← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9987

الوسيط في علوم ومصطلح الحديث

محمد أبو شهبة

Полный текст (950 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولتفشوا العلم, ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم. فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا"١. أي خفية, يعني أن كتمان العلم يؤدي إلى ذهابه وهلكته. ورواه موصولا بسنده. ولكن إلى قول "ذهاب العلماء"٢ وأخرج أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" بسنده عن عمر بن عبد العزيز, ﵁ أنه كتب إلى علماء الآفاق: "انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه". وممن كتب إليه الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني أحد الأئمة وعالم أهل الحجاز والشام المتوفى سنة أربع وعشرين ومائة هجرية. وقد صادف هذا الأمر من الخليفة الراشد هوى في نفوس العلماء والولاة أمثال أبي بكر بن حزم والزهري وسعيد بن أبي عروبة. والربيع بن صبيح وغيرهم. وكانوا يصنفون كل باب على حدة ... فقاموا بما ندبوا إليه خير قيام. وأقبلوا على جمع الأحاديث والسنن وتجميعها وتمييز صحيحها من سقيمها. ومقبولها من مردودها. ولا سيما أنه لم يعد من السلف من كان يتحرج من الكتابة فقد ارتفع الخلاف الذي كان أولا. واستقر الأمر. وانقعد الإجماع على جواز كتابة الأحاديث بل على استحبابها. بل على وجوبها على من يتعين عليه تبليغ العلم والأحكام ولا تلتفت إلى تشكيك المستشرقين في هذا زعمهم أنه ﷺ أمر بعدم الكتابة. ولكن لعلهم لم يأتمروا به! ولا تلتفت أيضا إلى من تابعهم في هذا من الكتاب المعاصرين٣ فقد قام شاهد العيان على أنهم نفذوا ما

стр. 72

أمروا به, وأنهم كانوا مهيئين لذلك غاية التهيؤ, وسترى عن كثب ما تمخض عنه هذا الأمر الرشيد من الخليفة الراشد من خير عميم وجمع كثير١.

стр. 73

التدوين في القرن الثاني ١٠٠-٢٠٠ه ـ: ثم شاع التدوين في الطبقة١ التي تلى طبقة الزهري, وأبي بكر بن حزم فألف الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس المتوفى سنة ١٧٩هـ بالمدينة كتابه "الموطأ" توخى فيه القوى من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم. وألف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المتوفى سنة ١٥٠هـ بمكة. وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي المتوفى سنة ١٥٦ بالشام. وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري المتوفى سنة ١٦١هـ بالكوفة. وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار المتوفى سنة ١٧٦هـ بالبصرة. ومعمر بن راشد المتوفى سنة ١٥٣ باليمن. وهشيم بن بشير السلمي الواسطي المتوفى سنة ١٨٨ بواسط. وجرير بن عبد الحميد المتوفى سنة ١٨٨ بالري. وعبد الله بن المبارك المتوفى سنة ١٨١ بخراسان. ثم تلاهم كثيرون من أهل عصرهم في النسخ على منوالهم٢. ومن ثم نجد أنه ما من مصر من الأمصار الإسلامية إلا وقد جمع الأحاديث فيه إمام أو أئمة, وكانت طريقة هؤلاء في التأليف مزج أحاديث النبي ﷺ بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم. والأثر الباقي من كتب هذا القرن هو الموطأ قال الحافظ ابن حجر: "إن ما ذكر إنما هو بالنسبة

стр. 74

إلى الجمع في الأبواب. وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد فقد سبق إليه الشعبي فإنه روى عنه أنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم. وساق فيه أحاديث١. "إفراد حديث رسول الله ﷺ عن غيره": المسانيد: ثم رأى بعض الأئمة أن يفرد حديث رسول الله ﷺ عن غيره, وكان ذلك على رأس المائتين فألفوا فيه ما يعرف بالمسانيد٢. فألف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي المتوفى سنة ثلاث عشرة ومائتين مسندا. وألف مسدد بن مسرهد البصري المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين مسندا. وألف أسد بن موسى الأمور المتوفى سنة اثني عشرة ومائتين مسندا. وألف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين مسندا. ثم اقتفى الأئمة أثرهم. فقل إمام من أئمة الحديث إلا رتب حديثه على المسانيد. وذلك كالإمام الجليل أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١هـ إحدى وأربعين ومائتين. والإمام إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومائتين والإمام عثمان بن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٧٩هـ تسع وسبعين ومائتين وغيرهم من النبلاء. ومنهم من ألف على الأبواب وعلى المسانيد معا كأبي بكر بن أبي

стр. 75

شيبة١ المتوفى سنة ٢٣٠هـ.

стр. 76

" التأليف في القرن الثالث" ٢٠٠-٣٠٠ه ـ: ويعتبر القرن الثالث الهجري أخصب القرون بالنسبة لتدوين السنة وأزهاها ففيه ظهر أصحاب الكتب الستة المشهورة التي تعتبر أهم دواوين السنة وكتبها وأوفاها وأشملها للأحاديث النبوية. إذ إن هذه الدواوين لم تدع من الأحاديث إلا القليل الذي تداركه من جاء بعدهم من الأئمة. وفيه ظهر كبار أئمة الحديث في الحفظ والرواية والنقد والتعديل والتجريح والعلم بتواريخ الرجال, وعلل الأحاديث ولا سيما أصحاب الصحاح. وقد نهج التأليف في هذا القرن منهج التأليف على الأبواب الفقهية فيبدءون بالطهارة ثم الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ثم المعاملات والحدود والخبائيات وهكذا, ومن هؤلاء من اقتصر على الأحكام, ومنهم من لم يقتصر على ذلك فعرض للوحي وللعلم وللتفسير وللمغازي والسير وذلك كما فعل البخاري ومسلم. ثم إن منهم من التزم تخريج الصحيح فحسب في كتابه وذلك كصاحبي الصحيحين وهما: ١- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري المتوفى سنة ٢٥٦هـ, ست وخمسين ومائتين. ٢- والإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري المتوفى سنة ٢٦١هـ إحدى وستين ومائتين. ومنهم من لم يلتزم الصحة, فذكر في كتابه الصحيح والحسن والضعيف وقد تفاوت كتبهم في المنزلة بحسب تفاوتهم في العلم والمعرفة وذلك كأصحاب السنن الأربعة وهم:

стр. 77

١- الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفى سنة ٢٧٥هـ خمس وسبعين ومائتين. ٢- الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩هـ تسع وسبعين ومائتين. ٣- الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي المتوفى سنة ٣١٥هـ خمس عشرة وثلاثمائة. ٤- أبو عبد الله محمد بن بن يزيد بن ماجه القزويني المتوفى سنة ٢٧٣هـ ثلاث وسبعين ومائتين. وهناك غير هؤلاء الأئمة الستة أئمة كثيرون ظهروا في هذا القرن الثالث. فلا عجب أن كان هذا القرن يعتبر العصر الذهبي لتدوين السنة.

