← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فغير منكر أن يخرج١ واحدها أصله, كما خرج واحد الآباء على أصله، وذلك قولهم: هذا أبًا ورأيت أبًا ومررت بأبًا. وروينا عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال ٢: يقال هذا أبوك وهذا أباك وهذا أبُك؛ فمن قال: هذا أبوك أو أباك فتثنيته أبوان ومن قال هذا أبك فتثنيته أبان وأبوان. وأنشد: سوى أبك الأدنى وإن محمدا ... على كل عال يابن عم محمد وأنشد أبو علي عن أبي الحسن: تقول ابنتي لما رأتني شاحبا ... كأنك فينا يا أبات غريب٣ قال: فهذا تأنيث أبا وإذا كان كذلك جاز جوازًا حسنًا أن يكون قولهم: لا أبا لك "أبا " منه اسم مقصور كما كان ذلك في "أخالك " ويحسنه أنك إذا حملت الكلام عليه جعلت له خبرًا ولم يكن في الكلام فصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر؛ غير أنه يؤنس بمعنى إرادة الإضافة قول الفرزدق: ظلمت ولكن لا يدي لك بالظلم٤ فلهذا جوزناهما جميعًا. وروينا لمعن بن أوس: وفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... نوادب لا يمللنه ونوائح٥

стр. 352

ففصل بقوله: "والأيام يعثرن بالفتى" بين المبتدأ وخبره. وأنشدنا: لعلك والموعود صدق لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بداء١ وسألته عن بيت كثير: وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت٢ فأجاز أن يكون قوله: "وتهيامي بعزة " جملة من مبتدأ وخبر اعترض بها بين اسم إن وخبرها الذي هو قوله: لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت فقلت له: أيجوز أن يكون "وتهيامي "٣ بعزة قسمًا؟ فأجاز ذلك ولم يدفعه. وقال الله : ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ ٤. فقوله تعالى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ اعتراض بين المبتدأ وخبره. وقال رؤبة ٥: إني وأسطار سطرن سطرا ... لقائل يا نصر نصرٌ نصرا٦ فاعترض بالقسم بين اسم إن وخبرها. والاعتراض في شعر العرب ومنثورها كثير وحسن ودال على فصاحة المتكلم وقوة نفسه وامتداد نفسه وقد رأيته في أشعار المحدثين وهو في شعر إبراهيم بن المهدي أكثر منه في شعر غيره من المولدين ٧.

стр. 353

باب في التقديرات المختلفين لمعنيين مختلفين ... باب في التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين: هذا في كلام العرب كثير فاش والقياس له قابل مسوغ. فمن ذلك قولهم: مررت بزيد وما كان نحوه مما يلحق من حروف الجر معونة لتعدي الفعل. فمن وجه يعتقد في الباء أنها بعض الفعل من حيث كانت معدية وموصلة له. كما أن همزة النقل في " أفعلت " وتكرير العين في "فعلت " يأتيان لنقل الفعل وتعديته نحو قام وأقمته وقومته وسار وأسرته وسيرته. فلما كان حرف الجر الموصل للفعل معاقبًا لأحد شيئين١ كل واحد منهما مصوغ٢ في نفس المثال جرى مجراهما في كونه جزءًا من الفعل أو٣ كالجزء منه. فهذا وجه اعتداده كبعض الفعل. وأما وجه اعتداده كجزء من الاسم فمن حيث كان مع ما جره في موضع نصب، وهذا يقضي٤ له بكونه جزءًا مما بعده أو كالجزء منه ألا تراك تعطف على مجموعهما٥ بالنصب كما تعطف على الجزء الواحد في نحو قولك: ضربت٦ زيدًا وعمرًا؛ وذلك

стр. 354

قولك: مررت بزيد وعمرًا ورغبت فيك وجعفرًا ونظرت إليك وسعيدًا أفلا ترى إلى حرف الجر الموصل للفعل كيف ووجه جوازه من قبل القياس أنك إنما تستنكر اجتماع تقديرين مختلفين "لمعنيين مختلفين"١. ووجه جوازه من قبل٢ القياس أنك إنما تستنكر اجتماع تقديرين مختلفين لمعنيين متفقين؛ وذلك كأن تروم أن تدل على قوة اتصال حرف الجر بالفعل فتعتده تارة كالبعض له والأخرى كالبعض للاسم. فهذا ما لا يجوز مثله لأنه لا يكون كونه كبعض الاسم دليلا على شدة امتزاجه بالفعل لكن لما اختلف المعنيان جاز أن يختلف التقديران فاعرف ذلك فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه. ومثل ذلك قولهم: "لا أبا لك " فههنا تقديران مختلفان لمعنيين مختلفين. وذلك أن ثبات٣ الألف في "أبا " من "لا أبا لك " دليل الإضافة فهذا وجه. ووجه آخر أن ثبات اللام وعمل "لا " في هذا الاسم يوجب التنكير والفصل. فثبات الألف دليل الإضافة والتعريف ووجود اللام دليل الفصل والتنكير. وليس هذا في الفساد والاستحالة بمنزلة فساد تحقير مثال الكثرة الذي جاء فساده من قبل تدافع حاليه. وذلك أن وجود ياء التحقير يقتضي٤ كونه دليلا على القلة وكونه مثالا موضوعًا للكثرة دليل على الكثرة وهذا يجب منه أن يكون الشيء الواحد في الوقت الواحد قليلا كثيرًا. وهذا ما لا يجوز لأحد اعتقاده. وليس كذلك تقديرك الباء في نحو: مررت بزيد تارة كبعض الاسم وأخرى كبعض الفعل من قبل أن هذه إنما هي صناعة لفظية يسوغ معها تنقل

стр. 355

الحال وتغيرها فأما المعاني فأمر ضيق ومذهب مستصعب ألا تراك إذا سئلت عن زيد من قولنا: قام زيد سميته فاعلا وإن سئلت عن زيد من قولنا: زيد قام سميته مبتدأ لا فاعلا وإن كان فاعلا في المعنى. وذلك أنك سلكت١ طريق صنعة اللفظ فاختلفت السمة فأما المعنى فواحد. فقد ترى إلى سعة طريق٢ اللفظ وضيق طريق المعنى. فإن قلت: فأنت إذا قلت في " لا أبا لك" إن الألف تؤذن بالإضافة والتعريف واللام تؤذن بالفصل والتنكير فقد جمعت على الشيء الواحد في الوقت الواحد معنيين ضدين وهما التعريف والتنكير وهذان -كما ترى- متدافعان. قيل: الفرق بين الموضعين واضح وذلك أن قولهم: "لا أبا لك " كلام جرى مجرى المثل وذلك أنك إذا قلت هذا فإنك لا تنفي في الحقيقة أباه وإنما تخرجه مخرج الدعاء أي أنت عندي ممن يستحق أن يدعى عليه بفقد أبيه. كذا فسره أبو علي وكذلك هو لمتأمله؛ ألا ترى أنه قد أنشد توكيدًا لما رآه من هذا المعنى فيه قوله: وتترك أخرى فردة لا أخا لها ولم يقل: لا أخت لها، ولكن لما جرى هذا الكلام على أفواههم " لا أبا لك " , "ولا أخا لك " قيل مع المؤنث على حد ما يكون عليه مع المذكر فجرى هذا نحوًا من قولهم لكل أحد من ذكر وأنثى واثنين وجماعة "الصيف ضيعت اللبن " على التأنيث لأنه كذا جرى أوله وإذا كان الأمر كذلك علم أن قولهم "لا أبا لك " إنما فيه تعادي ظاهره "واجتماع"٣ صورتي الفصل والوصل والتعريف والتنكير لفظًا لا معنى. وإذا آل الأمر إلى ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه؛

