← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فالأصول نحو قولهم: طعم ووهب, ودخل وخرج, وصعد ونزل. فهذا إخبار بأصول فاجأت عن أفعال وقعت, ولم يكن معها دلالة تدل على طلب لها ولا إعمال فيها. وكذلك ما تقدمت الزيادة فيه على سمت الأصل نحو: أحسن وأكرم وأعطى وأولى. فهذا من طريق الصنعة١ بوزن الأصل في نحو: دحرج وسرهف وقوقى وزوزى. وذلك أنهم جعلوا هذا الكلام عبارات عن هذه المعاني, فكلما ازدادت العبارة شبهًا بالمعنى كانت أدلّ عليه وأشهد بالغرض فيه. فلمّا كانت إذا ٢فأجأت الأفعال فاجأت أصول المثل الدالة عليها, أو ما جرى مجرى أصولها نحو: وهب ومنح وأكرم وأحسن, كذلك إذا أخبرت بأنك سعيت فيها وتسببت لها, وجب أن تقدم أمام حروفها الأصول في مثلها الدالة عليها أحرفًا زائدة على تلك الأصول, تكون كالمقدمة لها, والمؤدية إليها. وذلك نحو: استفعل, فجاءت الهمزة والسين والتاء زوائد, ثم وردت بعدها الأصول: الفاء والعين واللام. فهذا من اللفظ وفق المعنى الموجود هناك, وذلك أن الطلب للفعل والتماسه والسعي فيه والتأتي٣ لوقوعه تقدمه, ثم وقعت الإجابة إليه فتبع الفعل السؤال فيه والتسبب لوقوعه. فكما تبعت أفعال الإجابة أفعال الطلب كذلك تبعت حروف الأصل الحروف الزائدة التي وضعت للالتماس والمسألة. وذلك نحو استخرج واستقدم واستوهب واستمنح واستعطى واستدنى, فهذا على سمت الصنعة التي تقدَّمت في رأي الخليل وسيبويه, إلّا أن هذه أغمض من تلك. غير أنها وإن كانت كذلك فإنها منقولة عنها ومعقودة٤ عليها.

стр. 562

ومن وجد مقالًا قال به وإن لم يسبق إليه غيره. فكيف به إذا تبع العلماء فيه وتلاهم على تمثيل معانيه. ومن ذلك أنهم جعلوا تكرير العين في المثال١ دليلًا على تكرير الفعل, فقالوا: كسَّر وقطَّع وفتَّح وغلَّق. وذلك أنهم لما جعلوا الألفاظ دليلة المعاني فأقوى اللفظ ينبغي أن يقابل به قوة الفعل, والعين أقوى من الفاء واللام, وذلك لأنها واسطة لهما ومنكوفة بهما, فصارا كأنهما سياج لها, ومبذولان للعوارض دونها٢. ولذلك تجد الإعلال بالحذف فيهما دونها. فأما حذف الفاء ففي المصادر من باب: وعد, نحو العدة والزنة، والطدة٣، والتدة، والهبة، والإبة. وأما اللام فنحو: اليد والدم والفم والأب والأخ والسنة والمائة، والفئة٤. وقلَّما تجد الحذف في العين٥. فلمَّا كانت الأفعال دليلة المعاني كرروا أقواها وجعلوه دليلًا على قوة المعنى المحدث به, وهو تكرير الفعل, كما جعلوا تقطيعه في نحو: صرصر وحقحق, دليلًا على تقطيعه. ولم يكونوا ليضعفوا الفاء ولا اللام لكراهية التضعيف في أول الكلمة, والإشفاق على الحرف المضعَّف أن يجيء في آخرها وهو مكان الحذف وموضع الإعلال, وهم قد أرادوا تحصين الحرف الدال على قوة الفعل. فهذا أيضًا من مساوقة الصيغة٦ للمعاني. وقد أتبعوا اللام في باب المبالغة العين, وذلك إذا كرّرت العين٧ معها في نحو: دمكمك وصمحمح وعركرك٨ وعصبصب وغشمشم, والموضع في ذلك للعين, وإنما

стр. 563

ضامَّتها اللام هنا تبعًا لها ولاحقة بها, ألا ترى إلى ما جاء عنهم للمبالغة من نحو: اخلولق واعشوشب واغدودن واحمومى واذلولى واقطوطى, وكذلك في الاسم نحو: عثوثل وغدودن وخفيدد١، وعقنقل، وعبنبل٢، وهجنجل, قال: ظلّت وظلَّ يومها حوب حل ... وظلّ يوم لأبي الهجنجل٣ فدخول لام التعريف فيه مع العلمية يدل على أنه في الأصل صفة كالحرث والعبّاس وكل واجد من هذه المثل قد فصل بين عينيه بالزائد لا باللام. فعلمت أن تكرير المعنى في باب: صمحمح "إنما هو للعين"٤، وإن كانت اللام فيه أقوى من الزائد في باب: افعوعل وفعوعل وفعيعل٥ وفعنعل؛ لأن اللام بالعين أشبه من الزائد بها. ولهذا أيضًا ضاعفوها كما ضاعفوا العين للمبالغة نحو: عتلّ وصملّ وقمدّ وحزقّ, إلّا أن العين أقعد٦ في ذلك من اللام, ألا ترى أن الفعل الذي هو موضع للمعاني لا يضعف ولا٧ يؤكد تكريره إلّا بالعين. هذا هو الباب. فأما اقعنسس واسحنكك, فليس الغرض فيه التوكيد والتكرير؛ لأن ذا إنما ضعف للإلحاق, فهذه طريق٨ صناعية, وباب تكرير العين هو طريق معنوية٩، ألا ترى أنهم لما اعتزموا إفادة المعنى توفروا عليه وتحاموا طريق الصنعة والإلحاق فيه فقالوا: قطَّع وكسَّر تقطيعًا وتكسيرًا, ولم يجيئوا بمصدره على مثال فعللة فيقولوا: قطعةً وكسرة, كما قالوا في الملحق: بيطر بيطرة, وحوقل حوقلة, وجهور جهورة.

стр. 564

ويدلك١ على أن افعوعل لما ضعفت عينه للمعنى انصرف به عن طريق الإلحاق -تغليبًا للمعنى على اللفظ وإعلامًا أن قدر المعنى عندهم أعلى وأشرف من قدر اللفظ- أنهم قالوا في افعوعل من رددت: "اردودّ" ولم يقولوا: اردودد, فيظهروا التضعيف للإلحاق كما أظهروه في باب٢ اسحنكك، واكلندد٣، لما كان للإلحاق بالحرنجم واخرنطم ولا تجد في بنات الأربعة نحو: احروجم, فيظهروا "افعوعل" من رددت فيقال: "اردودد"؛ لأنه لا مثال له رباعيًّا فيلحق هذا٤ به. فهذا طريق المثل واحتياطاتهم فيها بالصنعة ودلالاتهم "منها"٥ على الإرادة والبغية. فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث, فباب عظيم واسع, ونهج متلئب عند عارفيه مأموم. وذلك أنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبَّر بها عنها, فيعدلونها بها ويحتذونها عليها, وذلك أكثر مما نقدره٦، وأضعاف ما نستشعره٦. من ذلك قولهم: خضم وقضم, فالخضم لأكل الرطب كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب, والقضم للصلب اليابس نحو: قضمت الدابة شعيرها ونحو ذلك. وفي الخبر قد يدرك الخضم بالقضم, أي: قد يدرك الرخاء بالشدة واللين بالشظف. وعليه قول أبي٧ الدرداء: يخضمون٨ ونقضم والموعد الله.

