أوضح، وأما الهمزة المفتوحة في أول الكلمة فتكتب فوق الألف اتفاقًا هكذا "أَ".
وإذا كان له اصطلاح خاص في كتابه فلينبه إليه أول الكتاب أو آخره، حتى لا يوقع غيره في حيرة في فهم مراده، وينبغي أنه يعتني لضبط مختلف الروايات وتمييزها، والإشارة في الحاشية إلى ما ليس في صلب كتابه من زيادات أو مغايرة معينًا في كل ذلك من رواه لا رامزًا له، إلا أن يبين المراد بالرمز أول الكتاب أو آخره.
"المسألة الثالثة" ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة هكذا "هـ" والمستحب أن تكون غفلا١، فإذا قابل كتابه نقط وسط الدائرة، أو خط في وسطها خطا ليعلم أين وصل في المقابلة؟
ويكره في مثل: عبد الله بن فلان، وعبد الرحمن بن فلان، وكذا كل اسم مضاف إلى الله ﵎ كتابه "عبد" آخر السطر، واسم "الله" مع "ابن فلان" أول السطر الآخر، وأوجب اجتناب مثل ذلك ابن بطة، والخطيب، ووافق ابن دقيق العيد على أن ذلك مكروه لا حرام.
أقول: وما قاله تقي الدين ابن دقيق العيد متجه، لأن العبرة بالنية والقصد، لا بالكتابة والخط.
وكذا يكره أن يكتب كلمة "رسول" آخر السطر، و"الله ﷺ " أوله وكذا ما أشبهه من الموهمات والمستشنعات كان يكتب "قاتل" من قوله ﷺ : "قاتل ابن صفية في النار" في آخر السطر و"ابن صفية في النار" في أوله السطر الآخر، أو يكتب "فقال" من قوله ﷺ في حديث شارب الخمر: فقال عمر: "أخزاه الله ما أكثر ما يؤتي به", آخر السطر، وعمر وما بعده أول السطر التالي.
ولا يكره فصل المتضايفين إذا لم يكن فيه مثل ذلك مثل:
стр. 142
سبحان الله العظيم، بأن يكتب "سبحان" آخر السطر، ويكتب: الله العظيم أول السطر التالي مع أن جمعهما في سطر واحد أولى، وكل هذا يدل على غاية التحوط والبعد عن الإيهام، ورعاية غاية الذوق وشفافية الحس من المحدثين.
"المسألة الرابعة" ينبغي المحافظ على الثناء على الله سبحانه بما هو أهله كعز وجل وتبارك وتعالى، ونحوه مثل ﷻ ، أو تقدست ذاته، أو تقدست صفاته وإن لم يكن في الأصل لأنه يقصد به الثناء لا الرواية.
وكذا ينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ كلما ذكر سواء أذكر باسمه أم بصفته، ولا يسأم من تكراره فإن من أغفله حرم حظا عظيما وثوابا جزيلا فقد قيل في قوله ﷺ : "إن أولى الناس بي أكثرهم عليّ صلاة" صححه ابن حبان: إنهم أهل الحديث لكثرة ما يتكرر ذكره في الرواية فيصلون عليه. أقول: والأحاديث الصحيحة والحسنة في فضل الصلاة والسلام عليه ﷺ كلما ذكر متكاثرة١ وأما الحديث الذي يورده البعض في هذا المقام وهو حديث: "من صلى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب", فقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وعارضه السيوطي فقال: هو وإن كان ضعيفا فإن له طرقا تخرجه عن الوضع وتقتضي أن له أصلا في الجملة، وكذلك الحديث الذي يذكر في هذا عن أنس يرفعه: "إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث وبأيديهم المحابر فيرسل الله إليهم جبريل، فيسألهم: من أنتم؟ وهو أعلم فيقولون: أصحاب الحديث، فيقول: ادخلوا الجنة طالما كنتم تصلون على نبيي في دار الدنيا" وهذا الحديث رواه الخطيب، وقال: إنه موضوع والحمل فيه على الرقي قال:
стр. 143
السيوطي: له طريق غير هذه عن أنس أوردها الديلمي في مسند الفردوس وقد ذكرتها في "مختصر الموضوعات"١.
والحق أن في الأحاديث الصحيحة والحسنة ما يغني عن أحاديث مختلف فيه بالحكم بالوضع وعدمه، والإمام السيوطي يركب كل صعب وذلول في الحكم على بعض الأحاديث الموضوعة وبيان أن لها أصلا وينبغي أن يجمع عند ذكره ﷺ بين الصلاة عليه بلسانه، وكتابة ذلك ببيانه.
ثم إن كانت الصلاة والتسليم في الأصل الذي ينقل منه كتب ذلك بالاتفاق، فإن لم يكن بالأصل ففي كتابة ذلك خلاف: فالإمام أحمد بن حنبل لا يرى كتابه ذلك وكان يكتفي بالصلاة والتسليم نطقا، ومال إلى رأيه العلامة ابن دقيق العيد فقال: "ينبغي أن يتبع الأصول والروايات" وخالف الإمام أحمد غيره من المتقدمين فقالوا: لا يتقيد بالأصل بل يكتبه خطا, ويتلفظ به نطقا، لأنه دعاء لا كلام يرويه، واختار بعض المتأخرين ما ذهب إليه الإمام أحمد محافظة على الأصول القديمة، ومراعاة لغاية الدقة والأمانة في النقل"٢.
ويكره الاقتصار على الصلاة أو السلام في الكتابة، وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في "التقريب"٣ وفي "شرح صحيح مسلم"٤ وذلك لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٥ وقد اقتصر الإمام مسلم في مفتتح صحيحه على الصلاة، وهذا مما أنكر عليه ويكره أيضا الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين أو أكثر كمن يكتب "صلعم" أو "ص".
стр. 144
وكذلك ينبغي الترضي والترحم على الصحابة والعلماء، وسائر الأخيار، ولا يجوز استعمال ونحوه في النبي ﷺ ، وإن كان عزيزا جليلا، ولا يجوز الصلاة والسلام على الصحابة وغيرهم استقلالا، ويجوز على سبيل التبع له ﷺ .
"المسألة الخامسة": بعد إتمام نسخ الكتاب تجب مقابلته على الأصل المنقول منه أو على نسخة منقولة من الأصل مقابلة، أو مقابلته بأصل أضل الشيخ المقابل به أصل الشيخ لأن الغرض مطابقة كتابه لأصل شيخه فسواء حصل ذلك بواسطة أو غيرها، وهذا لتصحيح المنسوخ خشية سقوط شيء منه، أو وقوع خطأ في النقل، فقد روى ابن عبد البر وغيره عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي قالا: "من كتب ولم يعارض كمن دخل الخلاء ولم يستنج"١ وقال عروة بن الزبير لابنه هشام: "كتبت؟ قال: نعم قال: عرضت كتابك؟ قال: لا، قال: لم تكتب"، رواه البيهقي في المدخل، وقال الأخفش: "إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميا".
وذكر البلقيني أن في المسألة حديثين مرفوعين، أحدهما عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب الوحي عند النبي ﷺ فإذا فرغت قال: "اقرأ"، فأقرؤه فإن كان فيه سقط أقامه" ذكره المرزباني في كتابه.
ثانيهما ذكره السمعاني في "أدب الإملاء من حديث عطاء بن يسار قال: "كتب رجل عند النبي ﷺ فقال كتبت؟ قال: نعم قال: عرضت؟ قال: لا، قال: لم تكتب حتى تعرضه فيصح" قال: وهذا أصرح في المقصود إلا أنه مرسل لأن عطاء بن يسار تابعي.
قال السيوطي في "التدريب": الحديث الأول رواه الطبراني في
стр. 145
الأوسط بسند رجاله موثقون١ والأفضل أن يقابل الكاتب نسخته على الأصل مع شيخه الذي يروي عنه الكتاب إن أمكن، أو مع شخص آخر، أو يقابل بنفسه وحده كلمة كلمة، ورجحه أبو الفضل الجارودي فقال: أصدق المعارضة مع نفسك، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه فقال: "ولا تصح المقابلة مع أحد غير نفسه، ولا يقلد غيره" حكاه القاضي عياض عن بعض أهل التحقيق.
