← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9987

الوسيط في علوم ومصطلح الحديث

محمد أبو شهبة

Полный текст (950 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وبهذا الإسناد: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني ... ". وفي "كتاب الديات, باب من أحد حقه، أو اقتص دون السلطان، قال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون". وبإسناده: "لو اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له، حذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح". وفي "كتاب التوحيد, باب: يريدون أن يبدلوا كلام الله قال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أن الأعرج حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول إنه سمع رسول الله ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون". وبهذا الإسناد قال الله تعالى: "أَنفِق أُنفق عليك". وهذه المسألة قد بحثتها وأطلت البحث حتى وصلت إلى هذا التحرير البالغ فلله الحمد والمنة. وأما إعادة بعض المحدثين الإسناد في آخر الكتاب أو الجزء فلا يرفع هذا الخلاف السابق بين العلماء، إلا أنه يفيد احتياطا، ويتضمن إجازة من أعلى أنواعها، ويفيد أيضا سماعه لمن لم يسمعه أولا"١.

стр. 177

"المسألة الثانية عشرة": تقديم المتن على الإسناد إذا قدم الراوي المتن على الإسناد كقال رسول الله ﷺ كذا ثم يذكر الإسناد بعده أو المتن وبعض الإسناد كروي عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ كذا ثم يقول: أخبرنا به فلان عن فلان عن فلان حتى يتصل بما ذكره من السند, صح وكان متصلا فلو أراد من كان سمعه هكذا تقديم جميع الإسناد بأن يبدأ به أولا ثم المتن فجوزه بعضهم. قال النووي في "الإرشاد" وهو الصحيح, وقال ابن الصلاح ينبغي أن يكون فيه خلاف كالخلاف في تقديم بعض المتن على بعض, فإن الخطيب حكى فيه المنع بناء على منع الرواية بالمعنى, والجواز على جوازها، وخالفه البلقيني فقال: هذا التخريج ممنوع والفرق بينهما: أن تقديم بعض الألفاظ على بعض يؤدي إلى الإخلال بالمقصود في العطف وعود الضمير ونحو ذلك بخلاف تقديم السند كله أو بعضه. فلذلك جاز فيه ولم يتخرج على الخلاف. فائدة: قال شيخ الإسلام ابن حجر: تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من فيه مقال١ فيبتدئ به ثم بعده الفراغ بذكر السند قال: وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك لا يكون في حل منه ... فحينئذ ينبغي أن يمنع هذا ولو جوزنا الرواية بالمعنى.

стр. 178

"المسألة الثالثة عشرة": "ذكر مثله أو نحوه بعد الإسناد" إذا روى المحدث حديثا بإسناد, ثم أتبعه بإسناد آخر وقال في آخره مثله، ولم يذكر المتن فأراد السامع لذلك منه رواية المتن الأول بالإسناد الثاني فقط. فالأظهر المنع منه, وهو قول شعبة، وأجازه سفيان الثوري وابن معين إذا كان الراوي متحفظا ضابطا مميزا بين الألفاظ, ومنعاه إن لم يكن كذلك, وكان جماعة من العلماء إذا روى بعضهم مثل هذا ذكر الإسناد, ثم قال: مثل حديث قبله متنه كذا وكذا, وهو الذي اختاره الخطيب, وأما إذا قال نحوه فأجازه الثوري أيضا ومنعه شعبة, وأما ابن معين فجوزه في "مثله" دون نحوه, قال الخطيب: تفرقه ابن معين بين "مثله" "ونحوه" يصح على منع الرواية بالمعنى فأما على جوازها فلا فرق. أقول: إن وجهة نظر ابن معين دقيقة؛ لأن المحدثين يريدون بمثله أنه على لفظه, وبنحوه أنه بمعناه, ويفصح عن هذا ما قاله الحاكم أبو عبد الله: إن مما يلزم المحدثين من الضبط والإتقان أن يفرق بين أن يقول: "مثله" أو يقول: "نحوه" فلا يحل له أن يقول: "مثله" إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد, ويحل أنه يقول: "نحوه" إذ كان على مثل معانيه١. "المسألة الرابعة عشرة": "ذكر الإسناد وبعض المتن" إذا ذكر الراوي الإسناد وبعض المتن ثم قال: وذكر الحديث ولم

стр. 179

يتمه أو قال "بطوله" أو "الحديث" فأراد السامع روايته عنه بكماله فهو أولى بالمنع من مسألة "مثله ونحوه" السابقة, فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. وأجازة أبو بكر الإسماعيلي إذا عرف المحدث والسامع ذلك الحديث والاحتياط أنه يقتصر على المذكور ثم يقول: قال: وذكر الحديث وهو هكذا أو وتمامه كذا ويسوق بكماله. وفصل الحافظ ابن كثير فقال: إن كان سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو غيره جاز وإلا فلا. قال ابن الصلاح: إذا جوزنا ذلك فالتحقيق أنه بطريق الإجازة القوية الأكيدة فجاز لهذا مع كونه أوله سماعا إدراج الباقي عليه١. "المسألة الخامسة عشرة": "هل يجوز تغيير لفظ قال النبي إلى قال رسول الله؟ " قال العلامة ابن الصلاح إنه لا يجوز تغيير قال النبي ﷺ إلى قال رسول الله ولا عكس, وإن جازت الرواية بالمعنى. وقال الإمام أحمد إذا كان في الكتاب عن النبي ﷺ . وقال المحدث رسول الله ﷺ ضرب. وعلل ابن الصلاح ذلك لاختلاف معنى النبي والرسول, فالنبي من أوحى إليه للعمل فقط, والرسول من أوحى إليه للتبليغ٢. قال الإمام النووي: والصواب -والله أعلم- جوازه لأنه وإن اختلف معناه في الأصل لا يختلف به هنا معنى إذ المقصود نسبة القول إلى قائله. وذلك حاصل بأي وصف وصف به القائل, ونبينا محمد: رسول

стр. 180

ونبي. قال وهو مذهب أحمد بن حنبل لما سأله ابنه صالح عن هذا فقال أرجو أن لا يكون به بأس، وما تقدم عنه محمول على الاستحباب لا اللزوم وهو مذهب حماد بن سلمة والخطيب. وقال البدر بن جماعة لو قيل: يجوز تغيير النبي إلى رسول، ولا يجوز عكسه لما بعد لأنه في الرسول معنى زائدا على النبي يعني بهذا المعنى هو وجوب التبليغ. "المسألة السادسة عشرة": "الجمع بين الشيوخ في سند حديث روى كل شيخ بعضه" إذا سمع بعض حديث عن شيخ، وبعضه عن شيخ آخر، فخلط ولم يميزه وعزى الحديث جملة إليهما مبينا أن عن أحدهما بعضه، وعن الآخر بعضه فذلك جائز كما فعل الإمام الزهري في حديث الإفك. رواه عن عروة بن الزبير، وابن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة ﵂ قال: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم عن بعض ثم ذكر الحديث. قال العراقي: وقد اعترض بأن البخاري أسقط بعض شيوخه في مثل هذه الصورة، واقتصر على واحد فقال: في "كتاب الرقاق من صحيحه": حدثني أبو نعيم بنصف من هذا الحديث، حدثنا عمر بن ذر١،

