← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومن عِل, ومن علا, ومن عَلوُ, ومن عَلوَ, ومن عَلو, ومن عُلُوّ, ومن عال, ومن معال. فإذا أرادوا النكرة قالوا: من علٍ. وههنا من هذا ونحوه أشباه له كثيرة "١. وكلما٢ كثرت الألفاظ على المعنى الواحد كان ذلك أولى بأن تكون لغات لجماعات اجتمعت لإنسان واحد من هَنَّا ومن هَنَّا. ورويت عن الأصمعي قال: اختلف رجلان في الصقر فقال أحدهما: الصقر " بالصاد"، وقال الآخر: السقر "بالسين "؛ فتراضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه. فقال: لا أقول كما قلتما؛ إنما هو الزقر. أفلا ترى إلى كل واحد من الثلاثة كيف أفاد في هذه الحال إلى لغته لغتين أخريين معها. وهكذا تتداخل اللغات. وسنفرد لذلك بابًا بإذن الله . فقد وضح ما أوردنا بيانه من حال اجتماع اللغتين أو اللغات في كلام الواحد من العرب.

стр. 387

باب في تركيب اللغات ... باب في تركب ١ اللغات ٢: اعلم أن هذا موضع قد دعا أقوامًا ضعف نظرهم وخفت إلى تلقي ظاهر٣ هذه اللغة أفهامهم أن جمعوا أشياء على وجه الشذوذ عندهم وادعوا أنها موضوعة في أصل اللغة على ما سمعوه بأخرة من أصحابها وأنسوا ما كان ينبغي أن يذكروه وأضاعوا ما كان واجبًا أن يحفظوه. ألا تراهم كيف ذكروا في الشذوذ ما جاء على فعل يفعل؛ نعم ينعم ودمت تدوم ومت تموت. وقالوا أيضًا فيما جاء من فعل يفعل وليس عينه ولا لامه حرفًا حلقيًّا نحو قلى يقلى وسلا يسلى وجبى يجبى وركن يركن وقنط يقنط. ومما عدوه شاذًّا ما ذكروه من فعل فهو فاعل؛ نحو طهر فهو طاهر, وشعر, فهو شاعر وحمض فهو حامض وعقرت المرأة فهي عاقر ولذلك نظائر كثيرة. واعلم٣ أن أكثر ذلك وعامته إنما هو لغات تداخلت فتركبت٤، على ما قدمناه في الباب الذي هذا الباب يليه. هكذا ينبغي أن يعتقد وهو أشبه بحكمة العرب. وذلك أنه قد دلت الدلالة على وجوب مخالفة صيغة الماضي لصيغة المضارع, إذ الغرض في صيغ هذه المثل إنما هو لإفادة الأزمنة فجعل لكل زمان مثال مخالف لصاحبه وكلما ازداد الخلاف كانت في ذلك قوة الدلالة على الزمان. فمن ذلك أن جعلوا بإزاء حركة فاء الماضي سكون فاء المضارع وخالفوا بين عينيهما فقالوا: ضرب يضرب وقتل يقتل وعلم يعلم. فإن قلت: فقد قالوا: دحرج يدحرج فحركوا فاء المضارع والماضي جميعًا وسكنوا عينيهما أيضًا قيل: لما فعلوا ذلك في الثلاثي الذي هو أكثر استعمالا وأعم تصرفًا وهو كالأصل للرباعي لم يبالوا ما فوق ذلك مما جاوز الثلاثة. وكذلك أيضًا قالوا: تقطع يتقطع وتقاعس يتقاعس وتدهور يتدهور ونحو ذلك لأنهم أحكموا الأصل الأول الذي هو الثلاثي. فقل حفلهم بما وراءه؛ كما أنهم لما أحكموا أمر المذكر في التثنية، فصاغوها على ألفها, لم يحفلوا بما عرض

стр. 388

في المؤنث من اعتراض علم التأنيث بين الاسم وبين ما هو مصوغ عليه من علمها نحو قائمتان وقاعدتان. فإن قلت: فقد نجد في الثلاثي ما تكون حركة عينيه في الماضي والمضارع, سواء وهو باب فعل؛ نحو كرم يكرم, وظرف يظرف. قيل: على كل حال فاؤه في المضارع ساكنة وأما موافقة حركة عينيه١ فلأنه ضرب قائم في الثلاثي؛ برأسه ألا تراه غير متعد البتة وأكثر باب فعَل وفعِل متعد. فلما جاء هذا مخالفًا لهما -وهما أقوى وأكثر منه- خولف بينهما وبينه, فووفق بين حركتي عينيه وخولف بين حركتي عينيهما. وإذا ثبت وجوب خلاف صيغة الماضي صيغة المضارع وجب أن يكون ما جاء من نحو سلا يسلى وقلى يقلى "ونحو ذلك"٢، مما التقت فيه حركتا عينيه منظورًا في أمره ومحكومًا عليه بواجبه. فنقول: إنهم قد قالوا: قليت الرجل وقليته. فمن قال: قلَيته فإنه يقول أقليه ومن قال قلِيته قال: أقلاه. وكذلك من قال: سلوته قال: أسلوه ومن قال سليته قال: أسلاه ثم تلاقى أصحاب اللغتين فسمع هذا لغة هذا وهذا لغة هذا فأخذ كل واحد منهما من صاحبه ما ضمه إلى لغته فتركبت هناك لغة ثالثة كأن من يقول سلا أخذ مضارع من يقول سلى, فصار في لغته سلا يسلى. فإن قلت: فكان٣ يجب على هذا أن يأخذ من يقول سلِى مضارع من يقول سلا فيجيء من هذا أن يقال: سلى يسلو.

стр. 389

قيل: منع من ذلك أن الفعل إذا أزيل ماضيه عن أصله سرى ذلك في مضارعه وإذا اعتل مضارعه سرى ذلك في ماضيه إذ كانت هذه المثل تجري عندهم مجرى المثال الواحد ألا تراهم١ لما أعلوا "شقي " أعلوا أيضًا مضارعه فقالوا يشقيان: ولما أعلوا "يغزي " أعلوا أيضًا أغزيت ولما أعلوا "قام " أعلوا أيضًا يقوم. فلذلك لم يقولوا: سليت تسلو فيعلوا الماضي ويصححوا المضارع. فإن قيل: فقد قالوا: محوت تمحى وبأوت تبأى وسعيت تسعى ونأيت تنأى فصححوا الماضي وأعلوا المستقبل. قيل: إعلال الحرفين إلى الألف لا يخرجهما كل الإخراج عن أصلهما؛ ألا ترى أن الألف حرف ينصرف إليه عن الياء والواو جميعًا فليس للألف خصوص بأحد حرفي العلة فإذا قلب واحد منهما إليه فكأنه مقر على بابه٢؛ ألا ترى أن الألف لا تكون أصلا في الأسماء ولا الأفعال وإنما هي مؤذنة بما هي بدل منه وكأنها هي هو وليست كذلك الواو والياء لأن كل واحدة منهما قد تكون٢ أصلا كما تكون٣ بدلا. فإذا أخرجت الواو إلى الياء اعتد ذلك؛ لأنك أخرجتها إلى صورة تكون الأصول عليها والألف لا تكون أصلا أبدًا فيهما٤، فكأنها هي ما قلبت عنه البتة فاعرف ذلك فإن أحدًا من أصحابنا لم يذكره. ومما يدلك٥ على صحة الحال في ذلك أنهم قالوا: غزا يغزو ورمى يرمي، فأعلوا الماضي بالقلب ولم يقلبوا المضارع لما كان اعتلال لام الماضي إنما هو بقلبها ألفًا والألف لدلالتها على ما قلبت عنه كأنها٦ هي هو، فكأن لا قلب هناك: فاعرف ذلك.