стр. 78

التأليف في القرن الرابع ٣٠٠-٤٠٠ه ـ ... "التدوين في القرن الرابع ٣٠٠-٤٠٠هـ": ذكرنا آنفا أن القرآن الثالث كان أزهى عصور جمع السنة ونقد رواتها كما نبغ فيه الأئمة الكبار الذين أوفوا في الجمع على الغاية, وفي خدمة السنة والذين برعوا في العلم بالرجال, وعلم العلل, وأنهم لم يدعوا من الأحاديث المعروفة الثابتة إلا قليلا. وكل من جاء بعد هذا القرن فهم عيال عليهم يجمع ما جمعوا, ويعتمد في النقد على ما نقدوا. وقد استدرك أهل هذا القرن الرابع على أهل القرن الثالث ما فاتهم وأكملوا الصرح الشامخ الذي أسسوه وبنوه بحيث لم ينته هذا القرن حتى كادت الأحاديث تكون قد جمعت كلها ودونت، كما عني بعضهم بالاستدراك عليهم في نقد الرجال وتعليل الأحاديث.

стр. 79

أشهر الكتب المؤلفة في هذا القرن: ١- المعاجم الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، للإمام سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى سنة ٣٦٠هـ رتب في الكبير الصحابة على حروف المعجم, وهو مشتمل على نحو خمسمائة وعشرين ألف حديث, ورتب في الأوسط والصغير شيوخه على الحروف أيضا. ١- صحيح الإمام الكبير محمد بن إسحاق بن خزيمة المتوفى سنة ٣١١هـ إحدى عشرة وثلاثمائة. ٢- صحيح أبي عوانة يعقوب بن إسحاق المتوفى سنة ٣١٦هـ ست عشرة وثلاثمائة. ٣- مصنف الطحاوي الفقيه الحنفي المحدث المتوفى سنة ٣٢١هـ إحدى وعشرين وثلاثمائة. ٤- المنتقى لقاسم بن أصبغ محدث الأندلس المتوفى سنة ٣٤٠هـ أربعين وثلاثمائة. ٥- الصحيح المنتقى لابن السكن سعيد بن عثمان البغدادي المتوفى سنة ٣٥٣هـ ثلاث وخمسين وثلاثمائة. ٦- صحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي المتوفى سنة ٣٥٤هـ أربع وخمسين وثلاثمائة. ٧- سنن الإمام أبي الحسن الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥هـ خمس وثمانين وثلاثمائة. ٨- مستدرك الإمام أبي عبد الله الحاكم المتوفى سنة ٤٠٥هـ خمس وأربعمائة١ وغيرهم كثير.

стр. 80

التأليف بعد القرن الرابع: دور الترتيب والتهذيب: أما من جاء بعد القرن الرابع فقد كان طريقة مؤلفيها أنهم يهذبون كتب المتقدمين، أو يرتبونها، أو يجمعون ما تشتت منها في كتب متفرقة في كتاب واحد، أو يختصرون الأسانيد والمتون أو يتكلمون في رجالها، أو يبينون غريبها، أو يشرحون متونها، أو يجمعون الأحاديث المتعلقة بالأحكام، أو بالترغيب والترهيب في كتب مستقلة، أو يخرجون أحاديث بعض كتب الفقه والتفسير والوعظ واللغة ونحوها ومما ينبغي أن يعلم أننا حينما نحكم على قرن بحكم فإنما نريد الغالب والكثير لا النادر والقليل. فلا يشكلن عليك أن فيمن كان قبل ذلك من هذب ورتب. وأن فيمن وجد بعد هذا من اجتهد واستقل في معرفة التصحيح والتحسين والتضعيف ونقد الرجال. أشهر الكتب المؤلفة في هذا الدور: "دور التهذيب": أ- الجمع بين الصحيحين: جمع كثير من العلماء بين صحيحي البخاري ومسلم, ومن هؤلاء محمد بن أبي نصر الحميدي الأندلسي "المتوفى سنة ٤٨٨". والحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة ٥١٦هـ وأبو محمد الإشبيلي المتوفى سنة ٥٨١ وغيرهم. ب- الجمع بين الكتب الستة: الصحيحان والسنن الأربعة. وبعض العلماء يجعل الموطأ سادسهم بدل سنن ابن ماجه, وذلك كما فعل رزين العبدري وتابعه ابن الأثير, وقد جمع بينها الإمام عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي السالف الذكر, وأبو الحسن رزين١ بن معاوية العبدري السرقسطي "المتوفى سنة ٥٣٥" لكن لم يحسن في ترتيبه وتهذيبه وترك

стр. 81

بعضا من أحاديثها إلى أن جاء الإمام أبو السعادات مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي المتوفى سنة ٦٠٦هـ فهذب كتابه ورتب أبوابه, وأضاف إليه ما أسقطه من الأصول, وشرح غريبه، وبين مشكل إعرابه, وما خفي معناه, واكتفى بذكر راوي الحديث من صحابي أو تابعي وسماه: "جامع الأصول إلى أحاديث الرسول" وقد اختصره كثيرون منهم الإمام عبد الرحمن بن علي المشهور بابن الديبع الشيباني الزبيدي "المتوفى سنة ٩٤٤هـ" وسمى كتابه "تيسير الوصول إلى أحاديث جامع الأصول". ج- الجوامع العامة وهي كثيرة منها: ١- مصابيح السنة: للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء نسبة لعمل الفراء وبيعها، وهي جمع فرو تدبغ، وتخاط، وتلبس. البغوي نسبة إلى بغشور على غير قياس، ويقال "بغى" بلدة من بلاد خراسان الفقيه الشافعي المحدث المفسر الصالح المتعبد الناسك الرباني المتوفى بمرو في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة صاحب التصانيف الكثيرة التي منها التفسير المعروف و"شرح السنة" جمع في المصابيح أربعة آلاف وأربعمائة وأربعا وثمانين حديثا من الصحاح والحسان، وأراد بالصحاح ما أخرجه صاحبا الصحيحين، و"بالحسان" ما أخرجه أصحاب السنن١، وما كان فيها من ضعيف أو غريب بينه، وتحاشى ما كان منكرا أو موضوعا. ٢- "جامع المسانيد، والألقاب" للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة "٥٩٧"هـ جمع فيه بين الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي.

стр. 82

٣- "الهدى والسنن في أحاديث المسانيد والسنن" وهو المعروف بـ"جامع المسانيد" للإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن الشيخ أبي حفص عمر بن كثير القرشي الدمشقي النشأة والحياة المعروف بأبي الفداء المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة عن أربع وسبعين سنة. جمع فيه الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، والبزار، وأبي يعلى، وابن أبي شيبة، ورتبه على الأبواب الفقهية. ٤- "مجمع الزوائد، ومنبع الفوائد" للحافظ أبي الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الشافعي الهيثمي المتوفى سنة سبع وثمانمائة هـ "٨٠٧" جمع فيه زوائد مسانيد أحمد، وأبي يعلى، والبزار، ومعاجم الطبراني الثلاثة. ٥- "جمع الجوامع"١ للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة هـ جمع فيه بين الكتب الستة وغيرها. قال الشيخ العلامة عبد الرءوف المناوي: إنه مات قبل أن يتمه، وقد اشتمل على بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة. ٦- وقد اختصره السيوطي في كتابه "الجامع الصغير" وقد أخذ على نفسه أن لا يذكر فيه الأحاديث الموضوعة، والضعيفة المتهالكة، ولكن الكتاب لم يخل منهما، وقد شرحه العلامة المناوي ونبه إلى ما فيه من موضوع وضعيف شديد الضعف والكتاب وشرحه مطبوعان. "كتب جامعة لأحاديث الأحكام": ١- "السنن الكبرى" للإمام أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة

