← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فإن الأعرابي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته تصرَّف وارتجل ما لم يسبقه أحد قبله به, فقد حكي١ عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظًا لم يسمعاها ولا سُبِقَا إليها. وعلى نحو من هذا قال أبو عثمان: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب. وقد تقدَّم نحو ذلك٢, وفي هذا الضرب٣ غار أبو علي في إجازته أن تبنى اسمًا وفعلًا وصفة ونحو ذلك من ضرب, فتقول: ضربب زيد عمرًا, وهذا رجل ضربَب, وضرنبي٤، ومررت برجل خَرَجَج, وهذا رجل خرجج ودخلخل, وخرجج أفضل من ضربب, ونحو ذلك. وقد سبق٥ القول على مراجعتي إياه في هذا المعنى, وقولي له: أفترتجل اللغة ارتجالًا؟ وما كان من جوابه في ذلك. وكذلك إن جاء نحو هذا الذي رويناه عن ابن أحمر عن فصيح آخر غيره كانت حاله فيه حاله. لكن لو جاء شيء من ذلك عن ظنين أو متَّهم أو من لم ترقَ به فصاحته, ولا سبقت إلى الأنفس ثقته, كان مردودًا غير متقبَّل. فإن ورد عن بعضهم شيء يدفعه كلام العرب ويأباه القياس على كلامها, فإنه لا يقنع في قبوله أن تسمعه من الواحد ولا من العدَّة القليلة, إلّا أن يكثر من ينطق به منهم. فإن كثر قائلوه إلّا أنه مع هذا ضعيف الوجه

стр. 422

في القياس, فإن ذلك مجازه وجهان: أحدهما أن يكون من نطق به لم يُحْكِم قياسه على لغة آبائهم, وإما أن تكون أنت قصَّرت عن استدراك وجة صحته. ولا أدفع أيضًا مع هذا أن يسمع الفصيح لغة غيره مما ليس فصيحًا, وقد طالت عليه وكثر لها استماعه فسرت في كلامه١، ثم تسمعها أنت منه وقد قويت عندك في كل شيء من كلامه غيرها فصاحته, فيستهويك ذلك إلى أن تقبلها٢ منه, على فساد أصلها٢ الذي وصل إليه منه. وهذا موضع متعب مؤذٍ يشوب النفس، ويشري٣ اللبس؛ إلّا أن هذا كأنه متعذر ولا يكاد يقع مثله. وذلك أن الأعرابي الفصيح إذا عدل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عافها٤ ولم يبهأ بها. سألت مرة الشجري أبا عبد الله ومعه ابن عمٍّ له دونه في فصاحته, وكان اسمع غصنا فقلت لهما: كيف تحقّران "حمراء"؟ فقالا: حميراء. قلت: فسوداء, قالا: سويداء. وواليت من ذلك أحرفًا وهما يجيئان بالصواب, ثم دسست في ذلك "عِلْبَاء" فقال غصن: "عليباء", وتبعه الشجري. فلما همَّ بفتح الباء تراجع كالمذعور ثم قال: آه! عليبيّ ورام الضمة٥ في الياء. فكانت تلك عادة له إلّا أنهم أشد استنكارًا لزيغ الإعراب منهم٦ لخلاف اللغة؛ لأن بعضهم قد ينطق بحضرته بكثير من اللغات فلا ينكرها٧.

стр. 423

إلا أن أهل الجفاء وقوة الفصاحة يتناكرون خلاف اللغة تناكرهم زيع الإعراب, ألا ترى أن أبا١ مهديّة سمع٢ رجلًا من العجم يقول لصاحبه: زوذ, فسأل أبو مهديّة عنها فقيل له: يقول له: اعجَلْ, فقال أبو مهديّة: فهلَّا قال له: حيهلك. فقيل له: ما كان الله ليجمع لهم إلى العجمية العربية. وحدَّثني المتنبي أنه حضرته جماعة من العرب منصرفَهُ من مصر, وأحدهم يصف بلدة واسعة فقال في كلامه: تحير فيها العيون٣، قال: وآخر من الجماعة يحي٤ إليه سرًّا ويقول له: تحار تحار, والحكايات في هذا المعنى كثيرة منبسطة. ومن بعد فأقوى القياسين أن يقبل ممن شُهِرَت فصاحته ما يورده٥, ويحمل أمره على ما عرف من حاله لا على ما عسى أن يكون من غيره. وذلك كقبول القاضي شهادة من ظهرت عدالته, وإن كان يجوز أن يكون الأمر عند الله بخلاف ما شهد به, ألا تراه يمضي الشهادة ويقطع بها وإن لم يقع العلم بصحتها؛ لأنه لم يؤخذ بالعمل بما عند الله, إنما أمر بحمل الأمور على ما تبدو٦, وإن كان في المغيب غيره. فإن لم تأخذ بها دخل عليك الشك في لغة من تستفصحه ولا تنكر شيئًا من لغته مخافة أن يكون فيها بعض

стр. 424

ما يخفى عليك فيعترض الشك على يقينك, وتسقط بكل اللغات ثقتك. ويكفي من هذا ما تعلمه من بعد لغة حمير من لغة ابني نزار. روينا عن الأصمعي أن رجلًا١ من العرب دخل على ملك "ظفار" -وهي مدينة لهم يجيء منها الجزع الظفاريّ- فقال له الملك: ثِبْ, وثب بالحميرة: اجلس, فوثب الرجل فاندقَّت رجلاه, فضحك الملك وقال: لست عندنا عَرَبيّت٢، من دخل ظفار حمّر, أي: تكلّم بكلام حمير. فإذا كان كذلك جاز جوازًا قريبًا كثيرًا أن يدخل من هذه اللغة في لغتنا, وإن لم يكن لها فصاحتنا, غير أنها لغة عربية قديمة.

стр. 425

باب في هذه اللغة: أفي وقت واحد وضعت أم تلاحق تابع منهابفارط: قد تقدَّم في أول١ الكتاب القول على٢ اللغة: أتواضع هي أم إلهام. وحكينا وجوَّزنا فيها الأمرين جميعًا. وكيف تصرفت الحال, وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها, فإنها لا بُدَّ أن يكون٣ وقع في أول الأمر بعضها, ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه لحضور الداعي إليه, فزيد فيها شيئًا فشيئًا, إلّا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليفه وإعرابه المبين عن معانيه لا يخالف الثاني الأول،

стр. 426

ولا الثالث الثاني, كذلك متصلًا متتابعًا١. وليس أحد من العرب الفصحاء إلّا يقول: إنه يحكي كلام أبيه وسلفه, ويتوارثونه٢ آخر عن أول, وتابع عن متَّبَع. وليس كذلك أهل الحضر؛ لأنهم يتظاهرون٣ بينهم بأنهم قد تركوا وخالفوا كلام من ينتسب إلى اللغة العربية الفصيحة. غير أن كلام أهل الحضر مضاهٍ٤ لكلام فصحاء العرب في حروفهم وتأليفهم, إلّا أنهم أخلّوا بأشياء من إعراب الكلام الفصيح. وهذا رأي أبي الحسن وهو الصواب. وذهب إلى أنَّ اختلاف لغات العرب إنما أتاها من قبل أنَّ أول ما وضع منها وضع على خلاف, وإن كان كله مسوقًا على صحة وقياس, ثم أحدثوا من بعد أشياء كثيرة للحاجة إليها, غير أنها على قياس ما كان وضع في الأصل مختلفًا, وإن كان كل واحد آخذًا٥ من صحة القياس حظًّا. ويجوز أيضًا أن يكون الموضوع الأول ضربًا واحدًا, ثم رأى مَنْ٦ جاء مِنْ بعد أن خالف قياس الأوّل إلى قياس ثانٍ جار في الصحة مجرى الأول. ولا يبعد عندي ما قال من موضعين: أحدهما سعة القياس, وإذا كان كذلك جازت فيه أوجه لا وجهان اثنان. والآخر أنه كان يجوز أن يبدأ الأول بالقياس الذي عدل إليه الثاني, فلا عليك أيهما تقدَّم وأيهما تأخّر. فهذا طريق القول على ابتداء بعضها ولحاق بعضها به.