стр. 390

ويدلك على استنكارهم أن يقولوا: سليت تسلو لئلا يقلبوا في الماضي ولا يقلبوا في المضارع أنهم قد جاءوا في الصحيح بذلك لما لم يكن فيه من قلب الحرف في الماضي وترك قلبه في المضارع ما جفا عليهم وهو قولهم: نعِم ينعُم, وفضِل يفضُل. وقالوا في المعتل: مِت تموت ودِمت تدوم وحكي في الصحيح أيضًا حضِر القاضي يحضُره. فنعِم في الأصل ينعَم وينعم في الأصل مضارع نعُم ثم تداخلت اللغتان فاستضاف من يقول نعِم لغة من يقول ينعُم فحدثت هناك لغة ثالثة. فإن قلت: فكان يجب على هذا أن يستضيف من يقول: نعُم مضارع من يقول نعِم فتركب من هذا أيضًا لغة ثالثة وهي نعُم ينعَم. قيل: منع من هذا أن فعُل لا يختلف مضارعه أبدًا وليس كذلك نعِم؛ لأن نعِم قد يأتي فيه ينعِم وينعَم جميعًا فاحتمل خلاف مضارعه, وفعُل لا يحتمل مضارعه الخلاف ألا تراك كيف تحذف فاء وعد في يعد لوقوعها بين ياء وكسرة وأنت مع ذلك تصحح نحو وضؤ ووطؤ إذا قلت: يوضؤ ويوطؤ, وإن وقعت الواو بين ياء وضمة ومعلوم أن الضمة أثقل من الكسرة لكنه لما كان مضارع فعُل لا يجيء مختلفًا لم يحذفوا فاء وضؤ ولا وطؤ ولا وَضُع لئلا يختلف بابٌ ليس من عادته أن يجيء مختلفًا. فإن قلت: فما بالهم كسروا عين ينعِم, وليس في ماضيه إلا نعِم, ونعُم, وكل واحد من فعِل وفعُل ليس له حظ من باب يفعِل. قيل: هذا طريقه غير طريق ما قبله. فإما أن يكون ينعم -بكسر العين- جاء على ماض وزنه فعَل غير أنهم لم ينطقوا به استغناء عنه بنعِم ونعُم كما استغنوا بتَرك عن وَذر وودع وكما استغنوا بملامح عن تكسير لمحة وغير ذلك. أو يكون

стр. 391

فعِل في هذا داخلا على فعُل؛ فكما١ أن فعُل بابه يفعل كذلك شبهوا بعض فعِل به فكسروا عين مضارعه كما ضموا في ظرف عين ماضيه ومضارعه. فنعِم ينعِم في هذا محمول على كرم يكرم كما دخل يفعل فيما ماضيه فعَل نحو قتل يقتل على باب يشرف ويظرف. وكأن باب يفعل إنما هو لما ماضيه فعُل ثم دخلت يفعُل في فعَل على يفعِل لأن ضرب يضرب أقيس من قتل يقتل. ألا ترى أن ما ماضيه فعِل إنما بابه فتح عين مضارعه نحو ركب يركب وشرب يشرب. فكما٢ فتح المضارع لكسر الماضي فكذلك أيضًا ينبغي أن يكسر المضارع لفتح الماضي. وإنما دخلت يفعُل في باب فعَل على يفعِل من حيث كانت كل واحدة من الضمة والكسرة مخالفة للفتحة ولما آثروا خلاف حركة عين المضارع لحركة عين الماضي ووجدوا الضمة مخالفة للفتحة خلاف الكسرة لها عدلوا في بعض ذاك إليها فقالوا: قتل يقتل ودخل يدخل وخرج يخرج. وأنا أرى أن يفعل فيما ماضيه٣ فَعَل في غير المتعدي أقيس من يفعِل٤، فضرب يضرب إذًا أقيس من قتل يقتل وقعد يقعد أقيس من جلس يجلس. وذلك أن يفعل إنما هي في الأصل لما لا يتعدى؛ نحو كرم يكرم, على ما شرحنا من حالها. فإذا٥ كان كذلك كان أن يكون في غير المتعدي فيما ماضيه فعَل أولى وأقيس. فإن قيل: فكيف٦ ذلك ونحن نعلم أن يفعُل في المضاعف المتعدي أكثر من يفعِل نحو شده يُشدُّه, ومده يمده, وقده يقده, وجزه يجزه, وعزه يعزه،

стр. 392

وأزه يؤزه, وعمه يعمه, وأمه يؤمه, وضمه يضمه, وحله يحله, وسله يسله، وتله يتله. ويفعِل في المضاعف قليل محفوظ، نحو هره١ يهِره، وعله يعِله، وأحرف قليلة. وجميعها يجوز فيه "أفعُله " نحو عله يعله, وهره١ يهره؛ إلا حبه يحبه فإنه مكسور المضارع لا غير. قيل: إنما جاز٢ هذا في المضاعف لاعتلاله، والمعتل كثيرًا ما يأتي مخالفًا للصحيح؛ نحو سيد، وميت, وقضاة, وغزاة, ودام ديمومة, وسار سيرورة. فهذا شيء عرض قلنا فيه, ولنعد. وكذلك حالُ قولهم قنط يقنط, إنما هو لغتان تداخلتا. وذلك أن قنَط يقنِط لغة وقنِط يقنَط أخرى, ثم تداخلتا فتركبت لغة ثالثة. فقال من قال قنَط: يقنَط, ولم يقولوا: قنِط يقنِط؛ لأن آخذًا إلى لغته لغة غيره قد يجوز أن يقتصر على بعض اللغة التي أضافها إلى لغته دون بعض. وأما حسب يحسب ويئس ييئس، ويبس ييبس فمشبه٣ بباب كرم يكرم على ما قلنا في نعِم ينعِم. وكذلك مِت تموت ودِمت تدوم وإنما تدوم وتموت على من قال مُت ودُمت وأما مِت ودِمت فمضارعهما تمات وتدام قال: يا ميّ٤ لا غرو ولا ملاما ... في الحب إن الحب لن يداما

