← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

باب في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول, ما لم يَدْعُ داعٍ إلى الترك ١ والتحول: من ذلك٢ "أو" إنما أصل وضعها أن تكون لأحد الشيئين أين كانت وكيف٣ تصرفت, فهي عندنا على ذلك وإن كان بعضهم قد خفي عليه هذا من حالها في بعض الأحوال, حتى دعاه إلى أن٤ نقلها عن أصل بابها, وذلك أن الفراء قال: إنها قد تأتي بمعنى بل, وأنشد بيت ذي الرمة:

стр. 877

بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح١ وقال: معناه: بل أنت في العين أملح. وإذا أرينا أنها في موضعها وعلى٢ بابها -بل إذا كانت هنا على بابها كانت أحسن معنًى وأعلى مذهبًا- فقد وفَّينا ما٣ علينا. وذلك أنها على بابها من الشك, ألا ترى أنه لو أراد بها معنى بل فقال: بل أنت في العين "أملح لم يف بمعنى أو في الشك؛ لأنه إذا قطع بيقين أنها في العين أملح"٤ كان في ذلك سرف منه ودعاء إلى التهمة في الإفراط له، وإذا أخرج الكلام مخرج الشك كان في صورة المقتصد غير المتحامل ولا المتعجرف. فكان٥ أعذب للفظه، وأقرب إلى تقبُّل قوله, ألا تراه نفسه أيضًا٦ قال: أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أَمْ أُمّ سالم٧

стр. 878

فكما١ لا يشك٢ في٣ أن كلامه ههنا خرج مخرج الشك لما فيه من عذوبته وظرف مذهبه, فكذلك ينبغي أن يكون قوله: أو أنت في العين أملح "أو" فيه باقية في موضعها وعلى شكلها. وبعد فهذا مذهب الشعراء: أن يظهروا في هذا ونحوه شكًّا وتخالجًا٤ ليروا قوة الشبه واستتكام الشبهة, ولا يقطعوا قطع اليقين البتة فينسبوا بذلك إلى الإفراط وغلوّ الأشطاط, وإن كانوا هم ومن بحضرتهم٥ ومن يقرأ من٦ بعد أشعارهم يعلمون أن لا حيرة هناك ولا شبهة, ولكن "كذا خرج"٧ الكلام على الإحاطة بمحصول الحال. وقال أيضًا: ذكرتك أن مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح٨ وقال الآخر ٩: أقول لظبي يرتعي وسط روضة ... أأنت أخو ليلى فقال يقال وما أحسن ما جاء به الطائي الصغير "في قوله"١٠: عارضننا أصلًا فقلنا الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب١١

стр. 879

وقال الآخر ١: فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... سوى أنّ عظم الساق منكِ دقيق وذهب قُطْرُب إلى أن "أو" قد تكون بمعنى الواو, وأنشد بيت النابغة: قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد٢ فقال: معناه: ونصفه. ولعمري إن كذا معناه. وكيف لا يكون كذلك, ولا بُدَّ منه وقد كثرت فيه الرواية أيضًا بالواو: ونصفه. لكن هناك مذهب يمكن معه أن يبقى الحرف على أصل وضعه: من كون لا شَكَّ فيه, وهو أن يكون تقديره: ليتما هذا الحمام لنا "إلى حمامتنا"٣ أو هو ونصفه. فحذف المعطوف عليها وحرف العطف, على ما قدمناه في قوله : ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ٤ أي٥ فضرب فانفجرت. وعليه قول٦ الآخر: ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذا كما ما غيبتني غيابيا أي: شهرين أو شهرين ونصف ثالث, ألا تراك لا تقول مبتدئًا: لبثت نصف ثالث؛ لأن ثالثًا من الأسماء المضمنة٧ بما معها. ودعانا إلى هذا التأوّل٨ السعي في٩ إقرار "هذه" اللفظة على أول أحوالها.

стр. 880

فأما قول الله سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ١ فلا يكون فيه "أو" على مذهب الفراء بمعنى بل, ولا على٢ مذهب قطرب في أنها بمعنى الواو. لكنها عندنا على بابها في كونها شكًّا. وذلك أن هذا كلام خرج حكاية من الله لقول المخلوقين. وتأويله عند أهل النظر: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموهم لقلتم أنتم فيهم: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون. ومثله مما مخرجه منه تعالى على٣ الحكاية قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وإنما هو في الحقيقة الذليل المهان لكن معناه: ذق إنك أنت الذي كان يقال له: العزيز الكريم. ومثله قوله : ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ ٥ أي: يا أيها الساحر عندهم لا عندنا؛ وكيف٦ يكون ساحرًا عندهم وهم به مهتدون, وكذلك قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ ٧ أي: شركائي عندكم. وأنشدنا أبو علي لبعض اليمانية٨ يهجو جريرًا: أبلغ كليبًا وأبلغ عنك شاعرها ... أني الأغرّ وأني زهرة اليمن قال: فأجابه جرير فقال: ألم تكن في وسوم قد وسمت بها ... من حان موعظة يا زهرة اليمن ٩ فسماه زهرة اليمن١٠ متابعة له وحكاية للفظه, وقد تقدَّم القول على هذا الموضع.

стр. 881

ومن ذلك ما يدعيه الكوفيون من زيادة واو العطف؛ نحو قول الله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ ١ "قالوا: هنا زائدة مخرجة عن العطف, والتقدير عندهم فيها: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها"٢. وزيادة الواو أمر٣ لا يثبته البصريون, لكنه عندنا على حذف الجواب, أي: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها كذا وكذا صدقوا وعدهم وطابت نفوسهم, ونحو ذلك مما يقال في مثل هذا. وأجاز أبو الحسن زيادة الواو في خبر كان؛ نحو قولهم: كان ولا مال له, أي: كان لا مال له. ووجه جوازه عندي شبه خبر كان بالحال، فجرى مجرى٤ قولهم: جاءني ولا ثوب عليه, أي: جاءني عاريًا. فأما "هل " فقد أخرجت عن بابها إلى معنى قد, نحو قول الله سبحانه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ٥ قالوا: معناه: قد أتى عليه ذلك. وقد يمكن عندي أن تكون مبقاة في هذا الموضع على بابها من الاستفهام، فكأنه قال -والله أعلم: هل أتى على الإنسان هذا؟ فلا بُدَّ في جوابه من "نعم" ملفوظًا بها أو مقدرة، أي:٦ فكما أن ذلك كذلك فينبغي للإنسان أن يحتقر نفسه، ولا يبأى٧ بما فتح له. وهذا كقولك لمن تريد الاحتجاج عليه: بالله هل سألتني فأعطيتك! أم هل زرتني فأكرمتك! , أي:٦ فكما أن ذلك كذلك فيجب أن تعرف حقي عليك وإحساني إليك. ويؤكد هذا عندك قوله تعالى: ﴿إِنَّا ٨ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ ٨ أفلا تراه -عز اسمه- كيف عدد عليه أياديه وألطافه له.

