← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الذي دعا إلى قلبها في صحراوات١، وصحراويّ, كأن حمل كاف "ذلك" على كاف رأيتك جائزًا أيضًا, وإن لم يكن أقوى لم يكن أضعف. وقد٢ اتَّصل بما نحن عليه موضع طريف. ونذكره لاستمرار مثله. وذلك أن أصغر الناس قدرًا قد يخاطب أكبر الملوك محلًّا بالكاف من غير احتشام منه ولا إنكار عليه. وذلك نحو قول التابع الصغير للسيد الخطير: قد خاطبت ذلك الرجل, واشتريت تينك الفرسين, ونظرت إلى ذينك الغلامين, فيخاطب٣ الصاحب الأكبر بالكاف, وليس الكلام شعرًا, فتحتمل٤ له جرأة الخطاب فيه كقوله٥: لقينا بك الأسد, وسألنا منك البحر, وأنت السيد القادر, ونحو ذلك. وعلة جواز ذلك عندي أنه إنما لم تخاطب الملوك بأسمائها إعظامًا لها؛ إذ كان الاسم دليل المعنى وجاريًا في أكثر الاستعمال مجراه, حتى دعا ذاك قومًا إلى أن زعموا٦ أنّ الاسم هو المسمَّى. فلمَّا أرادوا٧ إعظام الملوك وإكبارهم تجافوا وتجانفوا عن ابتذال أسمائهم التي هي شواهدهم, وأدلة عليهم إلى الكناية بلفظ الغيبة, فقالوا: إن رأي الملك أدام الله علوّه, ونسأله حرس الله ملكه، ونحو ذلك، وتحاموا "إن رأيت"، و"نحن نسألك"، لما ذكرنا. فهذا هذا. فلمّا خلعت عن هذه الكاف دلالة الاسمية, وجردت٨ للخطاب البتة, جاز استعمالها؛ لأنها ليست

стр. 597

باسم, فيكون في اللفظ به ابتذال له. فلمّا خلصت هذه الكاف خطابًا البتة, وعريت من معنى الاسمية استعملت في خطاب الملوك لذلك. فإن قيل: فهلّا جاز على هذا أن يقال للملك ومن يلحق به في غير الشعر "أنت"؛ لأن التاء هنا أيضًا للخطاب, مخلوعة عنها دلالة الاسمية؟ قيل: التاء في "أنت" وإن كانت حرف خطاب لا اسمًا, فإن معها نفسها الاسم, وهو "أن" من "أنت", فالاسم على كل حال حاضر, وإن لم تكن الكاف, وليس كذا١ قولنا: "ذلك"؛ لأنه ليس للمخاطب بالكاف هنا اسم غير الكاف, كما كان له مع التاء في "أنت" اسم للمخاطب نفسه، وهو "أن" فاعرف ذلك فرقًا بين الموضعين. ونحو من ذلك ما رآه٢ أبو الحسن في أن الهاء والياء في "إياه" و"إياي" حرفان؛ أحدهما للغيبة وهو الهاء, والآخر للحضور وهو الياء. وذلك أنه كان يرى أن الكاف في "إياك" حرف للخطاب, فإذا أدخلت عليه الهاء والياء في "إياه" و"إياي" قال: هما أيضًا حرفان للغيبة والحضور, مخلوعة٣ عنهما دلالة الاسمية في رأيته، وغلامي وصاحبي. وهذا مذهب هول٤. وهو٥ -وإن كان كذلك- جارٍ على القوة، ومقتاس بالصحة. واعلم أن نظير الكاف في رأيتك إذا خلعت عنها دلالة الاسمية, واستقرّت للخطاب -على ما أرينا- التاء في قمت وقعدت ونحو ذلك, هي هنا تفيد الاسمية والخطاب, ثم تخلع عنها دلالة الاسمية, وتخلص للخطاب البتة في أنت وأنت. فالاسم "أن" وحده، والتاء "من بعد"٦ للخطاب.

стр. 598

وللتاء موضع آخر تخلص فيه للاسمية البتة, وليس "ذلك للكاف"١. وذلك الموضع قولهم: أرأيتك زيدًا ما صنع. فالتاء اسم مجرَّد من الخطاب, والكاف حرف للخطاب مجرد من الاسمية. هذا هو المذهب. ولذلك لزمت التاء الإفراد والفتح في الأحوال كلها, نحو قولك للمرأة: أرأيتك زيدًا ما شأنه, وللاثنين "وللاثنتين"٢ أرأيتكما زيدًا أين جلس؟ ولجماعة المذكر والمؤنث: أرأيتكم زيدًا ما خبره؟ وأرأيتكن عمرًا ما حديثه؟ فالتغيير للخطاب لاحق للكاف والتاء -"لأنه" لا خطاب فيها- على صورة واحدة؛ لأنها مخلصة اسمًا. فإن قيل: هذا ينقض عليك أصلًا مقررًا٣. وذلك أنك إنما٤ تعتلّ لبناء الأسماء المضمرة بأن تقول: إن شبه الحرف "غلب عليها ومعنى الاسم بعد عنها"٥ وذلك نحو قولك: "ذلك"٦ وأولئك, فتجد الكاف مخلصة للخطاب, عارية من معنى الاسم. وكذلك التاء في أنتَ وأنتِ عارية من معنى الاسم, مجردة لمعنى الحرف. وأنت مع هذا تقول: إن التاء في أرأيتك زيدًا "أين هو٧، ونحو ذلك, قد أخلصتها اسمًا, وخلعت عنها دلالة الخطاب. فإذا كانت قد تخلص في موضع اسمًا، كما خلصت في آخر حرفًا تعادل أمرها٨، ولم يكن لك عذر في الاحتجاج بإحدى حاليها.

стр. 599

"قيل: إن"١ الكاف في "ذلك" جُرّدت من معنى الاسمية, ولم تقرن باسم المخاطب بها. والتاء في أرأيتك زيدًا ما صنع, لم تجرّد من معنى الحرفية إلّا مقترنة بما كان مرة اسمًا, ثم جرد من معنى الاسمية, وأخلص للخطاب والحرفية وهو الكاف في "أرأيتك زيدًا ما صنع" ونحوه. فأنت٢ وإن خلعت عن تاء "أرأيتك زيدًا ما خبره" معنى الحرفية, فقد قرنت بها ما جردته من معنى الاسمية, وهو الكاف بعدها, فاعتدل الأمران باقتران الاسم٣ البتة بالحرف البتة. وليس كذلك "ذلك"؛ لأنك إنما معك٤ الكاف المجرَّدة لمعنى الخطاب, لا اسم معها للمخاطب بالكاف, فاعرف ذلك. وكذلك أيضًا في "أنت" قد جرّدت الاسم وهو "أن" من معنى الحرفية, وأخلصت التاء البتة بعده للخطاب, كما أخلصت الكاف بعد التاء في "أرأيتك عمرًا ما شأنه" حرفًا للخطاب. فإن قلت: ف"أن" من "أنت" لم تُستعمل قط حرفًا, ولا خلعت دلالة الاسمية عنها, فهذا يقوي حكم الأسماء المضمرة, كما أضعفها ما قدمت أنت من حالها في تجردها من معنى الأسمية٥ وما غلب عليها من حكم الحرفية. قيل: لسنا ندَّعي أن كل اسم مضمر لا بُدَّ من٦ أن يخلع عنه حكم الاسمية, ويخلص للخطاب والحرفية, فيلزمنا ما رمت إلزامنا إياه, وإنما قلنا: إن معنى الحرفية قد أخلص له بعضها, فضعف لذلك حكم جميعها, وذلك أن الخلع العارض فيها إنما لحق متصلها دون منفصلها -وذلك لضعف المتصل- فاجترئ عليه لضعفه، فخلع معنى الاسمية منه. وأما المنفصل فجارٍ بانفصاله مجرى الأسماء الظاهرة القوية المعربة. وهذا واضح.