стр. 393

وقال: بنيَّ١ يا سيدة البنات ... عيشي ولا يؤمن أن تماتي ثم تلاقى صاحبا اللغتين فاستضاف هذا بعض لغة هذا، وهذا بعض لغة هذا، فتركبت لغة ثالثة. قال الكسائي: سمعت من أخوين من بني سليم ٢ نما ينمو, ثم سألت بني سليم عنه فلم يعرفوه. وأنشد أبو زيد لرجل من بني عقيل: ألم تعلمي ما ظلت بالقوم واقفا ... على طلل أضحت معارفه قفرا٣ فكسروا الظاء في إنشادهم وليس من لغتهم. وكذلك القول فيمن قال: شعر فهو شاعر, وحمض فهو حامض, وخثر فهو خاثر: إنما هي على نحو من هذا. وذلك أنه يقال: خَثُر وخَثَر, وحمُض وحمَض, وشعُر وشعَر وطهُر وطهَر فجاء شاعر وحامض وخاثر وطاهر على حمَض, وشعَر وخثَر وطهَر ثم استغني بفاعل عن "فعيل " وهو في أنفسهم وعلى بال من تصورهم. يدل على ذلك تكسيرهم لشاعر: شعراء لما كان فاعل هنا واقعًا موقع " فعيل " كسر تكسيره ليكون ذلك أمارة ودليلا على إرادته وأنه مغن عنه, وبدل منه كما صحح العواور٤ ليكون دليلا على إرادة الياء في العواوير، ونحو ذلك.

стр. 394

وعلى ذلك قالوا: عالم وعلماء -قال سيبويه ١: يقولها من لا يقول عليم- لكنه٢ لما كان العلم إنما يكون الوصف به بعد المزاولة له وطول الملابسة صار كأنه غريزة, ولم يكن على أول دخوله فيه ولو كان كذلك لكان متعلمًا لا عالمًا فلما خرج بالغريزة إلى باب فعُل صار عالم في المعنى كعليم فكسر تكسيره ثم حملوا عليه ضده فقالوا: جهلاء كعلماء وصار علماء كحلماء لأنه العلم محلمة لصاحبه, وعلى ذلك جاء عنهم فاحش وفحشاء لما كان الفحش ضربًا من ضروب الجهل, ونقيضًا للحلم أنشد الأصمعي -فيما روينا عنه: وهل علمت فحشاء جهله٣ وأما٤ غسا٥ يفسى, وجبى يجبى, فإنه كأبى يأبى. وذلك أنهم شبهوا الألف في آخره بالهمزة في قرأ يقرأ وهدأ يهدأ. وقد قالوا غسى يغسى فقد يجوز أن يكون غسا يغسى من التركب٦ الذي تقدم ذكره. وقالوا أيضًا جبى يجبى وقد أنشد أبو زيد: يا إبلي ماذا مه فتأبِيَهْ فجاء به على وجه القياس, كأتى يأتي. كذا رويناه عنه وقد تقدم٧ ذكره، وأنني قد شرحت حال هذا الرجز في كتابي "في النوادر الممتعة".

стр. 395

واعلم أن العرب تختلف أحوالها في تلقي الواحد منها لغة غيره, فمنهم من يخف ويسرع١ قبول ما يسمعه، ومنهم من يستعصم فيقيم على لغته البتة, ومنهم من إذا طال تكرر لغة غيره عليه لصقت به, ووجدت في كلامه, ألا ترى إلى قول رسول الله ﷺ وقد قيل: يا نبيء الله! فقال: "لست بنبيء الله ولكنني نبيّ الله" , وذلك أنه ﵊ أنكر الهمز في اسمه فرده على قائله، لأنه٢ لم يدر بم سماه, فأشفق أن يمسك على ذلك, وفيه شيء يتعلق بالشرع فيكون بالإمساك عنه مبيح محظور, أو حاظر مباح. وحدثنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحي قال: اجتمع أبو عبد الله ابن الأعرابي وأبو زياد الكلابي على الجسر ببغداد فسأل أبو زياد أبا عبد الله عن قول النابغة الذبياني: على ظهر مبناةٍ٣ ... فقال أبو عبد الله ٤: النَّطع٥, فقال أبو زياد: لا أعرفه, فقال: النطع فقال أبو زياد: نعم أفلا ترى كيف أنكر غير لغته على قرب بينهما.

стр. 396

وحدثني١ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد عن أبي بكر محمد بن هارون الروياني عن أبي حاتم قال: قرأ علي أعرابي بالحرم: "طيبى لهم وحسن مآب", فقلت: طوبى, فقال: طيبى, قلت: طوبى, قال: طيبى. فلما طال علي الوقت قلت: طوطو, فقال: طي طي. أفلا ترى إلى استعصام هذا الأعرابي بلغته وتركه متابعة أبي حاتم. والخبر المرفوع في ذلك وهو سؤال أبي عمرو أبا خيرة٢ عن قولهم: استأصل الله عرقاتهم٣, فنصب أبو خيرة التاء من "عِرقاتهم ", فقال له أبو عمرو: هيهات أبا خيرة لان جلدك ٤. وذلك أن أبا عمرو استضعف النصب بعد ما كان سمعها منه بالجر قال: ثم رواها فيما بعد أبو عمرو بالنصب والجر فإما أن يكون سمع النصب من غير أبي خيرة ممن يرضى عربيته وإما أن يكون قوي في نفسه ما سمعه من أبي خيرة من نصبها. ويجوز أيضًا أن يكون قد أقام الضعف في نفسه فحكى النصب على اعتقاده ضعفه, وذلك أن الأعرابي قد ينطق بالكلمة يعتقد أن غيرها أقوى في نفسه منها ألا ترى أن أبا العباس حكى عن عمارة أنه كان يقرأ: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ بالنصب, قال أبو العباس: فقلت له ما أردت؟ فقال: سابقٌ النهارَ, فقلت له فهلا قلته فقال: لو قلته لكان أوزن أي أقوى. وقد ذكرنا هذه الحكاية للحاجة إليها في موضع آخر٥، ولا تستنكر إعادة الحكاية, فربما كان في الواحدة عدة أماكن مختلفة يحتاج فيها إليها. فأما قولهم: عقرت فهي عاقر فليس "عاقر " عندنا بجار على الفعل جريان قائم وقاعد عليه، وإنما هو اسم بمعنى النسب بمنزلة امرأة طاهر، وحائض، وطالق.

