وذلك نحو قولهم: كَرَوان وكِرْوان, ووَرَشان ووِرْشان. فجاء هذا على حذف زائدتيه حتى كأنه صار إلى فَعَل, فجرى مجرى خَرَبٍ وخِرْبان, وبَرَقٍ وبِرْقان, قال:
أبصر خربان فضاء فانكدر١
وأنشدنا لذي الرمة:
من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكِرْوان أبصرن بازيا٢
ومنه تكسيرهم فَعَالًا على أفعال حتى كأنه إنما كُسِّر فَعَل, وذلك نحو: جواد وأجواد، وعياءٍ٣ وأعياءٍ "وحياء وأحياء"٤ وعراءٍ٥ وأعراءٍ, وأنشدنا:
أو مُجْنَ عنه عَرِيت أعراؤه٦
فيجوز أن يكون جمع عَراءٍ, ويجوز أن يكون جمع عُرْى, ويجوز أن يكون جمع عَرًا من قولهم: نزل بِعَرَاه أي: ناحيته.
стр. 632
ومن ذلك قولهم: نِعمة وأَنْعُم, وشِدّة وأشُدّ, في قول١ سيبويه: جاء ذلك على حذف التاء كقولهم: ذئب وأَذْؤب, وقِطْع٢ وأقُطع, وضِرْس وأَضْرُس, قال:
وقرعن نابك قَرْعة بالأضرِس
وذلك كثير جدًّا.
وما يجيء مخالفًا ومنتقضًا أوسع من ذلك, إلّا أن لكل شيء منه عذرًا وطريقًا. وفصل للعرب طريف, وهو إجماعهم على مجيء عين مضارع فَعَلته إذا كانت من٣ فاعلي٤ مضمومة البتة. وذلك نحو قولهم: ضاربني فضربته أضربه, وعالمني فعلمته أعلمه, وعاقلني -من العقل- فعقلته أعقله, وكارمني فكرمته أكرمه, وفاخرني ففخرته أفخره، وشاعرني فشعرته أشعره. وحكى الكسائي: فاخرني ففخرته أفخَره -بفتح الخاء, وحكاها أبو زيد أفخُره -بالضم- على الباب. كل٥ هذا إذا كنت أقوم بذلك الأمر منه.
ووجه٦ استغرابنا له أن خصَّ مضارعه بالضم. وذلك أنا قد دللنا٧ على أن قياس باب مضارع فَعَل أن يأتي بالكسر, نحو: ضرب يضِرب, وبابه, وأرينا وجه دخول يفعُل على يفعِل فيه, نحو: قَتَل يقْتُل, ونخل ينخُلُ, فكان الأحجى به هنا إذ أريد الاقتصار به على أحد وجهيه أن يكون ذلك الوجه هو الذي كان القياس مقتضيًا له في مضارع فَعَل وهو يفعِل بكسر العين. وذلك أن العُرْف والعادة إذا أريد
стр. 633
الاقتصار على أحد١ الجائزين أن يكون ذلك المقتصر عليه هو أقيسهما فيه, ألا تراك٢ تقول في تحقير أسود وجذول: أسيد وجديل بالقلب٣، وتجيز من بعد الإظهار وأن٤ تقول: أسيود وجديول, فإذا صرت إلى باب مقام وعجوز اقتصرت على الإعلال البتة فقلت: مقيِّم وعجيِّز, فأوجبت أقوى القياسين لا أضعفهما, وكذل نظائره.
فإن قلت: فقد تقول: فيها رجل قائم وتجيز فيه النصب فتقول: فيها رجل قائمًا, فإذا قدَّمت أوجبت أضعف الجائزين. فكذلك أيضًا تقتصر في هذه الأفعال -نحو: أكرمه وأشعُره- على أضعف الجائزين٥ وهو الضمّ.
قيل: هذا إبعاد في التشبيه. وذلك أنك لم توجب النصب في "قائمًا"٦ من قولك: فيها رجل قائمًا، و"قائمًا" هذا متأخر عن رجل في مكانه في حال الرفع, وإما اقتصرت على النصب فيه لما لم يجز فيه الرفع, أو لم يقو, فجعلت أضعف الجائزين واجبًا ضرورة لا اختيارًا, وليس كذلك كرمته أكرمه؛ لأنه لم ينقض٧ شيء عن موضعه ولم يقدّم ولم يؤخر. ولو قيل: كرمته أكرمه؛ لكان كشتمته أشتمه, وهزمته أهزمه.
وكذلك٨ القول في نحو قولنا: ما جاءني إلّا زيدًا أحد, في إيجاب نصبه, وقد كان النصب لو تأخَّر "زيد" أضعف الجائزين فيه إذا قلت: ما جاءني أحد إلّا زيدًا, الحال فيهما واحدة, وذلك أنك لمَّا لم تجد مع تقديم المستثنى ما تبدله منه عدلت به -للضرورة- إلى النصب الذي كان جائزًا فيه متأخرًا. هذا كنصب "فيها قائمًا رجل" البتة، والجواب عنهما واحد.
стр. 634
وإذا كان الأمر كذلك فقد وجب البحث عن علة مجيء هذا الباب في الصحيح كله بالضم, نحو: أكرمه وأضرُبه.
وعلّته عندي أن هذا موضع معناه الاعتلاء والغلبة, فدخله بذلك١ معنى الطبيعة والنحيزة التي تغِلب ولا تُغلب, وتلازم ولا٢ تفارق. وتلك الأفعال بابها: فَعُل يفُعل, نحو: فقُه يفقُه إذا أجاد الفقه, وعلُم يعلُم إذا أجاد العلم. وروينا عن أحمد ابن يحيى عن الكوفيين: ضَرُبتِ اليدُ يدهُ، على وجه المبالغة.