стр. 83

ثمان وخمسين وأربعمائة "٤٥٨"هـ قال فيه ابن الصلاح: "ما ثم كتاب في السنة أجمع للأدلة من كتاب "السنن الكبرى" للبيهقي، وكأنه لم يترك في سائر أقطار الأرض حديثا إلا وقد وضعه فيه" وله أيضا "السنن الصغرى" قيل، لم يؤلف في الإسلام مثلهما. ٢- "عمدة الأحكام" للإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الدمشقي المتوفى سنة ستمائة هـ "٦٠٠" جمع فيه أحاديث الأحكام التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وقد شرحه بإيجاز الشيخ العلامة ابن دقيق العيد. ٣- "منتقى الأخبار" في أحاديث الأحكام للإمام الحافظ مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله الحراني المعروف بابن تيمية الحنبلي المتوفى سنة اثنين وخمسين وستمائة، وهو جد شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية. انتقاه من الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، والسنن الأربعة، وهو كتاب حسن وقيم، لولا أنه يغفل في كثير من الأحاديث بيان التصحيح والتضعيف. وقد استكمل هذا النقص العالم المجتهد محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠هـ في كتابه "نيل الأوطار" الذي شرح به المنتقى. ٤- الإمام في أحاديث الأحكام ومختصره الإلمام في أحاديث الأحكام كلاهما للإمام محمد بن علي بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢هـ جمع فيه الأحاديث المتعلقة بالأحكام ثم شرح بعضا من المختصر شرحا وافيا شافيا وسماه "الإمام في شرح الإلمام" قال الذهبي: ولو كمل لجاء في خمسة عشر مجلدا. ٥- "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" للحافظ شيخ الإسلام

стр. 84

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ وقد شرحه كثيرون منهم الشيخ الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة ١١٨٢هـ في كتابه "سبل السلام". "كتب أحاديث المواعظ والآداب والأخلاق": وهي كثيرة منها: ١- الترغيب والترهيب للإمام زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة ٦٥٦هـ وهو سفر قيم يسعف الخطباء والأئمة ورجال الوعظ والإرشاد والباحثين والدارسين بما يريدون جمعه من الكتب المشهورة من التنصيص على درجة الأحاديث, وهو يعتبر أجمع الكتب في هذا المضمار. ٢- رياض الصالحين للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦هـ وهو كتاب قيم في باب الأخلاق والمواعظ, وبيان الفضائل والرذائل. يذكر في كل باب ما ورد فيه من الآيات القرآنية, ثم يعقب بالأحاديث النبوية مع بيان درجتها وشرح غريبها, وتوضيح مشكلها. وهذان الكتابان كافيان لمن يريد أن يكون على علم بمتون الأحاديث ودرجتها, والوصول إلى ذلك من غير عناء وتعب. "الجمع والنقد سارا جنبا إلى جنب": وقد التزم الجامعون للسنة والأحاديث غاية التحري والتثبت في الرواية واجتهدوا غاية وسعهم في التصحيح والتحسين والتضعيف, ونقدوا الرواة والمرويات. واحتاطوا أشد الاحتياط في النقل, فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل وسلوكه الشخصي مما يؤثر في عدالته عند أئمة هذا العلم, فإذا اشتبهوا في صدقه وعلموا أنه كذب في شيء من كلامه رفضوا روايته وسموا حديثه "متروكا" وإن لم

стр. 85

يعرف عنه الكذب في رواية الحديث مع علمهم بأنه قد يصدق الكذوب، وهذا غاية الاحتياط في الرواية، وكذلك استوثقوا من حفظ كل راوٍ وذلك بمقارنة رواياته بعضها ببعض، وبروايات غيره, فإن وجدوا خطأه أكثر من صوابه ضعفوا روايته وردوها, وإن كان لا مطعن عليه في شخصه ولا في عدالته, وذلك خشية أن تكون روايته مما خانه فيها الحفظ أو غلبه السهو. "العناية بنقد الأسانيد والمتون": وقد أوفى المحدثون في نقد الأسانيد -النقد الخارجي- على الغاية ولم يدعوا زيادة لمستزيد اللهم إلا ما وجد من المباحث النفسية التي تعين الناقد على النقد, وكذلك عنوا بنقد المتن النقد الداخلي فحكموا على الحديث بالوضع أو النكارة إذا خالف العقل أو الحس أو القرآن أو السنة المشهورة ولم يمكن التوفيق أو التأويل تأويلًا مقبولًا. ومن كلامهم في هذا: "إذا رأيت الحديث يباين المعقول, أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع" ومعنى مناقضته للأصول أن يكون خارجًا عن دواوين الإسلام في الحديث من الجوامع, والسنن, والمسانيد, والكتب المشهورة١ وقد حرروا القواعد والأصول التي وضعوها لنقد الأحاديث. ومعرفة المقبول منها من المردود, وهذه القواعد تجدها مبثوثة في كتب أصول الرواية, وعلوم الحديث, وتاريخ الرجال, وقد بذلوا في تحقيق هذه القواعد أقصى ما في الوسع الإنساني احتياطًا لدينهم وشريعتهم أن يدخل فيها ما ليس منها فكانت قواعدهم التي ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأدقها وأوفاها, وإذا كان البعض قد طعن فيها في هذه العصور المتأخرة فليس ذلك عن علم وبينة, وإنما عن جهل وهوى.

стр. 86

" تقليد المؤلفين في العلوم النقلية للمحدثين في الرواية ": وقد نهج منهج علماء الحديث في الرواية والتزام السند في المرويات غيرهم من العلماء في أكثر الفنون النقلية كعلماء التاريخ والسير, وعلماء اللغة وعلماء الأدب, وإنك لتلمس هذا واضحا في أمالي ثعلب قال: حدثني أبو بكر الأنباري عن أبي العباس عن ابن الأعرابي قال: يقال لحن الرجل يلحن لحنا فهو لاحن إذا أخطأ, ولحن بكسر الحاء في الماضي وفتحها في المضارع يلحن لحنا فهو لحن إذا أجاد وفطن. كما نلمسه في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني المتوفى سنة ٢٥٦ وكتاب المغازي لابن إسحاق المتوفى سنة ١٥١هـ, وقد وصل إلينا مختصرا في سيرة ابن هشام المتوفى سنة ٢١٨هـ وكتاب تاريخ الأمم والملوك للإمام محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠هـ إلا أنهم لم يبلغوا ما بلغ المحدثون في النقد والتحري عن الرواة. وليس أدل على هذا من أن بعض من ارتضى هؤلاء روايتهم قد ضعفهم المحدثون وردوا روايتهم, فأبوا مخنف لوط بن يحيى بن سعيد وهو الذي ينقل عنه ابن جرير كثيرا في تاريخه قال فيه أبو حاتم: "متروك الحديث" وقال الدارقطني: "أخباري متروك الحديث". بل إن محمد بن إسحاق نفسه وهو إمام أهل المغازي غير مدافع مضعف١ في الحديث, والواقدي مع كونه بصيرا بالمغازي ويلي ابن إسحاق في سعة العلم قال فيه البخاري "إنه منكر الحديث". ومن ثم يتبين لنا أن منهج المحدثين في نقد المرويات ونقد الرواة هو أعلى المناهج وأدقها, وأن الذين جاروهم من المؤرخين وكتاب