стр. 181

حدثنا مجاهد، أن أبا هريرة كان يقول: "والله الذي لا إله غيره: إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ... " الحديث أقول: وهو حديث طويل. قال العراقي: والجواب أن الممتنع إنما هو إسقاط بعضهم وإيراد كل الحديث عن بعضهم، لأنه حينئذ يكون قد حدث عن المذكور ببعض ما لم يسمعه منه فأما إذا بين أنه لم يسمع منه إلا بعض الحديث كما فعل البخاري هنا فليس بممتنع. وقد بين البخاري في "كتاب الاستئذان" البعض الذي سمعه من أبي نعيم فقال: حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر، وحدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن ذر، أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة قال: "دخلت مع رسول الله ﷺ فوجد لبنا في قدح، فقال: "أبا هريرة الحق أهل الصفة فادعهم إليّ" , قال: فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا". فهذا هو بعض حديث أبي نعيم الذي ذكره في الرقاق، وأما بقية الحديث فيحتمل أن البخاري أخذه من كتاب أبي نعيم وجادة، أو إجازة، أو سمعه من شيخ آخر غير أبي نعيم: إما محمد بن مقاتل أو غيره، ولم يبين ذلك بل اقتصر على اتصال الحديث من غير بيان، ولكن ما من قطعة منه إلا وهي محتملة لأنها غير متصلة بالسماع إلا القطعة التي صرح في "كتاب الاستئذان" باتصالها١. "المسألة السابعة عشرة": إذا كان في سماعه بعض الوهن أي الضعف فعليه بيانه حال الرواية

стр. 182

فإن في إغفاله نوعا من التدليس، وذلك كأن يسمع من غير أصل، أو حصل نوم، أو نسخ حال السماع أو سمع بقراءة مصحف أو لحان أو نحو ذلك ومنه إذا حدث من حفظه في المذاكرة لتساهلهم فيها، فليقل حدثنا في المذاكرة ونحوه كما فعله الأئمة، ومنع منه جماعة كابن مهدي، وابن المبارك، وأبي زرعة الرازي الحمل عنهم حال المذاكرة لتساهلهم فيها، ولأن الحفظ خوان، وامتنع جماعة من كبار الحفاظ وأعلامهم من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم لذلك منهم الإمام أحمد بن حنبل ﵁. "المسألة الثامنة عشرة": إذا كان الحديث عن رجلين أحدهما ثقة والآخر مجروح كحديث لأنس يرويه عنه ثابت البناني، وأبان بن أبي عياش، أو عن ثقتين فالأولى أن يذكرهما لجواز أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر وحمل لفظ أحدهما على الآخر فإن اقتصر على ثقة فيهما لم يحرم، لأن الظاهر اتفاق الروايتين، وما ذكره من الاحتمال نادر بعيد، ومحذور الإسقاط في الثاني أقل من الأول. قال الإمام أبو بكر الخطيب: وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما أسقط المجروح ويذكر الثقة ثم يقول: وآخر كناية عن المجروح قال: وهذا القول لا فائدة فيه، وقد رد عليه البلقيني فقال: بل له فائدة تكثير الطرق١ والله أعلم. وكذلك حصل هذا من البخاري في صحيحه في مواضع منه كتفسير سورة النساء، وآخر الطلاق، والفتن، وعدة أماكن من طريق حيوة "وغيره" وفي الاعتصام من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح "وغيره" قال السخاوي في "شرح الألفية":

стр. 183

والغير في هذه الأماكن هو "ابن لهيعة" بلا شك إلى آخر ما قال، وكذلك فعل هذا النسائي وغيره١.

стр. 184

" آداب المحدث ": علم الحديث من أشرف العلوم وأجلها بعد علم القرآن, وكيف لا؟ وهو الصلة إلى رسول الله ﷺ ومعرفة أقواله وأفعاله وصفاته, وهو الذي يبحث فيه عن تصحيح أقواله وأفعاله, والذب عنه أن ينسب إليه ما لم يقله وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ ١ ليس لأهل الحديث منقبة أشرف من ذلك؛ لأنه لا إمام لهم غيره ﷺ وأيضًا فسائر العلوم الشرعية وغيرها محتاجة إليه, أما الفقه فلأنه الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام. وأما التفسير فلأنه أولى ما فسر به كتاب الله تعالى إذا لم يجد فيه ما يفسره في موضع آخر ما ثبت عن نبيه ﷺ وأصحابه ﵃, وأما علوم الأخلاق والمواعظ والتربية النفسية والعلمية والعملية فلأن الأحاديث زخزت ببيان الفضائل والحث عليها, وبيان الرزائل والتنفير منها, وبما يرقق القلوب, ويهذب النفوس, ويقوم السلوك, وأما علوم البلاغة واللغة والأدب فلأن أفصح كلام وأبلغه بعد كلام الله كلام النبي ﷺ ثم كلام الصحابة. وأما علم التاريخ وسير الأنبياء والصحابة فلأن أوثق ما يعتمد عليه بعد القرآن الكريم ما تضمنته كتب الحديث في ذلك ولا سيما الصحاح. وهو علم يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم. مَنْ حرمه فقد حرم خيرا عظيما مهما نال من علم ومن إجازات ... ومَنْ رزقه فقد نال فضلا عظيما، ولا سيما من صدق العلم بالعمل. وكان رسول الله ﷺ وصحابته ﵃ أسوة حسنة في

стр. 185

الإيمان والعلم والعمل والأخلاق والآداب. وبحسب أهل الحديث الحاملين له, والمعنين بتبليغه قول رسولهم ﷺ : "نضر الله امرأ -يعني وجهه- سمع مقالتي فوعاها فأداها فرب مبلغ أوعى من سامع" , رواه أصحاب السنن وغيرهم بألفاظ متقاربة. وقوله: "اللهم ارحم خلفائي". قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس". رواه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" والطبراني في المعجم الأوسط، والخطيب البغدادي من طريقين في كتابه "شرف أصحاب الحديث". قال السيوطي: وكأن تلقيب المحدث بأمير المؤمنين مأخوذ من هذا الحديث، وقد لقب به جماعة منهم سفيان الثوري, وابن راهويه والبخاري وغيرهم وبحسب المنافحين عن سنة رسول الله ﷺ والنافين الكذب عنها ما رواه ابن عبد البر أن النبي ﷺ قال: "يحتمل هذا العلم من كل خلف عدوله١ ينفون عنه تحريف الغالين, وانتحال المبطلين, وتأويل الجاهلين"٢. وإذا كان الأمر كذلك فعلى أهل الحديث والمشتغلين به إخلاص النية وتطهير قلوبهم من أعراض الدنيا وأدناسها كحب الرياسة والشهرة أو التظاهر بالعلم ونحوها, وليكن همهم نشر الحديث وتبليغه إلى الناس فـ "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" , وقد قال البشير النذير: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف ٣ الجنة يوم القيامة" , رواه أبو داود