стр. 356

من تنافر قضيتي اللفظ في نحو: مررت بزيد وإذا أردت بذلك أن تدل على شدة اتصال حرف الجر بالفعل وحده دون الاسم ونحن إنما عقدنا فساد الأمر وصلاحه على المعنى كأن يكون الشيء الواحد في الوقت الواحد قليلا كثيرًا. " وهذا"١ ما لا يدعيه مدع ولا يرضاه -مذهبًا لنفسه- راض. ويؤكد عندك خروج هذا الكلام مخرج المثل كثرته في الشعر وأنه يقال لمن له أب ولمن ليس له أب. فهذا٢ الكلام دعاء في المعنى لا محالة وإن كان في اللفظ خبرًا. ولو كان دعاء مصرحًا وأمرًا معنيًّا٣ لما جاز أن يقال لمن لا أب له لأنه إذا كان لا أب له لم يجز أن يدعى عليه بما هو فيه لا محالة؛ ألا ترى أنك لا تقول للأعمى: أعماه الله. ولا للفقير: أفقره الله وهذا ظاهر باد. وقد "مر به"٤ الطائي الكبير فقال: نعمة الله فيك لا أسال اللـ ... ـه إليها نُعْمَى سوى أن تدوما ولو أني فعلت كنت كمن يسـ ... ـأله وهو قائم أن يقوما فكما٥ لا تقول لمن لا أب له: أفقدك الله أباك كذلك يعلم أن قولهم لمن لا أب له: "لا أبا لك " لا حقيقة لمعناه مطابقة للفظه وإنما هي خارجة مخرج المثل على ما فسره أبو علي. قال عنترة: فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل٦

стр. 357

وقال١: ألق الصحيفة لا أبا لك إنه ... يخشى عليك من الحباء النقرس وقال٢: أبالموت الذي لا بد أني ... ملاق لا أباك تخوفيني أراد: لا أبا لك فحذف اللام من جاري عرف الكلام. وقال جرير: يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يلقينكم في سوأة عمر٣ وهذا أقوى دليل على كون هذا القول مثلا لا حقيقة؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون للتيم كلها أب واحد ولكن معناه: كلكم أهل للدعاء عليه والإغلاظ له. وقال الحطيئة: أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا٤ فإن قلت: فقد أثبت الحطيئة في هذا البيت ما نفيته أنت في البيت الذي قبله وذلك أنه قال " لأبيكم" فجعل للجماعة أبًا واحدًا وأنت قلت هناك: إنه لا يكون لجماعة تيم أب واحد فالجواب٥ عن هذا من موضعين: أحدهما ما قدمناه من أنه لا يريد حقيقة الأب وإنما غرضه الدعاء مرسلا ففحش بذكر الأب على ما مضى. والآخر أنه قد يجوز أن يكون أراد بقوله "لأبيكم " الجمع أي لا أبا لآبائكم. يريد

стр. 358

الدعاء على آبائهم من حيث ذكرها فجاء به جمعًا مصححًا على قولك: أب وأبون وأبين قال: فلما تبين أصواتنا ... بكين وفدَّيننا بالأبينا١ وعليه قول الآخر -أنشدناه: فمن يك سائلا عني فإني ... بمكة مولدي وبها ربيت٢ وقد شنئت بها الآباء قبلي ... فما شنئت أبي ولا شنيت أي ما شنئت٣ آبائي. فهذا شيء عرض, ولنعد. ومن ذلك قولهم: مختار ومعتاد ونحو ذلك فهذا يحمل تقديرين مختلفين لمعنيين مختلفين. وذلك أنه إن كان اسم الفاعل فأصله مختير ومعتوِد كمقتطع "بكسر العين ". وإن كان مفعولا فأصله مختيَر ومعتوَد كمقتطَع. فـ "مختار " من قولك: أنت مختار للثياب أي مستجيد لها أصله مختير. ومختار من قولك: هذا ثوب مختار أصله مختير. فهذان تقديران مختلفان لمعنيين. وإنما كان يكون هذا منكرًا لو كان تقدير فتح العين وكسرها لمعنى واحد فأما وهما لمعنيين فسائغ حسن. وكذلك ما كان من المضعف في هذا الشرج٤ من الكلام٥ نحو قولك: هذا رجل معتد للمجد ونحوه فهذا هو اسم الفاعل وأصله معتدد "بكسر العين"، وهذا رجل معتد أي منظور إليه فهذا مفتعل "بفتح العين" وأصله معتدد كقولك: هذا معنىً معنىٌ معتبر أي ليس؛

стр. 359

بصغير متحقر. وكذلك هذا جوز١ معتد فهذا أيضًا اسم المفعول وأصله معتدد كمقتسم ومقتطع. ونظائر هذا وما قبله كثيرة فاشية. ومن ذلك قولهم: كساء وقضاء ونحوه أعللت٢ اللام لأنك لم تعتد بالألف حاجزًا لسكونها وقلبتها٣ أيضًا لسكونها وسكون الألف قبلها فاعتددتها من وجه ولم تعتددها من آخر. ومن ذلك أيضًا قولهم: أيهم تضرب يقم زيد. فـ "أيهم " من حيث كانت جازمة لـ"تضرب " يجب أن تكون مقدمة عليها ومن حيث كانت منصوبة بـ" تضرب" يجب أن تكون في الرتبة مؤخرة عنها فلم يمتنع أن يقع هذان التقديران على اختلافهما من حيث كان هذا إنما هو عمل صناعي لفظي. لو كان التعادي والتخالف في المعنى لفسد " ولم "٤ يجز. وأيضًا فإن حقيقة الجزم إنما هو لحرف الجزاء المقدر المراد لا ل " أي" "فإذا "٥ كان كذلك كان الأمر أقرب مأخذًا وألين ملمسًا.

стр. 360

باب في تدريج اللغة: وذلك أن يشبه شيء شيئًا من موضع فيمضى حكمه على حكم الأول ثم يرقى منه إلى غيره. فمن ذلك قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين "ولو "١ جالسهما جميعًا لكان مصيبًا مطيعًا لا مخالفًا وإن كانت "أو " إنما هي في أصل وضعها لأحد الشيئين. وإنما جاز ذلك في هذا الموضع لا لشيء رجع إلى نفس "أو " بل لقرينة انضمت من جهة المعنى إلى "أو ". وذلك لإنه قد عرف أنه إنما رغب في مجالسة الحسن لما لمجالسه في ذلك من الحظ وهذه الحال موجودة في مجالسة ابن سيرين أيضًا وكأنه قال: جالس٢ هذا الضرب من الناس. وعلى ذلك جرى النهي في هذا الطرز من القول في قول الله سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٣ وكأنه -والله أعلم- قال: لا تطع هذا الضرب من الناس. ثم إنه لما رأى "أو " في هذا الموضع قد جرت مجرى الواو تدرج من ذلك إلى غيره فأجراها مجرى الواو في موضع عار من هذه القرينة التي سوغته استعمال "أو " في معنى الواو ألا تراه كيف قال ٤: وكان سيان ألا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرت السوح٥ وسواء وسيان لا يستعمل٦ إلا بالواو. وعليه قول الآخر: فسيَّان حرب أو تبوءوا بمثله ... وقد يقبل الضيم الذليل المسير

стр. 361

أي فسيَّان حرب وبواؤكم بمثله١، كما أن معنى الأول: فكان سيان ألا يسرحوا نعما وأن يسرحوه بها. وهذا واضح. ومن ذلك قولهم: صبية وصبيان قلبت الواو من صبوان وصبوة في التقدير -لأنه من صبوت- لانكسار الصاد قبلها وضعف الباء أن تعتد حاجزًا لسكونه. وقد ذكرنا ذلك. فلما ألف هذا واستمر تدرجوا منه إلى أن أقروا قلب الواو ياء بحاله وإن زالت الكسرة وذلك قولهم أيضًا: صبيان وصبية "وقد "٢ كان يجب -لما زالت الكسرة- أن تعود الياء واوًا إلى أصلها لكنهم أقروا الياء بحالها لاعتيادهم إياها حتى٣ صارت كأنها كانت أصلًا. وحسن ذلك لهم شيء آخر وهو أن القلب في صبية وصبيان إنما كان استحسانًا وإيثارًا لا عن وجوب علة ولا قوة قياس؛ فلما لم تتمكن علة القلب ورأوا اللفظ بياء قوي عندهم إقرار الياء بحالها لأن السبب الأول إلى قلبها لم يكن قويًا ولا مما يعتاد في مثله أن يكون مؤثرًا. ومن ذلك قولهم في الاستثبات عمن قال ضربت رجلًا: منا؟ ومررت برجل مني؟ وعندي رجل: منو؟ فلما شاع هذا ونحوه عنهم تدرجوا منه إلى أن قالوا: ضرب منٌ منا كقولك: ضرب رجل رجلا. ومن ذلك قولهم: أبيض لياح وهو من الواو لأنه ببياضه ما يلوح للناظر. فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وليس ذلك عن قوة علة إنما هو للجنوح إلى خفة الياء مع أدنى سبب وهو التطرق إليها بالكسرة طلبًا للاستخفاف لا عن وجوب قياس ألا ترى أن هذا الضرب من "الأسماء التي ليست"٤ جمعًا كرباض وحياض ولا مصدرًا جاريًا على فعل معتل كقيام وصيام إنما يأتي مصححًا

