وهو كثير. والآخر أن يكون من باب١ السلب؛ كأنه سلب القبح٢ منها؛ كما قيل للحرم: نالة٣. ولخشسبة الصرار تَوْدية٤؛ ولجوّ السماء السكاك٥.
ومنه تحوَّب؛ وتأثَّم, أي: ترك الحوب والإثم.
وهو باب واسع؛ وقد كتبنا منه في هذا الكتاب ما٦ ستراه بإذن الله تعالى. وأهل اللغة يسمعون هذا فيرونه٧ ساذجًا غُفْلًا، ولا يحسنون لما نحن فيه من حديثه فرعًا ولا أصلًا.
ومن ذلك قولهم: الفضَّة سميت بذلك لانفضاض أجزائها وتفرقها في تراب معدنها, كذا أصلها وإن كانت فيما بعد قد٩ تُصَفَّى وتهذب وتسبك. وقيل لها فضة كما قيل لها لجين. وذلك لأنها ما دامت في تراب معدنها فيه ملتزقة "في التراب"١٠ متلجِّنة١١ به١٢؛ قال الشماخ:
وماءٍ قد وردت أميم طام ... عليه الطير كالورق اللجين١٣
أي: المتلزق١٤ المتلجن؛ وينبغي أن يكونوا إنما ألزموا هذا الاسم التحقير لاستصغار معناه ما دام في تراب معدنه, ويشهد عندك بهذا المعنى قولهم في مراسله "الذهب"
стр. 527
وذلك لأنه ما دام كذلك غير مصفى فهو كالذاهب١؛ لأن ما فيه من التراب كالمستهلك له أو لأنه لما قل في الدنيا فلم يوجد إلا عزيزًا صار كأنه مفقود ذاهب ألا ترى أن الشيء إذا قل قارب الانتفاء. وعلى ذلك قالت العرب: قل رجل يقول ذلك إلا زيد بالرفع لأنهم أجروه مجرى ما يقول ذاك أحد إلا زيد. وعلى٢ نحو من هذا قالوا: قلما يقوم زيد فكفوا٣ "قل" ب"ما" عن اقتضائها الفاعل، وجاز عندهم إخلاء الفعل من الفاعل لما دخله من مشابهة حرف النفي؛ كما بقوا المبتدأ بلا خبر في نحو هذا من قولهم: أقل امرأتين تقولان ذلك لما ضارع المبتدأ حرف النفي. أفلا ترى إلى أنسهم باستعمال القلة مقارنة٤ للانتفاء. فكذلك٥ لما قل هذا الجوهر في الدنيا أخذوا له اسمًا من الذهاب الذي هو الهلاك.
ولأجل هذا أيضًا سموه "تبرًا" لأنه "فعل" من التبار. ولا يقال له "تبر" حتى يكون في تراب معدنه أو مكسور.
ولهذا قالوا للجام٦ من الفضة "الغَرَب"، وهو "فَعَل" من الشيء الغريب؛ وذلك أنه ليس في العادة والعرف استعمال الآنية من الفضة, فلما استعمل ذلك في بعض الأحوال كان عزيزًا غريبًا. هذا٧ قول أبي إسحق. وإن شئت جذبته إلى ما كنا عليه فقلت: إن هذا الجوهر غريب من بين الجواهر لنفاسته وشرفه, ألا تراهم إذا أثنوا على إنسان قالوا: هو وحيد في وقته، وغريب٨ في زمانه، ومنقطع النظير، ونسيج وحده. ومنه قول الطائي الكبير:
стр. 528
غربته العُلا على كثرة النا ... س فأضحى في الأقربين جنيبا١
فليطُل عمره فلو مات في مَرْ ... ومقيمًا بها لمات غريبا
وقول شاعرنا:
أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحًا وإهوانا
وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس عزيز٢ حيثما كانا
ويدلك٣ على أنهم قد تصوَّروا هذا الموضع من امتزاجه بتراب معدنه أنهم إذا صفّوه وهذَّبوه أخذوا له اسمًا من ذلك المعنى فقالوا له: الخلاص والإبريز والعقيان. فالخلاص فَعال من تخلّص, والإبريز إفعيل من برز يبرز, والعقيان فعلان من عقى الصبي يعقي, وهو أول ما ينجيه٤ عند سقوطه من بطن أمه قبل أن يأكل وهو العقي. فقيل له ذلك لبروزه كما قيل له البراز.
فالتأتّي٥ والتلطّف في جميع هذه الأشياء وضمها وملاءمة ذات بينها هو "خاص اللغة"٦ وسرها، وطلاوتها٧ الرائقة وجوهرها, فأما حفظها ساذجة وقمشها٨ محطوبة٩ هرجة١٠ فنعوذ بالله منه، ونرغب بما آتاناه سبحانه عنه.
стр. 529
وقال أبو علي ﵀: قيل له حبي كما قيل له سحاب. تفسيره أن حبيًّا "فعيل" من حبَا يحبو. وكأن السحاب لثقله يحبو حبوًا؛ كما قيل له سحاب وهو "فعال" من سحب١؛ لأنه يسحب هدابه. وقد جاء بكليهما شعر العرب؛ قالت امرأة:
وأقبل يزحف زحف الكسير ... سياق الرعاء البطاء العشارا٢
وقال أوس ٣:
داٍن مسفٍّ فويق الأرض هَيْدَبُه ... يكاد يدفعه من قام بالراح٤
وقالت صبية منهم لأبيها فتجاوزت ذلك:
أناخ بذي نفر بركه ... كأن على عضديه كتافا٥
وقال أبوهم ٦:
وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المحمل٧
стр. 530
قال: ومن ذلك قولهم في أسماء الحاجة: الحاجة والحوْجَاء واللوجاء, والإرب والإربة والمأربة, واللبانة -والتلاوة بقية الحاجة, والتلية أيضًا- والأشكلة والشهلاء, قال "الشاعر"١:
لم أقض حين ارتحلوا شهلائي ... من الكعاب الطفلة الغيداء
وأنت تجد مع ذلك ٣من اختلاف أصولها ومبانيها جميعها٤ "راجعًا"٥ إلى موضع واحد، ومخطومًا٦ بمعنى لا يختلف, وهو الإقامة على الشيء والتشبث به. وذلك أن صاحب الحاجة كلف بها ملازم للفكر فيها ومقيم على تنجُّزِها واستحثاثها؛ قال٧ رسول الله ﷺ : "حبك الشيء يعمى ويصم".
وقال المولد:
صاحب الحاجة أعمى ... لا يرى إلا قضاها
وتفسير ذلك أن الحاج شجر له شوك, وما كانت هذه سبيله فهو متشبث بالأشياء, فأيّ شيء مرَّ عليه اعتاقة وتشبث به. فسميت٨ الحاجة تشبيهًا بالشجرة ذات الشوك. أي: أنا مقيم عليها متمسك بقضائها كهذه الشجرة في اجتذابها ما مرَّ بها وقرب منها. والحوجاء منها وعنها تصرّف الفعل: احتاج يحتاج احتياجًا٩، وأحوجَّ يحوجّ، وحاج يحوج فهو حائج.