стр. 427

فأما أي الأجناس الثلاثة تقدَّم -أعني: الأسماء والأفعال والحروف- فليس مما نحن عليه في شيء, وإنما كلامنا هنا: هل وقع جميعها١ في وقت واحد، أم تتالت وتلاحقت قطعة قطعة, وشيئًا بعد شيء, وصدرًا بعد صدر. وإذ قد وصلنا من القول في هذا إلى ههنا, فلنذكر ما عندنا في مراتب الأسماء والأفعال والحروف, فإنه من أماكنه وأوقاته. اعلم أن أبا عليّ ﵀ كان يذهب إلى أن هذه اللغة -أعني: ما سبق منها ثم لحق به ما بعده- إنما وقع كلّ صدر منها في زمان واحد, وإن كان تقدَّم شيء منها على صاحبه, فليس بواجب أن يكون المتقدّم على الفعل الاسم، ولا أن يكون المتقدم على الحرف الفعل؛ وإن كانت رتبة الاسم في النفس من حصة القوة والضعف أن يكون قبل الفعل, والفعل قبل الحرف. وإنما يعني القوم بقولهم: إن الاسم أسبق من الفعل أنه أقوى في النفس، وأسبق في الاعتقاد من الفعل لا في الزمان. فأمّا الزمان: فيجوز أن يكونوا عند التواضع قدّموا الاسم قبل الفعل. ويجوز أن يكونوا قدَّموا الفعل في الوضع٢ قبل الاسم، وكذلك الحرف. وذلك أنهم وزنوا حينئذ أحوالهم وعرفوا مصاير أمورهم, فعلموا أنهم محتاجون إلى العبارات عن المعاني, وأنها لا بُدَّ لها من الأسماء والأفعال والحروف, فلا عليهم بأيّها بدءوا, أبالاسم أم بالفعل أم بالحرف؛ لأنهم قد أوجبوا على أنفسهم أن يأتوا بهنّ جُمَع, إذ المعاني لا تستغني عن واحد منهن. هذا مذهب أبي علي, وبه كان يأخذ ويفتي.

стр. 428

وهذا يضيِّق الطريق على أبي إسحاق وأبي بكر في اختلافهما١ في رتبة الحاضر والمستقبل. وكان أبو الحسن يذهب إلى أنّ ما غيّر لكثرة استعماله إنما تصوَّرته العرب قبل وضعه, وعلمت أنه لا بُدَّ من كثرة استعمالها٢ إياه فابتدءوا بتغييره، عِلْمًا بأن لا بُدَّ من كثرته الداعية إلى تغييره. وهذا في المعنى كقوله: رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصيَّر آخره أولًا٣ وقد كان أيضًا أجاز أن يكون٤ قد كانت قديمًا٥ معربة, فلما كثرت غُيِّرَت فيما بعد. والقول عندي هو الأول؛ لأنه أدلّ على حكمتها واشهد لها٦ بعلمها بمصاير

стр. 429

أمرها فتركوا بعض الكلام مبنيًّا غير معرب؛ نحو: أمس وهؤلاء وأين وكيف وكم وإذ, واحتملوا ما لا يؤمن معه من اللبس؛ لأنهم إذا خافوا ذلك زادوا كلمة أو كلمتين, فكان ذلك أخف عليهم من تجشمهم اختلاف الإعراب واتقائهم الزيغ والزلل فيه, ألا ترى أن من لا يعرب فيقول: ضرب أخوك لأبوك, قد يصل باللام إلى معرفة الفاعل من المفعول، ولا يتجشّم١ خلاف الإعراب ليفاد منه المعنى، فإن تخلل٢ الإعراب من ضرب إلى ضرب يجري مجرى مناقلة٣ الفرس، ولا يقوى على ذلك من الخيل إلّا الناهض الرجيل٤، دون الكودن٥ الثقيل, قال جرير: من كل مشترفٍ وإن بعد المدَى ... ضَرِمِ الرقاق مناقل الأجرال٦ ويشهد للمعنى الأول أنهم قالوا: اُقْتُل, فضموا الأوَّل توقعًا للضمة تأتي من بعد٧. وكذلك قالوا: عظاءة وصلاءة وعباءة, فهمزوا مع الهاء توقعًا لما سيصيرون إليه من طرح الهاء, ووجوب الهمز عند العظاء والصلاء والعباء. وعلى ذلك قالوا:

стр. 430

الشيء منتن, فكسروا أوله لآخره, وهو مُنْحَدر من الجبل, فضموا الدال لضمة١ الراء. وعليه قالوا: هو يجوءك٢، وينبؤك, فأثر٣ المتوقع لأنه كأنه حاضر. وعلى ذلك قالوا: امرأة شمباء٤، وقالوا: العمبر, ونساء شمب, فأبدلوا النون ميمًا مما يتوقّع من مجيء الباء بعدها. وعليه أيضًا أبدلوا الأول للآخر في الإدغام نحو: مرأيت٥؟ واذهفّى ذلك٥، واصحمطرا٥. فهذا كله وما يجري مجراه -مما يطول ذكره- يشهد لأن كل ما يتوقع إذا ثبت في النفس كونه كان كأنه حاضر مشاهد. فعلى ذلك يكونون قدموا بناء نحوكم وكيف وحيث وقبل وبعد, علمًا بأنهم سيستكثرون فيما بعد منها فيجب لذلك تغييرها. فإن قلت: هلَّا ذهبت إلى أن الأسماء أسبق رتبة من الأفعال في الزمان, كما أنها أسبق رتبة منها في الاعتقاد, واستدللت على ذلك بأن الحكمة قادت إليه، إذ كان الواجب أن يبدءوا بالأسماء؛ لأنها عبارات عن الأشياء, ثم يأتوا بعدها بالأفعال التي بها تدخل الأسماء في المعاني والأحوال٦، ثم جاءوا فيما بعد بالحروف؛ لأنك تراها لواحق بالجمل بعد تركبها٧، واستقلالها بأنفسها نحو: إن زيدًا أخوك, وليت عمرًا عندك, وبحسبك أن تكون كذا؟ ٨ قيل: يمنع٩ من هذا أشياء: منها

стр. 431

وجودك أسماء مشتقة من الأفعال؛ نحو: قائم من قام, ومنطلق من انطلق, ألا تراه يصح لصحته، ويعتل لاعتلاله, نحو: ضرب فهو ضارب, وقام فهو قائم؛ "وناوم فهو مناوم"١. فإذا رأيت بعض الأسماء مشتقًا من الفعل, فكيف يجوز أن يعتقد سبق الاسم للفعل في الزمان, وقد رأيت الاسم مشتقًا منه, ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه. وأيضًا فإن المصدر مشتق من الجوهر؛ كالنبات من النبت, وكالاستحجار من الحجر, وكلاهما اسم. وأيضًا فإن المضارع يعتل لاعتلال الماضي, وإن كان أكثر الناس على أن المضارع أسبق من الماضي٢، وأيضًا فإن كثيرًا من الأفعال مشتق من الحروف نحو قولهم: سألتك حاجة فلوليت لي, أي: قلت لي: لولا، وسألتك حاجة فلا ليت لي, أي: قلت لي: لا. واشتقوا أيضًا المصدر -وهو اسم- من الحرف, فقالوا: اللالاة واللولاة, وإن كان الحرف متأخرًا في الرتبة عن الأصلين قبله: الاسم والفعل. وكذلك قالوا: سوَّفت الرجل, أي: قلت له: سوف, وهذا فعل -كما ترى- مأخوذ من الحرف. ومن أبيات الكتاب ٣: لو ساوفتنا بسوفٍ من تحيّتها ... سوف العيوف لراح الركب قد قنع٤ انتصب "سوف العيوف" على المصدر المحذوف الزيادة، أي: مساوفة العيوف.