стр. 362

نحو: خوان وصوان غير أنهم لميلهم عن الواو إلى الياء ما أقنعوا أنفسهم في لياح في قلبهم إياه إلى الياء بتلك الكسرة قبلها وإن كانت ليس مما يؤثر حقيقة التأثير مثلها ولأنهم شبهوه لفظًا إما بالمصدر كحيال وصيال وإما بالجمع كسوط وسياط ونوط ونياط. نعم وقد فعلوا مثل هذا سواء في موضع آخر. وذلك قول بعضهم في صوان: صيان وفي صوار: صيار فلما ساغ ذلك من حيث أرينا أو كاد تدرجوا منه إلى أن فتحوا فاء لياح ثم أقروا الياء بحالها وإن كانت الكسرة قبلها قد زايلتها, وذلك قولهم فيه: لياح. وشجعه١ على ذلك شيئًا أن قلب الواو ياء في لياح لم يكن عن قوة ولا استحكام علة وإنما هو لإيثار الأخف على الأثقل فاستمر على٢ ذلك وتدرج منه إلى أن أقر الياء بحالها مع الفتح إذ كان قلبها مع الكسر أيضًا ليس بحقيقة موجب. قال ٣: وكما أن القلب مع الكسر لم يكن عن صحة عمل وإنما هو لتخفيف مؤثر فكذلك أقلب٤ أيضًا مع الفتح وإن لم يكن موجبًا غير أن الكسر هنا على ضعفه أدعى إلى القلب من الفتح فلذلك جعلنا ذاك تدرجًا عنه إليه٥ ولم نسو٦ بينهما فيه. فاعرف ذلك. وقريب من ذلك قول الشاعر ٧: ولقد رأيتك بالقوادم مرة ... وعلي من سدف العشي رياح٨

стр. 363

قياسه رواح؛ لأنه فعال من راح يروح لكنه لما كثر قلب هذه الواو في تصريف هذه الكلمة ياء -نحو ريح ورياح ومريح ومستريح- وكانت الياء أيضًا عليهم أخف وإليهم أحب تدرجوا من ذلك إلى أن قلبوها في رياح وإن زالت الكسرة التي كانت قلبتها في تلك الأماكن. ومن ذلك قلبهم الذال دالا في "ادكر " وما تصرف منه نحو يدكر ومدكر وادكار وغير ذلك: تدرجوا من هذا إلى غيره بأن قلبوها دالًا في غير بناء افتعل فقال ابن مقبل: من بعض ما يعتري قلبي من الدكر١ ومن ذلك قولهم: الطنة٢ -بالطاء- في الظنة وذلك في اعتيادهم اطن ومطن واطنان, كما جاءت الدكر على الأكثر. ومن ذلك حذفهم الفاء -على القياس- من ضغة وقحة؛ كما حذفت من عدة وزنة ثم إنهم عدلوا بها٣ عن فِعلة إلى فَعلة فأقروا الحذف بحاله وإن زالت الكسرة التي كانت موجبة له فقالوا: الضعة والقحة فتدرجوا بالضعة والقحة إلى الضعة والقحة وهي عندنا فعلة كقصعة وجفنة " لا أن "٤ فتحت لأجل الحرف الحلقي فيما ذهب٥ إليه محمد بن يزيد.

стр. 364

ومن ذلك قولهم: بأيهم تمرر أمرر١؛ فقدموا حرف الجر على الشرط فأعملوه فيه وإن كان الشرط لا يعمل فيه ما قبله لكنهم لما لم يجدوا طريقًا إلى تعليق٢ حرف الجر استجازوا إعماله في الشرط. فلما ساغ لهم ذلك تدرجوا منه إلى أن أضافوا إليه الاسم فقالوا: غلام من تضرب أضربه وجارية من تلق ألقها. فالاسم في هذا إنما جاز عمله في الشرط من حيث كان محمولًا في ذلك على حرف الجر. وجميع هذا حكمه في الاستفهام حكمه في الشرط من حيث كان الاستفهام له صدر الكلام كما أن الشرط كذلك. فعلى هذه جاز بأيهم تمر؟ وغلام من تضرب فأما قولهم: أتذكر إذ من يأتنا نأته٣ فلا يجوز إلا في ضرورة الشعر وإنما يجوز على تقدير حذف المبتدأ أي أتذكر إذ الناس من يأتنا نأته فلما باشر المضاف غير المضاف إليه في اللفظ أشبه الفصل بين٤ المضاف والمضاف إليه فلذلك أجازوه في الضرورة. فإن قيل: فما الذي يمنع من إضافته إلى الشرط وهو ضرب من الخبر؟ قيل: لأن الشرط له صدر الكلام فلو أضفت إليه لعلقته بما قبله وتانك٥ حالتان٦ متدافعتان. فأما بأيهم تمرر أمرر ونحوه فإن حرف الجر متعلق بالفعل بعد الاسم, والظرف في قولك: أتذكر إذ من يأتنا نأته متعلق بقولك أتذكر وإذا خرج ما يتعلق به حرف الجر من حيز الاستفهام لم يعمل في الاسم المستفهم به ولا المشروط به.

стр. 365

ومن التدريج في اللغة أن يكتسي المضاف من المضاف إليه كثيرًا من أحكامه: من التعريف والتنكير والاستفهام والشياع وغيره ألا ترى أن ما لا يستعمل من الأسماء في الواجب إذا أضيف إليه شيء منها١ صار٢ في ذلك إلى حكمه ٣. وذلك قولك: ما قرعت حلقة باب دار أحد قط فسرى ما في "أحد " من العموم والشياع إلى " الحلقة ". ولو قلت: قرعت حلقة باب دار أحد أو نحو ذلك لم يجز. ومن التدريج في اللغة: إجراؤهم الهمزة المنقلبة عن حرفي٤ العلة عينا مجرى الهمزة الأصلية. وذلك نحو قولهم في تحقير قائم وبائع: قويئم وبويئع فألحقوا الهمزة المنقلبة بالهمزة الأصلية في سائل وثائر من سأل وثأر إذا قلت: سويئل وثويئر. وليست كذلك اللام٥ إذا انقلبت همزة عن أحد٦ الحرفين نحو كساء وقضاء ألا تراك تقول في التحقير: كسيٌ وقضيّ فترد حرف العلة وتحذفه لاجتماع الياءات. وليست كذلك الهمزة الأصلية ألا تراك تقول في تحقير سلاء٧ وخلاء٧ بإقرار الهمزة لكونها أصلية وذلك سُليِّء وخُليِّء. وتقول أيضًا في تكسير كساء وقضاء بترك الهمزة البتة وذلك قولك: أكسية وأقضية. وتقول في سلاء وخلاء: أسلئة وأخلئة؛ فاعرف ذلك. لكنك لو بنيت من قائم وبائع شيئًا مرتجلا أعدت الحرفين البتة. وذلك كأن تبني منهما مثل جعفر فتقول: قومم وبيعع. ولم تقل: قأمم ولا بأعع؛ لأنك إنما تبني من أصل المثال لا من حروفه المغيرة ألا تراك لو بنيت من قيل وديمة مثال " فعل" لقلت: دوم وقول لا غير.