стр. 186

والترمذي، وابن ماجه. متى يحدث؟ وقد اختلف في السن الذي يحسن أن يتصدى فيه للرواية والإسماع, فقال ابن خلاد: إذا بلغ الخمسين قال: ولا ينكر عند الأربعين لأنها حد الاستواء ومنتهى الكمال, وعندها يبلغ الإنسان أشده ووفور عقله وجودة رأيه١ والصحيح أنه لا يتقيد بسن, فمتى تأهل لذلك وآنس من نفسه القدرة على التحديث فليجلس إلى ذلك, قال القاضي عياض: "كم من السلف فمن بعدهم من لم ينته إلى هذا السن ونشر من العلم والحديث ما لا يحصى: كعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وجلس مالك للناس ابن نيف وعشرين وقيل: ابن سبع عشرة سنة، والناس متوافرون وشيوخه أحياء: ربيعة والزهري ونافع وابن المنكدر وابن هرمز وغيرهم وكذلك الشافعي وأئمة من المتقدمين والمتأخرين". وقد حدث بندار وهو ابن ثمان عشرة سنة, وحدث البخاري وما في وجهه شعرة وهلم جرا, وينبغي أن يمسك عن التحديث إذا خشي التخليط بسبب هرم أو خرف أو عمى وقد حدده ابن خلاد بسن الثمانين٢. والتحقيق أن ذلك يختلف باختلاف الناس فقد يخلط فيما دون ذلك وقد يكون ثابت العقل قوي الذاكرة فيما فوق ذلك, فقد حدث بعدها أنس, وسهل بن سعد، وعبد الله بن أبي أوفى, وغيرهم من الصحابة ومن التابعين مالك, والليث، وابن عيينة، وحدث بعد المائة من الصحابة حكيم بن حزام, ومن التابعين شريك النمري ومن بعدهم الحسن بن عرفة

стр. 187

وأبو القاسم البغوي، والقاضي أبو الطيب الطبري١ والسلفي وغيرهم وإليك مسائل ذكرها العلماء في آداب المحدث لتكون نبراسا لطلاب الحديث والعلم اليوم. "المسألة الأولى": قالوا: الأولى ألا يحدث بحضرة من هو أولى منه لسنه أو علمه أو كونه أعلى سندا أو سماعه متصلا وفي سنده هو إجازة ونحو ذلك, وقيل: يكره, ونسب لابن معين أن من فعل ذلك فهو أحمق, والصواب إطلاق أن التحديث بحضرة الأولى ليس بمكروه, ولا خلاف الأولى فقد استنبط العلماء ذلك من حديث: "إن ابني كان عسيفا -أجيرا- وأنه زنى بامرأة هذا -يعني مستأجره- فافتديت منه بمائة شاة وخادم, ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أنه على ابني جلد مائة وتغريب عام, وعلى امرأته الرجم, فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره؛ المائة شاة والخادم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام, واغد يا أنيس ٢ على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" , فغدا عليها فاعترفت فرجمها", رواه البخاري. فقد دل على أن الصحابة كانوا يفتون في عهد النبي ﷺ , وفي بلده, وقد عقد محمد بن سعد في الطبقات بابا لذلك وأخرج بأسانيد عوف, وأبي بن كعب, ومعاذ بن جبل, وزيد بن ثابت٣, وروى البيهقي في المدخل بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: لسعيد بن جبير: حدث. قال: أحدث وأنت شاهد؟ قال: أوليس من نعم الله عليك أن تحدث وأنا شاهد فإن أخطأت علمتك؟ ٤

стр. 188

وينبغي إذا طلب منه التحديث وفي المجلس من هو أولى منه أن يرشد إليه, فالدين النصيحة. أقول: ينبغي أن يكون هذا أدبا يحتذى لأهل العلم عامة فإذا سئل من هو أقل علما بحضرة من هو أكثر فليقدمه وليشر إليه قالوا: ولا يجوز أن يمتنع من تحديث أحد أو إفادته لكونه غير صحيح الفقه أوليس أهلا له؟ فعسى أن تخلص نيته وأن يصير أهلا لذلك, وليس أدل على هذا مما روي عن معمر وحبيب بن أبي ثابت قالا: "طلبنا الحديث وما لنا فيه نية فرزقنا الله النية", وقال معمر أيضا: "إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى العلم حتى يكون لله". وليحرص المحدث على نشر الحديث مبتغيا الأجر من الله ففي الصحيحين: "بلغوا عني ... " , "وليبلغ الشاهد الغائب" , وروى الحاكم في الأربعين مرفوعا: "من أدى إلى أمتي حديثا واحدا يقيم به سنة أو يرد به بدعة فله الجنة" , وروى البيهقي عن أبي ذر قال: "أمرنا رسول الله ﷺ ألا نغلب على أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعلم الناس السنن"١. "المسألة الثانية": يستحب للمحدث إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر ويتطيب ويحسن من هيئته ويجلس جلسة وقار وهيبة, فقد كان الإمام مالك يفعل ذلك فقيل له فقال: "أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ولا أحدث إلا على طهارة متمكنا", وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم, وكذلك كان قتادة لا يقرأ الأحاديث إلا على طهارة، وروي عن ابن المسيب أنه سئل عن حديث وهو مضطجع في مرضه, فجلس وحدث به فقيل له فقال: كرهت أن أحدث عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع, وسئل عبد الله بن المبارك عن

стр. 189

حديث وهو يمشي, فقال: "ليس هذا من توقير العلم" إلى غير ذلك مما روي عن السلف في توقير حديث رسول الله ﷺ وكرهوا أن يقوم المحدث لأحد وهو يحدث, وقالوا: إنه يكتب عليه خطيئة ... وإذا رفع أحد صوته في مجلس الحديث نهاه, هكذا كان يفعل الإمام مالك ﵁ ويقول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية١, "فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوته" وعليه أن يفتح مجلس التحديث ويختمه بالحمد والصلاة والتسليم على النبي ﷺ ودعاء يليق بالحال بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئا من القرآن الكريم, فقد روى الحاكم في المستدرك عن أبي سعيد الخدري قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرءوا سورة. أقول: عسى أن يكون هذا الأدب ملتزما عند افتتاح دروس العلم وعند التحدث في الإذاعات أو في النوادي والمجتمعات, ومن المؤسف أن بعض المتحدثين والمحاضرين يحرصون على بعض التقاليد المبتدعة ولا يحافظون على هذا الأدب الإسلامي الرفيع, بل إن الكثير منهم لا يبسملون, ويرضون لأنفسهم أن تكون أحاديثهم بتراء ... وعلى القارئ للحديث أن يقرأه على مهل وتؤدة مراعيا القواعد العربية والأصول في النطق ومخارج الحروف, وتمثيل المعاني بحيث يوحي إلى السامع بفهم المراد, ولا يسرع في القراءة إسراعا يمنع فهم بعضه وتدبره فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: "إن النبي ﷺ إنما كان يحدث حديثا لوعده العاد لأحصاه", وفي لفظ عند مسلم "إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث لسردكم", وفي لفظ عند البيهقي عقبه "إنما كان حديثه فصلا تفهمه القلوب".