стр. 432

وأنا أرى أن جميع تصرف "ن ع م " إنما هو من قولنا في الجواب: نعم. من ذلك النِّعْمة والنَّعْمة والنَّعيم والتَّنْعيم ونَعِمتُ به بالًا, وتنعم القوم والنعمى والنعماء وأنعمت١ به له، وكذلك البقية. وذلك أن "نعم" أشرف الجوابين, وأسرهما للنفس, وأجلبهما للحمد, و"لا" بضدها, ألا ترى إلى قوله: وإذا قلت نَعَم فاصبر لها ... بنجاح الوعد إنَّ الخلف ذمّ٢ وقال الآخر: أنشدناه أبو علي: أبي جوده لا البخل واستعجلت به ... نَعَمْ مِن فتى لا يمنع الجوع قاتله٣ يُرْوَى بنصب "البخل" وجره, فمن نصبه فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون بدلًا من "لا"؛ لأن "لا" موضوعة للبخل, فكأنه قال: أبي جوده البخل. والآخر: أن تكون "لا" زائدة، حتى كأنه قال: أبي جوده البخل، لا على البدل لكن على زيادة "لا". والوجه هو الأول؛ لأنه قد ذكر بعدها نعم, ونعم لا تزاد, فكذلك٤ ينبغي أن تكون "لا" ههنا غير زائدة. والوجه الآخر على الزيادة صحيح أيضًا؛

стр. 433

لجرى ذكر "لا" في مقابلة نعم. وإذا جاز ل"لا" أن تعمل وهي زائدة فيما أنشده أبو الحسن من قوله ١: لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إليّ لا مت ذوو أحسابها عُمَرَا٢ كان الاكتفاء بلغظها من غير عمل له أولى بالجواز. ومن جره فقال: "لا البخل" فبإضافة "لا" إليه؛ لأن "لا" كما تكون للبخل٣ قد تكون للجود أيضًا, ألا ترى أنه لو قال لك إنسان: لا تطعم الناس ولا تقر الضيف ولا تتحمل المكارم, فقلت أنت: "لا" لكانت هذه اللفظة هنا للجود لا للبخل, فلما كانت "لا" قد تصلح للأمرين جميعًا أضيفت إلى البخل لما في ذلك من التخصيص الفاصل بين المعنيين الضدين. فإن قلت: فكيف تضيفها وهي مبنية؟ ألا تراها على حرفين الثاني حرف لين, وهذا أدل شيء على البناء، قيل: الإضافة لا تنافي البناء، بل لو جعلها جاعل سببًا له لكان "أعذر من"٤ أن يجعلها نافية له, ألا ترى أن المضاف٥ بعض الاسم، وبعض الاسم صوت, والصوت واجب بناؤه. فهذا من طريق القياس, وأما من طريق السماع: فلأنهم قد قالوا: كم رجل "قد"٦ رأيت, فكم مبنية وهي مضافة.

стр. 434

وقالوا أيضًا: لأضربنَّ أيهم أفضل, وهي مبنية عند سيبويه. فهذا شيء عرض قلنا فيه. ثم لنعد إلى ما كنّا عليه من أن جميع باب "ن ع م " إنما هو مأخوذ من "نعم", لما فيها من المحبة للشيء والسرور به١. فنعمت الرجل, أي: قلت له "نعم", فنعم بذلك بالًا، كما قالوا: بجَّلته, أي: قلت له: "بجل" أي: حسبك حيث انتهيت فلا غاية من بعدك، ثم اشتقوا منه الشيخ البجال، والرجل البجيل. فنعم وبجل كما ترى حرفان, وقد اشتق منهما أحرف كثيرة. فإن قلت: فهلَّا كان نَعَمْ وبَجَلْ مشتقين من النعمة والنعيم, والبجال والبجيل, ونحو ذلك دون أن يكون كل ذلك مشتقًا منهما؟ قيل: الحروف يشتق منها ولا تشتق هي أبدًا. وذلك أنها لما جمدت فلم تتصرف شابهت بذلك أصول الكلام الأُوَل٢ التي لا تكون مشتقة "من شيء"٣؛ "لأنه ليس قبلها ما تكون فرعًا له ومشتقة منه"٤، يؤكد ذلك عندك قولهم: سألتك حاجة فلوليت لي، أي: قلت لي "لولا", فاشتقوا الفعل من الحرف المركب من "لو" و"لا", فلا يخلو هذا أن يكون "لو" هو الأصل، أو "لولا"٥ لا يجوز أن يكون "لولا"، لأنه لو كان "لو" محذوفًا منه, والأفعال لا تحذف, إنما تحذف الأسماء نحو: يدٍ ودمٍ وأخٍ وأب, وما جرى مجراه, وليس الفعل كذلك. فأمَّا خذ وكل ومر, فلا يعتدّ إن شئت لقلته, وإن شئت لأنه حذف تخفيفًا في موضع وهو ثابت في تصريف الفعل, نحو: أخذ يأخذ وأخذ وآخذ.

стр. 435

فإن قلت: فكذلك أيضًا يدٌ ودمٌ وأخٌ وأبٌ وغدٌ وفمٌ, ونحو ذلك, ألا ترى أن الجميع تجده متصرفًا١, وفيه ما حذف منه, وذلك نحو أيدٍ وأيادٍ ويدي٢، ودماءٍ ودمي، وأدماءٍ٣ والدما في قوله: "فإذا هي بعظام ودمًا"٤ وإخوة وأخوة وآخاء وأخوان, وآباء وأبوة وأبوان, وغدوًا٥ بلاقع وأفواه وفويه وأفوه وفوهاء وفوه, قيل: هذا كله إن كان قد عاد في كل تصرف منه ما حذف من الكلمة التي هي من أصله, فدل ذلك على محذوفه, فليست الحال فيه كحال خُذْ من أخذ ويأخذ. وذلك أن أمثلة الفعل وإن اختلفت في أزمنتها وصيغها٦ فإنها تجري مجرى المثال الواحد، حتى إنه إذا حذف من بعضها شيء عوض منه في مثال آخر من أمثلته، ألا ترى أنهم لما حذفوا همزة يكرم ونحوه عوّضوه منها أن أوجدوها في مصدره, فقالوا: إكرامًا. وكذلك بقية الباب. وليس كذلك الجمع "والواحد"٧، ولا التكبير والتصغير "من الواحد"؛ لأنه ليس كل واحد من هذه المُثُل جاريًا مجرى

стр. 436

صاحبه، فيكون إذا حذف من بعضها شيء ثم وجد ذلك المحذوف في صاحبه كان كأنه فيه, وأمثلة الفعل إذا حذف من أحدها شيء ثم وجد ذلك المحذوف في صاحبه صار كأنه في المحذوف منه نفسه، فكأن لم يحذف منه شيء. فإن قلت: فقد نجد بعض ما حذف في الأسماء موجودًا في الأفعال من معناها ولفظها, وذلك نحو قولهم في الخبر: أخوت عشرة, وأبوت عشرة, وأنشدنا أبو علي عن الرياشيّ: وبِشرةُ يأبونا كأنّ خباءنا ... جَنَاحُ سُمَاني في السماء تطير١ وقالوا أيضًا: يديت٢ إليه يدًا وأيديت, ودميت تدمى دميّ, وغدوت عليه, وفهت بالشيء وتفوهت به. فقد استعملت الأفعال٣ من هذه الكلم كما استعملت فيما أوردته. قيل: وهذا أيضًا ساقط عنَّا وذلك أنا إنما قلنا: إن هذه المثل من الأفعال تجري مجرى المثال الواحد؛ لقيام بعضها قيام٤ بعض, واشتراكها في اللفظ. وليس كذلك أب وأخ ونحوهما, ألا ترى أن أب ليس بمثال من أمثلة الفعل, ولا باسم فاعل, ولا مصدر, ولا مفعول, فيكون رجوع المحذوف منه في أبوت كأنه موجود في أب, وإنما أب من أبوت كَمُدُقّ٥ ومكحلة من دقَقَت وكَحَلت. وكذلك القول في أخٍ ويدٍ ودمٍ, وبقية تلك الأسماء. فهذا فرق.