стр. 366

فإن قلت: ولم لم تقرر الهمزة في قائم وبائع فيما تبنيه منهما, كما أقررتها في تحقيرهما؟ قيل: البناء من الشيء أن تعمد لأصوله فتصوغ منها زوائده فلا تحفل بها. وليس كذلك التحقير. وذلك أن صورة المحقر معك ومعنى التكبير١ والتحقير في أن كل واحد منهما واحد واحد وإنما بينهما أن أحدهما كبير والآخر صغير فأما الإفراد والتوحيد فيهما كليهما فلا نظر فيه ٢. قال أبو علي ﵀ في ضحة الواو في نحو أسيود وجديول: مما أعان على ذلك وسوغه أنه في معنى جدول صغير فكما تصح الواو في جدول صغير فكذلك أنس بصحة الواو في جديول. وليس كذلك الجمع؛ لأنه رتبة غير رتبة الآحاد فهو شيء آخر فلذلك سقطت في الجمع حرمة الواحد, ألا تراك تقول في تكسير قائم: قوام وقوم فتطرح الهمزة وتراجع لفظ الأصل، ولا تقول: قؤام، ولا قؤم، كما قلت في التحقير: قوئم، بالهمز. وسألت مرة أبا علي ﵀ عن رد سيبويه كثيرًا من أحكام التحقير إلى أحكام التكسير وحمله إياها عليها ألا تراه "قال تقول "٣: سريحين لقولك: سراحين, ولا تقول ٤: عثيمين لأنك لا تقول: عثامين ونحو ذلك. فقال: إنما حمل التحقير في هذا على التكسير من حيث كان التكسير بعيدًا عن رتبة الآحاد. فاعتد ما يعرض فيه لاعتداده بمعناه والمحقر هو المكبر والتحقير فيه جار مجرى الصفة, فكأن لم يحدث بالتحقير٥ أمر يحمل عليه غيره كما حدث بالتكسير حكم يحمل عليه الإفراد: هذا معقد معناه وما أحسنه وأعلاه!

стр. 367

ومن التدريج قولهم: هذا حضرُموت بالإضافة على منهاج اقتران الاسمين أحدهما بصاحبه. ثم تدرجوا من هذا إلى التركيب فقالوا: هذا حضرَموت. ثم تدرجوا من هذا إلى أن صاغوهما جميعًا صياغة المفرد فقالوا: هذا حضرَمُوت فجرى لذلك مجرى عضرفوط ويستعور. ومن التدريج في اللغة قولهم: ديمة١ وديم؛ واستمرار القلب في العين للكسرة قبلها, ثم تجاوزوا ذلك لما كثر وشاع إلى أن قالوا: ديمت السماء ودومت؛ فأما دومت فعلى القياس وأما ديمت فلاستمرار القلب في ديمة وديم. أنشد أبو زيد: هو الجواد ابن الجواد ابن سبل ... إن دوموا جاد وإن جادوا وبل٢ ورواه أيضًا "ديموا " بالياء. نعم ثم قالوا: دامت السماء تديم؛ فظاهر هذا أنه أجري مجرى باع يبيع, وإن كان من الواو. فإن قلت: فلعله فعل يفعل من الواو؛ كما ذهب الخليل في طاح يطيح, وتاه يتيه؛ قيل: حمله على الإبدال أقوى؛ ألا ترى أنه قد حكي في مصدره ديمًا, فهذا مجتذب إلى التاء مدرج٣ إليها مأخوذ به نحوها. فإن قلت: فلعل٤ الياء لغة٥ في هذا الأصل كالواو, بمنزلة ضاره يضيره ضيرًا وضاره يضوره ضورًا. قيل: يبعد ذلك هنا ألا ترى إلى اجتماع٦

стр. 368

الكافة على قولهم: الدوام, وليس أحد١ يقول: الديام فعلمت بذلك أن العارض في هذا الموضع إنما هو من جهة الصنعة لا من جهة اللغة. ومثل ذلك ما حكاه أبو زيد من قولهم: "ما هت الركية تميه ميهًا "٢, مع إجماعهم على أمواه, وأنه لا أحد يقول: أمياه. ونحو من ذلك ما يحكى عن عمارة بن عقيل من أنه قال في جمع ريح: أرياح؛ حتى نبه عليه فعاد إلى أرواح. وكأن أرياحًا أسهل قليلا؛ لأنه قد جاء عنهم قوله: وعلي من سدف العشي رياح٣ فهو بالياء لهذا آنس. وجماع هذا الباب غلبة الياء على الواو لخفتها؛ فهم لا يزالون٤ تسببًا إليها, ونجشًا عنها, واستثارة لها, وتقربًا ما استطاعوا منها. ونحو هذه الطريق في التدريج , حملهم علباوان على حمراوان, ثم حملهم رداوان على علباوان, ثم حملهم قراوان على رداوان, وقد تقدم ذكره ٥. وفي هذا كاف مما يرد في معناه بإذن الله تعالى. ومن ذلك أنه لما اطردت إضافة أسماء الزمان إلى الفعل نحو , قمت يوم قمت, وأجلس حين تجلس, شبهوا ظرف المكان في "حيث " فتدرجوا من "حين " إلى "حيث " فقالوا: قمت حيث قمت. ونظائره كثيرة.

стр. 369

باب في أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب ... باب في أن ما قيس على كلام العرب: هذا موضع شريف. وأكثر الناس يضعف عن احتماله لغموضه ولطفه. والمنفعة به عامة, والتساند إليه مقو مجد. وقد نص١ أبو عثمان عليه فقال: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؛ ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره. فإذا سمعت "قام زيد " أجزت ظرف بشر, وكرم خالد. قال أبو علي: إذا قلت: "طاب الخشكنان "٢ فهذا من كلام العرب لأنك بإعرابك إياه قد أدخلته كلام العرب. ويؤكد هذا عندك أن ما أعرب من أجناس الأعجمية قد أجرته العرب مجرى أصول كلامها ألا تراهم يصرفون في العلم نحو آجر وإبريسيم وفِرِند وفيروزج وجميع ما تدخله لام التعريف. وذلك أنه لما دخلته اللام في نحو الديباج, والفرند والسهريز٣، والآجر؛ أشبه أصول كلام العرب, أعني النكرات. فجرى في الصرف ومنعه مجراها.

стр. 370

قال أبو علي: ويؤكد ذلك أن العرب اشتقت من الأعجمي النكرة, كما تشتق من أصول كلامها، قال رؤبة: هل ينجيني حلف سختيت ... أو فضة أو ذهب كبريت١ قال: فـ "سختيت " من السخت٢؛ كـ " زحليل "٣ من الزحل. وحكى لنا أبو علي عن ابن الأعرابي أظنه قال: يقال درهمت الخبازى؛ أي صارت كالدراهم فاشتق من الدرهم وهو اسم أعجمي. وحكى أبو زيد: رجل مدرهم ٤. قال ولم يقولوا منه: دُرهِم إلا أنه إذا٥ جاء اسم المفعول فالفعل نفسه حاصل في الكف. ولهذا أشباه. وقال أبو عثمان في الإلحاق المطرد: إن موضعه من جهة اللام نحو قُعدُد, ورِمدِد, وشَملَل, وصَعرَر. وجعل الإلحاق بغير اللام شاذًّا لا يقاس عليه. وذلك نحو جوهر, وبيطر, وجدول, وحذيم، ورهوك٦، وأرطىً, ومعزىً وسلقىً وجعبى. قال أبو علي وقت القراءة عليه كتاب أبي عثمان: لو شاء شاعر أو ساجع, أو متسع, أن يبنى بإلحاق اللام اسمًا, وفعلا, وصفة لجاز له ولكان ذلك من كلام العرب. وذلك نحو قولك: خرججٌ أكرم من دخللٍ وضربب زيد عمرًا ومررت برجل ضرببٍ وكرممٍ