стр. 531
واللوجاء من قولهم: لجت الشيء ألوجه لوجًا, إذا أدرته في فيك. والتقاؤهما أن الحاجة مترددة على الفكر ذاهبة جائية إلى أن تقضى, كما أن الشيء إذا تردد في الفم فإنه لا يزال كذلك إلى أن يسيغه الإنسان أو يلفظه١.
والإرب والإربة والمأربة كله من الأُرْبَة وهي العقدة, وعقد مؤرب إذا شدد. وأنشد٢ أبو العباس لكناز٣ بن نفيع٤ بقوله لجرير:
غضبت علينا أن علاك ابن غالب ... فهلّا على جديك إذ ذاك تغضب ٥
هما حين يسعى المرء مسعاة جده ... أناخًا فشداك العقال المؤرب٦
والحاجة معقودة بنفس الإنسان، مترددة على فكره.
واللبانة من قولهم: تلبّن بالمكان إذا أقام به ولزمه. وهذا هو المعنى عينه, والتلاوة والتلية من تلوت الشيء إذا قفوته واتبعته لتدركه. ومنه قوله ٧:
الله بيني وبين قيّمها ... يفر مني بها وأتَّبع
стр. 532
والأشكلة كذلك كأنها من الشكال١، أي: طالب الحاجة مقيم عليها، كأنها شكال له ومانعة من تصرفه وانصرافه عنها. ومنه الأشكل من الألوان: الذي خالطت حمرته بياضه, فكأن كل واحد من اللونين اعتاق صاحبه أن يصح ويصفو لونه. والشهلاء كذلك؛ لأنها من المشاهلة وهي مراجعة القول قال ٢:
قد كان فيما بيننا مشاهلة ... ثم تولت وهي تمشي البأدلة ٣
البأدلة: أن تحرك في مشيها بآدلها وهي لحم صدرها. وهي مشية القصار من النساء.
فقد ترى إلى ترامي هذه الأصول والميل بمعانيها إلى موضع واحد.
ومن ذلك ما جاء عنهم في الرجل الحافظ للمال, الحسن الرعية له والقيام عليه, يقال: هو خال مال, وخائل مال, وصدى مال, وسرسور مال, وسؤبان٤ مال, ومحجن مال "وإزاء مال"٥ وبلو مال, وحبل مال "وعسل مال"٦ وزر٧ مال. وجميع ذلك راجع إلى الحفظ لها٨، والمعرفة بها٨.
فخال مال يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون صفة على "فَعَل" كبطل وحسن, أو "فَعِلٍ" ككبش صافٍ ورجل مال. ويجوز أن يكون محذوفًا من فاعل كقوله ٩:
لاثٌ به الأشاء والعبري١٠
стр. 533
فأما خائل مال ففاعل لا محالة. وكلاهما من قوله ١: كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة, أي: يتعهدنا بها شيئًا فشيئًا٢ ويراعينا. قال أبو علي: هو من قولهم: تساقطوا٣ أخولَ أخولَ, أي: شيئًا بعد شيء. وأنشدنا ٤:
يساقط عنه روقه ضارياتها ... سقاط حديد القين أخول أخولا٥
فكأن هذا الرجل يرعى ماله ويتعهده حفظًا له وشحًا عليه.
وأما صدى مال: فإنه يعارضها من ههنا وههنا ولا يهملها ولا يضيع أمرها -ومنه الصدى لما يعارض الصوت, ومنه قراءة الحسن ﵁ "صاد والقرآن", وكان يفسره: عارض القرآن بعملك, أي: قابل كل واحد منهما بصاحبه- "قال العجلي:
يأتي لها من أيْمُنٍ وأشْمُلٍ٦
وكذلك سرسور مال, أي: عارف بأسرار المال فلا يخفى عنه شيء من أمره. ولست أقول كما يقول الكوفيون -وأبو بكر معهم: إن سرسورًا من لفظ السر, لكنه قريب من لفظه, ومعناه بمنزلة عين ثرة وثرثارة. وقد تقدَّم٧ ذكر ذلك.
стр. 534
وكذلك سوبان مالٍ هو "فُعْلان" من السأب, وهو الزق للشراب, قال الشاعر:
إذا ذقت فاهًا قلت علق مدمس ... أريد به قيل فغودر في ساب١
والتقاؤهما أن الزق إنما وضع لحفظ ما فيه, فكذلك هذا الراعي يحفظ المال ويحتاط عليه احتياط الزق على ما فيه.
وكذلك محجن مال: هو "مِفْعل" من احتجنت الشيء إذا حفظته وادخرته.
وكذلك إزاء مال: هو "فِعَال" من أزى الشيء يأزي, إذا تقبض٢ واجتمع, قال:
ظل لها يوم من الشعرى أزي٣
أي: يغم الأنفاس ويضيقها لشدة الحر. وكذلك هذا الراعي يشح عليها ويمنع من تسربها. وأنشد أبو علي عن أبي بكر لعمارة:
هذا الزمان مولّ خيره أزي ... صارت رءوس به أذناب أعجاز
وكذلك بلو مال، أي: هو بمعرفته به قد بلاه واختبره, قال الله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٤ قال عمر بن لجأ:
فصادفت أعصل من أبلائها ... يعجبه النزع على ظمائها٥
стр. 535
وكذلك حبل مال, كأنه يضبطها كما يضبطها الحبل يشد به. ومنه الحبل: الداهية من الرجال؛ لأنه يضبط الأمور ويحيط بها.
وكذلك عسْل١ مال؛ لأنه يأتيها ويعسل٢ إليها من كل مكان, ومنه الذئب العسول, ألا ترى أنه إنما سمي٣ ذئبًا لتذاؤبه وخبثه ومجيئه تارة من هنا ومرة٤ من هنا.
وكذلك زرّ مال: أي يجمعه ويضبطه كما يضبط الزر "الشيء"٥ المزرور.
فهذه الأصول وهذه الصيغ على اختلاف الجميع مرتمية إلى موضع واحد على ما ترى.
ومن ذلك قولهم للدم: الجدَّية والبصيرة. فالدم من الدمية لفظًا ومعنًى, وذلك أن الدمية إنما هي للعين٦ والبصر, وإذا شوهدت فكأنَّ ما هي صورته مشاهد بها, وغير غائب مع حضورها, فهي تصف حال ما بعد عنك. وهذا هو الغرض في هذه الصور المرسومة للمشاهدة. وتلك عندهم حال الدم؛ ألا ترى أن الرميّة إذا غابت عن الرامي استدلّ عليها بدمها, فاتبعه٧ حتى يؤديه إليها. ويؤكد ذلك لك قولهم فيه "البصيرة", وذلك أنها "إذا"٨ أبصرت أدت إلى المرمي الجريح. ولذلك أيضًا قالوا له "الجدية"؛ لأنه يجدي على الطالب للرّمية ما يبغيه منها٩. ولو لم ير الدم لم يستدلل عليها, ولا عرف موضعها, قال ﷺ "كُلْ ما أصميت ودع ما أنميت"١٠.