وكذلك نعتقد نحن أيضًا في الفعل المبني منه فعل التعجب أنه قد نُقِلَ٣ عن فَعَل وفَعِل إلى فَعُلَ, حتى صارت له صفة التمكن والتقدم, ثم بُنِيَ منه الفعل٤، فقيل: ما أفعله, نحو: ما أشعره, إنما هو من شَعُر, وقد حكاها أيضًا أبو زيد. وكذلك ما أقتله وأكفره: هو عندنا من قَتُل وكَفُر تقديرًا, وإن لم يظهر٥ في اللفظ استعمالًا.
فلمَّا كان قولهم: كارمني فكرمته أكرمه٦ وبابه صائرًا إلى معنى فَعُلت أفُعل أتاه الضمّ من هناك. فاعرفه.
فإن قلت: فهلّا لما دخله هذا المعنى تَمَّموا فيه الشبه فقالوا: ضربته أضرُبه, وفَخُرْتُه أفْخُرهُ "ونحو ذلك؟ "٧.
قيل: منع من ذلك أن فَعُلْت لا يتعدَّى٨ إلى المفعول به أبدًا, ويفعُل قد يكون في المتعدي٩, كما يكون في غيره, ألا ترى إلى قولهم: سلبه يسلُبه, وجلبه يجلبه،
стр. 635
ونخله ينخُله, فلم يمنع من المضارع ما منع من الماضي, فأخذوا منهما١ ما ساغ, واجتنبوا ما لم يسغ.
فإن قلت: فقد قالوا: قاضاني فقضيته أقضيه, وساعاني فسعيته أسعيه؟ قيل: لم يكن من "يفعله" ههنا بُدّ, مخافة أن يأتي على يفُعل فينقلب الياء واوًا, وهذا مرفوض في هذا النحو من الكلام.
وكما لم يكن من هذا بد ههنا لم يجئ أيضًا٢ مضارع فَعَل منه مما فاؤه واو بالضم, بل جاء بالكسر على الرسم وعادة العرب. فقالوا: واعدني فوعدته أعده, وواجلني فوجلته أجِلُه, وواضأني فوضأته أَضؤه. فهذا كوضعته -من هذا الباب- أضعهُ.
ويدلّك على أن لهذا الباب أثرًا في تغييره باب فَعَل في مضارعه قولهم: ساعاني فسعيته أسعيه, ولم يقولوا: أسعاه على قولهم: سعى يسعى, لما كان مكانًا قد رُتِّب وقرر وزوى٣ عن نظيره في غير هذا الموضع.
فإن قلت: فهلا غيروا ما فاؤه واو كما غيروا ما لامه ياء فيما ذكرت, فقالوا: واعدني فووعدته أَوعُدُه, لما دخله من المعنى المتجدّد٤.
قيل: "فَعَل" مما فاؤه واو لا يأتي مضارعه أبدًا بالضمّ, إنما هو بالكسر, نحو: وجد يجد, ووزن يزن, وبابه, وما لامه ياء فقد٥ يكون على يفعِل كيرمي ويقضي, وعلى يفعَل كيرعَى ويسعَى. فأمر الفاء إذا كانت واوًا في فَعَلَ أغلظ حكمًا من أمر اللام إذا كانت ياء. فاعرف ذلك فرقًا.
стр. 636
باب في تدافع الظاهر:
هذا نحو من اللغة له انقسام.
فمن ذلك استحسانهم لتركيب ما تباعدت مخارجه من الحروف, نحو: الهمزة مع النون, والحاء مع الباء, نحو: آن ونأى وحبَّ وبحّ، واستقباحهم١ لتركيب ما تقارب من الحروف؛ وذلك نحو: صس وسص وطث وثط. ثم إنا من بعد نراهم يؤثرون في الحرفين المتباعدين أن يقربوا أحدهما من صاحبه, ويدنوه إليه, وذلك نحو قولهم في سويق ٢: صَوِيق، وفي مساليخ: مصاليخ, وفي السوق: الصوق، وفي اصتبر ٣: اصطبر, وفي ازتان: ازدان, ونحو ذلك ما أُدْنِي فيه الصوتان أحدهما من الآخر مع ما قدمناه: من إيثارهم لتباعد الأصوات؛ إذ كان الصوت مع نقيضه أظهر منه مع قرينه٤ ولصيقه؛ ولذلك كانت الكتابة بالسواد٥ في السواد خفية, وكذلك سائر الألوان.
والجواب عن ذلك أنهم قد علموا أنَّ إدغام الحرف في الحرف أخف عليهم من إظهار الحرفين, ألا ترى أن اللسان ينبو عنهما معًا نبوة واحدة, نحو قولك: شدَّ وقطَّع وسلَّم٦؛ ولذلك ما حققت الهمزتان إذ كانتا عينين نحو: سآل ورآس, ولم تصحا في الكلمة الواحدة غير عينين, ألا ترى إلى قولهم: آمن وآدم وجاء وشاء٧، ونحو ذلك. فلأجل٨ هذا ما قال٩ يونس في الإضافة إلى مُثَنَّى: مُثَنَّوِيّ
стр. 637
فأجرى المدغم مجرى الحرف الواحد, نحو: نون مَثْنَّى إذا قلت: مَثْنِوَيّ, قال الشاعر ١:
حلفتُ يمينًا غير ذي مَثْنَوِيَّةٍ٢
ولأجل ذلك كان من قال: "هم قالوا" فاستخفَّ بحذف الواو, ولم يقل في "هن قلن" إلّا بالإتمام.
ولذلك كان الحرف المشدد إذا وقع رويًّا في الشعر المقيد خُفِّفَ, كما يسكن المتحرك إذا وقع رويًّا فيه. فالمشدد نحو قوله ٣:
أصحوت اليوم أم شاقتك هِرّ ... ومن الحب جنونٌ مستعرْ
فقابل براء "هرّ" راء "مستعرْ" وهي خفيفة أصلًا. وكذلك قوله ٤:
ففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس من سوء وضر
ما أقلّت قدمي إنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر
وأمثاله كثيرة. والمتحرك "نحو قول رؤبة "٥:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
ونحو ذلك مما كان مفردًا محركًا فأسكنه تقييد الروي.
