بنصب١ "يحسن", والظاهر أن يرفع؛ لأنه معطوف على أن الثقيلة, إلا أنه نصب أن هذا موضع قد كان يجوز "أن تكون"٢ فيه أن الخفيفة٣ حتى كأنه قال: ألا زعمت بسباسة أن يكبر فلان؛ كقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٤ بالنصب.
ومن ذلك قوله ٥:
بدا لي أني لستُ مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
لأن هذا موضع يحسن فيه لست بمدرك ما مضى.
ومنه قوله سبحانه: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ ٦ وقوله:
فأبلوني بليتكم لعلِّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا٧
حتى كأنه قال: أصالحكم وأستدرج نوايا٨.
ومن ذلك قول الآخر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح٩
لأنه لما قال: ليبك يزيد, فكأنه قال: ليبكه ضارع لخصومة. وعلى هذا تقول: أكل الخبز زيد, وركب الفرس محمد, فترفع زيدًا ومحمدًا بفعل ثانٍ يدل١٠ عليه الأول وقوله ١١:
стр. 842
إذا تغنَّى الحمام الورق هيجني ... ولو تعزيت عنها أم عمَّار١
لأنه لما قال: هيجني دلَّ على ذَكَّرني, فنصبها به. " فاكتفى بالمسبب الذي هو التهييج من السبب الذي هو التذكير"٢ ونحوه قول الآخر:
أسقى الإله عدوات الوادي ... وجوزه كل ملثٍّ غاد
كل أجشٍّ حالك السواد٣
لأنه إذا أسقاها الله كل ملثٍّ فقد سقاها ذلك الأجشُّ.
وكذلك قول الآخر ٤:
تواهق رجلاها يداها ورأسه ... لها قَتَبٌ خلف الحقيبة رادف
أراد: تواهق رجلاها يديها, فحذف المفعول وقد عُلِمَ أن المواهقة لا تكون من٥ الرجلين دون اليدين, وأن اليدين مواهقتان كما أنهما مواهقتان. فأضمر لليدين فعلًا دلَّ عليه الأول, فكأنه قال: تواهق يداها رجليها, ثم حذف المفعول في هذا كما حذفه٦ في الأول
стр. 843
فصار على ما ترى: تواهق رجلاها يداها. فعلى هذه الصنعة١ التي وصفت لك تقول: ضارب "زيد عمرو"٢ على أن ترفع عمرًا بفعل غير هذا الظاهر, ولا يجوز أن يرتفعا٣ جميعًا بهذا الظاهر , فأمَّا قولهم: اختصم زيد وعمرو ففيه نظر. وهو أن عمرًا مرفوع بفعل آخر غير هذا الظاهر على حدِّ قولنا في المعطوف: إن العامل فيه غير العامل في المعطوف عليه, فكأنه قال: اختصم زيد واختصم عمرو, وأنت مع هذا لو نطقت بهذا الذي تقدِّره لم يصلح الكلام معه؛ لأن الاختصام لا يكون من أقل من اثنين. وعلة جوازه أنه لمَّا٤ لم يظهر الفعل الثاني المقدَّر إلى اللفظ لم يجب تقديره وإعماله, كأشياء تكون في التقدير فتحسن, فإذا أنت أبرزتها إلى اللفظ قبحت, وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.
ومن ذلك قول الآخر ٦:
فكرّت تبتغيه فوافقته ... على دمه ومصرعه السباعا
وذلك أنه إذا وافقته والسباع معه, فقد دخلت السباع في الموافقة, فكأنه قال فيما بعد: وافقت السباع. وهو عندنا على حذف المضاف, أي: وافقت آثار السباع. قال أبو علي: لأنها لو وافقت٧ السباع هناك لأكلتها معه. ف"على" الآن هذه الظرف٨
стр. 844
منصوبة١ بالفعل المحذوف الذي نصب السباع في التقدير, ولو رفعت السباع لكانت "على" هذه مرفوعة الموضع لكونها خبرًا عن السباع مقدَّمًا, وكانت تكون متعلقة بالمحذوف؛ كقولنا في قولهم: في الدار زيد. " وعلى هذا"٢ قال٣ الآخر ٤:
تذكرت أرضًا بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها
لك فيها وجهان: إن شئت قلت: إنه أضمر فعلًا للأخوال والأعمام على ما تقدَّم, فنصبهما به, كأنه قال فيما بعد: تذكرت أخوالها فيها وأعمامها, ودلّ على هذا الفعل المقدَّر قوله: تذكرت أرضًا بها أهلها؛ لأنه إذا تذكَّر هذه الأرض فقد علم أن التذكر قد أحاط بالأخوال والأعمام؛ لأنهم فيها على ما مضى من الأبيات. وإن شئت جعلت أخوالها وأعمامها بدلًا من الأرض بدل الاشتمال, على قول الله سبحانه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ ٥.
فإن قلت: فإن البدل العامل عندك فيه هو غير العامل في المبدل منه, وإذا كان الأمر كذلك فقد آل الحديث إلى موضع واحد وهو إضمار الفعل, فلم قسمت الأمر فيهما إلى موضعين؟
قيل: الفرق قائم. ووجهه أن اتصال المبدل٦ منه أشد من اتصال ما حمل على المعنى بما قبله, وإنما يأتي بعد استقرار الكلام الأوّل ورسوخه،
стр. 845
وليس كذلك البدل؛ لأنه وإن كان العامل فيه غير الأول عندنا فإنه مع ذلك مشابه للصفة وجارٍ مجراها.