стр. 536
وهذا١ مذهب في هذه اللغة طريف غريب لطيف٢. وهو فقهها٣، وجامع معانيها وضامّ نشرها٤. وقد هممث غير دفعة أن أنشئ في ذلك كتابًا أتقصَّى فيه أكثرها, والوقت يضيق دونه. ولعله لو خرج لما أقنعه ألف ورقة إلا على اختصار٥ وإيماء. وكان أبو علي ﵀ يستحسن هذا الموضع جدًّا وينبه عليه, ويسر بما يحضره خاطره منه. هذا باب إنما يجمع بين بعضه وبعض من طريق المعاني مجرَّدة من الألفاظ, وليس كالاشتقاق الذي هو من لفظ واحد, فكأنَّ بعضه منبهة على بعض. وهذا إنما يعتنق فيه الفكر المعاني غير منبهته٦ عليها الألفاظ, فهو أشرف الصنعتين٧، وأعلى المأخذين. فتفطن له، وتأنّ٨ لجمعه؛ فإنه يؤنقك ويفيء عليك, ويبسط ما تجعَّد من خاطرك, ويريك من حكم الباري -عز اسمه ما تقف تحته وتسلم لعظم الصنعة فيه, وما أودعته أحضانه ونواحيه.
стр. 537
باب في الاشتقاق الأكبر:
هذا موضع لم يسمِّه أحد من أصحابنا غير أن أبا علي ﵀ كان يستعين به ويخلد إليه, مع إعواز الاشتقاق الأصغر. لكنه مع هذا لم يسمِّه, وإنما كان يعتاده عند الضرورة, ويستروح إليه ويتعلل به. وإنما هذا التلقيب لنا نحن, وستراه فتعلم أنه لقب مستحسن١. وذلك أن الاشتقاق عندي على ضربين: كبير وصغير.
стр. 538
فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم, كأن تأخذ١ أصلًا من الأصول فتتقرّاه فتجمع١ بين معانيه, وإن اختلفت صيغه ومبانيه. وذلك كتركيب "س ل م ", فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه؛ نحو: سلم ويسلم وسالم وسلمان وسلمى والسلامة والسليم: اللديغ, أطلق عليه تفاؤلًا بالسلامة. وعلى ذلك بقية الباب إذا تأولته, وبقية الأصول غيره كتركيب "ض ر ب " و "ج ل س " و "ز ب ل " على ما في أيدي الناس من ذلك. فهذا هو الاشتقاق الأصغر, وقد قدم أبو بكر٢ ﵀ رسالته فيه بما أغنى عن إعادته؛ لأن أبا بكر لم يأل فيه نصحًا وإحكامًا وصنعة وتأنيسًا.
وأمَّا الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلًا من الأصول الثلاثية٣، فتعقد عليه وعلى تقاليبه٤ الستة معنًى واحدًا, تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه, وإن تباعد شيء من ذلك "عنه"٥ رُدَّ بلطف الصنعة والتأويل إليه, كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد. وقد كنا قدمنا ذكر طرف من هذا الضرب من الاشتقاق في أول هذا الكتاب عند ذكرنا أصل الكلام, والقول وما يجيء من تقليب٦ تراكيبهما نحو: "ك ل م " "ك م ل " "م ك ل " "م ل ك " "ل ك م " "ل م ك " وكذلك "ق ول " "ق ل و " "وق ل " "ول ق " "ل ق و " "ل وق " وهذا أعوص٧ مذهبًا، وأحزن مضطربًا. وذلك٨ أنا عقدنا تقاليب
стр. 539
الكلام الستة على القوة والشدة، وتقاليب القول الستة على الإسراع والخفة, وقد مضى ذلك في صدر الكتاب.
لكن بقي علينا "أن نحضر هنا"١ مما يتصل به أحرفًا تؤنس بالأول، وتشجّع٢ منه المتأمل.
فمن ذلك تقليب "ج ب ر " فهي -أين٣ وقعت- للقوة والشدة, منها: "جبرت العظم والفقير" إذا قويتهما وشددت منهما, والجبر: الملك لقوته وتقويته لغيره, ومنها: "رجل مجرب" إذا جرَّسته٤ الأمور ونجذته٥، فقويت منّته واشتدت شكيمته, ومنه الجراب؛ لأنه يحفظ ما فيه, وإذا حفظ الشيء وروعي اشتدَّ وقوي, وإذا أغفل وأهمل تساقط ورذي٦. ومنها: "الأبجر والبجرة" وهو القوي السرة. ومنه قول علي ﵁: إلى الله أشكو عجري وبجري, تأويله: همومي وأحزاني, وطريقه أن العجرة كل عقدة في الجسد, فإذا كانت في البطن والسرة فهي البجرة, "والبجرة"٧ تأويله أن السرة غلظت ونتأت فاشتد مسّها وأمرها. وفُسِّر أيضًا قوله: عجري وبجري, أي: ما أبدي وأخفي من أحوالي. و"منه البُرْج لقوته في نفسه وقوة ما يليه"٨ به، وكذلك البَرَج لنقاء بياض العين وصفاء سوادها هو قوة أمرها،
стр. 540
وأنه ليس بلون مستضعف, ومنها رجَّبت الرجل١ إذا عظَّمته وقوَّيت أمره, ومنه رجب لتعظيمهم إياه عن القتال فيه, وإذا كرمت النخلة على أهلها فمالت دعموها بالرجبة, وهو شيء تسند إليه لتقوى به. والراجبة: أحد فصوص الأصابع وهي مقوية لها. ومنها الرباجي وهو الرجل يفخر بأكثر من فعله, قال:
وتلقَّاه رباجيًّا فخورا٢
تأويله أنه يعظِّم نفسه ويقوّي أمره.
ومن ذلك تراكيب "ق س و " "ق وس " "وق س " "وس ق " "س وق "٣ وأهمل " س ق و " , وجميع ذلك إلى القوة والاجتماع. منها: "القسوة" وهي شدة القلب واجتماعه, ألَا ترى إلى قوله:
يا ليت شعري -والمنى لا تنفع ... هل أغدون يومًا وأمري مجمع٤
أي: قوى مجتمع٥، ومنها "القوس" لشدتها، واجتماع طرفيها, ومنها "الوقس" لابتداء الجرب، وذلك لأنه يجمع الجلد ويقحله٦، ومنها "الوَسْق" للحمل، وذلك لاجتماعه وشدته, ومنه استوسق الأمر أي اجتمع ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ ٧ أي: جمع،
стр. 541
ومنها "السوق"، وذلك لأنه استحثاث وجمع للمسوق بعضه؛ وعليه قال١:
مستوسقات لو يجدن سائقًا٢
فهذا كقولك:
مجتمعاتٍ لو يجدن جامعًا
فإن شد شيء من شعب هذه الأصول عن عقده ظاهرًا رُدَّ بالتأويل إليه, وعطف بالملاطفة عليه. بل إذا كان هذا قد٣ يعرض في الأصل الواحد حتى يحتاج فيه إلى ما قلناه, كان فيما انتشرت أصوله بالتقديم والتأخير أولى باحتمال وأجدر بالتأوّل له.
