يحيل -يغير- المعاني إن روي بالمعنى على ما فصلنا في شروط الراوي.
"طرق التحمل والأداء":
للتحمل طرق وكيفيات مخصوصة, وهي على ما ذكرها ابن الصلاح وغيره ثمانية, وعلى من تحمل بطريق من هذه الطرق أن يعبر بصيغة تدل على ذلك الطريق الذي تحمل به ويسميها المحدثون "صيغ الأداء".
الطريق الأول: السماع من لفظ الشيخ بأن يكون الشيخ يقرأ الحديث والطالب يستمع, وسواء في هذا أكان الشيخ يحدث من حفظه أم من كتابه وسواء أكان مع إملاء أم من غير إملاء, وهذا القسم أعلى أنواع التحمل عند الجمهور سلفا وخلفا, ويجوز السماع من وراء حجاب إذا عرف صوته, فقد أمر النبي ﷺ بالاعتماد على سماع صوت ابن أم مكتوم في الصيام في حديث "إن بلالا يؤذن بليل, فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم", رواه البخاري ومسلم مع غيبة شخصه عمن يسمعه, وأيضا فقد كان الصحابة والتابعون يروون عن أمهات المؤمنين من وراء حجاب.
صيغ الأداء: وصيغ الأداء عن هذا الطريق: سمعت أو سمعنا, حدثني أو حدثنا١ أخبرني أو أخبرنا سماعا منه, أنبأني أو أنبأنا سماعا منه. أما إطلاق الإخبار والإنباء فالبعض يجيزه والبعض لا يجيزه كما ستعلم عن كثب, قال الخطيب البغدادي: "أرفع العبارات سمعت ثم حدثنا وحدثني, فإنه لا يكاد أحد يقول: سمعت في الإجازة والمكاتبة.
стр. 107
ولا في تدليس ما لم يسمعه بخلاف حدثنا, فإن بعض أهل العلم كان يستعملها في الإجازة, ثم أخبرنا وأنبأنا".
وهذا كان قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشيخ وأنبأنا بالإجازة منه.
وقال ابن الصلاح "حدثنا وأخبرنا أرفع من جهة أخرى, إذ ليس في سمعت دلالة على أن الشيخ رواه الحديث, أي قصده بالرواية بخلافها١ وهو اختلاف في الأنظار تبعا للاختلاف في الاعتبار.
الطريق الثاني:
"القراءة على الشيخ" وأكثر المحدثين يسمونها عرضا من حيث أن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يعرض القرآن على المقرئ. وسواء في هذا النوع أن يكون الطالب هو القارئ, أم كان القارئ غيره وهو يسمع, وسواء قرأ من كتاب أو من حفظه, وسواء أكان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه أو لا يحفظ ولكن يمسك أصله٢ هو أو ثقة غيره.
زاد العراقي: وكذا إن كان ثقة من السامعين يحفظ ما قرئ وهو مستمع غير غافل وقال الحافظ ابن حجر: ينبغي ترجيح الإمساك في الصور كلها على الحفظ لأنه خوان ولا يشترط أن يقر الشيخ بما قرئ عليه نطقا بل يكفي سكوته في إقراره عليه عند الجمهور, وخالف في هذا بعض الشافعية والظاهرية وقالوا: لا بد من نطقه والصحيح الأول.
"الرواية بهذا الطريق" والرواية عن الشيخ بالقراءة عليه رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك إلا ما حكي عن بعض السلف من العلماء المتشددين كوكيع, وأبي عاصم النبيل, ومحمد بن سلام.
стр. 108
قال الحافظ ابن حجر في الفتح "وقد انقرض الخلاف في كون القراءة على الشيخ لا تجزئ وإنما يقول بذلك بعض المتشددين من أهل العراق"١ وحكي القول بصحتها عن الجماهير من الصحابة والتابعين ومنهم الفقهاء السبعة ومنهم الأئمة الأربعة وغيرهم.
الدليل عليها: وقد استدل الحميدي ثم البخاري على ذلك بحديث ضمام بن ثعلبة لما أتى النبي ﷺ فقال له: أنا سائلك فمشدد عليك, فلا تجد عليّ في نفسك فقال له: "سل عما بدا لك" فقال: أسألك بربك ورب من قبلك: آلله أرسلك إلى الخلق كلهم؟ قال: "اللهم نعم" , ثم سأله عن شرائع الإسلام من صلاة وصيام وزكاة فلما فرغ, قال: آمنت بما جئت به, وأنا رسول من ورائي. فلما رجع إلى قومه اجتمعوا إليه فأبلغهم فأجازوه أي قبلوا منه. رواه البخاري ومسلم٢ وأسند البيهقي في المدخل عن البخاري قال: قال أبو سعيد الحداد عندي خبر النبي ﷺ في القراءة على العالم فقيل له. وما هو؟ قال قصة ضمام: آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" وقد عقد البخاري لذلك بابًا في صحيحه من كتاب العلم وهو "باب القراءة والعرض على المحدث".
منزلتها مما قبلها: وقد اختلف في مرتبتها بالنسبة لما قبلها, فقيل: هما سواء وحكى هذا عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة ومعظم علماء الحجاز والكوفة, والبخاري وغيرهم.
وقيل: إنها أعلى من السماع, وحكى هذا عن الإمام أبي حنيفة وغيره, ورواية عن الإمام مالك, واعتلوا بأن الشيخ لو غلط لم يتهيأ للطالب الرد عليه بخلاف ما لو غلط الطالب فإن الشيخ يرد عليه.
стр. 109
وقيل: إنها تلي السماع في المرتبة وهو الصحيح, وعليه جمهور علماء أهل المشرق وذلك لأن الشيخ وهو يقرأ يكون متيقظا لما يقرأ, ويبعد عليه السهو بخلافه وهو يسمع فقد يسهو أو يغفل.
صيغ الأداء: وصيغ الأداء عن هذا الطريق: قرأت على فلان أو قرئ على فلان وأنا أسمع أو "أخبرني بقراءتي" أو "أخبرنا قراءة عليه وأنا أسمع" أو "حدثني بقراءتي عليه" أو "حدثنا قراءة عليه وأنا أسمع".
وأما إطلاق "حدثنا" و"أخبرنا" فمنع منه جماعة منهم أحمد بن حنبل والنسائي, وجوزهما طائفة، وهو مذهب الزهري ومالك والبخاري وجماعات من المحدثين ومعظم الحجازيين والكوفيين, وقد عقد البخاري لذلك كتابا في صحيحه من كتاب العلم فقال: "باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا" ذهابا منه إلى أنهما بمعنى, واستدل لذلك بحديث النبي ﷺ : "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها, وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ ... " الحديث. وفي رواية بلفظ "أخبروني" وفي رواية الإسماعيلي "أنبئوني".
وفصلت فرقة فأجازت إطلاق "أخبرنا" ومنعت من إطلاق "حدثنا" وهو مذهب الشافعي وأصحابه, ومسلم بن الحجاج, وجمهور أهل المشرق وقيل إنه مذهب أكثر المحدثين, وصار الفرق هو الشائع الغالب على أهل الحديث, وادعاء الفرق بينهما من حديث اللغة تكلف شديد, لكن لما تقرر الاصطلاح صار ذلك حقيقة عرفية, فتقدم على الحقيقة اللغوية١ وأصحاب هذا المذهب يخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ, والإخبار بما يقرأ عليه ثم أحدث أتباعهم تفصيلا آخر: فمن سمع وحده من الشيخ قال: "حدثني" ومن سمع مع غيره قال: "حدثنا"
стр. 110
ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال: "أخبرني"١ ومن سمع وغيره يقرأ قال: "أخبرنا".
وكذلك خصص المتأخرون "الإنباء" بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه فإن أجازه وحده قال: "أنبأني" وإن أجازه وغيره قال: "أنبأنا".
стр. 111
" فائدة ":
قول الراوي: "أخبرنا سماعا" أو "قراءة" أو "حدثنا سماعا" أو "قراءة عليه" هو من باب قولهم: "أتيته سعيا" "وكلمته مشافهة" وللنحاة فيها مذاهب: "الأول" رأي سيبويه: أنها مصادر وقعت موقع اسم الفاعل حالا، وأنه لا يستعمل منها إلا ما سمع ولا يقاس عليها.
فعلى هذا فاستعمال الصيغة المذكورة في الرواية ممنوع لعدم نطق العرب بها.