стр. 87

السير وأمثالهم لم يبلغوا شأوهم, وذلك لأن المؤلفين في الحديث ينظرون إليه على أنه دين وتشريع, فالتساهل في روايته تساهل في الدين. أما المؤلفون في التاريخ والأدب واللغة فلم ينظروا إليها هذه النظرة. وإنا لنلمس هذا أيضا في صنيع ابن جرير فهو في كتابه "التفسير" يدقق ويتحرى في الرواية أكثر مما صنع في كتابه "التاريخ" وهذا يرجع إلى تغاير الفنين واختلاف الاعتبارين. وبعد هذه المقارنة والموازنة في البحث لا أرى حرجا في أن أقول: إن رواية العلماء لما يتعلق بالقرآن والأحاديث تعتبر بدعا في بابها ولا يبلغ شأوها أية رواية قبل الإسلام ولا بعده. بدعة سيئة: ومع ما قدمنا من عناية المحدثين بالنقد سندا ومتنا, ومبالغتهم في التحري والتوثق من المرويات لم تسلم الأحاديث من الطعن قديما وحديثا من بعض الطوائف والملاحدة والمستشرقين, وزعموا أنها ظنية الثبوت, وسولت لهم أنفسهم, الطعن في أصح كتب الحديث وأوثقها بالهوى والتعصب, والجهل بالرواية في الإسلام وشروطها والتحوط فيها, ويعجبني في هذا المقام كلمة حق قالها أحد العلماء الثقات المعاصرين١ قال رحمه الله تعالى: "ومع كل هذا -يريد نقد المرويات وتمحيصها- فقد ابتدع بعض المتقدمين بدعة سيئة هي عدم الاحتجاج بالأحاديث لأنها تسمى في اصطلاحات بعض الفنون "ظنية الثبوت" أي أنها لم تثبت بالتواتر الموجب للقطع في النقل وكان هذا اتباعا لاصطلاح لفظي لا أثر له في القيمة التاريخية لإثبات صحة الرواية, فما كل رواية صادقة يثق بها العالم المضطلع المتمكن من علمه بواجب في صحتها والتصديق بها. واطمئنان القلب إليها أن تكون ثابتة ثبوت التواتر الموجب للعلم البديهي وإلا لما صح لنا أن نثق بأكثر النقول في أكثر

стр. 88

العلوم والمعارف، وكانت هذه الفئة التي تذهب هذا المذهب الرديء فئة قليلة محصورة مغمورة لا أثر لقولها في شيء من العلم. ولكن نبغ١ في عصرنا هذا بعض النوابغ ممن اصطنعتهم أوربا وادخرتهم لنفسها من المسلمين فتتبعوا شيوخهم من المستشرقين -وهم طلائع المبشرين- وزعموا كزعمهم أن كل الأحاديث لا صحة لها ولا أصل, وأنها لا يجوز الاحتجاج بها في الدين. وبعضهم يتخطى القواعد الصحيحة ثم يذهب يثبت الأحاديث وينقيها بما يبدو لعقله وهواه من غير قاعدة معينة ولا حجة ولا بينة, وهؤلاء لا ينفع فيهم دواء إلا أن يتعلموا العلم, ويتأدبوا بأدبه, ثم الله يهدي من يشاء. وأما الطعن في الأحاديث الصحيحة جملة, والشك في صحة نسبتها إلى النبي ﷺ فإنما هو إعلان العداء للمسلمين ممن عمد إليه عن علم ومعرفة، أو جهل وقصر نظر، ممن قلد فيه غيره ولم يعرف عواقبه وآثاره، فإن معنى هذا الشك والطعن أنه حكم على جميع الرواة الثقات من السلف الصالح ﵃ بأنهم كاذبون مخادعون مخدوعون, ورمى لهم بالفرية والبهتان, أو بالجهل والغفلة, وقد أعاذهم الله من ذلك وهم يعلمون يقينا أن رسول الله ﷺ قال: "من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار", وقال: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". فالمكذب لهم في روايتهم إنما يحكم عليهم بأنهم يتقحمون في النار تقحما، وإنهم لم يكونوا على شيء من الخلق أو الدين, فإن الكذب من أكبر الكبائر، ثم هو من أسوأ الأخلاق وأحطها, ولن تفلح أمة يفشو فيها الكذب, ولو كان في صغائر الأمور فضلا عن الكذب في الشريعة, وعلى سيد الخلق وأشرف المرسلين, وقد كان أهل الصدر الأول من

стр. 89

المسلمين -في القرون الثلاثة الأولى- أشرف الناس نفسا, وأعلاهم خلقا, وأشدهم خشية لله, وبذلك نصرهم الله وفتح عليهم الممالك وسادوا على كل الأمم والحواضر في قليل من السنين بالدين والخلق قبل أن يكون بالسيف والرمح"١. أقول: ولن يؤمن بهذه الأكذوبة وبهذا التجني الآثم إلا رجل ألغى عقله وكفر بقواعد البحث العلمي الصحيح, وأهمل الخصائص الدينية والخلقية والنفسية التي تمثلت أقوى ما تكون في هؤلاء السلف الصالح: أهل القرون الثلاثة الفاضلة.

стр. 90

" مناهج المحدثين في التأليف ": وقد سلك المحدثون في تأليفاتهم مسالك مختلفة منها ما أشرنا إليه فيما سبق ومنها ما لم نشر إليه, وإليك أشهر مناهجهم في التأليف: ١- أجودها تصنيفة على الأبواب الفقهية. بأن يذكر في كل باب ما ورد فيه من أحاديث, فالجامع بينها وحدة الموضوع, وأصحاب هذا المنهج منهم من يقتصر على الصحيح كأصحاب الكتب الصحاح, وعلى رأس هؤلاء صاحبا الصحيحين: البخاري والمسلم. ومنهم من يجمع بين الصحيح والحسن والضعيف كأصحاب السنن: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ونحوها كشعب الإيمان للبيهقي, و"البعث والنشور" له, وهؤلاء الجامعون بين الصحيح وغيره منهم من يبين كل نوع ويميزه عن الآخر ومنهم من لم يبين ويكتفي بإخراج الحديث بسنده اعتماده على نقد القارئ له, ومعرفة درجته عن طريق النظر في سنده. ٢- التأليف على المسانيد بأن يجمع في ترجمة كل صحابي ما عنده من حديث صحيحا أو حسنا أو ضعيفا من غير أن يكون بينها وحدة.

стр. 91

في الموضوع فقد يذكر حديث في الصلاة بجانب حديث في الزكاة بجانب حديث في البيوع وهكذا فالوحدة في كتب المسانيد هي وحدة الصحابي. وقد اختلف في أول من ألف على المسانيد فقيل: نعيم بن حماد, وقيل أسد بن موسى, وقيل عبيد الله بن موسى العبسي, وأبو داود الطيالسي١ وقيل غير ذلك, وأصحاب هذه الطريقة منهم من يرتب الصحابة على حسب السوابق في الإسلام فيبدأ بالعشرة المبشرين بالجنة, ثم أهل بدر ثم أهل الحديبية, ثم المهاجرين بينها وبين الفتح, ثم من أسلم يوم الفتح ثم أصاغر الصحابة سنا كالسائب بن يزيد وأبي الطفيل عامر بن واثلة ثم بالنساء بادئا بأمهات المؤمنين وذلك كما صنع الإمام الجليل أحمد في مسنده. ومنهم من رتب على القبائل فبدأ ببني هاشم, ثم بالأقرب نسبا إلى رسول الله ﷺ . ومنهم من رتب على حسب حروف المعجم كما فعل الطبراني في المعجم الكبير فإنه رتب الصحابة فيه على حسب حروف المعجم. ٣- وهنالك طريقة سلكها ابن حبان في صحيحه فقد رتبه على الأوامر والنواهي والأخبار والإباحات وأفعال النبي ﷺ . ونوع كل نوع من هذه الأنواع الخمسة إلى أنواع وسمى كتابه "التقاسيم والأنواع" وهي طريقة مشكلة معقدة لا يسهل الكشف بها على الحديث.