стр. 190

"المسألة الثالثة": كان الحفاظ من العلماء المتقدمين والأئمة المتقنين ﵃ يعقدون مجالس لإملاء الحديث فإنه أعلى مراتب الرواية والسماع وفيه أحسن وجوه التحمل وأقواها, وهذا الإملاء سنة حسنة اتبعها السلف الصالح من الصحابة ﵃. روى البيهقي في المدخل بسنده عن معروف الخياط قال: "إني رأيت واثلة بن الأسقع ﵁ يملي على الناس الأحاديث وهم يكتبونها بين يديه" وكانت مجالسهم عامة, فيها علم جم, وخير كثير, ولهذه المجالس آداب منها: أنه إذا أكثر الجمع بحيث لا يستطيع الشيخ إسماعهم فليتخذ مستمليا محصلا متيقظا فطنا يبلغ عنه الحاضرين كما روى عن الإمام مالك وشعبه ووكيع وغيرهم, ولهذا أصل في السنة. فقد روى أبو داود والنسائي من حديث رافع بن عمرو قال: "رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء, وعلي يعبر عنه" وفي صحيح البخاري: عن أبي جمرة١ قال: "كنت أترجم٢ بين ابن عباس وبين الناس" فإن كثر الجمع بحيث لا يكفي مستمل واحد اتخذا اثنين أو أكثر, فقد أملى أبو مسلم الكجي٣ في رحبة غسان، وكان في مجلسه سبعة مستملون يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه, وحضر مجلسه نيف وأربعون ألف محبرة سوى النظارة"٤.

стр. 191

ويستحب أن يكون المستملي على شيء مرتفع كالكرسي ونحوه, وإلا قائما على قدميه ليكون أبلغ في الإسماع, ويجب على المستملي تبليغ ما يسمع من الشيخ المحدث من غير تغيير ولا تحريف. ومنها أن يبتدئ الإملاء بقراءة قارئ حسن الصوت شيئا من القرآن الكريم, ثم يستنصت المستملي الناس الحاضرين, ففي الصحيحين من حديث جرير أن النبي ﷺ قال: "استنصت الناس" ثم يبسمل ويحمد الله ويصلي ويسلم على رسول الله ﷺ ثم يقول للمحدث من ذكرت من الشيوخ؟ أو ما ذكرت من الأحاديث؟ رحمك الله أو رضي الله عنك وما أشبه من الدعاء, قال يحيى بن أكثم "نلت القضاء أو قضاء القضاء والوزارة وكذا وكذا ما سررت بشيء مثل قول المستملي: من ذكرت رحمك الله؟ وكلما ذكر النبي ﷺ رفع بها صوته, وإذا ذكر صحابيا قال ﵁ فإن كان ابن صحابي قال: ﵄, وكذا يترحم على الأئمة, فقد روى الخطيب أن الربيع بن سليمان قال له القارئ يوما: حدثكم الشافعي ولم يقل ﵁ فقال: الربيع ولا حرف حتى يقال: ﵁ وما أجله من أدب امتاز به سلفنا الصالح مع شيوخهم. ومنها أنه يحسن بالمحدث الثناء على شيخه حال الرواية عنه بما هو أهله كما فعل جماعة من السلف, فقد كان مسروق يقول إذا حدث عن السيدة عائشة "حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة" يعني من فوق سبع سماوات وكان عطاء يقول "حدثني البحر" يعني ابن عباس, وكان شعبة يقول "حدثني سيد الفقهاء: أيوب" وكان وكيع يقول: "حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث" وقال أبو مسلم الخولاني "حدثني الحبيب الأمين عوف بن مسلم". وليعتن بالدعاء لهم فضلا عن الثناء, ويجمع في ذكر شيخه بين الاسم

стр. 192

والكنية؛ لأنه أبلغ في إعظامه قال الخطيب: لكنه يقتصر في الرواية على اسم من لا يشكل كأيوب ويونس ومالك والليث ونحوهم وكذا على نسبة من هو مشهور بها كابن عون وابن جريج والشعبي والنخعي والثوري والزهري ونحو ذلك, ولا بأس أن يذكر من يروي عنه بلقب كعنذر, أو وصف كالأعمش, أو حرفة كالخياط, أو أم, كابن علية إذا عرف بها وقصد تعريفه لا عيبه أو تنقصه. ومنها أنه يستحب للشيخ المملي أن يروي في إملائه عن جماعة من غير أن يقتصر على واحد مقدما أرجحهم وأوثقهم ولا يروى إلا عن ثقات من شيوخه دون كذاب أو فاسق أو مبتدع, روى مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن مهدي قال: "لا يكون الرجل إماما وهو يحدث متنه من أحاديث الفقه والترغيب والترهيب ومكارم الأخلاق, وينبه على صحة الحديث أو حسنه أو ضعيفه, وما فيه من علة إن كانت, وعلى ما فيه من علو وفوائد في الإسناد أو المتن وضبط المشكل, وبيان الغريب, أو المعنى الغامض, وعليه أن يجتنب من الأحاديث ما لا تحتمله عقولهم أو يعسر عليهم فهمه كأحاديث الصفات المتشابهة التي لا يأمن على سامعها الغلط, والوقوع في التشبيه وفهمها على غير وجهها, وكذا أحاديث الرخص والإسرائيليات والقصص الباطلة, أو الموهم ظاهرها خلاف المراد منها؛ لأن مجلس الإملاء يحضره العلماء والعوام, وقد كان رسول الله ﷺ يسأل السؤال الواحد من جماعة فتختلف إجاباته على حسب أحوال السائلين والظروف والملابسات. وروى البيهقي في الشعب عن المقدام بن معديكرب عن رسول الله ﷺ : "إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يعزب أو يشق عليهم".

стр. 193

وقال سيدنا علي ﵁: "أتحبون أن يذكر الله ورسوله" حدثوا الناس بما يعرفون, ودعوا ما ينكرون" رواه البخاري١ تعليقا وقال ابن مسعود ﵁: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة", رواه مسلم في مقدمة صحيحه ويختم الإملاء بحكايات ونوادر وإنشادات, ولا سيما في الزهد والآداب ومكارم الأخلاق كعادة الأئمة في ذلك, وقد استدل له الخطيب بما رواه عن علي قال: "روحوا القلوب وابتغوا لها طرف الحكمة". وكان الإمام الزهري يقول لأصحابه: "هاتوا من أحاديثكم فإن الأذن مجاجة والقلب حمض"٢. "فائدة": قال السيوطي: وقد كان الإملاء درس بعد ابن الصلاح إلى أواخر أيام الحافظ أبي الفضل العراقي فافتتحه سنة ست وتسعين وسبعمائة, أملى أربعمائة مجلس وبضعة عشر إلى سنة موته سنة ست وثمانمائة, ثم أملى ولده إلى أن مات سنة ست وعشرين -يعني وثمانمائة- ستمائة مجلس وكسرا، ثم أملى شيخ الإسلام ابن حجر إلى أن مات سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة أكثر من ألف مجلس، ثم درس تسع عشرة سنة, فافتتحته سنة ثنتين وسبعين, فأمليت ثمانين مجلسا, ثم خمسين أخرى وينبغي ألا يملي في الأسبوع إلا يوما واحدا لحديث الشيخين عن أبي وائل قال: "كان ابن مسعود يذكر الناس كل يوم خميس فقال له رجل: لوددنا أنك ذكرتنا كل يوم فقال: أما إنه ما يمنعني من ذلك إلا أني أكره أن أملكم, وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا"٣.