"الثاني" رأي المبرد: أنها ليست أحوالا بل مفعولات لفعل مضمر من لفظها وذلك المضمر هو الحال, وأنه يقاس في كل ما دل عليه الفعل المتقدم.
"الثالث" رأي الزجاج: قال بقول سيبويه لكن قال: إنه مقيس.
"الرابع" رأي السيرافي: قال: إنه من باب جلست قعودا منصوب بالفعل الظاهر مصدرا معنويا١ وعلى هذا يكون لهذه الصيغة وجوه في تخريجها على القواعد اللغوية ويكون استعمالها صحيحا عند الأكثر من النحاة.
стр. 112
تفريعات:
"الأول" كتب المتقدمين لا يصح لمن يرويها أن يغير فيها ما يجده من ألفاظ المؤلف أو شيوخه في قولهم: حدثنا أو أخبرنا أو نحو ذلك بغيره, وإن كان الراوي يرى التسوية بين هذه الألفاظ لاحتمال أن يكون المؤلف أو شيوخه ممن يرون التفرقة بينهما, ولأن التغيير في ذاته ينافي الأمانة في النقل ويؤدي إلى تغيير النصوص.
وأما إذا روى الراوي حديثا عن أحد الشيوخ في غير الكتب المؤلف. فإن كان الشيخ ممن يرى التفرقة بين التحديث والإخبار فإنه لا يجوز للراوي إبدال أحدهما بالأخر, وإن كان ممن يرى التسوية بينهما جاز للراوي ذلك. لأنه يكون من باب الرواية بالمعنى. وقال آخرون بمنعه مطلقا وهو الحق لأنه ينافي الدقة في الرواية, وفي هؤلاء أحمد بن حنبل قال: "اتبع لفظ الشيخ في قوله: حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا ولا تعده".
"الثاني" إذا نسخ السامع أو المسمع حال القراءة فما الحكم؟ قال جماعة منهم إبراهيم الحربي وابن عدي والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني١: لا يصح السماع وصحح السماع جماعة منهم: الحافظ موسى بن هارون الحمال, وأبو حاتم محمد بن حبان البستي, وكان ابن المبارك ينسخ وهو يقرأ عليه, وكتب أبو حاتم حالة السماع عند عارم.
وقال أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغي٢ على من ينسخ أن يقول: حضرت ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا وهو رأي وسط، وتحوط مشكور,
стр. 113
والصحيح التفصيل: فإن فهم الناسخ المقروء صح السماع، وإن لم يفهمه لا يصح, ويروي أنه قد حضر الدارقطني مجلس إسماعيل الصفار وهو يملي والدارقطني ينسخ جزءا كان معه، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ. فقال: فهمي للإملاء بخلاف فهمك, ثم قال له: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا. فقال الدارقطني: أملي ثمانية عشر حديثا, فعدت فوجدت كما قال, ثم سردها كلها بأسانيدها ومتونها، فتعجب الناس منه.
"الثالث" إذا قال الشيخ بعد التحديث بحديث لمن يسمع منه: لا ترو عني أو رجعت عن إخبارك, أو لا آذن لك في الرواية عني ونحو ذلك غير معلل ذلك بخطأ منه فيما حدث به, أو شك فيه ونحوه، لم تمتنع رواية التلميذ عنه, فإن استند إلى شيء من ذلك امتنعت الرواية عنه, ولو خص بالسماع قوما فسمع غيرهم بغير علمه جاز لهم الرواية عنه ولو قال: أخبركم ولا أخبر فلانا جاز له الرواية عنه لأن العبرة في الرواية بصدق الراوي في حكاية ما سمعه من شيخه, وصحة نقله عنه, فلا يؤثر في ذلك تخصيص البعض بالرواية عنه, أو نهي البعض وأيضا فالأحاديث ليست ملكا له. وإنما هي ملك الشارع, فمن سمعها فله أن يرويها وعليه أن يبلغها.
"الطريق الثالث":
الإجازة: معناها لغة: قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي: الإجازة مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية والحرث. يقال: استجزته فأجازني إذا سقاك ماء لماشيتك وأرضك, كذا طالب العلم يستجيز العالم علمه فيجيزه إياه أي يمنحه ويعطيه إياه, قال ابن الصلاح١ فعلى هذا يجوز أن يقال: أجزت فلانا مسموعاتي أو مروياتي
стр. 114
متعديا بغير حرف جر, وبدون ذكر لفظ الرواية, ومن جعل الإجازة إذنا وإباحة وهو المعروف يقول: أجزت له رواية مسموعاتي, ومن قال: أجزت فلانا مسموعاتي فعلى الحذف كما في نظائره١.
وفي اصطلاح المحدثين: إذن الشيخ للطالب في الرواية عنه من غير سماع منه ولا قراءة عليه, فهي إخبار إجمالي بمروياته.
وإنما تستحسن الإجازة إذا علم المجيز ما يجيزه, وكان المجاز له من أهل العلم لأنها توسيع وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها. واشترطه بعضهم في صحتها.
والإجازة: إما بالتلفظ أو بالكتابة وينبغي للمجيز كتابة أن يتلفظ بها أيضا, فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة صحت.
ولا يشترط في الإجازة القبول. قال السيوطي في التدريب: فلو رد فالذي ينقدح في الذهن الصحة, وكذا لو رجع الشيخ عن الإجازة. ويحتمل أن يقال: إن قلنا: الإجازة إخبار لم يضره الرد ولا الرجوع وإن قلنا: إذن وإباحة ضرا كالوقف والوكالة, لكن الظاهر الأول٢.
أنواعها:
الأول: إجازة لمعين من الطلبة في معين من الكتب وذلك مثل أجزتك أو أجزتكم -لجماعة معروفين- كتاب كذا, أو ما اشتملت عليه فهرستي٣ هذه, وهذه أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة.
حكمها: والصحيح الذي قاله الجمهور من المحدثين وغيرهم, واستقر
стр. 115
عليه العمل جواز الروية والعمل بها, بل ادعى أبو الوليد الباجي, والقاضي عياض الإجماع على ذلك, وإن كان ابن الصلاح نقض الإجماع بما روي عن الشافعي وغيره المنع من الرواية بها.
وأبطلها جماعات من المحدثين وغيرهم منهم شعبة. روي عنه أنه قال: "لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة" ومنهم إبراهيم الحربي, وأبو الشيخ محمد بن عبد الله الأصبهاني, وأبو الحسن الماوردي, وحكي عن أبي حنيفة ومالك وأبي يوسف, وقال ابن حزم: إنها بدعة غير جائزة, بل بالغ بعضهم فقال: "إن من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب علي لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع" والراجح جوازها, قال ابن الصلاح: "ثم إن الذي استقر عليه العمل, وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم القول بتجويزه الإجازة, وإباحة الرواية بها وفي الاحتجاج لذلك غموض, ويتجه أن نقول: إذا جاز له أن يروي عنه مروياته وقد أخبره بها جملة, فهو كما لو أخبره بها تفصيلا, وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا كما في القراءة على الشيخ كما سبق١.
وقد احتج بعض أهل العلم لجوازها بحديث "أن النبي ﷺ كتب سورة براءة في صحيفة ودفعها لأبي بكر, ثم بعث علي بن أبي طالب فأخذها منه ولم يقرأها عليه ولا هو أيضا حتى وصل إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس" رواه ابن إسحاق، والإمام أحمد، والترمذي.
"وجوب العمل بها" وكما تجوز الرواية بالإجازة يجب العمل بالمروي بها بشرطه أي إذا توفرت فيه شروط القبول بأن يكون صحيحا أو حسنا وخالف في هذا بعض الظاهرية ومن تابعهم فقالوا: تجوز الرواية بها ولا يجب العمل بها كالمرسل, وهذا باطل لأنه ليس في الإجازة ما
стр. 116
يقدح في اتصال المنقول بها وفي الثقة به.
منزلتها: الجمهور على أنها دون السماع, وقيل هما سواء، ومنهم من شذ فجعلها أعلى من السماع, وقال الطوفي: في عصر السلف السماع أولى, وأما بعد أن دونت الدواوين وجمع السنن, واشتهرت فلا فرق بينهما, والراجح والصحيح هو الأول, وأنها دون السماع, ودون القراءة على الشيخ لما في السماع والقراءة من تحقيق الرواية وضبط الألفاظ.