стр. 600

فإن قلت: في١ الأسماء الظاهرة كثيرة من المبنية, نحو: هذا وهذي "وتاك"٢ وذلك والذي والتي وما ومن وكم وإذ ونحو ذلك, فهلّا لمّا وجد البناء في كثير من المظهرة٣ سرى في جميعها, كما أنه لما غلب شبه الحرف في بعض المضمرة أجرى عليها جميعها على ما قدمته؟ قيل: إن الأسماء المظهرة من حيث كانت هي الأُوَل القدائم القوية, احتمل ذلك فيها لسبقها وقوتها, والأسماء المضمرة ثوانٍ لها وأخلاف منها, "ومعوضة"٤ عنها، فلم تقو قوة ما هي تابعة له، ومعتاضة٥ منه، فأعلها ما لا يعله، ووصل إليها ما يقصر دونه. وأيضًا, فإن المضمر المتصل وإن كان أضعف من الضمير المنفصل, فإنه أكثر وأسير٦ في الاستعمال منه, ألا تراك تقول: إذا قدرت على المتَّصل لم تأت بالمنفصل. فهذا يدلك على أن المتَّصل أخف عليهم وآثر في أنفسهم٧. فلما كان كذلك وهو مع ذلك أضعف من المنفصل, وسرى فيه لضعفه حكم, لزم المنفصل, أعني: البناء؛ لأنه مضمر مثله, ولا حق في سعة الاستعمال به. فإن قيل: وما الذي رغَّبهم في المتصل حتى شاع استعماله, وصار متى قدر عليه لم يؤت بالمنفصل مكانه؟

стр. 601

قيل: علة ذلك أن الأسماء المضمرة إنما رغب فيها وفزع إليها طلبًا للخفة بها بعد زوال الشك بمكانها, وذلك أنك لو قلت: زيد ضرب زيدًا, فجئت بعائده١ مظهرًا مثله, لكان في ذلك إلباس واستثقال. أما الإلباس فلأنك إذا قلت: "زيد ضربت زيدًا, لم تأمن أن يظن أن زيدًا الثاني غير الأول, وأن عائد الأول متوقع مترقب. فإذا قلت: "زيد ضربته" عُلِمَ بالمضمر أن الضرب إنما وقع بزيد المذكور لا محالة, وزال تعلق القلب٢ لأجله وسببه٣. وإنما كان كذلك لأنّ المظهر يرتجل, فلو قلت: زيد ضربت زيدًا لجاز أن يتوقّع٤ تمام الكلام, وأن٤ يظنَّ أن الثاني غير الأول, كما تقول: زيد ضربت عمرًا, فيتوقع أن تقول: في داره أو معه أو لأجله. فإذا قلت: زيد ضربته, قطعت بالضمير سبب الإشكال من حيث كان المظهر يرتجل, والمضمر تابع غير مرتجل في أكثر اللغة. فهذا وجه كراهية الإشكال. وأما وجه الاستخفاف: فلأنك إذا قلت: العبيثران٥ شممته, فجعلت موضع التسعة٦ واحدًا, كان أمثل من أن تعيد التسعة كلها فتقول: العبيثران شممت العبيثران. نعم, وينضاف إلى الطول قبح التكرار المملول. وكذلك ما تحته من العدد الثماني والسباعي فما تحتهما, هو على كل حال أكثر من الواحد. فلمَّا كان الأمر الباعث عليه والسبب المقتاد إليه إنما هو طلب الخفة به, كان المتصل منه آثر في نفوسهم وأقرب رحمًا عندهم, حتى إنهم متى قدروا عليه لم يأتوا بالمنفصل مكانه.

стр. 602

فلذلك لما غلب شبه الحرفية على المتصل بما ذكرناه: من خلع دلالة١ الاسمية عنه في ذلك وأولئك وأنتَ وأنتِ, وقاما أخواك, وقاموا إخوتك: ويعصرن السليط أقاربه٢ ... وقلن الجواري ما ذهبت مذهبا٣ حملوا المنفصل عليه في البناء؛ إذ كان ضميرًا مثله, وقد يستعمل في بعض الأماكن في موضعه, نحو قوله: إليك حتى بلغت إياكا٤ أي: بلغتك, وقول أبي بجيلة "وهو بيت الكتاب "٥: كأنَّا يوم قرى إذّ ... ما نقتل إيانا٦

стр. 603

وبيت أمية: بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرض في دهر الدهارير١ وكذلك قد يستعمل المتصل موضع المنفصل؛ نحو قوله: فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألّا يجاورنا إلّاك ديار١ فإن قلت: زعمت أن المتصل آثر في نفوسهم من المنفصل, وقد ترى إلى أكثر استعمال المنفصل موضع المتصل, وقلة استعمال المتصل موضع المنفصل, فهلّا دلَّك ذلك على خلاف مذهبك؟ قيل: لمَّا كانوا متى قدروا على المتَّصل لم يأتوا مكانه بالمنفصل, غلب حكم المتصل, فلمَّا كان كذلك عوَّضوا منه أن جاءوا في بعض المواضع بالمنفصل في موضع المتصل, كما قلبوا الياء إلى الواو في نحو٢: الشروي والفتوي؛ لكثرة دخول الياء على الواو في اللغة. ومن ذلك قولنا: ألا قد كان كذا, وقول الله سبحانه: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ ٣ ف"ألا" هذه فيها هنا شيئان: التنبيه وافتتاح الكلام, فإذا جاءت٤ معها "يا" خلصت افتتاحًا "لا غير"٥, وصار التنبيه الذي كان فيها ل"يا" دونها. وذلك نحو٦ قول الله -عز اسمه: "أَلَا يَسْجُدُوا لِلَّهِ"٧ وقول الشاعر: ألا يا سنا برق على قُلَل الحمى ... لهنَّك من برق علي كريم٨

стр. 604

ومن ذلك واو العطف؛ فيها معنيان: العطف ومعنى الجمع. فإذا وضعت موضع "مع" خلصت للاجتماع, وخلعت عنها دلالة العطف, نحو قولهم: استوى الماء والخشبة, وجاء البرد والطيالسة. ومن ذلك فاء العطف فيها معنيان: العطف والإتباع. فإذا استعملت في جواب الشرط خلعت عنها دلالة العطف وخلصت للإتباع, وذلك قولك: إن تقم فأنا أقوم, ونحو ذلك. ومن ذلك همزة الخطاب في "هاء يا رجل"، و"هاء يا امرأة" كقولك: "هاكَ" و"هاكِ", فإذا ألحقتها الكاف جردتها من الخطاب؛ لأنه يصير بعدها في الكاف, وتفتح هي أبدًا. وهو قولك: هاءكَ وهاءَكِ وهاءكما وهاءكم. ومن ذلك "يا" في النداء؛ تكون تنبيهًا ونداء في نحو: يا زيد, ويا عبد الله. وقد تجردها من النداء للتنبيه البتة, نحو قول الله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ "كأنه قال: ألا ها اسجدوا"١. وكذلك قول العجاج: يا دار سلمة يا اسلمي ثم اسلمي٢ إنما هو كقولك: ها اسلمي. وهو كقولهم: "هَلُمَّ" في التنبيه على الأمر. وأما٣ قول أبي العباس: إنه أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا, فمردود٤ عندنا. وقد كرر٤ ذلك أبو علي في غير موضع فغنينا عن إعادته٥.