стр. 882

فإن قلت: فما تصنع بقول الشاعر ١: سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم ألا ترى إلى دخول همزة الاستفهام على هل, ولو كانت على ما فيها من الاستفهام لم تلاق همزته لاستحالة اجتماع حرفين لمعنى واحد, وهذا يدل على خروجها٢ عن الاستفهام إلى معنى الخبر. قيل: هذا قول يمكن أن يقوله صاحب هذا المذهب. ومثله خروج الهمزة عن الاستفهام إلى التقرير, ألا ترى أن التقرير ضرب من الخبر، وذلك ضد٣ الاستفهام, ويدل على أنه قد فارق الاستفهام امتناع النصب بالفاء "في جوابه"٤ والجزم بغير الفاء في جوابه, ألا تراك لا تقول: ألست صاحبنا فنكرمك؛ كما تقول: لست صاحبنا٥ فنكرمك, ولا تقول في التقرير: أأنت في الجيش أثبت اسمك. كما تقول: ما اسمك أذكرك, أي: إن أعرفه أذكرك. ولأجل ما ذكرنا من حديث همزة التقرير ما صارت تنقل النفي إلى الإثبات والإثبات إلى النفي, وذلك كقوله ٦: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح

стр. 883

أي: "أنتم كذاكم"١ وكقول الله : ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ ٢ و ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ ٣ أي: لم يأذن لكم، ولم تقل٤ للناس: اتخذوني وأمي إلهين, ولو كانت استفهامًا محضًا لأقرت الإثبات على إثباته والنفي على نفيه. فإذا دخلت٥ على الموجب نفته "وإذا دخلت على النفي نفته"٦ و"نفي النفي عائد"٧ به إلى الإثبات. ولذلك لم يجيزوا ما زال زيد إلّا قائمًا لما آل به المعنى "من النفي" إلى: ثبت زيد إلّا قائمًا. فكما لا يقال هذا فكذلك لا يقال ذلك. فاعرفه. ويدل٨ على صحة معنى التناكر في همزة التقرير أنها قد أخلصت للإنكار في نحو قولهم في جواب قوله٩ ضربت عمر: أعمراه! ومررت بإبراهيم: أإبراهيماه. ورأيت جعفرًا: "أجعفرنيه١٠، وأجعفرًا إنيه! ". وهذا واضح. واعلم أنه ليس شيء يخرج عن بابه إلى غيره إلّا لأمر قد كان وهو على بابه ملاحظًا له, وعلى صدد من الهجوم عليه. وذلك أن المستفهِم عن الشي قد يكون عارفًا به مع استفهامه في الظاهر عنه, لكن غرضه في الاستفهام عنه أشياء. منها١١ أن يرى المسئول أنه خفي عليه ليسمع جوابه عنه, ومنها أن يتعرف حال المسئول هل هو عارف بما السائل عارف به. ومنها أن يرى الحاضر غيرهما أنه بصورة السائل المسترشد لما له في ذلك من

стр. 884

الغرض. ومنها أن يعد ذلك لما بعده مما يتوقعه، حتى إن١ حلف بعد أنه قد٢ سأله عنه حلف صادقًا فأوضح بذلك عذرًا. و"لغير ذلك"٣ من المعاني التي يسأل السائل عمَّا يعرفه لأجلها وبسببها. فلمّا كان السائل في جميع هذه الأحوال قد يسأل٤ عمَّا هو عارفه٥، أخذ بذلك طرفًا من الإيجاب لا السؤال عن مجهول٦ الحال. وإذا كان ذلك كذلك جاز لأجله أن يجرّد في بعض الأحوال ذلك الحرف لصريح ذلك المعنى. فمن هنا جاز أن تقع "هل" في بعض الأحوال موضع "قد"؛ كما جاز لأو أن تقع في "بعض الأحوال موقع"٧ الواو؛ نحو قوله: وكان سيان ألا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبَّرت السوح٨ جاز لك لما كنت تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، فيكون٩ مع ذلك متى جالسهما جميعًا كان في ذلك مطيعًا, فمن هنا جاز أن يخرد في البيت ونحوه إلى معنى الواو. وكل١٠ حرف فيما بعد يأتيك قد أخرج عن بابه إلى باب آخر فلا بُدَّ أن يكون قبل إخراجه إليه قد كان يرائيه ويلتفت إلى الشق الذي هو فيه. فاعرف ذلك وقسه, فإنك إذا فعلته١١ لم تجد الأمر إلا كما ذكرته, وعلى ما شرحته.