ومن ذلك تقليب "س م ل " "س ل م " "م س ل " "م ل س " "ل م س " "ل س م " والمعنى الجامع لها المشتمل عليها الإصحاب والملاينة, ومنها الثوب السمل وهو الخلق. وذلك لأنه ليس عليه من الوبر والزئبر ما على الجديد. فاليد إذا مرَّت عليه للمس لم يستوقفها عنه جدَّة٤ المنسج ولا خشنة الملمس. والسمَل: الماء القليل؛ كأنه شيء قد أخْلَق وضعف عن قوة المضطرب, وجمة المرتكض, ولذلك قال:
حوضًا كأنَّ ماءه إذا عسل ... من آخر الليل رويزي سمل٥
وقال آخر:
ورّاد أسمال المياه السُدْم ... في أخريات الغبش المغمّ٦
стр. 542
ومنها السلامة. وذلك أن السليم ليس فيه عيب تقف النفس عليه, ولا يعترض عليها به. ومنها "المَسْل و"١ المَسَل والمَسِيل كله واحد, وذلك أن الماء لا يجري إلّا في مذهب له, وإمام منقاد به, ولو صادف حاجزًا٢ لإعتاقه فلم يجد متسرَّبا معه. ومنها الأملس والملساء. وذلك أنه لا اعتراض على الناظر فيه والمتصفح له. ومنها اللمس, وذلك أنه إن عارض اليد شيء حائل بينها وبين الملموس لم يصح هناك لمس؛ فإنما هو٣ إهواء باليد نحوه, ووصول منها إليه, لا حاجز ولا مانع, ولا بُدَّ مع اللمس من إمرار اليد وتحريكها على الملموس, ولو كان هناك حائل لاستوقفت به عنه. ومنه الملامسة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٤ أي: جامعتم، وذلك أنه لا بُدَّ هناك من حركات واعتمال, وهذا واضح. فأما "ل س م " فمهمل, وعلى أنهم قد قالوا: نسمت الريح إذا مرَّت مرًّا سهلًا ضعيفًا, والنون أخت اللام, وسترى نحو ذلك.
" ومرَّ بنا أيضًا أَلْسَمْتُ الرجل حجته إذا لقَّنته وألزمته إياها. قال:
لا تُلْسِمَنَّ أبا عمران حُجَّته ... ولا تكوننَّ له عونًا على عمرا٥
فهذا من ذلك, أي: سهلتها وأوضحتها"٦.
واعلم أنا لا ندعي أن هذا مستمر في جميع اللغة, كما لا ندعي للاشتقاق الأصغر أنه في جميع اللغة. بل إذا كان ذلك "الذي هو"٧ في القسمة سدس هذا أو خمسه متعذرًا صعبًا, كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهبًا وأعز ملتمسًا٨. بل لو صحَّ
стр. 543
من هذا النحو, وهذه الصنعة المادة الواحدة تتقلّب على ضروب التقلب كان غريبًا معجبًا. فكيف به وهو يكاد يساوق الاشتقاق الأصغر ويجاريه إلى المدى الأبعد.
وقد رسمتُ لك منه رسمًا فاحتذه١، وتقيّله٢ تحظ به، وتكثر إعظام هذه اللغة الكريمة من أجله. نعم, وتسترفده في بعض الحاجة إليه فيعينك ويأخذ بيديك, ألا ترى أن أبا علي ﵀ كان يقوِّي كون لام "أثفية" فيمن جعلها "أفعولة" واوًا بقولهم: جاء يثفه, ويقول: "هذا"٣ من الواو لا محالة كيعِده. فيرجَّح٤ بذلك الواو على الياء التي ساوقتها في يثفوه ويثفيه, أفلا تراه كيف استعان على لام ثفا بفاء وثف. وإنما ذلك لأنها مادّة واحدة شُكِّلت على صور مختلفة, فكأنها لفظة واحدة. وقلت مرة للمتنبئ: أراك تستعمل في شعرك ذا وتا وذي كثيرًا, ففكر شيئًا ثم قال: إن هذا الشعر لم يعمل كله في وقت واحد. فقلت له: أجل لكن٥ المادة واحدة. فأمسك البتة. والشيء يذكر لنظيره, فإن المعاني وإن اختلفت معنياتها آوية إلى مضجع غير مقضّ, وآخذ بعضها برقاب بعض.
стр. 544
باب في الإدغام الأصغر:
قد ثبت أن الإدغام المألوف المعتاد إنما هو تقريب صوت من صوت, وهو في الكلام على ضربين: أحدهما أن يلتقي المثلان على.
الأحكام التي يكون عنها الإدغام, فيدغم الأول في الآخر.
стр. 545
والأوّل من الحرفين في ذلك على ضربين: ساكن ومتحرك؛ فالمدغم الساكن الأصل كطاء قطَّع وكاف سُكِّر الأوليين, والمتحرك نحو دال شدَّ١، ولام معتل. والآخر أن يلتقي المتقاربان على الأحكام التي يسوغ معها الإدغام, فتقلب أحدهما إلى لفظ صاحبه فتدغمه٢ فيه. وذلك مثل: "ودَّ"٣ في اللغة التميمية, وأمَّحى وامَّاز واصَّبر واثَّاقل عنه. والمعنى الجامع لهذا كله تقريب الصوت من الصوت, ألا ترى أنك في قطَّع ونحوه قد أخفيت الساكن الأول في الثاني حتى نَبَا اللسان عنهما نبوة واحدة, وزالت الوقفة التي كانت تكون في الأول لو لم تدغمه في الآخر, ألا ترى أنك لو تكلَّفت ترك إدغام الطاء الأولى لتجشَّمت لها وقفة عليها تمتاز٤ من شدَّة ممازجتها للثانية بها؛ كقولك: قططع وسككر, وهذا إنما تحكمه٥ المشافهة به. فإن٦ أنت أزلت تلك الوُقَيفة والفترة على الأول خلطته بالثاني فكان قربه منه "وادّغامه"٧ فيه أشد لجذبه إليه وإلحاقه بحكمه. فإن كان الأول من المثلين متحركًا ثم أسكنته وأدغمته في الثاني فهو أظهر أمرًا وأوضح حكمًا, ألا ترى أنك إنما أسكنته لتخلطه بالثاني وتجذبه إلى مضامّته ومماسّة لفظه بلفظه بزوال٨ الحركة التي كانت حاجزة بينه وبينه. وأمَّا إن كانا مختلفين ثم قُلِبَت أدغمت, فلا إشكال في إيثار تقريب أحدهما من صاحبه؛ لأن قلب المتقارب أوكد من تسكين النظير.
стр. 546
فهذا حديث الإدغام الأكبر١؛ وأما الإدغام الأصغر٢ فهو تقريب الحرف من الحرف وإدناؤه منه من غير إدغام يكون هناك. وهو ضروب.
فمن ذلك الإمالة، وإنما٣ وقعت في الكلام لتقريب الصوت من الصوت. وذلك نحو: عالم وكتاب وسعَى وقَضى واسقضى, ألا تراك قرَّبت فتحة العين من عالِم إلى كسرة اللام منه, بأن نحوت بالفتحة نحو الكسرة فأملت الألف نحو الياء, وكذلك سعى وقضى , نحوت بالألف نحو الياء التي انقلبت عنها, وعليه بقية الباب.
