إلى لفظ "ق ض ي ". وكذلك قولهم: تلعيت -من اللعاعة- أي: خرجت أطلبها -وهي نبت- أصلها "ل ع ع " ثم صارت بالصنعة إلى لفظ "ل ع ي " قال ١:
كاد اللعاع من الحواذن يشحطها ... ورجرج بين لحييها خناطيل٢
وأشباه هذا كثير.
والقياس من بعد أنه متى ورد عليك لفظ أن٣ تتناوله على ظاهره, ولا تدَّعي فيه قلبًا ولا تحريفًا إلّا أن تضح سبيل أو يقتاد دليل.
ومن طريف هذا الباب قولك في النسب إلى "محيَّا": "محويّ" وذلك أنك حذفت الألف لأنها خامسة فبقي مُحَيّ كقُصَيّ، فحذفت للإضافة ما حذفت من قُصَيّ وهي الياء الأولى التي هي عين "محيَّا" الأولى, فبقي "محي" فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها, فصارت "مُحًا" كهُدىً. فلما أضفت إليها قلبت الألف واوًا فقلت "مُحَوِىّ" كقولك في هُدىً: هُدَوِيّ٤. فمثال محوي في اللفظ "مُفَعِىّ" واللام على ما تقدَّم محذوفة, ثم إنك من بعد لو بنيت من "ضرب"
стр. 492
-على١ قول من أجاز الحذف في الصحيح لضربٍ من الصنعة- مثل قولك: "محويّ" لقلت "مضريّ" فحذفت الياء من "ضرب" كما حذفت لام "محيّا". أفلا تراك كيف أحلت بالصنعة لفظ "ضرب" إلى لفظ "مضر" فصار "مضريّ" كأنه منسوب إلى "مضر".
وكذلك لو بنيت مثل قولهم في النسب إلى تحيّة ٢: "تحويّ" من نزف أو نشف أو نحو ذلك لقلت: تَنَفِيّ. وذلك أن "تحية" تفعلة, وأصلها "تحيية" كالتسوية والتجزئة, فلما نسبت إليها حذفت أشبه حرفيها بالزائد وهو العين, أعني: الياء الأولى, فكما تقول في "عصية وقضية" عصويّ وقضويّ, قلت أيضًا في تحية "تحويّ" فوزن لفظ "تحويّ" الآن "تفليّ" فإذا أردت مثل٣ ذلك من نزف ونشف، قلت "تنفي" ومثالها "تفلي", إلّا أنه مع هذا خرج إلى لفظ الإضافة إلى تنوفة إذا قلت "تنفيّ" كقول العرب في الإضافة إلى "شنوءة": شنئيّ. أفلا ترى إلى الصنعة كيف تحيل لفظًا إلى لفظ, وأصلًا إلى أصل.
وهذا ونحوه إنما الغرض فيه الرياضة به٤, وتدرب الفكر بتجشمه, وإصلاح الطبع لما يعرض في معناه وعلى سمته. فأمّا لأن يستعمل في الكلام "مضريّ" من "ضرب"، و"تنفي" من "نزف" فلا. ولو كان لا يخاض في علم من العلوم إلّا بما لا بُدَّ٥ له من وقوع مسائله معينة محصلة لم يتم علم على وجهٍ ولبقي مبهوتًا٦ بلا لحظٍ٧
стр. 493
ومخشوبًا١ بلا صنعة, ألا ترى إلى كثرة مسائل الفقه والفرائض والحساب والهندسة وغير ذلك من المركبات المستصعبات، "وذلك"٢ إنما يمر في الفرط٣ منها الجزء النادر الفرد, وإنما الانتفاع بها من قبل ما تقنيه النفس من الارتياض بمعاناتها.
стр. 494
باب في اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين في ١ الحروف والحركات والسكون:
غرضنا من هذا الباب ليس ما جاء به الناس في كتبهم نحو: وجدت في٢ الحزن, ووجدت الضالة , ووجدت في الغضب, ووجدت أي: علمت؛ كقولك: وجدت الله غالبًا, ولا كما جاء عنهم من نحو: "الصدى": الطائر يخرج من رأس المقتول إذا لم يدرك بثأره، "والصدى": العطش، "والصدى": ما يعارض الصوت في الأوعية الخالية، و"الصدى" من قولهم: فلان صدى مال, أي: حسن الرعية له والقيام عليه. ولا "هل "٣ بمعنى الاستفهام, وبمعنى قد, و "أم " للاستفهام وبمعنى بل, ونحو ذلك, فإن هذا الضرب من الكلام -وإن كان أحد٤ الأقسام الثلاثة عندنا التي أولها اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين "ويليه"٥اختلاف اللفظين واتفاق المعنيين- كثير في كتب العلماء, وقد تناهبته أقوالهم, وأحاطت بحقيقته أغراضهم. وإنما غرضنا هنا ما٦ وراءه من القول على هذا النحو في الحروف والحركات والسكون المصوغة في أنفس الكلم.
стр. 495
من ذلك الحروف.
قد يتفق "لفظ الحروف ويختلف معناها"١ وذلك نحو قولهم: درع دلاص٢، وأدرع دلاص, وناقة هجان٣, ونوق هجان. فالألف في دلاص في الواحد بمنزلة الألف في ناقة كناز٤، وامرأة ضناك٥، و"الألف في دلاص"٦ في الجمع بمنزلة ألف ظراف وشراف؛ وذلك لأن العرب كسرت فعالًا على فعال, كما كسرت فعيلًا على فعال, نحو: كريم وكرام, ولئيم ولئام. وعذرها في ذلك أن فعيلًا أخت٧ فعال, ألا ترى أن كل واحد منهما ثلاثي الأصل, وثالثه حرف لين, وقد اعتقبا أيضًا على المعنى الواحد نحو: كليب وكلاب, وعبيدٍ وعباد, وطسيس٨ وطساس، قال الشاعر ٩:
قرع يد اللعابة الطسيسا١٠
стр. 496
فلما كانا كذلك -وإنما بينهما اختلاف حرف اللين لا غير, ومعلوم مع ذلك قرب الياء من الألف, وأنها أقرب إلى الياء منها إلى الواو- كُسِّر أحدهما على ما كُسِّر عليه صاحبه, فقيل: درع دلاص وأدرع دلاص, كما قيل: ظريف وظراف, وشريف وشراف.
ومثل ذلك قولهم في تكسير عُذَافِر١، وجُوَالِق: عَذافِر وجَوالِق, وفي تكسير قُناقِن ٢: قَنَاقِن, وهُداهِدٍ: هَداهِد, قال الراعي:
كهُداهِدٍ كسر الرماة جناحه ... يدعو بقارعة الطريق هَدِيلا٣
فألف عُذافِرٍ زيادة٤ لحقت الواحد للبناء لا غير, وألف عَذافِر ألف التكسير كألف دَراهم ومنابر. فألف عُذافِر تحذف كما تحذف نون جَحَنْفَلٍ في جحافِل، وواو فَدَوْكسٍ، في فداكِس، وكذلك بقية الباب.