"النوع الثاني" أن يجيز لمعين من الطلبة في غير معين من الكتب أو المرويات كأجزتك أو أجزتكم جميع مسموعاتي أو مروياتي.
والخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر من الأول, والجمهور من العلماء المحدثين والفقهاء على جواز الرواية بها ووجوب العمل بما روى بها بشرطه, يعني أن يكون صحيحا أو حسنا.
"النوع الثالث" الإجازة لغير معين بوصف العموم كأجزت جميع المسلمين, أو كل واحد أو أهل زماني وما أشبه ذلك.
وقد اختلف في جواز هذا النوع, فمنهم من جوزه كالقاضي أبي الطيب الطبري وتلميذه الخطيب البغدادي, وابن منده, وأبي العلاء الهمداني. وأبي الوليد بن رشد وغيرهم حتى جمعهم بعضهم في جزء كما قال السيوطي في التدريب, وكلما كان هذا النوع من الإجازة مقيدا بوصف حاصر كأجزت طلبة العلم ببلد كذا, أو من سمع مني كتاب كذا كان أقرب إلى الجواز من غير المقيدة.
ومنهم من منع الرواية بها منهم العلامة ابن الصلاح حيث قال: "ولم نسمع عن أحد يقتدى به أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها, ولا عن الشرذمة المستأخرة الذين سوغوها, والإجازة في أصلها ضعف, وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضعفا كثيرا لا ينبغي احتماله والله أعلم".
وقد انتقد ابن الصلاح النووي فقال: "الظاهر من كلام مصححها
стр. 117
جواز الرواية به. وهذا مقتضى صحتها, وأي فائدة لها غير الرواية بها" وكذلك انتقده العراقي في شرحه على المقدمة فقال: "إن ما رجحه المصنف من عدم صحتها خالفه فيه جمهور المتأخرين, وصححه النووي في الروضة من زياداته فقال الأصح جوازها, وبعد أن ذكر أن بعض المتقدمين روى بها كالحافظ ابن خير الأشبيلي, وبعض المتأخرين كالحافظ الدمياطي وغيره, وصححها ابن الحاجب قال: وبالجملة ففي النفس من الرواية بها شيء, والأحوط ترك الرواية بها١ إلا المقيدة بنوع حصر فإن الصحيح جوازها.
"النوع الرابع" الإجازة لمعين من الطلاب بمجهول من الكتب, أو الإجازة بمعين من الكتب لمجهول من الناس مثل: أجزتك كتاب السنن مثلا وهو يروي كتبا في السنن أو أجزت سنن أبي داود مثلا لمحمد بن خالد الدمشقي, وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم, فإن لم تكن هناك قرينة دالة على مراده فهي باطلة, وإلا فهي صحيحة لأنه مع وجوه القرينة يصير كالمعلوم.
فإن أجاز لجماعة مسمين في الإجازة أو غيرها, ولم يعرفها بأعيانهم ولا أنسابهم ولا عددهم ولا تصفحهم صحت الإجازة منه, وذلك مثل سماعهم منه في مجلسه في هذا الحال.
وأما أجزت لمن يشاء فلان أو نحو هذا ففيه جهالة وتعليق بشرط, فالأظهر بطلانه وبه جزم البعض, وصحح هذا الضرب من الإجازة بعض العلماء وقال: إن الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة, ولو قال: أجزت لمن يشاء الإجازة فهو كالسابق في البطلان بل وأكثر جهالة وانتشارا.
ولو قال أجزت لمن يشاء الرواية عني فأولى بالجواز، ولو قال:
стр. 118
أجزت لفلان كذا إن شاء روايته عني, أو لك إن شئت أو أحببت أو أردت فالأظهر الجواز.
"النوع الخامس" الإجازة للمعدوم كأجزت لمن يولد لفلان, وقد اختلف المتأخرون من العلماء في صحتها, فإن عطفه على موجود كأجزت لفلان ومن يولد له أو لك ولولدك ولعقبك ما تناسلوا فأولى بالجواز مما لو أفرده بالإجازة قياسا على الوقف, فقد أجاز أصحاب مالك وأبي حنيفة الوقف على المعدوم وإن لم يكن أصله موجودا.
وقد فعل هذا الثاني من المحدثين الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني فقد سئل الإجازة فقال: "أجزت لك ولأولادك, ولحبل الحبلة١ يعني الذين لم يولودا بعد ... وأجاز الأول أيضا الخطيب البغدادي وألف فيه جزءا, وحكاه عن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي, وابن عروس المالكي وأبطلها القاضي أبو الطيب, وابن الصباغ الشافعيان وهو الصحيح الذي لا ينبغي غيره؛ لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز, فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا يصح الإجازة له, أما إجازة من لم يوجد مطلقا فلا يجوز بالإجماع٢.
"النوع السادس" إجازة ما لم يتحمله المجيز وهو الشيخ ليرويه المجاز له وهو الطالب إذا تحمله المجيز. قال القاضي عياض في كتابه "الإلماع" لم أر من تكلم فيه من المشايخ, ورأيت بعض المتأخرين والعصريين يصنعونه, ثم حكي عن قاضي قرطبة أبي الوليد يونس بن مغيث منع ذلك قال عياض: وهذا هو الصحيح, وقال النووي: وهذا هو الصواب, وممن قال ببطلانها الإمام ابن الصلاح وقال: سواء قلنا إن الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز جملة أو إذن. إذ لا يجيز بما لا خبر
стр. 119
عنده, ولا يؤذن فيما لم يملكه الآذن بعد كالإذن في بيع ما لم يملكه فعلى هذا يتعين على من أراد أن يروي عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أن هذا مما تحمله شيخه قبل الإجازة له.
وأما قول الشيخ: أجزت لك ما صح وما يصح عندك من مسموعاتي فصحيح تجوز الرواية به لما صح عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبلها, وقد فعل هذا الدارقطني وغيره.
"النوع السابع" الإجازة بالمجاز كأجزتك مجازاتي أو جميع ما أجيز لي روايته وقد منع هذا بعض من لا يعتد به من المتأخرين وهو الحافظ عبد الوهاب بن المبارك شيخ أبي الفرج بن الجوزي، واحتج له: بأن الإجازة ضعيفة, فيقوي الضعف باجتماع إجازتين, والصحيح الذي عليه العمل جوازه, وبه قطع الأئمة الحفاظ: الدارقطني وابن عقدة وأبو نعيم وأبو الفتح نصر المقدسي, وفعله الإمام الحاكم. وادعى ابن طاهر الاتفاق عليه، وكان أبو الفتح المقدسي يروي بالإجازة عن الإجازة, وربما والى بين ثلاث إجازات, ووالى الإمام الرافعي في أماليه بين أربع أجائز, والحافظ قطب الدين الحلبي بين خمس أجائز في تاريخ مصر, وشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في أماليه والى بين ست أجائز١.
وينبغي للراوي بالإجازة عن الإجازة تأملها, والوقوف عند شروطها حتى لا يروي بها ما لم يدخل تحتها.
"تتمة":
الإجازة للطفل الذي لا يميز صحيحة على الصحيح الذي قطع به القاضي أبو الطيب الطبري والخطيب, ولا يعتبر فيه سن ولا غيره خلافًا لبعضهم حيث قال: لا يصح الإجازة للطفل كما لا يصلح سماعه, ولما ذكر
стр. 120
ذلك لأبي الطيب قال: يجوز أن يجيز للغائب, ولا يصح سماعه قال الخطيب: وعلى الجواز كافة شيوخنا, قال ابن الصلاح في تعليل الجواز: كأنهم رأوا الطفل أهل لتحمل هذا النوع ليؤدي بعد حصول الأهلية لبقاء الإسناد وأما الطفل المميز فلا خلاف في صحة الإجازة له١.
وبقي بيان الإجازة للمجنون والكافر والحمل.
فأما المجنون فالإجازة له صحيح. ويتحمل إذا عقل.