стр. 605

باب في تعليق الأعلام على المعاني دون الأعيان: هذا باب من العربية غريب الحديث, أراناه أبو علي -رحمه الله تعالى, وقد كنت شرحت حاله في صدر١ تفسيري أسماء شعراء الحماسة بما فيه مقنع, إلّا أنا أردنا ألّا نخلّي كتابنا هذا منه؛ لإغرابه وحسن التنبيه عليه. اعلم أن الأعلام أكثر وقوعها في كلامهم إنما هو على الأعيان دون المعاني. الأعيان هي الأشخاص نحو: زيد وجعفر وأبي محمد "وأبي القاسم"٢، وعبد الله, وذي النون وذي يزن, وأعوج "وسبل"٢، والوجيه ولاحق وعلوي٣، وعتوة٣، والجديل، "وشدقم"٣ وعُمَان، ونجران٤، والحجاز والعراق والنجم والدبران, والثريا، وبرقع٥، والجرباء٥. ومنه محوة للشمال؛ لأنها على كل حال جسم وإن لم تكن مرئية. وكما جاءت الأعلام في الأعيان, فكذلك أيضًا قد جاءت في المعاني نحو قوله ٦: أقول لمّا جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر فسبحان "اسم"٧ علم لمعنى٨ البراءة والتنزيه, بمنزلة عثمان وحمران.

стр. 606

ومنه١ قوله: وإن قال غاو من تنوخ قصيدة ... بها جربٌ عدت عليّ بزوبرا سألت أبا علي عن ترك صرف "زوبر" فقال: علّقه علمًا على القصيدة, فاجتمع فيه التعريف والتأنيث, كما اجتمع في سبحان التعريف والألف والنون. ومنه -فيما ذكره أبو علي- ما حكاه أبو زيد من قولهم: كان ذلك الفينة, وفينة, وندرى, والندرى. فهذا مما اعتقب عليه تعريفان: العلمية والألف واللام, وهو كقولك: شعوب, والشعوب للمنية. " وعروبة, والعروبة"٢. كما أنَّ الأول كقولك: في الفرط والحين. " ومثله غدوة, جعلوها علمًا للوقت"٣. وكذلك أعلام الزمان نحو: صفر ورجب وبقية الشهور, "وأول وأهون وجبار, وبقية تلك الأسماء"٣. ومنه أسماء الأعداد كقولك: ثلاثة نصف ستة, وثمانية ضعف أربعة, إذا أردت قدر العدد لا نفس المعدود, فصار هذا اللفظ علمًا لهذا المعنى. ومنه٤ ما أنشده صاحب الكتاب من قوله ٥: أنا اقتسمنا خُطَّتينا بيننا ... فحملت برّة واحتملت فجار

стр. 607

فبرّة اسم علم لمعنى البرِّ, فلذلك لم يصرف للتعريف والتأنيث. وعن مثله عُدِل فجار, أي: عن فجرة. وهي علم غير مصروف, كما أن برّة كذلك. وقول١ سيبويه: إنها معدولة عن الفجرة تفسير على٢ طريق المعنى لا على٣ طريق اللفظ. وذلك أنه أراد أن يعرف أنه معدول عن فجرة علمًا, ولم تستعمل تلك علمًا, فيريك ذلك, فعدل عن لفظ العلمية المراد إلى لفظ التعريف فيها المعتاد. وكذلك لو عدلت عن برّة هذه لقلت: برار, كما قال: فجار. وشاهد ذلك أنهم عدلوا حذام وقطام عن حاذمة وقاطمة, وهما عَلَمان, فكذلك يجب أن تكون فَجَارِ معدولة عن فَفْرَة علمًا أيضًا. ومن الأعلام المعلَّقة على المعاني ما استعمله النحويون في عباراتهم من المثل المقابل بها الممثّلات, نحو قولهم: "أفعل" إذا أرادت به الوصف, وله "فعلاء" لم تصرف. فلا٤ تصرف أنت "أفعل" هذه من حيث صارت علمًا لهذا المثال نحو: أحمر وأصفر وأسود وأبيض. فتجري٥ "أفعل" هذا مجرى أحمد وأصرم علمين. وتقول: "فاعلة" لا تنصرف معرفة, وتنصرف نكرة. فلا تصرف "فاعلة"؛ لأنها علم لهذا الوزن, فجرت مجرى فاطمة وعاتكة. وتقول: "فعلان" إذا كانت له فَعْلَى, فإنه لا ينصرف معرفة ولا نكرة. فلا تصرف فعلان هذا؛ لأنه عَلَم لهذا الوزن بمنزلة حَمْدان وقحطان. وتقول: وزن طلحة "فَعْلة" ومثال عَبَيْثُرَان "فَعَيْلُلان" ومثال إسحارّ٦ "إفعالّ" ووزن إستبرق "إستفعل", ووزن طريفة "فعيلة". وكذلك جميع ما جاء من هذا الطرز. وتقول: وزن إبراهيم "فعلاليل" فتصرف هذا المثال؛ لأنه لا مانع له من الصرف،

стр. 608

ألا ترى أنه ليس فيه أكثر من التعريف, والسبب الواحد لا يمنع الصرف. ولا تصرف إبراهيم للتعريف والعجمة. وكذلك وزن جبرئيل "فعلئيل" فلا تصرف جبرئيل, وتصرف مثاله. والهمزة فيه زائدة لقولهم: جبريل. وتقول: مثال جعفر "فعلل" فتصرفهما جميعًا؛ لأنه ليس في كل واحد منهما أكثر من التعريف. وقد١ يجوز إذا قيل لك ما مثال "أَفْكَلٍ" أن تقول: مثاله: "أفعلٍ", فتصرفه حكاية لصرف أفكلٍ كما جررته حكاية لجره؛ ألا تراك إذا قيل لك: ما مثال ضرب قلت: فُعِل فتحكى في المثال بناء ضرب, فتبنيه كما بنيت مثال المبنيّ, كذلك حكيت إعراب أفكلٍ وتنوينه, فقلت في جواب ما مثال أفكلٍ: مثاله أفعلٍ فجررت كما صرفت. فاعرف ذلك. ومن ذلك قولهم: قد صرّحت٢ بِجدّانَ وجلدانَ. فهذا٣ علم لمعنى الجِدّ. ومنه قولهم: أتى على ذي بليان. فهذا علم للبعد٤؛ قال: تنام ويذهب الأقوامُ حتى ... يقالَ أتوا على ذي بِلِّيان٥ فإن قلت: ولم قلت الأعلام في المعاني، وكثرت في الأعيان، نحو: زيد وجعفر، وجميع ما علق عليه علم وهو شخص؟ قيل: لأن الأعيان أظهر للحاسَّة وأبدى إلى المشاهدة، فكانت٦ أشبه بالعلمية مما لا يرى ولا يشاهد حسًّا٧، وإنما يعلم تأمّلًا واستدلالًا، وليست كمعلوم٨ الضرورة للمشاهدة.