وأغمض من ذلك أن تسمى رجلًا بعبالٍّ وحمارٍّ, جمع عبالة٥ وحمارةٍ٦، على حد قولك: شجرة وشجر, ودجاجة٧ ودجاج, فتصرف فإن كسرت عبالًا وحمارًا هاتين قلت حَمَارُّ وعَبَالٌّ فلم تصرف؛ لأن هذه الألف الآن ألف التكسير بمنزلة ألف مخاد ومشاد, جمع مخدة ومشد٨. أفلا نرى إلى هاتين٩ الألفين كيف اتفق
стр. 497
لفظاهما واختلف معناهما، ولذلك لم تصرف الثاني لما ذكرنا وصرفت الأول، لأنه ليست ألفه للتكسير, إنما هي كألف دجاجةٍ وسمامةٍ١، وحمامةٍ.
ومن ذلك أن توقع في قافية اسمًا لا ينصرف منصوبًا في لغة من نوّن القافية في الإنشاد, نحو قوله ٢:
أقلِّ اللوم عاذل والعتابن
فتقول في القافية: رأيت سعادًا, فأنت في هذه النون مخيّر: إن شئت اعتقدت أنها نون الصرف, وأنك صرفت الاسم ضرورة أو على لغة٣ من صرف جميع ما لا ينصرف, كقول الله تعالى: ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ ٤, وإن شئت جعلت هذه النون في سعادًا نون الإنشاد كقوله:
داينت أروى والديون تقضن ... فمطلت بعضًا وأدت بعضن٥
وكذلك أيضًا تكون النون التي في قوله: وأدت بعضن، هي اللاحقة للإنشاد، كقوله٦:
يا أبتا علّك أو عساكن
стр. 498
ولكن إنما يفعل ذلك في لغة١ من وقف على المنصوب بلا ألف كقول الأعشى:
وآخذ من كل حيّ عصم٢
وكما رويناه عن قطرب من قول آخر ٣:
شئز جنبي كأنِّي مهدأ ... جعل القين على الدفِّ إبر٤
وعليه قال أهل هذه٥ اللغة في الوقف: رأيت فَرَح٦. ولم يحك سيبويه هذه اللغة، لكن حكاها الجماعة: أبو الحسن، وأبو عبيدة, وقطرب, وأكثر الكوفيين, فعلى هذه اللغة يكون قوله:
فمطلت بعضًا، وأدت بعضن٧
стр. 499
إنما نونه نون الإنشاد لا نون الصرف, ألا ترى أن صاحب هذه اللغة إنما يقف على حرف الإعراب ساكنًا فيقول: رأيت زيدْ كالمرفوع والمجرور, هذا هو الظاهر من الأمر.
فإن قلت: فهل تجيز١ أن يكون قوله: وأدت بعضًا, تنوينه تنوين الصرف لا تنوين الإنشاد, إلّا أنه على إجراء الوقف مجرى الوصل كقوله:
بل جو زتيهاء كظهر الحجفت٢
فإن هذا وإن كان ضربًا من ضروب المطالبة فإنه يبعد, وذلك أنه لم يمر بنا عن أحد من العرب أنه يقف في غير الإنشاد على تنوين الصرف, فيقول في غير قافية الشعر: رأيت جعفرن, ولا كلمت سعيدن, فيقف بالنون. فإذا لم يجئ مثله قبح حمله عليه. فوجب حمل قوله: وأدت بعضن على أنه تنوين الإنشاد على ما تقدَّم من قوله ٣:
ولا تبقي خمر الأندرينن
وأقلِّي اللوم عاذل والعتابن
وما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجنْ٤
стр. 500
ولم تحضرنا هذه المسألة في وقت عملنا الكتاب "المعرب"١ في تفسير قوافي أبي الحسن, فنودعها إياه فلتلحق هذه المسألة به بإذن الله. فإذا مرَّ بك في الحروف ما هذه سبيله فأضفه إليه.
ومن ذلك الحركات.
هذه الحال موجودة في الحركات وجدانها في الحروف, وذلك كامرأة سميتها بحيث, وقبل, وبعد, فإنك قائل في رفعه: هذه حيثُ, وجاءتني قبلُ, وعندي بعدُ. فالضمة الآن إعراب, وقد كانت في هذه الأسماء قبل التسمية بها بناء. وكذلك لو سميتها بأين وكيف, فقلت: رأيت أينَ, وكلمت كيفَ, لكانت هذه الفتحة إعرابًا بعد ما كانت قبل التسمية في أين وكيف بناء. وكذلك لو سميت رجلًا بأمسِ وجيرِ, لقلت: مررت بأمسٍ وجيرٍ, فكانت هذه الكسرة إعرابًا بعد ما كانت قبل التسمية بناء. وهذا٢ واضح. فإن سميته بهؤلاء فقلت "في الجر" ٣: مررت بهؤلاء، كانت٤ كسرة الهمزة بعد التسمية به هي "الكسرة قبل"٥ التسمية به٦. وخالف "هؤلاء" باب أمس وجير, وذلك أن "هؤلاء" مما يجب بناؤه وحكايته بعد التسمية به٧ على ما كان من قبل التسمية؛ ألا ترى أنه اسم ضمّ إليه حرف،
стр. 501
فأشبه الجملة، كرجل سميته بلعلّ, فإنك تحكي الاسم؛ لأنه حرف ضمّ إليه حرف, وهو "عَلَّ" ضمت إليه اللام, كما أنك لو سميته بأنت لحكيته أيضًا, فقلت: رأيت أنت ولعلَّ, فكانت الفتحة في التاء بعد التسمية به هي التي كانت فيه قبلها, لكنك إن سميته بأولاء أعربته فقلت: هذا أولاءٌ, ورأيت أولاءً ومررت بأولاءٍ, فكانت الكسرة لأن فيه إعرابًا لا غير؛ لأن أولاء اسم مفرد مثاله١ فعال كغراب وعقاب.
ومن الحركات في هذا الباب أن ترخّم اسم رجل يسمَّى٢ منصورًا, فتقول على لغة من قال يا حارِ: يا منصُ, ومن قال يا حارُ قال كذلك أيضًا بضم الصاد في الموضعين جميعًا. أما على يا حارِ فلأنك حذفت الواو وأقررت الضمة بحالها, كما أنك لما حذفت الثاء أقررت الكسرة بحالها. وأما على يا حارُ فلأنك حذفت الواو والضمة قبلها كما في يا حارُ حذفت الثاء والكسرة قبلها، ثم اجتلبت٣ ضمة النداء فقلت: يا مَنْصُ. فاللفظان كما ترى واحد, والمعنيان مختلفان.
وكذلك إن سميته بيرثن، وثرتم٤، ويعقوب٥، ويربوع، ويعسوت.