وأما الكافر فقال العراقي: لم أجد نقلا, وقد تقدم أن سماعه صحيح. ولم أجد عن أحد من المتقدمين والمتأخرين الإجازة للكافر, إلا أن شخصا من الأطباء يقال له: محمد بن عبد السيد, سمع الحديث في حال يهوديته٢ على أبي عبد الله الصوري, وكتب اسمه في الطبقة مع السامعين, وأجاز لهم الصوري وهو من جملتهم, وكان ذلك بحضور المزي٣ فلولا أنه يرى جواز ذلك ما أقر عليه, ثم هدى الله هذا اليهودي إلى الإسلام وسمع منه أصحابنا قال: أما الفاسق والمبتدع فهما أولى بالإجازة من الكافر إذا زال المانع, قال: وأما الحمل فلم أجد فيه نقلا, إلا أن الخطيب قال: لم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولودا في الحال, ولم يتعرض لكونه إذا وقع يصح أو لا. قال: ولا شك أنه أولى بالصحة من المعدوم٤.
"ألفاظ الأداء عن الإجازة":
أجازني أو أجازنا فلان, حدثني فلان أو حدثنا إجازة, أخبرني أو أخبرنا إجازة, وأما بإطلاق حدثنا وأخبرنا فأجازه البعض والذي عليه
стр. 121
الجمهور المنع وهو الصحيح، واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق "أنبأنا" في الإجازة, وخصوا التحديث بالسماع من الشيخ والإخبار بالقراءة عليه كما ذكرنا سابقا, وهذا هو ما عليه العمل عند المتأخرين واستقر عليه الاصطلاح. واستعمل بعض المتأخرين في الإجازة الواقعة في رواية من فوق الشيخ لفظ "عن" وبعضهم لفظ "أن" وهما اصطلاحان خاصان وما قبلهما هو الاصطلاح السائد.
ثم إن المنع من إطلاق حدثنا أو أخبرنا في الإجازة لا يزول بإجازة المجيز ذلك, فقد اعتاد قوم من الشيوخ ذلك في إجازاتهم, لأن إباحة الشيخ لا يغير بها الممنوع في الاصطلاح١.
الطريق الرابع:
المناولة: وهي على نوعين:
الأول: مناولة مقرونة بالإجازة وهي أعلى أنواع الإجازة مطلقا، ومن صورها:
أ- أن يناول الشيخ الطالب كتابه أو فرعا مقابلا عليه ويقول له: هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني ثم يبقيه معه ليملكه، أو لينسخه ثم يرده.
ب- أن يأتي الطالب إلى الشيخ بكتاب من حديث الشيخ أصلا له أو مقابلا به. فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول له: هو حديثي أو روايتي فاروه عني, أو أجزت لك روايته, وهذا سماه غير واحد من الأئمة عرضا, وقد سبق أن القراءة على الشيخ تسمى عرضا, فليسم هذا عرض المناولة, وذلك عرض القراءة.
وقد احتج بعض أهل العلم لصحة المناولة بحديث "أن النبي ﷺ
стр. 122
كتب لعبد الله بن جحش كتابا وقال له: لا تقرأ حتى تبلغ مكان كذا وكذا" فلما بلغ ذلك المكان قرأه على أصحابه في السرية، وأخبرهم بأمر رسول الله لهم أن يتوجهوا إلى "نخلة"١ ليترصدوا بها عيرا لقريش وقال له: لا تكره أحدا ممن معك فلما قرأ الكتاب عليهم قال: أما أنا فأسمع وأطيع لأمر رسول الله ﷺ فقالوا جميعا: ونحن كذلك، رواه الطبراني والبيهقي بإسناد حسن, وقد أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا٢ واستدل به على صحة المناولة, واستدل الحاكم لها بما رواه ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي, وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين, فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى" رواه البخاري, وكلا الاستدلالين صحيح, وفقه قويم.
"حكمها ومنزلتها":
وهذه المناولة المقرونة بالإجازة أعلى أنواع الإجازة, وأجمع العلماء على صحة الرواية بها, ولكنهم اختلفوا في رتبتها, فمنهم من جعلها كالسماع في القوة والرتبة كالزهري, وربيعة الرأي ومجاهد والشعبي وإبراهيم النخعي ومالك وجماعات آخرين من كل قطر ومصر سردهم السيوطي في التدريب٣ ومنهم من جعلها أرفع من السماع؛ لأن الثقة بكتاب الشيخ من إذنه فوق الثقة بالسماع منه, وأثبت؛ لما يدخل من الوهم على السامع والمسمع٤.
والصحيح أنها منحطة عن السماع من الشيخ والقراءة عليه, وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم قال الحاكم: وعليه
стр. 123
عهدنا أئمتنا, وإليه نذهب, وهو الذي رجحه ابن الصلاح.
ج- ومن صورها أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه, ثم يمسكه الشيخ ولا يبقيه عند الطالب, وهذا دون ما سبق, ويجوز روايته إذا وجد ذلك الكتاب المناول له, أو وجد فرعا مقابلا به موثوقا بموافقته لما تناولته الإجازة, ولا يظهر في هذه المناولة كبير مزية على الإجازة المجردة الواقعة في معين, بل قال جماعة من أصحاب الفقه والأصول لا تأثير لها ولا فائدة.
د- ومنها أن يأتيه الطالب بكتاب ويقول له: هذا روايتك فناولنيه وأجز لي روايته فيجيبه من غير نظر فيه, ولا تحقق لروايته له, فهذا النوع لا يجوز ولا يصح, فإن وثق بخبر الطالب ومعرفته اعتمده, وصحت الإجازة والمناولة كما يعتمد في القراءة على الشيخ من أصله إذا وثق بدينه ومعرفته أي الطالب.
الثاني: المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله الكتاب مقتصرا على قوله: هذا سماعي, أو هذا حديثي ولا يقول له: اروه عني, ولا أجزت لك روايته ونحو ذلك.
قال ابن الصلاح: هذه مناولة مختلة لا تجوز الرواية بها, وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها وسوغوا الرواية بها وحكى الخطيب عن طائفة من أهل العلم أنهم صححوها, وأجازوا الرواية بها ثم قال: إن الرواية بها تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ الطالب أن هذا الكتاب سماعه من فلان, فإنها لا تخلوا من إشعار بالإذن في الرواية وقال النووي: لا تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء والأصوليون وعابوا المحدثين المجوزين لها.
ومال العراقي إلى الجواز بشروط وقال: وعندي أن يقال إن كانت المناولة جوابا بالسؤال كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويه عنك
стр. 124
فناوله ولم يصرح بالإذن صحت, وجاز له أن يرويه كما تقدم في الإجازة بالخط بل هذا أبلغ, وكذا إذا قال له: حدثني بما سمعت عن فلان فقال له: هذا سماعي من فلان فتصح أيضا, وما عدا ذلك فلا, فإن ناوله الكتاب ولم يقل له: إن سماعه لم تجز الرواية به بالاتفاق١.
صيغ الأداء: ناولني وأجازني فلان, أو ناولني مع الإجازة, أو ناولني فلان عند من يجيز المناولة المجردة من الإجازة, حدثني فلان بالمناولة والإجازة أخبرني فلان بالإجازة والمناولة, أنبأني فلان بالإجازة والمناولة, أو إجازة ومناولة في الصيغ الثلاث. وأما بإطلاق "حدثنا" و"أخبرنا" فجوزه بعضهم, وهو مقتضى قول من جعلها سماعا, والصحيح الذي عليه الجمهور المنع منه والتقييد بالإجازة والمناولة.
وأما إطلاق الإنباء فذلك في الإجازة المجردة عن المناولة كما ذكرنا آنفا.
الطريق الخامس:
"المكاتبة" وهي أن يكتب الشيخ مسموعاته أو شيئا من حديثه لحاضر عنده أو غائب عنه, ويرسله إليه سواء كتب بنفسه, أو أمر غيره بكتابته ويكفي أن يعرف المكتوب له خط الشيخ أو خط الكاتب عن الشيخ بشرط أن يكون ثقة -أي عدلا ضابطا- وشرط بعضهم البينة على الخط وهو قول ضعيف والمكاتبة قسمان:
١- أن تكون مقرونة بالإجازة وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة بل يرى البعض أنها أرجح منها.
٢- أن تكون مجردة من الإجازة, وهذا الضرب منع الرواية به قوم منهم الماوردي والآمدي وابن القطان، وأجازها الجمهور من
стр. 125
المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء والأصوليين, وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث ويوجد في مصنفاتهم كثيرا: كتب إلى فلان قال: حدثنا فلان ... وقال السمعاني هي أقوى من الإجازة, قال السيوطي, وهو المختار بل وأقوى من أكثر صور المناولة.