стр. 885

باب في إيراد المعنى المراد بغير اللفظ المعتاد: اعلم أن هذا موضع١ قد استعملته العرب واتبعتها فيه العلماء. والسبب في هذا الاتساع أن المعنى المراد مفاد من الموضعين جميعًا, فلمَّا آذنَّا به وأديا إليه سامحوا أنفسهم في العبارة عنه؛ إذ المعاني عندهم أشرف من الألفاظ, وسنفرد لذلك بابًا. فمن ذلك ما حكاه أبو الحسن: أنه سأل أعرابيًّا عن تحقير الحُبارى فقال: حبرور. وهذا٢ جواب من قصد الغرض ولم يحفل باللفظ؛ إذ لم يفهم غرض أبي الحسن, فجاء بالحبرور لأنه فرخ الحبارى. وذلك أن هذا الأعرابي تلقَّى سؤال أبي الحسن بما هو الغرض عند الكافة في مثله, ولم يحفل بصناعة الإعراب التي إنما هي لفظية ولقوم مخصوصين، من بين أهل الدنيا أجمعين. ونحو من ذلك أني سألت الشجري فقلت: كيف تجمع المحرنجم, فقال: وأيش فرقه حتى أجمعه! وسألته يومًا فقلت ٣: كيف تحقر الدمكمك٤؟ فقال: شخيت٤. فجاء بالمعنى الذي يعرفه هو، ولم يراع مذهب الصناعة. ونحو من هذا ما يحكى عن أبي السّمال٥ أنه كان يقرأ: "فحاسوا خلال الديار"، فيقال له: إنما هو فجاسوا, فيقول: جاسوا وحاسوا واحد٦. وكان أبو مهدية إذا أراد الأذان قال: الله أكبر مرتين٧، أشهد أن لا إله ِإلا الله مرتين, ثم كذلك إلى آخره. فإذا قيل له: ليست السنة كذلك, إنما هي: الله أكبر الله أكبر، أشهد

стр. 886

أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره, فيقول: قد عرفتم أن المعنى واحد والتكرار عي. وحكى عيسى بن عمر، "سمعت ذا الرمة ينشد "١: وظاهر لها من يابس الشخت واستعن ... عليها الصبا واجعل يديك لها سترا٢ فقلت: أنشدتني: من بائس, فقال "يابس وبائس"٣ واحد. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن العباس أحمد بن يحيى قال "أنشدني ابن الأعرابي "٤: وموضع زَبْن لا أريد مبيته ... كأني به من شدة الروع آنس٥ فقال له شيخ من أصحابه: ليس هكذا أنشدتنا, إنما أنشدتنا: وموضع ضيق. فقال: سبحان٦ الله! تصحبنا منذ كذا وكذا, ولا تعلم أن الزبن والضيق واحد, وقد قال الله سبحانه وهو أكرم قيلًا: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٧ وقال رسول الله ﷺ : " نزل القرآن على سبع لغات كلها شافٍ كاف ".

стр. 887

وهذا ونحوه -عندنا١- هو الذي أدَّى إلينا أشعارهم وحكاياتهم بألفاظ مختلفة، على معانٍ متفقة. وكان أحدهم إذا أورد المعنى المقصود بغير لفظه المعهود كأنه لم يأت إلا به، "ولا عدل"٢ عنه إلى غيره؛ إذ الغرض فيهما واحد, وكل واحد منهما لصاحبه مرافد. وكان أبو علي ﵀ إذا عبر عن معنى بلفظ٣ ما فلم يفهمه القارئ عليه, وأعاد ذلك المعنى عينه بلفظ غيره ففهمه يقول: هذا إذا رأى ابنه في قميص أحمر عرفه, فإن رآه في قميص كحلي لم يعرفه. فأما الحكاية عن الحسن ﵁ وقد سأله رجل عن مسألة, ثم أعاد السؤال, فقال له الحسن: لبَّكت عليَّ. أي: خلطت, فتأويله عندنا أنه أفسد المعنى الأول بشيء جاء به في القول٤ الثاني. فأما أن يكون الحسن تناكر الأمر لاختلاف اللفظين "مع اتفاق"٥ المعنيين فمعاذ الله, و"حاشى أبا سعيد"٦. ويشبه أن يكون الرجل لما أعاد سؤاله بلفظ ثانٍ قدَّر أنه بمعنى اللفظ الأول ولم يحسن٧ ما فهمه الحسن٨ ﵁ كالذي يعترف عند القاضي بما يدعي عليه, وعنده أنه مقيم على إنكاره إياه. ولهذا نظائر. ويحكى أن قومًا ترافعوا إلى الشعبي في رجل بخص عين رجل فشرقت بالدم، فأفتى في ذلك بأن أنشد بيت الراعي: لها أمرها حتى إذا ما تبوأت ... بأخفافها مأوًى تبوأ مضجعا٩

стр. 888

لم يزدهم على هذا. وتفسيره أن هذه العين ينتظر بها أن يستقرَّ أمرها على صورة معروفة محصلة، ثم حينئذ١ يحكم في بابها بما توجبه الحال من أمرها. فانصرف القوم بالفتوى، وهم عارفون بغرضه فيها. وأما٢ اتباع العلماء العرب في هذا النحو فكقول سيبويه: ومن العرب من٣ يقول: لب٤ فيجرّه كجرّ أمس وغاق، ألا ترى أنه ليس في واحد من الثلاثة جر؛ إذ الجر إعراب لا بناء وهذا الكلم كلها مبنية "لا معربة"٥ فاستعمل لفظ الجر على معنى الكسر، كما يقولون٦ في المنادى المفرد المضموم: إنه مرفوع, وكما يعبرون بالفتح عن النصب, وبالنصب عن الفتح وبالجزم عن الوقف "وبالوقف عن الجزم"٧ كل ذلك لأنه أمر قد عُرِفَ غرضه والمعنى المعني به. وإذا جاز أن يكون في أصول هذه اللغة المقررة اختلاف اللفظين٨ والمعنى واحد, كان جميع ما نحن فيه جائزًا سائغًا ومأنوسًا به متقبلًا.

стр. 889

باب في ملاطفة الصنعة: وذلك أن ترى العرب قد غيرت شيئًا من كلامها من صورة، إلى صورة, فيجب حينئذ أن تتأتى لذلك وتلاطفه, لا أن تخبطه وتتعسفه. وذلك كقولنا في قولهم في تكسير جَرْو ودَلْوِ: أَجرٍ وأَدلٍ , إن أصله أجرُوٌ وأدلُوٌ, فقلبوا الواو ياء. وهو -لعمري- كذلك، إلا أنه يجب عليك أن تلاين الصنعة ولا تعازّها, فتقول: إنهم أبدلوا١ من ضمة العين كسرة, فصار تقديره: أجرِوٌ وأدلِوٌ. فلمَّا انكسر ما قبل الواو -وهي لام- قلبت ياء فصارت أجرِيٌ وأدْلِيٌ, وإنما وجب أن يرتب٢ هذا العمل هذا الترتيب من قبل أنك لما كرهت الواو هنا لما تتعرض٣ له من الكسرة والياء في أدْلُوَ وأدلُوِيّ لو سميت٤ رجلًا بأدلُو, ثم أضفت إليه, فلمَّا ثقل ذلك بدءوا بتغيير الحركة الضعيفة تغييرًا عَبْطا وارتجالًا. فلمَّا صارت كسرة تطرقوا بذلك إلى قلب٥ الواو ياء تطرقًا صناعيًّا. ولو بدأت فقلبت الواو ياء بغير آلة القلب٦ من الكسرة٧ قبلها لكنت قد استكرهت الحرف٨ على نفسه تهالكًا وتعجرفًا، لا رفقًا وتلطفًا٩. ولما فعلت ذلك في الضمة كان أسهل منه في "الواو و"١٠ الحرف؛ لأن ابتذالك الضعيف أقرب مأخذًا من إنحائك على القوي. " فاعرف ذلك"١١ "أصلًا في هذا الباب"١٢.