ومثل ذلك قول العرب في جمع الفُلكِ: الفُلْك, كسروا فُعْلًا على فُعْلٍ, من حيث كانت فُعْل تعاقب فَعَلًا على المعنى الواحد, نحو: الشُغْل والشَغَلِ, والبُخْلِ والبَخَل, والعُجْمِ والعَجَم, والعُرْب والعَرَب. وفَعَلٌ مما يكسر على فُعْل كأََسَدٍ،
стр. 502
وأسْد, ووَثَنٍ ووُثْن. حكى صاحب١ الكتاب "إن تدعون من دونه إلا أُثْنا" وذكر أنها قراءة. وكما٢ كسروا فَعَلا على فُعْل, وكانت فُعْل وفَعَل أختين معتقبتين على "المعنى"٣ الواحد كعجمٍ وعَجَم, وبابه, جاز أيضًا أن يكسر فُعْل على فُعْل, كما ذهب إليه صاحب٤ الكتاب في الفُلْكِ؛ إذ كسر على الفُلْك, ألا ترى أن قوله عز اسمه: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ٥ يدل على أنه واحد, وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ٦ فهذا يدل على الجمعية. فالفُلْك إذًا في الواحد بمنزلة القُفْلِ, والخُرْج والفُلْك في الجميع بمنزلة الحُمْرِ والصُفْر.
فقد ترى اتفاق الضمَّتين لفظًا واختلافهما تقديرًا ومعنى. وإذا كان كذلك فكسرة الفاء في هجان ودلاص في الواحد ككسرة الفاء في كنازٍ وضناكٍ, وكسرة الفاء في هجانٍ ودلاصٍ في الجمع٧ ككسرة الفاء في كرامٍ ولئام.
ومن ذلك قولهم: قنو وقنوانٌ, وصنو وصنوانٌ, وخشف وخشفانٌ، ورئد٨ ورئدان, ونحو ذلك مما٩ كسر فيه فِعْل على فِعْلان؛ كما كسروا فَعَلا على فِعْلان. وذلك أن فِعْلا وفَعَلا قد اعتقبا على المعنى الواحد نحو: بِدْلٍ وبَدَلٍ, وشِبْهٍ وشَبَهٍ, ومِثْلٍ ومَثَلٍ. فكما كسروا فَعَلا على فِعلان كَشَبثٍ١٠ وشبْثان, وخَرَبٍ١١ وخِرْبانٍ, ومن المعتل تاج وتيجان, وقاع وقيعان, كذلك كسروا أيضًا فِعْلًا على فِعْلان فقالوا: قِنْو وقِنْوانٌ, وصِنْو وصِنْوانٌ.
стр. 503
ومن وجه آخر أنهم رأوا فِعْلا وفُعْلا قد اعتقبا على المعنى الواحد نحو: العِلْو والعُلْو, والسِفْل والسُفْل, والرِجْز والرُجْز, فكما كسروا فُعْلا على فِعلان ككُوزٍ وكِيزان, وحوت وحيتان, كذلك كسروا أيضًا فِعْلا على فِعلان نحو: صنو وصنوان، وحسلٍ١ وحسلان، وخشف وخشفان. فكما أن كسرة فاء شِبثان وبِرقان غير فتحة فاء شَبثٍ وبَرق٢ لفظًا، فكذلك كسرة فاء صنو غير كسرة فاء صِنوان تقديرًا. وكما٣ أن كسرة فاء حيتان وكيزان غير ضمة فاء كُوزٍ وحوت لفظًا, فكذلك أيضًا كسرة فاء صِنوان غير كسرة فاء صِنْو تقديرًا. وسنذكر في كتابنا هذا "باب حمل"٤ المختلف فيه على المتفق عليه بإذن الله. وعلى هذا فكسرة فاء هجان ودلاص لفظًا غير كسرة فاء هجان ودلاص تقديرًا, كما أن كسرة فاء كرام ولئام غير فتحة فاء كريم ولئيم لفظًا. وعلى هذا استمرار ما هذه سبيله فاعرفه.
وأما السكون في هذه الطريقة فهو كسكون نون صِنْو وقِنْوٍ, فينبغي أن يكون في الواحد غير سكون نون صِنوان وقِنْوان؛ لأن هذا شيء أحدثته الجمعية, وإن كان بلفظ ما كان في الواحد, ألا ترى أن سكون عين شِبْثان وبِرْقان غير فتحة٥ عين شَبَث وبَرَق, فكما أن هذين مختلفان لفظًا، فكذلك ذانك السكونان٤ هما مختلفان تقديرًا.
ونظير فِعْل وفِعْلان في هذا الموضع فُعْل وفُعْلان في قولهم: قُوم٦ وقُومَان, وخُوط٧ وخُوطان. فواجب إذًا أن تكون الضمة والسكون في فُوم غير الضمة والسكون في فُومان, وكذلك خُوط وخُوطان. ومثله أن سكون عين بُطْنان وظُهْران
стр. 504
غير سكون عين بَطْن وظَهْر, الباب واحد١ غير مختلف. وكذلك كسرة اللام من دِهْليِز ينبغي أن تكون غير كسرتها في دهالِيز؛ لأن هذه كسرة ما يأتي بعد ألف التكسير "وإن لم يكن في الواحد مكسورًا"٢؛ "نحو: مفتاح"٣ ومفاتيح، وجُرْموق٤ وجرامِيق. وعلى هذا أيضًا يجب أن تكون٥ ضمة فاء رُبَابٍ غير٦ ضمة فاء رُبى؛ لأن رُبَابًا كعُراق وظُؤارٍ ونُؤَام, فكما أن أوائل كلٍّ منهن على غير "أول"٧, واحده الذي هو عرق٨، وظئر٩، وتوأم لفظًا, فكذلك فليكن أول رُبَى ورُبَابٍ تقديرًا.
стр. 505
باب في اتفاق المصاير؛ على ١ اختلاف المصادر:
من ذلك اسم الفاعل والمفعول في "افتعل" مما عينه معتلة, أو ما فيه تضعيف. فالمعتل نحو قولك: اختار فهو مختار, واختير فهو مختار: الفاعل والمفعول واحد لفظًا, غير أنهما مختلفان تقديرًا, ألا ترى أن أصل الفاعل "مختِير" بكسر العين, وأصل المفعول "مختَير" بفتحها. وكذلك هذا رجل معتاد للخير, وهذا أمر معتاد, وهذا فرس مقتاد إذا قاده صاحبه الصاحب مقتاد له.
وأما المدغم فنحو قولك: أنا معتدّ لك بكذا وكذا, وهذا أمر معتَدّ به. فأصل الفاعل "معتِدد" كمقتطع وأصل المفعول "معتَدد" كمقتَطع. ومثله هذا
стр. 506
فرس مستن لنشاطه, وهذا مكان مستن فيه, إذا استلّت١ فيه٢ الخيل, ومنه قولهم: "استنّت الفصال حتى القَرْعى "٣.
وكذلك افعَلَّ وافعالَّ من المضاعف أيضًا؛ نحو: هذا بسر محمرّ ومحمارّ, وهذا وقت محمر فيه ومحمار فيه. فأصل الفاعل محمِرر ومحمارِر مكسور العين, وأصل المفعول محمَرر ومحارَر فيه مفتوحها.