نعم وقد خالف فيه أقوام, فذهبوا إلى أن العامل في الثاني هو العامل في الأول. وحدثنا أبو علي أن الزيادي١ سأل أبا الحسن عن قولهم: مررت برجل قائمٌ زيدٌ أبوه, أأبوه بدل أم صفة؟ قال: فقال أبو الحسن: لا أبالي بأيهما أجبتُ. أفلا ترى إلى تداخل الوصف والبدل, وهذا يدل على ضعف العامل المقدر مع البدل. وسألت أبا علي ﵀ عن مسألة٢ الكتاب: رأيتك إياك قائمًا الحال لمن هي؟ فقال: ل"إياك", قلت: فالعامل فيها ما هو؟ قال: "رأيت" هذه الظاهرة, قلت: أفلا تعلم أن "إياك" معمول فعل آخر غير الأول, وهذا يقود٣ إلى أن الناصب للحال هو الناصب لصاحبها, أعني: الفعل المقدَّر؟ فقال: لما لم يظهر ذلك العامل ضعف حكمه, وصارت المعاملة مع هذا الظاهر. فهذا يدلك على ضعف العامل في البدل واضطراب حاله, وليس كذلك العامل إذا دلَّ عليه غيره نحو قوله:
تواهق رجلاها يداها. . .
وقوله:
ولو تعزّيت عنها أم عمار
ونحو ذلك؛ لأن هذا فعل مثبت, وليس محل ما يعمل فيه المعنى محل البدل, فلما اختلف هذان الوجهان من هذين الموضعين اعتددناهما قسمين اثنين.
стр. 846
ومن ذلك قوله ١:
لن تراها ولو تأمَّلت إلّا ... ولها في مفارق الرأس طيبا
وهذا هو الغريب من هذه الأبيات, ولعمري إن الرؤية إذا لحقتها فقد لحقت ما هو متصل بها, ففي ذلك شيئان:
أحدهما أن الرؤية وإن كانت مشتملة عليها فليس لها طريق إلى الطيب في مفارقها، اللهمَّ إلا أن تكون٢ حاسرة غير مقنعة, وهذه بذلة وتطرح لا توصف به الخفرات ولا المعشقات٣, ألا ترى إلى قول كثير:
وإني لأسمو بالوصال إلى التي ... يكون سناء وصلها وازديارها٤
ومن كانت من النساء هذه حالها فليست رذلة ولا مبتذلة. وبه وردت الأشعار القديمة والمولدة؛ قال الطائي:
عالي الهوى مما يعذِّب مهجتي ... أروية الشعف التي لم تسهل٥
وهي٦ طريق مهيع. وإذا كان كذلك وكانت الرؤية لها ليس مما يلزم معه رؤية طيب مفارقها وجب أن يكون الفعل المقدَّر لنصب الطيب مما يصحب الرؤية لا الرؤية نفسها, فكأنه قال: لن تراها إلا وتعلم لها أو تتحقق لها في مفارق الرأس طيبًا, غير أن سيبويه حمله على الرؤية. وينبغي أن يكون أراد ٧: ما تدل عليه الرؤية من الفعل الذي قدرناه.
стр. 847
والآخر أن هذه الواو في قوله: ولها كذا هي واو الحال, وصارفة للكلام إلى معنى الابتداء, فقد وجب أن يكون تقديره: لن تراها إلا وأنت تعلم أو تتحقق أو تشمّ, فتأتي بالمبتدأ وتجعل ذلك الفعل المقدَّر خبرًا عنه. فاعرف ذلك.
ومنه قوله ١:
قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما
وذات قرنين ضموزا ضرزما
هو من هذا؛ لأنه قد علم أن الحيات مسالمة كما علم أنها مسالمة, ورواها الكوفيون بنصب الحيات، وذهبوا إلى أنه أراد: القدمان, فحذف النون. وينشدون في ذلك قوله:
لنا أعنز لبنٌ ثلاث فبعضها ... لأولادها ثنتًا وما بيننا عنز٢
وينشدون قول الآخر ٣:
كأن أذنيه إذا تشوَّفا ... قادمتا أو قلَّمَا محرّفا
стр. 848
على أنه أراد: قادمتان أو قلمان محرفان. ورووه أيضًا: تخال أذنيه. . . " قادمة أو قلما للحرفا. فهذا على أنه يريد: كل واحدة من أذنيه"١, ومما ينسبونه إلى كلام الطير "قول الحجلة للقطاة"٢ أقطي٣ قطا, فبيضك ثنتًا, وبيضي مائتا, أي: ثنتان ومائتان.
ومن ذلك قوله ٤:
يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحا
أي٥ وحاملًا رمحًا. فهذا محمول على معنى الأوّل لا لفظه. وعليه:
علفتها تبنًا وماءً باردًا ... حتى شتت همَّالة عيناها٦
أي: وسقيتها ماء باردًا, وقوله:
تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر٧
стр. 849
أي: ويفقأ عينيه, وقوله:
تسمع للأجواف منه صردا ... وفي اليدين جسأة وبددا١
أي: وترى في اليدين جسأة وبددا، وقوله ٢:
فعلا فروع الأيهفان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها
أي: وأفرخت نعامها، وقوله٣:
إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزجَّجن الحواجب والعيونا
أي: وكحلن العيون, ومن المحمول على المعنى قوله ٤:
طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقبَا
لأن الأول في معنى: يا حسنه قوامًا, وقول الآخر ٥:
يذهبن في نجد وغورا غائرا
أي: ويأتين غورا.
стр. 850
وقول١ الآخر ٢:
فاذهب فأيّ فتى في الناس أحرزه ... من يومه ظُلم دعج ولا جَبَلُ
"حتى كأنه قال: ما أحد أحرزه ظلم ولا جبل"٣.
ومنه قوله ٤:
فإن كان لا يرضيك حتى تردَّني ... إلى قطري لا إخالك راضيًا
حمله الفراء على المعنى, قال: لأن معناه: لا يرضيك إلّا أن تردني, فجعل الفاعل متعلقًا على المعنى. وكان أبو علي يغلظ في هذا ويكبره ويتناكره ويقول: الفاعل لا يحذف, ثم إنه فيما بعد لان له وخفض٥ من جناح تناكره. وعلى كل حال فإذا كان الكلام إنما يصلحه أو يفسده معناه، وكان "هذا معنى"٦ صحيحًا مستقيمًا لم أر به بأسًا. وعلى٧ أن المسامحة في الفاعل ليست بالمرضية؛ لأنه أصعب حالًا من المبتدأ. وهو٨ في المفعول أحسن, أنشد أبو زيد:
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو ... إلى الإصباح آثر ذي أثير٩
стр. 851
أراد: اللهو١، فوضع "ألهو" موضعه لدلالة الفعل على مصدره, ومثله قولك لمن قال لك: ما يصنع زيد؟: يصلي أو٢ يقرأ, أي: الصلاة أو القراءة.