стр. 609

باب في الشيء يرد مع نظيره مورده ١ مع نقيضه: وذلك أضرب: منها اجتماع المذكر والمؤنث في الصفة المؤنثة؛ نحو: رجل علَّامة, وامرأة علَّامة, ورجل نسَّابة, وامرأة نسابة, ورجل همزة لمزة, وامرأة همزة لُمَزة, ورجل صرورة وفروقة, وامرأة صرورة وفروقة, ورجل هلباجة فقاقة٢، وامرأة كذلك. وهو كثير. وذلك أن الهاء في نحو ذلك لم تلحق لتأنيث الموصوف بما هي فيه, وإنما لحقت لإعلام المسامع أن هذا الموصوف بما هي فيه قد بلغ الغاية والنهاية, فجعل تأنيث الصفة أمارة٣ لما أريد من تأنيث الغاية والمبالغة, وسواء كان ذلك الموصوف بتلك الصفة مذكرًا أم٤ مؤنثًا. يدل على ذلك أن الهاء لو كانت في نحو: امرأة فروقة, إنما لحقت؛ لأن المرأة مؤنثة لوجب أن تحذف في المذكر فيقال: رجل فروق, كما أن التاء في "نحو امرأة"٥ قائمة، وظريفة, لما لحقت لتأنيث الموصوف حذفت مع تذكيره في نحو:٦ رجل ظريف وقائم وكريم. وهذا واضح. ونحو من تأنيث هذه الصفة٧ لا يعلم أنها بلغت المعنى الذي هو مؤنث أيضًا تصحيحهم العين في نحو: حول وصيد واعتونوا واجتوروا, إيذانًا بأن ذلك في معنى ما لا بُدَّ من تصحيحه. وهو احولَّ واصيدَّ وتعاونوا، وتجاوروا،

стр. 610

وكما كررت الألفاظ لتكرير المعاني نحو: الزلزلة والصلصلة والصرصرة. وهذا١ باب واسع. ومنها اجتماع المذكر والمؤنث في الصفة المذكرة, وذلك نحو: رجل خصم, وامرأة خصم, ورجل عدل وامرأة عدل, ورجل ضيف وامرأة ضيف, ورجل رضا وامرأة رضًا. وكذلك ما فوق الواحد نحو: رجلين٢ رضا وعدل, وقوم رضا وعدل, قال زهير٣: متى يشتجر قوم يقل سرواتهم ... هم بيننا فهم رضًا وهم عدلُ٤ وسبب اجتماعهما هنا في هذه الصفة أن التذكير إنما أتاها من قبل المصدرية٥، فإذا قيل: رجل عدل فكأنه وصف بجميع الجنس مبالغة كما تقول: استولى على الفضل, وحاز جميع الرياسة والنبل, ولم يترك لأحد نصيبًا في الكرم والجود, ونحو ذلك. فوصف بالجنس أجمع٦، تمكينًا "لهذا الموضع"٧ وتوكيدًا. وقد ظهر منهم ما يؤيد هذا المعنى ويشهد به. وذلك نحو قوله: أنشدناه أبو علي: ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنَّت علينا والضنين من البخل٨

стр. 611

فهذا كقولك: هو مجبول من الكرم, ومطين من الخير, وهي مخلوقة١ من البخل. وهذا أوفق معنى من أن تحمله٢ على القلب وأنه يريد به ٣: والبخل من الضنين؛ لأن فيه من الإعظام والمبالغة ما ليس في القلب. ومنه ما أنشدناه أيضًا من قوله: وهنّ من الإخلاف قبلك والمطل٤ و"قوله"٥: وهن من الإخلاف والولعان٦ وأقوى التأويلين في قولها ٧: فإنما هي إقبالٌ وإدبار أن يكون٨ من هذا، أي: كأنها مخلوقة٩ من الإقبال والإدبار لا على أن يكون من باب حذف المضاف, أي: ذات إقبال وذات إدبار. ويكفيك من هذا كله قول الله : ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ١٠ وذلك لكثرة فعله إياه واعتياده له, وهذا أقوى معنى من أن يكون أراد: خلق العجل من الإنسان؛ لأنه أمر قد

стр. 612

اطَّرد واتَّسع, فحمله على القلب يبعد في الصنعة و"يصغِّر المعنى"١. وكأن هذا الموضع لما خفي على بعضهم قال في تأويله: إن العَجَل هنا الطين. ولعمري إنه في اللغة كما ذكر غير أنه في هذا الموضع لا يراد به إلّا نفس العجلة والسرعة, ألا تراه عزَّ اسمه كيف قال عقبه: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ٢ فنظيره قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ ٣ ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٤؛ لأن العجلة ضرب من الضعف لما تؤذن٥ به من الضرورة والحاجة. فلمَّا كان الغرض في قولهم: رجل عدل وامرأة عدل إنما هو إرادة المصدر والجنس, جعل الإفراد والتذكير أمارة للمصدر٦ المذكر. فإن قلت: فإن نفس٧ لفظ المصدر قد جاء مؤنثًا نحو: الزيادة والعبادة٨، والضئولة، والجهومة والمحمية والموجدة والطلاقة، والسياطة. وهو كثير جدًّا. فإذا كان نفس المصدر قد جاء مؤنثًا فما هو في معناه ومحمول بالتأويل عليه أحجى بتأنيثه. قيل: الأصل لقوّته أحمل لهذا المعنى من الفرع لضعفه. وذلك أن الزيادة، والعبادة٨، والجهومة والطلاقة ونحو ذلك مصادر غير مشكوك فيها, فلحاق التاء لها٩ لا يخرجها عمَّا ثبت في النفس من مصدريتها. وليس كذلك الصفة؛ لأنه ليست في الحقيقة مصدرًا, وإنما هي متأولة عليه ومردودة بالصنعة إليه. فلو قيل: رجل عدل, وامرأة عدلة, وقد جرت صفة

стр. 613

كما ترى لم يؤمن أن يظن بها١ أنها صفة حقيقية؛ كصَعْبة من صعب, وندبة من ندب, وفخمة من فخم, ورطبة من رطب. فلم يكن فيها من قوة الدلالة على المصدرية ما في نفس المصدر نحو: الجهومة والشهومة والطلاقة والخلاقة. فالأصول٢ لقوّتها يتصرف فيها, والفروع لضعفها يتوقف بها، ويقصر عن بعض ما تسوغه القوة لأصولها. فإن قلت: فقد قالوا: رجل عدل, وامرأة عدلة, وفرس طوعة القياد, وقال أمية -أنشدناه: والحيّة الحتفة الرّقشاء أخرجها ... من بيتها آمِنَات الله والكلم٢ قيل: هذا مِمَّا خرج على صورة الصفة؛ لأنهم لم يؤثروا أن يبعدوا كل البعد عن أصل الوصف الذي بابه أن يقع الفرق فيه بين مذكره ومؤنثه, فجرى هذا في حفظ٣ الأصول والتلفت إليها، "للمباقاة لها"٤، والتنبيه عليها, مجرى إخراج بعض المعتل على أصله نحو: استحوذ وضننوا -وقد تقدَّم ذكره- ومجرى إعمال صغته وعدته، وإن كان قد نقل إلى "فَعُلت" لما كان أصله "فَعَلت". وعلى ذلك أنَّث بعضهم فقال: خصمة وضيفة؛ وجمع٥، فقال ٦: يا عين هلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد وعليه قول الآخر: إذا نزل الأضياف كان عذورًا ... على الحي حتى تستقلّ مراجله٧

стр. 614

الأضياف هنا بلفظ القلة ومعناها أيضًا, وليس كقوله ١: وأسيافنا يقطرن من نجدة دمًا في أن المراد به٢ معنى الكثرة, وذلك أمدح؛ لأنه إذا قرى الأضياف وهم قليل بمراجل الحي أجمع, فما ظنك به٣ لو نزل به الضيفان الكثيرون! فإن قيل: فلم أنَّث المصدر أصلًا؟ وما الذي سوَّغ التأنيث فيه مع معنى العموم والجنس وكلاهما إلى التذكير, حتى احتجت إلى الاعتذار له بقولك ٤: إنه أصل, وإن الأصول تحمل ما لا تحمله الفروع. قيل: علة جواز تأنيث المصدر مع ما ذكرته من وجوب تذكيره أن المصادر أجناس للمعاني "كما غيرها"٥ أجناس للأعيان, نحو: رجل وفرس وغلام ودار وبستان. فكما٦ أن أسماء أجناس الأعيان قد تأتي مؤنثة الألفاظ, ولا حقيقة تأنيث في معناها نحو: غرفة، ومشرقة٧، وعلية ومروحة، ومِقْرَمَة٨؛ وكذلك جاءت أيضًا أجناس المعاني مؤنثًا بعضها لفظًا لا معنى, وذلك نحو: المحمدة والموجدة والرشاقة، والجباسة٩، والضئولة، والجهومة.