стр. 565

فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب, والقاف لصلابتها لليابس حذوًا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث. ومن ذلك قولهم: التضح للماء نحوه والنضح أقوى من النضح, قال الله سبحانه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ ١ فجعلوا الحاء -لرقَّتها- للماء الضعيف, والخاء -لغلظها- لما هو أقوى منه. ومن ذلك القدّ طولًا والقط عرضًا. وذلك أن الطاء أحصر٢ للصوت وأسرع قطعًا له من الدال, فجعلوا الطاء المناجزة٣ لقطع العرض؛ لقربه وسرعته, والدال المماطلة لما طال من الأثر وهو قطعه طولًا. ومن ذلك قولهم: قرت الدم وقرد الشيء وتقرّد وقَرَطَ يقرط, فالتاء أخفت٤ الثلاثة, فاستعملوها في الدم إذا جفَّ؛ لأنه قصد ومستخف في الحسِّ عن القردد الذي هو النباك في الأرض ونحوها. وجعلوا الطاء -وهي أعلى الثلاثة صوتًا- "للقرط"٥ الذي يسمع, وقرد، من القرد, وذلك لأنه موصوف بالقلة والذلة, قال الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٦. ينبغي أن يكون "خاسئين" خبرًا آخر ل"كونوا", والأول "قردة", فهو كقولك ٧: هذا حلو حامض وإن جعلته وصفًا ل"قردة" صغر معناه، ألا ترى أن القرد لذله

стр. 566

وصغاره خاسئ أبدًا, فيكون إذًا صفة غير مفيدة, وإذا جعلت "خاسئين" خبرًا ثانيًا حسن وأفاد حتى كأنه قال: كونوا قردة " و"١ كونوا خاسئين, ألا ترى أن ليس لأحد الاسمين من الاختصاص بالخبرية إلّا ما لصاحبه, وليس كذلك الصفة بعد الموصوف, إنما اختصاص العامل بالموصوف, ثم الصفة من بعد تابعة له. ولست أعني بقولي: إنه كأنه قال تعالى: كونوا قردة, كونوا خاسئين, إن العامل في خاسئين عامل ثانٍ غير الأول, معاذ الله أن أريد ذلك, إنما هذا شيء يقدَّر مع البدل. فأما في الخبرين فإن العامل فيهما جميعًا واحد, ولو كان هناك عامل آخر لما كانا خبرين لمخبر عنه واحد, وإنما مفاد الخبر من مجموعهما٢. ولهذا كان عند أبي علي أن العائد على المبتدأ من مجموعهما لا من أحدهما؛ لأنه ليس الخبر بأحدهما بل بمجموعهما. وإنما أريد أنك متى شئت باشرت ب"كونوا" أي: الاسمين آثرت, ولست كذلك الصفة. ويؤنّس بذلك أنه لو كانت "خاسئين" صفة ل"قردة" لكان الأخلق أن يكون "قردة خاسئة"، "وفي أن"٣ لم يقرأ بذلك البتَّة دلالة على أنه ليس بوصف. وإن كان قد يجوز أن يكون "خاسئين" صفة "لقردة على المعنى إذ كان المعنى"٤ أنها هي هم في المعنى, إلّا أن هذا إنما هو جائز وليس بالوجه, بل الوجه أن يكون وصفًا لو كان على اللفظ. فكيف وقد سبق ضعف الصفة ههنا. فهذا شيء عَرَض قلنا فيه ثم لنعد.

стр. 567

أفلا ترى إلى تشبيههم الحروف بالأفعال وتنزيلهم إياها على احتذائها. ومن ذلك قولهم: الوسيلة والوصيلة, والصاد -كما ترى- أقوى صوتًا من السين لما فيها من الاستعلاء, والوصيلة أقوى معنى من الوسيلة. وذلك أن التوسّل ليست له عصمة الوصل والصلة, بل الصلة أصلها من اتصال الشيء بالشيء ومماسته له, وكونه في أكثر الأحوال بعضًا له؛ كاتصال الأعضاء بالإنسان وهي أبعاضه, ونحو ذلك, والتوسل معنى يضعف ويصغر أن يكون المتوسّل جزءًا أو كالجزء من المتوسل إليه. وهذا واضح. فجعلوا الصاد لقوتها للمعنى الأقوى، والسين لضعفها للمعنى الأضعف. ومن ذلك قولهم: "الخذا" في الأذن، "والخذأ: الاستخذاء"١, فجعلوا الواو في خذواء٢ -لأنها دون الهمزة صوتًا- للمعنى الأضعف, وذلك لأن استرخاء الأذن "ليس"٣ من العيوب التي يسبّ بها, ولا يتناهى في استقباحها. وأما الذل فهو من أقبح العيوب وأذهبها في المزراة والسب, فعبروا عنه بالهمزة لقوتها, وعن عيب الأذن المحتمل بالواو لضعفها. فجعلوا أقوى الحرفين لأقوى العيبين, وأضعفهما لأضعفهما. ومن ذلك قولهم: قد جفا الشيء يجفو, وقالوا: جفأ الوادي بغثائه٤، ففيهما كليهما٥ معنى الجفاء لارتفاعهما, إلّا أنهم استعملوا الهمزة في الوادي لما هناك من حفزه٦، وقوة دفعه.

стр. 568

ومن ذلك قولهم: صعد وسعد, فجعلوا الصاد -لأنها أقوى- لما فيه أثر مشاهد يرى، وهو الصعود في الجبل والحائط ونحو ذلك. وجعلوا السين -لضعفها- لما لا يظهر ولا يشاهد حسًّا, إلا أنه مع ذلك فيه صعود الجد لا صعود الجسم, ألا تراهم يقولون: هو سعيد الجدّ, وهو عالي الجد, وقد ارتفع أمره وعلا قدره. فجعلوا الصاد لقوتها مع ما يشاهد من الأفعال المعالجة المتجشمة, وجعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس وإن لم تره العين, والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية. فإن قلت: فكان يجب على هذا أن يكون الخذا في الأذن مهموزًا, وفي الذل غير مهموز؛ لأن عيب الأذن مشاهد, وعيب النفس غير مشاهد, قيل: عيب الأذن وإن كان مشاهدًا فإنه لا علاج فيه على الأذن, وإنما هو خمول وذبول ومشقة الصاعد ظاهرة مباشرة١ معتدة متجشمة, فالأثر فيها أقوى, فكانت بالحرف الأقوى -وهو الصاد- أحرى. ومن ذلك أيضًا: سدَّ وصدَّ؛ فالسد دون الصد؛ لأن السد للباب يسد, والمنظرة ونحوها, والصد جانب الجبل والوادي والشعب, وهذا أقوى من السد الذي قد يكون لثقب الكوز٢ ورأس القارورة ونحو ذلك, "فجعلوا الصاد لقوتها للأقوى، والسين لضعفها، للأضعف"٣. ومن ذلك القسم والقصم, فالقصم أقوى فعلًا من القسم؛ لأن القصم يكون معه الدق, وقد يقسم بين الشيئين فلا ينكأ أحدهما, فلذلك خصت بالأقوى الصاد وبالأضعف السين.