وقال ابن الصلاح: إنه مذهب متروك، والقول الأول أولى، وإذا لم يتمكن الناسخ من مقابلة نسخته بالأصل فيكتفي بأن يقابلها غيره في أي وقت كان.
ويستحب لمن يسمع من الشيخ أن يكون بيده نسخة يقابل عليها فإن لم يكن فينظر مع أحد الحاضرين في نسخته لا سيما إذا أراد النقل منها.
وذهب يحيى بن معين إلى اشتراط ذلك فقد روي أنه سئل عمن لم ينظر في الكتاب والمحدث يقرأ: هل يجوز أن يحدث بذلك؟ فقال: "أما عندي فلا يجوز، ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم" قال ابن الصلاح، وتابعه النووي: "والصواب الذي قال الجمهور أنه لا يشترط ذلك في صحة السماع".
أما إذا لم يعارض الراوي كتابه بالأصل ونحوه فذهب إلى جواز الرواية به أبو إسحاق الإسفراييني، وآباء بكر وهم الإسماعيلي، والبرقاني والخطيب، ولكن بشروط ثلاثة:
١- إن كان الناقل للنسخة صحيح النقل قليل السقط.
٢- وإن كان نقل من الأصل.
٣- وإن بين حال الرواية أنه لم يقابل كما كان يفعل البرقاني، فإنه روى أحاديث كثيرة قال فيها: "أخبرنا فلان ولم أعارض" وهذا غاية الأمانة في الرواية وذهب القاضي عياض إلى أنه لا يجوز له الرواية منه عند عدم
стр. 146
المقابلة، والصحيح الجواز وينبغي أن يراعي الطالب في كتاب شيخه مع من فوقه ما ذكرنا أنه يراعيه في كتابه١، وهو ما ذكره في هذه المسألة وهو أن يكون شيخه قد قابل نسخته بأصل شيخه وهكذا.
стр. 147
ذهب إليه البعض أن لا يكون مقبولا.
وأما إذا أراد أن يكتب شيئا بحاشية الكتاب على سبيل الشرح، أو بيان غلط، أو اختلاف في رواية، أو نسخة، أو نحوه فالمختار إن يرسم العلامة السابقة في وسط الكلمة التي يكتب عنها فتكون العلامة فوقها ليفرق بين التصحيح وبين الحاشية واختار القاضي عياض إن يضبب فوق الكلمة لئلا يلتبس ويظهر أنه من الأصل أقول: وفي عصورنا هذه بعد اكتشاف آلات الطباعة توضع الأرقام للحواشي فوق الكلمة إلى اليسار كما ترى في هذا الكتاب وغيره وهو أيسر وأسهل١.
ولا يكتب الحواشي في كتاب لا يملكه إلا بإذن مالكه، وأما الإصلاح فيه فجوزه بعضهم بدونه قياسا على القرآن والذي يترجح عندي أن يكون حكم الإصلاح متوقفا على إذن مالكه أيضا ومن هذا الأصل الحكيم لا يبيح نظام المكتبات العامة لأي طالب أو قارئ التغيير أو التصحيح أو الزيادة في أي كتاب وإلا شوهت الكتب وسودت، وقد يكون الطالب أو القارئ غير أهل للتصحيح ولا للتعليق، فيؤدي إلى مسخ الكتب وإفساد معانيها، ولا سيما إذا كان الكتاب مخطوطا.
"المسألة السابعة" من شأن المتقنين في النسخ والكتابة إن يضعوا علامات توضح ما يخشى إبهامه، وتسمى: التصحيح والتضبيب، أو التمريض فإذا وجد كلام صحيح معنى ورواية وهو عرضة للشك في صحته أو الخلاف كتب فوق علامة التصحيح هكذا "صح" وإذا وجد ما هو صحيح نقلا ولكنه فاسد لفظا أو معنى أو خطأ أو مصحف، أو ناقص كتب فوقه علامة "التضبيب" وتسمى أيضا: "التمريض" وهي
стр. 148
صاد ممدودة هكذا "صـ" ولكنه لا يلصقها بالكلام لئلا يظن أنه إلغاء له، وضرب عليه، وللتفرقة بين الصحيح، والسقيم، كتب على الأول لفظ كامل، وعلى الثاني حرف ناقص ليدل نقص الحرف على اختلاف الكلمة وتسمى أيضا "ضبة" لكون الحرف مقفلا بها لا يتجه لقراءة كضبة الباب مقفل بها١، وكذلك توضع علامة التضبيب على موضع الإرسال أو الانقطاع في الإسناد قال ابن الصلاح: ويوجد في بعض أصول الحديث القديمة في الإسناد الذي فيه جماعة معطوفة أسماؤهم بعضها على بعض علامة تشبه الضبة، وليست كذلك، وكأنها علامة وصل فيما بينها أثبتت تأكيدا للعطف خوفا من أن يظن أن العطف خطأ وأن الأصل "فلان عن فلان" والأحسن في مثل هذا أن توضع علامة التصحيح، وربما اقتصر بعض الناسخين من علامة التصحيح على الصاد فجاءت صورتها تشبه صورة التضبيب فلتنتبه لذلك٢.
وقد اصطلح المتأخرون في عصورنا هذه على كتابة كلمة "كذا" بعد ما هو خطأ في المعنى، ونحوه مع ثبوت النقل، ولا مشاحة في الاصطلاح والله أعلم وقد وقفت على أن لذلك أصلا في كلام العلماء السابقين كابن الجزري وغيره٣.
"المسألة الثامنة" إذا وقع في الكتاب المنسوخ ما ليس منه نفي منه إما بالضرب عليه، أو الحك بسكين ونحوها، أو بالمحو بماء ونحوه فيما إذا
стр. 149
كانت الكتابة في لوح، أو رق، أو ورق صقيل لا يتأثر بالطراوة، والأول أولى وأحسن لما في الآخرين من التهمة، ولأن ما بشر وبما يصح في رواية أخرى، أو يأتي غيره فيصححه فلو ضرب عليه يمكن للآخر أن يصححه.
والضرب له كيفيات عدة فالأكثرون على أن يخط فوق المضروب عليه خطا بينا يدل على إبطاله، ولا يطمسه، بل يمكن قراءاته بعد الضرب عليه، ويسمى هذا "الضرب" عند أهل المشرق، والشق١ عند أهل المغرب.
وبعضهم لا يخلط الضرب بالمضروب عليه، بل يكون فوقه منفصلا عنه، معطوفا طرفا الخط على أوله، وآخره هكذا
وبعضهم يكتب في أول الزائد من فوق "لا" أو "من" أو "زائد" وفي آخره من فوق أيضا كلمة "إلى" ليعرف القارئ الزيادة بالضبط، ونجد هذا كثيرا في الكتب المخطوطة القديمة.
وإذا كانت الزيادة بالتكرار فقد اختلف في طريقة الضرب: فقيل: يضرب على الثاني مطلقا، لأنه كتب على خطأ، وقيل: يبقى أحسنها صورة، وأبينها قراءة، ويضرب على الآخر.
وفصل القاضي عياض، فقال: إن كانت الكلمتان أول سطر ضرب على الثاني، أو آخره فعلى الأول صونا لأوائل السطور وأواخرها عن
стр. 150
الطمس وإن كانت الثانية أول سطر والأولى آخر سطر فعلى الأولى، فإن تكرر المضاف أو المضاف إليه، أو الموصوف، والصفة ونحوه فينبغي مراعاة اتصالهما بأن لا يضرب على المتكرر بينهما، بل على الأول في المضاف والموصوف، أو الآخر في المضاف إليه، والصفة وهو تفصيل حسن١.