وليس أدل على صحتها من اعتبار صاحبي الصحيحين لها, ففي صحيح البخاري في "الإيمان والنذور" كتب إلى محمد بن بشار -شيخه- وليس في بالمكاتبة عن شيوخه غيره, وفيه وفي صحيح مسلم أحاديث كثيرة بالمكاتبة في أثناء السند منها:
ما أخرجاه عن وراد١ قال: "كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إليّ ما سمعت من رسول الله ﷺ فكتب إليه" الحديث في القول عقب الصلاة.
وأخرجا عن ابن عوف قال: "كتبت إلى نافع فكتب إليّ أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون"٢ إلى غير ذلك٣.
"ألفاظ الأداء" كتب إلى فلان, كاتبني فلان قال: حدثني فلان بالمكاتبة والإجازة, أخبرني بالمكاتبة والإجازة, أو يقيد ذلك بالمكاتبة إذا لم تكن مقرونة بالإجازة, أما إطلاق حدثنا أو أخبرنا فلا يجوز على الصحيح وجوز بعضهم إطلاق أخبرنا دون حدثنا.
"الطريق السادس":
"الإعلام" وهو إعلام الشيخ الطالب بأن هذا الحديث أو الكتاب سماعه من فلان من غير أن يأذن له في روايته عنه.
стр. 126
وقد جوز الرواية به كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين وأهل الظاهر بل قال بعض الظاهرية: "لو قال هذه روايتي لكن لا تروها عني كان له أن يرويها عنه كما لو سمع منه حديثا ثم قال له: لا تروه عني لم يضره ذلك" وأيد هذا القاضي عياض فقال: "وهذا صحيح لا يقتضي النظر سواه، لأن منعه أن لا يحدث بما حدثه لا لعلة ولا من ريبة لا يؤثر؛ لأنه قد حدثه فهو شيء لا يرجع فيه".
وقاسوا ذلك على القراءة على الشيخ, فإن الرواية بها لا تتوقف على الإذن وقال ابن الصلاح ووافقه النووي: الصحيح ما قاله غير واحد من المحدثين وغيرهم أنه لا تجوز الرواية به, وبه قطع الغزالي في المستصفى قال: "لأنه قد لا يجوز روايته مع كونه سماعه لخلل يعرفه فيه".
واستدل المانعون من الرواية به بقياسه على مسألة الشهادة على الشهادة فإنها لا تصح إلا إذا أذن الشاهد الأول للثاني بأن يشهد على شهادته. وأجاب القاضي عياض: بأن هذا القياس غير صحيح؛ لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإذن على كل حال, والحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق, وأيضا فالشهادة تفترق عن الرواية في أكثر الوجوه١.
وقال بعض العلماء المعاصرين "والذي اختاره القاضي عياض هو الراجح الموافق للنظر الصحيح, بل إن الرواية على هذه الصفة أقوى وأرجح عندي من الرواية بالإجازة المجردة عن المناولة؛ لأن في هذه شبه مناولة وفيها تعيين للراوي بالإشارة إليه٢.
وجوب العمل به: ثم إنه يجب العمل بما أخبره به الشيخ أنه سمعه إن صح سنده وادعى القاضي عياض الاتفاق على ذلك, وإن اختلف
стр. 127
العلماء في جواز الرواية به وعدمه.
"صيغ الأداء عن هذا الطريق" أعلمني فلان. حدثني فلان بالإعلام أخبرني بالإعلام ونحو ذلك.
الطريق السابع:
"الوصية" هي أن يوصي الشيخ بكتاب يرويه عند سفره أو موته لشخص، وقد روي عن بعض السلف جواز رواية الموصى له بذلك عن الموصي -الشيخ- واحتج المجيزون لها بشبهها "بالإعلام والمناولة".
ومنع من الرواية بها ابن الصلاح فقال: "وهذا بعيد, وهو إما زلة عالم, أو متأول على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة التي يأتي شرحها إن شاء الله تعالى، وتابعه النووي وقال: الصواب أنه لا يجوز..
وقد نازع ابن الصلاح في مقالته ابن أبي آدم فقال: "الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف, وهي معمول بها عند الشافعي وغيره فهذا أولى".
وقد اختلفوا في وجوب العمل بما صح إسناده من الحديث المروي بها. والصحيح وجوب العمل به كوجوبه في سائر الأنواع.
وصيغ الأداء عن هذا الطريق عند من يصحح الرواية به: أوصى لي فلان، حدثني بالوصية، أخبرني بالوصية، ونحوها.
الطريق الثامن:
"الوجادة" في اللغة بكسر الواو مصدر لوجد مولد غير مسموع من العرب قال العلامة المعافى بن زكريا النهرواني: "فرع المولدون قولهم وجادة فيما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة من تفريق العرب بين مصادر وجد للتمييز بين المعاني المختلفة".
قال ابن الصلاح: "يعني قولهم: وجد ضالته وجدانا, ومطلوبه
стр. 128
وجودا وفي الغضب موجدة, وفي الغنى وجدا, وفي الحب وجدا"١.
وفي الاصطلاح: أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها وهي بخطه ولم يلقه أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه, أو سمع منه ولكن لا يروي تلك الأحاديث الخاصة الواجد بسماع أو قراءة أو إجازة أو يجد أحاديث في كتب لمؤلفين معروفين.
والتعبير الدقيق لمن وجد ذلك, وأراد روايته أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه حدثنا فلان ... ويسوق الإسناد والمتن أو قرأت بخط فلان عن فلان، هذا الذي استمر عليه العمل قديما وحديثا وفي مسند الإمام أحمد أحاديث كثيرة نقلها عنه ابنه عبد الله يقول فيها: وجدت بخط أبي في كتابه ... ثم يسوق الحديث، ولم يستجز أن يرويها عن أبيه وهو رواية كتبه, وابنه وتلميذه, وخط أبيه معروف له, وكتبه محفوظة عنده, وهذا من الورع والأمانة في النقل, وهو من باب المنقطع, ولكن فيه شوب اتصال بقوله: وجدت بخط فلان..
وقد تساهل بعضهم فروى في الوجادة بلفظ "عن", قال ابن الصلاح: فأطلق فيها "حدثنا فلان" أو "أخبرنا فلان" وقد أنكر ذلك العلماء, ولم يجزه أحد يعتمد عليه".
وإذا وجد حديثا في تأليف شخص وليس بخطه قال: "ذكر فلان أو قال فلان أو أخبرنا فلان" وهذا منقطع لا شوب فيه من الاتصال وهذا كله إذا وثق بخطه أو كتابه..
أما عند عدم الثقة بالخط أو بالكتاب فليس له إلا أن يقول:
стр. 129
"بلغني عن فلان" أو "وجدت عن فلان" أو "قرأت في كتاب: أخبرني فلان أنه بخط فلان" أو "ظننت أنه بخط فلان" أو "ذكر كاتبه أنه فلان" أو "تصنيف فلان" ونحو ذلك.
وإذا نقل شيئًا عن تأليف فلا يقل فيه "قال فلان" أو "ذكر" بصيغة الجزم إلا إذا وثق بصحة النسخة بمقابلته على أصل مؤلفه, أو مقابلة ثقة بها, فإن لم يود هذا ولا نحوه فليقل: بلغني عن فلان, أو وجدت في نسخة من كتابه ونحوه, وتسامح كثير من الناس في هذه الأعصار بالجزم في ذلك من غير تحر ولا تثبت.
وقد اجترأ كثير من الكتاب في عصرنا في مؤلفاتهم وفي غيرها من الصحف والمجلات والمحاضرات, فصاروا ينقلون من كتب السابقين من المؤرخين وغيرهم من غير تثبت ولا تحر, بل وبلفظ التحديث فيقولون: مثلا "حدثنا الطبري" و"حدثنا ابن خلدون" وهذا لا يوافق لغة ولا اصطلاحًا كما عرفت وفي هذا تجرؤ على اللغة, وإفساد لمصطلحات العلوم, وإبهام بغير الحقيقة, ولو أنهم اتبعوا قواعد المحدثين في هذا لكان خيرًا لهم, وأجمل بهم.
"العمل بالوجادة" وقد نقل عن معظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم أنه لا يجوز العمل بها, وعن الشافعي ونظار أصحابه أنه يجوز وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه غيره في هذه الأعصار كما قال ابن الصلاح: "فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شروط الرواية فيها"١.
