← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9987

الوسيط في علوم ومصطلح الحديث

محمد أبو شهبة

Полный текст (950 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٤- أن يكون ذلك الخبر مستند رواته الحس من مرئي أو مسموع أو ملموس أو مذوق أو مشموم فلا تواتر في العقليات الصرفة كوجود الصانع وقدمه وقدم صفاته وحدوث العالم فلو أن أهل بلد أو مصر مثلا أخبروا بحدوث العالم أو بوجود الصانع لا يكون متواترا١ لأن العقليات لا يحصل اليقين بها إلا بالبرهان. ولا يشترط في الخبر المتواتر من حيث هو إسلام ولا عدالة لأن المعول عليه الكثرة بشروطها فلو أن أهل بلد أخبروا بحصول حادثة ما يحصل العلم بخبرهم ولو كانوا كفارا.

стр. 212

أقسام المتواتر: ينقسم المتواتر إلى قسمين: ١- لفظي. ٢- ومعنوي. فاللفظي: ما رواه جمع كثير ... إلخ, واتفقوا على لفظه وستأتي أمثلته من الأحاديث. والمعنوي: ما روي من طرق متعددة بألفاظ مختلفة إلا أنها اتفقت في إفادة شيء واحد وذلك مثل الأخبار التي نقلت كرم حاتم مثلا فإنها آحاد نقلت وقائع مختلفة يدل كل واحد منها على أن حاتما أعطى شيئا إذا نقل رجل عن حاتم أنه أعطى جملا وآخر أنه أعطى فرسا وثالث أنه أعطى مالا وهكذا لكنها مع هذا اشتركت في إفادة معنى واحد هو الكرم ومثل الأخبار التي نقلت شجاعة سيدنا علي مثلا فإنها نقلت وقائع مختلفة لكنها اتفقت في معنى واحد وهو الشجاعة, ومثاله في الحديث: أحاديث رفع اليدين في الدعاء لكنها في قضايا ووقائع مختلفة فكل واقعة منها لم تتواتر لكن القدر المشترك بينها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع٢.

стр. 213

العلم الذي يفيده المتواتر: المتواتر يفيد العلم اليقيني القطعي أي العلم الضروري الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكن دفعه واليقين: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع وهذا هو المعتمد وقال بعضهم: لا يفيد العلم إلا نظريا قال الحافظ ابن حجر: "وليس بشيء لأن العلم بالمتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي إذ النظر ترتب أمور معلومة أو مظنونة ليتوصل بها إلى علوم أو ظنون وليس في العامي أهلية ذلك فلو كان نظريا لما حصل لهم، ولاح بهذا التقرير الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري, إذ الضروري يفيد العلم بلا استدلال والنظري يفيده لكن مع الاستدلال على الإفادة وأن الضروري يحصل لكل سامع والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر والاستدلال"١. وقد خالف في إفادة المتواتر العلم بعض الطوائف ممن لا يعتد بهم لتهافت رأيهم قال الإمم الآمدي في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام": واتفق الكل على أن خبر المتواتر يفيد العلم خلافا للسمنية والبراهمة٢ في قولهم: لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد النائية والأمم السابقة والقرون الخالية والملوك والأنبياء والأئمة والفضلاء المشهورين والوقائع الجارية بين السلف الماضية بما يرد علينا من الأخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات عند إدراكنا لها بالحواس ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته وظهر جنونه"

стр. 214

الشبه التي أوردت على المتواتر: قد أورد بعض الناس شبها على وجود المتواتر وإفادته العلم وإليك بعضها: ١- قالوا: إن تصور اجتماع العدد الكثير على الأخبار بخبر واحد غير مسلم فإن الناس مختلفون في الأمزجة والطبائع والآراء والأغراض وقصد الصدق والكذب ومع هذا فلا يتصور واقعا فضلا عن كونه يفيد العلم لسامعه. والجواب: أن هذا مكابرة للمحسوس فإنه قد شوهد اتفاق العدد الكثير من الناس على الأخبار بكثير من الأشياء مع اختلاف طبائعهم وتنائي أماكنهم وذلك كاتفاقهم على الإخبار بوجود مكة أو القاهرة أو بغداد أو لندن أو برلين وغيرها من المدن والبلاد التي لم تشاهدها وإنما المعول في ذلك على إخبار العدد الكثير ونحن لا نشك في هذه المدن كما لا نشك في وجود الأنبياء والملوك والعظماء والمدار في ذلك على الأخبار. ٢- إن كل واحد يجوز عليه الكذب بتقدير انفراده كما يجوز عليه الصدق فلو امتنع عليه الكذب حالة الاجتماع مع غيره لانقلب الجائز ممتنعا وهو محال. والجواب: أنه لا يلزم في العقل أن ما يكون ثابتا لآحاد المجموع يكون ثابتا له فإنه ما من واحد من معلومات الله سبحانه إلا هو متناه مع أن جملة معلوماته تعالى غير متناهية، والمدعي أن المقطوع بصدقه هو المجموع لأكل واحد ومثال ذلك أيضا في المحسوس الخيط المكون من عدة خيوط فإن له من القوة والمتانة ما ليس لكل خيط على حدة وإنكار ذلك مكابرة. ٣- لو جاز أن تخبر جماعة بما يفيد العلم لجاز أن تخبر جماعة أخرى