стр. 92

٤- ومن أحسن المناهج في التأليف تصنيف معللا بأن يجمع في لك حديث أو باب طرق واختلاف رواته, فإن معرفة العلل أجل أنواع الحديث وأدقها, والأولى جعله على الأبواب ليسهل تناوله وذلك كما فعل ابن أبي حاتم الرازي. وقد صنف الإمام يعقوب بن شيبة مسندا معللا فلم يتم, قيل ولم يتم مسند معلل قط وقد صنف بعضهم مسند أبي هريرة معللا في مائتين جزء. ٥- ومن طرق التأليف جمعه على الأطراف وذلك بأن يذكر طرف الحديث١ الدال على بقيته ويجمع أسانيده إما مستوعبا لجميع الكتب أو مقيدا بكتب مخصوصة كأطراف الصحيحين للحافظ إبراهيم بن محمد الدمشقي المتوفى سنة إحدى وأربعمائة "٤٠١هـ", وكتاب "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" للحافظ أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي الدمشقي المتوفى سنة اثنين وأربعين وسبعمائة، جمع فيه أطراف الكتب الستة على مسانيد الصحابة، وقد طبع أخيرا بالهند، وعليه كتاب "النكت الظراف على الأطراف" للحافظ ابن حجر، وقد أشرف على طبعه السيد عبد الحميد شرف الدين الهندي. وكتاب "إتحاف المهرة بأطراف العشرة" للحافظ ابن حجر المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وقد جمع فيه أطراف الكتب الآتية: ١- الموطأ. ٢- ومسند الشافعي. ٣- ومسند أحمد. ٤- ومسند الدارمي. ٥- وصحيح ابن خزيمة. ٦- والمنتقى لابن الجارود. ٧- وصحيح ابن حبان. ٨- ومستدرك الحاكم. ٩- ومستخرج أبي عوانة. ١٠- وشرح معاني الآثار. ١١- وسنن الدارقطني. وإنما زاد العدد واحدا، لأن صحيح ابن خزيمة

стр. 93

لم يوجد منه سوى قدر ربعه" هكذا في "لحظ الألحاظ ذيل تذكرة الحفاظ"١. ٦- ومنها أنهم يجمعون حديث الشيوخ, كل شيخ على حدة؛ كمالك وسفيان وغيرهما وذلك كحديث الأعمش للإسماعيلي, وحديث الفضيل بن عياض للنسائي وغيرهما. ٧- ومنها أنهم يجمعون الأحاديث على التراجم المشهورة, كمالك عن نافع عن ابن عمر وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. ٨- ومنها أنهم يجمعون على الأبواب. بأن يفرد كل باب على حدة بالتصنيف "كرؤية الله تعالى" أفرده الآجري, و"رفع اليدين في الصلاة" و"القراءة خلف الإمام" أفردهما البخاري و"النية" أفردها ابن أبي الدنيا و"القضاء بالشاهد واليمين" أفرده الدارقطني و"القنوت" أفرده ابن منده و"البسملة" أفرده ابن عبد البر وغيره. ٩- ومنها أنهم يجمعون الطرق -الأسانيد- لحديث واحد كطريق حديث: "من كذب عليّ معتمدا ... " للطبراني, وطرق حديث "الحوض" للضياء المقدسي وغير ذلك.

стр. 94

" شروط الراوي في الإسلام ": أجمع العلماء المسلمون قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول أن الراوي لا تقبل روايته إلا إذا اجتمع فيه صفتان: ١- العدالة. ٢- والضبط. وكذلك اتفقوا على ذلك في الشاهد, فما هي العدالة؟ وما هو الضبط؟

стр. 95

١- العدالة١. ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة, والتقوى هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات, أما المروءة فهي آداب نفسانية تحمل صاحبها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات. والعدل: هو المسلم البالغ العاقل الخالي من أسباب الفسق وخوارم المروءة, وإنما شرطنا الإسلام لأن الباب باب الدين, والكافر يسعى دائما في هدمه فلا يقبل قوله في أموره. وشرطنا البلوغ والعقل لأنها مناط التكليف, إذ الصبي لا يتحرج من الكذب والمجنون لا يعي ما يقول, والمراد بالسلامة من أسباب الفسق أن يكون معروفا بالتقوى فلا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة٢, ولا يكون مبتدعا؛ لأن من شأن المبتدع أن يميل مع هواه, ويسعى في نصرة مذهبه, ومثل هذا لا يؤمن عليه الكذب والاختلاق في سبيل تأييد مذهبه وبدعته, ولذلك رد بعض العلماء رواية المبتدع مطلقا أي سواء كان داعية إلى بدعته أم لم يكن, وفصل بعضهم بين أن يكون داعية إلى بدعته أو لا, فردوا رواية الأول, وقبلوا رواية الثاني, وهذا هو مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء, كما قال ابن الصلاح, وهو أعدل المذاهب وأولاها بالقبول, فكثير من المبتدعة غير الدعاة قد احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما؛ لأن غير الداعية له من دينه الذي يحرم عليه الكذب ومن صلاحه واستقامته على الشرح ومروءته ما يحول بينه

стр. 96

وبين التزيد والاختلاق. نعم إن روى المبتدع غير الداعية ما يؤيد بدعته فروايته مردودة لاحتمال التهمة. أما ما يخل بالمروءة فقسمان: ١- الصغائر الدالة على الخسة كسرقة شيء حقير كرغيف مثلا. ٢- المباحات التي تسبب الاحتقار, وتذهب بالكرامة, وذلك كالبول في الطريق وفرط المزاح الخارج عن حد الاعتدال. وقد مثل العلماء في باب الشهادة والرواية لذلك أيضا بالمشي عاري الرأس والأكل على قارعة الطريق. وفي الحق أن هذه الأمور التي تخل بالمروءة ترجع إلى العرف, والأعراف تختلف في هذا, ولو أخذنا بهذين الأخيرين لتعذر وجود شاهد اليوم فإنه لا يكاد أحد يغطي رأسه اليوم, وكثير من الناس يأكل في الطريق للضرورة لزحمة العمل وضيق الوقت, فمن ثم لا نرى أن هذين يخلان بالمروءة أما البول في الطريق وفرط المزاح فلا يزالان من صفات المستهترين وإنما لا تقبل شهادة ولا رواية من أخل بالمروءة لأن الإخلال بها إما لخبل في العقل أو نقصان في الدين أو لقلة الحياء, وكل ذلك رافع للثقة بقوله.