стр. 638
ومن ذلك أن تبنى مما عينه واو مثل فِعَّل فتصح العين للإدغام نحو: قِوَّل وقِوَّم، فتصح العين للتشديد، كما تصح للتحريك١ في نحو قولهم: عِوَض وحِوَل وطِوَل.
فلما كان في إدغامهم الحرف في الحرف ما أريناه من استخفافهم إياه صار تقريبهم الحرف "من الحرف"٢ ضربًا من التطاول إلى الإدغام. وإن لم يصلوا إلى ذلك, فقد حاولوه واشرأبوا نحوه, إلّا أنهم مع هذا لا يبلغون بالحرف المقرَّب من الآخر أن يصيروه إلى أن يكون من مخرجه لئلّا يحصلوا من ذلك بين أمرين كلاهما مكروه.
أما أحدهما: فأن يدغموا مع بعد٣ الأصلين وهذا بعيد.
وأما الآخر: فأن يقربوه منه حتى يجعلوه من مخرجه, ثم لا يدغموه, وهذا كأنه انتكاث وتراجع؛ لأنه إذا بلغ من قربه إلى أن يصير من مخرجه وجب إدغامه, فإن لم يدغموه حرموه المطلب المروم٤ فيه، ألا ترى أنك إذ قربت السين في سويق من القاف بأن تقلبها صادًا, فإنك لم تخرج السين من مخرجها, ولا بلغت بها مخرج القاف, فيلزم إدغامها فيها. فأنت إذًا قد رمت تقريب الإدغام المستخَفّ, لكنك لم تبلغ الغاية التي توجبه٥ عليك, وتنوط أسبابه بك.
وكذلك إذا قلت في اصتبر: اصطبر، فأنت٦ قد قرَّبت التاء من الصاد بأن قلبتها إلى أختها في الإطباق٧ والاستعلاء، والطاء٨ مع ذلك من جملة مخرج التاء.
стр. 639
وكذلك إذا قلت في مصدر: مزدر فأخلصت الصاد زايًا , قد قربتها من الدال بما في الزاي من الجهر, ولم تختلجها١ عن مخرج الصاد. وهذه٢ أيضًا صورتك إذا أشممتها رائحة الزاي فقلت: مصدر٣، هذا المعنى قصدت، إلا أنك لم تبلغ بالحرف غاية القلب الذي فعلته مع إخلاصها٤ زايًا.
فإن كان الحرفان جميعًا من مخرج واحد فسلكت هذه الطريق, فليس إلّا أن تقلب أحدهما إلى لفظ الآخر البتة, ثم تدغم لا غير. وذلك نحو: اطَّعن القوم, أبدلت تاء أطتعن طاء البتة, ثم أدغمتها فيها لا غير. وذلك أن الحروف إذا كانت٥ من "مخرج واحد ضاقت مساحتها أن تدنى بالتقريب منها؛ لأنها إذا كانت معها"٦ من مخرجها فهي الغاية في قربها, فإن زدت على ذلك شيئًا فإنما هو أن تخلص الحرف إلى لفظ أخيه البتة فتدغمه٧ فيه لا محالة.
فهذا وجه التقريب مع إيثارهم الإبعاد.
ومن تدافع٨ الظاهر ما تعلمه من إيثارهم الياء على الواو. وذلك لويت ليًّا, وطويت طيًّا, وسيد وهيّن "وطيّ"٩ وأغريت١٠ ودانيت, واستقصيت, ثم إنهم مع ذلك قالوا: الفتوى والتقوى والثنوى, فأبدلوا الياء واوًا عن غير قوة علة أكثر من الاستحسان والملاينة.
стр. 640
والجواب عن هذا أيضًا أنهم -مع ما أرادوه من الفرق بين الاسم والصفة على ما قدمناه- أنهم١ أرادوا أن يعوضوا الواو من كثرة دخول الياء عليها.
ومثله في التعويض لا الفرق قولهم ٢: تقي، وتقواء٣، ومضى على مضوائه٤، وهذا أمر٥ ممضوّ عليه.
ونحوه في الإغراب قولهم: عوى الكلب عوة, وقياسه عيَّة. وقالوا في العلم للفرق بينه وبين الجنس: حَيْوة وأصله حيَّة, فأبدلوا الياء واوًا. وهذا -مع إيثارهم خص العلمِ بما ليس للجنس- إنما هو لما قدمنا ذكره: من تعويض الواو من كثرة دخول الياء عليها.
فلا ترينَّ من ذلك شيئًا ساذجًا عاريًا من غرض وصنعة.
ومن ذلك استثقالهم المثلين, حتى قلبوا أحدهما في نحو: أمليت -وأصلها أمللت- وفيما حكاه أحمد بن يحيى -أخبرنا به أبو علي عنه- من قولهم: لا وربيك لا أفعل, يريدون: لا وربك لا أفعل. نعم, وقالوا٦ في أشد من ذا:
ينشب في المسعل واللهاء ... أنشب من مآشر حداء٧
стр. 641
قالوا: يريد حداد١، فأبدل الحرف الثاني, وبينهما ألف حاجزة, ثم قال٢ مع هذا:
لقد تعللت على أيانق ... صهب قليلات القراد اللازق٣
فجمعوا بين ثلاثة أمثال مصحَّحة, وقالوا: تصببت عرقًا.
وقال العجاج:
إذا حجاجا مقلتيها هججا٤
وأجازوا في مثل فرزدق من رددت رَدَدّد, فجمعوا بين أربع دالات, وكرهوا أيضًا حنيفي, ثم جمعوا بين أربع ياءات فقال بعضهم: أمَيِّيّ٥ وعَدِتِّيّ, وكرهوا أيضًا أربع ياءات بينهما٦ حرف صحيح حتى حذفوا الثانية منها. وذلك قولهم في الإضافة إلى أُسَيّدٍ: أُسَيْديّ, ثم إنهم جمعوا بين خمس ياءات مفصولًا بينهما بالحرف الواحد, وذلك قولهم في الإضافة إلى مُهيتم٧ مُهَيّيمِىّ. ولهذه الأشياء أخوات ونظائر كثيرة.