"المسألة التاسعة" شاع بين المحدثين وغلب عليهم الاقتصار في الكتابة على الرمز في "حدثنا" و"أخبرنا" لتكررها كثيرا في الأسانيد، فيكتبون من حدثنا: الثاء، والنون، والألف هكذا "ثنا" وقد تحذف الثاء أيضا، ويقتصر على الضمير "نا" ويكتبون من أخبرنا: الهمزة والضمير هكذا "أنا" ولا تحسن زيادة الباء قبل النون، وإن فعله البيهقي وغيره لئلا تلتبس برمز حدثنا، وقد تزاد راء بعد الألف قبل النون هكذا "أرنا" أو خاء بعد الألف، وقبل النون هكذا "أخنا".
وقد تزاد أيضا دال أول رمز حدثنا فيكون هكذا "دثنا" وقد وجد ذلك في خط الحاكم أبي عبد الله، وأبي عبد الرحمن السلمي، والبيهقي.
"تنبيه" قال السيوطي: يرمز أيضا إلى حدثني، فيكتب "ثني" أو "دثني" دون أخبرني وأنبأنا، وأنبأني, يعني: فإنها لا يرمز لها.
وأما "قال" فقال العراقي: منهم من يرمز لها بقاف، ثم اختلفوا فبعضهم يجمعها مع رمز التحديث هكذا "قثنا" يريد: قال: حدثنا، قال: وقد توهم من رآه كذلك أنها الواو التي تأتي بعد حاء التحويل، وليس كذلك، وبعضهم يفردها هكذا "ق، ثنا" وهذا اصطلاح متروك٢.
стр. 151
"المسألة العاشرة" جرت عادة المحدثين أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، وجمعوا بينهما في متن واحد أن يكتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد آخر، حرف "ح" مفردة مهملة؛ ونجد هذا كثيرا في صحيح الإمام مسلم ويوجد قليلا في صحيح الإمام البخاري، ولم يأت من أحد بيان لأمرها فمن ثم اختلفت أقوال العلماء في المراد منها: فقيل: إنها رمز إلى "صح" ولهذا كتب جماعة من الحفاظ كأبي مسلم الليثي، وأبي عثمان الصابوني موضعها "صح".
قال ابن الصلاح: وحسن إثبات صح هنا لئلا يتوهم أنه حديث هذا الإسناد سقط، ولئلا يركب الإسناد الثاني على الإسناد الأول فيجعلا إسنادا واحدا.
وقيل: إنها للإشارة إلى التحويل أي الانتقال من إسناد إلى إسناد آخر.
وقيل: حاء من حائل لأنها تحول بين إسنادين قال ابن الصلاح: وسألت أنا الحافظ أبا محمد عبد القادر الرهاوي ﵀ عنها فذكر أنها حاء من حايل أي تحول بين الإسنادين.
وقيل: هي رمز إلى قولنا "الحديث" وأهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها الحديث، والأظهر أنها للتحويل من إسناد إلى إسناد آخر.
وقد ظهر لي من تتبع صنيع الأئمة، ولا سيما الإمام الجليل مسلم أنهم يلجئون إلى التحويل حينما يكون للحديث أكثر من إسناد واحد ويكون الإسنادان أو الأكثر متفقة في بعض الرواة، ومفترقة في البعض، فيذكر مواضع الافتراق ذاكرا حرف "ح" بين كل إسناد وآخر ثم بعد استيفاء الطرق بذكر موضع الاتفاق وللإمام الجليل مسلم دقائق، ولطائف في التحويلات اكتسبتها بدراساتي للكتاب أعوام أن كنت أقوم
стр. 152
بتدريسه وشرحه لطلاب الحديث في كلية أصول الدين، إحدى كليات الجامع الأزهر المعمور بالعلم والعلماء.
ولأجل هذا الاختلاف في المراد بحرف "ح" كان المختار -وهو اختيار الإمام ابن الصلاح- أن يقول القارئ عند الوصول إليها "حا" ويمر فإنه أحوط الوجوه وأعدلها والعلم عند الله تعالى١.
"المسألة الحادية عشرة" ينبغي في كتابة التسميع أن يكتب الطالب بعد البسملة اسم الشيخ المسمع، ونسبته وكنيته قال الخطيب: وصورة ذلك، حدثنا أبو فلان بن فلان الفلاني قال: حدثنا فلان، ثم يسوق المسموع على لفظه ويكتب فوق البسملة أسماء السامعين، وأنسابهم، وتاريخ وقت السماع أو يكتبه في حاشية أول ورقة من الكتاب أو آخر الكتاب، أو موضع آخر حيث لا يخفى منه، والأول أحوط.
قال الخطيب: وإن كان السماع في مجالس عدة كتب عند انتهاء السماع في كل مجلس علامة البلاغ، وينبغي أن يكون ذلك بخط ثقة معروف الخط ولا يحتاج حينئذ إلى كتابة الشيخ خطه بالتصحيح أي تصحيح السماع، ولا بأس أن يكتب سماعه بخط نفسه إذا كان ثقة كما فعله الثقات.
قال ابن الصلاح: وقد قرأ عبد الرحمن بن مندة جزءا على أبي أحمد الفرضي وسأله خطه ليكون حجة له، فقال له: يا بني عليك بالصدق فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد وتصدق فيما تقول: وتنقل، وإذا كان غير ذلك فلو قيل لك: ما هذا خط الفرضي فماذا تقول لهم؟
وعلى كاتب التسميع التحري في ذلك والاحتياط وبيان السامع، والمسمع، والمسموع بلفظ وجيز غير محتمل، ومجانبة التساهل فيما يثبته، والحذر من إسقاط بعضهم بغرض فاسد، فإن لم يحضر فله أن يعتمد في
стр. 153
حضورهم خبر ثقة حضر.
ومن يثبت في كتابه سماع غيره فقبيح به كتمامه إياه ومنعه نقل سماعه منه، أو نسخ الكتاب، فقد قال وكيع بن الجراح: أول بركة الحديث إعارة الكتب.
وقال سفيان الثوري: من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث:
١- أن ينساه.
٢- أو يموت ولا ينتفع به.
٣- أو تذهب كتبه.
قال السيوطي: وقد ذم الله تعالى في كتابه مانع العارية بقوله: "ويمنعون الماعون" وإعارة الكتب أهم من الماعون.
وإذا أعاره كتابه فلا يبطئ عليه بكتابه إلا بقدر حاجته، قال الزهري: "إياك وغلول الكتب" وهو حبسها عن أصحابها، وقال الفضيل بن عياض: ليس من فعال أهل الورع، ولا من فعال الحكماء أن يأخذ سماع رجل وكتابه فيحبسه، فإن منعه فإن كان سماعه مثبتا برضا صاحب الكتاب أو بخطه لزمه إعارته، وإلا فلا، كذا قال أئمة مذاهبهم في أزمانهم منهم القاضي حفص بن غياث الحنفي من الطبقة الأولى من أصحاب أبي حنيفة ﵀، وإسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي إمام أصحاب مالك، وأبو عبد الله الزيبري الشافعي، وخالف فيه بعضهم، والصحيح الأول.
قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح: قد تعاضدت أقوال هؤلاء الأئمة في ذلك ويرجع حاصلها إلى أن سماع غيره إذا أثبت في كتابه برضاه فيلزمه إعارته إياه.
قال: وقد كان لا يلقى له وجه، ثم وجهته بأن ذلك بمنزلة شهادة له عنده فعليه أداؤها بما حوته، وإن كان فيه بذل ماله، كما يلزم متحمل
стр. 154
الشهادة أداؤها، وإن كان فيه بذل نفسه بالسعي إلى مجلس الحكم لأدائها.
وقال البلقيني: عندي في توجيهه غير هذا، وهو أن مثل هذا من المصالح العامة التي يحتاج إليها من حصول علقة بين١ المحتاج والمحتاج إليه تقضي إلزامه بإسعافه مقصده.
قال: وأصله إعارة الجدار لوضع جذور الجار عليه، وقد ثبت ذلك في الصحيحين وقال بوجوب ذلك جمع من العلماء، وهو أحد قول الشافعي، فإذا كان يلزم الجار بالعارية مع دوام الجذوع في الغالب فلأن يلزم صاحب الكتاب مع عدم دوام العارية أولى فإذا نسخه فلا ينقل سماعه إلى نسخته أي لا يثبته عليها إلا بعد المقابلة المرضية، وكذا لا ينقل سماع ما إلى نسخة إلا بعد مقابلة مرضية إلا أن يبين كونها غير مقابلة٢.