стр. 97

الفرق بين عدل الرواية والشهادة: ولا يشترط في عدل الرواية العدد ولا الذكورة ولا الحرية ولا البصر, فيقبل خبر الواحد والمرأة، والعبد، والأعمى, وكذا المحدود في قذف إذا تاب وإن لم تقبل شهادته عند بعض الأئمة١.

стр. 98

والفرق بين الرواية والشهادة أن الشهادة اعتبر فيها معانٍ أخرى تتوقف عليها منها: التمييز بين الأشياء، والإشارة إلى المشهود به وعليه. وهذا لا يمكن مع العمى, وقال رسول الله ﷺ : "على مثل الشمس فاشهد". وأما العبد والمرأة فلأن الشهادة من باب الولاية, فإن الشاهد سيلزم المشهود عليه المشهود به, ولا ولاية لهما على غيرهما لانتقاصها بالأنوثة وانعدامها بالرق, وأما الإخبار بالحديث فليس من باب الولاية؛ لأن الناقل لا يلزم المنقول إليه شيئًا بل الحكم المستفاد من الحديث يلزم المنقول إليه بالتزامه الشريعة. وأما المحدود في قذف فلأن رد شهادته عند من يرى ذلك من تمام حده وقد ثبت ذلك بالنص, وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥] فبعد التوبة لا تقبل شهادته, ويقبل حديثه بناء على عدالته حينئذ لزوال اسم الفسق عنه، وذلك لأنهم يجعلون الاستثناء عائدًا على الأخير وهو الفسق لا على رد الشهادة كما ذكرنا وأيضًا فلو اشترط لقبول الرواية الذكورة أو الحرية أو العدد لتعطلت أحكام كثيرة, فقد رويت أحاديث كثيرة في الأحكام والآداب عن أمهات المؤمنين وغيرهن, وكثير منها مروي عن الموالي والمماليك كعكرمة مولى ابن عباس, ونافع مولى ابن عمر, وبلال الحبشي, وصهيب الرومي وغيرهم وكثير من الأحاديث مروية بطريق الآحاد ولم ترد إلا من طريق واحد فقط وبذلك ظهرت الحكمة في الفرق بين عدل الرواية وعدل الشهادة.

стр. 99

هل العدالة تتفاوت؟: جمهور العلماء على أن العدالة لا تقبل الزيادة والنقصان فهي كالإيمان عند من يقول بعدم قبوله ذلك. والصحيح أن العدالة كالضبط تقبل الزيادة والنقصان والقوة والضعف وقد أشار إلى ذلك علماء الأصول في باب الترجيح في الأخبار وصرح به العلامة نجم الدين سليمان الطوفي في "شرح الأربعين" حيث قال: "إن مدار الرواية على عدل الراوي وضبطه, فإن كان مبرزا فيهما كشعبة وسفيان ويحيى القطان ونحوهم فحديثه صحيح, وإن كان دون المبرز فيهما أو في أحدهما لكنه عدل ضابط بالجملة فحديثه حسن", وهذا هو أجود ما قيل في هذا المكان. واعلم أن العدالة والضبط إما أن ينتفيا في الراوي, أو يوجد فيه العدالة وحدها أو الضبط وحده, فإن انتفيا فيه لم يقبل حديثه أصلا, وإن اجتمعا فيه قبل وهو الصحيح المعتبر, وإن وجدت فيه العدالة دون الضبط قبل حديثه لعدالته وتوقف فيه لعدم ضبطه حتى يوقف على شاهد منفصل يجبر ما فات من صفة الضبط, وإن وجد فيه الضبط دون العدالة لم يقل حديثه لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية, ثم إن كل واحد من العدالة والضبط له مراتب: عليا, ووسطى, ودنيا. ويحصل بتركيب بعضها مع بعض مراتب للحديث مختلفة في القوة والضعف وهي ظاهرة مما ذكرناه١. ولعل الذي أوجب خفاء تفاوت العدالة عند بعض العلماء أنهم رأوا أن أئمة الحديث قلما يرجعون بها, وإنما يرجحون بأمور تتعلق بالضبط, وسبب ذلك أنهم رأوا أن الترجيح بزيادة العدالة ربما يوهم الناس أن الراوي الآخر غير عدل فيسوء به ظنهم, ويشكون في سائر ما يرونه.

стр. 100

وقد فرض أنه عدل ضابط. وقد زعم بعض العلماء عدم تفاوت الضبط أيضا, وقد رد عليه بعضهم بقوله: لا شك في تحقق تفاوت مراتب العدالة والضبط في العدول الضابطين من السلف والخلف وقد وضح ذلك حتى صار كالبدهي وهذه المسألة لها نظائر لا تحصى قد غلط فيها كثير ممن له موقع عظيم في النفوس فإنهم يذهلون عن بعض الأقسام, فتراهم يقولون: الراوي إما عدل أو غير عدل, وكل منهما إما ضابط أو غير ضابط, غير ملاحظين أن العدالة والضبط مقولان بالتشكيك, فينبغي الانتباه لذلك فإنه ينحل به كثير من المشكلات١. بم تثبت العدالة؟ ١- تثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة, فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم, وشاع الثناء عليه بها كفى في عدالته, ولا يحتاج مع ذلك إلى معدل ينص عليها، وذلك كالأئمة مالك والسفيانين: سفيان الثوري, وسفيان بن عيينة. والأوزاعي, والشافعي وأحمد بن حنبل, والليث بن سعد, وشعبة, وابن المبارك, ووكيع بن الجراح, ويحيى بن معين, وعلي بن المديني ﵏ ومن جرى مجراهم في نياهة الشأن، واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء، وإنما يسأل عمن خفي أمره. وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه فقال: "مثل إسحاق يسأل عنه؟ ", وهي كلمة لها معناها ومغزاها. وسئل يحيى بن معين عن أبي عبيد القاسم بن سلام فقال: "مثلي يسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد يسأل عن الناس".

стр. 101

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: "الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة، والرضا، وكان أمرهما مشكلا ملتبسا، ومجوزا فيهما العدالة وغيرها"، قال: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سيرهما، واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة. ٢- وتثبت العدالة أيضا بتنصيص عالمين عليها، أو واحد على الصحيح، ولو بروايته عنه في قول١. ٣- وتوسع الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري القرطبي في ثبوت العدالة فقال ما توضيحه: "كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه" ووافقه على هذا ابن المواق من المتأخرين لقوله ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" , رواه من طريق العقيلي من رواية معان -بضم الميم- ابن رفاعة السلامي٢ عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرفوعا، وقوله هذا غير مرضي والحديث الذي استدل به من الطريق الذي أورده مرسل٣، أو معضل٤، وإبراهيم الذي أرسله قال فيه ابن القطان: "لا نعرفه البتة" ومعان أيضا وثقه علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، قال ابن القطان: "وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره", وهذا الحديث قد توسع في الكلام عليه الإمام العراقي "في التقييد والإيضاح" بما لا مزيد عليه من ناحية سنده ومتنه. أما من ناحية سنده فقال: "لقد ورد هذا الحديث مفصلا من رواية