ومما جاء في المبتدأ من هذا قولهم: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه, أي: سماعك به خير من رؤيتك له. وقال : ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ٣ أي: منا قوم دون ذلك, فحذف المبتدأ وأقام الصفة التي هي الظرف مقامه. وقال جرير:
نفاك الأغرّ ابن عبد العزيز ... وحقك تُنْفَى عن المسجد٤
فحذف "أن" من خبر المبتدأ، وهي: حقك أن تنفى عن المسجد.
وقد جاء ذلك في الفاعل، على عزته. وأنشدنا ٥:
وما راعني إلّا يسير بشرطة ... وعهدي به فينا يفش بكير٦
كذا أنشدناه "فينا", وإنما هو قَيْنا, أراد بقوله: "وما راعني إلّا يسير" أي: مسيره "على هذا وجهه"٧. وقد يجوز أن يكون حالًا، والفاعل مضمر، أي: وما راعني إلّا سائرًا بشرطة.
стр. 852
ومنه بيت جميل:
جَزِعتُ حذار البَيْن يوم تحمَّلوا ... وحقّ لمثلي يا بثينة يجزع
أي: وحق لمثلي أن يجزع, وأجاز هشام يسرُّني تقوم, وينبغي أن يكون ذلك جائزًا عنده في الشعر لا في النثر. هذا أولى عندي من أن "يكون يرتكبه"١ من غير ضرورة.
وباب الحمل على المعنى بحر لا يُنْكَش٢، ولا يُفْئج٣ ولا يؤبى٤ ولا يُغَرَّض٥ ولا يُغضغض٦. وقد رأينا وجهه, ووكلنا الحال إلى قوة النظر وملاطفة التأوّل٧.
ومنه باب من هذه اللغة واسع لطيف طريف٨، وهو اتصال الفعل بحرف ليس مما يتعدّى به؛ لأنه في معنى فعل يتعدى به. من ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٩ لما كان في معنى الإفضاء عدَّاه بإلى, ومثله بيت الفرزدق:
قد قتل الله زيادًا عني
لما كان ذلك في معنى: صرفه عني, وقد ذكرناه١٠ فيما مضى. وكان أبو علي يستحسنه وينبه عليه.
ومنه قول١١ الأعشى:
سبحان من علقمة الفاخر١٢
علق حر ف الجر بسبحان لما كان معناه: براءة منه.
стр. 853
فصل في التحريف:
قد جاء هذا الموضع في ثلاثة أضرب: الاسم والفعل والحرف.
فالاسم يأتي تحريفه على ضربين: أحدهما مقيس, والآخر مسموع "غير مقيس"١.
الأول ما غيَّره النسب قياسًا, وذلك قولك في الإضافة إلى نَمِر: نَمَريّ، وإلى شقِرة ٢: شَقَرِيّ، وإلى قاض: قاضَوِيّ, وإلى حنيفة: حَنفيّ, وإلى عدِيّ: عَدَويّ, ونحو ذلك. وكذلك التحقير وجمع التكسير نحو: "رجل و"٣ رُجَيل ورجال.
الثاني على أضرب: منه ما غيَّرته٤ الإضافة٥ على غير قياس كقولهم في بني الحُبْلَى٦ حُبَلِيّ, وفي بني عَبِيدة٧ وجَذِيمة: عُبَدِيّ وجُذَمِيّ, وفي زَبِينة ٨: زَبانيّ, وفي أَمس: إمسيّ, وفي الأفُق: أَفَقيّ, وفي جَلولاء ٩: جَلوليّ, وفي خرسان: خُرْسٍيّ, وفي دَسْتواء ١٠: دستوانيّ.
ومنه ما جاء في غير الإضافة, وهو نحو قوله ١١:
من نسج داود أبي سلام
стр. 854
يريد: أبي١ سليمان, وقول الآخر ٢:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق
يريد: ثعلبة بن سيار, وأنشدنا أبو علي:
أبوك عطاء ألأم الناس كلهم٣
يريد: عطية بن الخطفي, وقال العبد:
وما دمية من دُمَى ميسنا ... ن معجبة نظرًا واتصافًا٤
أراد: ميسان, فغير٥ الكلمة بأن زاد فيها نونًا فقال: ميسنان, وقال لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان٦
أراد: المنازل, وقال علقمة:
كأنّ إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم٧
стр. 855
وقال:
واستحرَّ القتل في عبد الأشل
يريد الأشهل١.
" وقال:
بسبحل الدفين عيسجور٢
أي: بسبحل"٣.
وقال:
تحاذر وقع السوط خوصاء ضمَّها ... كلال فجالت في حجا حاجب ضمر٤
يريد: في حجاج حاجب. " وقد مضى من التحريف في الاسم ما فيه كافٍ بإذن الله"٥.
تحريف الفعل:
من ذلك ما جاء من المضاف مشبهًا بالمعتل, وهو قولهم في ظللت: ظلت، "وفي مسست: مِسَتْ"٦ وفي أحسست: أحَسْت، قال ٧:
خلا أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهنّ إليه شوس
стр. 856
وهذا مشبَّه بخفت وأردت. وحكى ابن الأعرابي في ظننت ظَنْتُ. وهذا كله لا يقاس١ عليه؛ لا تقول في شممت: شَمْتُ ولا شِمْتُ؛ ولا في "أقضضت ٢: أقضت".
فأما قول أبي الحسن في مثال اطمأنَّ من الضرب: اضرببَّ٣، وقول النحويين فيه: اضربب فليس تحريفًا, وإنما هذا عند كل واحد من القبليلين هو الصواب.
ومن تحريف الفعل ما جاء منه مقلوبًا كقولهم في اضمحل َّ: امضحلَّ, وفي أطيب: أيطب, وفي اكفهرَّ: اكرهفَّو وما كان مثله. فأمَّا جذب وجبذ فأصلان؛ لأن كل واحد منهما متصرف وذو مصدر, كقولك: جذب يجذب جذبًا, وهو جاذب, وجبذ يجبذ جبذًا وهو جابذ, وفلان مجبوذ ومجذوب, فإذا٤ تصرفا لم يكن أحدهما بأن يكون أصلًا لصاحبه أولى من أن يكون صاحبه أصلًا له.