والجواب عن كل فصل من هذا٨ حاضر.
أمَّا أمليت فلا إنكار لتخفيفه٩ بإبداله.
стр. 642
وأما "تعللت" و"هججا" ونحو ذلك مما اجتمعت فيه ثلاثة أمثال فخارج على أصله، وليس من حروف العلة, فيجب تغييره. والذي فعلوه في "أمليت" و"لا وربيك لا أفعل", و"أنشب من مآشر حداء" لم يكن واجبًا فيجب هذا أيضًا، وإنما غيِّر استحسانًا, فساغ ذلك١ فيه، ولم يكن موجبًا لتغيير كل ما اجتمعت فيه أمثال, ألا ترى أنهم لما قلبوا ياء طيء ألفًا في الإضافة فقالوا: طائي, لم يكن ذلك واجبًا في نظيره لما كان الأول مستحسنًا.
وأما حنفيّ فإنهم لما حذفوا التاء شجَّعوا٢ أيضًا على حذف الياء فقالوا: حنفي. وليس كذلك عديي وأمّييّ فيمن أجازهما، "ألا ترى"٣ عديًّا لما جرى مجرى الصحيح في اعتقاب حركات الإعراب عليه -نحو: عديِّ وعديَّا وعدييِّ- جرى٤ مجرى حنيف, فقالوا: عديِّيِّ كما قالوا: حنيفيّ. وكذلك أُمَيِّيّ أجروه مجرى نميريّ وعقيليّ. ومع هذا فليس أمّييّ وعدييّ بأكثر في كلامهم. وإنما يقولها بعضهم.
وأما جمعهم في مهييمي بين خمس ياءات, وكراهيتهم في أسيدي أربعًا, فلأن الثانية من أسيديّ لما كانت متحركة وبعدها حرف متحرك قلقت, لذلك وجفت. ولما تبعتها في مهييميّ ياء المد لانت ونعمت. وذلك من شأن المدات. ولذلك استعملن في الأرداف والوصول والتأسيس والخروج، وفيهن يجري الصوت للغناء والحداء والترنم والتطويح.
وبعد فإنهم إذا خفَّفوا في موضع وتركوا آخر في نحوه كان أمثل من ألا يخففوا في أحدهما, وكذلك جميع ما يرد عليك مما ظاهره ظاهر التدافع, يجب أن ترفق به ولا تعنف عليه ولا تسرع إلى إعطاء اليد بانتقاض بابه. والقياس القياس.
стр. 643
باب في التطوع بما لا يلزم:
هذا أمر قد جاء في الشعر القديم والمولّد جميعًا مجيئًا واسعًا.
وهو أن يلتزم الشاعر ما لا يجب عليه ليدل بذلك على غُزره١ وسعة ما عنده. فمن ذلك ما أنشده الأصمعي لبعض الرجاز:
وحسدٍ أوشلت من حظاظها ... على أحاسي الغيظ واكتظاظها٢
حتى ترى الجوّاظ من فظاظها ... مدلوليًّا بعد شدا أفظاظها٣
وخُطَّةٍ لا روح كظاظها ... أنشطت عني عروتي شظاظها٤
بعد احتكاء أربتي أشظاظها ... بعزمة جلت غشا إلظاظها٥
بجك كرش الناب لافتظاظها٦
стр. 644
فالتزم في جميعها ما تراه من الظاء الأولى مع كون الرويّ ظاء, على عزة ذلك مفردًا من الظاء الأول, فكيف به إذا انضمَّ إليه ظاء قبله١. وقلَّما رأيت في قوة الشاعر مثل هذا.
وأنشد الأصمعي أيضًا من مشطور السريع رائية طويلة التزم قائلها٢ تصغير قوافيها في أكثر الأمر, إلا القليل النزر, وأولها:
عزَّ على ليلى بذي سدَير ... سوء مبيتي ليلة الغُمير٣
مقبضًا نفسي في طمير ... تجمع القنفذ في الحجير٤
تنتهض الرعدة في ظهيري ... يهفو إلى الزور من صديري٥
مثل هرير الهرّ للهرير ... ظمآن في ريح وفي مطير
وأرز قرّ ليس بالقرير ... من لدما ظهر إلى سحير٦
حتى بدت لي جبهة القمير ... لأربع غبرن من شهير٧
стр. 645
ثم غدوت غرضًا من فوري ... وقطقط البلة في شعيري١
يقذفني مور إلى ذي مور ... حتى إذا ورَّكت من أيبري٢
سواد ضيفيه إلى القصير ... رأت شحوبي وبذاذ شوري٣
وجردبت في سمل عفير ... راهبة تكنَّى بأم الخير٤
جافية معوى ملاث الكور ... تتحزم فوق الثوب بالزنير٥
стр. 646
تقسم أستيّا لها بنير ... وتضرب الناقوس وسط الدير١
قبل الدجاج وزقاء الطير ... قالت ترثِّي لي ويح غيري
إني أراك هاربًا من جور ... من هذه السلطان قلت جير٢
ما زلت في منكظة وسير ... لصبية أغيرهم بغير٣
كلهم أمعط كالنغير ... وأرملاتٍ ينتظرن ميري٤
قالت ألا أبشر بكل خير ... ودهنت وسرحت ضفيري٥
وأدمت خبزي من صبير ... من صير مصرين أو البحير٦
وبزييت نمس مرير ... وعدس قشّر من قشير٧
стр. 647
وقبصات من فغى تمير ... وأتأرتني نظرة الشفير١
وجعلت تقذف بالحجير ... شطري وما شطري وما شطيري
حتى إذا ما استنتفدت خبيري ... قامت إلى جنبي تمسّ أيري٢
فزفَّ رألى واستطير طيري ... وقلت: حاجاتك عند غيري٣
حُقِّرت ألا يوم قُدَّ سيري ... إذ أنا مثل الفلتان العير٤
حمسًا ولا إضت كالنسير ... وحين أقعيت على قبيري٥
أنتظر المحتوم من قديري ... كلا ومن منفعتي وخيري٦
بكفه ومبدئي وحوري٧
أفلا ترى إلى قلة غير المصغّر في قوافيها, وهذا أفخر ما فيها، وأدله على قوة قائلها، وأنه إنما لزم التصغير في أكثرها سباطة وطبعًا، لا تكلفًا وكرهًا؛ ألا ترى أنه
стр. 648
لو كان ذلك منه تجشمًا وصنعة لتحامي غير المصغَّر ليتمَّ له غرضه، ولا ينتقض عليه ما اعتزمه.