стр. 397

المجلد الثاني باب في ترك الأخذ عن أهل المدر ك ما أخذ عن أهل الوبر ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب في ترك الأخذ عن أهل المَدَرِ كما أُخِذَ عن أهل الوبر: علّة امتناع ذلك ما عَرَضَ للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل, ولو عُلِمَ أن أهل مدينةٍ باقون على فصاحتهم١، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم, لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر. وكذلك أيضًا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدَرِ من اضطراب الألسنة وخبالها وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها٢، لوجب رفض لغتها وترك تلقي ما يَرِدُ عنها. وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا؛ لأنا لا نكاد نرى بدويًّا فصيحًا. وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه وينال ويغُضّ منه. وقد كان طرأ علينا أحد من يدَّعي الفصاحة البدوية ويتباعد عن الضعفة٣ الحضرية فتلقينا أكثر كلامه بالقبول له, وميزناه تمييزًا حَسُنَ٤ في النفوس موقعه،

стр. 398

إلى أن أنشدني يومًا شعرًا لنفسه يقول في بعض قوافيه: أشئؤها١، وادأؤها٢ "بوزن أشععها وأدععها"٣ فجمع بين الهمزتين كما ترى, واستأنف من ذلك ما لا أصل له ولا قياس يسوغه. نعم وأبدل إلى الهمز حرفًا لا حظَّ في الهمز له بضد ما يجب؛ لأنه لو التقت همزتان عن وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما, فكيف أن يقلب إلى الهمز قلبًا ساذجًا عن غير صنعة ما لا حظّ له في الهمز, ثم يحقق الهمزتين جميعًا! هذا ما لا يتيحه قياس ولا ورد بمثله سماع. فإن قلت: فقد جاء عنهم خطائئ ورزائئ, ودريئة٤ ودرائئ، ولفيئة٥ ولفائئ, وأنشدوا قوله: فإنك لا تدري متى الموت جائئ ... إليك ولا ما يحدث الله في غد٦ قيل: أَجَلْ, قد جاء هذا, لكن الهمز الذي فيه عرض عن صحة صنعة, ألا ترى أن عين "فاعل" مما هي فيه حرف علة لا تأتي إلّا مهموزة نحو: قائم وبائع, فاجتمعت همزة "فاعل" "وهمزة لامه"٧ فصححها بعضهم في بعض الاستعمال, وكذلك٨ خطائئ وبابها: عرضت همزة "فعائل" عن وجوب؛ كهمزة سفائن ورسائل،

стр. 399

واللام مهموزة, فصحَّت في بعض الأحوال بعد وجوب اجتماع الهمزتين. فأما أشئؤها وأدأؤها فليست الهمزتان فيهما بأصلين١, وكيف تكونان أصلين٢ وليس لنا أصل عينه ولامه همزتان ولا كلاهما أيضًا عن وجوب. فالناطق بذلك بصورة من جرَّ الفاعل أو رفع المضاف إليه, في أنه لا أصل يسوِّغه, ولا قياس يحتمله, ولا سماع ورد به. وما كانت هذه سبيله وجب اطراحه والتوقف عن لغة من أورده. وأنشدني أيضًا شعرًا لنفسه يقول فيه: كأن فاي. . . فقوي في نفسي بذلك بعده عن الفصاحة وضعفه عن القياس الذي ركبه. وذلك أن ياء المتكلم تكسر٣ أبدًا ما قبلها, ونظير كسرة الصحيح كون هذه الأسماء الستة بالياء نحو: مررت بأخيك وفيك. فكان قياسه أن يقول: "كأن فيَّ" بالياء كما يقول: "كأن غلامي". ومثله سواءً ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: كسرت فيّ، ولم يقل "فاي", وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ ٤ ولم يقل: إن٥ أباي. وكيف يجوز إن أباي بالألف وأنت لا تقول: إن غلامي قائم, وإنما تقول: كأن غلامي بالكسر. فكذلك تقول: "كأن فيّ" بالياء, وهذا واضح. ولكن هذا الإنسان حمل بضعف قياسه قوله: "كأن فاي" على قوله: كأن فاه, وكأن فاك, وأَنْسى ما توجبه ياء المتكلم من كسر ما قبلها وجعله ياء. فإن قلت: فكان يجب على هذا أن تقول: هذان غلاميّ, فتبدل ألف التثنية ياء لأنك تقول: هذا غلامي فتكسر الميم, قيل: هذا قياس لعمري, غير أنه عارضه قياس أقوى منه فتُرِكَ إليه. وذلك أن التثنية ضرب من الكلام

стр. 400

قائم برأسه, مخالف للواحد والجميع١؛ ألا تراك تقول: هذا وهؤلاء, فتبني فيهما, فإذا صرت إلى التثنية جاء مجيء المعرب فقلت: هذان وهذين. وكذلك الذي والذين، فإذا صرت إلى التثنية قلت: اللذان، واللذين. وهذا واضح. وعلى أن هذا الرجل الذي أومأت إليه من أمثل من رأيناه ممن جاءنا مجيئه, وتحلَّى عندنا حليته. فأما ما تحت ذلك من مرذول أقوال هذه الطوائف فأصغر حجمًا وأنزل قدرًا أن يُحْكَى في جملة ما يُثْنَّى٢. ومع هذا فإذا كانوا قد رووا٣ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يلحن في كلامه فقال: "أرشدوا أخاكم, فإنه قد ضل"، ورووا٤ أيضًا أن أحد ولاة عمر -رضي الله تعالى- عنه كتب إليه كتابًا لحن فيه, فكتب إليه عمر: أن قنع كاتبك سوطًا, وروي من حديث علي٥ ﵁ مع الأعرابي الذي أقرأه المقرئ: ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٦ حتى قال الأعرابي: برئت من رسول الله٧، فأنكر ذلك عليُّ ﵁ ورسم لأبي الأسود من عمل النحو ما رسمه: ما لا٨ يجهل موضعه, فكان [ما] ٩ يروى من أغلاط الناس منذ ذاك إلى أن شاع

стр. 401

واستمرَّ فساد هذا الشأن مشهورًا١ ظاهرًا, فينبغي٢ أن يستوحش من الأخذ عن كل أحد إلّا أن تقوى لغته وتشيع فصاحته. وقد قال الفرَّاء في بعض كلامه: إلّا أن تسمع شيئًا من بدوي فصيح فتقوله. وسمعت الشجري أبا عبد الله غير دفعة يفتح الحرف الحلقي في نحو: "يعدو"٣ و"هو محموم" ولم أسمعها٤ من غيره من عُقَيل, فقد كان يرد علينا منهم من يؤنس به ولا يبعد عن الأخذ بلغته. وما أظن الشجري إلّا استهواه كثرة٥ ما جاء عنهم من تحريك الحرف٦ الحلقي بالفتح إذا انفتح ما قبله في الاسم على مذهب البغداديين؛ نحو قول كُثَيِّر: له نَعَل لا تطبّي الكلب ريحها ... وإن جُعِلَت وسط المجالس شُمَّتِ٧ وقول أبي النجم: وجبلًا طال معدًا فاشمخرَّ ... أشمّ لا يسطِيعه الناس الدّهر٨

стр. 402

وهذا قد قاسه الكوفيون, وإن كنا نحن لا نراه قياسًا, لكن مثل "يعدو وهو محموم"١ لم يرو عنهم فيما علمت. فإياك أن تَخْلُد إلى كل ما تسمعه, بل تأمل حال مورده, وكيف موقعه من الفصاحة, فاحكم عليه وله٢.