стр. 569

ومن ذلك تركيب "ق ط ر " و "ق د ر " و "ق ت ر " فالتاء خافية متسفلة, والطاء سامية متصعدة,/ فاستعملتا -لتعاديهما-١ في الطرفين كقولهم: فتر الشيء٢ وقطره. والدال بينهما ليس لها صعود الطاء ولا نزول التاء, فكانت٣ لذلك واسطة بينهما, فعبِّر بها عن معظم الأمر ومقابلته, فقيل: قدر الشيء لجماعه ومحر نجمه٤. وينبغي أن يكون قولهم: قطر الإناء الماء ونحوه, إنما هو "فعل" من لفظ القطر ومعناه. وذلك أنه إنما ينقط الماء عن صفحته الخارجة وهي قطره. فاعرف ذلك. فهذا ونحوه أمر إذا أنت أتيته من بابه, وأصلحت فكرك لتناوله وتأمله, أعطاك مقادته٥ وأركبك ذروته وجلا عليك بهجاته ومحاسنه, وإن أنت تناكرته وقلت: هذا أمر منتشر, ومذهب صعب موعر, حرمت نفسك لذته, وسددت عليها باب الحظوة به. نعم، ومن وراء هذا ما اللطف فيه أظهر, والحكمة أعلى وأصنع. وذلك أنهم قد يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبَّر عنها بها ترتيبها, وتقديم ما يضاهي أول الحدث, وتأخير ما يضاهي آخره، وتوسيط٦ ما يضاهي أوسطه, سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب.

стр. 570

وذلك قولهم: بحث. فالباء لغلظها١ تشبه بصوتها٢ خفقة الكف٣ على الأرض، والحاء لصحلها٤ تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب, ونحوهما إذا غارت في الأرض والثاء للنفث، والبث للتراب٥. وهذا أمر تراه محسوسًا محصلًا, فأيّ شبهة تبقى بعده, أم أيّ شك يعرض٦ على مثله. وقد ذكرت هذا في موضع آخر من كتبي لأمرٍ دعا إليه هناك. فأمَّا هذا الموضع فإنه أهله, وحقيق به لأنه موضوع له ولأمثاله. ومن ذلك قولهم: شدَّ الحبل ونحوه. فالشين بما فيها من التفشي تشبه بالصوت أول انجذاب الحبل قبل استحكام العقد, ثم يليه إحكام الشدّ والجذب وتأريب العقد, فيعبر عنه بالدال التي هي أقوى من الشين, ولاسيما وهي مدغمة, فهو أقوى لصنعتها وأدلّ على المعنى الذي أريد بها. ويقال٧ شدَّ وهو٨ يشد. فأمَّا الشدة في الأمر فإنها مستعارة من شدّ الحبل ونحوه لضرب من الاتساع والمبالغة, على حد ما نقول٩ فيما يشبه بغيره لتقوية أمره المراد به١٠.

стр. 571

ومن ذلك أيضًا جرَّ الشيء يجرّه, قدموا الجيم لأنها حرف شديد, وأول الجر بمشقة١ على الجار والمجرور جميعًا, ثم عقَّبوا ذلك بالراء وهو حرف مكرر, وكررها مع ذلك في نفسها. وذلك لأن الشيء إذا جر على الأرض في غالب الأمر اهتزَّ عليها واضطرب صاعدًا عنها ونازلًا إليها, وتكرر ذلك منه على ما فيه من التعتعة٢ والقلق. فكانت الراء -لما فيها من التكرير؛ ولأنها أيضًا قد كررت في نفسها في "جر" و"جررت"- أوفق لهذا المعنى من جميع الحروف غيرها. هذا هو محجة هذا ومذهبه. فإن أنت رأيت شيئًا من هذا النحو لا ينقاد لك فيما رسمناه, ولا يتابعك على ما أوردناه, فأحد أمرين ٣: إما أن تكون لم تنعم النظر فيه فيقعد بك فكرك عنه, أو لأن لهذه اللغة أصولًا وأوائل قد تخفى عنا وتقصر أسبابها دوننا "كما قال سيبويه:"٤ أو لأنَّ الأول وصل إليه علم٥ لم يصل إلى الآخر. فإن قلت: فهلّا أجزت أيضًا أن يكون ما أوردته في هذا الموضع شيئًا اتفق، وأمرًا وقع في صورة المقصود، من غير أن يعتقد (وما الفرق) ٦؟. قيل: في هذا حكم بإبطال ما دلت الدلالة عليه من حكمة العرب التي تشهد بها العقول، وتتناصر٧ إليها أغراض ذوي التحصيل, فما ورد على وجه يقبله

стр. 572

القياس, وتقتاد إليه دواعي النظر والإنصاف, حمل عليها ونسبت الصنعة فيه إليها. وما تجاوز ذلك فخفي لم توءس١ النفس منه, ووكل إلى "مصادقة٢ النظر فيه", وكان الأحرى به أن يتهم الإنسان نظره، ولا يخفّ إلى ادعاء النقض٣ فيما قد ثبَّت الله أطنابه, وأحصف بالحكمة أسبابه. ولو لم يتنبه "على ذلك"٤ إلّا بما جاء عنهم من تسميتهم٥ الأشياء بأصواتها؛ كالخازباز لصوته٦، والبط لصوته، والخاقباق لصوت الفرج عند الجماع, والواق٧ للصرد٨ لصوته، وغاق للغراب٩ لصوته، "وقوله"١٠: "تداعين باسم الشيب"١١ لصوت مشافرها, وقوله: بينما نحن مرتعون بفلج ... قالت الدلّح الرواء إنيه١٢ فهذا حكاية لرزمة السحاب وحنين الرعد, وقوله: كالبحر يدعو هيقما وهيقما١٣ وذلك لصوته, ونحو منه قولهم: حاحيت وعاعيت وهاهيت, إذا قلت: حاء وعاء وهاء. وقولهم: بسملت وهيللت وحولقت؛ كل ذلك "وأشباهه"١٤ إنما يرجع في اشتقاقه إلى الأصوات. والأمر أوسع.