ومن ذلك أن تقع فاء افتعل صادًا أو ضادًا أو طاءً أو ظاءً, فتقلب لها تاؤه طاء, وذلك نحو: اصطبر واضطبر واضطرب واطرد واظطلم. فهذا تقريب من غير إدغام, فأما اطَّرد فمن ذا الباب أيضًا, ولكن إدغامه ورد ههنا التقاطًا٤ لا قصدًا. وذلك أن فاءه طاء, فلمَّا أبدلت تاؤه طاء صادفت الفاء طاء فوجب الإدغام لما اتفق حينئذ, ولو لم يكن هناك طاء لم يكن إدغام, ألا ترى أنَّ اصطبر واضطرب واظطلم لمَّا كان الأول منه غير طاء لم يقع إدغام قال ٥:
..... ويظلم أحيانًا فيظطلم
وأما فيظلم "وفيطَّلم"٦ بالظاء والطاء جميعًا, فادّغام عن قصد لا عن توارد. فقد عرفت بذلك فرق ما بين اطَّرد وبين اصَّبر واظَّلم واطَّلم.
стр. 547
ومن ذلك أن تقع فاء "افتعل" زايا أو دالًا أو ذالًا, فتقلب تاؤه١ لها دالًا؛ كقولهم: ازدان وادَّعى "وادكر واذدكر"٢ فيما حكاه أبو٣ عمرو.
فأما ادَّعى فحديثه حديث اطَّرد لا غير في أنه لم تقلب قصدًا للإدغام, لكن قلبت٤ تاء ادعى دالًا كقلبها في ازدان, ثم وافقت فاؤه الدال المبدلة من التاء فلم يكن من الإدغام بد.
وأما اذدكر "فمنزلة بين"٥ ازدان وادَّعى. وذلك أنه لما قلب التاء دالًا "لوقوع الذال"٦ قبلها صار إلى اذدكر, فقد كان هذا وجهًا يقال مثله, مع أن أبا عمرو قد أثبته وذكره, غير أنه أجريت الذال لقربها من الدال بالجهر مجرى الدال فأوثر الإدغام لتضامّ الحرفين في الجهر فأدغم, فهذه منزلة بين منزلتي٧ ازدان وادّعى. وأما اذَّكر٨ فكاسّمع واصّبر.
ومن ذلك أن تقع السين قبل الحرف المستعلي فتقرّب٩ منه بقلبها صادًا على ما هو مبين في موضعه من باب الإدغام, وذلك كقولهم في سُقْت: صُقْت, وفي السوق: الصوق, وفي سبقت: صبقت،
стр. 548
وفي السوق: الصوق، وفي سبقت: صبقت، وفي سملق١ وسويق: صملق وصويق, وفي سالغ٢ وساخط: صالخ وصاخط, وفي سقر: صقر, وفي مساليخ: مصاليخ. ومن ذلك قولهم٣: ست أصلها سدس, فقربوا السين من الدال بأن قلبوها تاء فصارت سِدْت, فهذا تقريب لغير ادّغام, ثم إنهم فيما بعد أبدلوا الدال تقاء لقربها منها إرادة للإدغام الآن فقالوا ست. فالتغيير الأول للتقريب من غير إدغام والتغيير الثاني مقصود به الإدغام.
ومن ذلك تقريب الصوت من الصوت مع حروف الحلق نحو شعيرٍ وبعيرٍ ورغيفٍ, وسمعت الشجري غير مرة يقول: زِئير الأسد, يريد: الزَّئِير. وحكى أبو زيد عنهم: الجنَّة لمن خاف وعيد الله. فأما مغيرة فليس اتباعه لأجل حرف الحلق, إنما هو٤ من باب مِنْتِن, ومن قولهم: أنا أجوءك وأنبؤك. والقرفصاء٥، والسلطان، وهو منحدر من الجبل, وحكى سيبويه أيضًا مُنْتُن, ففيه إذًا ثلاث لغات: مُنْتِن وهو الأصل, ثم يليه مِنْتِن, وأقلها مُنْتُن. فأما قول من قال: إن مُنْتِن من قولهم: أنتن, ومِنْتِن من قولهم: نَتُن الشيء, فإن ذلك لُكْنَة منه.
ومن ذلك أيضًا قولهم: "فَعَل يَفْعَل" مما عينه أو لامه حرف حلقيّ نحو: سَأَل يسأل, وقَرَأ يَقَرَأ، وسَعَر يَسعر٦، وقرع يقرع, وسَحَل يسحل, وسَبَح يَسْبَح. وذلك أنهم ضارعوا بفتحة العين في المضارع جنس حرف الحلق لما كان٧ موضعًا منه مخرج الألف التي منها الفتحة.
стр. 549
ومن التقريب قولهم: الحمُدُ لله, والحمِدِ لله.
ومنه١ تقريب الحرف من الحرف, نحو قولهم في نحو مَصْدر: مَزْدر, وفي التصدير: التزدير. وعليه قول العرب في المثل "لم يُحْرَمْ منْ فُزْد لَهُ " ٢ أصله فُصِدَ له, ثم أسكنت العين على قولهم في ضُرِب: ضُرْبَ وقوله:
ونفخوا في مدائنهم فطاروا٣
فصار تقديره: فُصْدله, فما سكنت الصاد فضعِّفت به وجاورت الصاد -وهو مهموسة- الدال -وهي مجهورة- قربت منها بأن أشمت شيئًا من لفظ الزاي المقاربة للدال بالجهر.
ونحو من ذلك قولهم: مررت بمذعور وابن بور ٤: فهذا نحو من قيل وغيض لفاظًا, وإن اختلفا٥ طريقًا.
ومن ذلك إضعاف الحركة لتقرب بذلك من السكون نحو: حيِي وأُحْيِى وأُعيي, فهو -وإن كان مخفي- "بوزنه محركًا"٦, وشاهد ذاك قبول وزن الشعر له قبوله للمتحرك البتة. وذلك قوله:
أأن زم أجمال وفارق جيرة٧
стр. 550
فهذا بزنته محقَّقًا١ في قولك: أأن زمّ أجمال. فأما روم الحركة فهي وإن كانت من هذا فإنما هي كالإهابة بالساكن نحو الحركة, وهو لذلك ضرب من المضارعة. وأخفَى منها الإشمام لأنه للعين لا للأذن. وقد دعاهم إيثار قرب الصوت إلى أن أخلوا بالإعراب فقال بعضهم:
وقال اضرب الساقين إمَّكَ هابِل٢
وهذا نحو "من"٣ الحمدُ لُلَّه والحمدِ لِله.
وجميع ما هذه حاله مما قُرِّب فيه الصوت من الصوت جارٍ مجرى الإدغام بما ذكرناه من التقريب, وإنما احتطنا له بهذه السمة التي هي الإدغام الصغير؛ لأن في هذا إيذانًا٤ بأن التقريب شامل للموضعين وأنه هو المراد المبغي في كلتا الجهتين, فاعرف ذلك.