стр. 403

باب اختلاف اللغات وكلها حجة: اعلم أن سعة القياس تبيح١ لهم ذلك ولا تحظره عليهم, ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال "ما" يقبلها٢ القياس, ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل واحد من القومين ضربًا من القياس يؤخذ به ويخلد إلى مثله. وليس لك أن تردَّ إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من وسيلتها. لكن غاية مالك في ذلك أن تتخيّر إحداهما فتقويها على أختها, وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها وأشد أنسابها. فأما ردّ إحداهما بالأخرى فلا. أوَلا ترى إلى قول النبي ﷺ : "نزل القرآن بسبع لغات كلها كافٍ شافٍ" ٣. هذا حكم اللغتين إذا كانتا في الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين أو كالمتراسلتين. فأمَّا أن تَقِلَّ إحداهما جدًّا وتكثر٤ الأخرى جدًّا, فإنك تأخذ بأوسعهما رواية وأقواهما قياسًا, ألا تراك لا تقول: مررت بك ولا المال لك, قياسًا على قول قضاعة: المال له ومررت به, ولا تقول أكرمتُكِش ولا "أكرمتكس"٧ قياسًا على لغة من قال: مررت بكش, وعجبت منكِس.

стр. 404

حدَّثنا أبو بكر محمد بن الحسن, عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال ١: ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم, وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوازن, وتضجع قيس، وعجرفية ضبة, وتلتلة بهراء. فأما عنعنة تميم فإنَّ تميمًا تقول في موضع أن: عن, تقول ٢: عنَّ عبد الله قائم. وأنشد٣ ذو الرمة عبد الملك: أعَنْ ترسّمت من خرقاء منزلة٤ قال الأصمعي: سمعت٥ ابن هرمة٦ ينشد هارون الرشيد ٧: أعَنْ تغنَّت على ساقٍ مطوَّقةٌ ... وَرْقَاءُ تدعو هديلًا فوق أعوادِ وأما تلتلة بهراء فإنهم يقولون: تِعلمون وتِفعلون وتِصنعون -بكسر أوائل الحروف٨. وأما٩ كشكشة ربيعة فإنما يريد قولها مع كاف ضمير المؤنث: إنكش ورأيتكش وأعطيتكش؛ تفعل هذا في الوقف، فإذا وصلت أسقطت الشين.

стр. 405

وأما كسكسة هوازن فقولهم أيضًا: أعطيتكس ومنكس وعنكس, وهذا في الوقف دون الوصل١. فإذا كان الأمر في اللغة المعوّل عليها هكذا, وعلى هذا فيجب أن يقل استعمالها, وأن يتخير ما هو أقوى "وأشيع"٢ منها, إلّا أن إنسانًا لو استعملها لم يكن مخطئًا لكلام العرب، لكنه كان يكون مخطئًا لأجود اللغتين. فأمَّا إن احتاج إلى ذلك في شعر أو سجع فإنه مقبول منه، غير منعيّ عليه. وكذلك إن قال: يقول على قياس من لغته كذا كذا, ويقول على مذهب من قال كذا كذا. وكيف تصرفت الحال فالناطق على قياس لغةٍ من "لغات العرب"٣ مصيب غير مخطئ, وإن كان غير ما جاء به خيرًا منه.

стр. 406

باب في العربي الفصيح ينتقل لسانه: اعلم أن المعمول عليه١ في نحو هذا أن تنظر حال ما انتقل إليه لسانه, فإن كان إنما انتقل من لغته٢ إلى لغة أخرى مثلها فصيحة وجب أن يؤخذ بلغته التي انتقل إليها كما يؤخذ بها قبل انتقال لسانه إليها, حتى كأنه إنما٣ حضر غائب من أهل اللغة التي صار إليها, أو نطق ساكت من أهلها. فإن٤ كانت اللغة التي انتقل لسانه إليها فاسدة لم يؤخذ بها "ويؤخذ بالأولى"٥، حتى كأنه لم يزل من أهلها. وهذا واضح.

стр. 407

فإن قلت: فما يؤمنك أن تكون كما وجدت في لغته فسادًا بعد أن لم يكن فيها فيما علمت١، أن يكون فيها فساد آخر فيما لم تعلمه. فإن أخذت به كنت آخذًا بفاسد٢ عَرُوض٣ ما حدث فيها من الفساد فيما علمت, قيل: هذا يوحشك من كل لغة صحيحة؛ لأنه يتوجه٤ منه أن تتوقف عن الأخذ بها؛ مخافة أن يكون فيها زيغ حادث لا تعلمه الآن، ويجوز أن تعلمه بعد زمان، كما علمت من حال غيرها فسادًا حادثًا لم يكن فيما قبل فيها. وإن اتجه هذا انخرط عليك منه ألّا تطيب نفسًا بلغة وإن كانت فصيحة مستحكمة. فإذا كان أخذك٥ بهذا مؤدّيًا إلى هذا رفضته ولم تأخذ به، وعملت على تلقي كل لغة قوية معربة بقبولها واعتقاد صحتها. وألّا توجه ظِنَّة إليها, ولا تسوء رأيًا في المشهود تظاهره من اعتدال أمرها. ذلك كما يُحْكَى٦ من أن أبا عمرو استضعف فصاحة أبي خَيْرة لما سأله فقال: كيف تقول: استأصل الله عِرْقَاتهم, ففتح أبو خيرة التاء, فقال له أبو عمرو: هيهات أبا خيرة؛ لان جلدك! فليس لأحد أن يقول: كما فسدت لغته في هذا ينبغي أن أتوقف عنها في غيره "لما حذرناه"٧ قبل ووصفنا. فهذا هو القياس, وعليه يجب أن يكون العمل.

стр. 408

باب في العربي يسمع لغة غيره, أيراعيها ويعتمدها أم يلغيها ويطرح حكمها ؟: أخبرنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس عن أبي عثمان١ عن أبي زيد قال: سألت خليلًا٢ عن الذين قالوا: مررت بأخواك, وضربت أخواك, فقال: هؤلاء قولهم على قياس الذين قالوا في ييأس: ياءس, أبدلوا الياء لانفتاح ما قبلها. قال -يعني الخليل-٣: ومثله قول العرب من أهل الحجاز: "ياتزن٤ وهم ياتعدون, فروا من يوتزن ويوتعدون". فقوله: أبدلوا الياء لانفتاح ما قبلها يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون يريد: أبدلوا الياء في ييأس, والآخر: أبدلوا الياء في أخويك ألفًا, وكلاهما يحتمله القياس ههنا, ألا ترى أنه يجوز أن يريد أنهم أبدلوا ياء أخويك في لغة غيرهم ممن يقولها بالياء وهم أكثر العرب, فجعلوا مكانها ألفًا في لغتهم استخفافًا للألف, فأمَّا في لغتهم هم فلا. وذلك أنهم هم لم ينطقوا قط بالياء في لغتهم فيبدلوها ألفًا ولا غيرها, ويؤكد ذلك عندك أن أكثر العرب يجعلونها في النصب والجرِّ ياء. فلما كان الأكثر٥ هذا شاع على أسماع بلحرث٦، فراعوه, وصنعوا لغتهم فيه, ولم تكن الياء في التثنية شاذّة ولا دخيلة٧ في كلام العرب فيقل الحفل بها, ولا ينسب بَلْحرِثِ إلى أنهم راعوها, أو تخيروا٨ للغتهم٩ عليها.