وكذلك ما أنشده الأصمعي من قول الآخر:
قالوا ارتحل فاخطب فقلت هلَّا ... إذ أنا روقاي معًا ما انفلاَ١
وإذ أؤل المشي ألْا ألَّا ... وإذ أنا أرى ثوب الصبا رفلاَ٢
علي أحوي نديًّا مخضلّا ... حتى إذا ثوب الشباب ولَّى
وانضمَّ بدن الشيخ واسمألَّا ... وانشنج العلباء فاقفعلّا٣
مثل نضي السقم حين بلّا ... وحرّ صدر الشيخ حتى صلّا٤
على حبيب بان إذ تولَّى ... غادر شغلًا شاغلًا وولَّى٥
قلت تعلق فيلقًا هوجلّا ... عجاجة هجاجة٦ تألَّى
стр. 649
لأصبحنّ الأحقر الأذلَّا ... وأن أعلَّ الرغم علَّا علَّا١
فإن أقل يا ظبي حلَّا حلَّا ... تقلق وتعقد حبلها المنحلّا٢
وحملقت حوليّ حتى احولَّا ... مأقان كرهان لها واقبلّا٣
إذا أتت جارتها تفلَّى ... تريك أشغى قلحًا أفلّا٤
مركَّبًا راو وله مثعلّا ... كأن كلبًا لثقًا مبتلّا٥
وغلفة معطونة وجلّا ... أنداه يوم ماطر فطلّا٦
وعلهبا من التيوس علّا ... يغل تحت الردن منها غلّا٧
منتوفة الوجه كأن ملاّ ... يمل وجه العرس فيه ملاّ٨
كأن صابًا آل حتى امطلّا ... تسفه وشبرما وخلّا٩
إن حلَّ يومًا رحله محلّا ... حَمْوٌ لها أزجت إليه صِلّا١٠
стр. 650
وعقربًا تمتلّ ملًّا ملَّا ... ذاك وإن ذو رحمها استقلّا١
من عثرة ماتت جوى وسلّا ... أو كثر الشيء له أو قلّا
قالت لقد أثرى فلا تملَّى ... وإن تقل يا ليته استبلّا
من مرض أحرضه وبلّا ... تقل لأنفيه ولا تعلَّى٢
تسر إن يلق البلاد فلّا ... مجروزة نفاسة وغلّا٣
وإن وصلت الأقرب الأخلّا ... جنت جنونًا واستخفت٤ قلّا
وأجللت من ناقع أفكلّا ... إذا ظبي الكنسات انغلّا٥
تحت الإران سلبته الظلّا ... وإن رأت صوت السباب علَّى٦
سحابة ترعد أو قسطلّا ... أجت إليه عنقًا مثلّا٧
أج الظلم رعته فانشلّا ... ترى لها رأسا وأي قندلّا٨
стр. 651
لو تنطح الكنادر العتلّا ... للكندر الزوازي الصملّا١
الصتم والشنظيرة المتلّا ... فمضت شئون رأسه وأفتلّا٢
تقول لأبنيها إذا ما سلّا ... سليلة من سرق أو غلّا٣
أو فجعا جيرتها فشلّا ... وسيقة فكرّشا وملّا٤
أحسنتما الصنع فلا تشلّا ... لا تعدما أخرى ولا تكلّا٥
يا ربِّ ربَّ الحج إذ أهلّا ... محرمه ملبيًا وصلَّى
وحلّ حَبْلَى رحله إذ حلّا ... بالله قد أنضى وقد أكلّا
وأنقب الأشعر والأظلّا ... من نافه قد انضوى واختلّا٦
يحمل بلو سفر قد بلَّى ... أجلاده صيامه وألّا٧
стр. 652
يزال نضو غزوة مملّا ... وصّال أرحام إذا ما ولَّى١
ذو رحم وصّله وبلّا ... سقاء رحم منه كان صلّا٢
وينفق الأكثر والأقلّا ... من كسب ما طاب وما قد حلّا
إذا الشحيح غلّ كفًّا غلّا ... بسط كفيه معًا وبلّا٣
وحلّ زاد الرحل حلًّا حلّا ... يرقب قرن الشمس إذ تدلَّى
حتى إذا ما حاجباها انفلَّا ... تحت الحجاب بادر المصلَّى٤
أحذى القطيع الشارف الهبلّا ... فجال مخطوف الحشَى شملّا٦
حتى إذا أوفى بلالًا بلّا ... بدمعه لحيته وانغلّا٧
بها وفاض شرقًا فابتلّا ... جيب الرداء منه فارمعلّا٨
وحفز الشأنين فاستهلَّّا ... كما رأيت الوشلين انهلّا٩
стр. 653
حتى إذا حبل الدعاء انحلّا ... وانقاض زبرا جاله فابتلّا١
أثنى على الله علا وجلّا ... ثم انثنى من بعد ذا فصلَّى٢
على النبي نهلًا وعلّا ... وعمّ في دعائه وخلّا٣
ليس كمن فارق واستحلّا ... دماء أهل دينه وولَّى
وجهته سوى الهدى مولَّى ... مجتنبًا كبرى الذنوب الجلّى
مستغفرًا إذا أصاب القلَّى ... لما أتى المزدلفات صلَّى٤
سبعًا تباعًا حلهن حلّا ... حتى إذا أنف الفجير جلَّى
برقعه ولم يسرّ الجلّا ... هب إلى نضيه فعلَّى٥
رحيله عليه فاستقلّا
التزم اللام المشددة من أولها إلى آخرها؛ وقد "كان"٦ يجوز له معها٧ نحو: قبلًا ونخلًا، ومحلًا، فلم يأت به.