стр. 194

روى البخاري عن عكرمة عن ابن عباس قال: "حدث الناس كل جمعة مرة, فإن أبيت فمرتين, فإن أكثر فثلاث مرات, ولا تمل الناس هذا القرآن, ولا تأت القوم وهم في حديث فتقطع عليهم حديثهم, ولكن أنصت, فإذا أمروك فحدثهم وهو يشتهونه" ولم أظفر لأحد بتعيين يوم الإملاء ولا وقته إلا أن غالب الحفاظ كابن عساكر وابن السمعاني والخطيب كانوا يملون يوم الجمعة بعد صلاتها فتبعتهم في ذلك. قال السيوطي: وقد ظفرت بحديث يدل على استحبابه بعد عصر يوم الجمعة وهو ما أخرجه البيهقي في الشعب عن أنس مرفوعًا "من صلى العصر ثم جلس يملي خيرًا حتى يمسي كأن أفضل ممن اعتنق ثمانية من ولد إسماعيل"١.

стр. 195

" آداب طالب الحديث ": علم الحديث من أجل العلوم الشرعية وأشرفها, فعلى طالبه أن يصحح النية, ويخلص لله في طلبه, وليحذر من أن يريد به التوصل إلى أغراض الدنيا فقد روى أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من تعلم علمًا مما يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" وقال حماد بن سلمة: "من طلب الحديث لغير الله مكر به" وقد كان السلف الصالح ﵃ لا يتعلمون العلم إلا لله فمن ثم استفادوا وأفادوا غيرهم, وصلح لهم وللناس أمر دينهم ودنياهم، وعليه أن يتحمل بالأخلاق الكريمة والآداب المرضية، وله في رسول الله ﷺ أسوة حسنة, فمن طلب حديث رسول الله ﷺ فليتأدب بأدبه, ويتخلق بأخلاقه،

стр. 196

وعليه أن يفرغ جهده في تحصيله, ويغتنم الحصول على أكثر قدر منه، فإن العلم بحر لا ساحل له، وعليه أن يستعين بالسهر والنصب ففي صحيح مسلم مرفوعا: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز ... ", وقال يحيى بن أبي كثير: "لا ينال العلم براحة الجسم" وقال الإمام الغزالي: "العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه"١, وعليه أن يستعين على طلبه بالخضوع له, والرغبة فيه, والتقشف والتقلل لا بإظهار الزهادة فيه والسأم منه حتى يُذَلِّله الله له ويسهله عليه, قال الإمام الشافعي: "لا يطلب هذا العلم من يطلبه بالتملل وغنى النفس فيفلح, ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش وخدمة العلم أفلح". ومن آداب الحديث أن يعمل بما يعلم ويحفظ ففي الحديث "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم", رواه أبو نعيم. وقال وكيع: "إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به", وقال الإمام أحمد بن حنبل: "ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة دينارا فاحتجمت وأعطيت الحجام دينارا", وقد كان السلف يستعينون على حفظ الحديث بالعمل به. وكان بشر الحافي يقول: "يا أصحاب الحديث أدوا زكاة هذا الحديث, اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث" وعلى طالب العلم ولا سيما الحديث إذا ظفر بعلم أو وقف على مسموعات لشيخه أنه يرشد إليه إخوانه من طلبة العلم والحديث فإن كتمانه لؤم يقع فيه جهلة الطلبة, وذووا الأثرة منهم. قال ابن معين: "من بخل بالحديث وكتم على سماعه لم يفلح", وكذا قال إسحاق بن راهويه، وقال ابن المبارك: "من بخل بالعلم ابتلي بثلاث: إما أن يموت فيذهب علمه، أو ينسى، أو يتبع السلطان"٢

стр. 197

وها هنا مسائل مهمة١. "المسألة الأولى": على طالب العلم ولا سيما العلم الشرعي أن يعظم شيخه ومن يستفيد منه, فإن ذلك من إجلال العلم وأسباب الانتفاع به ففي الحديث المرفوع "ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه" أي قدره وفضله رواه أحمد وغيره. وروى البيهقي عن ابن عباس قال: "وجدت عامة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار, فإن كنت لآتي باب أحدكم فأقبل ببابه ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي لقرابتي من رسول الله ﷺ ولكن كنت أبتغي بذلك طيب نفسه". وعن الشعبي قال: "ركب زيد بن ثابت فأخذ ابن عباس بركابه فقال لا تفعل يابن عم رسول الله ﷺ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا! فقبل زيد بن ثابت يده فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا". وروي عن سيدنا عمر أنه قال: "تواضعوا لمن تعلمون منه" وقال البخاري: "ما رأيت أحدا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين". وإذا سأل شيخه فليسأله بتأدب ويظهر له أنه مسترشد لا معترض وليحذر التعنت مع أستاذه والإلحاح في السؤال حتى يضجره أو يقطع حديثه وهو يتكلم, ولينزله من نفسه منزلة الأب بل أشد, وليستشره في أموره ولا سيما العلمية, وبذلك تتوثق العلاقة بين الطالب والأستاذ وتكون بينهما صلة روحية فوق الصلة العلمية, وليس من شك في أن الشيخ إذا شعر من تلميذه بهذا بل له غاية نصحه ومنحه عظيم رأيه, وقد كانت هذه المعاني متجلية بأحلى صورها في العصور الأولى, ولم تزل

стр. 198

هذه الآداب متبعة في الجامع الأزهر الشريف بكلياته ومعاهده، وغيره من الجوامع العلمية الإسلامية إلى عهد قريب, ونرجو أن تعود اليوم كما كانت, ومن العجيب أن هذه الآداب التي ذكرها المحدثون منذ بضعة عشر قرنا هي أمنية الأماني التي تنشدها الجامعات عربية وغير عربية في العصر الحديث بل وغيرها من جامعات الدنيا. ولا يمنعه الحياء والكبر طالب العلم من الاستفادة وأخذ العلم ممن دونه في النسب أو السن أو العلم أو نحوها, قال عمر ﵁: "من رق وجهه رق علمه" وقال أيضا: "لا تتعلم العلم لثلاث ولا تتركه لثلاث: لا تتعلم العلم لتمارس به، ولا ترائي به، ولا تباهي به، ولا تتركه حياء من طلبه، ولا زهادة فيه، ولا رضا بجهالة". وقالت السيدة عائشة: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين", رواه البخاري، وذكر البخاري عن مجاهد -تعليقا- قال: "لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر", وقال وكيع: "لا ينبل الرجل من أهل الحديث حتى يكتب عمن هو فوقه, وعمن هو مثله, وعمن هو دونه", وقال الأصمعي: "من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا". "المسألة الثانية": من آداب طالب الحديث أن يبدأ بالسماع, والاستفادة من أرجح شيوخ بلده إسنادا، وعلما وشهرة، ودينا، وزهدا، وغيرها إلى أن يفرغ منهم, ومن تفرد بشيء أخذه عنه أولا، فإذا فرغ من أخذ المهمات منهم فليرحل إلى سائل البلدان والأمصار, على ما كانت عليه عادة الحفاظ المبرزين, ففي الرحلة أمران: أحدهما: تحصيل علو الإسناد وتقديم السماع. والثاني: لقاء الحفاظ والعلماء والمذاكرة لهم والاستفادة منهم". وإن كان الأمران موجودين في بلده ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة, أو موجودين في كل منهما فيحصل حديث بلده ثم يرحل, وإذا

стр. 199

عزم على الرحلة فلا يترك أحدا من شيوخ بلده إلا ويكتب له ما تيسر وإن قل، ولذا قيل: "ضيع ورقة ولا تضيع شيخا"١.