وليس كذلك اسم الفاعل والمفعول في افعلّ وأفعال "إذا ضعف فيه حرفا علة"٤, بل ينفصل فيه اسم الفاعل من اسم المفعول عندنا, وذلك قولك: هذا رجل مُرْعَوٍ وأمر مُرْعَوى إليه, وهذا رجل مًغَزاوٍ وهذا وقت مُغْزَاوًى فيه٥؛ لكنه على مذهب الكوفيين لا فرق بينهما؛ لأنهم يدغمون هذا النحو من مضاعف المعتل, ويجرونه مجرى الصحيح, فيقولون: اغزوا يغزاو, واغزوَّ يغزوّ. واستشهد أبو الحسن على فساد مذهبهم بقول العرب: أرعوى. قال: ولم يقولوا: أرعوَّ. ومثله من كلامهم قول يزيد بن الحكم -أنشدنيه أبو علي وقرأته في القصيدة عليه:
تبدّل خليلًا بي كشكلك شكله ... فإني خليلًا صالحًا بك مُقْتَوِى٦
فهذا عندنا مُفْعِّل من القنو, وهو المراعاة والخدمة كقوله:
إني امرؤ من بني خزيمة لا ... أحسن قتو الملوك والحفدا٧
стр. 507
وفيها١ أيضًا: مُدْحَوِى، وفيها أيضًا مُحْجَوِى:
فهذا كله مُفْعَل كما تراه غير مدغم.
وانفعل في المضاعف كافتعل, نحو قولك: هذا أمر منحل, ومكان منحل فيه، ويوم منحل فيه، أي: تنحل٢ فيهما الأمور. فهذا طرف٣ من هذا النحو.
ومن ذلك قولك في تخفيف "فُعْل" من جئت على قول الخليل وأبي الحسن تقول في القولين جميعًا: جي، غير أن هذين الفرعين المتفقين التقيا عن أصلين مختلفين.
وذلك أن الخليل يقول في "فُعْل" من جئت: جيء كقوله فيه من بِعْت بِيعٌ. وأصل الفاء عنده الضم, لكنه كسرها لئلّا تنقلب الياء واوًا, فيلزمه أن يقول: بُوع. ويستدل على ذلك بقول العرب في جمع أبيض وبيضاء: بيض. وكذلك "عين" تكسير ًاعْيَن وعَيْناء، و"شِيم" في أشيم٤ وشيماء.
وأبو الحسن يخالفه فيقر الضمة في الفاء فيبدل لها العين واوًا فيقول: بُوع وجُوء. فإذا٥ خففا جميعًا صارا إلى جُيٍ لا غير. فأما الخليل فيقول: إذا تحركت العين بحركة الهمزة الملقاة عليها فقويت رددت ضمة الفاء لأغنى٦ على العين القلب فأقول: جيٌ, وأما أبو الحسن فيقول: إنما كنت قلت: جُوء فقلبت العين واوًا لمكان الضمة
стр. 508
قبلها وسكونها، فإذا قويت١ بالحركة الملقاة عليها تحصنت فحمت نفسها من القلب, فأقول: جَيٌ. أفلا ترى إلى ما ارتمى إليه الفرعان من الوفاق بعد ما كان عليه الأصلان من الخلاف. وهذا ظاهر.
ومن ذلك قولك في الإضافة إلى مائة في قول سيبويه ويونس جميعًا فيمن ردَّ اللام: مئوي كمعوي, فتوافى اللفظان على أصلين مختلفين. ووجه ذلك أن مائة أصلها عند الجماعة مِئية ساكنة العين, فلما حذفت اللام تخفيفًا جاورت العين تاء التأنيث فانفتحت على العادة, والعرف في ذلك فقيل: مئة. فإذا رددت اللام فمذهب سيبويه أن يقرّ٢ العين بحالها متحركة, وقد كانت قبل الرد مفتوحة فتقلب لها اللام ألفًا فيصير تقديرها ٣: مِئا كمِعَى٤, فإذا أضفت إليها أبدلت الألف واوا فقلت: مئوي كثنوي. وأما مذهب يونس فإنه كان إذا نسب إلى فَعْلة أو فعْلة مما لامه ياء أجراه مجرى ما أصله فَعِلة, ألا تراه كيف كان يقول في الإضافة إلى ظَبْية: ظَبوَي, ويحتج بقول العرب في النسب إلى بطية ٥: بِطَوِيّ, وإلى زنية: زِنَوِيّ, فقياس هذا أن تجري مائة -وإن كانت فِعْلة- مجرى فِعِلة فتقول فيها: مِئَوىّ. فيتفق اللفظان من أصلين مختلفين.
ومن ذلك أن تبنى من قلت ونحوه فُعُلا, فتسكن عينه استثقالًا للضمة فيها فتقول: "فُولُ" كما يقول أهل الحجاز في تكسير عَوَان ونَوَار: عُون ونُور, فيسكنون, وإن كانوا يقولون: رُسُل وكُتُب بالتحريك. فهذا حديث فُعُل من باب قلت. وكذلك فُعْل منه أيضًا قُول فيتفق فُعُل وفُعْل, فيخرجان٦ على لفظ متفق عن أول مختلف. وكذلك فِعْل من باب بعت, وفُعْل في قول الخليل وسيبويه: تقول٧ فيهما جميعًا٨
стр. 509
بيع. وسألت أبا عليّ ﵀ فقلت: لو أردنا فُعْلات مما عينه ياء لا نريد بها أن تكون جارية على فِعْلة كتينة وتينات١؟ فقال: أقول على هذا الشرط: تونات, وأجراها لبعدها عن الطرف مُجرى واو عُوطَطٍ٢.
ومن ذلك أن تبنى من غَزَوت مثل إصبُع بضم الباء فتقول: إغزٍ. وكذلك إن أردت مثل إصبع, قلت أيضًا: إغز. فيستوي لفظ إفعُل ولفظ إفْعِل. وذلك أنك تبدل من الضمة قبل الواو كسرة فتقلبها ياء، فيستوي حينئذ لفظها ولفظ إفِعل. وإِصْبُع، وإن كانت مستكَرهة لخروجك من كسر إلى ضم بناء لازمًا، محكية؛ تروى عن متقدمي٣ أصحابنا.
وما يخرج إلى لفظ واحد عن أصلين مختلفين كثير, لكن هذا مذهبه وطريقه فاعرفه وقسه.
ومن ذلك قولك في جمع تعزية وتعزوة٤ جميعًا: تَعَازٍ "وكذلك اللفظ بمصدر تعازَينا أي: عَزَّى بعضًنا بعضًا: تعاز"٥ يا فتى. فهذه تفاعُل كتضارُب وتحاسد, وأصلها تعازوٌ ثم تعازِى ثم تعازٍ. فأما٦ "تعازٍ" في الجمع فأصل عينها الكسر كتتافِل وتناضِب، جمع تتفُل٧ وتَنْضُبٍ٨. ونظائره كثيرة.
стр. 510
باب في ترافع ١ الأحكام:
هذا موضع من العربية لطيف لم أر لأحد من أصحابنا فيه رسمًا, ولا نقلوا إلينا فيه٢ ذكرا.
من ذلك مذهب العرب في تكسير ما كان من "فعل" على "أفعال" نحو: عَلَم وأعلام, وقدمٍ وأقدام, ورَسنٍ وأرسان, وفَدَنٍ وأفدانٍ. قال سيبويه: فإن كان على "فَعَلة" كسروه على "أَفْعُلٍ" نحو أَكَمةٍ وآكُمٍ. ولأجل ذلك "ما حمل"٣ أمَّة على أنها "فَعَلة" لقولهم في تكسيرها: آمٍ, إلى هنا٤ انتهى٥ كلامه إلّا أنه أرسله ولم يعلله.