стр. 437

فقد علمت -بما قدَّمناه وهضبنا١ فيه- قوة تداخل الأصول الثلاثة: الاسم والفعل والحرف وتمازجها, وتقدم بعضها على بعض تارة, وتأخرها عنه أخرى. فلهذا ذهب أبو علي ﵀ إلى أن هذه اللغة وقعت طبقة واحدة؛ كالرقم تضعه على المرقوم, والميسم يباشر به صفحة الموسوم, لا يحكم لشيء منه بتقدم في الزمان, وإن اختلفت بما فيه٢ من الصنعة٣ القوة والضعف في الأحوال. وقد كثر اشتقاق الأفعال من الأصوات الجارية مجرى الحروف نحو: هاهيت٤، وحاحيت٥، وعاعيت٦، وجأجأت٧، وحأحأت٨، وسأسأت٩، وشأشأت١٠. وهذا كثير في الزجر. وقد كانت حضرتني وقتًا فيه نشطة فكتبت تفسير كثير من هذه الحروف في كتاب ثابت في الزجر, فاطلبها في جملة ما أثبته عن نفسي في هذا وغيره.

стр. 438

باب في اللغة المأخوذة قياسًا: هذا موضع كأنَّ في ظاهره تعجرفًا, وهو مع ذلك تحت أرجل الأحداث ممن تعلق بهذه الصناعة, فضلًا عن صدور الأشياخ. وهو أكثر من أن أحصيه في هذا الموضع لك, لكني أنبِّهك على كثير من ذلك لتكثر التعجب ممن تعجب منه, أو يستبعد١الأخذ به. وذلك أنك لا تجد مختصرًا من العربية إلّا وهذا المعنى منه في عدة مواضع, ألا ترى أنهم يقولون في وصايا الجمع: إن ما كان من الكلام

стр. 439

على فعلٍ فتكسيره على أفعل, ككلب وأكلب, وكعب وأكعب, وفرخ وأفرخ. وما كان على غير ذلك من أبنية الثلاثي فتكسيره في القلة على أفعال نحو: جبل وأجبال, وعنق وأعناق, وإبل وآبال, وعجز وأعجاز، وربع وأرباع١، وضلع وأضلاع, وكبد وأكباد, وقفل وأقفال, وحمل وأحمال. فليت شعري هل قالوا هذا ليعرف وحده, أو ليعرف هو ويقاس عليه غيره, ألا تراك لو لم تسمع تكسير واحد من هذه الأمثلة بل سمعته منفردًا, أكنت تحتشم من تكسيره على ما كسر عليه نظيره. لا, بل كنت تحمله عليه للوصية التي تقدمت لك في بابه, وذلك كأن يحتاج إلى تكسير الرجز الذي هو العذاب, فكنت قائلًا لا محالة: أرجاز قياسًا على أحمال, وإن لم تسمع أرجازًا في هذا المعنى. وكذلك لو احتجت إلى تكسير عجر من قولهم: وظيف عجر٢ لقلت: أعجار قياسًا على يقظ وأيقاظ, وإن لم تسمع أعجارًا. وكذلك لو احتجت إلى تكسير شبع بأن توقعه على النوع لقلت: أشباع, وإن لم تسمع ذلك, لكنك سمعت نطع وأنطاع, وضلع وأضلاع. وكذلك لو احتجت إلى تكسير دمثر لقلت: دماثر, قياسًا على سبطر وسباطر. وكذلك قولهم: إن كان الماضي على فَعَلَ فالمضارع منه على يَفْعُل, فلو أنك على هذا سمعت ماضيًا على فعل لقلت في مضارعه: يفعل, وإن لم تسمع ذلك؛ كأن يسمع٣ سامع ضؤل ولا يسمع مضارعه فإنه يقول فيه: يضؤل, وإن لم يسمع ذلك, ولا يحتاج أن يتوقف إلى أن يسمعه؛ لأنه لو كان محتاجًا إلى ذلك لما كان لهذه الحدود

стр. 440

والقوانين التي وضعها المتقدمون "وتقبلوها"١, وعمل بها المتأخرون معنى يفاد, ولا غرض٢ ينتحيه الاعتماد, ولكان القوم قد جاءوا بجميع المواضي والمضارعات, وأسماء الفاعلين والمفعولين, والمصادر وأسماء الأزمنة والأمكنة, والآحاد والتثاني٣ والجموع, والتكابير والتصاغير, ولما أقنعهم أن يقولوا: إذا كان الماضي كذا وجب أن يكون مضارعه كذا, واسم فاعله كذا, واسم مفعوله كذا, واسم مكانه كذا, واسم زمانه كذا, ولا قالوا: إذا كان المكبَّر كذا فتصغيره كذا, وإذا كان الواحد كذا فتكسيره كذا, دون أن يستوفوا كل شيء "من ذلك"٤, فيوردوه لفظًا منصوصًا معينًا لا مقيسًا ولا مستنبطًا كغيره من اللغة التي لا٥ تؤخذ قياسًا، ولا تنبيهًا, نحو: دار وباب وبستان وحجر وضبع وثعلب وخزز٦؛ لكن القوم بحكمتهم وزنوا كلام العرب فوجدوه على٧ ضربين: أحدهما ما لا بُدَّ من تقبله كهيئته لا بوصية فيه ولا تنبيه عليه, نحو: حجر ودار, وما تقدَّم, ومنه ما وجدوه يتدارك بالقياس وتخف الكلفة في علمه على الناس, فقننوه وفصلوه؛ إذ قدروا على تداركه من هذا الوجه القريب المغني عن المذهب الحزن٨ البعيد. وعلى ذلك قدم الناس في أول المقصور والممدود ما يتدارك بالقياس والأمارات, ثم أتلوه ما لا بدله من السماع والروايات،

стр. 441

فقالوا: المقصور من حاله كذا؛ "ومن صفته كذا, والممدود من أمره كذا, ومن سببه كذا, وقالوا في المذكر والمؤنث: علامات التأنيث كذا, وأوصافها كذا"١، ثم لما أنجزوا ذلك قالوا: ومن المؤنث الذي روي٢ رواية كذا وكذا. فهذا من الوضوح على ما لا خفاء به. فلما رأى القوم كثيرًا من اللغة مقيسًا منقادًا, وسموه بمواسمه, وغنوا بذلك عن الإطالة والإسهاب فيما ينوب عنه الاختصار والإيجاز. ثم لما تجاوزوا ذلك إلى ما لا بُدَّ من إيراده, ونصَّ ألفاظه التزموا "وألزموا"٣ كلفته؛ إذ لم يجدوا منها بدًّا ولا عنها منصرفًا. ومعاذ الله أن ندَّعي أن جميع اللغة تستدرك بالأدلة قياسًا٤، لكن ما أمكن ذلك فيه قلنا به ونبهنا عليه, كما فعله من قبلنا ممن نحن له متبعون, وعلى مثله٥ وأوضاعه حاذون٦، فأما هجنة الطبع وكدورة الفكر وخمود النفس٧، وخيس٨ الخاطر وضيق المضطرب فنحمد الله على أن حماناه, ونسأله سبحانه أن يبارك لنا فيما آتاناه, ويستعملنا به فيما يدني منه, ويوجب الزلفة لديه بمنِّه. فهذا مذهب العلماء بلغة العرب وما ينبغي أن يعمل عليه ويؤخذ به, فأمضه على ما أريناه وحددناه غير هائب له ولا مرتاب به. وهو كثير وفيما جئنا به منه كافٍ.