стр. 615

نعم، وإذا جاز تأنيث المصدر وهو على مصدريته غير موصوف به، لم يكن تأنيثه وجمعه, وقد ورد١ وصفًا٢ على المحل الذي من عادته أن يفرق فيه بين مذكره ومؤنثه, وواحده وجماعته قبيحًا ولا مستكرهًا, أعني: ضيفة٣ وخصمة، وأضيافًا وخصومًا, وإن كان التذكير والإفراد أقوى في اللغة وأعلى في الصنعة, قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ٤. وإنما كان التذكير والإفراد أقوى من قبل أنك لما وصفت بالمصدر أردت المبالغة بذلك, فكان من تمام المعنى وكماله أن تؤكد ذلك بترك التأنيث والجمع, كما يجب للمصدر في أول أحواله, ألا ترى أنك إذا أنثت وجمعت سلكت به مذهب الصفة الحقيقة التي لا معنى للمبالغة٥ فيها، نحو: قائمة ومنطلقة وضاربات ومكرمات, فكان ذلك يكون نقضًا للغرض أو كالنقض له. فلذلك قلَّ حتى وقع الاعتذار لما جاء منه مؤنثًا أو مجموعًا. ومما جاء من المصادر مجموعًا ومعملًا أيضًا قوله ٦: مواعيد عرقوب أخاه بيثرب٧ و"بيترب". ومنه عندي قولهم: تركته بملاحس البقر أولادها. فالملاحس جمع ملحس, ولا يخلو أن يكون مكانًا أو مصدرًا, فلا يجوز أن يكون هنا مكانًا، لأنه قد عمل

стр. 616

في الأولاد فنصبها, والمكان لا يعمل في المفعول به, كما أنَّ الزمان لا يعمل فيه. وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان المضاف هنا محذوفًا مقدَّرًا, وكأنه قال: تركته بمكان ملاحس البقر أولادها, كما أن قوله: وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حيِّ خَثْعَما١ محذوف المضاف, أي: وقت إغارة ابن همام على حيِّ خثعم, ألا تراه قد عداه إلى "على في"٢ قوله: "على حيِّ خثعما". ف"ملاحس البقر" إذًا مصدر مجموع معمل في المفعول به، كما أن "مواعيد عرقوب أخاه بيثرب" كذلك. وهو غريب. وكان أبو علي ﵀ يورد "مواعيد عرقوب" مورد الطريف المتعجَّب منه. فأما قوله: قد جرَّبوه فما زادت تجاربهم ... أبا قدامة إلّا المجد والفنعا٣

стр. 617

فقد يجوز أن يكون من هذا, وقد يجوز أن يكون "أبا قدامة" منصوبًا ب"زادت", أي: فما زادت أبا قدامة تجاربهم إيّاه إلا المجد. والوجه أن ينصب١ ب"تجاربهم"؛ لأنه٢ العامل الأقرب, ولأنه لو أراد إعمال الأوَّل لكان حريّ أن يعمل الثاني أيضًا, فيقول: فما زادت تجاربهم إياه أبا قدامة إلّا كذا, كما تقول ٣: "ضربت فأوجعته زيدًا"، وتضعَّف٤ "ضربت فأوجعت زيدًا" على إعمال الأول. وذلك أنك إذا كنت تعمل الأول على بعده وجب إعمال الثاني أيضًا لقربه؛ لأنه لا يكون الأبعد أقوى حالًا من الأقرب. فإن قلت: أكتفي بمفعول٥ العامل الأول من مفعول العامل الثاني؛ قيل لك: فإذا كنت مكتفيًا مختصرًا فاكتفاؤك بإعمال الثاني الأقرب أولى من اكتفائك بإعمال الأول الأبعد. وليس لك في هذا مالك في الفاعل لأنك تقول: لا أضمر على غير تقدّم٦ ذكر إلا مستكرهًا, فتعمل الأول فتقول: "قام وقعدا أخواك". فأما المفعول فمنه بُدّ, فلا ينبغي أن تتباعد بالعمل إليه وتترك ما هو أقرب إلى المعمول٧ فيه منه. ومن ذلك "فرس وساعٌ" الذكر والأنثى فيه سواء, وفرس جواد, وناقة ضامر, وجمل ضامر، وناقة بازل، وجمل بازل، وهو لباب قومه، وهي لباب قومها، وهم لباب قومهم؛ قال جرير: تذري فوق متنيها قرونًا ... على بشر وآنسة لباب٨

стр. 618

وقال ذو الرمة: سبحلا أبا شرخين أحيا بناته ... مقاليتها فهي اللباب الحبائس١ فأما ناقة هجان, ونوق هجان, ودرع دلاص, وأدرع دلاص, فليس من هذا الباب, فإن فعالًا منه في الجمع تكسير فعال في الواحد. وقد تقدَّم ذكر ذلك في باب ما اتفق لفظه واختلف تقديره.

стр. 619

باب في ورود الوفاق مع وجود الخلاف: هذا الباب ينفصل١ من الذي قبله بأن٢ ذلك تبع فيه اللفظ ما ليس وفقًا له نحو: رجل نسابة وامرأة عدل, وهذا الباب الذي نحن فيه ليس بلفظ تبع لفظًا, بل هو قائم برأسه. وذلك قولهم: غاض الماء وغضته سوَّوا فيه بين المتعدي وغير المتعدي. ومثله: جبرت يده وجبرتها, وعمر المنزل وعمرته, وسار الدابة وسرته, ودان الرجل ودنته, من الدين في معنى أدنته, وعليه جاء مديون في لغة التميميين, وهلك الشيء وهلكته, قال العجاج: ومهمهٍ هالك من تعرّجا٣

стр. 620

فيه قولان: أحدهما أن "هالكًا" بمعنى مهلك, أي: مهلك من تعرج فيه. والآخر: ومهمهٍ هالك المتعرجين فيه, كقولك: هذا رجل حسن الوجه, فوضع "من" موضع الألف واللام. ومثله هبط الشيء وهبطته, قال: ما راعني إلا جناح هابطًا ... على البيوت قوطه العلابطا١ أي: مهبطًا قوطه. وقد يجوز أن يكون أراد: هابطًا بقوطه, فلمَّا حذف حرف الجر نصب بالفعل٢ ضرورة. والأوّل أقوى. فأما قول الله سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ٣ فأجود القولين فيه أن يكون معناه: وإن منها لما يهبط من نظر إليه لخشية الله. وذلك أن الإنسان إذا فكر في عظم هذه المخلوقات تضاءل وتخشع٤، وهبطت نفسه لعظم ما شاهد. فنسب الفعل إلى تلك الحجارة لما كان السقوط والخشوع مسببًا عنها وحادثًا لأجل النظر إليها, كقول الله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٥ وأنشدوا بيت٦ الآخر: فاذكر موقفي إذا التقت الخي ... ل وسارت إلى الرجال الرجالا٧ أي: وسارت الخيل الرجال إلى الرجال.