стр. 890

وكذلك باب فُعُول مما لامه واو, كدَلْوٍ ودِلِيّ, وحَقْوٍ وحِقِيّ, "أصله دُلُوّ وحُقُوّ"١. فلك في إعلال هذا إلى حِقِيّ ودِلِيّ طريقان. إن شئت شبهت واو فُعُول المدغمة٢ بضمة عين أفعُل في٣ أدلوٍ وأحقُوٍ, فأبدلت "منها ياء؛ كما أبدلت"٤ من تلك الضمة كسرة فصارت: حُقِيُّو, ثم أبدلت الواو التي هي لام ياء لوقوع الياء ساكنة قبلها فصارت حُقِيّ ثم أتبعت فقلت: حِقِيّ. وهذا أيضًا مما أبدلت من ضمة عينه كسرة، فتنقلب٥ واو فعول بعدها ياء كالباب٦ الأول. فصارت أول ٧: حُقُوّ، ثم حقِيو، ثم حُقِيّ، "ثم حِقِيّ"٨. فهذا وجه. وإن شئت قلت: بدأت بدُلُوٍّ فأبدلت لامها لضعفها بالتطرف "وثقلها"٩ ياء فصارت دُلُويٌ. ثم أبدلت الواو ياء لوقوع الياء بعدها فصارت حُثُيّ "ثم أبدلت من الضمة في العين كسرة لتصح الياء بعدها فصارت: حُقِيّ"١٠ ثم أتبعت فقلت: حِقِيّ "ودِلِيّ"١١. ومن ذلك قولهم: إن أصل قام قَوَمَ, فأبدلت الواو ألفًا. وكذلك باع أصله١٢ بَيَعَ ثم أبدلت الياء ألفًا، لتحركها١٣ وانفتاح ما قبلها١٣. وهو -لعمري-

стр. 891

كذلك، إلا أنك لم تقلب واحدًا من الحرفين إلّا بعد أن أسكنته استثقالًا لحركته, فصار إلى١ قَوْمَ وبَيْعَ ثم انقلبا لتحركهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما الآن. ففارقا بذلك باب ثوب وشيخ؛ لأن هذين ساكنا العينين ولم يسكنا عن حركة. ولو رمت٢ قلب الواو والياء من نحو: قوم وبيع وهما متحركتان٣ لاحتمتا٤ بحركتيهما, فعزَّتا فلم تنقلب. فهذا واضح. ومن ذلك ستّ, أصلها سدس, فلما كثرت في الكلام أبدلوا السين تاء كقولهم. النات في الناس, ونحوه فصارت سِدْت. " فما تقارب الحرفان في مخرجيهما أبدلت الدال تاء, وأدغمت في التاء فصارت ستّ"٥. ولو بدأت٦ هذا الإبدال عاريًا من تلك الصنعة لكان استطالة على الحرفين وهتكًا للحرمتين. فاعرف بهذا النحو هذه الطريق ولا تقدمنَّ على أمر من التغيير إلّا٧ لعذر فيه, وتأت له ما استطعت. فإن لم تجن٨ على الأقوى كانت جنايتك على الأضعف لتتطرَّق٩ به إلى١٠ إعلال الأقوى أعذر وأولى. فأبه١١ له وقس عليه.

стр. 892

فأما قوله ١: أو إلفًا مكَّة من ورق الحمى فلم تكن الكسرة لتقلب الميم ياء, ألا تراك تقول: تظنيت وتقصيت, والفتحة هناك لكنه كسر للقافية. ومن ذلك مذهب أبي الحسن في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ٢ لأنه ذهب إلى أنه حذف حرف الجر فصار تجزيه, ثم حذف الضمير فصار تجزى. فهذا ملاطفة "من الصنعة"٣. ومذهب سيبويه أنه حذف "فيه" دفعة واحدة.

стр. 893

باب في التجريد: اعلم أن هذا فصل من فصول العربية طريف حسن, ورأيت أبا علي ﵀ به غريًا١ معنيًا، ولم "يفرد له"٢ بابًا, لكنه وسمه في بعض ألفاظه بهذه السمة، فاستقريتها٣ منه وأنقت لها. ومعناه أن "العرب قد تعتقد"٤ أن٥

стр. 894

في الشيء من نفسه معنى آخر, كأنه حقيقته ومحصوله. وقد يجري١ ذلك إلى ألفاظها لما عقدت عليه معانيها. وذلك نحو قولهم: لئن لقيت زيدًا٢ لتلقين منه الأسد, ولئن سألته لتسئلن منه البحر. فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسدًا وبحرًا, وهو عينه هو الأسد والبحر "لا٣ أن" هناك شيئًا منفصلًا عنه وممتازًا منه. وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه، حتى كأنها تقابله أو٤ تخاطبه. ومنه قول الأعشى: وهل تطيق وداعًا أيها الرجل٥ وهو الرجل نفسه لا غيره, وعليه قراءة من قرأ: "قَالَ اعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"٦ أي: اعلم أيها الإنسان, وهو نفسه٧ الإنسان, وقال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ ٨ وهي نفسها "دار الخلد"٩. وقال الأعشى: لات هنا ذكرى جبيرة أم من ... جاء منها بطائف الأهوال١٠ وهي نفسها الجائية بطائف الأهوال.