ومثله ما رويناه لأبي العالية من قوله:
إني امرؤ أصفي الخليل الخلّه ... أمنحه ودّي وأرعى إلَّه٨
وأبغض الزيارة المملَّه ... وأقطع المهامه المضلَّه
стр. 654
لست بها لركبها تعلَّه ... إلّا نجاء الناجيات الجلّهْ١
على هبلِّ أو على هِبِلَّهْ ... ذات هباب جسرة شملّه٢
ناجية في الخرق مشمعلّهْ ... تنسلُّ بعد العقب المكلّه٣
مثل انسلال العضب من ذي الخلَّه ... وكاشح رقيت منه صلّه٤
بالصفح عن هفوته والزلَّه ... حتى استللت ضغنه وغلّه٥
وطامح ذي نخوة مدلّه ... حملته على شباة ألّه٦
ولم أملَّ الشر حتى ملَّه ... وشنج الراحة مقفعلَّه٧
ما إن تبضّ كفه ببلّه ... أفاد دثرًا بعد طول خلّه٨
وصار ربَّ إبل وثلَّه ... لما ذممت دقه وجلّه٩
تركته ترك ظبيٍّ ظلّه ... ومعشر صيد ذوي تجلّه
ترى عليهم للندى أدلّه ... سماؤهم بالخير مستهلّه
стр. 655
أوفى بهم دهر على مزلّه ... ثم تلفّاهم بمصمئلّه١
فبدّلت كثرتهم بقلّه ... وأعقبت عزتهم بذلّه
وغادروني بعدهم ذا غلَّه ... أبكيهم بعبرة منهلّه
ثم صبرت واعتصمت بالله ... نفسًا بحمل العبء مستقلَّه٢
ودول الأيام مضمحلّه ... يشعبها ما يشعب الجبلّه
تتابع الأيام والأهلًّه
وأنشدنا أبو علي:
شلَّت يدًا قارية فرتها ... وفقئت عين التي أرتها٣
مسك شبوب ثم وفَّرتها ... لو خافت النزع لأصغرتها٤
فلزم التاء والراء، وليست واحدة منهما بلازمة. والقطعة هائية لسكون ما قبل الهاء, والساكن لا وصل له. ويجوز مع هذه القوافي ذرها٥ ودعها.
وأنشد ابن الأعرابي ليزيد بن الأعور الشنيّ وكان أكرى بعيرًا له, فحمل عليه محملان أوّل ما علمت المحامل. وهو٧ قوله:
стр. 656
لما رأيت محمليه أنَّا ... مخدّرين كدت أن أجنَّا١
قرّبت مثل العلم المبنَّى ... لا فاني السنِّ وقد أسنَّا٢
ضخم الملاط سبطًا عبنَّا ... يطرح بالطرف هُنَا وهَنّا٣
وافتنَّ من شأو النشاط فنَّا ... يدقّ حنو القتب المحنَّى٥
إذا علا صوَّانة أرنَّا ... يرمعها والجندل الأغنَّا٦
ضخم الجفور سهبلًا رفنَّا ... وفي الهباب سدمًا معنَّى٧
كأنما صريفه إذ طنَّا ... في الضالتين أخطبانٌ غنَّى٨
стр. 657
مستحملًا أعرف قد تبنّى ... كالصدع الأعصم لما اقتنّا١
يقطع بعد الفيف مهوأنّا ... وهو حديد القلب ما ارفأنّا٢
كأن شنًا هزِمًا وشنّا ... قعقعه مهزج تغنَّى٣
تحت لبان لم يكن أدنَّا٤
ألتزم النون المشددة في جميعها على ما تقدم ذكره.
وقال آخر:
إليك أشكو مشيها تدافيا ... مشي العجوز تنقل الأثافيا٥
فالتزم الفاء وليست واجبة.
وقال آخر:
كأن فاها واللجام شاحيه ... جنوا غبيط سلس نواحيه٦
стр. 658
التزم الألف والحاء والياء, وليست واحدة منهنَّ لازمة؛ لأنه قد يجوز مع هذه القوافي نحو:١ يحدوه ويقفوه, وما كان مثله. وأنشد أبو الحسن:
ارفعن أذيال الحقيّ وأربعن ... مشي حييات كأن لم يفزعن٢
إن تمنع اليوم نساء تمنعن
فالتزم العين وليست بواجبة.
وقال آخر:
يا رُبَّ بكر بالرداقى واسج ... اضطره الليل إلى عواسج٢
عواسج كالعجز النواسج
التزم الواو والسين وليست واحدة منهما بلازمة.
وقال آخر:
أعينيّ ساء الله من كان سرّه ... بكاؤكما ومن يحبّ أذاكما٤
ولو أن منظورًا وحبّة أسلما ... لنزع القذى لم يبرئا لي قذاكما
التزم الذال والكاف, وقالوا: حبة, امرأة هويها رجل من الجن يقال له منظور، وكانت٥ حبة لتطبب بما يعلمها منظور.