стр. 442

باب في تداخل الأصول الثلاثية والرباعية والخماسية: ولنبدأ من ذلك بذكر الثلاثي منفردًا بنفسه ثم مداخلًا لما فوقه. اعلم أن الثلاثي على ضربين: أحدهما ما يصفو ذوقه، ويسقط عنك التشكك في حروف أصله؛ كضرب وقتل وما تصرَّف منهما. فهذا ما لا يرتاب به في جميع تصرفه نحو: ضارب ويضرب ومضروب, وقاتل وقتَّال واقتتل القوم واقتل ونحو ذلك. فما كان هكذا مجردًا١ واضح الحال من الأصول, فإنه يحمي نفسه وينفي الظِنَّة عنه. والآخر أن تجد الثلاثي على أصلين متقاربين والمعنى واحد, فههنا يتداخلان, ويوهم كل واحد منهما كثيرًا من الناس أنه من أصل صاحبه, وهو في الحقيقة من أصل غيره, وذلك كقولهم: شيء رخو ورِخْوَدّ٢. فهما -كما ترى- شديدا التداخل لفظًا, وكذلك هما معنًى. وإنما تركيب "رخو" من رخ و٣, وتركيب "رخود" من رخ د, وواو "رِخْوَدّ" زائدة, وهو فعول كعلود٤ وعسود٥، والفاء٦، والعين من "رخو" و"رخود" متفقتان٧، لكن لاماهما مختلفتان٧. فلو قال لك قائل: كيف تحقر "رخودًا" على حذف الزيادة لقلت: رخيد -بحذف الواو وإحدى الدالين, ولو قال لك: كيف تبني من رخو مثل جعفر لقلت "رخوي" ومن "رخود ": رَخْدَدْ؛ أفلا ترى إلى ازدحام اللفظين مع تماس المعنيين؛ وذلك أن

стр. 443

الرخو الضعيف, والرخودّ المتثنيّ والتثني عائد إلى معنى الضعف, فلما كانا١ كذلك أوقعا الشك لمن ضعف٢ نظره، وقلَّ٣ من هذا الأمر ذات يده. ومن ذلك قولهم: رجل ضيَّاط٣، وضيطار٣. فقد ترى تشابه الحروف, والمعنى مع ذلك واحد, فهو أشد لإلباسه. وإنما "ضياط" من تركيب "ض ي ط ", وضيطار من تركيب "ض ط ر ". ومنه "قول جرير "٤: تعدّون عَقْر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى! لولا الكميّ المقنعا٥ فضيّاط يحتمل مثاله ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون فعَّالًا كخياط وربّاط, والآخر أن يكون فيعالًا كخيتام٦ وغيداق٧، والثالث أن يكون فوعالًا كتوراب. فإن قلت: إن فوعالًا لم يأت صفة, قيل: اللفظ يحتمله وإن كانت اللغة تمنعه. ومن ذلك لوقة٨ وألوقة٨، وصوص٩ وأصوص٩، وينجوج١٠ وألنجوج١٠ ويلنجوج١٠ وضيف وضيفن في قول١١ أبي زيد. ومن ذلك حية وحواء, فليس حواء من لفظ حيّة كعطَّار من

стр. 444

العطر، وقطّان من القطن، بل حيّة من لفظ "ح ي ي " من مضاعف الياء، وحوّاء من تركيب "ح وى " كشواء وطواء. ويدل على أن الحية من مضاعف الياء ما حكاه صاحب الكتاب١ من قولهم في الإضافة إلى حيَّة بن بهدلة: حَيَويّ. فظهور الياء عينًا في حيوي قد علمنا منه كون العين ياء، وإذا كانت العين ياء واللام معتلة, فالكلمة من مضاعف الياء البتة, ألا ترى أنه ليس في كلامهم نحو حيوت. وهذا واضح. ولولا هذه الحكاية لوجب أن تكون الحية والحواء من لفظ٢ واحد؛ لضربين من القياس: أما أحدهما فلأن فعالًا في المعاناة٣ إنما يأتي من لفظ المعاني٣؛ نحو عطّار من العطر, وعصَّاب من العصب. وأما الآخر فلأن ما عينه واو ولامه ياء أكثر مما عينه ولامه ياءان, ألا ترى أن باب طويت وشويت أكثر من باب حييت وعييت. وإذ كان الأمر كذلك علمت قوة السماع وغلبته للقياس, ألا ترى أن سماعًا واحدًا غلب قياسين اثنين. نعم, وقد يعرض هذا التداخل في صنعة الشاعر فيرى أو يُرِي أنه قد جنَّس٤ وليس في الحقيقة تجنيسًا وذلك كقول القطامي: مستحقبين فؤادًا ما له فاد٥

стр. 445

ففؤاد من لفظ "ف أد " وفادٍ من تركيب "ف د ى " , لكنهما لما تقاربا هذا التقارب دَنَوَا من التجنيس. وعليه قول الحمصي ّ١: وتسويف العدات من السوافي٢ فظاهر هذا يكاد لا يشك أكثر الناس أنه مجنس, وليس هو كذلك. وذلك أن تركيب "تسويف" من "س وف " وتركيب السوافي من "س ف ي "٣، لكن لما وجد في كل واحد من الكلمتين سين وفاء٤ وواو, جرى في بادي السمع مجرى الجنس الواحد, وعليه قال الطائي الكبير: أَلْحَدٌ حوى حية الملحدين ... ولَدْنُ ثرىً حال دون الثراء ٥ فيمن رواه٦ هكذا "حوى حية الملحدين" أي: قاتل المشركين, وكذلك قال في آخر البيت أيضًا: ولدن ثرى حال دون الثراء

стр. 446

فجاء به مجيء التجنيس, وليس على الحقيقة تجنيسًا صحيحًا. وذلك أن التجنيس عندهم أن يتفق اللفظان ويختلف أو يتقارب المعنيان؛ كالعقل والمعقل والعقلة والعقيلة ومعقلة١. وعلى ذلك وضع أهل اللغة كتب الأجناس. وليس الثرى من لفظ الثراء على الحقيقة, وذلك أن الثرى -وهو الندى- من تركيب "ث ر ي " لقولهم: التقى٣ الثريان. وأما الثراء -لكثرة المال- فمن تركيب "ث ر و "؛ لأنه من الثروة ومنه الثريّا؛ لأنها من الثروة لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها, فكأنها كثيرة العدد بالإضافة إلى ضيق المحل. ومنه قولهم: ثَرَوْنا بني فلان, نثروهم ثروة, إذا كنا أكثر منهم. فاللفظان -كما ترى- مختلفان, فلا تجنيس إذًا إلّا للظاهر. وقد ذكرت هذا الموضع في كتابي في شرح المقصور والممدود عن ابن السكيت, وأنَّ الفراء تسمح٣ في ذكر مثل هذا على اختلاف أصوله, وأن عذره في ذلك تشابه اللفظين بعد القلب. ومن ذلك قولهم: عدد طيس٤، وطَيْسَل. فالياء في طيس أصل, وتركيبه من "ط ي س ", "وهي"٥ في طيسل زائدة, وهو من تركيب "ط س ل ". ومثله الفيشة والفيشلة: حالهما في ذلك سواء. وذهب سيبويه٦ في "عنسل" إلى زيادة النون, وأخذها من قوله ٧: عسلان الذئب أمسى قاربًا ... برد الليل عليه فنسل