стр. 621

وقد يجوز أن يكون أراد: وسارت إلى الرجال بالرجال, فحذف حرف الجر فنصب. والأول أقوى. وقال خالد بن زهير: فلا تغضبن من سيرة أنت سِرتَها ... فأول راضٍ سيرة من يسيرها١ ورجنت الدابة بالمكان إذا أقامت فيه, ورجنتها, وعاب٢ الشيء وعبته٣، وهجمت على القوم, وهجمت غيري عليهم أيضًا, وعفا الشيء: كثر وعفوته: كثرته وفغر فاه, وفغر فوه, وشحا فاه٣, وشحا فوه, وعثمت يده وعثمتها, أي: جبرتها على غير استواء, ومدَّ النهر ومددته, قال الله : ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ ٤ وقال الشاعر: ماء خليج مده خليجان٥ وسرحت الماشية وسرحتها، وزاد الشيء وزدته, وذرا الشيء وذروته: طيرته, وخسف المكان وخسفه الله, ودلع اللسان ودلعته, وهاج القوم وهجتهم, وطاخ الرجل وطخته, أي: لطخته بالقبيح -في معنى أطخته٦، ووفر

стр. 622

الشيء ووفرته. وقال الأصمعيّ: رفع البعير ورفعته -في السير المرفوع- وقالوا: نفى الشيء ونفيته, أي: أبعدته, قال القطامي ١: فأصبح جاراكم قتيلًا ونافيا ونحوه: نكرت البئر ونكرتها٢, أي: أقللت ماءها ونزفت ونزفتها. فهذا كله شاذ عن القياس وإن كان مطردًا في الاستعمال, إلا أنَّ له عندي وجهًا لأجله جاز. وهو أن كل فاعل غير القديم سبحانه, فإنما الفعل منه شيء أعيره وأعطيه, وأقدر عليه, فهو وإن كان فاعلًا فإنه لما كان معانًا مقدرًا صار كأن فعله لغيره, ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٣ نعم, وقد قال بعض الناس: إن الفعل لله, وإن العبد مكتسبه, وإن كان هذا خطأ عندنا فإنه قول لقوم. فلما كان قولهم: غاض الماء أن غيره أغاضه, وإن جرى لفظ الفعل له تجاوزت العرب ذلك إلى أن أظهرت هناك فعلًا بلفظ الأول متعديًا؛ لأنه قد كان فاعله في وقت فعله إياه إنما هو مشاء٤ إليه أو معان عليه. فخرج اللفظان لما ذكرنا خروجًا واحدًا. فاعرفه٥.

стр. 623

باب في نقض العادة ١: المعتاد المألوف في اللغة أنه إذا كان فعل غير متعدٍّ كان أفعل متعديًا؛ لأن هذه الهمزة كثيرًا٢ ما تجيء للتعدية. وذلك نحو: قام زيد وأقمت زيدًا, وقعد بكر وأقعدت بكرًا. فإن كان فعل متعديًا إلى مفعول واحد فنقلته بالهمزة صار متعديًا إلى اثنين, نحو: طعم زيد خبزًا وأطعمته خبزًا, وعطا بكر درهمًا وأعطيته درهمًا. فأمَّا كسى زيد ثوبًا وكسوته ثوبًا, فإنه وإن لم ينقل بالهمزة فإنه نقل بالمثال٣، ألا تراه نقل من فعل إلى فعل. وإنما جاز نقله بفعَل لمَّا كان فعل وأفعل كثيرًا ما يعتقبان٤ على المعنى الواحد, نحو: جدَّ في الأمر وأجدَّ, وصددته عن كذا وأصددته, وقصر عن الشيء وأقصر, وسحته الله وأسحته, ونحو ذلك. فلما كان فعل وأفعل على ما ذكرنا: من الاعتقاب والتعاوض ونقل بأفعل, نقل أيضًا فَعِل بفَعَل, نحو: كسى وكسوته، وشترِت٥ عينه وشترها٥، وعارت٦ وعرتها٦, ونحو ذلك.

стр. 624

هذا هو الحديث ١: أن "تنقل بالهمز"٢ فيحدث النقل تعديًا لم يكن قبله. غير أن ضربًا من اللغة جاءت فيه هذه القضية معكوسة مخالفة، فنجد فعل فيها متعديًا، وأفعل غير متعد. وذلك قولهم: أجفل الظليم، وجفلته٣ الريح, وأشنق البعير إذا رفع رأسه, وشنقته, وأنزف البئر إذا ذهب ماؤها ونزفتها، وأقشع٤ الغيم وقشعته الريح, وأنس٥ ريش الطائر ونسلته, وأمرت الناقة إذا در لبنها ومَرَيتها٦. ونحو من ذلك ألوت٧ الناقة بذنبها، ولوت ذنبها، وصرّ٨ الفرس أذنه، وأصرّ٨ بأذنه، وكبَّه الله على وجهه, وأكبَّ هو, وعلوت الوسادة وأعليت عنها٩. فهذا نقض عادة الاستعمال١٠، لأن فعلت فيه متعد وأفعلت غير متعد. وعلة ذلك -عندي- أنه جعل تعدي فعلت وجمود أفعلت كالعوض لفعلت من غلبة أفعلت لها على التعدي, نحو: جلس وأجلسته, ونهض وأنهضته, كما جعل قلب الياء واوًا في التقوى١١ والرعوى والثنوى والفتوى عوضًا للواو من كثرة دخول الياء عليها, وكما جعل لزوم الضرب الأول من المنسرح لمفتعلن وحظر مجيئه تمامًا

стр. 625

أو مخبونًا, بل توبعت فيه الحركات الثلاث البتة تعويضًا للضرب من كثرة السواكن فيه, نحو: مفعوان ومفعولان ومستفعلان, ونحو ذلك مما التقى في آخره من الضروب ساكنان. ونحوٌ من ذلك ما جاء عنهم من أفعلته فهو مفعول١، وذلك نحو: أحببته فهو محبوب, وأجنَّه الله فهو مجنون, وأزكمه فهو مزكوم, وأكزه٢ فهو مكزوز، وأقره فهو مقرور, وآرضه٣ الله فهو مأروض, وأملأه٣ الله فهو مملوء, وأضأده٣ الله فهو مضئود, وأحمه الله -من الحُمَّى- فهو محموم, وأهمه -من الهم- فهو مهموم, وأزعقته فهو مزعوق, أي: مذعور. ومثله ما أنشدناه أبو علي من قوله: إذا ما استحمَّت أرضه من سمائه ... جرى وهو مودوع وواعد مصدق٤ وهو من أودعته, وينبغي أن يكون جاء على ودع. وأما أحزنه الله فهو محزون, فقد حمل على هذا, غير أنه قد قال أبو زيد: يقولون: الأمر يحزنني, ولا يقولون: حزنني, إلا أن مجيء المضارع يشهد للماضي. فهذا أمثل٥ مما مضى. وقد قالوا فيه أيضًا: مُحْزَنٌ على القياس. ومثله قولهم: محب, منه بيت عنترة: ولقد نزلت فلا تظنِّى غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم٦

стр. 626

ومثله قول الأخرى ١: لأنكحن بَبَّه ... جارية خدبه مكرمة محبه ... تجب أهل الكعبة وقال الآخر: ومن يناد آل يربوع يُجَبْ ... يأتيك منهم خير فتيان العرب المنكب الأيمن والردف المحب٢ قالوا: وعِلَّة ما جاء من أفعلته فهو مفعول -نحو: أجنه الله فهو مجنون, وأسله الله فهو مسلول, وبابه- أنهم إنما جاءوا به على فعل نحو: جُنَّ فهو مجنون, وزُكِمَ فهو مزكوم, وسُلَّ فهو مسلول. وكذلك بقيته. فإن قيل لك٣ من بعد: وما بال هذا خالف فيه الفعل مسندًا إلى الفاعل صورته مسندًا إلى المفعول, وعادة الاستعمال غير هذا, وهو أن يجيء الضربان معًا في عدة٤ واحدة؛ نحو: ضربته وضرب وأكرمته وأكرم, وكذلك مقاد٥ هذا الباب؟