стр. 200

الرحلة في سبيل العلم مدخل ... "الرحلة في سبيل العلم": لعل مما يتميز به أئمة العلم في الإسلام -ولا سيما أئمة الحديث- كثرة الارتحال وملازمة الأسفار, وقد جروا في ذلك على سنن بعض الصحابة والتابعين, فقد كان الواحد منهم يبلغه الحديث بطريق الثقات فلا يكتفي بهذا, بل يرحل الأيام والليالي حتى يأخذ الحديث عمن رواه بلا واسطة, وفي صحيح البخاري تعليقا قال: "ورحل جابر بن عبد الله الأنصاري مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد١ وإليك القصة بتمامها. روى الإمام البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد وأبو يعلى في مسنديهما, والبيهقي في "المدخل" من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "بلغني حديث رجل سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرا ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام, فأتيت عبد الله بن أنيس فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: نعم. فخرج فاعتنقني واعتنقته. فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله العباد أو قال الناس عراة غرلا ٢ بهما". قلنا: ما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء, ثم يناديهم ربهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الديان

стр. 201

لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة, ولا لأحد من أهل النار عند مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة". قلنا: كيف؟ وإنما نأتي الله عراة غرلا بهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات". واستدل البيهقي برحلة موسى ﵇ إلى الخضر وهي في صحيح البخاري١. وروى البيهقي في المدخل بسنده عن وهب بن عبد الله المعافري قال: قدم رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار على مسلمة بن مخلد٢ فألفاه نائما فقال: أيقظوه. قال: بل نتركه حتى يستيقظ قال: لست فاعلا. فأيقظوا مسلمة له. فرحب به وقال: انزل. فقال: لا حتى ترسل إلى عقبة بن عامر لحاجة لي إليه. فأرسل إلى عقبة فأتاه. فقال: هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من وجد مسلما على عورة فستره فكأنما أحيا موءودة من قبرها" فقال عقبة: نعم، وهذا الرجل الأنصاري المرتحل هو السيد الجليل أبو أيوب الأنصاري. رواه أحمد وكذلك روي عن بعض الصحابة مثل هذا٣.

стр. 202

" وارتحال التابعين ومن بعدهم ": وعلى هذا الدرب الواضح سار التابعون ومن جاء بعدهم من أئمة العلم والحديث روى الخطيب بسنده عن عبد الله بن عدي قال: بلغني حديث عن علي فخفت إن مات أن لا أجده عند غيره, فرحلت حتى قدمت عليه العراق, وروى بسنده عن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد.

стр. 203

وقال أبو العالية: "كنا نسمع عن أصحاب رسول الله ﷺ فلا نرضى حتى رحلنا إليهم فسمنا منهم". وسئل الإمام أحمد: "رجل يطلب العلم يلزم رجلا عنده علم كثير أو يرحل؟ قال يرحل يكتب عن علماء الأمصار". وقال ابن معين: أربعة لا يؤنس منهم رشد ... وعد منهم: رجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث١ ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى كتابي "أعلام المحدثين"٢. ولم تزل الرحلة من قديم الزمان ديدن العلماء والمحدثين, حتى القرن العاشر الهجري, ثم قصرت الهمم في العصور الأخيرة, واكتفى كل بعلماء بلده, بل ببعضهم, وعسى أن تحيا هذه السنة التي كادت أن تموت في بلاد الإسلام. "المسألة الثالثة": الجمع والانتخاب على طالب العلم والحديث أن يعتني بالمهم, وأن يكتب كل ما يقع له من حديث أو علم, والأولى له ألا ينتخب, فربما احتاج بعد ذلك إلى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخبه وتخيره، فيندم، وقد قال ابن المبارك: "ما انتخبت على عالم قط إلا وندمت", إلا أن أحتاج إلى الانتخابات فلا بأس, ومن أقوال المحدثين المأثورة قول أبي حاتم: "إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش"٣ وقد فسرها العراقي فقال: اكتب الفائدة ممن سمعتها منه ولا تؤثر حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموته أو سفره أو غير ذلك, فإذا كان وقت الرواية

стр. 204

أو العمل ففتش حينئذ يعني: فتخير ما صح وثبت. ودع ما عداه. أقول: وما أجدر أهل العلم ولا سيما المؤلفين والباحثين باتباع هذه الكلمة الحكيمة في تأليف رسائلهم وكتبهم, فعلى الواحد منهم أن يجمع النصوص والآراء التي تتصل ببحثه وعند الكتابة يتخير الصحيح والأليق بموضوعه، وهذه الكلمة التي قالها أبو حاتم تعتبر الأساس الصالح لتأليف الكتب العلمية والبحوث التي تنال بها درجات التخصص اليوم. "المسألة الرابعة": الجمع بين الحفظ والفقه للأحاديث: لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر من الحديث على سماعه وكتابته أو حفظه دون التعرف على فقهه وفهمه, فيكون قد أتعب نفسه من غير طائل, أو الحصول على أن يعد في أهل الحديث, بل عليه أن يجمع بين الرواية والدراية بحيث يعرف صحيحه من حسنه من ضعيفه, وفقهه ومعانيه, ولغته, وإعرابه, وما فيه من بلاغة وفصاحة, وأن يعرف أسماء رجاله, ومنازلهم من الجرح والتعديل, وكذا ناسخه ومنسوخه ومختلفه, ومشكله إلى غير ذلك, ولتكن عنايته بالصحيحين ثم سنن أبي داود, والترمذي، والنسائي١، ثم صحيح ابن خزيمة٢ ثم صحيح ابن حبان٣, ثم السنن الكبرى للبيهقي, فإنه لم يصنف مثله في بابه, ثم ما تمس الحاجة من كتب الحديث ثم كتب المسانيد, وأهمها مسند أحمد, والجوامع، وأهمها الموطأ ثم بكتب الأحكام وما أكثرها ثم كتب العلل ككتاب الدارقطني، ثم بكتب الرجال وضبط الأسماء وما أكثرها، وليعتني طالب الحديث بكتب غريبه، وكتب شروحه وهي

стр. 205

أكثر من أن تحصى, ولا سيما شرح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني, وشرحه أيضا للعلامة العين, فإنهما أجل كتب الشروح وأوسعها وأجمعها وبشروح صحيح مسلم، وأجلها شرح النووي. "المسألة الخامسة": إذا تأهل طالب العلم والحديث للتأليف فيه فليعتن بذلك, وليصرف جل همه للشرح وبيان المشكل ورد الشبه الواردة عليه, ولا سيما في عصرنا هذا, فقد تهجم على الأحاديث والسنن بغير علم من لا يكاد يعرف ما هو الحديث؟ وما هي السنة؟ وتحقيق الروايات ونحو ذلك, ولا نكاد نجد شيئا يثبت العلم ويدعو إلى استذكاره ومراجعة كتبه وأصوله ويقدح زند الفكر, ويشحذ الطبع ويبعث الهمم, ويبسط اللسان ويجيد البيان ويكشف المشتبه, ويوضح الملتبس. مثل التأليف وإنما يعرف ذلك من يعاني صنعة التأليف, ثم هو إلى ذلك ثواب لا ينقطع. وخلود دائم, وذكر جميل, وشذى يتضوع. وصدق الرسول الكريم حيث قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي, وصدق القائل: يموت قوم فيحيي العلم ذكرهم ... والجهل يجعل أحياء كأموات١ وقال الإمام النووي في شرح "المهذب" بالتصنيف يطلع على حقائق العلوم ودقائقها, ويثبت معه لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة, والتحقيق والمراجعة، والاطلاع على مختلف كلام الأئمة، ومتفقه وواضحه من مشكله، وصحيحه من ضعيفه, وجزله من ركيكه، وما لا اعتراض