стр. 895

وقد تستعمل الباء هنا فتقول: لقيت به الأسد, وجاورت به البحر, أي: لقيت بلقائي إياه الأسد. ومنه مسألة١ الكتاب: أما أبوك فلك أب, أي: لك منه أو به أو٢ بمكانه أب٣. وأنشدنا: أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل٤ وهذا غاية البيان والكشف, ألا ترى أنه لا يجوز أن يعتقد أن الله سبحانه ظرف لشيء ولا متضمن له، فهو إذًا على حذف المضاف، أي: في عدل الله عدل حكم عدل. " وأنشدنا: بنزوة لص بعد ما مرّ مصعب ... بأشعت لا يفلَى ولا يقمل٥ ومصعب نفسه هو الأشعت"٦. وأنشدنا: جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر٧ وهي نفسها اليعفور, ولعيه جاء قوله: يا نفس صبرًا كل حي لاق ... وكل اثنين إلى افتراق

стр. 896

وقول الآخر ١: قالت له النفس إني لا أرى طمعًا ... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد وقول الآخر ٢: أقول للنفس تأساءً وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد وأما٣ قوله -عزَّ اسمه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ ٤ فليس من ذا، بل النفس هنا جنس, وهو٥ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ٦ ونحوه٧. وقد دعا تردد هذا الموضع على الأسماع، ومحادثته٨ الأفهام٩، أن ذهب قوم١٠ إلى أن الإنسان هو معنى ملتبس بهذا الهيكل الذي يراه١١، ملاق له, وهذا الظاهر مماس لذلك الباطن, كل جزء منه منطوٍ عليه ومحيط به.

стр. 897

باب في غلبة الزائد للأصلي: أما إذا كان الزائد ذا معنى فلا نظر في استبقائه وحذف الأصلي لمكانه, نحو قولهم: هذا قاضٍ ومعطٍ, ألا تراك حذفت الياء التي هي لام للتنوين؛ إذ كان ذا معنى أعني الصرف. ومثل١ ذلك قوله: لاثٌ به الأشاء والعبريّ٢ حذفت عين فاعل وأقررت ألفه؛ إذ كانت دليلًا على اسم الفاعل. ومثله قوله ٣: شاك السلاح بطل مجرب وهذا أحد ما يقوي قول أبي الحسن في أن المحذوف من باب مقول ومبيع إنما هو العين؛ من حيث كانت الواو دليلًا على اسم المفعول. وقال ابن الأعرابي في قوله ٤: في بئر لا حور سرى وما شعر أراد: حوور أي: في بئر "لا حوور"٥ لا رجوع. قال: فأسكنت الواو الأولى، وحذفت لسكونها وسكون الثانية بعدها. وكذلك حذفت لام الفعل لياءي الإضافة

стр. 898

في نحو: مصطفيّ وقاضيّ ومراميّ "في١ مرامى". وكذلك باب يعد ويزن، حذفت فاؤه لحرف المضارعة الزائدة٢ "كل٣ ذلك" لما كان الزائد ذا معنى. وهذا أحد ما يدل على شرف المعاني عندهم ورسوخها في أنفسهم. نعم, وقد حذفوا الأصل عند الخليل للزائد وإن كانا متساويي المعنيين. وإذا كان ذلك جائزًا عندهم، ومسموعًا في لغتهم، فما ظنك بالحرف الزائد إذا كان ذا معنى. وذلك قوله: بني عقيل ماذه الخنافق ... المال هَدْي والنساء طالق٤ فالخنافق٥ جمع خنفقيق, والنون زائدة, والقاف الأولى عند الخليل هي الزائدة، والثانية هي الأصل وهي المحذوفة -وقد قدمنا دليل ذلك- والنون والقاف جميعًا لمعنى واحد وهو الإلحاق. فإذا٦ كانوا قد حذفوا الأصل٧ للزائد٨ وهما في طبقة واحدة -أعني اجتماعهما على كونهما للإلحاق- فكيف -ليت شعري- تكون الحال إذا كان الزائد لمعنى والأصل المحذوف٩ لغير معنى! وهذا واضح. وفي قولهم: خنافق تقوية لقول سيبويه في تحقير مقعنسس وتكسيره "مقاعس ومقيعس"١٠ فاعرفه؛ فإنه قويّ في بابه.

стр. 899

بل إذا كانوا قد حذفوا الملحق للملحق فحذف الملحق لذي المعنى -وهو الميم- أقوى وأحجى١. وكأنهم إنما أسرعوا إلى حذف الأصل للزائد٢؛ تنويهًا به وإعلاءً له وتثبيتًا لقدمه في أنفسهم, وليعلموا بذلك قدره عندهم وحرمته في تصورهم ولحاقه بأصول الكلم في معتقدهم, ألا تراهم قد يقرونه في الاشتقاق مما هو فيه إقرارهم الأصول. وذلك قولهم: قرنيت السقاء إذا دبغته بالقَرْنُوة, فاشتق الفعل منها, وأقرت الواو الزائدة فيها حتى أبدلت ياء في قرنيت. ومثله قولهم ٣: قَلْسيت الرجل, فالياء هنا بدل من واو قلنسُوة الزائدة٤، ومن قال: قلنسته, فقد أثبت أيضًا النون وهي زائدة، وكذلك قولهم: تعفرت الرجل إذا خبث، فاشتق من العفريت وفيه التاء زائدة. فنظير تقويتهم أمر الزائد وحذف الأصل له٥ قول الشاعر٦: أميل مع الذمام على ابن عمِّي ... واحمل للصديق على الشقيق وجميع ما ذكرناه من قوة الزائد عندهم وتمكّنه في أنفسهم يضعف قوْل من حقَّر تحقير الترخيم ومن كسر على حذف الزيادة, وقد ذكرنا هذا. إلّا أن وجه جواز ذلك قول الآخر ٧: كيما أعدّهم لأبعد منهم ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد

стр. 900

وقول١ المولد ٢: وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع وقول الآخر٣: أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح "وهو باب واسع"٤.