وأما قولهم: أيس فمقلوب من يئس, ودليل ذلك من وجهين.
أحدهما "أن لا مصدر"٥ لقولهم: أيس, فأما الإياس فمصدر أست, قال أبو علي: وسمّوا٦ الرجل إياسًا كما سموه عطاء؛ لأن أست: أعطيت. ومثله
стр. 857
-عندي- تسميتهم إياه عياضًا١، فلمَّا لم يكن لأيس مصدر علمت أنه لا أصل له, وإنما المصدر اليأس. فهذا من يئست.
والآخر صحة العين في أيس, ولو لم يكن مقلوبًا لوجب فيه إعلالها وأن يقال: آس وإست كهاب وهبت, وكان يلزم في مضارع أواس كأهاب, فتلقب الفاء٢ لتحركها وانفتاحها٣ واوًا؛ كقولك في هذا أفعل من هذا من أممت: هذا أومّ من هذا, هذا قول أبي الحسن وهو القياس. وعلى قياس قول أبي عثمان أياس؛ كقوله: هذا٤ أيمّ من هذا. فصارت صحة الياء في "أيس" دليلًا على أنها مقلوبة من يئس, كما صارت صحة الواو في عَوِرَ دليلًا على أنها في معنى ما لا بُدَّ من صحته وهو اعورّ. وهو باب. وكذلك قولهم: لم أبله٥. وقد شرحناه في غير هذا.
تحريف الحرف:
قالوا: لا بَلْ ولابَنْ, وقالوا: قام زيد فُمَّ عمرو, كقولك: ثم عمرو. وهذا وإن كان بدلًا فإنه ضرب من التحريف. وقالوا في سوف أفعل: سوأفعل, وسَفْ٦ أفعل. حذفوا تارة الواو، وأخرى الفاء. وخففوا رُبَّ وإنَّ وأنَّ، فقالوا:
رُبَ هَيْضَلٍ لجب لففتُ بهيضل
стр. 858
وقال ١:
أن هالكٌ كلُّ منْ يحفى وينتعل
وقال الله سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ٢. وقال ٣:
سقته الرواعد من صيّف ... وإن من خريف فلن يعدما٤
مذهب صاحب الكتاب أنه أراد: وإما من خريف, وقد خولف فيه.
стр. 859
باب في فرق بين الحقيقة والمجاز:
الحقيقة: ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة, والمجاز: ما كان بضد ذلك.
وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة, وهي: الاتساع والتوكيد والتشبيه. فإن عدم هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة.
فمن ذلك قول١ النبي ﷺ في الفرس: "هو بحر" , فالمعاني الثلاثة موجودة فيه. أما الاتساع فلأنه زاد٢ في أسماء الفرس التي هي: فرس وطرف وجواد, ونحوها البحر, حتى إنه إن احتيج إليه في شعر أو سجع أو اتساع استعمل استعمال بقية تلك الأسماء, لكن لا يفضي إلى ذلك إلا بقرينة تسقط الشبهة. وذلك كأن يقول الشاعر:
علوت مطا جوادك يوم يوم ... وقد ثمد الجياد فكان بحرًا٣
وكأن يقول الساجع: فرسك هذا إذا سما بغرته كان فجرًا, وإذا جرى إلى غايته كان بحرًا, ونحو ذلك. ولو عَرِى الكلام من٤ دليل يوضّح الحال لم يقع عليه بحر؛ لما فيه من التعجرف في المقال من غير إيضاح ولا بيان. ألا ترى أن لو٥ قال رأيت بحرًا, وهو يريد الفرس لم يعلم بذلك غرضه, فلم يجز قوله؛ لأنه إلباس وإلغاز على الناس.
стр. 860
وأما التشبيه فلأن جريه١ يجر ي في الكثرة مجرى مائه.
أما التوكيد فلأنه شبه العرض بالجوهر, وهو أثبت في النفوس منه, والشبه في العرض منتفية عنه؛ ألا ترى أن من٢ الناس من دفع الأعراض وليس أحد دفع الجواهر.
وكذلك قول الله سبحانه: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ ٣ هذا هو مجاز, وفيه الأوصاف الثلاثة.
أما السعة فلأنه كأنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسمًا هو الرحمة.
وأما التشبيه فلأنه شبه٤ الرحمة -وإن لم يصح دخولها- بما يجوز دخوله, فلذلك وضعها موضعه.
وأما التوكيد فلأنه أخبر عن العرض بما يخبر به عن الجوهر, وهذا تعال٥ بالغرض، وتفخيم منه؛ إذ صير٦ إلى حيز ما يشاهد ويلمس ويعاين، ألا ترى إلى قول بعضهم في الترغيب في الجميل: ولو رأيتم المعروف رجلًا لرأيتموه حسنًا
стр. 861
جميلًا وإنما يرغب فيه بأن ينبه عليه, ويعظم من قدره, بأن يصوره في النفوس١ على أشرف أحواله، وأنوه٢ صفاته. وذلك بأن يتخيل شخصًا متجسمًا٣ لا عرضًا متوهمًا. وعليه قوله ٤:
تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير
"أي: فباديه إلى الخافي يسير"٥ أي: فباديه مضمومًا إلى خافيه يسير. وذلك أنه لما وصف الحب بالتغلغل فقد اتسع به٦؛ ألا ترى أنه يجوز على هذا أن تقول ٧:
شكوت إليها حبها المتغلغلا ... فما زادها شكواي إلا تدللا٨
فيصف بالمتغلغل٩ ما ليس في أصل اللغة أن يوصف بالتغلغل, إنما وصف يخصّ الجواهر لا الأحداث؛ ألا ترى أن المتغلغل في الشيء لا بُدَّ أن يتجاوز مكانًا إلى آخر. وذلك تفريغ مكان وشغل مكان. وهذه أوصاف تخص في الحقيقة الأعيان لا الأحداث. فهذا وجه الاتساع.