"النتيجة":
"وبعد" فلعلك بعد هذه الجولة الطويلة في كتابة الحديث وكيفيتها وآدابها ازددت يقينا بما امتاز به المحدثون من الدقة الفائقة والأمانة البالغة في النسخ ومقابلة المنسوخ على أصوله، وإلحاق الساقط، والتنبيه إلى ما عسى أن يوجد في النسخ المكتوبة من خطأ أو تغاير في رواية، أو وهم، ونحو ذلك.
وأنهم كما امتازوا يتحرى الصدق والضبط في المحفوظ امتازوا أيضا بتحريهما في المكتوب وأيضا فقد صرت بعد هذا التطواف على بصيرة بطريقة الكتب المخطوطة القديمة ومناهجهما في الكتابة، والخط، والرمز،
стр. 155
وهذا ما يعينك -إن شاء الله- على القدرة على قراءة هذه الكتب المخطوطة القديمة ومعرفة مناهجها في الكتابة بل وتحقيقها تحقيقا علميا صحيحا إن قدر لك أن تدخل في هذا المضمار: مضمار تحقيق المخطوطات، وإبرازها من عالم الخط إلى عالم الطباعة، وتلقي بدلوك في الدلاء.
وأحب أن أقول بهذه المناسبة: إن المحدثين قد سبقوا إلى كثير مما كتبه المحدثون من بحوث في كيفية تأليف الكتب والرسائل العلمية وأذكر أن أخانا الأستاذ الدكتور أحمد شلبي أهداني "رسالته" التي موضوعها: "كيف تؤلف رسالة" وبعد قراءتها أهديته نسخة من كتابي "علوم الحديث" وقلت له: اقرأه، وستجد أن الكثير مما ذكره المعاصرون في هذا قد سبق إليه المحدثون في كتبهم التي ألفوها في "علوم الحديث" و"أصوله" و"مصطلحه".
стр. 156
" صفة رواية الحديث وآدابها ":
قدمت في أول هذا الكتاب تعريف الرواية، وأقسامها، وتاريخها، وأركانها، وشروطها، وطرق التحمل والأداء فكن على ذكر مما ذكر وسنذكر في هذا الفصل ما طويناه فيما سبقن وسنفصل ما أجملناه.
وقد شدد قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرطوا، فمن المشددين من قال: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه وتذكره، روي ذلك عن مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى، وأبي بكر الصيدلاني ﵀، فروى الحاكم بسنده عن أشهب١ قال: سئل مالك: أيؤخذ العلم ممن لا يحفظ حديثه وهو ثقة؟ فقال: لا، فقال: فإن أتى بكتب
стр. 157
فقال سمعتها وهو ثقة؟ فقال: لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في حديثه في الليل وهو لا يدري".
وروي عن أشهب أيضا قال: سئل مالك عن الرجل الغير الفهم١ يخرج كتابه فيقول: هذا سمعته. فقال: "لا تأخذ إلا عمن يحفظ حديثه أو يعرف".
وروى البيهقي عن مالك، وعن أبي الزناد قالا: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، لا يؤخذ عنهم شيء من الحديث، يقال: ليس من أهله" ولفظ مالك، "لم يكونوا يعرفون ما يحدثون" أقول: وهذا النص يدل دلالة ظاهرة على أنه لا يكتفى في الرواية بالعدالة فحسب بل لا بد من الضبط واليقظة، وعدم الغفلة، وأنه لا بد أيضا من العلم والفهم للمروي.
قال السيوطي: "وهذا مذهب شديد، وقد استقر العمل على خلافه".
ومنهم من جوزها من كتابه إلا إذا خرج من يده بالإعارة أو الضياع أو غير ذلك، وهذا أيضا تشديد.
وأما المتساهلون فقد تقدم في "باب التحمل والأداء" طرف منهم، ومنهم قوم رووا من نسخ غير مقابلة بأصول, فجعلهم الحاكم أبو عبد الله مجروحين قال: وهذا كثير قد تعاطاه قوم من أكابر العلماء والصالحين.
والصواب: ما عليه الجمهور، وهو التوسط بين الإفراط والتفريط، لأن خير الأمور الوسط، وما عداه شطط.
فإذا قام الراوي في الأخذ والتحمل عن الشيوخ، والمقابلة لكتابه بما
стр. 158
تقدم من الشروط جازت الرواية من الكتاب وإن غاب عنه ما دام الغالب على ظنه سلامة كتابه من التغيير والتبديل، ولا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه التغيير غالبا.
стр. 159
" مسائل تتعلق بهذا الفصل ":
"المسألة الأولى" الضرير ومثله البصير الأمي إذا لم يحفظ ما سمعه فاستعان بثقة في ضبط سماعه، وحفظ كتابه عن التغيير، واحتاط عند القراءة عليه بحيث يغلب على ظنه سلامته في التغيير صحت روايته عند الجمهور، وقد منع من روايتها غير واحد من العلماء.
"المسألة الثانية" إذا روى طالب الحديث كتابا كصحيح البخاري مثلا عن شيخ، ثم وجد نسخة ليس فيها سماعه أو ليست مقابلة على أصل شيخه لكن سمعت على شيخه أو فيها سماع شيخه على الشيخ الأعلى أو كتبت عن شيخه، وسكنت نفسه إلى صحتها، فقد حكى الخطيب عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية منها، منهم الشيخ أبو نصر ابن الصباغ الفقيه.
وحكى أيوب السختياني ومحمد بن بكر البرساني١ إنهما رخصا في الرواية منها، وإلى هذا مال الحافظ ابن كثير٢، وهو الصواب.
وقد توسط الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فقال: إن كانت له من شيخه إجازة عامة لمروياته أو لهذا الكتاب جازت له الرواية منه، والحال هذه، وإلا فلا٣.
"المسألة الثالثة" إذا وجد الحافظ للحديث في كتابه خلاف ما في
стр. 160
حفظه فماذا يصنع؟ والجواب: أنه إن حفظ من كتابه رجع إليه وإن كان حفظ من سماعه من شيخه اعتمد على حفظه، إن لم يشك، والأحسن أن يجمع بينهما في الرواية، فيقول: حفظي كذا، وفي كتابي كذا كما فعل شعبة بن الحجاج وغيره، وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ يقول: حفظي كذا، وقال فيه غيري أو فلان كذا، كما فعل الثوري وغيرهم.
وإذا وجد سماعه في كتابه، ولا يذكره ففيه خلاف، فعن أبي حنيفة وبعض الشافعية لا يجوز روايته حتى يتذكر.
ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي الإمام الأعظم أبي حنيفة جوازها، وهو الصحيح بشرط أن يكون السماع بخطه أو بخط من يثق به والكتاب مصون بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير، وتسكن إلى ذلك نفسه، فإن شك فيه لم يجز، وكذا إن لم يكن الكتاب بخط ثقة.
"المسألة الرابعة" الرواية بالمعنى:
لا خلاف بين العلماء أن المحافظة على ألفاظ الحديث وحروفه أمر حسن مرغوب فيه, وأن الأولى لكل ناقل المحافظة على اللفظ ما استطاع إلى ذلك سبيلا, بل قد أوجبه قوم من التابعين والتزموه في رواياتهم.
قال وكيع: كان القاسم بن محمد وابن سيرين، ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه. أي على لفظه، وأما الرواية بالمعنى ففيها خلاف وإليك خلاصة ذلك:
اتفق العلماء قاطبة على أن الراوي إذا لم يكن عالما بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها ولا خبيرا بما يحيل معانيها ولا بصيرا بمقدار
стр. 161
التفاوت بينها لم تجز له رواية ما سمعه بالمعنى, بل يجب أن يحكي اللفظ الذي سمعه من غير تصرف فيه.
ثم اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعالم العارف الخبير.