стр. 371

ونحو ذلك. قلت له: أفترتجل اللغة ارتجالا قال: ليس بارتجال لكنه مقيس على كلامهم, فهو إذًا من كلامهم. قال: ألا ترى أنك تقول: طاب الخشكنان, فتجعله من كلام العرب وإن لم تكن العرب تكلمت به. هكذا قال فبرفعك إياه كرفعها ما صار لذلك محولا على كلامها ومنسوبًا إلى لغتها. ومما اشتقته العب من كلام العجم ما أنشدناه "من قول الراجز"١: هل تعرف الدار لأم الخزرج ... منها فظلت اليوم كالمزرج أي الذي شرب الزرجون٢، وهي الخمر. فاشتق المزرج من الزرجون وكان قياسه: كالمزرجن من حيث كانت النون في زرجون قياسها أن تكون أصلا إذ كانت بمنزلة السين من قربوس. قال أبو علي: ولكن العرب إذا اشتقت من الأعجمي خلطت فيه. قال: والصحيح من نحو هذا الاشتقاق قول رؤبة ٣: في خدر مياس الدمى معرجن وأنشدناه "المعرجن "٤ باللام. فقوله "المعرجن " يشهد بكون النون من عرجون أصلا وإن كان من معنى الانعراج ألا تراهم فسروا قول الله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٥ فقالوا: هي الكباسة٦ إذا قدمت فانحنت؛ فقد "كان على هذا القياس يجب "٧ أن يكون نون "عرجون " زائدة كزيادتها في "زيتون " , غير أن بيت رؤبة الذي يقول فيه " المعرجن" منع هذا, وأعلمنا أنه أصل رباعي قريب من لفظ

стр. 372

الثلاثي؛ كسبطر من سبط ودمثر من دمث؛ ألا ترى أنه ليس في الأفعال "فعلن " وإنما ذلك في الأسماء نحو علجن١، وخلبن. ومما يدلك على أن ما قيس على٢ كلام العرب فإنه من كلامها أنك لو مررت على قوم "يتلاقون بينهم مسائل "٣ أبنية التصريف نحو قولهم في مثال "صمحمح " من الضرب: "ضربرب " ومن القتل "قتلتل " ومن الأكل "أكلكل " ومن الشرب "شربرب " ومن الخروج "خرجرج " ومن الدخول "دخلخل ". وفي مثل "سفرجل " من جعفر: "جعفرر " ومن صقعب٤ "صقعبب " ومن زبرج "زبرجج " ومن ثرتم٥ "ثرتمم" ونحو ذلك. فقال لك قائل: بأي لغة كان هؤلاء يتكلمون لم تجد بدًا من أن تقول: بالعربية وإن كانت العرب لم تنطق بواحد من هذه٦ الحروف. فإن قلت: فما تصنع بما حدثكم به أبو صالح السليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ عن أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثنا الخليل بن أسد النوشجاني٧ قال: قرأت على الأصمعي هذه الأرجوزة للعجاج: يا صاح هل تعرف رسمًا مكرسا فلما بلغت: تقاعس العز بنا فاقعنسسا قال لي الأصمعي: قال لي الخليل: أنشدنا رجل: رافع العز بنا٨ فارفنعع

стр. 373

فقلت: هذا لا يكون. فقال ١: كيف جاز للعجاج أن يقول: تقاعس العز بنا فقعنسا٢ فهذا يدل على امتناع القوم من أن يقيسوا على كلامهم ما كان من٣ هذا النحو من الأبنية على أنه من كلامهم ألا ترى إلى قول الخليل وهو سيد قومه وكاشف قناع القياس في علمه كيف منع٤ من هذا ولو كان ما قاله أبو عثمان صحيحًا ومذهبًا مرضيًّا لما أباه الخليل ولا منع منه! فالجواب عن هذا من أوجه عدة: أحدها -أن الأصمعي لم يحك عن الخليل أنه انقطع هنا ولا أنه تكلم بشيء بعده فقد يجوز أن يكون الخليل لما احتج عليه منشده ذلك البيت ببيت العجاج عرف الخليل حجته فترك مراجعته وقطع الحكاية على هذا الموضع يكاد يقطع بانقطاع الخليل عنده ولا ينكر أن يسبق الخليل إلى القول بشيء فيكون فيه تعقب له فينبه عليه فينتبه. وقد يجوز أيضًا أن يكون الأصمعي سمع من الخليل في هذا من قبوله أورده على المحتج به ما لم يحكه للخليل بن أسد لا سيما والأصمعي ليس ممن ينشط للمقاييس, ولا لحكاية التعليل. نعم, وقد يجوز أن يكون الخليل أيضًا أمسك عن شرح الحال في ذلك وما قاله لمنشده البيت من تصحيح قوله أو إفساده للأصمعي٥ لمعرفته بقلة انبعاثه٦ في النظر وتوفره على ما يروى ويحفظ. وتؤكد٧ هذا عندك الحكاية عنه وعن

стр. 374

الأصمعي, وقد كان أراده الأصمعي على أن يعلمه العروض فتعذر ذلك على الأصمعي وبعد عنه؛ فيئس الخليل منه فقال له يومًا: يا أبا سعيد كيف تقطع قول الشاعر ١: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع قال: فعلم الأصمعي أن الخليل قد تأذى ببعده عن علم العروض فلم يعاوده فيه. ووجه غير هذا وهو ألطف من جميع ما جرى٢ وأصنعه وأغمضه؛ وذلك أن يكون الخليل إنما أنكر ذلك لأنه بناه " مما"٣ لامه حرف حلقي والعرب لم تبن هذا المثال مما لامه أحد حروف الحلق إنما هو مما لامه حرف فموي وذلك نحو اقعنسس واسحنكك واكلندد٤، واعفنجج ٥. فلما قال الرجل للخليل "فارفنععا " أنكر ذلك من حيث أرينا. فإن قيل: وليس٦ ترك العرب أن تبني هذا المثال مما لامه حرف حلقي بمانع أحدًا من بنائه من ذلك؛ ألا ترى أنه ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع فإذا حذا إنسان على مثلهم, وأم مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعًا, ولا أن يرويه رواية. قيل: إذا تركت العرب أمرًا من الأمور لعلة داعية إلى تركه وجب اتباعها عليه ولم يسع أحدًا بعد ذلك العدول عنه. وعلة امتناع ذلك عندي ما أذكره لتتأمله فتعجب منه، وتأنق لحسن الصنعة فيه.

стр. 375

وذلك أن العرب زادت هذه النون الثالثة الساكنة في موضع حروف اللين أحق به وأكثر من النون فيه ألا ترى أنك إذا وجدت النون ثالثة ساكنة فيما عدته خمسة أحرف قطعت بزيادتها١؛ نحو نون جحنفل٢، وعبنقس٣، وجرنفس٤، وفلنقس٥، وعرندس٦، عرفت الاشتقاق أو لم تعرفه حتى يأتيك ثبت بضده. قال أصحابنا: وإنما كان ذلك لأن هذا الموضع إنما هو للحروف الثلاثة الزوائد نحو واو فدوكس٧ وسرومط٨، وياء سميدع٩، وعميثل١٠، وألف جرافس١١، وعذافر. والنون حرف من حروف الزيادة أغن ومضارع لحروف اللين وبينه وبينها من القرب والمشابهات ما قد شاع وذاع. فألحقوا النون في ذلك بالحروف اللينة الزائدة. وإذا كان كذلك فيجب أن تكون هذه النون -إذا وقعت ثالثة في هذه المواضع- قوية الشبه بحروف المد وإنما يقوى شبهها بها متى كانت ذات غنة لتضارع بها حروف المد للينها وإنما تكون فيها الغنة متى كانت من الأنف وإنما تكون من الأنف متى وقعت ساكنة وبعدها حرف فموي لا حلقي نحو جحنفل وبابه. وكذلك أيضًا طريقها وحديثها في الفعل ألا ترى أن النون في باب احرنجم وادلنظى١٢، إنما هي محمولة من حيث كانت ثالثة ساكنة على الألف نحو١٣ اشهاببت، وادهاممت وابياضضت واسواددت والواو في نحو اغدودن واعشوشب،