стр. 659
وأنشد الأصمعيّ لغيلان الربعي:
هل تعرف الدار بنعف الجرعاء ... بين رحا المثل وبين الميثاء١
كأنها باقي كتاب الإملاء ... غيَّرها بعذي مرّ الأنواء
نوء الثريَّا أو ذراع الجوزاء ... قد اغتدى والطير فوق الأصواء٢
مرتبئات فوق أعلى العلياء ... بمكرب الخلق سليم الأنقاء٣
طرف تنقيناه خير الأفلاء ... لأمهاتٍ نسبت وآباء٤
ثمَّت قاظ مرفها في إدناء ... مداخلًا في طولٍ وأغماء٥
وفي الشعير والقضيم الأجباء ... وما أراد من ضروب الأشياء٦
دون العيال وصغار الأبناء ... مقفى على الحي قصير الأظماء٧
مستويات كنعال الحذاء ... فهنّ يعبطن جديد البيداء١
ما لا يستوي عبطه بالرفاء ... يتبعن وقعًا عند رجع الأهواء٢
بسلبات كمساحي البناء ... يتركن في متن أديم الصحراء٣
مساحبًا مثل احتفار الكماء ... وأسهلوهنّ دقاق البطحاء٤
يثرن من أكدارها بالدفعاء ... منتصبًا مثل حريق القصباء٥
كأنها لما رآها الرآء ... وأنشرتهنّ علاة البيداء٦
ورفع اللامع ثوب الإلواء ... عقبان دجن في ندى وأسداء٧
كل أغرّ محكٍّ وغراء ... شادخة غرتها أو قرحاء٨
стр. 662
قد لحقت عصمتها بالأطباء ... من شدة الركض وخلج الأنساء١
كأنما صوت حفيف المعزاء ... معزول شذان حصاها الأقصاء٢
صوت نشيش اللحم عند القلاء٣
اطَّرد٤ جميع قوافيها على جر واضعها إلّا "بيتًا واحدًا وهو"٥ قوله:
كأنها لما رآها الراء
فإنه مرفوع الموضع, وفيه مع ذلك سر لطيف يرجعه إلى حكم المجرور بالتأويل.
وذلك أن لمَّا مضافة إلى قوله: رآها الرآء, والفعل لذلك مجرور الموضع بإضافة الظرف الذي هو "لمّا" إليه, كما أن قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ٦ الفعل الذي هو "جاءَ" في موضع جر بإضافة الظرف "الذي" هو إذا إليه. وإذا كان كذلك, وكان صاحب الجملة التي هي الفعل والفاعل إنما هو الفاعل, وإنما جيء بالفعل له ومن أجله, وكان أشرف جزءيها وأنبههما٧, صارت الإضافة "كأنها"٨ إليه, فكأن الفاعل لذلك في موضع جر, لا سيما وأنت لو لخَّصت الإضافة هنا وشرحتها لكان تقديرها: كأنها وقت رؤية الرآء لها. " فالرآء"٩ إذًا مع الشرح مجرور لا محالة.
стр. 663
نعم، وقد ثبت أن الفعل مع الفاعل في كثير من الأحكام والأماكن كالشيء الواحد.
وإذا كان الفعل مجرور الموضع, والفاعل معه كالجزء منه, دخل الفاعل منه في اعتقاد تلخيصه مجرورًا في اللفظ موضعه, كما أنّ النون من إذن لما كانت بعض حرف جرى عليها ما يجري على الحرف المفرد من إبداله في الوقف ألفًا, وذلك قولهم: لأقومنَّ إذًا كما تقول: ضربت زيدًا, ومع النون الخفيفة للواحد: إضربًا. فكما أجريت على بعض الحرف ما يجري على جميعه من القلب كذلك أجريت على بعض الفعل -وهو الفاعل- ما يجري على جميعه من الحكم.
ومما أجري فيه بعض الحرف مجرى جميعه قوله ١:
فبات متصبًا وما تكردسا٢
فأُجري "منتصبًا"٣ مجرى فخذ, فأسكن ثانيه, وعليه حكاية الكتاب ٤: أراك منتفخًا, ونحو من قوله: "لما رآها الرآء" في توهم جر الفاعل قول٥ طرفة:
وسديف حين هاج الصنبر
كأنه أراد: الصنبر, ثم تصور معنى الإضافة, فصار إلى أنه كأنه قال:
حين هيج الصنّبر ثم نقل الكسرة على حدّ مررت ببكر, وأجرى صنَبِر من الصنّبر مجرى بكر على قوله: أراك منتفخًا.
стр. 664
وأعلى من هذا أن مجيء هذا البيت في هذه القصيدة مخالفًا لجميع أبياتها يدل على قوة شاعرها وشرف صناعته١، وأن ما وجد من تتالي قوافيها على جرِّ مواضعها ليس شيئًا سعى فيه, ولا أكره طبعه عليه, وإنما هو مذهب قاده إليه علوّ طبقته٢، وجوهر فصاحته.
وعلى ذلك ما أنشدناه أبو بكر٣ محمد بن علي عن أبي إسحاق لعبيد٤ من قوله:
يا خليليّ أربعًا واستخبرا ال ... منزل الدارس من أهل الحلال٥
مثل سحق البرد عفّى بعدك ال ... قطر مغناه وتأويب الشمال٦
ولقد يفنى به جيرانك ال ... ممسكو منك بأسباب الوصال٧
ثم أودى ودّهم إذ أزمعوا ال ... بين والأيام حال بعد حال٨
فانصرف عنهم بعنس كالوأي ال ... جاب ذي العانة أو شاة الرمال٩
стр. 665
نحن قدنا من أهاضيب الملا ال ... خيل في الأرسان أمثال السعالي١
شزّبًا يعسفن من مجهولة ال ... أرض وعثًا من سهول أو رمال٢
فانتجعنا الحارث الأعرج في ... جحفل كالليل خطّار العوالي٣
يوم غادرنا عديًّا بالقنا الذ ... بل السمر صريعًا في المجال٤
ثم عجناهنّ خوصًا كالقطا ال ... قاربات الماء من أين الكلال٥
стр. 666
نحو قوص يوم جالت حوله ال ... خيل قبًّا عن يمين أو شمال١
كم رئيس يقدم الألف على السا ... بح الأجرد ذي العقب الطوال٢
قد أباحت جمعه أسيافنا ال ... بيض في الروعة من حيٍّ حلال٣
ولنا دار ورثناها عن ال ... أقدم القدموس من عمّ وخال٤
منزل دمّنه آباؤنا ال ... مورثونا المجد في أولَى الليالي٥
ما لنا فيها حصون غير ما ال ... مقربات الخيل تعدو بالرجال٦
стр. 667
في روابي عدمليّ شامخ ال ... أنف فيه إرث مجدٍ وجمال١
فاتَّبعنا ذات أولانا الألى ال ... موقدي الحرب وموفٍ بالحبال٢
فقاد القصيدة كلها، على أن آخر مصراع كل بيت منها منتهٍ إلى لام التعريف، غير بيت واحد؛ وهو قوله:
فانتجعنا الحارث الأعرج في
فصار هذا البيت الذي نقض القصيدة أن تمضي على ترتيب واحد هو أفخر ما فيها, وذلك أنه دلَّ على أن هذا الشاعر إنما تساند إلى ما في طبعه ولم يتجشَّم إلّا ما في نهضته ووسعه من غير اغتصاب له ولا استكراه أجاءه إليه؛ إذ لو كان ذلك على خلاف ما حدَّدْناه, وأنه إنما صنع الشعر صنعًا, وقابله بها ترتيبًا ووضعًا؛ لكان قمنا ألا ينقض ذلك كله٣ بيت واحد يوهيه ويقدح فيه. وهذا واضح.