стр. 573

" ومن طريف ما مرَّ بي في هذه اللغة التي لا يكاد يعلم بُعْدُها, ولا يحاط بقاصيها, ازدحام الدال والتاء والطاء والراء واللام والنون إذا مازجتهن الفاء على التقديم والتأخير, فأكثر أحوالها ومجموع معانيها أنها للوهن والضعف ونحوهما"١. من٢ ذلك "الدالف" للشيخ الضعيف, والشيء التالف والطليف٣، "والظليف"٤ المّجان٥, وليست له عصمة الثمين, والطنف لما أشرف خارجًا عن البناء, وهو إلى الضعف لأنه ليست له قوة الراكب الأساس٦, والأصل والنطف: العيب، "وهو إلى الضعف"٧، والدنف: المريض. ومنه "التنوفة"٨ وذلك لأن الفلاة إلى الهلاك, ألا تراهم يقولون لها: مهلكة, وكذلك قالوا لها: بيداء, فهي فعلاء من بادٍ يبيد. ومنه الترفة٩؛ لأنها إلى اللين والضعف, وعليه قالوا: الطرف؛ لأن طرف الشيء أضعف من قبله وأوسطه, قال الله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ ١٠. وقال١١ الطائي الكبير: كانت هي الوسط الممنوع فاستلبت ... ما حولها الخيل حتى أصبحت طرفا ومنه "الفرد"؛ لأن المنفرد إلى الضعف والهلاك ما هو, قال رسول الله ﷺ : "المرء كثير بأخيه"١٢. والفارط المتقدّم, وإذا تقدَّم انفرد, وإذا انفرد

стр. 574

"أعرض للهلاك"١, ولذلك٢ ما يوصف بالتقدّم ويمدح به لهول مقامه وتعرّض راكبه. وقال محمد بن حبيب في الفرتَنَى الفاجرة: إنها من الفرات، وحكم بزيادة النون والألف, فهي٣ على هذا كقولهم٤ لها "هلوك". قال الهذلي٥: السالك الثغرة اليقظان كالئها ... مَشْي الهلوك عليها الخيعل الفضل٦ وقياس مذهب سيبويه أن تكون "فرتنى" فعللى٧ رباعية كجحجبى٨, ومنه الفرات؛ لأنه الماء العذب, وإذا عذب الشيء ميل عليه ونيل منه, ألا ترى إلى قوله: ممقرٌ مُرّ على أعدائه ... وعلى الأدنين حلو كالعسل٩ وقال الآخر ١٠: تراهم يغمزون من استركوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا١١ ومنه الفتور للضعف, والرفت للكسر والرديف؛ لأنه ليس له تمكّن الأول, ومنه الطفل للصبي لضعفه, والطفل للرخص, وهو ضد الشثن, والتفل للريح المكروهة, فهي منبوذة مطروحة. وينبغي أن تكون "الدفلى"١٢ من ذلك لضعفه عن صلابة النبع والسراء١٣ والتنضب، والشوْحَط. وقالوا: الدفر للنتن، وقالوا:

стр. 575

للدنيا١ "أم دفر" سب لها وتوضيع منها. ومنه "الفلتة" لضعفة الرأي, وفتل المغزل لأنّه تثنّ واستدارة, وذاك إلى وهي وضعفة, والفطر: الشق, وهو إلى الوهن. الآن قد أنَّستك بمذهب القوم فيما هذه حاله, ووقفتك على طريقه, وأبديت لك عن مكنونه, وبقي عليك أنت التنبه لأمثاله, وإنعام الفحص عمَّا هذه حاله, فإنني إن زدت على هذا مللت وأمللت. ولو شئت لكتبت من مثله أوراقًا مئين, فأبه له ولاطفه, ولا تجفّ عليه فيعرض عنك ولا يبهأ٢ بك.

стр. 576

باب في مشابهة معاني الإعراب معاني الشعر: نبَّهنا أبو علي ﵀ من هذا الموضع على أغراض حسنة, من ذلك قولهم في لا النافية للنكرة: إنها تبنى معها فتصير كجزء١ من الاسم, نحو: لا رجل في الدار, ولا بأس عليك, وأنشدنا في هذا المعنى "قوله "٢: خيط على زفرة فتمَّ ولم ... يرجع إلى دقَّة ولا هضم وتأويل ذلك أن هذا الفرس لسعة جوفه وإجفار محزمه٣ كأنه زَفَر, فلما اغترق٤ نفسه بُنِي على ذلك, فلزمته تلك الزفرة, فصيغ عليها لا يفارقها "كما أن الاسم بني مع لا حتى خلط بها لا تفارقه ولا يفارقها"٥ وهذا موضع متناهٍ في حسنه, آخذ بغاية الصنعة من مستخرجه.

стр. 577

ومثله أيضًا من وصف الفرس: بنيت معاقمها على مطوائها١ أي: كأنَّها تمطت, فلمَّا تناءت أطرافها ورحبت شحوتها٢ صيغت على ذلك. ومن ذلك قولهم: ما أدري أأذّن أو أقام, إذا قالها بأو لا بأم. فهو أنه لم يعتدّ أذانه أذانًا, ولا قال: فمثل ذلك قول عبيد ٣: أعاقر كذات رحم ... أم غانم كمن يخيب فكان ينبغي أن يعادل بقوله: ذات رحم، نقيضتها, فيقول: أغير ذات رحم كذات رحم, وهكذا أراد لا محالة, ولكنه جاء بالبيت على المسألة٤. وذلك أنه لما لم تكن العاقر ولودًا صارت وإن كانت ذات رحم كأنها لا رحم لها, فكأنه قال: أغير ذات رحم كذات رحم, كما أنه لما لم يوفِّ أذانه ولا إقامته حقهما لمن يثبت له واحدًا منهما؛ لأنه قاله بأو, ولو قال: ما أدري أأذَّن أم أقام "بأم"٥ لأثبت له أحدهما لا محالة. ومن ذلك قول النحويين: إنهم لا يبنون من ضرب وعلم, وما كانت عينه لامًا أو راء مثل: عنسل. قالوا: لأنّا نصير به إلى ضنرب وعنلم, فإن أدغمنا ألبس بفعل, وإن أظهرنا النون قبل الراء واللام ثقلت, فتركنا بناءه أصلًا. وكان ينشد في هذا المعنى قوله ٦:

стр. 578

فقال: ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظّ لمختار وقول الآخر: رأى الأمر يفضى إلى آخر ... فصيّر آخره أوَّلا ووجدت أنا من هذا الضرب أشياء صالحة. منها: أن الشعر المجزوء إذا لحق ضربه قطع لم تتداركه العرب بالردف, وذلك أنه لا يبلغ من قدره١ أن يفي بما حذفه الجزء, فيكون هذا أيضًا "كقولهم للمغني غير المحسن: تتعب ولا أطرب"٢. ومنهم من يلحق الردف على كل حال, فنطير معنى هذا معنى قول الآخر ٣: ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح٤ وقول الآخر: فإن لم تنل مطلبًا رمته ... فليس عليك سوى الاجتهاد ومن ذلك قول من اختار إعمال الفعل الثاني؛ لأنه العامل الأقرب نحو: ضربت وضربني زيد, وضربني وضربت زيدًا. فنظير معنى هذا معنى قول الهذلي ٥: بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي وعليه قول أبي نواس: أمر غدٍ أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس فإنما العيش عيش يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس

стр. 579

ومنه قول تأبط شرًّا: وما قَدُمَ نُسِي ومن كان ذا شر خشي. في كلام له, وقوله: وإذا مضى شيء كأن لم يفعل١ وقول الآخر: أنشدناه أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس عن أبي عثمان عن الأصمعي عن أبي عمرو أن رجلًا من أهل نجد أنشده: حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... والدهر أيّتما حالٍ دهارير٢ ومن ذلك أيضًا قول شاعرنا: خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل٣ ومما جاء في معنى إعمال الأول قول الطائي الكبير: نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلّا للحبيب الأول وقول كُثَيِّر: ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلبي من هواك قديم وقول الآخر: تمر به الأيام تسحب ذيلها ... فتبلى به الأيام وهو جديد ومن ذلك ما جاء عنهم من الجوار في قولهم: هذا جحر ضب خرب, وما يحكى أن أعرابيًّا أراد امرأة له فقالت له: إني حائض, فقال: فأين الهنة الأخرى, فقالت له: اتق الله, فقال: كلا ورب البيت ذي الأستار ... لأهتكنّ حلق الحتار٤ قد يؤخذ الجار بجرم الجار

стр. 580

ومنه قول العرب: أعطيتك إذ سألتني وزدتك إذ شكرنني. ف"إذ" معمولة العطية والزيادة, وإذا عمل الفعل في ظرف زمانيًّا كان أو مكانيًّا, فإنه لا بُدَّ أن يكون واقعًا فيه, وليست العطية واقعة في وقت المسألة, وإنما هي عقيبه؛ لأن المسألة سبب العطية, والسبب جارٍ مجرى العلة, فيجب أن يتقدَّم المعلول والمسبب؛ لكنه لما كانت العطية مسببة عن المسألة وواقعة على أثرها, وتقارب وقتاهما, صار لذلك كأنهما في وقت واحد. فهذا تجاور في الزمان, كما أن ذاك تجاور في الإعراب. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ١. طاولت أبا علي -رحمه الله تعالى- في هذا وراجعته فيه عودًا على بدء, فكان أكثر ما٢ برد منه في اليد أنّه لما كانت الدار الآخرة تلي الدار الدنيا لا فاصل بينهما, إنما هي هذه فهذه, صار ما يقع في الآخرة كأنه واقع في الدنيا, فلذلك أجرى اليوم وهو الآخرة٣ مجرى وقت٤ الظلم وهو قوله: إذ طلمتم ووقت الظلم إنما كان في الدنيا. فإن لم تفعل هذا وترتكبه بقي "إذا ظلمتم" غير متعلق بشيء, فيصير ما قاله أبو علي إلى أنه كأنه أبدل "إذ ظلمتم" من اليوم, أو٥ كرره عليه, وهو كأنه هو. فإن قلت: لم لا تكون "إذ" محمولة على فعل آخر, حتى كأنه قال: ولن ينفعكم اليوم أنكم في العذاب مشتركون "اذكروا" إذ ظلمتم, أو نحو ذلك.

стр. 581

قيل: ذلك يفسد من موضعين: أحدهما اللفظ والآخر المعنى, أما اللفظ فلأنك تفصل بالأجنبي -وهو قوله: "إذ ظلمتم"- بين الفعل وهو "ينفعكم", وفاعله وهو "أنكم في العذاب مشتركون", وأنت عالم بما في الفصل بينهما بالأجنبي. وإن كان الفصل بالظرف متجوزًا فيه. وأما المعنى فلأنَّك لو فعلت ذلك لأخرجت من الجملة الظرف الذي هو "إذ ظلمتم", وهذا ينقض معناها. وذلك لأنها معقودة على دخول الظرف الذي هو "إذ" فيها, ووجوده في أثنائها, ألا ترى أن عدم انتفاعهم بمشاركة أمثالهم لهم في العذاب إنما سببه وعلته ظلمهم, فإذا كان كذلك كان احتياج الجملة إليه نحوًا من احتياجها إلى المفعول له، نحو قولك ١: قصدتك رغبة في برِّك, وأتيتك طمعًا في صلتك, ألا ترى أن معناه: أنكم عدمتم سلوة التأسِّي بمن شارككم في العذاب لأجل ظلمكم فيما مضى, كما قيل في نظيره: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٢ أي: ذق بما كنت تعد في أهل العز والكرم. وكما قال الله تعالى في نقيضه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ ٣. ومن الأول قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ٤ ومثله في الشعر كثير, منه قول الأعشى: على أنها إذ رأتني أُقَاد ... تقول بما قد أراه بصيرا٥

стр. 582

ومنه قولهم حكاية عن الشيخ: بما لا أخشى بالذئب, أي: هذا الضعف بتلك القوة. ومنه١ أبيات العجاج "أنشدناها سنة إحدى وأربعين "٢: إمّا تربني أصل القُعّادا ... وأتقي أن أنهض الإرعادا٣ من أن تبدّلت بآدي آدا ... لم يك ينآد فأمسى انآدا٤ وقصبا حنى حتى كادا ... يعود بعد أعظمٍ أعوادا٥ فقد أكون مرة روّادًا ... أطّلع النجاد فالنجادا٦ وآخر من جاء به على كثرته شاعرنا "فقال "٧: وكم دون الثويّة من حزين ... يقول له قدومي ذا بذاكا٨ فكشفه وحرّره. ويدل على الانتفاع بالتأسي في٩ المصيبة قولها ١٠:

стр. 583

ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي١ وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي ومنه قول أبي داود: ويصيخ أحيانًا كما اس ... تمع المضل لصوت ناشد٢ وهو كثير جدًّا. ولسنا نريد ههنا الجوار الصناعي, نحو قولهم في الوقف: هذا بكُرْ, ومررت ببِكرْ, وقولهم: صُيمَّ٣ وقُيمَّ وقول جرير ٤: لحبّ المؤقدان إلي مؤسى وقولهم: هذا مصباح٥، ومقلات٥، ومطعان٥، وقوله ٦:

стр. 584

إذا اجتمعوا عليَّ وأشقذوني ... فصرت كأنني فرأٌ متار١ وما جرى مجرى ذلك. وإنما اعتزامنا هنا الجوار المعنويّ لا اللفظيّ الصناعي. ومن ذلك قول سيبويه في نحو قولهم: هذا الحسن الوجه: إن الجرَّ فيه من وجهين, أحدهما: طريق الإضافة, والآخر: تشبيهه٢ بالضارب الرجلِ, هذا مع العلم بأن الجرَّ في الضارب الرجل إنما جاءه وجاز فيه لتشبيههم إياه بالحسن الوجه, فعاد الأصل فاستعاد من الفرع نفس الحكم الذي كان الأصل بدأ أعطاه إياه٣، حتى دلَّ ذلك على تمكّن الفروع وعلوها في التقدير. وقد ذكرنا ذلك, ونظيره في المعنى قول ذي الرمة: ورملٍ كأوراك العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس٤ وإنما المعتاد٥ في نحو هذا تشبيه أعجاز بكثبان الأنقاء. وقد تقدَّم ذكر٦ هذا المعنى في باب قبل هذا لاتصاله به, ومنه٧ قول الآخر:

стр. 585

وقرّبوا كل جُمَّاليٍّ عضه ... قريبةٍ ندوته من محمضه١ وقد ذكرنا حاله, وشرحنا الغرض فيه في باب متقدِّم, فلا وجه لإعادته ههنا. وسبب تمكّن هذه الفروع عندي أنها في حال استعمالها على فرعيتها تأتي مأتى الأصل الحقيقي لا الفرع التشبيهي, وذلك قولهم: أنت الأسد, وكفُّك البحر, فهذا لفظه لفظ الحقيقة, ومعناه: المجاز والاتساع, ألا ترى أنه إنما يريد: أنت٢ كالأسد، وكفُّك مثل البحر, وعليه جاء قوله: ليلى قضيب تحته كثيب٣ وإنما يريد: نصف ليلى الأعلى كالقضيب, وتحته ردف مثل الكثيب, وقول طرفة: جازت القوم إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفورٍ خدر٤ أي: بشخص أو بإنسان مثل اليعفور, وهو واسع كثير. فلمَّا كثر استعمالهم إياه وهو مجاز استعمال الحقيقة, واستمرَّ واتلأبَّ, وتجاوزوا به ذاك إلى أن أصاروه كأنه هو الأصل والحقيقة, فعادوا فاستعاروا معناه لأصله فقال: ورمل كأوراك العذارى..