стр. 376

واخلولق واعروريت واذلوليت١، واقطوطيت٢، واحلوليت. وإذا كانت النون في باب احرنجم واقعنسس إنما هي أيضًا محمولة على الواو والألف في هذه الألفاظ التي ذكرناها "وغيرها"٣ وجب أن تضارعها وهي أقوى شبهًا بها. وإنما يقوى شبهها بها إذا كانت غناء وإنما تكون كذلك إذا وقعت قبل حروف الفم نحوها في اسحنكك٤ واقعنسس واحرنجم واخرنطم ٥. وإذا كان كذلك لم يجز أن يقع بعدها حرف حلقي لأنها إذا كانت كذلك كانت من الفم٦ وإذا كانت من الفم سقطت غنتها وإذا سقطت غنتها زال شبهها بحرفي المد: الواو والألف. فلذلك أنكره الخليل وقال: هذا لا يكون. وذلك أنه رأى نون "ارفنعع " في موضع لا تستعملها العرب فيه إلا غناء غير مبينة٧، فأنكره وليست كذلك في اقعنسس لأنها قبل السين وهذا موضع تكون فيه مغنة مشابهة لحرفي اللين ولهذا ما كانت النون في "عجنس "٨ و "هجنع "٩ كباء "عدبس "١٠ ولامي "شلعلع "١١ ولم يقطع على أن الأولى منهما الزائدة كما قطع على نون "جحنفل " بذلك من حيث كانت مدعمة وادغامها يخرجها من الألف١٢؛ لأنها تصير إلى لفظ المتحركة بعدها وهي من الفم. وهذا أقوى ما يمكن أن يحتج به في هذا الموضع.

стр. 377

وعلى ما نحن عليه فلو قال لك قائل: كيف تبني من ضرب مثل "حبنطىً " لقلت فيه: "ضربنىً ". ولو قال: كيف تبني مثله من قرأ لقلت: هذا لا يجوز لأنه يلزمني أن أقول: "قرنأى " فأبين النون لوقوعها قبل الهمزة وإذا بانت ذهبت عنها غنتها وإذا ذهبت غنتها١ زال شبهها بحروف اللين في نحو عثوثل٢ وخفيدد٣، وسرومط وفدوكس وزرارق٤، وسلالم وعذافر وقراقر٥ -على ما تقدم- ولا يجوز أن تذهب عنها الغنة في هذا الموضع الذي هي محمولة فيه على حروف اللين بما فيها من الغنة التي ضارعتها بها وكذلك جميع حروف الحلق. فلا٦ يجوز أيضًا أن تبنى من صرع ولا من جبه ولا من سنح ولا من سلخ ولا من فرغ لأنه كان يلزمك أن تقول: صرنعى وجبنهى وسننحى وسلنخى وفرنغى فتبين النون في هذا الموضع. وهذا "لا يجوز"٧؛ لما قدمنا ذكره. ولكن من أخفى النون عند الخاء والغين في نحو منخل ومنغل٨، يجوز على مذهبه أن يبني نحو حبنطى من سلخ وفرغ لأنه قد يكون هناك في لغته من الغنة ما يكون مع حروف الفم. وقلت مرة لأبي علي ﵀ قد حضرني شيء في علة الإتباع في " نقيذ "٩ وإن عري أن تكون عينه حلقية وهو قرب القاف من الخاء والغين فكما١٠ جاء١١ عنهم النخير والرغيف كذلك جاء عنهم "النقيذ " فجاز أن تشبه القاف لقربها من حروف الحلق بها كما شبه من أخفى النون عند الخاء والغين إياهما بحروف الفم، فالنقيذ في الإتباع

стр. 378

كالمنخل والمنغل فيمن أخفى النون فرضيه وتقبله. ثم رأيته وقد أثبته فيما بعد بخطه في تذكرته ولم أر أحدًا من أصحابنا ذكر " امتناع١ فعنلى " وبابه فيما لامه حرف حلقي لما يعقب ذلك من ظهور النون وزوال شبهها بحروف اللين والقياس يوجبه فلنكن عليه. ويؤكده عنك أنك لا تجد شيئًا من باب فعنلى ولا فعنلل٢ ولا فعنعل بعد نونه حرف حلقي. وقد يجوز أن يكون إنكار الخليل قوله "فارفنععا " إنما هو لتكرر الحرف الحلقي مع استنكارهم ذلك. ألا ترى إلى قلة التضعيف في باب المهه٣، والرخخ٤، والبعاع٥، والبحح والضغيغة٦، والرغيغة٧؛ هذا مع ما قدمناه من ظهور النون في هذا الموضع. ومن ذلك قول أصحابنا: إن اسم المكان والمصدر على وزن المفعول في الرباعي قليل إلا أن تقيسه. وذلك نحو المدحرج تقول: دحرجته مدحرجًا وهذا مدحرجنا وقلقلته مقلقلا٨، وهذا مقلقلنا وكذلك أكرمته مكرمًا وهذا مكرمك أي موضع إكرامك وعليه قول الله تعالى: ﴿مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ٩ أي تمزيق وهذا ممزق الثياب أي الموضع الذي تمزق فيه. قال أبو حاتم: قرأت على الأصمعي في جيمية العجاج: جأبًا ترى بليته مسحجًا١٠

стр. 379

فقال: تليله١ فقلت: بليته فقال: هذا لا يكون فقلت: أخبرني به من سمعه من فِلق٢ في رؤبة أعني أبا زيد الأنصاري٣ فقال: هذا لا يكون فقلت: جعله مصدرًا أي تسحيجًا فقال: هذا لا يكون فقلت: فقد قال جرير: ألم تعلم مسرحي القوافي ... فلا عيا بهن ولا اجتلابا٤ أي تسريحي. فكأنه أراد أن يدفعه فقلت له: فقد قال الله : ﴿مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فأمسك. وتقول على ما مضى: تألفته متألفًا وهذا متألفنا وتدهورت متدهورًا وهذا متدهورك وتقاضيتك متقاضىً وهذا متقاضانا. وتقول: اخروَّط٥ مخروَّطًا وهذا مخروَّطنا واغدودن٦ مغدودنا وهذا مغدودننا وتقول: اذلوليت مذلولىً وهذا مذلولانا ومذلولاكن يا نسوة وتقول: اكوهدَّ٧ مكوهدًا وهذا مكوهدكما. فهذا كله من كلام العرب ولم يسمع منهم ولكنك سمعت ما هو مثله وقياسه قياسه٨؛ ألا ترى إلى قوله ٩: أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا غم الجبان من الكرب وقوله ١٠: أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس

стр. 380

وقوله: كأن صوت الصنج في مصلصله فقوله "مصلصله " يجوز أن يكون مصدرًا أي في صلصلته, ويجوز أن يكون موضعًا للصلصلة. وأما قوله: ... حتى لا أرى لي مقاتلا فمصدر ويبعد أن يكون موضعًا أي حتى لا أرى لي موضعًا للقتال: المصدر هنا أقوى وأعلى. وقال١: تراد على دمن الحياض فإن تعف ... فإن المندَّى رحلة فركوب٢ أي مكان تنديتنا٣ إياها أن نرحلها فنركبها. وهذا كقوله ٤: تحية بينهم ضرب وجيع أي ليست هناك تحية بل مكان التحية ضرب. فهذا كقول الله سبحانه ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . وقال رؤبة ٥: جدب المندى شئِز المُعَوَّهِ٦ فهذا اسم لموضع التندية أي جدب هذا المكان. وكذلك " المعوه " مكان أيضًا والقول فيهما واحد.

