وأخرى كبعض الفعل من قبل أن هذه إنما هي صناعة لفظية يسوغ معها تنقل

стр. 355

الحال وتغيرها فأما المعاني فأمر ضيق ومذهب مستصعب ألا تراك إذا سئلت عن زيد من قولنا: قام زيد سميته فاعلا وإن سئلت عن زيد من قولنا: زيد قام سميته مبتدأ لا فاعلا وإن كان فاعلا في المعنى. وذلك أنك سلكت١ طريق صنعة اللفظ فاختلفت السمة فأما المعنى فواحد. فقد ترى إلى سعة طريق٢ اللفظ وضيق طريق المعنى. فإن قلت: فأنت إذا قلت في " لا أبا لك" إن الألف تؤذن بالإضافة والتعريف واللام تؤذن بالفصل والتنكير فقد جمعت على الشيء الواحد في الوقت الواحد معنيين ضدين وهما التعريف والتنكير وهذان -كما ترى- متدافعان. قيل: الفرق بين الموضعين واضح وذلك أن قولهم: "لا أبا لك " كلام جرى مجرى المثل وذلك أنك إذا قلت هذا فإنك لا تنفي في الحقيقة أباه وإنما تخرجه مخرج الدعاء أي أنت عندي ممن يستحق أن يدعى عليه بفقد أبيه. كذا فسره أبو علي وكذلك هو لمتأمله؛ ألا ترى أنه قد أنشد توكيدًا لما رآه من هذا المعنى فيه قوله: وتترك أخرى فردة لا أخا لها ولم يقل: لا أخت لها، ولكن لما جرى هذا الكلام على أفواههم " لا أبا لك " , "ولا أخا لك " قيل مع المؤنث على حد ما يكون عليه مع المذكر فجرى هذا نحوًا من قولهم لكل أحد من ذكر وأنثى واثنين وجماعة "الصيف ضيعت اللبن " على التأنيث لأنه كذا جرى أوله وإذا كان الأمر كذلك علم أن قولهم "لا أبا لك " إنما فيه تعادي ظاهره "واجتماع"٣ صورتي الفصل والوصل والتعريف والتنكير لفظًا لا معنى. وإذا آل الأمر إلى ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه؛
следующие страницы →