стр. 447

وذهب محمد بن حبيب١ في ذلك إلى أنه من لفظ "العنس" وأن اللام زائدة, وذهب بها مذهب زيادتها في ذلك وأولالك, وعبدل وبابه. وقياس قول محمد بن حبيب هذا أن تكون اللام في فيشلة وطيسل زائدة. وما أراه إلّا أضعف القولين؛ لأن زيادة النون ثانية أكثر من زيادة اللام في كل موضع, فكيف بزيادة النون غير ثانية. وهو أكثر من أن أحصره٢ لك. فهذه طريق تداخل الثلاثي "بعضه في بعض. فأما تداخل الثلاثي"٣ والرباعي لتشابههما في أكثر الحروف فكثير؛ منه قولهم: سبط وسبطر, فهذان أصلان لا محالة, ألا ترى أن أحدًا لا يدعي زيادة الراء. ومثله سواء دمث ودمثر, وحبج٤، وحبجر. وذهب أحمد بن يحيى في قوله ٥: يردُّ٦ قلخًا وهديرًا زغدبًا إلى أن الباء زائدة, وأخذه من زغد البعير يزغد زغدًا في هديره. وقوله: إن الباء زائدة, كلام تمجّه الآذان وتضيق عن احتماله المعاذير٧. وأقوى ما يذهب إليه فيه أن يكون أراد أنهما أصلان مقتربان كسبط وسبطر. وإن أراد ذلك أيضًا فإنه قد تعجرف. ولكن قوله في أسكفة٨ الباب: إنها من استكفَّ الشيء أي: انقبض أمر

стр. 448

لا ينادي١ وليده, وروينا ذلك عنه. وروينا عنه أيضًا أنه قال في "تنور": إنه تَفْعُول من النار, وروينا عنه أيضًا أنه قال: الطَّيْخ: الفساد "قال "٢: فهو من تواطخ القوم. وسنذكر ذلك في باب سقطات العلماء بإذن الله. ولكن من الأصلين المتداخلين: الثلاثي والرباعي قولهم: زرم٣، وازرأمّ٣, وخضل٤ واخضأل٤، وأزهر وازهأرّ, وضفد٥ واضفأد٥ّ، وزلم٦ القوم، وازلأمّوا٦، وزغب الفرخ٧ وازلغبّ٧. ومنه قولهم: مبلع٨ وبلعوم, وحلق وحلقوم, وشيء صلد وصلادم, وسرطم٩ وسرواط٩. وقالوا للأسد: هرماس, وحدثنا أبو علي عن الأصمعي أنه قال في هرماس: إنه "من الهرس"١٠. وحدثنا أيضًا أنهم يقولون: لبن قمارص١١. وقالوا: دلاص١٢، ودلامص١٢، ودمالص١٢. وأنشد ابن الأعرابي: فباتت تشتوي والليل داج ضماريط آستها في غير نار١٣ ومن هذا أيضًا قولهم: بعير أشدق وشَدْقَم١٤.

стр. 449

وينبغي أن يكون جميع هذا من أصلين ثلاثي ورباعي, وهو قياس قول أبي عثمان, ألا تراه قال في دلامص: إنه رباعي وافق أكثره حروف الثلاثي؛ كسبط وسبطر, ولؤلؤ ولَّالٍ. فلؤلؤ رباعي ولّال ثلاثي. وقياس مذهب الخليل بزيادة الميم في دلامص أن تكون الميم في هذا كله زائدة, وتكون على مذهب أبي عثمان أصلًا, وتكون الكلم التي اعتقبت هذه الحروف عليها أصلين لا أصلًا واحدًا. نعم وإذا جاز للخليل أن يدَّعي زيادة الميم حشوًا -وهو موضع عزيز عليها- فزيادتها آخرًا أقرب مأخذًا؛ لأنها لما تأخَّرت شابهت بتطرفها أول الكلمة الذي هو معان١ لها ومظنة منها. فقياس قوله في دلامص: إنه فعامل أن يقول في دمالص: فماعل, وكذلك في قمارص, وأن يقول في بلعوم وحلقوم: إنه فعلوم؛ لأن زيادة الميم آخرًا أكثر منها أولًا, ألا ترى إلى تلفيهم٢ كل واحد من دلقم٣ ودردم٤، ودقعم٥، وفسحم٦، وزرقم, وستهم, ونحو ذلك بزيادة الميم في آخره. ولم نر أبا عثمان خالف في هذا خلافه في دلامص. وينبغي أن يكون ذلك لأن آخر الكلمة مشابه لأولها, فكانت زيادة الميم فيه أمثل من زيادتها حشوًا. فأما ازرأمَّ واضفادّ ونحو ذلك, فلا تكون همزته إلّا أصلًا, ولا تحملها٨ على باب شأمل وشمأل لقلة ذلك. وكذلك لام ازلغبَّ هي أحرى أن تكون أصلًا.

стр. 450

ومن الأصلين الثلاثي والرباعي المتداخلين قولهم: قاع قرق١، وقرقر١، وقرقوس١، وقولهم: سلس وسَلْسَلٌ وقَلِقٌ وقَلْقَل. وذهب أبو إسحاق في نحو: قلقل وصلصل وجرجر وقرقر إلى أنه فعفل, وأن الكلمة لذلك ثلاثية, حتى كأن أبا إسحاق لم يسمع في هذه اللغة الفاشية المنتشرة٢ بزغد وزغدب, وسبط وسبطر, ودمث ودمثر, وإلى قول العجاج: ركبت أخشاه إذا ما أحبجا٣ هذا مع قولهم وتر حبجر للقوي الممتلئ. نعم, وذهب إلى مذهب شاذ غريب في أصل منقاد عجيب, ألا ترى إلى كثرته في نحو زلز وزلزل, ومن أمثالهم: "توقري يازلزه"٤ فهذا قريب من قولهم: قد٥ تزلزلت أقدامهم إذا قلقت فلم تثبت. ومنه قلق وقلقل، وهوة٦ وهوهاءة٦، وغوغاءٌ وغوغاءُ؛ لأنه مصروف٧ رباعي وغير مصروف ثلاثي. ومنه رجل أدرد٨، وقالوا: عض على دردره٩، ودردوره١٠. ومنه صلّ وصلصل, وعجّ وعجعج. ومنه عين ثرة وثرثارة. وقالوا: تكمكم من الكمة١١، وحثحثت وحثثت, ورقرقت ورققت, قال الله تعالى:

стр. 451

﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ ١ وهذا باب واسع جدًّا, ونظائره كثيرة: فارتكب أبو إسحاق مركبًا وعرًا, وسحب فيه عددًا جمًّا, وفي هذا إقدام وتعجرف. ولو قال ذلك في حرف أو حرفين كما قال الخليل في دلامص, بزيادة الميم؛ لكان أسهل؛ لأن هذا شيء إنما احتمل القول به في كلمة عنده شاذة أو عزيزة النظير. فأما الاقتحام بباب منقاد في مذهب متعاد٢ ففيه ما قدمناه, ألا ترى أن تكرير٣ الفاء لم يأت به ثبت إلّا في مرمريس, وحكى غير صاحب الكتاب أيضًا مرمريت, وليس بالبعيد أن تكون التاء بدلًا من السين, كما أبدلت منها في ست, وفيما أنشده أبو زيد من قول الشاعر: يا قاتل الله بني السعلات ... عمرو بن يربوع شرار النات٤ غير أعفَّاء ولا أكيات فأبدل السين تاء. فإن قلت: فإنا نجد للمرمريت أصلًا يحتازه إليه وهو المرت٥، قيل: هذا هو الذي دعانا إلى أن قلنا: إنه قد يجوز أن تكون التاء في مرمريت بدلًا من سين مرمريس. ولولا أن معنا مَرْتا لقلنا فيه: إن التاء بدل من السين البتة, كما قلنا ذلك في ست والنات وأكيات. فإن قال قائل منتصرًا لأبى إسحاق: لا ينكر أن يأتي في المعتل من الأمثلة ما لا يأتي في الصحيح نحو: سيد وميت, وقضاة ودعاة, وقيدودة وصيرورة وكينونة, وكذلك يجيء في المضاعف ما لا يأتي