стр. 409

فإن قلت: فلعلَّ الخليل يريد أن من قال: مررت بأخواك, قد كان مرة يقول: مررت بأخويك "كالجماعة"١ ثم رأى "فيما"٢ بعد أن قلب هذه٢ الياء ألفًا للخفة أسهل عليه وأخف، كما قد٢ تجد العربي ينتقل لسانه من لغته إلى لغة أخرى, قيل: إن الخليل إنما أخرج٣ كلامه على ذلك مخرج التعليل للغة من نطق بالألف في موضع جرّ التثنية ونصبها, لا على الانتقال من لغة إلى أخرى. وإذا كان قولهم: مررت بأخواك, معللًا عندهم بالقياس, فكان ينبغي أن يكونوا قد سبقوا إلى ذلك منذ أول أمرهم؛ لأنهم لم يكونوا قبلها على ضعف قياس ثم تداركوا أمرهم فيما بعد فقوي قياسهم. وكيف كانوا يكونون في ذلك على ضعف من القياس والجماعة عليه! أفتُجمع كافَّة اللغات على ضعف ونقص حتى ينبغ نابغ منهم فيردَّ لسانه إلى قوة القياس دونهم! نعم ونحن أيضًا نعلم أن القياس مقتضٍ لصحة لغة الكافة, وهي الياء في موضع الجر والنصب, ألا ترى أن في ذلك فرقًا بين المرفوع وبينهما, وهذا هو القياس في التثنية, كما كان موجودًا في الواحد. ويؤكده لك أنَّا نعتذر لهم٤ من مجيئهم بلفظ المنصوب في التثنية على لفظ المجرور. وكيف يكون القياس أن تجتمع أوجه الإعراب الثلاثة على صورة واحدة! وقد ذكرت هذا الموضع في كتابي "سر الصناعة"٥ بما هو لاحق بهذا الموضع ومقوله. فقد علمت بهذا أن صاحب لغة قد راعى٦ لغة غيره, وذلك لأن العرب وإن كانوا كثيرًا منتشرين, وخلقًا عظيمًا في أرض الله غير متحجرين٧

стр. 410

ولا متضاغطين, فإنهم بتجاورهم١ وتلاقيهم وتزاورهم يجرون مجرى الجماعة في دار واحدة. فبعضهم يلاحظ "صاحبه"٢ ويراعي أمر لغته, كما يراعي ذلك من مُهمّ أمره. فهذا هذا. وإن كان الخليل أراد بقوله: تقلب٣ الياء ألفًا: أي في ييأس, فالأمر أيضًا عائد إلى ما قدمنا, ألا ترى أنه إذا شبَّه مررت بأخواك, بقولهم: ييأس وياءس, فقد راعى أيضًا في مررت بأخواك لغة من قال: مررت بأخويك. فالأمران٤ إذًا صائران إلى موضع واحد. ولهذا نظائر في كلامهم, وإنما أضع منه رسمًا ليرى به غيره بإذن الله. وأجاز أبو الحسن أن يكون كانت العرب قِدْمًا تقول: مررت بأخويك وأخواك جميعًا, إلّا أن الياء كانت أقيس للفرق فكثر استعمالها, وأقام الآخرون على الألف, أو أن يكون الأصل قبله الياء في الجر والنصب, ثم قلبت للفتحة فيها ألفًا في لغة بلحرث بن كعب. وهذا تصريح بظاهر قول الخليل الذي قدمناه. ولغتهم عند أبي الحسن أضعف من "هذا جحر ضب خرب" قال: لأنه قد كثر عنهم الاتباع، نحو: شدّ٥ وضرّ٦ وبابه, فشبه هذا به. ومن هذا حذف بني تميم ألف "ها" من قولهم "هَلُمَّ" لسكون اللام في لغة أهل الحجاز إذا قالوا "المم", وإن لم يقل ذلك بنو تميم, أو أن يكونوا حذفوا الألف لأن أهل الحجاز حذفوها. " و"٧أيًّا ما كان فقد نظر فيه بنو تميم إلى أهل الحجاز.

стр. 411

ومن ذلك قول بعضهم في الوقف "رأيت رجلأ" بالهمزة. فهذه الهمزة بدل من الألف في الوقف في لغة من وقف بالألف لا في لغته هو؛ لأن من لغته هو أن يقف بالهمزة١. أفلا تراه كيف راعى لغة غيره فأبدل من الألف همزة.

стр. 412

باب في الامتناع من تركيب ما يخرج عن السماع: سألت أبا علي ﵀ فقلت: من أجرى المضمر مجرى المظهر في قوله: "أعطيتكمه"١ فأسكن الميم مستخِفًّا كما أسكنها في قوله: أعطيتكم درهمًا, كيف قياس قوله "على قول الجماعة "٢: أعطيته درهمًا إذا اضمر الدرهم على قول الشاعر٣: له زجَل كأنه صوت حادٍ ... إذا طلب الوَسِيقة أو زَمير إذا وقع ذلك قافية؟ فقال: "لا يجوز ذلك"٥ في هذه المسألة, وإن جاز في غيرها, لا لشيء يرجع إلى نفس حذف الواو من قوله: "كأنه صوت حادٍ" لأن هذا أمر قد شاع عنهم, وتعولمت فيه لغتهم, بل لقرينة انضمّت إليه ليست٤ مع ذلك, ألا ترى أنه كان يلزمك على ذلك أن تقول: أعطيتهه خلافًا على قول الجماعة: أعطيتهوه. فإن جعل الهاء الأولى رويًّا والأخرى وصلًا٥، لم يجز ذلك؛ لأن الأولى ضمير والتاء متحركة قبلها, وهاء الضمير لا تكون رويًّا إذا تحرك ما قبلها.

стр. 413

فإن قلت: أجعل الثانية رويًّا, فكذلك أيضًا؛ لأن الأولى قبلها متحركة. فإن قلت: أجعل التاء رويًّا والهاء الأولى وصلًا١، قيل: فما تصنع بالهاء الثانية؟ أتجعلها خروجًا؟ هذا محال؛ لأن الخروج لا يكون إلّا أحد الأحرف الثلاثة: الألف والياء والواو. فإذا أدَّاك تركيب هذه المسألة في القافية إلى هذا الفساد وجب ألا يجوز ذلك أصلًا. فأما في غير القافية فشائعة جائزة٣. هذا محصول معنى أبي عليّ, فأما نفس لفظه فلا يحضرني الآن حقيقة صورته. وإذا كان كذلك وجب إذا وقع, نحو: هذا قافية أن تراجع فيه اللغة الكبرى, فيقال: أعطيتهوه البتَّة فتكون الواو ردفًا، والهاء بعدها رويًّا "وجاز أن يكون بعد الواو رويًّا"٣ لسكون ما قبلها. ومثل ذلك في الامتناع أن تضمر زيدًا من قولك: هذه عصا زيدٍ على قول من قال: وأشرب الماء ما بي نحوه عَطَشٌ ... إلّا لأن عيونه سيلُ واديها٤ لأنه كان يلزمك على هذا أن تقول: هذه عصاه, فتجمع بين ساكنين في الوصل، فحينئذ ما تضطر إلى مراجعة لغة من حرَّك الهاء في نحو هذا بالضمة وحدها أو بالضمة والواو، بعدها فتقول: هذه عصاه فاعلم, أو عصا هو فاعلم، على قراءة من قرأ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ٥ و ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ ٦ ونحوه.