والقول فيه عندي أن حركة العين قد عاقبت في بعض المواضع تاء التأنيث, وذلك في الأدواء نحو قولهم: رمث٦ رمثًا، وحبط٧ حبطًا، وحبج٨ حبجًا.
стр. 511
فإذا ألحقوا التاء أسكنوا العين؛ فقالوا: حَقِل١ حَقْلة, ومغَل مَغْلة٢. فقد ترى إلى معاقبة حركة العين تاء التأنيث. ومن ذلك قولهم: جَفْنة وجَفَنات, وقَصْعة وقَصَعات, لما حذفوا التاء حركوا العين.
فلما تعاقبت التاء وحركة العين٣ جريا٤ لذلك مجرى الضدين المتعاقبين, فلما اجتمعا في "فَعَلة" ترافعا أحكامهما فأسقطت التاءُ حكم الحركة, وأسقطت الحركة حكم التاء. فآل الأمر بالمثال إلى أن صار كأنه فَعْل، "فَعْل" باب تكسيره "أَفْعُل".
وهذا حديث من هذه الصناعة غريب المأخذ لطيف المضطرب. فتأمله فإنه مُجْدٍ عليك مُقَوٍّ لنظرك.
ومن "فَعَلة" و"أفعُل" رَقَبة وأَرْقُب، وناقة وأَيْنُق.
ومن ذلك أنَّا قد رأينا تاء التأنيث تعاقب ياء المد, وذلك نحو: فرازين٥ وفرازنة, وحجاجيح٦ وجحاجحة، وزناديق وزنادقة. فلما نسبوا إلى نحو حنيفة وبجيلة تصوروا ذلك الحديث أيضًا, فترافعت التاء والياء أحكامهما٧، فصارت حنيفة وبجيلة إلى أنهما كأنهما حَنِف وبَجِل, فجريا لذلك مجرى شَقِر٨ ونَمِر فكما تقول
стр. 512
فيهما: شَقَرِيّ ونَمَريّ، كذلك قلت أيضًا في حنيفة: حنفيّ, وفي بجيلة: بجليّ. يؤكد ذلك عندك أيضًا أنه إذا لم تكن هناك تاء كان القياس إقرار الياء كقولهم في حنيف: حنيفيّ, وفي سعيد: سعيديّ. فأما ثقفي فشاذّ عنده١، ومشبه بحنفي. فهذا طريق آخر٢ من الحجاج في باب حنفيّ وبجليّ, مضاف إلى ما يحتج به أصحابنا في حذف تلك الياء.
ومما يدلك على مشابهة حرف المد قبل الطرف لتاء٣ التأنيث قولهم: "رجل"٤ صَنَع اليد وامرأة صَنَاع اليد, فأغنت الألف قبل الطرف مغنى٥ التاء التي كانت تجب في صنعة, لو جاءت على حكم نظيرها نحو: حَسَن وحَسَنةٍ, وبَطَلٍ وبَطَلة. وهذا أيضًا حَسَن في بابه.
ويزيد عندك في وضوح ذلك أنهم قالوا في الإضافة إلى اليمن والشام وتهامة: يمان وشآم وتهامٍ, فجعلوا الألف قبل الطرف عوضًا من إحدى الياءين اللاحقتين بعدها٦. وهذا يدلك أن الشيئين إذا اكتنفا الشيء من ناحيتيه تقاربت حالاهما "وحالاه"٧ بهما, ولأجله وبسببه ما ذهب قوم إلى أنَّ حركة الحرف تحدث قبله, وآخرون إلى أنها تحدث بعده, وآخرون إلى أنها تحدث معه. قال أبو علي: وذلك لغموض الأمر وشدة القرب. نعم، وربما احتج بهذا٨ لحسن تقدم الدلالة وتأخرها هذا في موضع "وهذا في موضع"٩. وذلك لإحاطتهما جميعًا بالمعنى المدلول عليه.
стр. 513
فمما تأخَّر دليله قولهم: ضربني وضربت زيدًا, ألا ترى أن١ المفسِّر للضمير المتقدم جاء من بعده. وضده زيد ضربته؛ لأن المفسِّر للضمير متقدم عليه. وقريب من هذا أيضًا اتباع الثاني للأول نحو: شُدٌّ٢ وفِرّ٢، وضّنَّ٢، وعكسه قولك: اقتل, اُستُضعِف, ضممت الأول للآخر.
فإن قلت: فإن في تهامة ألفًا, فلم ذهبت إلى أن الألف في تهام عوض من إحدى الياءين للإضافة؟ قيل: قال الخليل في هذا: إنهم كأنهم نسبوه إلى فَعْل أو فَعَل, وكأنهم فكوا٣ صيغة تهامة فأصاروها إلى تَهَمٍ أو تَهْم, ثم أضافوا إليه فقالوا: تهامٍ.
وإنما ميّل٤ الخليل بين فَعْل وفَعَل، ولم يقطع بأحدهما؛ لأنه قد جاء هذا العمل في هذين المثالين جميعًا، وهما٥ الشأم واليمن. وهذا الترجيم٦ الذي أشرف عليه الخليل ظنًّا، قد جاء به السماع نصًّا٧؛ أنشدنا أبو علي، قال أنشد٨ أحمد بن يحيى:
أرَّقنى الليلةَ بَرْقٌ بالتَهم ... يا لكَ برقًا من يَشُقْه لا ينمْ٩
стр. 514
فانظر إلى قوة تصوّر الخليل إلى أن هجم به الظنّ على اليقين, فهو المعني١ بقوله:
الألمعيّ الذيب يظنُّ بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا
وإذا كان ما قدمناه من أن العرب لا تكسر فَعَلة على أفعال مذهبًا لها, فواجب أن يكون "أفلاء" من قوله ٢:
مثلها يخرج النصيحة للقو ... م فلاةً من دونها أفلاء
تكسير "فلا" الذي هو جمع فلاة لا جمعًا لفلاةٍ؛ إذ كانت فَعَلة. وعلى هذا فينبغي٣ أيضًا أن يكون قوله ٤:
كأن متنيه من النفيّ ... مواقع الطير على الصفيّ
إنما هو تكسير صفَا الذي هو جمع صفاة؛ إذ كانت فعلة لا تكسر على فعول, إنما ذلك فعلة كبدرة وبدور ومأنة٥ ومئون. أو فَعَل كطلل وطلول, وأسد وأسود. وقد ترى بهذا أيضًا مشابهة فعلة لفعل في تكسيرهما جميعًا على فعول.