فمنها أيضا كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول ومنهم ابن سيرين, وأبو بكر الرازي من الحنفية, وروي عن ابن عمر.
وبعضهم قيد المنع بأحاديث رسول الله ﷺ المرفوعة وأجازها فيما سواه وهو قول الإمام مالك رواه البيهقي عنه في المدخل. وبه قال الخليل بن أحمد, واستدل له بحديث: "رب مبلغ أوعى من سامع" فإذا رواه بالمعنى فقد أزاله عن موضعه ومعرفة ما فيه, وبعضهم قال بجوازها إذا نسي اللفظ وتذكر المعنى لأنه وجب عليه التبليغ, وقد تحمل اللفظ والمعنى, وعجز عن أداء أحدهما فيلزمه أداء الآخر, وقيل عكسه: وهو الجواز لمن يحفظ اللفظ ليتمكن من التصرف فيه دون من نسيه, وجزم القاضي أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" بجواز ذلك للصحابة دون غيرهم لأنا لو جوزنا لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث، والصحابة قد اجتمع فيهم أمران:
١- الفصاحة والبلاغة بالجبلة والسليقة.
٢- ومشاهدة أفعال النبي ﷺ وسماع أقواله. فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة واستيفاء القصد كله, وليس من أخبر كمن عاين.
والأصح جواز الرواية بالمعنى إذا كان عالما خبيرا بما ذكرناه قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه عند الجمهور سلفا وخلفا ومنهم الأئمة الأربعة, وذلك لما يأتي:
١- لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين. وكثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا بألفاظ مختلفة, وما ذلك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ.
стр. 162
٢- ولأنه ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن منده في معرفة الصحابة, والطبراني في المعجم الكبير من حديث عبد الله بن أكيمة الليثي قال: "قلت يا رسول الله إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك يزيد حرفا أو ينقص حرفا. فقال: "إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس", فذكر ذلك للحسن فقال: "لولا هذا ما حدثنا" وكذا رواه الخطيب البغدادي في كتبه، والحديث وإن كان مضطربا -كما قال السخاوي- إلا أنه يؤخذ به في مثل هذا وقد ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" ومعروف تساهله في ذلك, وكذلك كان يروي بالمعنى غيره، أسند البيهقي في المدخل عن ابن عون قال: "كان الحسن وإبراهيم والشعبي يأتون بالحديث على المعاني, وكان القاسم بن محمد وابن سيرين ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه" وأسند أيضا عن سفيان قال: "كان عمرو بن دينار يحدث بالحديث على المعنى, وكان إبراهيم بن ميسرة لا يحدث إلا على ما سمع" وعن وكيع: "إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس".
٣- ولأنه كما قال الحافظ ابن حجر يجوز بالإجماع شرح الشريعة وتبليغها للعجم بلسانهم للعارف به, فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه بالعربية أحرى١.
ومما ينبغي أن يعلم أن بعض المجوزين للرواية بالمعنى استثنوا من ذلك:
١- الأحاديث التي تتعلق بالعقائد كذات الله وصفاته.
٢- والأحاديث التي يتعبد بها كأحاديث التشهد والأذكار.
стр. 163
٣- والأحاديث التي تشتمل على جوامع كلمة ﷺ فإنها لا تجوز روايتها على لفظها.
فائدتان:
الأولى: ما ذكرناه من الخلاف في الرواية بالمعنى إنما هو في غير المؤلفات أما هي فلا يجوز تغيير شيء منها وإبداله بآخر وإن كان بمعناه. قال ابن الصلاح: "ثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريا ولا أجراه الناس فيما نعلم فيما تضمنته بطون الكتب فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت بدله فيه لفظا آخر بمعناه, فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص لما كان عليهم فيها في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب, وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب, ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تصنيف غيره".
أقول: وهذا غاية الأمانة في النقل والمحافظة على الأصول التي امتاز بها أئمة هذا العلم النبوي الشريف.
"الثانية" الأولى لمن روى حديثا بالمعنى أن يعقبه بقوله "أو كما قال" أو نحوه، أو شبهه وما في معناه وكذلك إذا رواه أو ذكره بغير المعنى على سبيل الاحتياط فقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأنس ﵃ يقولون إذا رووا الحديث "أو نحو هذا" "أو شبهه" "أو قريبا منه" فإذا قالوا ذلك وهم أعلم الناس باللسان، وبمواقع الخطاب فما بالك بنا؟ وكذلك إذا اشتبهت على القارئ لفظة فيحسن بعد قراءتها على الشك أن يقول: "أو كما قال" ونحوها وذلك لما في ذلك من الخروج من العهدة والتخلص من التبعة.
"والنتيجة": التي نخرج منها من هذا البحث أن بعض الرواة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم التزموا الرواية على اللفظ الذي سمعوه.
стр. 164
وأن الكثير من الأحاديث رويت على ألفاظها ولا سيما الأحاديث القصار وأن الذين أجازوا الرواية بالمعنى من السلف فمن بعدهم أجازوها بشروط وتحوطات بالغة الغاية في الدقة والأمانة في الرواية. وتبعد الشك والارتياب. فمن ثم نرى -ونحن على يقين واطمئنان- أن الرواية بالمعنى لم تدخل على الدين ضررا ولا على السنة تحريفا وتبديلا كما زعم بعض المتخرصين والمغرضين وذوي الأهواء المضللة الذين ألفوا في الأحاديث. وطلعوا على الناس بكتب فجة, وآراء مبتسرة عارية عن التحقيق والأصالة في البحث, كما صنع صاحب كتاب "أضواء على السنة المحمدية" فكن من سمومه على حذر, ولا تلق إليه بإلا, فإنما هو بوق من أبواق الدخلاء والمستغربين، والمستشرقين وأعداء الإسلام والمسلمين.
"المسألة الخامسة": هل يجوز اختصار "الحديث"؟ ١:
اختلف العلماء في رواية بعض الحديث دون بعض, فمنعه بعضهم مطلقا بناء على منع الرواية بالمعنى, ومنعه بعضهم مع تجويزها إذا لم يكن رواه هو أو غيره على التمام قبل هذا وإلا جاز، وجوزه بعضهم مطلقا. وينبغي تقييده بما إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمذكور تعلقا يخل بالمعنى حذفه. كالاستثناء والشرط والغاية ونحوها والصحيح التفصيل: فإن كان غير عالم امتنع ذلك، وإذا كان عالما جاز إذا كان ما تركه متميزا عما ذكره غير متعلق به بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جوزنا الرواية بالمعنى أم لا، وسواء رواه قبل تاما أم لا، لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين ثم هذا إن ارتفعت منزلته عن التهمة، فأما من رواه تاما، فخاف إن رواه ناقصا أن يتهم بزيادة أولا،
стр. 165
أو بنسيان لغفلة، أو قلة ضبط فيما رواه ثانيا فلا يجوز له النقصان ثانيا ولا ابتداء أن تعين عليه أداؤه تاما لئلا يخرج الحديث بذلك عن حيز الاحتجاج به.
"المسألة السادسة": تقطيع أي تجزئة الحديث في الأبواب: أما تقطيع المؤلف الحديث الواحد في الأبواب بحسب الاحتجاج به في المسألة فهو إلى الجواز أقرب، ومن المنع أبعد.
قال ابن الصلاح: "ولا يخلو من كراهة" وعن الإمام أحمد: "ينبغي ألا يفعل" والحق أنه جائز بلا كراهة فقد فعله الأئمة: مالك، والبخاري، وأبو داود, والنسائي وغيرهم، وأكبر شاهد على الجواز صنيع الإمام البخاري في صحيحه.
"تنبيه": قال الإمام البلقيني: يجوز حذف زيادة مشكوك فيها بلا خلاف، وكان مالك يفعله كثيرا تورعا بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله، قال: ومحل ذلك زيادة لا تعلق للمذكور بها، فإن تعلق ذكرها مع الشك كحديث: "العرايا في خمسة أوسق ١ أو دون خمسة أوسق" فلا. أقول: ومراده حديث الترخيص في العرايا ... وهو حديث رواه البخاري ومسلم في "كتاب البيوع".