الاحتجاج لها: وقد احتج الحافظ عماد الدين ابن كثير في أوائل تفسيره للعمل بالوجادة بالحديث المرفوع: "أي الخلق أعجب إيمانًا؟ قالوا: الملائكة. قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟! قالوا: الأنبياء.
стр. 130
قال. وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي؟ قالوا: نحن فقال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا فمن يا رسول الله؟ قال قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها" قال البلقيني: وهو استنباط حسن. والحديث رواه الحسن بن عرفة في "جزئه" قال السيوطي: وله طرق كثيرة أوردتها في الأمالي وفي بعض ألفاظه "بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعلمون بما فيه. أولئك أعظم منكم أجرا" أخرجه أحمد. والدارمي والحاكم. وفي لفظ للحاكم من حديث عمر "يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه. فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا".
"فائدة" ذكر الإمام السيوطي في التدريب١ أنه وقع في صحيح مسلم أحاديث مروية بالوجادة. وانتقدت بأنها من المنقطع كما هو حكم الوجادة كقوله في الفضائل: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة: "إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا:.. الحديث وروى أيضا بهذا السند حديثها "قال لي رسول الله ﷺ إني لأعلم إذا كنت عني راضية ... " الحديث وحديث:
"تزوجني رسول الله ﷺ لست سنين ... ". وقد أجاب الرشيد العطار بأن مسلما روى هذه الأحاديث الثلاثة من طرق أخرى موصولة إلى هشام وإلى أبي أسامة. وهذا الجواب صحيح في ذاته. لأن مسلما رواه كذلك.
وأجاب السيوطي بجواب آخر. وهو أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه لا في كتابه عن شيخه فتأمل. وهذا هو الجواب الصححي المتعين هنا. لأن الراوي إذا وجد في كتاب نفسه حديثا عن شيخه كان
стр. 131
على ثقة من أنه أخذه عنه, وقد تخونه ذاكرته فينسى أنه سمعه منه. فيحتاط -تورعا- ويذكر أنه وجده في كتابه كما فعل أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله١, وهذا الذي فعله أبو بكر بن أبي شيبة هو غاية الدقة، وغاية الأمانة في الرواية فليعِ الطاعنون في الرواة ذلك.
"النتيجة":
ومما ذكرناه في التحمل والأداء وطرقهما، والألفاظ في التعبير عنها عند الأداء والرواية يتبين لنا جليا أن الأحاديث والسنن حملت عن الرواة من لدن النبي ﷺ إلى وقت اكتمال التدوين بأقوم طرق الرواية، مع التحقيق والتدقيق البالغين.
وأن الأحاديث والسنن قامت على أصل ثابت قويم متين، وهي الرواية وأن الرواية في الإسلام، ولا سيما في الحديث تعتبر بدعا في بابها لأنها قامت على أساس من الجرح والتعديل اللذين لم يكونا موجودين قبل الإسلام وأن الإسناد المتصل الصحيح يعتبر من خصائص هذه الأمة الإسلامية ولا يوجد في غيرها من الأمم.
وأن على هذه الأمة الإسلامية أن تحافظ على هذه الخصائص حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وما عليها، والحمد لله رب العالمين على هذه النتيجة الموفقة وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 132
" الإسناد العالي والنازل ":
قدمنا في بحث الرواية منزلة الإسناد في الإسلام, وأن الإسناد الصحيح من خصائص الأمة الإسلامية وهنا نقول:
إن طلب العلو في الإسناد سنة عن السلف كما قال الإمام أحمد وغيره ولذلك استحبت الرحلة, وكانت قدرا مشتركا بين المحدثين قديما
стр. 133
وحديثا, ويستأنس لطلب العلو في الإسناد بما ذكرناه في هذا الكتاب في فصل الرحلة في سبيل العلم وقصة ضمام بن ثعلبة التي ذكرناها في باب التحمل.
والعلو: هو قلة رجال سند الأحاديث بالنسبة إلى سند آخر يرد به ذلك الحديث بعينه بعدد أكثر من الأول, فالأول يسمى عاليا والثاني يسمى نازلا, وقد عظمت رغبة المتأخرين في طلب الإسناد العالي حتى غلب ذلك على كثير منهم بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه كالحفظ والإتقان والفقه والدراية.
وإنما كان العلو مرغوبا فيه لكونه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ؛ لأنه ما من راوٍ من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كثروا كثرت مظان التجويز والاحتمال, وكلما قلوا قلت.
"أقسام العلو" قسم ابن الصلاح وتبعه النووي وغيره العلو إلى خمسة أقسام وإليك هذه الأقسام:
"الأول" وهو أجلها: القرب من رسول الله ﷺ بإسناد صحيح نظيف, فإن كان مع ضعف ففيه صورة العلو لا حقيقته وأما إذا كان فيه بعض الكذابين المتأخرين ممن ادعى سماعا من الصحابة كابن هدبة وأبي الدنيا الأشج ونحوهما, فإنه كالعدم وهذا النوع سماه الحافظ ابن حجر في شرح النخبة "العلو المطلق".
"الثاني" القرب من إمام من أئمة الحديث ذوي الصفات العلية كالحفظ والضبط والفقه مثل شعبة ومالك والثوري والشافعي والبخاري ومسلم ونحوهم, وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله ﷺ , وهذا والذي بعده سماه الحافظ ابن حجر العلو النسبي.
"الثالث" العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الستة أو غيرها من الكتب المعتمدة كمسند أحمد وهو ما كثر اعتناء المتأخرين به من
стр. 134
الموافقة والإبدال والمساواة، والمصافحة.
فالموافقة: هي أن يروي الراوي حديثا في أحد الكتب الستة مثلا بإسناد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب بحيث يجتمع معه في شيخه مع علو هذا الطريق على ما لو رواه من طريق أحد أصحاب هذه الكتب. قال الحافظ ابن حجر: مثاله: روى البخاري عن قتيبة١ عن مالك حديثا. فلو رويناه من طريقه -أي البخاري- كان بيننا وبين قتيبة ثمانية, ولو روينا ذلك الحديث بعينه عن طريق أبي العباس السراج٢ لكان بيننا وبين قتيبة فيه سبعة, فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاري في شيخه بعينه مع علو الإسناد بدرجة.
"والبدل" هو الوصول إلى شيخ شيخ أحد المصنفين كذلك يعني بعلو درجة أو أكثر عما إذا رواه من طريقة قال الحافظ ابن حجر: كأن يقع لنا ذلك الإسناد بعينه من طريق أخرى -يعني للسراج- إلى القعنبي عن مالك, فيكون القعنبي بدلا فيه عن قتيبة, والقعنبي ليس شيخا للبخاري, فحصلت الموافقة مع شيخ شيخه, وأكثر ما يعتبرون الموافقة والبدل إذا قارنا العلو, وإلا فاسم الموافقة والبدل واقع بدونه بل ومع النزول أيضا كما وقع في كلام الذهبي وغيره, "والمساواة" هي استواء عدد رجال الإسناد من الراوي إلى آخر الإسناد مع رجال إسناد أحد أصحاب هذه الكتب, وهذا كان يوجد قديما, وأما الآن فلا يوجد في حديث بعينه, بل يوجد مطلق العدد كما قال العراقي, وقد ذكر أنه بينه وبين النبي ﷺ عشرة أنفس في ثلاثة أحاديث وقد وقع للنسائي حديث بينه وبين النبي ﷺ عشرة رواة وهو: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن" , قال النسائي: "ما أعلم في الحديث
стр. 135
إسنادا أطول من هذا رواه الترمذي بعشرة رواة أيضا".
"والمصافحة" هي أن تقع هذه المساواة لشيخك فيكون ذلك مصافحة، لأن العادة جرت بالمصافحة بين من تلاقيا، وأنت في المثال السابق كأنك لقيت النسائي وصافحته، لأنك لقيت شيخك المساوي له، فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، وهكذا، وهذا العلو تابع للنزول غالبا فلولا نزول النسائي وشبهه لم تعل أنت، وقد يكون مع علوه أيضا فيكون علوا مطلقا.
"الرابع" العلو بتقدم وفاة الراوي، وإن تساويا في العدد، قال النووي: فما أرويه فيه عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم أعلى مما أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي عن ابن خلف.
وأما العلو المستفاد من تقدم وفاة الشيخ من غير نظر لشيخ آخر فحده بعضهم١ بمضي خمسين سنة من وفاة الشيخ، وقيل! بثلاثين٢.