стр. 414

ونحو من ذلك أن يقال لك: كيف تضمر "زيدًا" من قولك: مررت بزيد وعمرو, فلا يمكنك أن تضمره هنا, والكلام على هذا النضد حتى تغيره فتقول: مررت به وبعمرو, فتزيد حرف الجر لما أعقب الإضمار من العطف على المضمر المجرور, بغير إعادة الجار١. وكذلك لو قيل لك: كيف تضمر اسم الله تعالى في قولك: والله لأقومنَّ ونحوه, لم يجز لك حتى تأتي بالباء التي هي الأصل فتقول: به لأقومنَّ, كما أنشده أبو زيد من قول الشاعر ٢: ألا نادت أُمامةُ باحتمال ... لتِحزنني فلا بك ما أبالي وكإنشاده أيضًا: رأى برقًا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما٣ وكذلك لو قيل لك: أضمر ضاربًا وحده من قولك: هذا ضارب زيدًا, لم يجز؛ لأنه كان يلزمك عليه أن تقول: هذا هو زيدًا, فتعمل المضمر وهذا مستحيل. فإن قلت فقد تقول: قيامك أمسِ حسن، وهو اليوم قبيح، فتعمل٤ في اليوم "هو"،

стр. 415

قيل: في هذا أجوبة: أحدها أن الظرف يعمل فيه الوهم مثلًا, كذا عهد إلي أبو علي ﵀ في هذا. وهذا لفظه لي فيه البتة. والآخر أنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه. ولا تقول١ على هذا: ضربك زيدًا حسن وهو عمرًا قبيح؛ لأن الظرف يجوز فيه من الاتساع ما لا يجوز في غيره. وثالث: وهو أنه قد يجوز أن يكون "اليوم" من قولك: قيامك أمس حسن وهو اليوم قبيح, ظرفًا لنفس "قبيح" يتناوله فيعمل فيه. نعم وقد يجوز أن يكون أيضًا حالًا للضمير الذي في قبيح, فيتعلق حينئذ بمحذوف. نعم وقد يجوز أن يكون أيضًا حالًا من هو, وإن تعلق بما العامل فيه قبيح؛ لأنه قد يكون العامل في الحال غير العامل في ذي الحال. نحو قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ ٢ فالحال ههنا من الحق, والعامل فيه٣ " هو " وحده أو "هو " والابتداء الرافع له. وكلًّا ذينك لا ينصب الحال, وإنما جاز أن يعمل في الحال غير العامل في صاحبها, من حيث كانت ضربًا من الخبر, والخبر العامل فيه غير العامل في المخبر عنه. فقد عرفت بذلك فرق ما بين المسألتين٤. وكذلك لو قيل لك: أضمر رجلًا من قولك: رب رجلٍ مررت به لم يحز "لأنك تصير"٥ إلى أن تقول: ربه مررت به, فتعمل رب في المعرفة. فأما قولهم: ربه رجلًا وربها امرأة, فإنما جاز ذلك لمضارعة هذا المضمر للنكرة؛ إذ كان إضمارًا على غير تقدم ذكر, ومحتاجًا إلى التفسير, فجرى تفسيره مجرى الوصف له.

стр. 416

فلما كان المضمر لا يوصف, ولحق هذا المضمر من التفسير ما يضارع الوصف, خرج بذلك عن حكم الضمير. وهذا واضح. نعم, ولو قلت: ربه مررت به, لوصفت المضمر, والمضمر لا يوصف. وأيضًا فإنك كنت تصفه بالجملة, وهي نكرة, والمعرفة لا توصف بالنكرة. أفلا ترى إلى ما كان يحدث هناك من خبال الكلام وانتقاض الأوضاع. فالزم هذه المحجَّة١. فمتى كان التصرف في الموضع ينقض عليك أصلًا, أو يخالف بك مسموعًا مقيسًا, فألغه ولا تَطُر بجنابه٣، فالأمثال واسعة، وإنما أذكر من كل طرفًا يستدل به، وينقاد على وتيرته.

стр. 417

باب في الشيء يسمع من العربّي الفصيح، لا يسمع من غيره: ذلك ما جاء به ابن أحمر في تلك الأحرف المحفوظة عنه. قال أحمد بن يحيى: حدثني بعض أصحابي عن الأصمعي أنه ذكر حروفًا من الغريب فقال: لا أعلم أحدًا أتى بها إلّا ابن أحمر الباهلي. منها: الجَبْر وهو الملك, وإنما سُمِّيَ بذلك١ -أظن- لأنه يجبر بجوده, وهو قوله: اسلم براووقٍ حُبيت به ... وانعم صباحًا أيها الجبر٢

стр. 418

ومنها قوله: "كأس رنوناة" أي: دائمة، وذلك قوله: بنّت عليه الملك أطنأبها ... كأس رنوناة وطِرْفٌ طِمِرّ١ ومنها "الديدبون"، وهو قوله: خلّوا طريق الديدبون وقد ... فات الصبا وتنوزع الفخر٢ ومنها "ماريّة" أي: لؤلؤية٣، لونها لون اللؤلؤ. ومنها قوله: "البابوس" وهو أعجمي، يعني: ولد ناقته, وذلك قوله: حنَّت قلوصي إلى بابوسها جزعًا ... فما حنينك أم ما أنت والذكر٤

стр. 419

ومنها "الرُّبَّان" وهو العيش١، وذلك قوله: وإنما العيش بربَّانِهِ ... وأنت من أفنانه مقتفر٢ ومنها "المأنوسة"٣ وهي النار, وذلك قوله: كما تطاير عن مأنوسة الشرر٤ قال أبو العباس أحمد بن يحيى أيضًا: وأخبرنا أبو نصر عن الأصمعي قال: من قول ابن أحمر "الحيرم" وهو البقر, ما جاء به غيره٥. انتهت الحكاية. وقد٦ أنشد أبو زيد: كأنها بنقا العزَّاف طاوية ... لما انطوى بطنُها واخروّط السفر٧

стр. 420

مارية لؤلؤان اللون أوّدها ... طل وبنّس عنها فَرْقَد خَصِر١ وقال: الماريّة: البقرة الوحشية. وقوله: بنّس٢ عنها, هو من النوم, غير أنه إنما يقال للبقرة. ولم يسند٣ أبو زيد هذين البيتين إلى ابن أحمر, ولا هما أيضًا في ديوانه, ولا أنشدهما الأصمعي فيما أنشده من الأبيات التي أورد٤ فيها كلماته. وينبغي أن يكون ذلك٥ شيئًا جاء به غير ابن أحمر تابعًا له فيه ومتقيلًا أثره. هذا أوفق لقول الأصمعي: إنه لم يأت به غيره من أن يكون قد جاء به غير متّبع أثره. والظاهر أن يكون ما أنشده أبو زيد لم يصل إلى الأصمعي "لا"٦ من متبع فيه ابن أحمر, ولا غير متبع. " وجاء في شعر أمية الثغرور, ولم يأت به غيره"٧. والقول في هذه الكلم المقدَّم ذكرها وجوب قبولها. وذلك لما ثبتت به الشهادة من فصاحة ابن أحمر. فإمَّا أن يكون شيئًا أخذه عمَّن ينطق بلغة قديمة لم يشارك في سماع ذلك منه, على حد ما قلناه فيمن خالف الجماعة وهو فصيح, كقوله في الذرحرح: الذرّحْرَح ونحو ذلك, وإما أن يكون شيئًا ارتجله ابن أحمر؛