стр. 206

فيه من غيره, وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد. قال الربيع١: لم أر الشافعي آكلا بنهار, ولا نائما بليل٢ لاهتمامه بالتصنيف. وقال النووي: في "تقريبه": وينبغي أن يتحرى في تصنيفه العبارات الواضحة والموجزة والاصطلاحات المستعملة، ولا يبالغ في الإيجاز بحيث يفضي إلى استغلاق المعنى، ولا في الإيضاح بحيث ينتهي إلى الركاكة، وليكن اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر. وقال في شرح المهذب: والمراد بذلك ألا يكون هناك تصنيف يغني عن مصنفه من جميع أساليبه, فإن أغنى عن بعضها فليصف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها مع ضم ما فاته من الأساليب, وليكن تصنيفه فيما يعم الانتفاع به ويكثر الاحتياج إليه٣. وقال الزركشي في قواعده: إن تصنيف العلم فرض كفاية على من منحه الله فهما واطلاعا, فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس. وقالوا: ينبغي أن لا يخلو تصنيف من أحد المعاني الثمانية التي اتصف بها العلماء وهي: ١- اختراع معدوم. ٢- أو جمع مفترق. ٣- أو تكميل ناقص. ٤- أو تفصيل مجمل. ٥- أو تهذيب مطول. ٦- أو ترتيب مخلط. ٧- أو تعيين مبهم. ٨- أو تبيين خطأ. كذا عددها أبو حيان, وتمكن الزيادة فيها. وذكر ابن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم وفضله" عن علي ﵁ أنه قال في خطبة خطبها: "واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون وقدر كل امرئ ما يحسن, فتكلموا في العلم تتبين أقداركم"٤.

стр. 207

أقول: وكلما كان المؤلف متمكنا من مادته وعلمه ظهرت شخصيته العلمية واضحة في مؤلفه. ولو ألف فيما مرجعه غالبًا إلى النقل والاصطلاح. ويمكنه أن يضفي على القديم شيئًا من الجدة فيبدو جديدًا. وأن يكون من المفرق وحده. ومن المتنافر شيئًا مألوفًا.. وعلى المؤلف في فن ألا يتسرع قبل أن يتاهل. وإلا جاءت آراؤه فطيرة. وعاد عليه ذلك بالعوار والنقص. وألا يخرج مؤلفه إلا بعد تحرير وتهذيب وتحقيق وتمحيص وتكرار النظر. وهذا هو السر في أن المحققين والمتثبتين في العلوم يغلب عليهم الإقلال في التأليف.

стр. 208

" أدب أهل العلم والحديث وطلابه مع الله ورسوله ": ينبغي المحافظة على الثناء على الله بما هو أهله كعز وجل وتبارك وتعالى ونحوه, وإن لم يكن في أصل الكتاب الذي يروي منه أو يقرؤه؛ لأنه يقصد به الثناء لا الرواية. وكذلك ينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ كلما ذكر ولا يسأم من تكراره. فإن من أغفله حرم حظًّا عظيمًا وثوابًا جزيلًا. فقد قيل في قوله ﷺ : "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة" صححه ابن حبان أنهم أهل الحديث لكثرة ما يتكرر ذكره في الرواية فيصلون عليه وأما الحديث الذي يورده البعض في هذا المقام وهو حديث: "من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" فقد حكم ابن الجوزي عليه بالوضع وعارضه السيوطي فقال: إنه وإن كان ضعيفًا فإن له طرقًا تخرجه عن الوضع وتقتضي أن له أصلًا. وكذلك حديث أنس يرفعه: "إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث وبأيديهم المحابر فيرسل الله إليهم جبريل فيسألهم من أنتم؟ وهو أعلم. فيقولون: أصحاب الحديث فيقول: ادخلوا الجنة طالما كنتم تصلون

стр. 209

على النبي في دار الدنيا", فقد حكم عليه الخطيب بالوضع وعارضه السيوطي١ وينبغي أن يجمع عند ذكره ﷺ بين الصلاة عليه بلسانه وكتابته ذلك ببنانه, ثم إن كانت الصلاة والتسليم في الكتاب الذي ينقل منه كتب ذلك بالاتفاق, فإن لم يكن في الأصل ففي كتابة ذلك خلاف فالإمام أحمد لا يرى كتابة ذلك, وكان يكتفي بالصلاة والتسليم نطقا, ومال إلى صنيع أحمد بن دقيق العيد فقال: "ينبغي أن يتبع الأصول والروايات" وغرضهم بذلك المحافظة على الأصول وصيانتها من التغيير والتبديل والاقتصار على المروي وخالف الإمام أحمد غيره من المتقدمين فقالوا: لا يتقيد بالأصل بل يكتبه خطا ويتلفظ به نطقا لأنه دعاء لا كلام يرويه. واختار بعض المتأخرين ما ذهب إليه الإمام أحمد محافظة على الأصول القديمة, ومراعاة لغاية الدقة والأمانة في النقل, ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم في الكتابة وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما قال الإمام النووي في صحيح مسلم٢, وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣. وقد اقتصر الإمام مسلم في مفتتح صحيحه على الصلاة, وهذا مما أنكر عليه. ويكره أيضا الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين أو أكثر كمن يكتب "صلعم" أو "ص". وكذلك ينبغي الترضي والترحم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار, ولا يجوز استعمال " " ونحوه في النبي ﷺ .

стр. 210

تقسيم الحديث من حيث عدد رواته المتواتر شروط المتواتر ... "تقسيم الحديث من حيث عدد رواته": ينقسم الحديث من حيث عدد رواته إلى متواتر وآحاد فالمتواتر: ما رواه جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب أو صدوره منهم اتفاقا من غير قصد ويستمر ذلك من أوله إلى آخره ويكون مرجعه إلى الحس من مشاهد أو مسموع أو نحوهما. والآحاد: ما ليس كذلك. المتواتر: "شروط المتواتر": ١- أنه يرويه جمع كثير، وقد اختلف في تحديده فقيل: خمسة, وقيل: سبعة, وقيل: عشرة لأنها أول جموع الكثرة, وقيل: اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل، وقيل: عشرون, وقيل: أربعون, وقيل: غير ذلك, وتمسك كل قائل بدليل جاء فيه ذكر ذلك العدد فأفاد العلم وليس بلازم أن يطرد في غيره لاحتمال الاختصاص. والمحققون على أن الصحيح عدم تعيين العدد وأن العبرة إنما هي بإفادة العلم بنفسه فأي عدد يفيد العلم بنفسه فهو المعتبر وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر. ٢- كون هذا العدد بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب أو صدوره منهم اتفاقا أي من غير قصد وبعض العلماء قال: "بحيث يحيل العقل" والمراد إحالة العقل المستند إلى العادة فيتوافق التعريفان. ٣- استمرار هذا العدد المفيد للعلم في السند من ابتدائه إلى منتهاه والمراد أن لا تنقص الكثرة المفيدة للعلم لا أنه لا يزيد إذ الزيادة هنا من باب أولى فلو رواه مثلا في طبقة ثلاثون ثم رواه عنهم أربعون فهو أولى وأحسن.