стр. 102

علي، وابن عمر، وابن عمرو، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء، وليس فيها شيء يقوي المرسل ... إلى آخر ما قال". وأما من ناحية متنه فقال: "ثم على تقدير ثبوته إنما يصح الاستدلال به لو كان خبرا أي متمحضا للخبرية، ولا يصح على الخبر لوجود من يحمل هذا العلم وهو غير عدل وغير ثقة١ فلم يبق له محمل إلا على الأمر٢ ومعناه أنه أمر للثقات بحمل هذا العلم لأن العلم إنما يقبل عنهم، والدليل لذلك أن في بعض طرقه عند ابن أبي حاتم: "ليحمل هذا العلم" بلام الأمر. أقول: وإذا حملناه على الأمر فقد عرا عن أن يكون دليلا لما ذهب إليه ابن عبد البر ولا يقال: لم لا يصير هذا الحديث حسنا بتعدد الطرق؟ لأنا نقول: إن الضعيف قسمان: ١- ضعيف ينجبر بتعدد الطرق كما إذا كان ضعفه محتملا. ٢- وضعيف لا ينجبر فيما إذا كان غير ذلك وهذا من الثاني، والله أعلم٣. ٢- الشرط الثاني: الضبط: وهو إتقان ما يرويه الراوي بأن يكون متيقظا لما يروي، غير مغفل٤ وذلك بأن يكثر صوابه على خطئه وغفلته، حافظا لروايته إن حدث من حفظه ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه، عالما بما يحيل المعنى عن المراد إن روى بالمعنى حتى يثق

стр. 103

المطلع على روايته، والمتتبع لأحواله بأنه أدى الأمانة كما تحملها لم يغير منها شيئا. والضبط ينقسم إلى قسمين: ١- ضبط صدر: وهول أن يحفظ ما سمعه في صدره من جهة تحمله إلى وقت أدائه بحيث يتمكن من استحضاره، متى شاء، مع المحافظة على اللفظ إن كان ذاكرا له، مستكملا لشروط الرواية بالمعنى، إن روي بالمعنى. ٢- ضبط كتاب: وهو أن يصون كتابه الذي تحمل الحديث فيه من وقت تحمله إلى وقت أدائه بحيث يأمن عليه من التغيير والتبديل، والزيادة والنقصان، وإذا أعاره إلى أحد لا يعيره إلا لرجل مؤتمن. وضبط الصدر مجمع على قبول الرواية به، وأما ضبط الكتاب فخالف في قبول الرواية بعض الأئمة الكبار كأبي حنيفة وأبي عبد الله مالك رحمه الله تعالى١. تفاوت الضبط: وتتفاوت مراتب الضبط بحسب تفاوت الرواة في الحفظ والتيقظ وعدم الغفلة والسهو إن روى من حفظه, وبمقدار ضبطه لكتابه وصيانته له إن روى من كتابه, وبمقدار علمه بمعنى ما يرويه, وبما يحيل المعنى عن المراد إن روى بالمعنى. "بم يعرف الضبط؟ ": ويعرف ضبط الراوي بمقارنة مروياته بمرويات الثقات المتقنين

стр. 104

الضابطين وقياسها بمقياس حديثهم, فإن وافقهم في روايتهم غالبا ولو من حيث المعنى فهو ضابط ولا تضر مخالفته لهم النادرة, فإن كثرت مخالفته لهم, وندرت الموافقة اختل ضبطه ولم يحتج بحديثه١. وإذا أثبت عدالة الراوي وضبطه ثبت أنه ثقة تجب الطمأنينة إليه، وترجح جانب صوابه على جانب خطئه, وليس بعد تحقق الطمأنينة وترجح جانب الصواب من الراوي إلا قبول روايته, وبعد تحقق العدالة والضبط وشروطهما يصير احتمال الكذب أو الغلط من الراوي احتمالا بعيدا جدا إن لم يكن غير ممكن, بل هو لا يعدو أن يكون أمرا جائزا جوازا عقليا، وبالعدالة والضبط يحوز الراوي درجة القبول. ويتهيأ مرويه للنظر فيه, ويتأهل إسناده للبحث عنه. فإذا قبل الراوي ينظر للمروي هل توفرت فيه شروط القبول؟ وهي: السلامة من الشذوذ ومن العلة، وذلك بألا يخالف الثقة من هو أوثق منه فيما رواه, وبأن يسلم المروي من قادح خفي تظهر السلامة منه, فإذا تخطى المروي هذه العقبة فإنه ينظر للرواية. فإذا تحقق اتصال الإسناد وسلامته من الخلل وانتفى عنه التعليق والإرسال والانقطاع والإعضال والتدليس والاضطراب ومخالفة الأرجح عددا أو صفة كان المتن أهلا للقبول, وترجحت نسبته إلى من عزي إليه ترجحا قويا يكاد يصل عند أهل هذا الفن المتمرسين فيه, والذين اكتسبوا ملكة النقد بمزاولته إلى حد العلم واليقين. وهكذا يظهر لنا جليا أن الشروط التي وضعها المحدثون للراوي والمروي والرواية يوجب الثقة والطمأنينة إلى الراوي والمروي, وأنها تمثل أدق الأصول في النقد وأوفاها وأرقاها, وأن علم الرواية في الإسلام من مفاخر الأمة الإسلامية.

стр. 105

" التحمل والأداء وشروطهما ": الرواية لا بد فيها من تحمل وأداء فما هو التحمل؟ وما هو الأداء؟ التحمل: هو نقل الحديث عن الغير بأي طريق من طرق التحمل الصحيحة المعتبر وهذا الغير يسمى في عرف المحدثين شيخا. شرطه: لا يشترط في التحمل إلا التمييز والضبط لما يروي ويسمع, وحدد المحدثون أول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس سنين, وعلى هذا استقر العمل بين أهل الحديث وأئمته, واحتجوا لهذا بما رواه البخاري في صحيحه عن محمود بن الربيع قال: "عقلت من النبي ﷺ حجة حجها في وجهي من دلو, وأنا ابن خمس سنين" وأما من دون هذا السن فيقولون: له حضور والصواب: أن العبرة بالتمييز والضبط, فقد يكون ابن أربع وهو مميز ضابط وقد يكون ابن سبع وهو ليس كذلك١. وعلى هذا يجوز التحمل من الصبي المميز, ولكنه لا يؤدي إلا بعد البلوغ كحديث محمود بن الربيع هذا ويجوز التحمل من الكافر ولكنه لا يؤدي إلا بعد الإسلام، وذلك كقصة أبي سفيان بن حرب مع هرقل حينما استدعاه لما بلغه كتاب النبي ﷺ بدعوته إلى الإسلام وسؤاله عنه٢ فقد تحملها وهو كافر, ولكنه أداها بعد إسلامه. الأداء: الأداء هو رواية الحديث للغير, وهذا الغير يعرف عنه المحدثين بطالب الحديث. شروطه: وأما شروط الأداء فهي العدالة والضبط بأن يكون مسلما بالغا عاقلا سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة حافظا لحديثه إن أدى من صدره ولكتابه إن حدث منه عالما بمدلولات الألفاظ. وبما