стр. 452

في غيره من تكرير الفاء. بل إذا كانوا قد كرروها في مرمريت ومرمريس، ولم نر في الصحيح فيعلا ولا فُعَلة في جمع فاعل, ولا فيعلولًا مصدرًا كان ما ذهب إليه أبو إسحاق من تكرير الفاء في المضاعف أولى بالجواز, وأجدر بالتقبل, فهو قول غير أن الأوّل أقوى, ألا ترى أن المضاعف "لا ينتهي"١ في الاعتلال إلى غاية الياء والواو, وأنَّ ما أعلّ منه في نحو: ظلت ومست و"ظنت في ظننت"٢، وتقصيت, وتقضَّيت, وتفضَّيت من الفضة, وتسريت من السرية, ليس شيء من إعلال ذلك ونحوه بواجب, بل جميعه لو شئت لصححته, وليس كذلك حديث الياء والواو والألف في الاعتلال, بل ذلك فيها في عام أحوالها التي اعتلت فيها أمر واجب أو مستحسن في حكم الواجب, أعني: باب حاري وطائي وياجل وياءس, وآية في قول٣ سيبويه. فإن قلت فقد قرأ الأعمش بعذاب بيئس٤، فإنما ذاك لأن الهمزة وإن لم تكن حرف علة فإنها معرضة للعلة, وكثيرة الانقلاب عن حروف العلة٥, فأجريت "بيئس" عنده مجرى سيّد وهيّن, كما أجريت التجزئة مجرى التعزية في باب الحذف والتعويض, وتابع أبو بكر البغداديين في أن الحاء الثانية في حثحثت بدل من ثاء, وان أصل حثثت. وكذلك قال في نحو: ثرة،

стр. 453

وثرثارة: إن الأصل فيها ثرّارة, فأبدل من الراء الثانية ثاء فقالوا: ثرثارة. وكذلك طرد هذا الطرد١. وهذا وإن كان عندنا غلطًا لإبدال الحرف مما ليس من مخرجه ولا مقاربًا في المخرج له, فإنه شق آخر من القول. ولم يدع أبو بكر فيه تكرير الفاء, وإنما هي عين أبدلت إلى لفظ الفاء, فأما أن يدعي أنها فاء مكررة فلا. فهذا طريق تزاحم الرباعي مع الثلاثي, وهو كثير جدًّا فاعرفه, وتوقّ حمله عليه أو خَلْطه به, ومِزْ كل واحد منهما عن صاحبه, ووالِهِ دونه, فإن فيه إشكالًا, وأنشدني الشجري لنفسه: أناف على باقي الجمال ودفّفت ... بأنوار عشبٍ مخضئلّ عوازبه٢ وأما تزاحم الرباعي مع الخماسي فقليل, وسبب ذلك قلة الأصلين جميعًا, فلمَّا قلَّا قلَّ ما يعرض من هذا الضرب فيهما, إلّا أن منه قولهم: ضبغطى٣، وضبغطرى٣ وقوله أيضًا: قد دردبت والشيخ دردبيس٤ ف"دردبت" رباعي و"دردبيس" خماسي, ولا أدفع أن يكون استكره نفسه على أن بنى من "دردبيس" فعلًا فحذف خامسه؛ كما أنه لو بنى من سفرجل فعلًا عن ضرورة لقال: سفرج.

стр. 454

باب في "المثلين " ١: كيف حالهما في الأصلية والزيادة، وإذا كان أحدهما زائدًا فأيهما هو؟ : اعلم أنه متى اجتمع معك في الأسماء والأفعال حرف أصل٢ ومعه حرفان مثلان لا غير فهما أصلان, متصلين كانا أو منفصلين؛ فالمتصلان نحو: الحفف٣، والصدد، والقصص، وصببت وحللت وشددت وددن، ويين٤. وأما٥ المنفصلان فنحو: دَعْدٍ وتُوتٍ وطوط٦، وقلق وسلس. وكذلك إن كان هناك زائد فالحال واحدة نحو: حمام وسمام٧، وثالث وسالس؛ روينا عن الفراء قول الراجز: ممكورة غرثي الوشاح السالس ... تضحك عن ذي أشر غضارس٨ وكذلك كوكب، ودودح٩. وليس من ذلك دؤادم١٠؛ لأنه مهموز.

стр. 455

وكذلك إن كان هناك حرفان تسقطهما الصنعة جريًا في ذلك مجرى الحرف الواحد "كألف حمام وسمام وواو وكوكب ودودح"١ وذلك ألندد ويلندد, يوضح ذلك الاشتقاق في ألندد؛ لأنه هو الألدّ. وأما ألنجج فإن٢ عدَّة حروفه خمسة، وثالثه نون ساكنة, فيجب أن يحكم بزيادتها فتبقى أربعة, فلا يخلو حينئذ أن يكون مكرر اللام كباب قعدد وشربب٣، أو مزيدة في أوله الهمزة كأحمر وأصفر وإثمد. وزيادة الهمزة أولًا أكثر من تكرير٤ اللام آخرًا. فعلى ذلك ينبغي أن يكون العمل, فتبقى الكلمة من تركيب "ل ج ج "، "فمثلاها إذن أصلان"٥, وكذلك يلنجج؛ لأن الياء في ذلك كالهمزة كما قدمناه. فمثلًا ألنجج ويلنجج أصلان كمثلي ألندد ويلندد. فهذه أحكام المثلين إذا كان معهما أصل واحد في أنهما أصلان لا محالة. فأما إذا كان معك أصلان ومعهما حرفان مثلان, فعلى أضرب: منها أن يكون هناك تكرير على تساوي حال الحرفين. فإذا كانا٦ كذلك كانت الكلمة كلها أصولًا, وذلك نحو: قلقل وصعصع٧، وقرقر٨. فالكلمة إذًا لذلك رباعية. وكذلك إن اتفق الأوّل والثالث واختلف الثاني والرابع, فالمثلان أيضًا أصلان. وذلك نحو: فرفخ٩ وقرقل١٠ وزهزق١١ وجرجم١٢, وكذلك إن اتفق الثاني١٣ والرابع واختلف

стр. 456

الأول والثالث نحو كربر١، وقسطاس، وهزنبزان٢، وشعلع٣، فالمثلان أيضًا أصلان. وكل ذلك أصل رباعي. وكذلك إن اتفق الأول والرابع واختلف الثاني والثالث, فالمثلان أصلان, والكلمة أيضًا من بنات الأربعة. وذلك نحو: قربق٤، وصعفصة٥، "وسلعوس". وكذلك إن اتفق الأول والثاني، واختلف الثالث والرابع, فالمثلان أصلان والكلمة أيضًا رباعية, وذلك نحو: ديدبون٧، وزيزفون ٨: هما رباعيان كباب ددن وكوكب في الثلاثة. ومثالهما "فيعلول" كخيسفوج٩، وعيضموز١٠. فهذه حال الرباعي. وكذلك أيضًا إن حصل معك ثلاثة أحرف أصول, ومعها مثلان غير ملتقيين, فهما أيضًا أصلان, وذلك كقولهم: زبعبق١١، وشمشليق١٢، وشفشلق١٣. فهذه هي الأصول التي يكون فيها المثلان أصلين. وما علمنا أن وراء ما حضرنا وأحضرناه منها مطلوبًا فيتعب بالتماسه وتطلبه. فأما متى يكون أحد المثلين زائدًا فهو أن يكون معك حرفان أصلان من بعدهما حرفان مثلان, فأحدهما زائد. وسنذكر أيهما هو الزائد عقيب الفراغ من تقسيم ذلك. وذلك كمهدد وسردد١٤، وجلبب، وشملل وصعرر، واسحنكك،