стр. 211

٤- أن يكون ذلك الخبر مستند رواته الحس من مرئي أو مسموع أو ملموس أو مذوق أو مشموم فلا تواتر في العقليات الصرفة كوجود الصانع وقدمه وقدم صفاته وحدوث العالم فلو أن أهل بلد أو مصر مثلا أخبروا بحدوث العالم أو بوجود الصانع لا يكون متواترا١ لأن العقليات لا يحصل اليقين بها إلا بالبرهان. ولا يشترط في الخبر المتواتر من حيث هو إسلام ولا عدالة لأن المعول عليه الكثرة بشروطها فلو أن أهل بلد أخبروا بحصول حادثة ما يحصل العلم بخبرهم ولو كانوا كفارا.

стр. 212

أقسام المتواتر: ينقسم المتواتر إلى قسمين: ١- لفظي. ٢- ومعنوي. فاللفظي: ما رواه جمع كثير ... إلخ, واتفقوا على لفظه وستأتي أمثلته من الأحاديث. والمعنوي: ما روي من طرق متعددة بألفاظ مختلفة إلا أنها اتفقت في إفادة شيء واحد وذلك مثل الأخبار التي نقلت كرم حاتم مثلا فإنها آحاد نقلت وقائع مختلفة يدل كل واحد منها على أن حاتما أعطى شيئا إذا نقل رجل عن حاتم أنه أعطى جملا وآخر أنه أعطى فرسا وثالث أنه أعطى مالا وهكذا لكنها مع هذا اشتركت في إفادة معنى واحد هو الكرم ومثل الأخبار التي نقلت شجاعة سيدنا علي مثلا فإنها نقلت وقائع مختلفة لكنها اتفقت في معنى واحد وهو الشجاعة, ومثاله في الحديث: أحاديث رفع اليدين في الدعاء لكنها في قضايا ووقائع مختلفة فكل واقعة منها لم تتواتر لكن القدر المشترك بينها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع٢.

стр. 213

العلم الذي يفيده المتواتر: المتواتر يفيد العلم اليقيني القطعي أي العلم الضروري الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكن دفعه واليقين: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع وهذا هو المعتمد وقال بعضهم: لا يفيد العلم إلا نظريا قال الحافظ ابن حجر: "وليس بشيء لأن العلم بالمتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي إذ النظر ترتب أمور معلومة أو مظنونة ليتوصل بها إلى علوم أو ظنون وليس في العامي أهلية ذلك فلو كان نظريا لما حصل لهم، ولاح بهذا التقرير الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري, إذ الضروري يفيد العلم بلا استدلال والنظري يفيده لكن مع الاستدلال على الإفادة وأن الضروري يحصل لكل سامع والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر والاستدلال"١. وقد خالف في إفادة المتواتر العلم بعض الطوائف ممن لا يعتد بهم لتهافت رأيهم قال الإمم الآمدي في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام": واتفق الكل على أن خبر المتواتر يفيد العلم خلافا للسمنية والبراهمة٢ في قولهم: لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد النائية والأمم السابقة والقرون الخالية والملوك والأنبياء والأئمة والفضلاء المشهورين والوقائع الجارية بين السلف الماضية بما يرد علينا من الأخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات عند إدراكنا لها بالحواس ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته وظهر جنونه"

стр. 214

الشبه التي أوردت على المتواتر: قد أورد بعض الناس شبها على وجود المتواتر وإفادته العلم وإليك بعضها: ١- قالوا: إن تصور اجتماع العدد الكثير على الأخبار بخبر واحد غير مسلم فإن الناس مختلفون في الأمزجة والطبائع والآراء والأغراض وقصد الصدق والكذب ومع هذا فلا يتصور واقعا فضلا عن كونه يفيد العلم لسامعه. والجواب: أن هذا مكابرة للمحسوس فإنه قد شوهد اتفاق العدد الكثير من الناس على الأخبار بكثير من الأشياء مع اختلاف طبائعهم وتنائي أماكنهم وذلك كاتفاقهم على الإخبار بوجود مكة أو القاهرة أو بغداد أو لندن أو برلين وغيرها من المدن والبلاد التي لم تشاهدها وإنما المعول في ذلك على إخبار العدد الكثير ونحن لا نشك في هذه المدن كما لا نشك في وجود الأنبياء والملوك والعظماء والمدار في ذلك على الأخبار. ٢- إن كل واحد يجوز عليه الكذب بتقدير انفراده كما يجوز عليه الصدق فلو امتنع عليه الكذب حالة الاجتماع مع غيره لانقلب الجائز ممتنعا وهو محال. والجواب: أنه لا يلزم في العقل أن ما يكون ثابتا لآحاد المجموع يكون ثابتا له فإنه ما من واحد من معلومات الله سبحانه إلا هو متناه مع أن جملة معلوماته تعالى غير متناهية، والمدعي أن المقطوع بصدقه هو المجموع لأكل واحد ومثال ذلك أيضا في المحسوس الخيط المكون من عدة خيوط فإن له من القوة والمتانة ما ليس لكل خيط على حدة وإنكار ذلك مكابرة. ٣- لو جاز أن تخبر جماعة بما يفيد العلم لجاز أن تخبر جماعة أخرى

стр. 215

بنقيض خبرهم فيلزم التناقض في الخبر الواحد وإنه محال كما إذا أخبر جماعة بأن فلان كان في وقت كذا حيا وأخبر جماعة كثيرون آخرون بأنه كان في ذلك الوقت ميتا ولا مرجح لأحدهما على الآخر لكونهما متساويين في الصفات فيلزم اجتماع العلم بحياته وموته في وقت واحد وهو محال فثبت أن التواتر لا يفيد العلم. والجواب: أن هذا فرض محال فإنه متى أخبر جمع توافرت فيه شروط التواتر بشيء فإنه لا يمكن لجمع آخر مساو له في تلك الشروط أن يخبر بما يناقض خبره. ٤- لو كان المتواتر مفيدا للعلم لأفاد خبر اليهود وبعض النصارى العلم بقتل عيسى ﵇ وصلبه واللازم باطل للقطع بوجود عيسى بعد الإخبار بقتله فالملزوم مثله. وأيضا فالقرآن الكريم وهو المتواتر القطعي نفي قصة القتل والصلب قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١ فيلزم التناقض بين الخبرين المتواترين. والجواب: منع تواتر خبر اليهود والنصارى إذ عدد المخبرين بقتله لم يبلغ حد التواتر لا في الطبقة الأولى ولا الوسطى، وشرط التواتر إخبار الكثير عن مثلهم في كل طبقة فاختل شرط التواتر في إخبارهم وكتاب الأناجيل والرسائل المعتمدة لا يبلغ عددهم العدد الكثير الذي لا بد منه في التواتر وأيضا فلم يخبر أحد منهم عن مشاهدة ومن نقل عنه المشاهدة كبعض النساء لا يؤمن عليه الاشتباه بل قال يوحنا في إنجيله: "إن مريم المجدلية وهي أعرف الناس بالمسيح اشتبهت فيه وظننت أنه البستاني" وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وإذا انعدم شرط التواتر فلا يكون خبرهم مفيدا للعلم قطعا وإنما هي ظنون لا
следующие страницы →