стр. 627

قيل: إن العرب لما قوي في أنفسها أمر المفعول حتى كاد يلحق عندها برتبة الفاعل, وحتى١ قال سيبويه فيهما: "وإن كانا٢ جميعًا يهمّانهم ويعنيانهم " خصّوا المفعول إذا أسند الفعل إليه بضربين من الصنعة ٣: أحدهما: تغيير صورة٤ المثال مسندًا إلى المفعول, عن صورته مسندًا إلى الفاعل, والعدة واحدة, وذلك نحو: ضرب "زيد"٥ وضرب وقتل وقتل وأكرم وأكرم ودحرج ودحرج. والآخر: أنهم لم يرضوا ولم يقنعوا بهذا القدر من التغيير حتى تجاوزوه إلى أن غيروا عدّة الحروف مع ضمِّ أوله, كما غيَّروا في الأول الصورة والصيغة٦ وحدها. وذلك نحو٧ قولهم: أحببته وحُبَّ, وأزكمه الله وزكم, وأضأده الله وضئد, وأملاه الله وملئ. قال أبو علي: فهذا٨ يدلك على تمكن المفعول عندهم، وتقدّم٩ حاله في أنفسهم، إذ١٠ أفردوه بأن صاغوا الفعل له صيغة مخالفة لصيغته وهو للفاعل. وهذا ضرب من تدريج اللغة عندهم الذي قدمت١١ بابه، ألا ترى أنهم لما غيروا الصيغة والعدة واحدة في نحو: ضَرَب وضُرب و"شَتَم وشُتِم"١٢ تدرجوا من ذلك إلى أن غيروا الصيغة مع نقصان العدة نحو: أزكمه١٣ الله وزكم، وآرضه١٣ الله وأرض.

стр. 628

فهذا كقولهم١ في حنيفة: حنفيّ لما حذفوا هاء٢ حنيفة حذفوا أيضًا ياءها, ولما لم يكن في حنيف تاء تحذف فتحذف لها الياء صحت الياء, فقالوا فيه: حنيفيّ. وقد تقدَّم القول على ذلك. وهذا الموضع هو٣ الذي دعا أبا العباس أحمد بن يحيى في كتاب فصيحه أن أفرد له بابًا, فقال: هذا باب فُعِل -بضم الفاء- نحو قولك: عُنِيت بحاجتك, وبقية الباب. إنما غرضه فيه إيراد الأفعال المسندة إلى المفعول, ولا تسند إلى الفاعل في اللغة الفصيحة, ألا تراهم٤ يقولون: نخى زيد من النخوة, ولا يقال: نخاه كذا, ويقولون: امتقع لونه, ولا يقولون: "امتقعه كذا, ويقولون: انقطع بالرجل, ولا يقولون"٥: انقطع به كذا. فلهذا جاء بهذا الباب أيّ ليريك أفعالًا خصت بالإسناد إلى المفعول دون الفاعل, كما خصت أفعال بالإسناد إلى الفاعل دون المفعول, نحو: قام زيد, وقعد جعفر, وذهب محمد, وانطلق بشر. ولو كان غرضه أن يرك صورة ما لم يسمّ فاعله مجملًا غير مفصَّل على ما ذكرنا لأورد فيه٦ نحو: ضرب وركب وطلب وقتل وأكل وسمل٧ وأكرم وأحسن إليه واستقصى٨ عليه, وهذا يكاد يكون إلى ما لا نهاية [له] ٩. فاعرف هذا الغرض, فإنه أشرف من حفظ مائة ورقة لغة. ونظير مجيء اسم المفعول ههنا على حذف الزيادة -نحو: أجببته فهو محبوب- مجيء اسم الفاعل على حذفها أيضًا, وذلك نحو قولهم: أورس١٠ الرمث فهو وارس،

стр. 629

وأيفع الغلام فهو يافع, وأبقل المكان فهو باقل, قال الله : ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ١ وقياسه ملاقح؛ لأن الريح تلقح السحاب فتستدرّه. وقد يجوز أن يكون على لقحت هي, فإذا لقحت فزكت ألقحت السحاب, فيكون هذا مما اكتُفِيَ فيه بالسبب من المسبب, وضده قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ٢ أي: فإذا أردت قراءة القرآن فاكتفي بالمسبب الذي هو القراءة من السبب الذي هو الإرادة. وقد جاء عنهم مبقل, حكاها أبو زيد. وقال داود ابن أبي دواد لأبيه في خبر لهما, وقد قال له أبوه ما أعاشك بعدي: أعاشني بعدك واد مبقل ... آكل من حوذانه وأنسل٣ وقد جاء أيضًا حببته، قال "الشاعر "٤: ووالله لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيد ومشرق٥ ونظير مجيء اسم الفاعل والمفعول جميعًا على حذف الزيادة فيما مضى مجيء المصدر أيضًا على حذفها, نحو قولهم: جاء زيد وحده. فأصل هذا أوحدته بمروري إيحادًا, ثم حذفت زيادتها٦ فجاء على الفعل. ومثله قولهم: عمرك الله إلا فعلت, أي: عمرتك الله تعميرًا. ومثله٧ قوله: بمنجرد قيد الأوابد هيكل٨

стр. 630

أي: تقييد الأوابد, ثم حذف زائدتيه١؛ وإن شئت قلت: وصف٢ بالجوهر لما فيه من معنى الفعل, نحو قوله ٣: فلولا الله والمهر المفدَّى ... لرُحْتَ وأنت غربال الإهاب فوضع الغربال موضع مخرق, وعليه ما أنشدناه عن أبي عثمان: مئبرة العرقوب إشفى المرفق أي: دقيقة٤ المرفق. "وهو كثير"٥. فأما٦ قوله٧: وبعد عطائك المائة الرتاعا٨ فليس على حذف الزيادة, ألا ترى أن في عطاء ألف إفعال٩ الزائدة, ولو كان على حذف الزيادة لقال: وبعد عطوك فيكون كوحده. وقد ذكرنا هذا فيما مضى. ولما كان الجمع مضارعًا للفعل بالفرعية فيهما جاءت فيه أيضًا ألفاظ على حذف الزيادة التي كانت في الواحد.

стр. 631

وذلك نحو قولهم: كَرَوان وكِرْوان, ووَرَشان ووِرْشان. فجاء هذا على حذف زائدتيه حتى كأنه صار إلى فَعَل, فجرى مجرى خَرَبٍ وخِرْبان, وبَرَقٍ وبِرْقان, قال: أبصر خربان فضاء فانكدر١ وأنشدنا لذي الرمة: من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكِرْوان أبصرن بازيا٢ ومنه تكسيرهم فَعَالًا على أفعال حتى كأنه إنما كُسِّر فَعَل, وذلك نحو: جواد وأجواد، وعياءٍ٣ وأعياءٍ "وحياء وأحياء"٤ وعراءٍ٥ وأعراءٍ, وأنشدنا: أو مُجْنَ عنه عَرِيت أعراؤه٦ فيجوز أن يكون جمع عَراءٍ, ويجوز أن يكون جمع عُرْى, ويجوز أن يكون جمع عَرًا من قولهم: نزل بِعَرَاه أي: ناحيته.