وأما كتابة الأطراف فيجوز فيها الاكتفاء ببعض الحديث مطلقا وإن لم يفد كما قال السيوطي٢.
"المسألة السابعة" على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما
стр. 166
يسلم به لسانه من اللحن١ والتصحيف، قال الأصمعي: "إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله ﷺ : "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" لأنه ﷺ لم يكن يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه.
وقال شعبة بن الحجاج: "مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف العربية كمثل رجل عليه برنس٢ وليس له رأس" ومثل هذا يكون ضحكة -بضم الضاد وسكون الحاء- للناس أو هزأة وأرجو أن يكون في هذا عبرة، وزاجر للخطباء والوعاظ والمتحدثين في الندوات وفي الإذاعات المسموعة والمرئية الذين يذكرون الأحاديث ملحوظة ولا يتورعون عن الغلط فيها وإنه لعاب كبير وإثم عظيم للذين يصدر منهم ذلك، ولا سيما المنتسبون إلى العلم الشرعي نسأل الله لنا ولهم السلامة.
وينبغي للشيخ أن لا يروي حديثه بقراءة لحان٣ أو مصحف بفتح الصاد المهملة وكسر الحاء المشددة, والطريق في السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق والضبط عنهم، لا من بطون الكتب ولذلك يسمون من يأخذ من الصحف لا من الشيوخ "صحفيا" وقد روى عن سليمان بن موسى أنه قال: "كان يقال: لا تأخذوا القرآن عن مصحفي، ولا العلم من صحفي"، وقال ثور بن يزيد: "لا يفتي الناس صحفي، ولا يقرئهم مصحفي"، وروي في مسند الدارمي عن الأوزاعي أنه قال: "ما زال هذا العلم في الرجال حتى وقع في
стр. 167
الصحف فوقع عند غير أهله".
ويتصل بهذه المسألة مسألة أخرى وهي ما إذا وقع في روايته لحن أو تحريف، فقد قال ابن سيرين وعبد الله بن سخبرة، وأبو معمر، وأبو عبيد القاسم بن سلام فيما رواه البيهقي عنهما يرويه على الخطأ كما سمعه.
قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: وهذا غلو في اتباع اللفظ والمنع من الرواية بالمعنى والصواب وقول الأكثرين منهم ابن المبارك، والأوزاعي، والشعبي، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعطاء وهمام، والنضر بن شميل يرويه على الصواب لا سيما في اللحن الذي يختلف المعنى به.
واختار شيخ الإسلام وسلطان العلماء، العز بن عبد السلام كما حكاه عنه صاحبه ابن دقيق العيد في "الاقتراح" أنه يترك روايته إياه عن ذلك الشيخ مطلقا، لأنه إن تبعه فيه فالنبي ﷺ لم يكن يلحق، وإن رواه عنه على الصواب، فهو لم يسمعه منه كذلك١ وكذا حكاه ابن كثير لكن أبهم قائله٢.
وأما إصلاحه في الكتاب وتغيير ما وقع فيه فجوزه بعضهم أيضا، والصواب تقريره في الأصل على حاله، مع التضبيب عليه، وبيان الصواب في الحاشية كما تقدم، فإن ذلك أجمع للمصلحة، وأنفى للمفسدة، وقد يظهر له وجه صحته، واللغة بحر واسع ولو فتح باب التغيير لجسر عليه من ليس بأهل.
ثم الأولى عند السماع أن يقرأ أولا على الصواب ثم يقول: وقع في روايتنا أو عن شيخنا أو من طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في
стр. 168
الأصل أولا, ثم يذكر الصواب، وإنما كان الأول أولى، لئلا يتقول على رسول الله ﷺ ما لم يقله.
وأحسن الإصلاح أن يكون بما جاء في رواية أخرى أو حديث آخر فإن ذكره أمن من التقول المذكور.
وإن كان الإصلاح بزيادة الساقط من الأصل فلا بأس بإلحاقة في الأصل من غير تنبيه على سقوطه، بأن يعلم أنه سقط في الكتابة كلفظ: ابن في النسب، وكحرف لا يختلف المعنى به، وقد سأل أبو داود أحمد بن حنبل فقال: وجدت في كتابي: حجاج عن جريج، يجوز لي أن أصلحه ابن جريج؟ قال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به.
وقيل لمالك الإمام: أرأيت حديث النبي ﷺ يزاد فيه الواو والألف، والمعنى واحد؟ فقال: "أرجوا أن يكون خفيفا".
وإن غاير الساقط معنى ما وقع في الأصل تأكد الحكم بذكر الأصل مقرونا بالبيان لما سقط، فإن علم أن بعض الرواة له أسقطه وحده وأن من فوقه من الرواة أتى به فله أيضا أن يلحقه في أصل الكتاب مع كلمة "يعني" قبله كما فعل الخطيب إذ روى عن أبي عمر بن مهدي عن المحاملي بسنده إلى عروة عن عمرة عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يدني إليّ رأسه فأرجله" قال الخطيب: كان في أصل ابن مهدي عن عمرة قالت "كان ... " فألحقنا فيه ذكر عائشة إذ لم يكن منه بد، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا، وقلنا له ما فيه، يعني لأن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك، قال: وهكذا رأيت غير واحد من شيوخنا يفعل في مثل هذا، ثم روى عن وكيع أنه قال: "أنا أستعين في الحديث بيعني".
هذا إذا علم أن شيخه رواه له على الخطأ فأما إن رواه في كتاب
стр. 169
نفسه، وغلب على ظنه أنه من كتابه لا من شيخه فيتجه إصلاحه في كتابه، وروايته كما إذا درس من كتابه بعض الإسناد أو المتن فإنه يجوز استدراكه من كتاب غيره إذا عرف صحته، وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط، كذا قاله أهل التحقيق وممن فعله نعيم بن حماد، ومنعه بعضهم، وإن كان معروفا محفوظا وبيانه حال الرواية أولى.
وهذا الحكم جار في استثبات الحافظ ما شك فيه من كتاب ثقة غيره أو حفظه، كما روي عن أبي عوانة، وأحمد وغيرهما، ويحسن أن يبين مرتبته كما فعل يزيد بن هارون وغيره ففي مسند أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عاصم بالكوفة فلم أكتبه، فسمعت شعبة يحدث به فعرفته به عن عاصم عن عبد الله بن سرجس أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر قال: "اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر".
وفي غير المسند: عن يزيد أخبرنا عاصم وثبتني فيه شعبة فعله أبو داود في "سننه" عقب حديث الحكم بن حزن، قال: ثبتني في شيء منه بعض أصحابنا، فإن وجد في كتابه كلمة من غريب العربية غير مضبوطة أشكلت عليه جاز أن يسأل عنها العلماء بها ويرويها على ما يخبرونه به، فعل ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما والله أعلم.
"المسألة الثامنة": "الجمع بين الشيوخ في الرواية عنهم"
إذا كان الحديث عند الراوي عن اثنين أو أكثر من شيوخه واتفقا أو اتفقوا في المعنى دون اللفظ فله أن يجمع بينهما أو بينهم في الإسناد ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما فيقول: أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان, أو وهذا اللفظ لفلان, وله بعد هذا أن يسند القول إلى من له اللفظ أو يسنده إليهم فيقول: قالا أو قالوا: أخبرنا فلان ونحوه
стр. 170
من العبارات.
وللإمام مسلم في صحيحه عبارة مثل حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج كلاهما عن أبي خالد قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد عن الأعمش ... فالظاهر من إعادته أبا بكر ثانيا أن اللفظ له١ وأن رواية الأشج بمعناه فإن لم يخص أحدهما بنسبة اللفظ إليه بل أتى ببعض لفظ هذا وبعض لفظ ذاك فقال: أخبرنا فلان وفلان, وتقاربا في اللفظ, أو والمعنى واحد قالا حدثنا فلان ... جاز على مذهب من يجوز الرواية بالمعنى دون من لم يجوزها, وقول أبي داود صاحب السنن: حدثنا مسدد وأبو توبة المعنى قالا حدثنا أبو الأحوص -يحتمل أن يكون من قبيل الأول فيكون اللفظ لمسدد ويوافقه أبو توبة في المعنى. ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني فلا يكون أورد لفظ أحدهما خاصة, بل رواه بالمعنى عن كليهما, وهذا الاحتمال الثاني يقرب في قوله: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل -المعنى واحد- قالا: حدثنا أبان ... فإن لم يقل تقاربا ولا شبهة فلا بأس به على جواز الرواية بالمعنى وإن كان قد عيب به الإمام البخاري وغيره.