"الخامس" العلو بتقدم السماع من الشيخ فمن سمع منه متقدما كان أعلى ممن سمع منه بعده، ويدخل كثير منه فيما قبله، ويمتاز عنه بأن يسمع شخصان من شيخ، وسماع أحدهما من ستين سنة، وسماع الآخر من أربعين وتساوي العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حق من اختلط شيخه أو خرف، وربما كان المتأخر أرجح، بأن يكون تحديثه الأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط، ثم حصل له ذلك بعد، إلا أن هذا علو معنوي.
"النزول":
وهو خمسة أقسام تعرف من أضدادها، وهو مفضول مرغوب فيه على
стр. 136
الصواب، وقول الجمهور، وفضل بعضهم النزول، واحتج له بأن الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد فيه، وهذا يقتضي المشقة فيعظم الأجر، وهو مذهب ضعيف الحجة؛ لأنه ترجيح بأمر أجنبي عما يتعلق بالتصحيح، والتضعيف، وهو المعنى المقصود من الرواية، فإن كان في النزول مزلة ليست في العلو كأن يكون رجاله أوثق أو أحفظ أو أفقه، أو كونه متصلا بالسماع، وفي العالي حضور أو إجازة ونحوها فلا شك أن النزول حينئذ أولى وأفضل، وقال وكيع لأصحابه: الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل عن عبد الله أم سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب فقال: الأعمش شيخ وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه.
وقال ابن المبارك ليس جودة الحديث قرب الإسناد بل جودة الحديث صحة الرجال، وقال شيخ الإسلام ابن حجر "ولابن حبان تفصيل حسن، وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء أولى".
стр. 137
" مسائل تتعلق بكتابة الحديث وآدابها ":
كما عني المحدثون بالحديث من حيث تحمله وحفظه وضبطه وتدوينه، عنوا به من حيث كيفية كتابته، وتفسيره، وضبط حروفه، وشكله، وإلحاق سقطه والتنبيه إلى ما في بعض رواياته من خطأ أوشك إلى غير ذلك مما يعرف بآداب كتابته وإليك أهم هذه المسائل.
"المسألة الأولى" على كاتب الحديث صرف الهمة إلى ضبطه، وتحقيقه من جهة الشكل، والنقط بحيث يؤمن معها اللبس، والاشتباه ليؤديه كما سمعه.
стр. 138
والشكل! تقييد حركات الإعراب والحروف.
والنقط: أن يبين الباء، من التاء من الثاء، والحاء من الخاء، والمهمل من النقط من غير المهمل, قال الأوزاعي فقيه الشام ومحدثها: "نور الكتاب إعجامه" أي نقطه، وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: "إعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله"١ "وكثيرا ما يعتمد الواثق على ذهنه، وذلك وخيم العاقبة، فإنه الإنسان معرض للنسيان، وأول ناس أول الناس"٢.
ومن اللطائف في هذا ما قيل: إن النصارى كفروا بلفظة أخطئوا في إعجامها وشكلها قال الله في الإنجيل لعيسى: "أنت نبي ولدتك من البتول"٣ فصحفوها وقالوا: "أنت بني ولدتك" بتخفيف اللام.
وقيل أيضا: أول فتنة في الإسلام سببها ذلك وهي الفتنة التي حدثت في عهد ذي النورين عثمان ﵁ فإنه كتب للذي أرسله أميرا إلى مصر: "إذا جاءكم فاقبلوه"٤ فصحفوها إلى "فاقتلوه"٥ فجرى ما جرى.
ومن الفكاهة ما قيل: إن بعض الخلفاء كتب إلى عامل٦ له ببلد: "أن أحص المخنثين" أي عدهم فصحفها فقرأها بالخاء المعجمة، فخصاهم وجمهور العلماء على أنه لا ينبغي أن يعتني بتقييد الواضح الذي لا يشكل ولقد أحسن من قال: "إنما يُشكَل ما يشكِل"٧ ومنهم من قال:
стр. 139
يشكل الجميع وصوبه الإمام القاضي عياض، ولا سيما للمبتدئ وغير المتجر في العلم فإنه لا يميز ما يشكل مما لا يشكل، وقد تكون الكلمة غير مشكلة عند شخص، ومشكلة عند شخص آخر وينبغي أن يكون اعتناؤه بضبط الأعلام أكثر، لأنها لا تدرك بالمعنى، ولا يستدل عليها بما قبلها، ولا بما بعدها، ويستحب ضبط الكلمة المشكلة التي يخشى تصحيفها، أو الخطأ فيها في أصل الكتاب، ثم يضبطها قبالة١ ذلك في الحاشية، فإن ذلك أبلغ؛ لأن المضبوط في نفس الأسطر ربما داخله نقط غيره وشكله مما فوقه أو تحته، لا سيما عند ضيق الأسطر، ودقة الكتابة، والأحسن في الضبط في الحاشية أن يفرق حروف الكلمة المشكلة، لأن بعض الحروف الموصولة يشتبه بغيره كالنون، والياء التحتية مثلا، قال ابن دقيق العيد في "الاقتراح"٢: "من عادة المتقين أن يبالغوا في إيضاح المشكل فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفا حرفا" ويوجد هذا في المخطوطات القديمة.
ويستحب تحقيق الخط وتوضيحه دون مشق وتعليق٣ روي عن الفاروق عمر ﵁ أنه قال: "شر الكتابة المشق، وشر القراءة الهذرمة٤، وأجود الخط أبينه" ويكره تدقيق الخط لأنه لا ينتفع به من في نظره ضعف، وربما تصحف عليه، قال الإمام أحمد بن حنبل لابن عمه حنبل بن إسحاق، وقد رآه يكتب خطا دقيقا: "لا تفعل أحوج ما تكون إليه يخونك" نعم، إن كان هناك ضرورة من ضيق الورق وتخفيف الحمل في السفر ونحوهما فلا بأس.
стр. 140
"المسألة الثانية" ينبغي ضبط الحروف المهملة لبيان إهمالها، كما تنقط المعجمة؛ لأن بعض القراء قد يتصحف عليه الحرف المهمل فيظنه معجما، وأن الكاتب نسي نقطه.
قال السيوطي: لم يتعرض أهل الفن -أي فن علوم الحديث- للكاف واللام، وذكرها أصحاب التصانيف في الخط، فالكاف إذا لم تكتب مبسوطة, يعني هكذا "كـ" يكتب في بطنها كاف صغيرة أو همزة، واللام يكتب في بطنها "لام" أي هذه الكلمة بحروفها لا صورة لام هكذا "ل" ويوجد ذلك في خط الأدباء، والهاء آخر الكلمة يكتب عليها هذا مشقوقة تميزها من هاء التأنيث التي في الصفات ونحوها.
والهمزة المكسورة: "أِ" تكتب فوق الألف والكسرة أسفلها, يعني هكذا "أِ", أم كلاهما أسفل هكذا "إِ" اصطلاحان للكتابة والثاني
стр. 141
أوضح، وأما الهمزة المفتوحة في أول الكلمة فتكتب فوق الألف اتفاقًا هكذا "أَ".
وإذا كان له اصطلاح خاص في كتابه فلينبه إليه أول الكتاب أو آخره، حتى لا يوقع غيره في حيرة في فهم مراده، وينبغي أنه يعتني لضبط مختلف الروايات وتمييزها، والإشارة في الحاشية إلى ما ليس في صلب كتابه من زيادات أو مغايرة معينًا في كل ذلك من رواه لا رامزًا له، إلا أن يبين المراد بالرمز أول الكتاب أو آخره.
"المسألة الثالثة" ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة هكذا "هـ" والمستحب أن تكون غفلا١، فإذا قابل كتابه نقط وسط الدائرة، أو خط في وسطها خطا ليعلم أين وصل في المقابلة؟
ويكره في مثل: عبد الله بن فلان، وعبد الرحمن بن فلان، وكذا كل اسم مضاف إلى الله ﵎ كتابه "عبد" آخر السطر، واسم "الله" مع "ابن فلان" أول السطر الآخر، وأوجب اجتناب مثل ذلك ابن بطة، والخطيب، ووافق ابن دقيق العيد على أن ذلك مكروه لا حرام.
أقول: وما قاله تقي الدين ابن دقيق العيد متجه، لأن العبرة بالنية والقصد، لا بالكتابة والخط.