ومن ذلك قولهم في الزكام: آرضه الله, وأملأه, وأضأده. وقالوا ٦: هي الضؤدة والملأة، والأرض. والصنعة في ذلك أن "فُعْلا" قد عاقبت٧ "فَعَلا" على الموضع الواحد نحو: المعُجْم والعَجَم, والعُرْب والعَرَب, والشُغْل والشَغَل،
стр. 515
والبُخْل والبَخَل. وقد عاقبتها أيضًا في التكسير على أفعال نحو: بُرْدٍ وأبراد، وجُنْد وأجناد, فهذا كقلم وأقلام, وقدم وأقدام. فلما كان "فُعْل" من حيث ذكرنا كفَعَل صارت الملأة والضؤدة كأنها فَعَلَة, وفَعَلَة قد كسرت على أفْعُل على ما قدمنا في أكمة وآكُم, وأمة وآمٍ. [فكما رفعت التاء في "فَعَلة" حكم الحركة في العين, ورفعت حركة العين حكم التاء، فصار الأمر لذلك إلى حكم "فَعْلٍ" حتى قالوا: أكمة وآكم ككلب وأكلب, وكعب وأكعب, فكذلك جرت "فُعْلة" مجرى "فَعْل", حتى عاقبته في الضؤدة والملأة والأرض, فصارت الأرض كأنه أرضة, أو صار١ الملأة والضؤدة كأنهما ملء وضأد. أفلا ترى إلى الضمة كيف رفعت حكم التاء كما رفعت التاء حكم الضمة، وصار الأمر إلى "فَعْل"] ٢.
стр. 516
باب في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني:
هذا فصل من العربيِّة حسن كثير المنفعة, قوي الدلالة على شرف هذه اللغة. وذلك أن تجد للمعنى الواحد أسماء كثيرة, فتبحث عن أصل كل اسم منها فتجده مفضي المعنى إلى معنى صاحبه.
وذلك كقولهم: "خُلق الإنسان"١ فهو "فُعُل" من خلقت الشيء, أي:٢ ملّسته ومنه صخرة خلقاء للملساء. ومعناه: أن خلق الإنسان هو ما قدر له ورتب عليه،
стр. 517
فكأنه أمر قد استقرّ وزال عنه الشك, ومنه قولهم في الخبر: "قد فرغ الله من الخَلْق والخُلقُ". والخليقة فَعِيلة منه.
وقد كثرت فعيلة في هذا الموضع, وهو قولهم: "الطبيعة" وهي من طبعت الشيء "أي: قررته"١ على أمر ثبت عليه, كما يطبع الشيء كالدرهم والدينار فتلزمه أشكاله, فلا يمكنه انصرافه عنها ولا انتقاله.
ومنها "النحيية" وهي فَعِيلة من نحت الشيء "أي"٢ ملسته وقررته٣ على ما أردته منه. فالنحيتة كالخليقة: هذا من نحت, وهذا من خلقت.
ومنها "الغريزة" وهي٤ فعيلة من غرزت, كما قيل لها طبيعة؛ لأن طبع الدرهم٥ ونحوه ضرب من وسمه, وتغريزه بالآلة التي تثبت عليه الصورة. وذلك استكراه له وغمز عليه كالطبع.
ومنها "النقيبة" وهي فَعِيلة من نقبت الشيء وهو نحو من الغريزة.
ومنها "الضريبة" وذلك أن الطبع لا بد معه٦ من الضرب، لتثبيت "له"٧ الصورة المرادة.
ومنها "النخيزة" هي فَعِيلة من نَخَزْت الشيء, أي: دققته, ومنه المنحاز: الهاوون؛ لأنه موضوع للدفع به والاعتماد على المدقوق, قال٨:
ينحزن من جانبيها وهي تنسلب٩
стр. 518
أي: تضرب الإبل حول هذه الناقة للحاق بها وهي تسبقهن وتنسلب أمامهن١.
ومنها "السجية" هي فعيلة من سجا يسجو إذا سكن, ومنه طرف ساجٍ وليل ساجٍ, قال:
يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النساج٢
وقال الراعي:
ألا اسلمي اليوم ذات الطوق والعاج ... والدل والنظر المستأنس الساجي
وذلك أن خُلُق الإنسان أمر قد سكن إليه واستقر عليه, ألا تراهم يقولون في مدح الرجل: فلان يرجع إلى مروءة ويخلد إلى كرم ويأوي إلى سداد وثقة, فيأوي إليه هو هذا؛ لأن المأوى خلاف "المعتمل" لأنه إنما يأوي إلى "المنزل٣ ونحوه" إذا أراد السكون.
ومنها "الطريقة" من٤ طرقت الشيء أي: وطأتة وذللته، وهذا هو معنى ضربته ونقبته٥، وغرزته ونحته؛ لأن هذه كلها رياضات وتدريب٦ واعتمادات وتهذيب.
стр. 519
ومنها "السجيحة" وهي فَعِيلة من سجح خلقه. وذلك أن الطبييعة قد فرَّت١ واطمأنت فسجحت وتذللت٢. وليس على الإنسان من طبعه كُلْفَة, وإنما الكلفة فيما يتعاطاه ويتجشمه, قال حسان:
ذروا التخاجؤ وامشوا مشية سجحًا ... إن الرجحال ذوو عصب وتذكير٣
وقال الأصمعي: إذا استوت أخلاق القوم قيل: هم على سرجوجة واحدة, ومرن واحد, "ومنهم من يقول: سرجيجة وهي فعليلة من هذا"٤، فسرجوجة: فعلولة، من لفظ السرج ومعناه. والتقاؤهما أن السرج إنما أريد للراكب ليعدله ويزل اعتلاله وميله. فهو من تقويم٥ الأمر. وكذلك إذا استتبوا على وتيرة واحدة, فقد تشابهت أحوالهم وزاح خلافهم، وهذا٦ أيضًا ضرب من التقرير والتقدير؛ فهو بالمعنى عائد إلى النحيتة والسجية والخليقة؛ لأن هذه كلها صفات تؤذن بالمشابهة والمقاربة. والمرن مصدر كالحلف والكذب. والفعل منه مَرَن على الشيء إذا ألفه فلان له. وهو عندي من مارن الأنف لما لان منه. فهو أيضًا عائد إلى أصل الباب, ألا ترى أن الخليقة والنحيتة والطبيعة والسجية, وجميع هذه المعاني التي تقدمت تؤذن بالإلف والملاينة والإصحاب والمتابعة.
стр. 520
ومنها "السليقة", وهي من قولهم: فلان يقرأ بالسليقية١, أي: بالطبيعة. وتلخيص ذلك أنها كالنحيتة. وذلك أن السليق ما تحاتّ من صغار الشجر, قال:
تسمع منها في السليق الأشهب ... معمعة مثل الأباء الملهب٢
وذلك أنه إذا تحاتّ لان وزالت شدته. والحتّ كالنحت, وهما في غاية القرب. ومنه قول الله سبحانه: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ ٣ أي: نالوا منكم. وسذا٤ هو نفس المعنى في الشيء المنحوت٥ المحتوت؛ ألا تراهم يقولون: فلان كريم النجار والنجر, أي: الأصل. والنجر والنحت والحت والضرب والدق والنحز والطبع والخلق والغرز والسلق, وكله التمرين على الشيء، وتلييين القوي٦ ليصحب وينجذب. فأعجب للطف صنع الباري سبحانه في أن طبع الناس على هذا وأمكنهم٧ من ترتيبه وتنزيله وهداهم للتواضع عليه وتقريره.