стр. 551
باب في تصاقب ١ الألفاظ لتصاقب المعاني:
هذا غور من العربية لا ينتصف٢ منه ولا يكاد يحاط به. وأكثر كلام العرب عليه وإن كان غفلًا مسهوًّا عنه, وهو على أضرب:
منها اقتراب الأصلين الثلاثيين؛ كضياط وضَيْطار, ولُوقةٍ وأَلوقةٍ, ورخْو ورِخْوَدٍّ, ويَنْجُوج وأَلَنْجُوج. وقد مضى٣ ذكر ذلك.
стр. 552
ومنها اقتراب الأصلين ثلاثيًّا أحدهما ورباعيًّا صاحبه, أو رباعيًّا أحدهما وخماسيًّا صاحبه؛ كدمث ودمثر, وسبط وسبطر, ولؤلؤ ولُآل, والضبغطى والضبغطري. ومنه قوله:
قد دَرْدَبَتْ والشيخ دَرْدَبِيس ... وقد مضى١ هذا أيضًا٢
ومنها التقديم والتأخير على ما قلنا في الباب الذي قبل هذا في تقليب الأصول نحو: "ك ل م " و"ك م ل " و"م ك ل " ونحو ذلك. وهذا كله والحروف واحدة غير متجاورة٣. لكن من وراء هذا ضرب غيره وهو أن تتقارب الحروف لتقارب المعاني, وهذا باب واسع.
من ذلك قول الله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ ٤ أي: تزعجهم وتقلقهم, فهذا في معنى تهزّهم هزًّا, والهمزة أخت الهاء, فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين. وكأنهم٥ خصّوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء, وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهزِّ؛ لأنك قد تهز ما لا بال له كالجذع وساق الشجرة, ونحو ذلك.
" ومنه العَسْف٦ والأسَف, والعين أخت الهمزة, كما أن الأسف يعسف٧ النفس وينال منها, والهمزة أقوى من العين, كما أن أسف النفس أغلظ من "التردد"٨ بالعسف. فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين"٩.
стр. 553
ومنه القرمة وهي الفقرة تُحزّ على أنف البعير. وقريب منه قلَّمت أظفاري؛ لأن هذا انتقاص للظفر وذلك انتقاص للجلد. فالراء أخت اللام والعملان متقاربان. وعليه قالوا فيها: الجَرْفة وهي من "ج ر ف " وهي أخت جلفت لقلم إذا أخذت جُلْفته, وهذا من "ج ل ف "؛ وقريب منه الجنف وهو الميل, وإذا جَلَفت الشيء أو جرفته فقد أملته عمَّا كان عليه, وهذا من "ج ن ف ".
ومثله تركيب "ع ل م " في العلامة والعلم, وقالوا مع ذلك: بيضة عرماء وقطيع أعرم إذا كان فيهما سواد وبياض, وإذا وقع ذلك بأن أحد اللونين من صاحبه، فكان كل واحد منهما علمًا لصاحبه. وهو من "ع ر م", قال أبو وجزة السعدي:
ما زلن ينسبن وهنا كل صادقةٍ ... باتت تباشر عُرْمًا غير أزواجِ١
حتى سَلَكن الشوى منهن في مسكٍ ... من نسل جوابة الآفاقِ مهداج
ومن ذلك تركيب "ح م س " و "ح ب س ", قالوا: حبست الشيء, وحمس الشر إذا اشتد, والتقاؤهما أن الشيئين إذا حبس أحدهما صاحبه تمانعا وتعازا, فكان ذلك كالشر يقع بينهما.
стр. 554
ومنه العَلْب: الأثر والعَلْم: الشقّ في الشفة العليا. فذاك من "ع ل ب ", وهذا من "ع ل م ", والباء أخت الميم, قال طرفة:
كأن عُلوب النسع في دأياتها ... موارد من خلقاء في ظهرِ قردد١
ومنه تركيب "ق ر د " و "ق ر ت ", قالوا للأرض: قَرْدَد, وتلك٢ نباك تكون في الأرض, فهو من قرد الشيء وتقرّد إذا تجمع, أنشدنا أبو علي ٣:
أهوى لها مشقصٌ حشر فشبرقها ... وكنتُ أدعو قذاها الإثمد القردا٤
"أي: أسمي الإثمد القرد أذًى لها. يعنى عينه"٥ وقالوا: قرت الدم عليه, أي: جمد, والتاء أخت الدال كما ترى. فأما لم خص هذا المعنى بذا الحرف فسنذكره في باب يلي هذا بعون الله تعالى.
ومن ذلك العلز: خفّة وطيش وقلق يعرض للإنسان, وقالوا: "العلوص" لوجع في الجوف يلتوي له الإنسان٦ ويفلق منه. فذاك من "ع ل ز", وهذا من "ع ل ص", والزاى أخت الصاد.
стр. 555
ومنه الغَرْب: الدلو العظيمة، وذلك لأنها يغرف من الماء بها، فذاك١ من "غ ر ب ", وهذا من "غ ر ف " , أنشد أبو زيد:
كأن عيني وقد بانوني ... غربان في جدول منجنون٢
واستعملوا تركيب "ج ب ل " و "ج ب ن " و "ج ب ر " لتقاربها في موضع واحد وهو الالتئام والتماسك. منه الجبل لشدّته وقوته, وجبن إذا استمسك وتوقَّف وتجمَّع, ومنه جبرت العظم ونحوه, أي: قويته.
وقد تقع المضارعة في الأصل الواحد بالحرفين نحو قولهم: السحيل والصهيل, قال ٣:
كأن سحيله في كل فجر ... على أحساء يمؤود دعاء٤
وذاك من "س ح ل ", وهذا من "ص هـ ل ", والصاد أخت السين, كما أن الهاء أخت الحاء. ونحو منه قولهم: "سحل" في الصوت, و"زحر", والسين أخت الزاي, كما أن اللام أخت الراء.
وقالوا: "جلف وجرم", فهذا للقشر وهذا للقطع, وهما متقاربان معنًى ومتقاربان لفظًا؛ لأن ذاك من "ج ل ف " , وهذا من "ج ر م ".
стр. 556
" وقالوا: صال يصول, كما قالوا: سار يسور"١.
نعم, وتجاوزوا ذلك إلى أن ضارعوا بالأصول الثلاثة: الفاء والعين واللام. فقالوا: عصر الشيء, وقالوا: أزله٢ إذا حبسه, والعصر ضرب من الحبس. وذاك من "ع ص ر " , وهذا من "أزل", والعين أخت الهمزة, والصاد أخت الزاي, والراء أخت اللام. وقالوا: الأزم: المنع والعصب: الشدّ, فالمعنيان متقاربان, والهمزة أخت العين, والزاي أخت الصاد, والميم أخت الباء. وذاك من "أزم" وهذا من " ع ص ب".
وقالوا: السلب والصرف, وإذا سلب الشيء فقد صرف عن وجهه. فذاك من "س ل ب ", وهذا من "ص ر ف" , والسين أخت الصاد, واللام أخت الراء, والباء أخت الفاء.
وقالوا: الغدر, كما قالوا: الختل, والمعنيان متقاربان, واللفظان متراسلان, فذاك من "غ د ر " , وهذا من "خ ت ل ", فالغين أخت الخاء, والدال أخت التاء, والراء أخت اللام.
وقالوا: زأر, كما قالوا: سعل, لتقارب اللفظ والمعنى.