وكذا يكره أن يكتب كلمة "رسول" آخر السطر، و"الله ﷺ " أوله وكذا ما أشبهه من الموهمات والمستشنعات كان يكتب "قاتل" من قوله ﷺ : "قاتل ابن صفية في النار" في آخر السطر و"ابن صفية في النار" في أوله السطر الآخر، أو يكتب "فقال" من قوله ﷺ في حديث شارب الخمر: فقال عمر: "أخزاه الله ما أكثر ما يؤتي به", آخر السطر، وعمر وما بعده أول السطر التالي.
ولا يكره فصل المتضايفين إذا لم يكن فيه مثل ذلك مثل:
стр. 142
سبحان الله العظيم، بأن يكتب "سبحان" آخر السطر، ويكتب: الله العظيم أول السطر التالي مع أن جمعهما في سطر واحد أولى، وكل هذا يدل على غاية التحوط والبعد عن الإيهام، ورعاية غاية الذوق وشفافية الحس من المحدثين.
"المسألة الرابعة" ينبغي المحافظ على الثناء على الله سبحانه بما هو أهله كعز وجل وتبارك وتعالى، ونحوه مثل ﷻ ، أو تقدست ذاته، أو تقدست صفاته وإن لم يكن في الأصل لأنه يقصد به الثناء لا الرواية.
وكذا ينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ كلما ذكر سواء أذكر باسمه أم بصفته، ولا يسأم من تكراره فإن من أغفله حرم حظا عظيما وثوابا جزيلا فقد قيل في قوله ﷺ : "إن أولى الناس بي أكثرهم عليّ صلاة" صححه ابن حبان: إنهم أهل الحديث لكثرة ما يتكرر ذكره في الرواية فيصلون عليه. أقول: والأحاديث الصحيحة والحسنة في فضل الصلاة والسلام عليه ﷺ كلما ذكر متكاثرة١ وأما الحديث الذي يورده البعض في هذا المقام وهو حديث: "من صلى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب", فقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وعارضه السيوطي فقال: هو وإن كان ضعيفا فإن له طرقا تخرجه عن الوضع وتقتضي أن له أصلا في الجملة، وكذلك الحديث الذي يذكر في هذا عن أنس يرفعه: "إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث وبأيديهم المحابر فيرسل الله إليهم جبريل، فيسألهم: من أنتم؟ وهو أعلم فيقولون: أصحاب الحديث، فيقول: ادخلوا الجنة طالما كنتم تصلون على نبيي في دار الدنيا" وهذا الحديث رواه الخطيب، وقال: إنه موضوع والحمل فيه على الرقي قال:
стр. 143
السيوطي: له طريق غير هذه عن أنس أوردها الديلمي في مسند الفردوس وقد ذكرتها في "مختصر الموضوعات"١.
والحق أن في الأحاديث الصحيحة والحسنة ما يغني عن أحاديث مختلف فيه بالحكم بالوضع وعدمه، والإمام السيوطي يركب كل صعب وذلول في الحكم على بعض الأحاديث الموضوعة وبيان أن لها أصلا وينبغي أن يجمع عند ذكره ﷺ بين الصلاة عليه بلسانه، وكتابة ذلك ببيانه.
ثم إن كانت الصلاة والتسليم في الأصل الذي ينقل منه كتب ذلك بالاتفاق، فإن لم يكن بالأصل ففي كتابة ذلك خلاف: فالإمام أحمد بن حنبل لا يرى كتابه ذلك وكان يكتفي بالصلاة والتسليم نطقا، ومال إلى رأيه العلامة ابن دقيق العيد فقال: "ينبغي أن يتبع الأصول والروايات" وخالف الإمام أحمد غيره من المتقدمين فقالوا: لا يتقيد بالأصل بل يكتبه خطا, ويتلفظ به نطقا، لأنه دعاء لا كلام يرويه، واختار بعض المتأخرين ما ذهب إليه الإمام أحمد محافظة على الأصول القديمة، ومراعاة لغاية الدقة والأمانة في النقل"٢.
ويكره الاقتصار على الصلاة أو السلام في الكتابة، وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في "التقريب"٣ وفي "شرح صحيح مسلم"٤ وذلك لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٥ وقد اقتصر الإمام مسلم في مفتتح صحيحه على الصلاة، وهذا مما أنكر عليه ويكره أيضا الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين أو أكثر كمن يكتب "صلعم" أو "ص".
стр. 144
وكذلك ينبغي الترضي والترحم على الصحابة والعلماء، وسائر الأخيار، ولا يجوز استعمال ونحوه في النبي ﷺ ، وإن كان عزيزا جليلا، ولا يجوز الصلاة والسلام على الصحابة وغيرهم استقلالا، ويجوز على سبيل التبع له ﷺ .
"المسألة الخامسة": بعد إتمام نسخ الكتاب تجب مقابلته على الأصل المنقول منه أو على نسخة منقولة من الأصل مقابلة، أو مقابلته بأصل أضل الشيخ المقابل به أصل الشيخ لأن الغرض مطابقة كتابه لأصل شيخه فسواء حصل ذلك بواسطة أو غيرها، وهذا لتصحيح المنسوخ خشية سقوط شيء منه، أو وقوع خطأ في النقل، فقد روى ابن عبد البر وغيره عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي قالا: "من كتب ولم يعارض كمن دخل الخلاء ولم يستنج"١ وقال عروة بن الزبير لابنه هشام: "كتبت؟ قال: نعم قال: عرضت كتابك؟ قال: لا، قال: لم تكتب"، رواه البيهقي في المدخل، وقال الأخفش: "إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميا".
وذكر البلقيني أن في المسألة حديثين مرفوعين، أحدهما عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب الوحي عند النبي ﷺ فإذا فرغت قال: "اقرأ"، فأقرؤه فإن كان فيه سقط أقامه" ذكره المرزباني في كتابه.
ثانيهما ذكره السمعاني في "أدب الإملاء من حديث عطاء بن يسار قال: "كتب رجل عند النبي ﷺ فقال كتبت؟ قال: نعم قال: عرضت؟ قال: لا، قال: لم تكتب حتى تعرضه فيصح" قال: وهذا أصرح في المقصود إلا أنه مرسل لأن عطاء بن يسار تابعي.
قال السيوطي في "التدريب": الحديث الأول رواه الطبراني في
стр. 145
الأوسط بسند رجاله موثقون١ والأفضل أن يقابل الكاتب نسخته على الأصل مع شيخه الذي يروي عنه الكتاب إن أمكن، أو مع شخص آخر، أو يقابل بنفسه وحده كلمة كلمة، ورجحه أبو الفضل الجارودي فقال: أصدق المعارضة مع نفسك، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه فقال: "ولا تصح المقابلة مع أحد غير نفسه، ولا يقلد غيره" حكاه القاضي عياض عن بعض أهل التحقيق.
وقال ابن الصلاح: إنه مذهب متروك، والقول الأول أولى، وإذا لم يتمكن الناسخ من مقابلة نسخته بالأصل فيكتفي بأن يقابلها غيره في أي وقت كان.
ويستحب لمن يسمع من الشيخ أن يكون بيده نسخة يقابل عليها فإن لم يكن فينظر مع أحد الحاضرين في نسخته لا سيما إذا أراد النقل منها.
وذهب يحيى بن معين إلى اشتراط ذلك فقد روي أنه سئل عمن لم ينظر في الكتاب والمحدث يقرأ: هل يجوز أن يحدث بذلك؟ فقال: "أما عندي فلا يجوز، ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم" قال ابن الصلاح، وتابعه النووي: "والصواب الذي قال الجمهور أنه لا يشترط ذلك في صحة السماع".
أما إذا لم يعارض الراوي كتابه بالأصل ونحوه فذهب إلى جواز الرواية به أبو إسحاق الإسفراييني، وآباء بكر وهم الإسماعيلي، والبرقاني والخطيب، ولكن بشروط ثلاثة:
١- إن كان الناقل للنسخة صحيح النقل قليل السقط.
٢- وإن كان نقل من الأصل.
٣- وإن بين حال الرواية أنه لم يقابل كما كان يفعل البرقاني، فإنه روى أحاديث كثيرة قال فيها: "أخبرنا فلان ولم أعارض" وهذا غاية الأمانة في الرواية وذهب القاضي عياض إلى أنه لا يجوز له الرواية منه عند عدم