وأما التشبيه فلأنه شبَّه ما لا ينتقل ولا يزول بما يزول وينتقل, وأما المبالغة والتوكيد فلأنه أخرجه عن ضعف العرضية إلى قوة الجوهرية.
стр. 862
وعليه "قول الآخر "١:
قرعت ظنابيب الهوى يوم عالج ... ويوم النقا حتى قسرت الهوى قسرا٢
وقول الآخر:
ذهوب بأعناق المئين عطاؤه ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله٣
وقول الآخر ٤:
غمر الرداء إذا تبسَّم ضاحكًا ... غلقت لضحكته رقاب المال
وقوله ٥:
ووجهٍ كأن الشمس حلت رداءها ... عليه نقيّ اللون لم يتخدد
جعل للشمس رداء وهو جوهر؛ لأنه أبلغ في٦ النور الذي هو العرض, وهذه الاستعارات كلها داخلة تحت٧ المجاز.
стр. 863
فأما قولهم: ملكتُ عبدًا ودخلت دارًا وبنيت حمامًا فحقيقي هو ونحوه, لا استعارة فيه ولا مجاز في هذه المفعولات, لكن في الأفعال الواصلة إليها مجاز. وسنذكره. ولكن لو قال: بنيت لك في قلبي بيتًا, أو ملكت من الجود عبدًا خالصًا, أو أحللتك من رأيي وثقتي١ دار صدق؛ لكان ذلك مجازًا واستعارة لما فيه من الاتساع والتوكيد والتشبيه على ما مضى.
ومن المجاز كثير من باب الشجاعة في اللغة: من الحذوف٢، والزيادات٣، والتقديم والتأخير , والحمل على المعنى, والتحريف.
ألا ترى أنك إذا قلت: بنو٤ فلان يطؤهم الطريق, ففيه من السعة إخبارك عمَّا لا يصح وطؤه بما صح وطؤه. فتقول على هذا: أخذنا على الطريق الواطئ لبني فلان, ومررنا بقوم موطوئين بالطريق, ويا طريق طأ بنا بني فلان, أي أدّنا إليهم. وتقول: بني فلان بيته على سنن المارة رغبة في طئة الطريق بأضيافه له. أفلا ترى إلى وجه الاتساع عن هذا المجاز.
ووجه التشبيه إخبارك عن الطريق بما تخبر به عن سالكيه, فشبهته٥ بهم إذ كان هو المؤدي لهم, فكأنه هم.
وأما التوكيد٦ فلأنك إذا أخبرت عنه بوطئه إياهم كان أبلغ من وطء سالكيه لهم, وذلك أن الطريق مقيم ملازم, فأفعاله مقيمة معه, وثابتة بثباته. وليس كذلك أهل الطريق؛ لأنهم قد يحضرون فيه ويغيبون عنه, فأفعالهم أيضًا كذلك
стр. 864
حاضرة وقتًا وغائبة آخر. فأين هذا مما أفعاله ثابتة مستمرة. ولما كان هذا كلامًا الغرض فيه المدح والثناء اختاروا له أقوى اللفظين؛ لأنه يفيد أقوى المعنيين.
وكذلك قوله١ سبحانه: ﴿وَاسْأَلِ ٢ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ٣﴾ فيه٣ المعاني الثلاثة. أما الاتساع فلأنه استعمل لفظ السؤال مع ما لا يصح في الحقيقة سؤاله, وهذا نحو ما مضى, ألا تراك تقول: وكم من قرية مسئولة, وتقول: القرى وتسآلك؛ كقولك: أنت وشأنك. فهذا ونحوه اتساع.
وأما التشبيه فلأنها شبهت بما يصح سؤاله لما كان بها ومؤلفًا٤ لها. وأما التوكيد فلأنه في ظاهر اللفظ إحالة بالسؤال "على من"٥ ليس من عادته الإجابة. فكأنهم تضمنوا لأبيهم ﵇ أنه إن سأل الجمادات والجبال أنبأته بصحة قولهم, وهذا تناهٍ في تصحيح الخبر. أي: لو سألتها لأنطقها الله بصدقنا, فكيف لو سألت مَن مِن عادته الجواب.
وكيف تصرَّفت الحال فالاتساع فاشٍ في جميع أجناس شجاعة العربية.
стр. 865
باب في أن ١ المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة:
اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة. وذلك عامة الأفعال نحو: قام زيد, وقعد عمرو, وانطلق بشر, وجاء الصيف, وانهزم٢ الشتاء. ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية, فقولك: قام زيد, معناه ٣: كان منه القيام, أي: هذا
стр. 866
الجنس من الفعل, ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام, وكيف١ يكون ذلك وهو جنس, والجنس يطبق٢ جميع الماضي وجميع الحاضر وجميع الآتي, الكائنات من كل من وجد منه القيام. ومعلوم٣ أنه لا يجتمع لإنسان واحد "في وقت واحد"٤, ولا في مائة ألف سنة مضاعفة القيام كله الداخل تحت الوهم, هذا محال عند كل ذي لب. فإذا كان كذلك علمت أن "قام زيد" مجاز لا حقيقة, وإنما هو على وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير. ويدل على انتظام ذلك لجميع جنسه أنك تعلمه في جميع أجزاء ذلك الفعل فتقول: قمت قومة, وقومتين, ومائة قومة, وقيامًا حسنًا, وقيامًا قبيحًا. فأعمالك إياه في جميع أجزائه يدل على أنه موضوع عندهم على صلاحه لتناول جميعها. وإنما يعمل الفعل من المصادر فيما فيه عليه دليل؛ ألا تراك لا تقول: قمت جلوسًا, ولا ذهبت مجيئًا, ولا نحو ذلك لما لم تكن فيه دلالة عليه, ألا ترى إلى قوله:
لعمري لقد أحببتك الحب كله ... وزدتك حبًا لم يكن قبل يعرف٥
"فانتظامه٦ لجميعه يدل على وضعه على اغتراقه واستيعابه"٧ وكذلك قول الآخر:
فقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظنّ أن لا تلاقيا٨
стр. 867
فقوله: "كل الظن" يدل على صحة ما ذهبنا إليه. قال لي أبو علي: قولنا: قام زيد, بمنزلة قولنا: خرجت فإذا الأسد, ومعناه أن قولهم: خرجت فإذا الأسد تعريفه هنا تعريف الجنس كقولك: الأسد أشد من الذئب, وأنت لا تريد أنك "خرجت وجميع الأسد"١ التي٢ يتناولها الوهم على الباب. هذا محال واعتقاده اختلال٣. وإنما أردت: خرجت فإذا واحد من هذا الجنس بالباب, فوضعت لفظ الجماعة على الواحد مجازًا لما فيه من الاتساع والتوكيد والتشبيه. أما الاتساع فإنك٤ وضعت اللفظ المعتاد للجماعة على الواحد. وأما التوكيد فلأنك عظمت قدر ذلك الواحد، بأن جئت بلفظه على اللفظ المعتاد للجماعة, وأما التشبيه فلأنّك عظّمت قدر ذلك الواحد بالجماعة؛ لأن كل واحد منها مثله في كونه أسدًا.