стр. 632

ومن ذلك قولهم: نِعمة وأَنْعُم, وشِدّة وأشُدّ, في قول١ سيبويه: جاء ذلك على حذف التاء كقولهم: ذئب وأَذْؤب, وقِطْع٢ وأقُطع, وضِرْس وأَضْرُس, قال: وقرعن نابك قَرْعة بالأضرِس وذلك كثير جدًّا. وما يجيء مخالفًا ومنتقضًا أوسع من ذلك, إلّا أن لكل شيء منه عذرًا وطريقًا. وفصل للعرب طريف, وهو إجماعهم على مجيء عين مضارع فَعَلته إذا كانت من٣ فاعلي٤ مضمومة البتة. وذلك نحو قولهم: ضاربني فضربته أضربه, وعالمني فعلمته أعلمه, وعاقلني -من العقل- فعقلته أعقله, وكارمني فكرمته أكرمه, وفاخرني ففخرته أفخره، وشاعرني فشعرته أشعره. وحكى الكسائي: فاخرني ففخرته أفخَره -بفتح الخاء, وحكاها أبو زيد أفخُره -بالضم- على الباب. كل٥ هذا إذا كنت أقوم بذلك الأمر منه. ووجه٦ استغرابنا له أن خصَّ مضارعه بالضم. وذلك أنا قد دللنا٧ على أن قياس باب مضارع فَعَل أن يأتي بالكسر, نحو: ضرب يضِرب, وبابه, وأرينا وجه دخول يفعُل على يفعِل فيه, نحو: قَتَل يقْتُل, ونخل ينخُلُ, فكان الأحجى به هنا إذ أريد الاقتصار به على أحد وجهيه أن يكون ذلك الوجه هو الذي كان القياس مقتضيًا له في مضارع فَعَل وهو يفعِل بكسر العين. وذلك أن العُرْف والعادة إذا أريد

стр. 633

الاقتصار على أحد١ الجائزين أن يكون ذلك المقتصر عليه هو أقيسهما فيه, ألا تراك٢ تقول في تحقير أسود وجذول: أسيد وجديل بالقلب٣، وتجيز من بعد الإظهار وأن٤ تقول: أسيود وجديول, فإذا صرت إلى باب مقام وعجوز اقتصرت على الإعلال البتة فقلت: مقيِّم وعجيِّز, فأوجبت أقوى القياسين لا أضعفهما, وكذل نظائره. فإن قلت: فقد تقول: فيها رجل قائم وتجيز فيه النصب فتقول: فيها رجل قائمًا, فإذا قدَّمت أوجبت أضعف الجائزين. فكذلك أيضًا تقتصر في هذه الأفعال -نحو: أكرمه وأشعُره- على أضعف الجائزين٥ وهو الضمّ. قيل: هذا إبعاد في التشبيه. وذلك أنك لم توجب النصب في "قائمًا"٦ من قولك: فيها رجل قائمًا، و"قائمًا" هذا متأخر عن رجل في مكانه في حال الرفع, وإما اقتصرت على النصب فيه لما لم يجز فيه الرفع, أو لم يقو, فجعلت أضعف الجائزين واجبًا ضرورة لا اختيارًا, وليس كذلك كرمته أكرمه؛ لأنه لم ينقض٧ شيء عن موضعه ولم يقدّم ولم يؤخر. ولو قيل: كرمته أكرمه؛ لكان كشتمته أشتمه, وهزمته أهزمه. وكذلك٨ القول في نحو قولنا: ما جاءني إلّا زيدًا أحد, في إيجاب نصبه, وقد كان النصب لو تأخَّر "زيد" أضعف الجائزين فيه إذا قلت: ما جاءني أحد إلّا زيدًا, الحال فيهما واحدة, وذلك أنك لمَّا لم تجد مع تقديم المستثنى ما تبدله منه عدلت به -للضرورة- إلى النصب الذي كان جائزًا فيه متأخرًا. هذا كنصب "فيها قائمًا رجل" البتة، والجواب عنهما واحد.

стр. 634

وإذا كان الأمر كذلك فقد وجب البحث عن علة مجيء هذا الباب في الصحيح كله بالضم, نحو: أكرمه وأضرُبه. وعلّته عندي أن هذا موضع معناه الاعتلاء والغلبة, فدخله بذلك١ معنى الطبيعة والنحيزة التي تغِلب ولا تُغلب, وتلازم ولا٢ تفارق. وتلك الأفعال بابها: فَعُل يفُعل, نحو: فقُه يفقُه إذا أجاد الفقه, وعلُم يعلُم إذا أجاد العلم. وروينا عن أحمد ابن يحيى عن الكوفيين: ضَرُبتِ اليدُ يدهُ، على وجه المبالغة. وكذلك نعتقد نحن أيضًا في الفعل المبني منه فعل التعجب أنه قد نُقِلَ٣ عن فَعَل وفَعِل إلى فَعُلَ, حتى صارت له صفة التمكن والتقدم, ثم بُنِيَ منه الفعل٤، فقيل: ما أفعله, نحو: ما أشعره, إنما هو من شَعُر, وقد حكاها أيضًا أبو زيد. وكذلك ما أقتله وأكفره: هو عندنا من قَتُل وكَفُر تقديرًا, وإن لم يظهر٥ في اللفظ استعمالًا. فلمَّا كان قولهم: كارمني فكرمته أكرمه٦ وبابه صائرًا إلى معنى فَعُلت أفُعل أتاه الضمّ من هناك. فاعرفه. فإن قلت: فهلّا لما دخله هذا المعنى تَمَّموا فيه الشبه فقالوا: ضربته أضرُبه, وفَخُرْتُه أفْخُرهُ "ونحو ذلك؟ "٧. قيل: منع من ذلك أن فَعُلْت لا يتعدَّى٨ إلى المفعول به أبدًا, ويفعُل قد يكون في المتعدي٩, كما يكون في غيره, ألا ترى إلى قولهم: سلبه يسلُبه, وجلبه يجلبه،

стр. 635

ونخله ينخُله, فلم يمنع من المضارع ما منع من الماضي, فأخذوا منهما١ ما ساغ, واجتنبوا ما لم يسغ. فإن قلت: فقد قالوا: قاضاني فقضيته أقضيه, وساعاني فسعيته أسعيه؟ قيل: لم يكن من "يفعله" ههنا بُدّ, مخافة أن يأتي على يفُعل فينقلب الياء واوًا, وهذا مرفوض في هذا النحو من الكلام. وكما لم يكن من هذا بد ههنا لم يجئ أيضًا٢ مضارع فَعَل منه مما فاؤه واو بالضم, بل جاء بالكسر على الرسم وعادة العرب. فقالوا: واعدني فوعدته أعده, وواجلني فوجلته أجِلُه, وواضأني فوضأته أَضؤه. فهذا كوضعته -من هذا الباب- أضعهُ. ويدلّك على أن لهذا الباب أثرًا في تغييره باب فَعَل في مضارعه قولهم: ساعاني فسعيته أسعيه, ولم يقولوا: أسعاه على قولهم: سعى يسعى, لما كان مكانًا قد رُتِّب وقرر وزوى٣ عن نظيره في غير هذا الموضع. فإن قلت: فهلا غيروا ما فاؤه واو كما غيروا ما لامه ياء فيما ذكرت, فقالوا: واعدني فووعدته أَوعُدُه, لما دخله من المعنى المتجدّد٤. قيل: "فَعَل" مما فاؤه واو لا يأتي مضارعه أبدًا بالضمّ, إنما هو بالكسر, نحو: وجد يجد, ووزن يزن, وبابه, وما لامه ياء فقد٥ يكون على يفعِل كيرمي ويقضي, وعلى يفعَل كيرعَى ويسعَى. فأمر الفاء إذا كانت واوًا في فَعَلَ أغلظ حكمًا من أمر اللام إذا كانت ياء. فاعرف ذلك فرقًا.
следующие страницы →