стр. 106

يحيل -يغير- المعاني إن روي بالمعنى على ما فصلنا في شروط الراوي. "طرق التحمل والأداء": للتحمل طرق وكيفيات مخصوصة, وهي على ما ذكرها ابن الصلاح وغيره ثمانية, وعلى من تحمل بطريق من هذه الطرق أن يعبر بصيغة تدل على ذلك الطريق الذي تحمل به ويسميها المحدثون "صيغ الأداء". الطريق الأول: السماع من لفظ الشيخ بأن يكون الشيخ يقرأ الحديث والطالب يستمع, وسواء في هذا أكان الشيخ يحدث من حفظه أم من كتابه وسواء أكان مع إملاء أم من غير إملاء, وهذا القسم أعلى أنواع التحمل عند الجمهور سلفا وخلفا, ويجوز السماع من وراء حجاب إذا عرف صوته, فقد أمر النبي ﷺ بالاعتماد على سماع صوت ابن أم مكتوم في الصيام في حديث "إن بلالا يؤذن بليل, فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم", رواه البخاري ومسلم مع غيبة شخصه عمن يسمعه, وأيضا فقد كان الصحابة والتابعون يروون عن أمهات المؤمنين من وراء حجاب. صيغ الأداء: وصيغ الأداء عن هذا الطريق: سمعت أو سمعنا, حدثني أو حدثنا١ أخبرني أو أخبرنا سماعا منه, أنبأني أو أنبأنا سماعا منه. أما إطلاق الإخبار والإنباء فالبعض يجيزه والبعض لا يجيزه كما ستعلم عن كثب, قال الخطيب البغدادي: "أرفع العبارات سمعت ثم حدثنا وحدثني, فإنه لا يكاد أحد يقول: سمعت في الإجازة والمكاتبة.

стр. 107

ولا في تدليس ما لم يسمعه بخلاف حدثنا, فإن بعض أهل العلم كان يستعملها في الإجازة, ثم أخبرنا وأنبأنا". وهذا كان قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشيخ وأنبأنا بالإجازة منه. وقال ابن الصلاح "حدثنا وأخبرنا أرفع من جهة أخرى, إذ ليس في سمعت دلالة على أن الشيخ رواه الحديث, أي قصده بالرواية بخلافها١ وهو اختلاف في الأنظار تبعا للاختلاف في الاعتبار. الطريق الثاني: "القراءة على الشيخ" وأكثر المحدثين يسمونها عرضا من حيث أن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يعرض القرآن على المقرئ. وسواء في هذا النوع أن يكون الطالب هو القارئ, أم كان القارئ غيره وهو يسمع, وسواء قرأ من كتاب أو من حفظه, وسواء أكان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه أو لا يحفظ ولكن يمسك أصله٢ هو أو ثقة غيره. زاد العراقي: وكذا إن كان ثقة من السامعين يحفظ ما قرئ وهو مستمع غير غافل وقال الحافظ ابن حجر: ينبغي ترجيح الإمساك في الصور كلها على الحفظ لأنه خوان ولا يشترط أن يقر الشيخ بما قرئ عليه نطقا بل يكفي سكوته في إقراره عليه عند الجمهور, وخالف في هذا بعض الشافعية والظاهرية وقالوا: لا بد من نطقه والصحيح الأول. "الرواية بهذا الطريق" والرواية عن الشيخ بالقراءة عليه رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك إلا ما حكي عن بعض السلف من العلماء المتشددين كوكيع, وأبي عاصم النبيل, ومحمد بن سلام.

стр. 108

قال الحافظ ابن حجر في الفتح "وقد انقرض الخلاف في كون القراءة على الشيخ لا تجزئ وإنما يقول بذلك بعض المتشددين من أهل العراق"١ وحكي القول بصحتها عن الجماهير من الصحابة والتابعين ومنهم الفقهاء السبعة ومنهم الأئمة الأربعة وغيرهم. الدليل عليها: وقد استدل الحميدي ثم البخاري على ذلك بحديث ضمام بن ثعلبة لما أتى النبي ﷺ فقال له: أنا سائلك فمشدد عليك, فلا تجد عليّ في نفسك فقال له: "سل عما بدا لك" فقال: أسألك بربك ورب من قبلك: آلله أرسلك إلى الخلق كلهم؟ قال: "اللهم نعم" , ثم سأله عن شرائع الإسلام من صلاة وصيام وزكاة فلما فرغ, قال: آمنت بما جئت به, وأنا رسول من ورائي. فلما رجع إلى قومه اجتمعوا إليه فأبلغهم فأجازوه أي قبلوا منه. رواه البخاري ومسلم٢ وأسند البيهقي في المدخل عن البخاري قال: قال أبو سعيد الحداد عندي خبر النبي ﷺ في القراءة على العالم فقيل له. وما هو؟ قال قصة ضمام: آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" وقد عقد البخاري لذلك بابًا في صحيحه من كتاب العلم وهو "باب القراءة والعرض على المحدث". منزلتها مما قبلها: وقد اختلف في مرتبتها بالنسبة لما قبلها, فقيل: هما سواء وحكى هذا عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة ومعظم علماء الحجاز والكوفة, والبخاري وغيرهم. وقيل: إنها أعلى من السماع, وحكى هذا عن الإمام أبي حنيفة وغيره, ورواية عن الإمام مالك, واعتلوا بأن الشيخ لو غلط لم يتهيأ للطالب الرد عليه بخلاف ما لو غلط الطالب فإن الشيخ يرد عليه.

стр. 109

وقيل: إنها تلي السماع في المرتبة وهو الصحيح, وعليه جمهور علماء أهل المشرق وذلك لأن الشيخ وهو يقرأ يكون متيقظا لما يقرأ, ويبعد عليه السهو بخلافه وهو يسمع فقد يسهو أو يغفل. صيغ الأداء: وصيغ الأداء عن هذا الطريق: قرأت على فلان أو قرئ على فلان وأنا أسمع أو "أخبرني بقراءتي" أو "أخبرنا قراءة عليه وأنا أسمع" أو "حدثني بقراءتي عليه" أو "حدثنا قراءة عليه وأنا أسمع". وأما إطلاق "حدثنا" و"أخبرنا" فمنع منه جماعة منهم أحمد بن حنبل والنسائي, وجوزهما طائفة، وهو مذهب الزهري ومالك والبخاري وجماعات من المحدثين ومعظم الحجازيين والكوفيين, وقد عقد البخاري لذلك كتابا في صحيحه من كتاب العلم فقال: "باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا" ذهابا منه إلى أنهما بمعنى, واستدل لذلك بحديث النبي ﷺ : "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها, وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ ... " الحديث. وفي رواية بلفظ "أخبروني" وفي رواية الإسماعيلي "أنبئوني". وفصلت فرقة فأجازت إطلاق "أخبرنا" ومنعت من إطلاق "حدثنا" وهو مذهب الشافعي وأصحابه, ومسلم بن الحجاج, وجمهور أهل المشرق وقيل إنه مذهب أكثر المحدثين, وصار الفرق هو الشائع الغالب على أهل الحديث, وادعاء الفرق بينهما من حديث اللغة تكلف شديد, لكن لما تقرر الاصطلاح صار ذلك حقيقة عرفية, فتقدم على الحقيقة اللغوية١ وأصحاب هذا المذهب يخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ, والإخبار بما يقرأ عليه ثم أحدث أتباعهم تفصيلا آخر: فمن سمع وحده من الشيخ قال: "حدثني" ومن سمع مع غيره قال: "حدثنا"

стр. 110

ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال: "أخبرني"١ ومن سمع وغيره يقرأ قال: "أخبرنا". وكذلك خصص المتأخرون "الإنباء" بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه فإن أجازه وحده قال: "أنبأني" وإن أجازه وغيره قال: "أنبأنا".
следующие страницы →