وإذا كان كذلك فمثله قعد جعفر, وانطلق محمد, وجاء الليل, وانصرم النهار. وكذلك أفعال القديم سبحانه؛ نحو٥: خلق الله السماء والأرض, وما٦ كان مثله, ألا ترى -أنه عزَّ اسمه- لم يكن منه بذلك خلق أفعالنا, ولو كان حقيقة لا مجازًا لكان خالقًا للكفر والعدوان وغيرهما٧ من أفعالنا -عز وعلا. وكذلك علم الله قيام زيد مجاز٨ أيضًا؛ لأنه لست الحال التي علم عليها قيام زيد هي الحال التي علم عليها قعود عمرو. ولسنا نثبت له سبحانه علمًا؛ لأنه عالم بنفسه٩, إلا أنَّا مع ذلك نعلم
стр. 868
أنه ليست١ حال علمه بقيام٢ زيد هي حال علمه بجلوس عمرو ونحو ذلك. وكذلك قولك: ضربت عمرًا مجاز أيضًا من غير جهة التجوّز في الفعل -وذلك أنك إنما فعلت بعض الضرب لا جميعه- ولكن من جهة أخرى؛ وهو أنك إنما ضربت بعضه لا جميعه, ألا تراك تقول: ضربت زيدًا, ولعلك إنما ضربت يده أو إصبعه, أو ناحية من نواحي جسده, ولهذا إذا احتاط الإنسان واستظهر جاء ببدل البعض فقال: ضربت زيدًا وجهه أو رأسه. نعم, ثم إنه مع ذلك متجوز, ألا "تراه قد يقول "٣: ضربت زيدًا رأسه٤، فيبدل للاحتياط, وهو إنما ضرب ناحية من رأسه لا رأسه كله. ولهذا ما يحتاط بعضهم في نحو هذا فيقول: ضربت زيدًا جانب وجهه الأيمن, أو ضربته أعلى رأسه الأسمق٥؛ لأن أعلى رأسه قد تختلف أحواله فيكون بعضه أرفع من بعض.
وبعد فإذا عرف التوكيد لم وقع في الكلام -نحو: نفسه وعينه وأجمع وكله وكلهم وكليهما, وما أشبه ذلك- عرفت منه "حال سعة"٦ المجاز في هذا الكلام, ألا تراك قد٧ تقول: قطع الأمير اللص, ويكون القطع له بأمره٨ لا بيده, فإذا قلت: قطع الأمير نفسه اللص, رفعت المجاز من جهة الفعل وصرت إلى الحقيقة, لكن يبقى عليك التجوز من مكان آخر وهو قولك: اللص, وإنما لعله قطع يده أو رجله، فإذا٩ احتطت قلت: قطع الأمير نفسه يد اللص أو رجله. وكذلك
стр. 869
جاء الجيش أجمع, ولولا أنه قد كان يمكن أن يكون إنما جاء بعضه١ -وإن أطلقت المجيء على جميعه- لما كان لقولك: أجمع معنى.
فوقوع التوكيد في هذه اللغة أقوى دليل على شياع المجاز فيها واشتماله عليها, حتى إن أهل العربية أفردوا له بابًا لعنايتهم به، وكونه مما٢ لا يضاع ولا يهمل مثله, كما أفردوا لكل معنى أهمهم بابًا؛ كالصفة والعطف والإضافة والنداء والندبة والقسم والجزاء, ونحو ذلك.
وبينت منذ قريب لبعض منتحلي هذه الصناعة هذا الموضع -أعني: ما في٣ ضربت زيدًا, وخلق الله, ونحو ذلك- فلم يفهمه إلّا بعد أن بات٤ عليه, وراض نفسه فيه, واطلع في الموضع الذي أومأت له إليه, فحينئذ ما تصوره, وجرى على مذهبه في أن لم يشكره.
واعلم أن جميع ما أوردناه في سعة المجاز عندهم واستمراره على ألسنتهم دفع أبي الحسن القياس على حذف المضاف, وإن لم يكن حقيقة. أولا٥ يعلم أبو الحسن كثرة المجاز غيره, وسعة استعماله وانتشار مواقعه, كقام أخوك, وجاء الجيش, وضربت زيدًا, ونحو ذلك, وكل ذلك مجاز "لا حقيقة"٦ "وهو على غاية الانقياد والاطراد. وكذلك أيضًا حذف المضاف مجاز لا حقيقة"٧ وهو مع ذلك مستعمل٨.
стр. 870
فإن احتج أبو الحسن بكثرة هذه المواضع؛ نحو: قام زيد, وانطلق محمد, وجاء القوم, ونحو ذلك, قيل له: وكذلك حذف المضاف قد كثر؛ حتى إن في القرآن -وهو أفصح الكلام- منه أكثر من مائة موضع، بل ثلاثمائة موضع١، وفي الشعر منه ما لا أحصيه.
فإن قيل: يجيء من هذا أن تقول: ضربت زيدًا, وإنما ضربت غلامه وولده.