стр. 381

وهذا باب مطرد متقاود. وقد كنت ذكرت طرفًا منه في كتابي "شرح تصريف أبي عثمان "؛ غير أن الطريق ما ذكرت لك. فكل ما قيس على كلامهم فهو من كلامهم. ولهذا قال من قال في العجاج ورؤبة: إنهما قاسا اللغة وتصرفا فيها وأقدما على ما لم يأت به من قبلهما. وقد كان الفرزدق يلغز بالأبيات، ويأمر بإلقائها على ابن أبي إسحاق ١. وحكى الكسائي٢ أنه سأل بعض العرب عن أحد مطايب الجزور, فقال: مطيب٣؛ وضحك الأعرابي من نفسه كيف تكلف لهم ذلك من كلامه. فهذا ضرب من القياس ركبه الأعرابي، حتى دعاه إلى الضحك من نفسه، في تعاطيه إياه. وذكر أبو بكر أن منفعة الاشتقاق لصاحبه أن يسمع الرجل اللفظة فيشك فيها, فإذا رأى الاشتقاق قابلًا لها أنس بها وزال استيحاشه منها. فهل هذا إلا اعتماد في تثبيت اللغة على القياس. ومع هذا أنك لو سمعت ظرف؛ ولم تسمع يظرف؛ هل كنت تتوقف عن٤ أن تقول يظرف راكبًا له غير مستحيٍ منه. وكذلك لو سمعت سلم ولم تسمع مضارعه أكنت ترع٥ أو ترتدع أن تقول يسلم, قياسًا أقوى من كثير من سماع غيره. ونظائر ذلك فاشية٦ كثيرة.

стр. 382

باب في الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدا: من ذلك قول لبيد: سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرًا والقبائل من هلال١ وقال ٢: أما ابن طوق فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها٣ وقال ٤: فظلت لدى البيت العتيق أُخيلُهو ... ومطواي مشتاقان له أرقان٥ فهاتان٦ لغتان: أعني إثبات الواو في "أخيلهو " وتسكين الهاء في قوله "له "، لأن أبا الحسن زعم أنها لغة لأزد السراة وإذا كان كذلك فهما لغتان. وليس إسكان الهاء في "له " عن حذف لحق بالصنعة الكلمة لكن ذاك لغة.

стр. 383

ومثله ما رويناه عن قطرب: وأشرب الماء ما بي نحوهو عطش ... إلا لأن عيونهْ سيل واديها فقال: "نحو هو" بالواو، وقال "عيونه" ساكن الهاء. وأما قول الشماخ: له زجل كأنه صوت حا ... إذا طلب الوسيقة أو زمير١ فليس هذا لغتين لأنا لا نعلم رواية٢ حذف هذه الواو وإبقاء الضمة قبلها لغة٣، فينبغي أن يكون ذلك ضرورة "وصنعة"٣، لا مذهبًا ولغة. وكذلك يجب عندي وينبغي ألا يكون لغة لضعفه في القياس. ووجه ضعفه أنه ليس على مذهب الوصل ولا مذهب الوقف. أما الوصل فيوجب إثبات واوه كلقيتهو أمس. وأما الوقف فيوجب الإسكان كلقيته وكلمته فيجب أن يكون ذلك ضرورة للوزن لا لغة. وأنشدني الشجري لنفسه: وإنا ليرعى في المخوف سوامنا ... كأنه لم يشعر به من يحاربه٤ فاختلس ما بعد هاء "كأنه "، ومطل ما بعد هاء "بِهىِ "، واختلاس ذلك ضرورة "وصنعة"٥ على ما تقدم به القول.

стр. 384

ومن ذلك قولهم: بغداد, وبغدان. وقالوا أيضًا: مغدان, وطبرزل١، وطبرزن. وقالوا للحية: أيم, وأين. وأعصر, ويعصر: أبو باهلة. والطِنفِسة, والطُنفُسة. "وما اجتمعت"٢ فيه لغتان أو ثلاث أكثر من أن يحاط به. فإذا ورد شيء من ذلك -كأن يجتمع في لغة رجل واحد لغتان فصيحتان٣- فينبغي أن تتأمل حال كلامه فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال, كثرتهما واحدة فإن أخلق الأمر به أن تكون قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على "ذينك اللفظين"٤؛ لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها وسعة تصرف أقوالها. وقد يجوز أن تكون لغته في الأصل إحداهما ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى وطال بها٥ عهده وكثر "استعماله لها"٦، فلحقت -لطول٧ المدة واتصال استعمالها- بلغته الأولى ٨. وإن كانت إحدى اللفظتين٩ أكثر في كلامه من صاحبتها فأخلق الحالين به في ذلك أن تكون القليلة في الاستعمال هي المفادة والكثيرته١٠ هي الأولى الأصلية. نعم وقد يمكن في هذا أيضًا أن تكون القلي منهما إنما قلت في استعماله لضعفها في نفسه وشذوذها عن قياسه وإن كانتا جميعًا لغتين له ولقبيلته. وذلك

стр. 385

أن من مذهبهم أن يستعملوا من اللغة ما غيره أقوى في القياس منه؛ ألا ترى إلى حكاية أبي العباس عن عمارة قراءته ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ ١ بنصب النهار وأن أبا العباس قال له ٢: ما أردت؟ فقال: أردت "سابقٌ النهار " قال أبو العباس فقلت له: فهلا قلته فقال: لو قلته لكان أوزن أي أقوى. فهذا يدلك٣ على أنهم قد يتكلمون بما غيره عندهم٤ أقوى منه، "وذلك"٥ لاستخفافهم الأضعف إذ لولا ذلك لكان الأقوى أحق وأحرى كما أنهم لا يستعملون المجاز إلا لضرب من المبالغة إذ لولا ذلك لكانت الحقيقة أولى من المسامحة. "٦وإذا كثر على المعنى الواحد ألفاظ مختلفة فسمعت في لغة إنسان واحد فإن أخرى ذلك أن يكون قد أفاد أكثرها أو طرفًا منها من حيث كانت القبيلة الواحدة لا تتواطأ في المعنى الواحد على ذلك كله. هذا غالب الأمر وإن كان الآخر في وجه من القياس جائزًا. وذلك كما جاء عنهم في أسماء الأسد والسيف والخمر وغير ذلك وكما تنحرف الصيغة٧ واللفظ واحد نحو قولهم: هي رَغوة اللبن, ورُغوته, ورِغوته, ورُغاوته ورِغاوته ورُغايته. وكقولهم: الذَرُوح٨، والذُرُّوح، والذِّرِّيح، والذُرَّاح، والذُرَّح، والذُرنوح، والذُرحرح، والذُرَّحرح، روينا ذلك كله. وكقولهم: جئته من علُ،

стр. 386

ومن عِل, ومن علا, ومن عَلوُ, ومن عَلوَ, ومن عَلو, ومن عُلُوّ, ومن عال, ومن معال. فإذا أرادوا النكرة قالوا: من علٍ. وههنا من هذا ونحوه أشباه له كثيرة "١. وكلما٢ كثرت الألفاظ على المعنى الواحد كان ذلك أولى بأن تكون لغات لجماعات اجتمعت لإنسان واحد من هَنَّا ومن هَنَّا. ورويت عن الأصمعي قال: اختلف رجلان في الصقر فقال أحدهما: الصقر " بالصاد"، وقال الآخر: السقر "بالسين "؛ فتراضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه. فقال: لا أقول كما قلتما؛ إنما هو الزقر. أفلا ترى إلى كل واحد من الثلاثة كيف أفاد في هذه الحال إلى لغته لغتين أخريين معها. وهكذا تتداخل اللغات. وسنفرد لذلك بابًا بإذن الله . فقد وضح ما أوردنا بيانه من حال اجتماع اللغتين أو اللغات في كلام الواحد من العرب.