ومن ذلك قولهم للقطعة من المسك: "الصوار"٨ قال الأعشى:
إذا تقوم يضوع المسك أصورة ... والعنبر الورد من أردانها شمل٩
فقيل له: "صوار"١٠ لأنه "فعال" من صاره يصوره إذا عطفه وثناه, قال الله سبحانه: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ ١١ وإنما قيل له ذلك لأنه يجذب حاسة من
стр. 521
يشمّه إليه، وليس من خبائث الأرواح فيعرض عنه، وينحرف١ إلى شق غيره، ألا ترى إلى قوله٢:
ولو أن ركبًا يمموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدل بك الركب٣
وكذا تجد٤ أيضًا معنى المسك, وذلك أنه "فعل" من أمسكت الشيء كأنه لطيب رائحته يمسك الحاسة عليه ولا يعدل بها صاحبها عنه. ومنه عندي قولهم للجلد: "المسك" هو فعل من هذا الموضع, ألا ترى أنه يمسك٥ ما تحته من جسم الإنسان وغيره من الحيوان. ولولا الجلد لم يتماسك ما في الجسم من اللحم والشحم والدم وبقية الأمشاج وغيرها.
فقولهم إذا: مسك يلاقي معناه معنى الصوار, وإن كانا من أصلين مختلفين، وبناءين متباينين: أحدهما "م س ك " والآخر "ص ور " , كما أن الخليقة من "خ ل ق " والسجية من "س ج و " والطبيعة من "ط ب ع " والنحيتة من "ن ح ت " والغريزة من "غ ر ز " والسليقة من "س ل ق " والضريبة من "ض ر ب " والسجيحة من "س ج ح " والسرجوجة والسرجيجة من "س ر ج " والنجار من "ن ج ر " والمرن من "م ر ن ". فالأصول مختلفة, والأمثلة متعادية٦، والمعاني مع٧ ذينك متلاقية.
ومن ذلك قولهم: صبيّ وصبية, وطفل وطفلة, وغلام وجارية, وكله للين والانجذاب وترك الشدة والاعتياص. وذلك أن صبيًّا من صبوت إلى الشيء إذا
стр. 522
ملت إليه ولم تستعصم دونه. وكذلك الطفل: هو من لفظ طفلِت الشمس للغرب, أي: مالت إليه وانجذبت نحوه, ألا ترى إلى قول العجاج:
والشمس قد كادت تكون دنفًا١
يصف ضعفها وإكبابها٢. وقد جاء به بعض٣ المولدين فقال:
وقد وضعت خدًّا إلى الأرض أضرعا٤
ومنه قيل: فلان٥ طفيلي؛ وذلك أنه يميل إلى الطعام, وعلى هذا قالوا له: غلام لأنه من الغلمة وهي اللين وضعفة العصمة. وكذلك قالوا: جارية. فهي٦ فاعلة من جرى الماء وغيره؛ ألا ترى أنهم يقولون: إنها غضة "بضة"٧ رطبة, ولذلك قالوا: قد علاها ماء الشباب؛ قال عمر:
وهي مكنونة تحيّر منها ... في أديم الخدين ماء الشباب
وذلك أن الطفل والصبي والغلام والجارية ليست لهم عصمة الشيوخ ولا جسأة٩ الكهول. وسألت بعض بني عقيل عن قول الحمصي ١٠:
стр. 523
لم تبل جدَّة سمرهم سمر ولم ... تسم السموم لأدمهنّ أديما
فقال: هن بمائهن١ كما خلقنه. فإذا اشتد الغلام شيئًا قيل له حرور. وهو "فعول" من اللبن الحازر إذا اشتد للحموضة, قال العجلي ٢:
وأرضوا بإحلابة وطب قد حزر
وقال٣:
نزع الحزور بالرشاء المحصد
وكأنهم زادوا الواو وشدَّدوها لتشديد٤ معنى القوة؛ كما قالوا للسيء الخلق: عذور, فضاعفوا الواو الزائدة لذلك قال ٥:
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا ... على الحي حتى تستقلّ مراجله
ومنه رجل كروّس للصلب الرأس، وسفر عطود؛ للشديد٦؛ قال:
إذا جشمن قذفا عطوّدا ... رمين بالطرف مداه الأبعدا٧
ومثل الأول قولهم: غلام٨ رطل, وجارية رطلة للينها, وهو من قولهم: رطل شعره إذا أطاله فاسترخى. ومنه عندي: الرطل٩ الذي يوزن به. وذلك أن الغرض في الأوزان أن تميل أبدًا إلى أن يعادلها الموزون بها. ولهذا قيل لها: مثاقيل, فهي مفاعيل من الثقل, والشيء إذا ثقل استرسل١٠ وارجحنّ, فكان ضد الطائش الخفيف.
стр. 524
فهذا ونحوه من خصائص هذه اللغة الشريفة اللطيفة. وإنما يسمع الناس هذه الألفاظ فتكون الفائدة عندهم منها إنما هي علم١ معنياتها. فأما كيف, ومن أين, فهو ما نحن عليه. وأحج به أن يكون عند كثير منهم نيفًا٢ لا يحتاج إليه, وفضلًا غيره أولى منه.
ومن ذلك أيضًا قالوا: ناقة كما قالوا٣: جمل. وقالوا "ما بها"٤ دبيج كما قالوا: تناسل عليه الوشاء٥. والتقاء معانيهما٦ أن الناقة كانت عندهم مما يتحسنون به ويتباهون بملكه فهي فعلة من من قولهم: تنوقت في ىالشيء إذا أحكمته وتخيرته, قال ذو الرمة:
. . . . . . . . . . . . تنوقت ... به حضرميات الأكف الحوائك٧
وعلى هذا قالوا: "جمل" لأن هذا "فَعَل" من الجمال؛ كما أن تلك "فَعَلة" من تنوقت -وأجود اللغتين تأنّقت, قال الله سبحانه: ﴿لَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ٨. وقولهم: "ما بها دبيج" هو "فِعْيل" من لفظ الديباج ومعناه. وذلك أن الناس بهم العمارة وحسن الآثار, وعلى أيديهم يتم الأنس وطيب الديار. ولذلك قيل لهم: ناس لأنه في الأصل أناس, فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال. فهو فعال من الأنس قال ٩:
أناس لا يملُّون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبُون
стр. 525
وقال:
أناس عدًا علقت فيهم وليتني ... طلبت الهوى في رأس ذي زلق أشم١
وكما اشتقوا ديبجًا من الديباج؛ كذلك اشتقوا٢ الوشاء من الوشي, فهو "فعال" منه. وذلك أن المال يشي الأرض ويحسنها. " وعلى ذلك قالوا: الغنم؛ لأنه من الغنيمة, كما قالوا لها: الخيل؛ لأنها فَعْل من الاختيال, وكل ذلك مستحب"٣.
أفلا ترى إلى تتالي هذه المعاني وتلاحظها وتقابلها وتناظرها؛ وهي التنوّق، والجمال، والأنس، والديباج والوشي والغنيمة "والاختيال. ولذلك قالوا: البقر، من بقرت بطنه أي: شققته؛ فهو إلى السعة والفسحة، وضد الضيق والضغطة"٤.
فإن قلت: فإنَّ الشاة من قولهم: رجل أشوه وامرأة شوهاء للقبيحين٥. وهذا ضد الأول؛ ففيه جوابان: أحدهما: أن تكون الشاة جرت٦ مجرى القلب لدفع العين عنها لحسنها؛ كما يقال٧ في استحسان الشيء: قاتله الله كقوله ٨:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الشنب من أنيابها بالقوادح٩
стр. 526
وهو كثير. والآخر أن يكون من باب١ السلب؛ كأنه سلب القبح٢ منها؛ كما قيل للحرم: نالة٣. ولخشسبة الصرار تَوْدية٤؛ ولجوّ السماء السكاك٥.