стр. 457

واقعنسس. وكذلك إن كان معك حرفان أصلان بينهما حرفان مثلان, فأحد المثلين أيضًا زائد. وذلك نحو: سلّم وقلّفٍ١ وكسَّر وقطَّع, وكذلك إن فصل بين المثلين المتأخرين عن الأصلين المتقدمين أو المتوسطين بينهما زائد فالحال واحدة, وذلك نحو: قردود٢، وسحتيت٣، وصهميم٤, وقرطاط٥، وصفتات٦، "وعثوثل"٧، "واعشوشب، واخلولق"٨. فهذا حكم المثلين بجيئان مع الأصلين. وكذلك إن جاءا بعد الثلاثة الأصول, وذلك نحو: قفعدد٩، وسبهلل، وسبحلل١٠ وهرشف وعربد١١، وقسحب١٢، وقسقب١٣، وطرطب١٤. وكذلك إن التقى المثلان حشوًا وذلك نحو: علكد١٥، وهلقس١٦، ودبخس١٧، وشمخر١٨، وضمخر١٩، وهمقع٢٠, وزملق٢١، وشعلّع، وهملّع٢٢ وعدبّس٢٣ وعجنّس٢٤.

стр. 458

وكذلك إن حجز بين المثلين زائد. وذلك نحو جلفزيز١، وهلبسيس٢، وخربصيص٣، وحندقوق٤. فهذه الكلم كلها رباعية الأصل, وأحد مثليها زائد. فأما همرّش٥ فخماسي, وميمه الأولى نون, وأدغمت في الميم لمَّا لم يخف هناك لَبْس, ألا ترى أنه ليس في بنات الأربعة مثال "جَعْفِر" فيلتبس به همرش. ولو حقَّرت "همرشًا" لقلت "هنيمر" فأظهرت نونها لحركتها. وكذلك لو استكرهت على تكسيرها لقلت "هنامر". ونظير إدغام هذه النون إذا لم يخافوا لبسًا قولهم: امحّى وامّاز وامّاع. ولما لم يكن في الكلام "افَّعَل" علم أن هذا انفعل؛ قال أبو الحسن: ولو أردت مثال انفعل من رأيت ولحزت٦ لقلت: ارّأى والَّحَزَ. فإن قلت: فما تقول في مثل عذوّر٧، وسنوّر٨، واعلوّط٩، واخروّط، وهبيّخ١٠، وهبيغ١١، وجبروة وسمعنة ونظرنة وزونك١٢، فيمن١٣ أخذه من زاك١٤ يزوك -وعليه حمله أبو زيد؛ لأنه صرف فعله عقيبه معه- فإن هذا سؤال ساقط عنا, وذلك أنا إنما كلامنا على ما أحد مثليه زائد ليذكر فيما بعد. فأما ما مثلاه جميعًا زائدان فليس فيه كلام ولا توقف في القطع (زائديه معًا) ١٥. فإن قيل: فهذا, ولكن ما تقول في صَمَحْمَح١٦، ودَمَكْمَك١٧، وبابهما؟ قيل: هذا في جملة ما عقدناه, ألا ترى أن معك في أوّل المثال الصاد والميم، وهما لفظ

стр. 459

أصلين, ثم تكرر كل واحد من الثاني والثالث, فصار عَوْد الثاني ملحقًا له بباب "فعّل" وعود الثالث ملحقًا له بباب "فعلل", فقد ثبت أن كل واحد من الحرفين الثاني والثالث قد عاد عليه نفس لفظه, كما عاد على١ طاء "قطع" لفظها, وعلى دال "قعدد" أيضًا لفظها. فباب "فعلعل" ونحوه أيضًا ثلاثي, كما أن كل واحد من "سلّم" و"قطّع" و"قعدُد" و"شملل" ثلاثي. وهذا أيضًا جواب من سأل عن مرمريس ومرمريت سؤاله عن صمحمح ودمكمك؛ لأن هذين أولًا كذينك آخرًا. الآن قد أتينا على أحكام المثلين: متى يكونان أصلين, ومتى يكون أحدهما زائدًا بما لا تجده متقصي متحجرًا في غير كلامنا هذا. وهذا أوان القول على الزائد منهما إذا اتفق ذلك أيهما هو. فمذهب٢ الخليل في ذلك أن الأوّل منهما هو الزائد, ومذهب٢ يونس -وإياه كان يعتمد أبو بكر- أن الثاني منهما هو الزائد, وقد وجدنا لكلٍّ من القولين مذهبًا, واستوسعنا له بحمد الله مضطربًا. فجعل الخليل الطاء الأولى من قطع ونحوه كواو حوقل، وياء بيطر, وجعل يونس الثانية منه كواو جهور٣، ودهور٤. وجعل الخليل باء جلبب الأولى كواو جهور ودهور, وجعل يونس الثانية كياء سلقيت وجعبيت. وهذا قدر من الحجاج٥ مختصر وليس بقاطع, وإنما فيه الأنس بالنظير لا القطع باليقين. ولكن من أحسن ما يقال في ذلك ما كان أبو علي ﵀ يحتج به لكون الثاني هو الزائد, قولهم ٦: اقعنسس واسحنكك, قال: ووجه الدلالة من ذلك أن نون افعنلل بابها إذا وقعت في ذوات الأربعة أن تكون بين

стр. 460

أصلين نحو: احرنجم واخرنطم, واقعنسس ملحق بذلك, فيجب أن يحتذى به طريق ما ألحق بمثاله. فلتكن السين الأولى أصلًا كما أن الطاء المقابلة لها من "اخرنطم" أصل, وإذا كانت السين الأولى من اقعنسس أصلًا كانت الثانية الزائدة من غير ارتياب ولا شبهة. وهذا في معناه سديد حسن جار على أحكام هذه الصناعة. ووجدت أنا أشياء في هذا المعنى يشهد بعضها لهذا المذهب وبعضها لهذا المذهب. فمما يشهد لقول يونس قول الراجز: بني عقيل ماذه الخنافق ... المال هدى والنساء طالق١ فالخنافق جمع خنفقيق وهي الداهية, ولن تخلو القاف المحذوفة أن تكون الأولى أو الثانية, فيبعد أن تكون الأولى؛ لأنه لو حذفها لصار التقدير "به"٢ في الواحد إلى "خنفيق", ولو وصل إلى ذاك لوقعت الياء رابعة فيما عدته خمسة, وهذا موضع يثبت فيه حرف اللين, بل يجتلب إليه تعويضًا أو إشباعًا. فكان يجب على هذا خنافيق. فلمَّا لم يكن كذلك علمت أنه إنما حذف القاف الثانية فبقي "خنفقي", فلما وقعت الياء خامسة حذفت فبقي "خنفق" فقيل في تكسيره خنافق. فإن قلت: ما أنكرت أن يكون حذف القاف الأولى فبقي "خنفيق", وكان قياس تكسيره خنافيق, غير أنه اضطر إلى حذف الياء كضرورته إلى حذفها في قوله ٣: والبكرات الفسَّج العطامسا٤
следующие страницы →