стр. 901

باب في أن ما لا يكون للأمر وحده, قد يكون له إذا ضامَّ غيره: من ذلك الحرف الزائد لا يكون للإلحاق أولًا؛ كهمزة أفعَل وأَفْعُل وإفعْلَ وأَفعِل وإفِعِلٍ, ونحو ذلك, وكذلك ميم مفعل ونحوه. فإذا انضمَّ إلى الزيادة أولًا زيادة أخرى صارت للإلحاق. وذلك "نحو: ألندد وألنجج، الهمزة والنون للإلحاق. وكذلك"١ يلندد ويلنجح "فإن زالت النون لم تكن الهمزة ولا الياء وحدهما للإلحاق. وذلك نحو: ألد ويلج"٢. وعلة ذلك أن الزيادة في أول الكلمة إنما بيابها معنى المضارعة, وحرف المضارعة إنما يكون مفردًا أبدًا, فإذا انضمَّ إليه غيره خرج بمضامته إياه عن أن يكون للمضارعة, فإذا خرج عنها وفارق الدلالة على المعنى جعل للإلحاق؛ لأنه قد أمن بما انضم إليه أن يصلح للمعنى.

стр. 902

وكذلك ميم مفعول, جعلت واو مفعول وإن كانت للمد دليلة على معنى١ اسم المفعول, ولولا الميم لم تكن٢ إلا للمد؛ كفعول وفعيل وفعال ونحو ذلك, إلا أنها وإن كانت قد أفادت هذا٣ المعنى فإن ما فيها من المد والاستطالة معتدّ فيها مراعي من حكمها. ويدلك على بقاء المد فيها واعتقادها مع ما أفادته من معنى اسم المفعول له٤ أن العرب لا تلقي عليها حركة الهمزة بعدها إذا آثرت تخفيفها؛ بل تجريها مجراها وهي للمد خالصة٥؛ ألا تراهم يقولون في تخفيف مشنوءة بالإدغام البتة؛ كما يقولون في تخفيف شنوءة. وذلك قولهم: مَشْنُوَّة كشَنُوَّة, فلا يحركون واو مفعول, كما لا يحركون واو فعول, وإن كانت واو مفعول تفيد مع مدها اسم المفعول, وواو فعول مخلصة٦ للمد البتة. فإن قلت: فما٧ تقول في أفعول نحو أسكوب, هل هو ملحق بجرموق؟ قيل: لا؛ ليس ملحقًا به بل الهمزة فيه للبناء, والواو فيه للمد البتة؛ لأن حرف المد إذا جاور الطرف لا يكون للإلحاق أبدًا٨؛ لأنه كأنه إشباع للحركة كالصيارف ونحوه, ولا يكون أفعول إلا للمد؛ ألا ترى أنك لا تستفيد بهمزة أفعول وواوه معنى مخصوصًا, كما تستفيد بميم مفعول وواوه معنى مخصوصًا؛ وهو إفادة اسم المفعول. فهذا من طريق التأمل واضح. وإذا كان كذلك إفعيل لا يكون

стр. 903

ملحقًا. وأبين منه باب إفعال؛ لأنه موضع للمعنى وهو المصدر؛ نحو الإسلام والإكرام. والمعنى أغلب على المثال من الإلحاق. وكذلك باب أفعال؛ لأنه موضوع للتكسير كأقتاب وأرسان. فإن قلت: فقد جاء عنهم نحو: إمخاض١، وإسنام٢، وإصحاب٣، وإطنابة٤، قيل: هذا في الأسماء٥ قيل جدًّا, وإنما بابه المصادر البتة. وكذلك ما جاء عنهم من وصف الواحد بمثال أفعال٦، نحو: برمة أعشار٧، وجفنة أكسار٨، وثوب أكباش٩ وتلك الأحرف المحفوظة في هذا. إنما هي على أن جعل كل جزء منها عشرًا وكسرًا وكبشًا. وكذلك كبد أفلاذ١٠، وثوب أهباب١١ وأخباب١٢، وحَبْل أرمام١٣ وأرماث وأقطاع وأحذاق وثوب أسماط١٣؛ كل هذا متأول فيه معنى الجمع١٤. وكذلك مفعيل ومفعول ومفعال ومَفْعَل , ليس شيء من ذلك ملحقًا؛ لأن أصل زيادة الميم في الأول إنما هي لمعنى١٥، وهذه غير طريق الإلحاق. ولهذا أدغموه فقالوا: مِصَكَ١٦ ومِتلّ١٧ ونحوهما. وأمَّا أُفاعِل كأُحامِر١٨ وأجارِد١٩ وأباتر٢٠ فلا تكون الهمزة فيه والألف للإلحاق بباب قُذَعْمِل٢١. ومن أدل الدليل على ذلك أنك

стр. 904

لا تصرف شيئًا من ذلك علمًا. وذلك لما فيه من التعريف ومثال الفعل؛ لأنَّ١ أجارد٢ وأباترا٣ جارٍ مجرى أضارب وأقاتل. وإذا جرى مجراه فقد لحق في المثال به, والهمزة في ذلك إما هي في أصل هذا المثال للمضارعة, والألف هي ألف فاعل في جارد وباتر لو نطقوا٤ به, وهي كما تعلم للمعنى كألف ضارب وقاتل. فكل واحد من الحرفين إذًا إنما هو للمعنى، وكونه٥ للمعنى أشد شيء إبعادًا لها عن الإلحاق لتضادّ القضيتين٦ عليه، من حيث كان الإلحاق طريقًا صناعيًّا لفظيًّا, والمعنى طريقًا مفيدًا معنويًّا. وهاتان طريقتان متعاديتان. وقد فرغنا منهما فيما قبل. وأيضًا فإن الألف لا تكون٧ للإلحاق حشو أبدًا٨، إنما تكون له٩ إذا وقعت طرفًا لا غير، كأرطيّ ومعزي وحَبَنْطي. وقد تقدم ذلك أيضًا. ولا يكون أجارد١٠ أيضًا ملحقًا بعذافر لما قدمناه: من أن الزيادة في الأوّل لا تكون للإلحاق، إلّا أن يقترن بها حرف غير مدٍّ كنون ألندد وواو إزْمَول١١ وإسْحَوفٍ١٢ وإدْرَون١٣؛ لكن دُوَاسر١٤ ملحق بعُذافر١٥. ومثله عُيَاهِم١٦. وكذلك كَوَأْلَل١٧ ملحق