стр. 586

وهذا من باب تدريج اللغة، وقد ذكر١ فيما مضى. وكان أبو علي ﵀ إذا أوجبت القسمة عنده أمرين كلَّ واحد منهما غير جائز يقول فيه: قسمة الأعشي يريد قوله: فاختر وما فيهما حظ لمختار وسأله مرة بعض أصحابه فقال له: قال الخليل في ذراع: كذا وكذا, فما عندك أنت في هذا٢؟ فأنشده مجيبًا له: إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام ويشبه هذا ما يحكى عن الشعبيّ أنه ارتُفِع إليه في رجل بخص عين رجل, ما الواجب في ذلك؟ فلم يزدهم على أن أنشدهم بيت الراعي: لها مالها حتى إذا ما تبوأت ... بأخفافها مرعًى تبوأ مضجعًا٣ فانصرف القوم مجابين. أي: ينتظر بهذه العين المبخوصة، فإن ترامى أمرها إلى الذهاب ففيها الدية كاملة, وإن لم تبلغ ذاك ففيها حُكُومة٤.

стр. 587

باب ١ في خلع الأدلة ٢: من ذلك حكاية يونس قول٣ العرب: ضرب مَنٌ منا, أي: إنسان إنسانًا, أو رجل٤ رجلًا, أفلا تراه كيف جرد "مَنْ" من٥ الاستفهام ولذلك أعربها. ونحوه قولهم في الخبر: مررت برجل أيِّ رجل. فجرد "أيّا" من الاستفهام أيضًا, وعليه بيت الكتاب: والدهر أينما حالٍ دهارير٦

стр. 588

أي: "والدهر"١ في كل وقت وعلى كل حال دهارير, أي: متلوّن ومتقلّب بأهله. وأنشدنا أبو علي: وأسماء ما أسماء ليلة أدلجت ... إلي وأصحابي بأيّ وأينما٢ قال: فجرّد "أي"٣ من الاستفهام ومنعها الصرف, لما فيها من التعريف والتأنيث. وذلك أنه وضعها علمًا على الجهة التي حلَّتها. فأما قوله٤: "وأينما" فكذلك أيضًا, غير٥ أن لك في أينما وجهين: أحدهما: أن تكون الفتحة هي التي تكون٦ في موضع "جرما"٧ لا ينصرف؛ لأنه جعله علمًا للبقعة أيضًا، فاجتمع فيه التعريف والتأنيث، وجعل "ما" زائدة٨ بعدها للتوكيد. والآخر: أن تكون فتحة النون من "أينما" فتحة التركيب، ويضمّ "أين" إلى "ما", فيبنى الأوّل على الفتح, كما يجب في نحو: حضرموت "وبيت بيت"٩ فإذا أنت فعلت ذلك "قدرت"١٠ في ألف "ما" فتحة ما لا ينصرف في موضع الجرِّ؛ كمررت بأحمد وعمر. ويدل على أنه قد يضم "ما" هذه إلى ما قبلها, ما أنشدناه١١ أبو علي عن أبي عثمان: أثورٌ ما أصيدكم أم ثورين ... أم تيكم الجماء ذات القرنين١٢

стр. 589

فقوله: "أثور ما" فتحة الراء منه فتحة تركيب "ثور" مع "ما" بعده، كفتحة راء حضرموت ولو كانت فتحة إعراب لوجب التنوين لا محالة؛ لأنه مصروف. وبنيت "ما" مع الاسم, وهي مبقاة على حرفيتها كما بنيت "لا" مع النكرة, في نحو: لا رجل. ولو جعلت "ما" مع "ثور" اسمًا ضممت إليه "ثورًا" لوجب مدها؛ لأنها قد صارت اسمًا فقلت: أثور ماء أصيدكم. وكما١ أنك لو جعلت "حاميم" من قوله: يذكرني حاميم والرمح شاجر٢ اسمين مضمومًا أحدهما إلى صاحبه لمددت "حا" فقلت: حاء ميم, ليصير كحضرموت. ومثل٣ قوله: "أثور ما أصيدكم" في أنه اسم ضمَّ إلى حرف في قول أبي عثمان "ما أنشدناه أبو علي "٤: ألا هيَّما مما لقيت وهيما ... وويحًا لمن لم يلق منهن ويحما

стр. 590

وأسماء ما أسماء ليلة أدلجت ... إليّ وأصحابي بأي وأينما١ فكلام في "ويحما" هو الكلام في "أثور ما". فأما قول الآخر: وهل لي أمٌّ غيرها إن هجوتُها ... أبى الله إلّا أن أكون لها أبنما٢ فليس من هذا الضرب في شيء, وإنما هي ميم زيدت آخر ابن, وجرت قبلها حركة الإتباع, فصارت هذا ابنم, ورأيت ابنما ومررت بابنم. فجريان حركات الإعراب على الميم يدل على أنها ليست "ما". وإنما الميم في آخره كالميم في آخر ضرزم٣، ودقعم، ودردم٤. وأخبرنا أبو علي أن أبا عثمان ذهب في قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ٥ إلى أنه جعل "مثل"٦ و"ما" اسمًا واحدًا, فبنى الأول على الفتح, وهما جميعًا عنده في موضع رفع لكونهما صفة ل"حق". فإن قلت: فما موضع ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ قيل: هو جرّ بإضافة "مثل ما"٨ إليه.

стр. 591

فإن قلت: ألا تعلم أنَّ "ما" على بنائها؛ لأنها على حرفين, الثاني منهما حرف لين, فكيف تجوز إضافة المبني؟ قيل: ليس المضاف "ما" وحدها, إنما المضاف الاسم المضموم إليه "ما"١, فلم تعد "ما" هذه أن تكون كتاء٢ التأنيث في نحو: هذه جارية زيد, أو كالألف والنون في سرحان عمرو, أو كتاء الإضافة في بصريّ القوم، أو كألفي التأنيث في صحراء٣ زتم، أو كالألف والتاء في: في غائلات الحائر المتوّه٤ فهذا وجه. وإن شئت قلت: و"ما" في إضافة المبنيّ! ألا ترى إلى إضافة "كم" في الخبر نحو: كم عبد ملكت, وهي مبنية, وإلى إضافة أيّ من قول الله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ٥ وهي مبنية عند سيبويه. وأيضًا فلو ذهب ذاهب واعتقد معتقد أن الإضافة كان يجب أن تكون داعية إلى البناء من حيث كان المضاف من المضاف إليه بمنزلة صدر الكلمة من عجزها, وبعض الكلمة صوت, والأصوات إلى الضعف والبناء لكان قولًا! .