ومنه تحوَّب؛ وتأثَّم, أي: ترك الحوب والإثم.
وهو باب واسع؛ وقد كتبنا منه في هذا الكتاب ما٦ ستراه بإذن الله تعالى. وأهل اللغة يسمعون هذا فيرونه٧ ساذجًا غُفْلًا، ولا يحسنون لما نحن فيه من حديثه فرعًا ولا أصلًا.
ومن ذلك قولهم: الفضَّة سميت بذلك لانفضاض أجزائها وتفرقها في تراب معدنها, كذا أصلها وإن كانت فيما بعد قد٩ تُصَفَّى وتهذب وتسبك. وقيل لها فضة كما قيل لها لجين. وذلك لأنها ما دامت في تراب معدنها فيه ملتزقة "في التراب"١٠ متلجِّنة١١ به١٢؛ قال الشماخ:
وماءٍ قد وردت أميم طام ... عليه الطير كالورق اللجين١٣
أي: المتلزق١٤ المتلجن؛ وينبغي أن يكونوا إنما ألزموا هذا الاسم التحقير لاستصغار معناه ما دام في تراب معدنه, ويشهد عندك بهذا المعنى قولهم في مراسله "الذهب"
стр. 527
وذلك لأنه ما دام كذلك غير مصفى فهو كالذاهب١؛ لأن ما فيه من التراب كالمستهلك له أو لأنه لما قل في الدنيا فلم يوجد إلا عزيزًا صار كأنه مفقود ذاهب ألا ترى أن الشيء إذا قل قارب الانتفاء. وعلى ذلك قالت العرب: قل رجل يقول ذلك إلا زيد بالرفع لأنهم أجروه مجرى ما يقول ذاك أحد إلا زيد. وعلى٢ نحو من هذا قالوا: قلما يقوم زيد فكفوا٣ "قل" ب"ما" عن اقتضائها الفاعل، وجاز عندهم إخلاء الفعل من الفاعل لما دخله من مشابهة حرف النفي؛ كما بقوا المبتدأ بلا خبر في نحو هذا من قولهم: أقل امرأتين تقولان ذلك لما ضارع المبتدأ حرف النفي. أفلا ترى إلى أنسهم باستعمال القلة مقارنة٤ للانتفاء. فكذلك٥ لما قل هذا الجوهر في الدنيا أخذوا له اسمًا من الذهاب الذي هو الهلاك.
ولأجل هذا أيضًا سموه "تبرًا" لأنه "فعل" من التبار. ولا يقال له "تبر" حتى يكون في تراب معدنه أو مكسور.
ولهذا قالوا للجام٦ من الفضة "الغَرَب"، وهو "فَعَل" من الشيء الغريب؛ وذلك أنه ليس في العادة والعرف استعمال الآنية من الفضة, فلما استعمل ذلك في بعض الأحوال كان عزيزًا غريبًا. هذا٧ قول أبي إسحق. وإن شئت جذبته إلى ما كنا عليه فقلت: إن هذا الجوهر غريب من بين الجواهر لنفاسته وشرفه, ألا تراهم إذا أثنوا على إنسان قالوا: هو وحيد في وقته، وغريب٨ في زمانه، ومنقطع النظير، ونسيج وحده. ومنه قول الطائي الكبير:
стр. 528
غربته العُلا على كثرة النا ... س فأضحى في الأقربين جنيبا١
فليطُل عمره فلو مات في مَرْ ... ومقيمًا بها لمات غريبا
وقول شاعرنا:
أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحًا وإهوانا
وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس عزيز٢ حيثما كانا
ويدلك٣ على أنهم قد تصوَّروا هذا الموضع من امتزاجه بتراب معدنه أنهم إذا صفّوه وهذَّبوه أخذوا له اسمًا من ذلك المعنى فقالوا له: الخلاص والإبريز والعقيان. فالخلاص فَعال من تخلّص, والإبريز إفعيل من برز يبرز, والعقيان فعلان من عقى الصبي يعقي, وهو أول ما ينجيه٤ عند سقوطه من بطن أمه قبل أن يأكل وهو العقي. فقيل له ذلك لبروزه كما قيل له البراز.
فالتأتّي٥ والتلطّف في جميع هذه الأشياء وضمها وملاءمة ذات بينها هو "خاص اللغة"٦ وسرها، وطلاوتها٧ الرائقة وجوهرها, فأما حفظها ساذجة وقمشها٨ محطوبة٩ هرجة١٠ فنعوذ بالله منه، ونرغب بما آتاناه سبحانه عنه.
стр. 529
وقال أبو علي ﵀: قيل له حبي كما قيل له سحاب. تفسيره أن حبيًّا "فعيل" من حبَا يحبو. وكأن السحاب لثقله يحبو حبوًا؛ كما قيل له سحاب وهو "فعال" من سحب١؛ لأنه يسحب هدابه. وقد جاء بكليهما شعر العرب؛ قالت امرأة:
وأقبل يزحف زحف الكسير ... سياق الرعاء البطاء العشارا٢
وقال أوس ٣:
داٍن مسفٍّ فويق الأرض هَيْدَبُه ... يكاد يدفعه من قام بالراح٤
وقالت صبية منهم لأبيها فتجاوزت ذلك:
أناخ بذي نفر بركه ... كأن على عضديه كتافا٥
وقال أبوهم ٦:
وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المحمل٧
стр. 530
قال: ومن ذلك قولهم في أسماء الحاجة: الحاجة والحوْجَاء واللوجاء, والإرب والإربة والمأربة, واللبانة -والتلاوة بقية الحاجة, والتلية أيضًا- والأشكلة والشهلاء, قال "الشاعر"١:
لم أقض حين ارتحلوا شهلائي ... من الكعاب الطفلة الغيداء
وأنت تجد مع ذلك ٣من اختلاف أصولها ومبانيها جميعها٤ "راجعًا"٥ إلى موضع واحد، ومخطومًا٦ بمعنى لا يختلف, وهو الإقامة على الشيء والتشبث به. وذلك أن صاحب الحاجة كلف بها ملازم للفكر فيها ومقيم على تنجُّزِها واستحثاثها؛ قال٧ رسول الله ﷺ : "حبك الشيء يعمى ويصم".
وقال المولد:
صاحب الحاجة أعمى ... لا يرى إلا قضاها
وتفسير ذلك أن الحاج شجر له شوك, وما كانت هذه سبيله فهو متشبث بالأشياء, فأيّ شيء مرَّ عليه اعتاقة وتشبث به. فسميت٨ الحاجة تشبيهًا بالشجرة ذات الشوك. أي: أنا مقيم عليها متمسك بقضائها كهذه الشجرة في اجتذابها ما مرَّ بها وقرب منها. والحوجاء منها وعنها تصرّف الفعل: احتاج يحتاج احتياجًا٩، وأحوجَّ يحوجّ، وحاج يحوج فهو حائج.