"المسألة التاسعة": "التعريف بالراوي بذكر نسبه":
ليس للراوي أن يزيد في نسب من فوق شيخه من رجال الإسناد أو صفته مدرجا ذلك إلا أن يميزه فيقول مثلا: هو ابن فلان الفلاني أو -يعني ابن فلان ونحوه- فيجوز وقد فعل ذلك الإمام أحمد وغيره أما إذا كان شيخه قد ذكر نسب شيخه بتمامه في أول حديث ثم اقتصر في باقي أحاديث الكتاب على اسمه أو بعض نسبه, فقد حكى الخطيب
стр. 171
عن أكثر العلماء جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة عن الأول مستوفيا فيها نسب شيخ شيخه, وحكي عن بعضهم أن الأولى فيه أيضا أن يقول: يعني ابن فلان, وحكي عن عليِّ بن المديني وغيره أنه يقول: حدثني شيخي أن فلانا بن فلان حدثه, وحكي عن بعضهم أنه قال: أخبرنا فلان. قال: أخبرنا فلان هو ابن فلان, ويسوق نسبه إلى منتهاه. واستحب الخطيب هذا الأخير لأن لفظ "أن" استعملها قوم في الإجازة كما ذكرنا في باب التحمل والأداء.
قال ابن الصلاح: جميع هذه الوجوه جائزة وأولاها أن يقول: هو ابن فلان أو يعني ابن فلان، ثم قوله: إن فلانا بن فلان, ثم أن يذكر بكماله من غير فصل١. وكثيرا ما يصنع الأول الإمام مسلم في صحيحه.
"المسألة العاشرة": "حذف لفظ "قال" في الإسناد خطا لا نطقا"
جرت عادة المحدثين بحذف لفظ "قال" ونحوه بين رجال الإسناد خطا اختصارا, وينبغي للقارئ التلفظ بها. قال ابن الصلاح وغيره: لا بد من ذكره حال القراءة لفظا, أما إذا كان في الإسناد وقرئ على فلان أخبرك فلان, أو قرئ على فلان: حدثنا فلان. فليقل القارئ في الأول: قيل له أخبرك فلان، وفي الثاني قال: حدثنا فلان، قال ابن الصلاح: وقد جاء هذا مصرحا به خطا هكذا في بعض ما رويناه قال السيوطي: وينبغي أن يقول في قرأت على فلان: قلت له أخبرك فلان وإذا تكرر لفظ قال. كقول البخاري "حدثنا صالح بن حيان قال: قال عامر الشعبي", فإنهم يحذفون أحدهما خطا ... والظاهر أنها الأولى فيتلفظ بهما القارئ جميعا. قال الإمام النووي: ولو ترك القارئ
стр. 172
قال في هذا كله فقد أخطأ, والظاهر صحة السماع, ومقتضى كلام ابن الصلاح السابق أنه لا يصح السماع بدونها, ولكنه خالف ذلك في الفتاوى, فإنه لما سئل عن ترك القارئ قال: فقال هذا خطأ من فاعله, والأظهر أنه لا يبطل السماع لأن حذف القول جائز اختصارا جاء به القرآن الكريم١ قال السيوطي: ومما يحذف في الخط أيضا لفظ "أنه" كحديث البخاري عن عطاء بن أبي ميمونة سمع أنس بن مالك أي أنه سمع, قال الحافظ بن حجر في شرحه لفظ أنه يحذف في الخط عرفا٢.
"المسألة الحادية عشرة": "طريقة رواية النسخ المشهورة":
النسخ والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد كنسخة همام بن منبه عن أبي هريرة التي رواها عبد الرزاق، عن معمر، عن همام وكنسخة شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ومثل نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده٣.
من أئمة الحديث من يجدد الإسناد في أول كل حديث منها وهو أحوط، وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة وأوجبه بعضهم، ومنهم من يكتفي في أول حديث منها أو أول كل مجلس من سماعها ويدرج الباقي عليه ويقول في كل حديث بعده وبالإسناد أو وبه، وذلك هو الأغلب الأكثر، فمن كان سماعه هكذا فأراد رواية غير الحديث الأول مفردا
стр. 173
عنه بالإسناد المذكور جاز له ذلك عند الأكثرية منهم: وكيع بن الجراح، وابن معين، والإسماعيلي؛ لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وأيضًا فهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أوله.
ومن المحدثين من يمنع ذلك منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني١، ورأى ذلك تدليسًا، فعلى هذا الرأي على من يريد أن يروي حديثًا منها بالإسناد الأول أن يبين ذلك كما فعل الإمام مسلم في صحيحه في صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة قال: حدثنا محمد بن رافع "قال" حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : "إن أدنى مقعد أحدكم في الجنة أن يقال له: تمن، فيتمنى، ويتمنى فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: لك ما تمنيت ومثله معه" ٢. وقد التزم الإمام مسلم ذلك في هذه النسخة في صحيحه، وهكذا فعل مثل مسلم كثير من المؤلفين.
وأما الإمام البخاري فإنه لم يسلك قاعدة مطردة فتارة يذكر أو حديث في النسخة ويعطف عليه الحديث الذي يساق الإسناد لأجله وذلك كقوله في "كتاب الأيمان والنذور, باب قول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية".
حدثني إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" , وقال رسول الله ﷺ : "والله لأن يلجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض
стр. 174
الله عليه" ١.
وتارة لا يذكر الحديث الأول في النسخة، ويذكر الحديث الذي يريد أن يسوقه بعد السند وذلك مثل ما صنع في "كتاب التعبير, باب الاستراحة في المنام"٢ وفي "كتاب الاستئذان, باب تسليم القليل على الكثير"٣ وكأن البخاري أراد أن يبين بصنيعه هذا أن كلا من الأمرين جائز.
وما ينبغي أن يعلم أن الإمام السيوطي في "تدريبه" مثل للنوع الأول فقال: "كقوله في "الطهارة"٤: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون"، وقال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" الحديث" ٥.
ولا أدري أأعوز السيوطي مثال لما في صحيح البخاري من نسخة همام بن منبه عن أبي هريرة أم أنه لم يكلف نفسه البحث عن ذلك؟ العلم عند الله، والسخاوي وهو ممن يتعقب السيوطي لم يعلق على ذلك بكلمة، ولا استدرك عليه ما فاته.
وقد أشكل على معظم الشراع بيان المناسبة بين حديث: "نحن الآخرون السابقون" , وبين حديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" وركبوا في ذلك كل صعب وتكلفوا غاية التكلف ولم يصل إلى الحق في هذا إلا الإمام الحافظ ابن حجر، فقال: "والصواب أن البخاري في الغالب يذكر الشيء كما سمعه لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة منه، إن لم
стр. 175
يكن باقيه مقصودا، كما صنع في حديث عروة البارقي في شراء الشاة كما سيأتي بيانه في الجهاد، وأمثلة ذلك في كتابه كثيرة، وقد وقع لمالك مثل هذا في "الموطأ" إذ أخرج في "باب صلاة الصبح والعتمة: متونا بسند واحد أولها: "مر رجل بغصن شوك ... " وآخرها: "لو يعلم الناس ما في الصبح والعتمة لأتوها ولو حبوا" ١ وليس غرضه منها إلا الحديث الأخير لكنه أداها على الوجه الذي سمعه، قال ابن العربي في "القبس": "ترى الجهال يتعبون في تأويلها ولا تعلق للأول منها بالباب أصلا", ثم قال الحافظ: "والظاهر أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عنه، ولهذا قل حديث يوجد في هذه إلا وهو في الأخرى، وقد اشتملتا على أحاديث كثيرة أخرج الشيخان غالبها، وابتداء كل نسخة منهما حديث: "نحن الآخرون السابقون" فلهذا صدر به البخاري فيما أخرجه من كل منهما، وسلك مسلم في نسخة همام طريقا أخرى, فيذكر في كل حديث أخرجه منها: قال رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ فيذكر الحديث الذي يريده يشير بذلك إلى أنه من أثناء النسخة لا من أولها والله أعلم"٢.