стр. 421

فإن الأعرابي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته تصرَّف وارتجل ما لم يسبقه أحد قبله به, فقد حكي١ عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظًا لم يسمعاها ولا سُبِقَا إليها. وعلى نحو من هذا قال أبو عثمان: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب. وقد تقدَّم نحو ذلك٢, وفي هذا الضرب٣ غار أبو علي في إجازته أن تبنى اسمًا وفعلًا وصفة ونحو ذلك من ضرب, فتقول: ضربب زيد عمرًا, وهذا رجل ضربَب, وضرنبي٤، ومررت برجل خَرَجَج, وهذا رجل خرجج ودخلخل, وخرجج أفضل من ضربب, ونحو ذلك. وقد سبق٥ القول على مراجعتي إياه في هذا المعنى, وقولي له: أفترتجل اللغة ارتجالًا؟ وما كان من جوابه في ذلك. وكذلك إن جاء نحو هذا الذي رويناه عن ابن أحمر عن فصيح آخر غيره كانت حاله فيه حاله. لكن لو جاء شيء من ذلك عن ظنين أو متَّهم أو من لم ترقَ به فصاحته, ولا سبقت إلى الأنفس ثقته, كان مردودًا غير متقبَّل. فإن ورد عن بعضهم شيء يدفعه كلام العرب ويأباه القياس على كلامها, فإنه لا يقنع في قبوله أن تسمعه من الواحد ولا من العدَّة القليلة, إلّا أن يكثر من ينطق به منهم. فإن كثر قائلوه إلّا أنه مع هذا ضعيف الوجه

стр. 422

في القياس, فإن ذلك مجازه وجهان: أحدهما أن يكون من نطق به لم يُحْكِم قياسه على لغة آبائهم, وإما أن تكون أنت قصَّرت عن استدراك وجة صحته. ولا أدفع أيضًا مع هذا أن يسمع الفصيح لغة غيره مما ليس فصيحًا, وقد طالت عليه وكثر لها استماعه فسرت في كلامه١، ثم تسمعها أنت منه وقد قويت عندك في كل شيء من كلامه غيرها فصاحته, فيستهويك ذلك إلى أن تقبلها٢ منه, على فساد أصلها٢ الذي وصل إليه منه. وهذا موضع متعب مؤذٍ يشوب النفس، ويشري٣ اللبس؛ إلّا أن هذا كأنه متعذر ولا يكاد يقع مثله. وذلك أن الأعرابي الفصيح إذا عدل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عافها٤ ولم يبهأ بها. سألت مرة الشجري أبا عبد الله ومعه ابن عمٍّ له دونه في فصاحته, وكان اسمع غصنا فقلت لهما: كيف تحقّران "حمراء"؟ فقالا: حميراء. قلت: فسوداء, قالا: سويداء. وواليت من ذلك أحرفًا وهما يجيئان بالصواب, ثم دسست في ذلك "عِلْبَاء" فقال غصن: "عليباء", وتبعه الشجري. فلما همَّ بفتح الباء تراجع كالمذعور ثم قال: آه! عليبيّ ورام الضمة٥ في الياء. فكانت تلك عادة له إلّا أنهم أشد استنكارًا لزيغ الإعراب منهم٦ لخلاف اللغة؛ لأن بعضهم قد ينطق بحضرته بكثير من اللغات فلا ينكرها٧.

стр. 423

إلا أن أهل الجفاء وقوة الفصاحة يتناكرون خلاف اللغة تناكرهم زيع الإعراب, ألا ترى أن أبا١ مهديّة سمع٢ رجلًا من العجم يقول لصاحبه: زوذ, فسأل أبو مهديّة عنها فقيل له: يقول له: اعجَلْ, فقال أبو مهديّة: فهلَّا قال له: حيهلك. فقيل له: ما كان الله ليجمع لهم إلى العجمية العربية. وحدَّثني المتنبي أنه حضرته جماعة من العرب منصرفَهُ من مصر, وأحدهم يصف بلدة واسعة فقال في كلامه: تحير فيها العيون٣، قال: وآخر من الجماعة يحي٤ إليه سرًّا ويقول له: تحار تحار, والحكايات في هذا المعنى كثيرة منبسطة. ومن بعد فأقوى القياسين أن يقبل ممن شُهِرَت فصاحته ما يورده٥, ويحمل أمره على ما عرف من حاله لا على ما عسى أن يكون من غيره. وذلك كقبول القاضي شهادة من ظهرت عدالته, وإن كان يجوز أن يكون الأمر عند الله بخلاف ما شهد به, ألا تراه يمضي الشهادة ويقطع بها وإن لم يقع العلم بصحتها؛ لأنه لم يؤخذ بالعمل بما عند الله, إنما أمر بحمل الأمور على ما تبدو٦, وإن كان في المغيب غيره. فإن لم تأخذ بها دخل عليك الشك في لغة من تستفصحه ولا تنكر شيئًا من لغته مخافة أن يكون فيها بعض

стр. 424

ما يخفى عليك فيعترض الشك على يقينك, وتسقط بكل اللغات ثقتك. ويكفي من هذا ما تعلمه من بعد لغة حمير من لغة ابني نزار. روينا عن الأصمعي أن رجلًا١ من العرب دخل على ملك "ظفار" -وهي مدينة لهم يجيء منها الجزع الظفاريّ- فقال له الملك: ثِبْ, وثب بالحميرة: اجلس, فوثب الرجل فاندقَّت رجلاه, فضحك الملك وقال: لست عندنا عَرَبيّت٢، من دخل ظفار حمّر, أي: تكلّم بكلام حمير. فإذا كان كذلك جاز جوازًا قريبًا كثيرًا أن يدخل من هذه اللغة في لغتنا, وإن لم يكن لها فصاحتنا, غير أنها لغة عربية قديمة.

стр. 425

باب في هذه اللغة: أفي وقت واحد وضعت أم تلاحق تابع منهابفارط: قد تقدَّم في أول١ الكتاب القول على٢ اللغة: أتواضع هي أم إلهام. وحكينا وجوَّزنا فيها الأمرين جميعًا. وكيف تصرفت الحال, وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها, فإنها لا بُدَّ أن يكون٣ وقع في أول الأمر بعضها, ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه لحضور الداعي إليه, فزيد فيها شيئًا فشيئًا, إلّا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليفه وإعرابه المبين عن معانيه لا يخالف الثاني الأول،
следующие страницы →