стр. 387

باب في تركيب اللغات ... باب في تركب ١ اللغات ٢: اعلم أن هذا موضع قد دعا أقوامًا ضعف نظرهم وخفت إلى تلقي ظاهر٣ هذه اللغة أفهامهم أن جمعوا أشياء على وجه الشذوذ عندهم وادعوا أنها موضوعة في أصل اللغة على ما سمعوه بأخرة من أصحابها وأنسوا ما كان ينبغي أن يذكروه وأضاعوا ما كان واجبًا أن يحفظوه. ألا تراهم كيف ذكروا في الشذوذ ما جاء على فعل يفعل؛ نعم ينعم ودمت تدوم ومت تموت. وقالوا أيضًا فيما جاء من فعل يفعل وليس عينه ولا لامه حرفًا حلقيًّا نحو قلى يقلى وسلا يسلى وجبى يجبى وركن يركن وقنط يقنط. ومما عدوه شاذًّا ما ذكروه من فعل فهو فاعل؛ نحو طهر فهو طاهر, وشعر, فهو شاعر وحمض فهو حامض وعقرت المرأة فهي عاقر ولذلك نظائر كثيرة. واعلم٣ أن أكثر ذلك وعامته إنما هو لغات تداخلت فتركبت٤، على ما قدمناه في الباب الذي هذا الباب يليه. هكذا ينبغي أن يعتقد وهو أشبه بحكمة العرب. وذلك أنه قد دلت الدلالة على وجوب مخالفة صيغة الماضي لصيغة المضارع, إذ الغرض في صيغ هذه المثل إنما هو لإفادة الأزمنة فجعل لكل زمان مثال مخالف لصاحبه وكلما ازداد الخلاف كانت في ذلك قوة الدلالة على الزمان. فمن ذلك أن جعلوا بإزاء حركة فاء الماضي سكون فاء المضارع وخالفوا بين عينيهما فقالوا: ضرب يضرب وقتل يقتل وعلم يعلم. فإن قلت: فقد قالوا: دحرج يدحرج فحركوا فاء المضارع والماضي جميعًا وسكنوا عينيهما أيضًا قيل: لما فعلوا ذلك في الثلاثي الذي هو أكثر استعمالا وأعم تصرفًا وهو كالأصل للرباعي لم يبالوا ما فوق ذلك مما جاوز الثلاثة. وكذلك أيضًا قالوا: تقطع يتقطع وتقاعس يتقاعس وتدهور يتدهور ونحو ذلك لأنهم أحكموا الأصل الأول الذي هو الثلاثي. فقل حفلهم بما وراءه؛ كما أنهم لما أحكموا أمر المذكر في التثنية، فصاغوها على ألفها, لم يحفلوا بما عرض

стр. 388

في المؤنث من اعتراض علم التأنيث بين الاسم وبين ما هو مصوغ عليه من علمها نحو قائمتان وقاعدتان. فإن قلت: فقد نجد في الثلاثي ما تكون حركة عينيه في الماضي والمضارع, سواء وهو باب فعل؛ نحو كرم يكرم, وظرف يظرف. قيل: على كل حال فاؤه في المضارع ساكنة وأما موافقة حركة عينيه١ فلأنه ضرب قائم في الثلاثي؛ برأسه ألا تراه غير متعد البتة وأكثر باب فعَل وفعِل متعد. فلما جاء هذا مخالفًا لهما -وهما أقوى وأكثر منه- خولف بينهما وبينه, فووفق بين حركتي عينيه وخولف بين حركتي عينيهما. وإذا ثبت وجوب خلاف صيغة الماضي صيغة المضارع وجب أن يكون ما جاء من نحو سلا يسلى وقلى يقلى "ونحو ذلك"٢، مما التقت فيه حركتا عينيه منظورًا في أمره ومحكومًا عليه بواجبه. فنقول: إنهم قد قالوا: قليت الرجل وقليته. فمن قال: قلَيته فإنه يقول أقليه ومن قال قلِيته قال: أقلاه. وكذلك من قال: سلوته قال: أسلوه ومن قال سليته قال: أسلاه ثم تلاقى أصحاب اللغتين فسمع هذا لغة هذا وهذا لغة هذا فأخذ كل واحد منهما من صاحبه ما ضمه إلى لغته فتركبت هناك لغة ثالثة كأن من يقول سلا أخذ مضارع من يقول سلى, فصار في لغته سلا يسلى. فإن قلت: فكان٣ يجب على هذا أن يأخذ من يقول سلِى مضارع من يقول سلا فيجيء من هذا أن يقال: سلى يسلو.

стр. 389

قيل: منع من ذلك أن الفعل إذا أزيل ماضيه عن أصله سرى ذلك في مضارعه وإذا اعتل مضارعه سرى ذلك في ماضيه إذ كانت هذه المثل تجري عندهم مجرى المثال الواحد ألا تراهم١ لما أعلوا "شقي " أعلوا أيضًا مضارعه فقالوا يشقيان: ولما أعلوا "يغزي " أعلوا أيضًا أغزيت ولما أعلوا "قام " أعلوا أيضًا يقوم. فلذلك لم يقولوا: سليت تسلو فيعلوا الماضي ويصححوا المضارع. فإن قيل: فقد قالوا: محوت تمحى وبأوت تبأى وسعيت تسعى ونأيت تنأى فصححوا الماضي وأعلوا المستقبل. قيل: إعلال الحرفين إلى الألف لا يخرجهما كل الإخراج عن أصلهما؛ ألا ترى أن الألف حرف ينصرف إليه عن الياء والواو جميعًا فليس للألف خصوص بأحد حرفي العلة فإذا قلب واحد منهما إليه فكأنه مقر على بابه٢؛ ألا ترى أن الألف لا تكون أصلا في الأسماء ولا الأفعال وإنما هي مؤذنة بما هي بدل منه وكأنها هي هو وليست كذلك الواو والياء لأن كل واحدة منهما قد تكون٢ أصلا كما تكون٣ بدلا. فإذا أخرجت الواو إلى الياء اعتد ذلك؛ لأنك أخرجتها إلى صورة تكون الأصول عليها والألف لا تكون أصلا أبدًا فيهما٤، فكأنها هي ما قلبت عنه البتة فاعرف ذلك فإن أحدًا من أصحابنا لم يذكره. ومما يدلك٥ على صحة الحال في ذلك أنهم قالوا: غزا يغزو ورمى يرمي، فأعلوا الماضي بالقلب ولم يقلبوا المضارع لما كان اعتلال لام الماضي إنما هو بقلبها ألفًا والألف لدلالتها على ما قلبت عنه كأنها٦ هي هو، فكأن لا قلب هناك: فاعرف ذلك.

стр. 390

ويدلك على استنكارهم أن يقولوا: سليت تسلو لئلا يقلبوا في الماضي ولا يقلبوا في المضارع أنهم قد جاءوا في الصحيح بذلك لما لم يكن فيه من قلب الحرف في الماضي وترك قلبه في المضارع ما جفا عليهم وهو قولهم: نعِم ينعُم, وفضِل يفضُل. وقالوا في المعتل: مِت تموت ودِمت تدوم وحكي في الصحيح أيضًا حضِر القاضي يحضُره. فنعِم في الأصل ينعَم وينعم في الأصل مضارع نعُم ثم تداخلت اللغتان فاستضاف من يقول نعِم لغة من يقول ينعُم فحدثت هناك لغة ثالثة. فإن قلت: فكان يجب على هذا أن يستضيف من يقول: نعُم مضارع من يقول نعِم فتركب من هذا أيضًا لغة ثالثة وهي نعُم ينعَم. قيل: منع من هذا أن فعُل لا يختلف مضارعه أبدًا وليس كذلك نعِم؛ لأن نعِم قد يأتي فيه ينعِم وينعَم جميعًا فاحتمل خلاف مضارعه, وفعُل لا يحتمل مضارعه الخلاف ألا تراك كيف تحذف فاء وعد في يعد لوقوعها بين ياء وكسرة وأنت مع ذلك تصحح نحو وضؤ ووطؤ إذا قلت: يوضؤ ويوطؤ, وإن وقعت الواو بين ياء وضمة ومعلوم أن الضمة أثقل من الكسرة لكنه لما كان مضارع فعُل لا يجيء مختلفًا لم يحذفوا فاء وضؤ ولا وطؤ ولا وَضُع لئلا يختلف بابٌ ليس من عادته أن يجيء مختلفًا. فإن قلت: فما بالهم كسروا عين ينعِم, وليس في ماضيه إلا نعِم, ونعُم, وكل واحد من فعِل وفعُل ليس له حظ من باب يفعِل. قيل: هذا طريقه غير طريق ما قبله. فإما أن يكون ينعم -بكسر العين- جاء على ماض وزنه فعَل غير أنهم لم ينطقوا به استغناء عنه بنعِم ونعُم كما استغنوا بتَرك عن وَذر وودع وكما استغنوا بملامح عن تكسير لمحة وغير ذلك. أو يكون
следующие страницы →