قيل: هذا الذي شنَّعت به بعينه جائز؛ ألا تراك تقول: إنما ضربت زيدًا بضربك غلامه, وأهنته بإهانتك ولده. وهذا باب إنما يصلحه ويفسده المعرفة به. فإن فهم عنك في قولك: ضربت زيدًا, أنك إنما أردت بذلك: ضربت غلامه أو أخاه أو نحو ذلك جاز, وإن لم يفهم عنك لم يجز, كما أنك إن فهم عنك٢ بقولك: أكلت الطعام, أنك أكلت بعضه, لم تحتج إلى البدل, وإن٣لم يفهم عنك وأردت إفهام المخاطب إياه لم تجد بدًّا من البيان, وأن تقول: بعضه أو نصفه أو نحو ذلك. ألا ترى أن الشاعر لما فهم عنه ما "أراد٤ بقوله" قال ٥:
صبَّحن من كاظمة الخُصِّ الخرب ... يحملن عباس بن عبد المطلب٦
стр. 871
وإنما أراد: عبد الله بن عباس, ولو لم يكن على الثقة بفهم ذلك لم يجد بدًّا من البيان. وعلى ذلك قول الآخر ١:
عليم بما أعيا النطاسي حذيما
أراد: ابن حذيم.
ويدلك على لحاق المجاز بالحقيقة عندهم وسلوكه طريقته في أنفسهم أن العرب قد وكدته كما وكَّدت الحقيقة, وذلك قول الفرزدق:
عشيَّة سال المربدان كلاهما ... سحابة موت بالسيوف الصوارم٢
وإنما هو مربد واحد, فثناه مجازًا لما يتصل به من مجاوره, ثم إنه مع ذلك وكَّده وإن كان مجازًا. وقد يجوز أن يكون سمَّى كل واحد من جانبيه مربدًا.
وقال الآخر:
стр. 872
إذا البيضة الصمَّاء عضت صفيحة ... بحربائها صاحت صياحًا وصلَّت١
فأكد "صاحت" وهو مجاز بقوله: صياحًا.
وأما٢ قول الله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٣ فليس من باب المجاز "في الكلام"٤, بل هو حقيقة, قال أبو الحسن ٥: خلق الله لموسى٦ كلامًا في الشجرة, فكلَّم به موسى, وإذا أحثَّه كان متكلمًا به. فأمَّا أن يحدثه في شجرة أو فم أو غيرهما, فهو شيء آخر, لكن الكلام واقع, ألا ترى أن المتكلم منا إنما يستحق هذه الصفة بكونه متكلمًا لا غير لا؛ لأنه أحدثه في آلة نظقه, وإن كان لا يكون متكلمًا حتى يحرك به آلات نطقه.
فإن قلت: أرأيت لو أن أحدنا عمل آلة مصوِّتة وحركها واحتذى بأصواتها أصوات الحروف المقطعة المسموعة في كلامنا, أكنت تسميه متكلمًا؟ وتسمي تلك الأصوات كلامًا؟
فجوابه ألا٧ تكون تلك الأصوات كلامًا, ولا ذلك المصوِّت لها متكلمًا, وذلك أنه ليس في قوة٨ البشر أن يوردوه بالآلات التي يصنعونها على سمت الحروف
стр. 873
المنطوق بها وصورتها "في النفس"١؛ لعجزهم عن ذلك. وإنما يأتون بأصوات فيها الشبه اليسير من حروفنا٢؛ فلا يستحق لذلك أن تكون٣ كلامًا، ولا أن يكون الناطق بها متكلمًا, كما أن الذي يصور الحيوان تجسيمًا أو ترقيمًا لا يسمَّى خالقًا للحيوان, وإنما يقال مصور وحاكٍ ومشبِّه. وأما القديم سبحانه فإنه قادر على إحداث الكلام على صورته الحقيقية وأصواته الحيوانية في الشجرة والهواء وما أحب سبحانه وشاء. فهذا فرق.
فإن قلت: فقد أحال سيبويه٤ قولنا: أشرب ماء البحر, وهذا منه حظر للمجاز الذي أنت مدَّع شياعه وانتشاره.
قيل: إنما أحال ذلك على أن المتكلم يريد به الحقيقة, وهذا٥ مستقيم إذ٦ الإنسان الواحد لا يشرب جميع ماء البحر, فأما إن أراد به بضعه ثم أطلق هناك اللفظ يريد به جميعه, فلا محالة من جوازه, ألا ترى إلى "قول الأسود٧ بن يعفر":
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد٨
"فلم يحصل"٩ هنا جميعه؛ لأنه قد يمكن أن يكون بعض مائه مختلجًا قبل وصوله إلى أرضهم "بشرب١٠ أو بسقي" زرع ونحوه, فسيبويه إذًا إنما وضع هذه اللفظة
стр. 874
في هذا الموضع على أصل "وضعها في اللغة"١ من العموم, واجتنب المستعمل فيه من الخصوص.
ومثل٢ توكيد المجاز فيما مضى قولنا: قام زيد قيامًا, وجلس عمرو جلوسًا, وذهب سعيد٣ ذهابًا، "ونحو ذلك٤؛ لأن" قولنا: قام زيد ونحو ذلك قد قدَّمنا الدليل على أنه مجاز, وهو مع ذلك مؤكَّد بالمصدر. فهذا٥ توكيد المجاز كما ترى, وكذلك أيضًا يكون قوله سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ومن هذا الوجه مجازًا على ما مضى.
ومن التوكيد في المجاز قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٦ ولم تؤت لِحْيَة ولا ذكرًا. ووجه هذا عندي أن يكون مما حذفت صفته حتى كأنه قال: وأوتيت من كل شيء تؤتاه المرأة الملكة٧؛ ألا ترى "أنها٨ لو" أوتيت لحية وذكرًا لم تكن امرأة أصلًا٩، ولما قيل فيها: أوتيت, ولقيل أوتي. ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١٠ وهو سبحانه شيء. وهذا١١ مما يستثنيه١٢ العقل ببديهته, ولا يحوج إلى التشاغل باستثنائه١٣؛ ألا ترى أن الشيء كائنًا ما كان لا يخلق نفسه, كما أن المرأة لا تؤتي لحية ولا ذكرًا.