وأما قول الآخر:
قد جعل النعاس يغرنديني ... أدفعه عني ويسرنديني٤
فلك فيه وجهان: إن شئت جعلت رويَّه النون؛ وهو الوجه. وإن شئت الياء، وليس بالوجه.
وإن أنت جعلت النون هي الروي فقد التزم الشاعر فيها أربعة أحرف غير واجبة, وهي الراء والنون والدال والياء. " ألا ترى أنه يجوز معها يعطيني
стр. 668
ويرضيني ويدعوني ويغزوني"١؛ ألا ترى أنك إذا جعلت الياء هي الروي فقد زالت الياء أن تكون ردفًا لبعدها عن الروي. نعم وكذلك لما كانت النون رويًّا كانت الياء غير لازمة. وإن أنت جعلت الياء الروي فقد التزم فيه خمسة أحرف غير لازمة, وهي الراء والنون والدال والياء والنون؛ لأن الواو يجوز معها "ألا ترى أنه يجوز معها"١ في القولين جميعًا يغزوني ويدعوني.
ومما يسأل عنه من هذا النحو قول الثقفي يزيد بن الحكم:
وكم منزل لولاي طحت كما هوى بها ... بأجرامه من قلّة النيق منهو٢
التزم الواو والياء فيها كلّها.
والجواب أنها واوية لأمرين: أحدهما أنك إذا جعلتها واويَّة كانت مطلقة, ولو جعلتها يائية كانت مقيدة، والشعر المطلق أضعاف المقيد، والحمل٣ إنما يجب أن يكون على٤ الأكثر لا على الأقل.
والآخر أنه قد التزم الواو, فإن جعلت القصيدة واويَّة فقد التزم واجبًا, وإن جعلتها يائية فقد التزم غير واجب, واعتبرنا هذه اللغة وأحكامها ومقاييسها, فإذا الملتزم أكثره واجب "وأقله غير واجب"٥ والحمل على الأكثر دون الأقل.
فإن قلت: فإن هذه القلّة أفخر من الكثرة, ألا ترى أنها دالة على قوة الشاعر. وإذا كانت أنبه وأشرف كان الأخذ يجب أن يكون بها, ولم يحسن العدول عنها مع القدرة عليها. وكما أن الحمل على الأكثر, فكذلك يجب أن يكون الحمل على الأقوى أولى من الحمل على الأدنى.
стр. 669
قيل: كيف تصرَّفت الحال فينبغي أن يعمل١ على الأكثر لا على الأقل, وإن كان الأقل أقوى قياسًا, ألا ترى إلى٢ قوة قياس قول بني تميم في "ما ", وأنها ينبغي أن تكون غير عاملة٣ في أقوى القياسين عن سيبويه. ومع ذا فأكثر المسموع عنهم إنما هو لغة أهل الحجاز, وبها نزل القرآن. وذلك "أننا بكلامهم ننطق"٤, فينبغي أن يكون على ما استكثروا٥ منه يحمل. هذا هو "قياس مذهبهم" وطريق اقتفائهم. ووجدت أكثر قافية رؤبة مجرورة الموضع. وإذا تأملت ذلك وجدته, أعني: قوله:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
وقد التزم العجاج في رائيته:
قد جبر الدين إلاله فجبر
وذلك أنه التزم الفتح قبل رويّها البتة. ولَعَمْري إن هذا مشروط في القوافي, غير أنك قلَّمَا تجد قافية مقيدة إلّا وأتت الحركات قبل رويها مختلفة, وإنما المستحسن من هذه الرائية سلامتها, مما لا يكاد يسلم منه غيرها. فإن٦ كانت المقيدة مؤسسة ازداد اختلاف الحركات قبل رويّها قبحًا. وذلك أنه ينضاف إلى قبح اختلافه أن هناك
стр. 670
تأسيسًا؛ ألا ترى أنه يقبح اختلاف الإشباع١ إذا كان الروي مطلقًا نحو قوله ٢: فالفوارع مع قوله: فالتدافع٢. فما ظنّك إذا كان الروي مقيدًا, وقد أحكمنا هذا في كتابنا المعرب٣ في شرح قوافي أبي الحسن.
وقد قال هميان بن قحافة ٤:
لما رأتني أم عمرو صدفت ... قد بلغت بي ذرأة فألحفت٥
وهامة كأنها قد نُتِفْت ... وانعاجت الأحناء حتى احلنقفت٦
وهي تسعة وثلاثون بيتًا التزم في جميعها الفاء وليست واجبة, وإن كانت قريبةً من صورة٧ الوجوب. وذلك أن هذه التاء في الفعل إذا صارت إلى الاسم صارت في الوقف هاء في قولك: صادفة وملحفة ومحلنقفة "فإذا صارت هاء"٨ لم يكن الروي إلّا ما قبلها, فكأنها لما سقط حكمها مع الاسم من ذلك الفعل