أقول ويؤيده ما قاله الإمام الحافظ ابن حجر من أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عن أبي هريرة وأن كلا منهما كانت مبدوءة بحديث: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" , ما ذكره البخاري في كتاب الجهاد, باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به" قال: حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون".
стр. 176
وبهذا الإسناد: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني ... ".
وفي "كتاب الديات, باب من أحد حقه، أو اقتص دون السلطان، قال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون".
وبإسناده: "لو اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له، حذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح".
وفي "كتاب التوحيد, باب: يريدون أن يبدلوا كلام الله قال:
حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أن الأعرج حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول إنه سمع رسول الله ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون".
وبهذا الإسناد قال الله تعالى: "أَنفِق أُنفق عليك".
وهذه المسألة قد بحثتها وأطلت البحث حتى وصلت إلى هذا التحرير البالغ فلله الحمد والمنة.
وأما إعادة بعض المحدثين الإسناد في آخر الكتاب أو الجزء فلا يرفع هذا الخلاف السابق بين العلماء، إلا أنه يفيد احتياطا، ويتضمن إجازة من أعلى أنواعها، ويفيد أيضا سماعه لمن لم يسمعه أولا"١.
стр. 177
"المسألة الثانية عشرة": تقديم المتن على الإسناد
إذا قدم الراوي المتن على الإسناد كقال رسول الله ﷺ كذا ثم يذكر الإسناد بعده أو المتن وبعض الإسناد كروي عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ كذا ثم يقول: أخبرنا به فلان عن فلان عن فلان حتى يتصل بما ذكره من السند, صح وكان متصلا فلو أراد من كان سمعه هكذا تقديم جميع الإسناد بأن يبدأ به أولا ثم المتن فجوزه بعضهم.
قال النووي في "الإرشاد" وهو الصحيح, وقال ابن الصلاح ينبغي أن يكون فيه خلاف كالخلاف في تقديم بعض المتن على بعض, فإن الخطيب حكى فيه المنع بناء على منع الرواية بالمعنى, والجواز على جوازها، وخالفه البلقيني فقال: هذا التخريج ممنوع والفرق بينهما: أن تقديم بعض الألفاظ على بعض يؤدي إلى الإخلال بالمقصود في العطف وعود الضمير ونحو ذلك بخلاف تقديم السند كله أو بعضه. فلذلك جاز فيه ولم يتخرج على الخلاف.
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن حجر: تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من فيه مقال١ فيبتدئ به ثم بعده الفراغ بذكر السند قال: وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك لا يكون في حل منه ... فحينئذ ينبغي أن يمنع هذا ولو جوزنا الرواية بالمعنى.
стр. 178
"المسألة الثالثة عشرة": "ذكر مثله أو نحوه بعد الإسناد"
إذا روى المحدث حديثا بإسناد, ثم أتبعه بإسناد آخر وقال في آخره مثله، ولم يذكر المتن فأراد السامع لذلك منه رواية المتن الأول بالإسناد الثاني فقط. فالأظهر المنع منه, وهو قول شعبة، وأجازه سفيان الثوري وابن معين إذا كان الراوي متحفظا ضابطا مميزا بين الألفاظ, ومنعاه إن لم يكن كذلك, وكان جماعة من العلماء إذا روى بعضهم مثل هذا ذكر الإسناد, ثم قال: مثل حديث قبله متنه كذا وكذا, وهو الذي اختاره الخطيب, وأما إذا قال نحوه فأجازه الثوري أيضا ومنعه شعبة, وأما ابن معين فجوزه في "مثله" دون نحوه, قال الخطيب: تفرقه ابن معين بين "مثله" "ونحوه" يصح على منع الرواية بالمعنى فأما على جوازها فلا فرق.
أقول: إن وجهة نظر ابن معين دقيقة؛ لأن المحدثين يريدون بمثله أنه على لفظه, وبنحوه أنه بمعناه, ويفصح عن هذا ما قاله الحاكم أبو عبد الله: إن مما يلزم المحدثين من الضبط والإتقان أن يفرق بين أن يقول: "مثله" أو يقول: "نحوه" فلا يحل له أن يقول: "مثله" إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد, ويحل أنه يقول: "نحوه" إذ كان على مثل معانيه١.
"المسألة الرابعة عشرة": "ذكر الإسناد وبعض المتن"
إذا ذكر الراوي الإسناد وبعض المتن ثم قال: وذكر الحديث ولم
стр. 179
يتمه أو قال "بطوله" أو "الحديث" فأراد السامع روايته عنه بكماله فهو أولى بالمنع من مسألة "مثله ونحوه" السابقة, فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني.
وأجازة أبو بكر الإسماعيلي إذا عرف المحدث والسامع ذلك الحديث والاحتياط أنه يقتصر على المذكور ثم يقول: قال: وذكر الحديث وهو هكذا أو وتمامه كذا ويسوق بكماله.
وفصل الحافظ ابن كثير فقال: إن كان سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو غيره جاز وإلا فلا. قال ابن الصلاح: إذا جوزنا ذلك فالتحقيق أنه بطريق الإجازة القوية الأكيدة فجاز لهذا مع كونه أوله سماعا إدراج الباقي عليه١.
"المسألة الخامسة عشرة": "هل يجوز تغيير لفظ قال النبي إلى قال رسول الله؟ "
قال العلامة ابن الصلاح إنه لا يجوز تغيير قال النبي ﷺ إلى قال رسول الله ولا عكس, وإن جازت الرواية بالمعنى.
وقال الإمام أحمد إذا كان في الكتاب عن النبي ﷺ . وقال المحدث رسول الله ﷺ ضرب. وعلل ابن الصلاح ذلك لاختلاف معنى النبي والرسول, فالنبي من أوحى إليه للعمل فقط, والرسول من أوحى إليه للتبليغ٢.
قال الإمام النووي: والصواب -والله أعلم- جوازه لأنه وإن اختلف معناه في الأصل لا يختلف به هنا معنى إذ المقصود نسبة القول إلى قائله. وذلك حاصل بأي وصف وصف به القائل, ونبينا محمد: رسول
стр. 180
ونبي. قال وهو مذهب أحمد بن حنبل لما سأله ابنه صالح عن هذا فقال أرجو أن لا يكون به بأس، وما تقدم عنه محمول على الاستحباب لا اللزوم وهو مذهب حماد بن سلمة والخطيب.
وقال البدر بن جماعة لو قيل: يجوز تغيير النبي إلى رسول، ولا يجوز عكسه لما بعد لأنه في الرسول معنى زائدا على النبي يعني بهذا المعنى هو وجوب التبليغ.
"المسألة السادسة عشرة": "الجمع بين الشيوخ في سند حديث روى كل شيخ بعضه"
إذا سمع بعض حديث عن شيخ، وبعضه عن شيخ آخر، فخلط ولم يميزه وعزى الحديث جملة إليهما مبينا أن عن أحدهما بعضه، وعن الآخر بعضه فذلك جائز كما فعل الإمام الزهري في حديث الإفك.
رواه عن عروة بن الزبير، وابن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة ﵂ قال: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم عن بعض ثم ذكر الحديث.
قال العراقي: وقد اعترض بأن البخاري أسقط بعض شيوخه في مثل هذه الصورة، واقتصر على واحد فقال: في "كتاب الرقاق من صحيحه":
حدثني أبو نعيم بنصف من هذا الحديث، حدثنا عمر بن ذر١،