стр. 905

بسبهلل الملحق بهمرجل١. وأدلّ دليل على إلحاقه ظهور تضعيفه, أعني: كوأللًا. ومثله سبهلل. فاعرفه. ومثل طومار -عندنا- ديماس٢ فيمن قال: دياميس, وديباج فيمن قال: ديابيج, هو ملحق بقرطاس٣؛ "كما أن طومارا ملحق بفسطاط"٤. وساغ أن تكون الواو الساكنة المضموم ما قبلها والياء الساكنة المكسور ما قبلها للإلحاق؛ من حيث كانتا لا تجاوران الطرف بحيث يتمكن المد. وذلك أنك لو بنيت مثل طومار أو ديماس من سألت لقلت: سوآل وسيئال, فإن خفَّفت حركت كل واحد من الحرفين بحركة الهمزة التي بعده, فقلت: سوال وسيال, ولم تقلب الهمزة وتدغم فيها الحرف؛ كمقروّ والنسيّ؛ لأن الحرفين تقدَّما عن الموضع٥ الذي يقوى فيه حكم المد وهو جواره الطرف. وقد تقدم ذلك. فتأمل هذه المواضع التي أريتكها؛ "فإن أحدًا من أصحابنا لم يذكر شيئًا منها"٦.

стр. 906

باب في أضعف المعتلين: وهو اللام؛ لأنها أضعف من العين. يدل على ذلك قولهم في تكسير فاعل مما اعتلت لامه: إنه يأتي على فُعَلة, نحو: قاض وقضاة, وغاز وغزاة, وساع وسعاة. فجاء ذلك مخالفًا للتصحيح الذي يأتي على فَعَلة نحو: كافر وكفرة, وبار وبررة. هذا ما دام المعتل من فاعل لامه. فإن كان معتله العين فإنه يأتي مأتى الصحيح على فَعَلة. وذلك نحو: حائك وحَوَكة, وخائن وخوَنة, وخانة, وبائع وباعةٍ, وسائِد

стр. 907

وسادة, أفلا ترى كيف اعتدَّ اعتلال اللام فجاء مخالفًا للصحيح, ولم يحفلوا باعتلال العين؛ لأنها لقوتها بالتقدم لحقت بالصحيح. وجاء عنهم سريّ وسراة مخالفًا١. وحكى النضر سراة, فسراة في تكسير سري عليه بمنزلة شعراء من شاعر٢. وذلك أنهم كما كسَّروا فاعلًا على فُعلاء, وإنما فعلاء لباب فعِيل؛ كظريف وظُرفاء, وكريم وكرماء, وكذلك٣ كسَّروا أيضًا٤ فعيلًا على فَعَلة, وإنما هي لفاعل. فإن قلت: فقد قالوا: فَيْعِل مما عينه معتلة, نحو: سيد وميت, فبنوه على فيِعل, فجاء مخالفًا للصحيح الذي إنما بابه فيعل, نحو: صيرف وخيفق٥، وإنما اعتلاله من قبل عينه, وجاءت أيضًا الفيعلولة٦ في مصادر ما اعتلت عينه نحو: الكينونة والقيدودة, فقد أجروا العين في الاعتلال٧ أيضًا مجرى اللام في أن خصوها بالبناء الذي لا يجود في الصحيح. قيل: على كل حال اعتلال٨ اللام أقعد في معناه من اعتلال٨ العين, ألا ترى أنه قد جاء فيما عينه معتلة فيعل مفتوحة العين في قوله ٩: ما بال عيني كالشعيب العين

стр. 908

وقالوا أيضًا: هَيَّبان١ وتيَّحان٢ بفتح عينهما، ولم يأت في باب٣ ما اعتلت لامه فاعل مكسرًا على فَعَلة. " فالاعتلال٤ المعتد" إذًا إنما هو للام, ثم حملت العين عليها فيما٥ ذكرت لك. ويؤكد عندك قوة العين على اللام أنهما إذا كانتا٦ حرفي علة صحت العين واعتلت اللام, "وذلك"٧ نحو: نواة وحياة، والجوى٨ والطوى, ومثله الضواة٩ والحواة١٠. فأما آية وغاية وبابهما فشاذّ, وكأن فيه ضربًا من التعويض لكثرة اعتلال اللام مع صحة العين إذا كانت١١ أحد الحرفين. ويدلك على ضعف اللام عندهم أنهم١٢ إذا كسَّروا كلمة على فعائل, وقد كانت الياء ظاهرة في واحدها لا١٣ ما فإنهم مما١٤ يظهرون في الجمع ياء. وذلك نحو: مطية ومطايا وسبية وسبايا و"سوية وسوايا"١٥ فهذه اللام. وكذلك إن ظهرت الياء في الواحد زائدة فإنهم أيضًا مما١٦ يظهرونها في الجمع. وذلك نحو خطيئة وخطايا, ورزية ورزايا, أفلا ترى إلى مشابهة اللام للزائد١٧. " وكذلك أيضًا لو كسرت نحو

стр. 909

عظاية وصلاية, لقلت: عظايا وصلايا"١. وأيضًا فإنك تحذفها كما تحذف الحركة. وذلك في نحو: لم يَدْعُ, ولم يرم, ولم يَخش. فهذا كقولك: لم يضرب، "ولم يقعد"٢, وإن تقعد أقعد. ومنها أيضًا حذفهم إياها وهي صحيحة للترخيم في نحو: يا حار ويا مال. فهذا نحو حذفهم الحركات الزوائد في كثير من المواضع. ولو لم يكن من ضعف اللام إلّا اختلاف أحوالها٣ باختلاف الحركات عليها٤، نعم وكونها في الوقف على حالٍ يخالف حالها في الوصل, نحو: مررت بزيد يا فتى, ومررت بزيدْ، وهذه قائمة يا فتى وهذه قائمهْ- لكان٥ كافيًا, أو لا ترى إلى كثرة حذف اللام نحو: يد ودم وغد وأب وأخ, وذلك الباب, وقلة حذف العين في سهٍ ومُذْ. فبهذا ونحوه يعلم أن حرف العلة في نحو: قام وباع أقوى منه في باب غزوت ورميت. فاعرفه.