وقالوا: عدن بالمكان, كما قالوا: تأطر, أي: أقام وتلبَّث.
وقالوا: شرب, كما قالوا: جلف؛ لأن شارب الماء مُفْنٍ له كالجلف٣ للشيء. وقالوا: ألته حقه, كما قالوا: عانده. وقالوا: الأرفة للحد بين الشيئين, كما قالوا: علامة. وقالوا: قفز, كما قالوا: كبس, وذلك أن القافز إذا استقرَّ على الأرض
стр. 557
كبسها. وقالوا: صهل, كما قالوا: زأر. وقالوا: الهتْر, كما قالوا: الإدل١, وكلاهما العجب. وقالوا: كلف به, كما قالوا: تقرب منه. وقالوا: تجعد, كما قالوا: شحط, وذلك أن الشيء إذا تجعَّد وتقبَّض عن غيره شحط وبعد عنه, ومنه قول الأعشى:
إذا نزل الحي حلّ الجحيش ... شقيًّا غويًّا مبينًا غيورا٢
وذاك من تركيب "ج ع د " , وهذا من تركيب "ش ح ط ", فالجيم أخت الشين, والعين أخت الحاء, والدال أخت الطاء. وقالوا: السيف والصوب, وذلك أن السيف يوصف بأنه يرسب في الضريبة لحدته ومضائه, ولذلك قالوا: سيف رسوب, وهذا هو معنى صاب يصوب إذا انحدر. فذاك من "س ي ف " , وهذا من "ص وب ", فالسين أخت الصاد, والياء أخت الواو, والفاء أخت الباء. وقالوا: جاع يجوع, وشاء يشاء, والجائع مريد للطعام لا محالة, ولهذا يقول المدعوّ إلى الطعام إذا لم يجب: لا أريد ولست أشتهي ونحو ذلك, والإرادة هي المشيئة. فذاك من "ج وع ", وهذا من "ش ي أ " , والجيم أخت الشين, والواو أخت الياء, والعين أخت الهمزة. وقالوا: فلان جلس بيته إذا لازمه. وقالوا: أرز إلى الشيء إذا اجتمع نحوه وتقبَّض إليه, ومنه: إن٣ الإسلام ليأرز إلى المدينة, وقال ٤:
بآرزة الفقارة لم يخنها ... قطاف في الركاب ولا خلاء
стр. 558
فذاك من "ح ل س " وهذا من "أر ز ", فالحاء أخت الهمزة, واللام أخت الراء, والسين أخت الزاي. وقالوا: أفل, كما قالوا: غبر؛ لأن أفل: غاب, والغابر غائب أيضًا. فذاك من " أف ل ", وهذا من " غ ب ر ", فالهمزة أخت الغين, والفاء أخت الباء, واللام أخت الراء.
وهذا النحو من الصنعة موجود في أكثر الكلام وفرش اللغة, وإنما بقي من يثيره ويبحث عن مكنونه, بل مَنْ إذا أوضح له وكشفت عنده حقيقته طاع طبعه لها فوعاها وتقبلها. وهيهات ذلك مطلبًا, وعزَّ فيهم مذهبًا! وقد قال أبو بكر: من عرف ألف, ومن جهل استوحش. ونحن نتبع هذا الباب بابًا أغرب منه وأدلّ على حكمة القديم سبحانه, وتقدست أسماؤه, فتأمله تحظ به بعون الله تعالى.
стр. 559
باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني:
اعلم أن هذا موضع شريف لطيف, وقد نبَّه عليه الخليل وسيبويه, وتلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته.
قال الخليل: كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدًّا فقالوا: صَرَّ, وتوهموا في صوت البازي تقطيعًا فقالوا: صرصر.
وقال سيبويه١ في المصادر التي جاءت على الفعلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة, نحو: النقزان٢ والغلبان والغثيان, فقابلوا٣ بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال.
стр. 560
ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء كثيرة على سَمْت ما حدّاه١، ومنهاج ما مثّلاه. وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضعفة تأتي للتكرير نحو: الزعزعة، والقلقلة، والصلصلة، والقعقعة "والصعصعة"٢ والجرجرة والقرقرة. ووجدت أيضًا "الفَعَلى" في المصادر والصفات إنما تأتى للسرعة نحو: البشكى والجمزى والولقى, قال رؤبة:
أو بَشَكَى وخد الظليم النزّ٣
وقال الهذلي٤:
كأني ورحلي إذا هجّرت ... على جمزى جازئ بالرمال
أو أصحم حام جراميزه ... حزابية حيدى بالدحال٥
فجعلوا المثال المكرر للمعنى المكرر -أعني: باب القلقلة- والمثال الذي٦ توالت حركاته للأفعال التي توالت الحركات فيها.
ومن ذلك -وهو أصنع منه- أنهم جعلوا "استفعل" في أكثر الأمر للطلب, نحو: استسقى واستطعم واستوهب واستمنح, واستقدم عمرًا, واستصرخ جعفرًا. فرتّبت في هذا الباب الحروف على ترتيب الأفعال, وتفسير ذلك أن الأفعال المحدث عنها أنها وقعت عن غير طلب إنما تفجأ حروفها الأصول أو ما ضارع بالصنعة٧ الأصول.
стр. 561
فالأصول نحو قولهم: طعم ووهب, ودخل وخرج, وصعد ونزل. فهذا إخبار بأصول فاجأت عن أفعال وقعت, ولم يكن معها دلالة تدل على طلب لها ولا إعمال فيها. وكذلك ما تقدمت الزيادة فيه على سمت الأصل نحو: أحسن وأكرم وأعطى وأولى. فهذا من طريق الصنعة١ بوزن الأصل في نحو: دحرج وسرهف وقوقى وزوزى. وذلك أنهم جعلوا هذا الكلام عبارات عن هذه المعاني, فكلما ازدادت العبارة شبهًا بالمعنى كانت أدلّ عليه وأشهد بالغرض فيه.
فلمّا كانت إذا ٢فأجأت الأفعال فاجأت أصول المثل الدالة عليها, أو ما جرى مجرى أصولها نحو: وهب ومنح وأكرم وأحسن, كذلك إذا أخبرت بأنك سعيت فيها وتسببت لها, وجب أن تقدم أمام حروفها الأصول في مثلها الدالة عليها أحرفًا زائدة على تلك الأصول, تكون كالمقدمة لها, والمؤدية إليها.
وذلك نحو: استفعل, فجاءت الهمزة والسين والتاء زوائد, ثم وردت بعدها الأصول: الفاء والعين واللام. فهذا من اللفظ وفق المعنى الموجود هناك, وذلك أن الطلب للفعل والتماسه والسعي فيه والتأتي٣ لوقوعه تقدمه, ثم وقعت الإجابة إليه فتبع الفعل السؤال فيه والتسبب لوقوعه. فكما تبعت أفعال الإجابة أفعال الطلب كذلك تبعت حروف الأصل الحروف الزائدة التي وضعت للالتماس والمسألة. وذلك نحو استخرج واستقدم واستوهب واستمنح واستعطى واستدنى, فهذا على سمت الصنعة التي تقدَّمت في رأي الخليل وسيبويه, إلّا أن هذه أغمض من تلك. غير أنها وإن كانت كذلك فإنها منقولة عنها ومعقودة٤ عليها.