стр. 592

ومما خلعت عنه دلالة الاستفهام قول الشاعر -أنشدناه سنة إحدى وأربعين: أني جزوا عامرًا سيئًا بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن١ أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رثمان أنف إذ ما ضنَّ باللبن١ فأم في أصل الوضع للاستفهام, كما أن "كيف" كذلك. ومحال "اجتماع٢ حرفين" لمعنى واحد٣؛ فلا بُدَّ أن يكون أحدهما قد خُلِعت عنه دلالة الاستفهام. وينبغي أن يكون ذلك الحرف "أم" دون "كيف"؛ حتى كأنه قال: بل٤ كيف ينفع, فجعلها بمنزلة "بل" في الترك "والتحول"٥. ولا يجوز أن تكون "كيف" هي المخلوعة عنها دلالة الاستفهام؛ لأنها لو خلعت عنها لوجب إعرابها؛ لأنها إنما بنيت لتضمنها معنى حرف الاستفهام, فإذا زال ذلك عنها وجب إعرابها, كما أنه لما خلعت دلالة الاستفهام عن "مَنْ" أعربت في قولهم: ضرب مَنٌ منًا. وكذلك قولك: مررت برجل أيّ رجل, لما خلعت عنها دلالة الاستفهام "جرت وصفًا"٦. وهذا واضح جلي.

стр. 593

ومن ذلك كاف المخاطب للمذكر والمؤنث -نحو: رأيتك وكلمتك- هي تفيد شيئين: الاسمية والخطاب, ثم قد خلع١ عنها دلالة الاسم في قولهم ٢: ذلك وأولئك وهاك وهاءك وأبصرك زيدًا, وأنت تريد: أبصر زيدًا, وليسك أخاك, في معنى ليس أخاك. وكذلك قولهم: أرأيتك زيدًا ما صنع؟ وحكى أبو زيد: بلاك والله, وكلاك والله, أي: بلي وكلا. فالكاف في جميع ذلك حرف خطاب مخلوعة عنه دلالة الاسمية, وعليه قول٣ سيبويه. ومن زعم أن الكاف في "ذلك" اسم انبغى له أن يقول: ذلك نفسك. وهذا كله مشروح في أماكنه. فلا موضع إذًا لهذه الكاف من الإعراب, وكذلك هي إذا وصلت بالميم والألف والواو نحو: ذلكما وذلكمو. فعلى هذا يكون قول الله سبحانه: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ ٤. " كُمَا" من "أنهكما" منصوبة الموضع و"كما" من "تلكما" لا موضع لها؛ لأنها حرف خطاب٥. فإن قيل: فإذا كانت حرفًا لا اسمًا, فكيف جاز أن تكون الألف المنفصلة التي قبلها تأسيسًا٦ في نحو قوله٧:

стр. 594

. . . . . . . . . . . . ... على صدفيّ كالحنية بارك١ ولا غرو إلا جارتي وسؤالها ... أليس لنا أهل سئلت كذلك٢ وقول خفاف بن ندبة: وقفت له علوي وقدم خام صحبتي ... لأبني مجدًا أو لأثار هالكا٢ أقول له والرمح بأطر متنه ... تأمل خفافًا إنني أنا ذلكا٤

стр. 595

ألا ترى أن الألف في "هالكا" و"بارك" تأسيس لا محالة, وقد جمعهما مع الألف في "ذلكا" و [ذلك] ١ وهي منفصلة, وليس الروي -وهو الكاف- اسمًا مضمرًا "كياء قوله"٢ "بداليا"٣, ولا من جملة اسم مضمركميم "كماهما"٤. وهذا يدل على أن الكاف في "ذلك" اسم مضمر لا حرف. قيل: هذا كلام لا يدخل على المذهب في كونها حرفًا, وقد قامت الدلالة على ذلك من عدة أوجه. ولكن بقي علينا الآن أن نرى وجه٥ علة جواز كون الألف في "ذلك" تأسيسًا مع أن الكاف ليست باسم مضمر. وعلة ذلك أنها وإن تجرَّدت في هذا الموضع من معنى الاسمية, فإنها في أكثر أحوالها اسم, نحو: رأيتك وكلمتك ونظرت إليك, واشتريت لك ثوبًا, وعجبت منك, ونحو ذلك. فلما جاءت ههنا على لفظ تلك التي هي اسم -وهو أقل الموضعين- حملت على الحكم في أكثر الأحوال، لا سيما٦ وهي هنا وإن جردت من معنى الاسمية, فإن ما كان فيها من معنى الخطاب باقٍ عليها وغير مختزل٧ عنها. وإذا جاز حمل همزة علباء على همزة حمراء للزيادة, وإن عريت من التأنيث

стр. 596

الذي دعا إلى قلبها في صحراوات١، وصحراويّ, كأن حمل كاف "ذلك" على كاف رأيتك جائزًا أيضًا, وإن لم يكن أقوى لم يكن أضعف. وقد٢ اتَّصل بما نحن عليه موضع طريف. ونذكره لاستمرار مثله. وذلك أن أصغر الناس قدرًا قد يخاطب أكبر الملوك محلًّا بالكاف من غير احتشام منه ولا إنكار عليه. وذلك نحو قول التابع الصغير للسيد الخطير: قد خاطبت ذلك الرجل, واشتريت تينك الفرسين, ونظرت إلى ذينك الغلامين, فيخاطب٣ الصاحب الأكبر بالكاف, وليس الكلام شعرًا, فتحتمل٤ له جرأة الخطاب فيه كقوله٥: لقينا بك الأسد, وسألنا منك البحر, وأنت السيد القادر, ونحو ذلك. وعلة جواز ذلك عندي أنه إنما لم تخاطب الملوك بأسمائها إعظامًا لها؛ إذ كان الاسم دليل المعنى وجاريًا في أكثر الاستعمال مجراه, حتى دعا ذاك قومًا إلى أن زعموا٦ أنّ الاسم هو المسمَّى. فلمَّا أرادوا٧ إعظام الملوك وإكبارهم تجافوا وتجانفوا عن ابتذال أسمائهم التي هي شواهدهم, وأدلة عليهم إلى الكناية بلفظ الغيبة, فقالوا: إن رأي الملك أدام الله علوّه, ونسأله حرس الله ملكه، ونحو ذلك، وتحاموا "إن رأيت"، و"نحن نسألك"، لما ذكرنا. فهذا هذا. فلمّا خلعت عن هذه الكاف دلالة الاسمية, وجردت٨ للخطاب البتة, جاز استعمالها؛ لأنها ليست