стр. 910

باب في الغرض في مسائل ١ التصريف: وذلك عندنا على ضربين: أحدهما الإدخال "لما تبنيه"٢ في كلام العرب والإلحاق له به. والآخر التماسك الرياضة به والتدرب بالصنعة فيه. الأول: نحو قولك في مثل جعفر من ضرب: ضَرْبَب, ومثل حُبْرُج٣: ضُرْبُب, ومثل صِفْرٍد٤: ضِرْبِب, ومثل سِبَطْر: ضِرَبّ, ومثل فرزدق من جعفر: جَعَفْرَر. فهذا عندنا كله إذا بنيت شيئًا منه فقد ألحقته بكلام العرب وأدعيت بذلك أنه منه. وقد تقدَّم ذكر ما هذه سبيله فيما مضى.

стр. 911

الثاني: وهو١ نحو قولك في مثل فيعول٢ من شويت: شَيْوِيّ, وفي فعول منه: شُووٍيّ٣، وفي مثل عَصْرفُوط من الآءة: أَوْ أَيُوء, ومنها مثل صُفُرُّق٤: أُوُؤْيُؤ, ومن يوم مثل مَرْمَريس: يَوْيَوِيم, ومثل ألندد أيَنْوَم, ومثل قولك في نحو٥ افعوعلت من وأيت: ايأوْأيت. فهذا ونحوه إنما الغرض فيه التأنس به وإعمال الفكرة فيه لاقتناء النفس القوة على ما يرد مما فيه نحو مما فيه. ويدلك على ذلك أنهم٦ قالوا في مثال إوزة من أويت: إياة, والأصل فيه على الصنعة إيَويَة, فأعلت فيه الفاء والعين واللام جميعًا. وهذا مما لم يأت عن العرب مثلهُ. نعم, وهم لا يوالون بين إعلالين إلا لمحًا شاذًّا ومحفوظًا نادرًا, فكيف بأن يجمعوا بين ثلاثة٧ إعلالات ٨! هذا مما لا "ريب فيه"٩ ولا تخالج شك في شيء منه.

стр. 912

باب في اللفظ يرد محتملًا لأمرين أحدهما أقوى من صاحبه ١: أيجازان جميعًا فيه٢، أم يقتصر على الأقوى منهما دون صاحبه؟ اعلم أن المذهب في هذا ونحوه أن يعتقد الأقوى منهما مذهبًا, ولا يمتنع "مع ذلك"٢ أن يكون الآخر مرادًا وقولًا. من ذلك قوله ٣: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

стр. 913

فالقول أن يكون "ناهيًا" اسم الفاعل من نهيت كساعٍ من سعيت وسار من سريت, وقد يجوز مع هذا أن يكون "ناهيًا" هنا مصدرًا كالفالج١ والباطل والعائر٢ والباغز٣ ونحو ذلك مما جاء فيه المصدر على فاعل حتى كأنه قال: كفى الشيب والإسلام للمرء نهيًا وردعًا, أي: ذا نهي فحذف المضاف وعلقت اللام بما يدل عليه الكلام, ولا تكون على هذا معلقة بنفس الناهي؛ لأن المصدر لا يتقدم شيء من صلته عليه. فهذا٤ وإن كان عسفًا فإنه جائز للعرب٥؛ لأن العرب قد حملت عليه فيما لا يشك فيه, فإذا أنت أجزته هنا فلم تجز إلّا جائزًا مثله, ولم تأت إلا ما أتوا بنحوه. وكذلك قوله ٦: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه فظاهر هذا أن يكون "جوازيه" جمع جازٍ, أي: لا يعدم شاكرًا عليه, ويجوز أن يكون جمع جزاء, أي: لا يعدم جزاء عليه, وجاز أن يجمع جزاء على جوازٍ لمشسابهة المصدر اسم الفاعل, فكما جمع سيل على سوائل؛ نحو قوله ٧: وكنت لقي تجري عليه السوائل

стр. 914

"أي: السيول"١ كذلك٢ يجوز أن يكون "جوازيه" جمع جزاء, ومثله قوله ٣: وتترك أموال عليها الخواتم يجوز أن يكون جمع خاتم, أي: آثار الخواتم, ويجوز أن يكون جمع ختم على ما مضى. ومن ذلك قوله ٤: ومن الرجال أَسِنَّة مذروبة ... ومزنَّدون شهودهم كالغائب يجوز أن يكون "شهودهم" جمع شاهد, وأراد: كالغياب, فوضع الواحد موضع الجمع على قوله: على رءوس كرءوس الطائر "يريد الطير"٥ ويجوز أن يكون "شهودهم" مصدرًا, فيكون الغائب هنا مصدرًا أيضًا، كأنه٦ قال: شهودهم كالغيبة أو المغيب, ويجوز أيضًا أن يكون على حذف المضاف, أي: شهودهم كغيبة الغائب.

стр. 915

ومن ذلك قوله ١: إلّا يكن مال يثاب فإنه ... سيأتي ثنائي زيدًا ابن مهلهل فالوجه أن يكون "ابن مهلهل" بدلًا من زيد لا وصفًا له؛ لأنه لو كان وصفًا لحذف تنوينه فقيل: زيد بن مهلهل, ويجوز أيضًا أن يكون وصفًا أخرج على أصله, ككثير من الأشياء تخرج على أصولها تنبيهًا على أوائل أحوالها كقول الله سبحانه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ ونحوه٣. ومثله قول الآخر ٤: جارية من قيس ابن ثعلبه القول في البيتين سواء. والقول في هذا واضح, ألا ترى أن العالم الواحد قد٥ يجيب٦ في الشيء الواحد أجوبة وإن كان بعضها أقوى من بعض, ولا تمنعه قوة القويّ من إجازة الوجه الآخر؛ إذ كان من٧ مذاهبهم٨ وعلى سمت كلامهم٩، كرجل له عدّة أولاد فكلهم ولد له, ولاحق به وإن تفاوتت أحوالهم في نفسه. فإذا رأيت العالم قد أفتى في شيء من ذلك بأحد الأجوبة الجائزة فيه, فلأنه وضع يده على أظهرها عنده، فأفتى به
следующие страницы →