стр. 562
ومن وجد مقالًا قال به وإن لم يسبق إليه غيره. فكيف به إذا تبع العلماء فيه وتلاهم على تمثيل معانيه.
ومن ذلك أنهم جعلوا تكرير العين في المثال١ دليلًا على تكرير الفعل, فقالوا: كسَّر وقطَّع وفتَّح وغلَّق. وذلك أنهم لما جعلوا الألفاظ دليلة المعاني فأقوى اللفظ ينبغي أن يقابل به قوة الفعل, والعين أقوى من الفاء واللام, وذلك لأنها واسطة لهما ومنكوفة بهما, فصارا كأنهما سياج لها, ومبذولان للعوارض دونها٢. ولذلك تجد الإعلال بالحذف فيهما دونها. فأما حذف الفاء ففي المصادر من باب: وعد, نحو العدة والزنة، والطدة٣، والتدة، والهبة، والإبة. وأما اللام فنحو: اليد والدم والفم والأب والأخ والسنة والمائة، والفئة٤. وقلَّما تجد الحذف في العين٥.
فلمَّا كانت الأفعال دليلة المعاني كرروا أقواها وجعلوه دليلًا على قوة المعنى المحدث به, وهو تكرير الفعل, كما جعلوا تقطيعه في نحو: صرصر وحقحق, دليلًا على تقطيعه. ولم يكونوا ليضعفوا الفاء ولا اللام لكراهية التضعيف في أول الكلمة, والإشفاق على الحرف المضعَّف أن يجيء في آخرها وهو مكان الحذف وموضع الإعلال, وهم قد أرادوا تحصين الحرف الدال على قوة الفعل. فهذا أيضًا من مساوقة الصيغة٦ للمعاني.
وقد أتبعوا اللام في باب المبالغة العين, وذلك إذا كرّرت العين٧ معها في نحو: دمكمك وصمحمح وعركرك٨ وعصبصب وغشمشم, والموضع في ذلك للعين, وإنما
стр. 563
ضامَّتها اللام هنا تبعًا لها ولاحقة بها, ألا ترى إلى ما جاء عنهم للمبالغة من نحو: اخلولق واعشوشب واغدودن واحمومى واذلولى واقطوطى, وكذلك في الاسم نحو: عثوثل وغدودن وخفيدد١، وعقنقل، وعبنبل٢، وهجنجل, قال:
ظلّت وظلَّ يومها حوب حل ... وظلّ يوم لأبي الهجنجل٣
فدخول لام التعريف فيه مع العلمية يدل على أنه في الأصل صفة كالحرث والعبّاس وكل واجد من هذه المثل قد فصل بين عينيه بالزائد لا باللام.
فعلمت أن تكرير المعنى في باب: صمحمح "إنما هو للعين"٤، وإن كانت اللام فيه أقوى من الزائد في باب: افعوعل وفعوعل وفعيعل٥ وفعنعل؛ لأن اللام بالعين أشبه من الزائد بها. ولهذا أيضًا ضاعفوها كما ضاعفوا العين للمبالغة نحو: عتلّ وصملّ وقمدّ وحزقّ, إلّا أن العين أقعد٦ في ذلك من اللام, ألا ترى أن الفعل الذي هو موضع للمعاني لا يضعف ولا٧ يؤكد تكريره إلّا بالعين. هذا هو الباب. فأما اقعنسس واسحنكك, فليس الغرض فيه التوكيد والتكرير؛ لأن ذا إنما ضعف للإلحاق, فهذه طريق٨ صناعية, وباب تكرير العين هو طريق معنوية٩، ألا ترى أنهم لما اعتزموا إفادة المعنى توفروا عليه وتحاموا طريق الصنعة والإلحاق فيه فقالوا: قطَّع وكسَّر تقطيعًا وتكسيرًا, ولم يجيئوا بمصدره على مثال فعللة فيقولوا: قطعةً وكسرة, كما قالوا في الملحق: بيطر بيطرة, وحوقل حوقلة, وجهور جهورة.
стр. 564
ويدلك١ على أن افعوعل لما ضعفت عينه للمعنى انصرف به عن طريق الإلحاق -تغليبًا للمعنى على اللفظ وإعلامًا أن قدر المعنى عندهم أعلى وأشرف من قدر اللفظ- أنهم قالوا في افعوعل من رددت: "اردودّ" ولم يقولوا: اردودد, فيظهروا التضعيف للإلحاق كما أظهروه في باب٢ اسحنكك، واكلندد٣، لما كان للإلحاق بالحرنجم واخرنطم ولا تجد في بنات الأربعة نحو: احروجم, فيظهروا "افعوعل" من رددت فيقال: "اردودد"؛ لأنه لا مثال له رباعيًّا فيلحق هذا٤ به.
فهذا طريق المثل واحتياطاتهم فيها بالصنعة ودلالاتهم "منها"٥ على الإرادة والبغية.
فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث, فباب عظيم واسع, ونهج متلئب عند عارفيه مأموم. وذلك أنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبَّر بها عنها, فيعدلونها بها ويحتذونها عليها, وذلك أكثر مما نقدره٦، وأضعاف ما نستشعره٦.
من ذلك قولهم: خضم وقضم, فالخضم لأكل الرطب كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب, والقضم للصلب اليابس نحو: قضمت الدابة شعيرها ونحو ذلك. وفي الخبر قد يدرك الخضم بالقضم, أي: قد يدرك الرخاء بالشدة واللين بالشظف. وعليه قول أبي٧ الدرداء: يخضمون٨ ونقضم والموعد الله.
стр. 565
فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب, والقاف لصلابتها لليابس حذوًا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث.
ومن ذلك قولهم: التضح للماء نحوه والنضح أقوى من النضح, قال الله سبحانه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ ١ فجعلوا الحاء -لرقَّتها- للماء الضعيف, والخاء -لغلظها- لما هو أقوى منه.
ومن ذلك القدّ طولًا والقط عرضًا. وذلك أن الطاء أحصر٢ للصوت وأسرع قطعًا له من الدال, فجعلوا الطاء المناجزة٣ لقطع العرض؛ لقربه وسرعته, والدال المماطلة لما طال من الأثر وهو قطعه طولًا.
ومن ذلك قولهم: قرت الدم وقرد الشيء وتقرّد وقَرَطَ يقرط, فالتاء أخفت٤ الثلاثة, فاستعملوها في الدم إذا جفَّ؛ لأنه قصد ومستخف في الحسِّ عن القردد الذي هو النباك في الأرض ونحوها. وجعلوا الطاء -وهي أعلى الثلاثة صوتًا- "للقرط"٥ الذي يسمع, وقرد، من القرد, وذلك لأنه موصوف بالقلة والذلة, قال الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٦.
ينبغي أن يكون "خاسئين" خبرًا آخر ل"كونوا", والأول "قردة", فهو كقولك ٧: هذا حلو حامض وإن جعلته وصفًا ل"قردة" صغر معناه، ألا ترى أن القرد لذله