стр. 597

باسم, فيكون في اللفظ به ابتذال له. فلمّا خلصت هذه الكاف خطابًا البتة, وعريت من معنى الاسمية استعملت في خطاب الملوك لذلك. فإن قيل: فهلّا جاز على هذا أن يقال للملك ومن يلحق به في غير الشعر "أنت"؛ لأن التاء هنا أيضًا للخطاب, مخلوعة عنها دلالة الاسمية؟ قيل: التاء في "أنت" وإن كانت حرف خطاب لا اسمًا, فإن معها نفسها الاسم, وهو "أن" من "أنت", فالاسم على كل حال حاضر, وإن لم تكن الكاف, وليس كذا١ قولنا: "ذلك"؛ لأنه ليس للمخاطب بالكاف هنا اسم غير الكاف, كما كان له مع التاء في "أنت" اسم للمخاطب نفسه، وهو "أن" فاعرف ذلك فرقًا بين الموضعين. ونحو من ذلك ما رآه٢ أبو الحسن في أن الهاء والياء في "إياه" و"إياي" حرفان؛ أحدهما للغيبة وهو الهاء, والآخر للحضور وهو الياء. وذلك أنه كان يرى أن الكاف في "إياك" حرف للخطاب, فإذا أدخلت عليه الهاء والياء في "إياه" و"إياي" قال: هما أيضًا حرفان للغيبة والحضور, مخلوعة٣ عنهما دلالة الاسمية في رأيته، وغلامي وصاحبي. وهذا مذهب هول٤. وهو٥ -وإن كان كذلك- جارٍ على القوة، ومقتاس بالصحة. واعلم أن نظير الكاف في رأيتك إذا خلعت عنها دلالة الاسمية, واستقرّت للخطاب -على ما أرينا- التاء في قمت وقعدت ونحو ذلك, هي هنا تفيد الاسمية والخطاب, ثم تخلع عنها دلالة الاسمية, وتخلص للخطاب البتة في أنت وأنت. فالاسم "أن" وحده، والتاء "من بعد"٦ للخطاب.

стр. 598

وللتاء موضع آخر تخلص فيه للاسمية البتة, وليس "ذلك للكاف"١. وذلك الموضع قولهم: أرأيتك زيدًا ما صنع. فالتاء اسم مجرَّد من الخطاب, والكاف حرف للخطاب مجرد من الاسمية. هذا هو المذهب. ولذلك لزمت التاء الإفراد والفتح في الأحوال كلها, نحو قولك للمرأة: أرأيتك زيدًا ما شأنه, وللاثنين "وللاثنتين"٢ أرأيتكما زيدًا أين جلس؟ ولجماعة المذكر والمؤنث: أرأيتكم زيدًا ما خبره؟ وأرأيتكن عمرًا ما حديثه؟ فالتغيير للخطاب لاحق للكاف والتاء -"لأنه" لا خطاب فيها- على صورة واحدة؛ لأنها مخلصة اسمًا. فإن قيل: هذا ينقض عليك أصلًا مقررًا٣. وذلك أنك إنما٤ تعتلّ لبناء الأسماء المضمرة بأن تقول: إن شبه الحرف "غلب عليها ومعنى الاسم بعد عنها"٥ وذلك نحو قولك: "ذلك"٦ وأولئك, فتجد الكاف مخلصة للخطاب, عارية من معنى الاسم. وكذلك التاء في أنتَ وأنتِ عارية من معنى الاسم, مجردة لمعنى الحرف. وأنت مع هذا تقول: إن التاء في أرأيتك زيدًا "أين هو٧، ونحو ذلك, قد أخلصتها اسمًا, وخلعت عنها دلالة الخطاب. فإذا كانت قد تخلص في موضع اسمًا، كما خلصت في آخر حرفًا تعادل أمرها٨، ولم يكن لك عذر في الاحتجاج بإحدى حاليها.

стр. 599

"قيل: إن"١ الكاف في "ذلك" جُرّدت من معنى الاسمية, ولم تقرن باسم المخاطب بها. والتاء في أرأيتك زيدًا ما صنع, لم تجرّد من معنى الحرفية إلّا مقترنة بما كان مرة اسمًا, ثم جرد من معنى الاسمية, وأخلص للخطاب والحرفية وهو الكاف في "أرأيتك زيدًا ما صنع" ونحوه. فأنت٢ وإن خلعت عن تاء "أرأيتك زيدًا ما خبره" معنى الحرفية, فقد قرنت بها ما جردته من معنى الاسمية, وهو الكاف بعدها, فاعتدل الأمران باقتران الاسم٣ البتة بالحرف البتة. وليس كذلك "ذلك"؛ لأنك إنما معك٤ الكاف المجرَّدة لمعنى الخطاب, لا اسم معها للمخاطب بالكاف, فاعرف ذلك. وكذلك أيضًا في "أنت" قد جرّدت الاسم وهو "أن" من معنى الحرفية, وأخلصت التاء البتة بعده للخطاب, كما أخلصت الكاف بعد التاء في "أرأيتك عمرًا ما شأنه" حرفًا للخطاب. فإن قلت: ف"أن" من "أنت" لم تُستعمل قط حرفًا, ولا خلعت دلالة الاسمية عنها, فهذا يقوي حكم الأسماء المضمرة, كما أضعفها ما قدمت أنت من حالها في تجردها من معنى الأسمية٥ وما غلب عليها من حكم الحرفية. قيل: لسنا ندَّعي أن كل اسم مضمر لا بُدَّ من٦ أن يخلع عنه حكم الاسمية, ويخلص للخطاب والحرفية, فيلزمنا ما رمت إلزامنا إياه, وإنما قلنا: إن معنى الحرفية قد أخلص له بعضها, فضعف لذلك حكم جميعها, وذلك أن الخلع العارض فيها إنما لحق متصلها دون منفصلها -وذلك لضعف المتصل- فاجترئ عليه لضعفه، فخلع معنى الاسمية منه. وأما المنفصل فجارٍ بانفصاله مجرى الأسماء الظاهرة القوية المعربة. وهذا واضح.

стр. 600

فإن قلت: في١ الأسماء الظاهرة كثيرة من المبنية, نحو: هذا وهذي "وتاك"٢ وذلك والذي والتي وما ومن وكم وإذ ونحو ذلك, فهلّا لمّا وجد البناء في كثير من المظهرة٣ سرى في جميعها, كما أنه لما غلب شبه الحرف في بعض المضمرة أجرى عليها جميعها على ما قدمته؟ قيل: إن الأسماء المظهرة من حيث كانت هي الأُوَل القدائم القوية, احتمل ذلك فيها لسبقها وقوتها, والأسماء المضمرة ثوانٍ لها وأخلاف منها, "ومعوضة"٤ عنها، فلم تقو قوة ما هي تابعة له، ومعتاضة٥ منه، فأعلها ما لا يعله، ووصل إليها ما يقصر دونه. وأيضًا, فإن المضمر المتصل وإن كان أضعف من الضمير المنفصل, فإنه أكثر وأسير٦ في الاستعمال منه, ألا تراك تقول: إذا قدرت على المتَّصل لم تأت بالمنفصل. فهذا يدلك على أن المتَّصل أخف عليهم وآثر في أنفسهم٧. فلما كان كذلك وهو مع ذلك أضعف من المنفصل, وسرى فيه لضعفه حكم, لزم المنفصل, أعني: البناء؛ لأنه مضمر مثله, ولا حق في سعة الاستعمال به. فإن قيل: وما الذي رغَّبهم في المتصل حتى شاع استعماله, وصار متى قدر عليه لم يؤت بالمنفصل مكانه؟
следующие страницы →