стр. 875
فأما١ قوله سبحانه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ٢ فحقيقة لا مجاز. وذلك٣ أنه سبحانه ليس عالمًا بعلم؛ فهو إذًا العليم الذي٤ فوق ذوي العلوم أجمعين. ولذلك٥ لم يقل: وفوق كل عالم عليم؛ لأنه عزَّ اسمه عالم ولا عالم فوقه.
فإن قلت: فليس في شيء مما أوردته٦ من قولك: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ و ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٧ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ اللفظ المعتاد للتوكيد.
قيل: هو وإن لم يأت تابعًا على سمت التوكيد فإنه بمعنى التوكيد البتة, ألا ترى أنك٨ إذا قلت: عممت بالضرب جميع القوم, ففائدته فائدة قولك: ضربت القوم كلهم. فإذا كان المعنيان واحدًا كان ما وراء ذلك غير معتَدٍّ به ولغوًا.
стр. 876
باب في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول, ما لم يَدْعُ داعٍ إلى الترك ١ والتحول:
من ذلك٢ "أو" إنما أصل وضعها أن تكون لأحد الشيئين أين كانت وكيف٣ تصرفت, فهي عندنا على ذلك وإن كان بعضهم قد خفي عليه هذا من حالها في بعض الأحوال, حتى دعاه إلى أن٤ نقلها عن أصل بابها, وذلك أن الفراء قال: إنها قد تأتي بمعنى بل, وأنشد بيت ذي الرمة:
стр. 877
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح١
وقال: معناه: بل أنت في العين أملح. وإذا أرينا أنها في موضعها وعلى٢ بابها -بل إذا كانت هنا على بابها كانت أحسن معنًى وأعلى مذهبًا- فقد وفَّينا ما٣ علينا.
وذلك أنها على بابها من الشك, ألا ترى أنه لو أراد بها معنى بل فقال: بل أنت في العين "أملح لم يف بمعنى أو في الشك؛ لأنه إذا قطع بيقين أنها في العين أملح"٤ كان في ذلك سرف منه ودعاء إلى التهمة في الإفراط له، وإذا أخرج الكلام مخرج الشك كان في صورة المقتصد غير المتحامل ولا المتعجرف. فكان٥ أعذب للفظه، وأقرب إلى تقبُّل قوله, ألا تراه نفسه أيضًا٦ قال:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أَمْ أُمّ سالم٧
стр. 878
فكما١ لا يشك٢ في٣ أن كلامه ههنا خرج مخرج الشك لما فيه من عذوبته وظرف مذهبه, فكذلك ينبغي أن يكون قوله: أو أنت في العين أملح "أو" فيه باقية في موضعها وعلى شكلها.
وبعد فهذا مذهب الشعراء: أن يظهروا في هذا ونحوه شكًّا وتخالجًا٤ ليروا قوة الشبه واستتكام الشبهة, ولا يقطعوا قطع اليقين البتة فينسبوا بذلك إلى الإفراط وغلوّ الأشطاط, وإن كانوا هم ومن بحضرتهم٥ ومن يقرأ من٦ بعد أشعارهم يعلمون أن لا حيرة هناك ولا شبهة, ولكن "كذا خرج"٧ الكلام على الإحاطة بمحصول الحال.
وقال أيضًا:
ذكرتك أن مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح٨
وقال الآخر ٩:
أقول لظبي يرتعي وسط روضة ... أأنت أخو ليلى فقال يقال
وما أحسن ما جاء به الطائي الصغير "في قوله"١٠:
عارضننا أصلًا فقلنا الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب١١
стр. 879
وقال الآخر ١:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... سوى أنّ عظم الساق منكِ دقيق
وذهب قُطْرُب إلى أن "أو" قد تكون بمعنى الواو, وأنشد بيت النابغة:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد٢
فقال: معناه: ونصفه. ولعمري إن كذا معناه. وكيف لا يكون كذلك, ولا بُدَّ منه وقد كثرت فيه الرواية أيضًا بالواو: ونصفه. لكن هناك مذهب يمكن معه أن يبقى الحرف على أصل وضعه: من كون لا شَكَّ فيه, وهو أن يكون تقديره: ليتما هذا الحمام لنا "إلى حمامتنا"٣ أو هو ونصفه. فحذف المعطوف عليها وحرف العطف, على ما قدمناه في قوله : ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ٤ أي٥ فضرب فانفجرت. وعليه قول٦ الآخر:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذا كما ما غيبتني غيابيا
أي: شهرين أو شهرين ونصف ثالث, ألا تراك لا تقول مبتدئًا: لبثت نصف ثالث؛ لأن ثالثًا من الأسماء المضمنة٧ بما معها. ودعانا إلى هذا التأوّل٨ السعي في٩ إقرار "هذه" اللفظة على أول أحوالها.
стр. 880
فأما قول الله سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ١ فلا يكون فيه "أو" على مذهب الفراء بمعنى بل, ولا على٢ مذهب قطرب في أنها بمعنى الواو.
لكنها عندنا على بابها في كونها شكًّا. وذلك أن هذا كلام خرج حكاية من الله لقول المخلوقين. وتأويله عند أهل النظر: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموهم لقلتم أنتم فيهم: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون.
ومثله مما مخرجه منه تعالى على٣ الحكاية قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وإنما هو في الحقيقة الذليل المهان لكن معناه: ذق إنك أنت الذي كان يقال له: العزيز الكريم. ومثله قوله : ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ ٥ أي: يا أيها الساحر عندهم لا عندنا؛ وكيف٦ يكون ساحرًا عندهم وهم به مهتدون, وكذلك قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ ٧ أي: شركائي عندكم. وأنشدنا أبو علي لبعض اليمانية٨ يهجو جريرًا:
أبلغ كليبًا وأبلغ عنك شاعرها ... أني الأغرّ وأني زهرة اليمن
قال: فأجابه جرير فقال:
ألم تكن في وسوم قد وسمت بها ... من حان موعظة يا زهرة اليمن ٩
فسماه زهرة اليمن١٠ متابعة له وحكاية للفظه, وقد تقدَّم القول على هذا الموضع.