стр. 215

بنقيض خبرهم فيلزم التناقض في الخبر الواحد وإنه محال كما إذا أخبر جماعة بأن فلان كان في وقت كذا حيا وأخبر جماعة كثيرون آخرون بأنه كان في ذلك الوقت ميتا ولا مرجح لأحدهما على الآخر لكونهما متساويين في الصفات فيلزم اجتماع العلم بحياته وموته في وقت واحد وهو محال فثبت أن التواتر لا يفيد العلم. والجواب: أن هذا فرض محال فإنه متى أخبر جمع توافرت فيه شروط التواتر بشيء فإنه لا يمكن لجمع آخر مساو له في تلك الشروط أن يخبر بما يناقض خبره. ٤- لو كان المتواتر مفيدا للعلم لأفاد خبر اليهود وبعض النصارى العلم بقتل عيسى ﵇ وصلبه واللازم باطل للقطع بوجود عيسى بعد الإخبار بقتله فالملزوم مثله. وأيضا فالقرآن الكريم وهو المتواتر القطعي نفي قصة القتل والصلب قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١ فيلزم التناقض بين الخبرين المتواترين. والجواب: منع تواتر خبر اليهود والنصارى إذ عدد المخبرين بقتله لم يبلغ حد التواتر لا في الطبقة الأولى ولا الوسطى، وشرط التواتر إخبار الكثير عن مثلهم في كل طبقة فاختل شرط التواتر في إخبارهم وكتاب الأناجيل والرسائل المعتمدة لا يبلغ عددهم العدد الكثير الذي لا بد منه في التواتر وأيضا فلم يخبر أحد منهم عن مشاهدة ومن نقل عنه المشاهدة كبعض النساء لا يؤمن عليه الاشتباه بل قال يوحنا في إنجيله: "إن مريم المجدلية وهي أعرف الناس بالمسيح اشتبهت فيه وظننت أنه البستاني" وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وإذا انعدم شرط التواتر فلا يكون خبرهم مفيدا للعلم قطعا وإنما هي ظنون لا

стр. 216

تغني من الحق شيء كما صرح به القرآن الشاهد والمهيمن على الكتب السماوية كلها. والأحرار من رجال الفكر في الغرب على أن هذه الأناجيل كتبت بعد عصر عيسى ﵇ ولعلك على ذكر مما نقلناه عن ابن حزم فيما سبق من انقطاع أسانيد اليهود والنصارى وعدم اتصالها وقد بين العلامة الشيخ رحمة الله الهندي ﵀ وغيره انقطاع أسانيد هذه الكتب وتناقضها بالدلائل البينات. ثم إن إنجيل برنابا -وقد سلم من التحريف- ينكر قصة الصلب ويوافق القرآن في هذا وأيضا فقد أنكر الصلب من المسيحيين فرق "السيرنثيين" و"التاتيانوسيين" اتباع تاتيانوس وقال: "نونيوس" إنه قرأ كتابا يسمى رحلة الرسل فيه أخبار بطرس ويوحنا، واندراوس، وتوما، وبولس، ومما قرأ فيه: "إن المسيح لم يصلب ولكنه صلب غيره وقد ضحك بذلك من صالبيه", وقد حرمت مجامعهم الأولى قراءة الكتب التي تخالف الأناجيل الأربعة والرسائل التي اعتمدتها فصار أتباعهم يحرقون هذه الكتب ويتلفونها إلا ما سلم منهم كإنجيل "برنابا". والخلاصة: أن أخبار اليهود والنصارى بقتل عيسى وصلبه ليست متواترة ولا تفيد العلم قط.

стр. 217

وجود المتواتر من الأحاديث: اختلفت أنظار العلماء في هذا الموضوع فادعى ابن حبان ومن تبعه عدم وجود المتواتر من الحديث وقال ابن الصلاح ما خلاصته: "إن مثال المتواتر على التفسير المتقدم يعز -يندر- وجوده إلا أن يدعي ذلك في حديث: "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ١ وذهب

стр. 218

العراقي والحافظ ابن حجر وغيرهما من أئمة الحديث إلى وجود المتواتر لفظا أو معنى وجود كثرة وقد رد الحافظ ابن حجر على من قال بالقلة أو العدم فقال: "وما ادعاه -يعني ابن الصلاح- من العزة ممنوع، وكذا ما ادعاه غيره من العدم به؛ لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطئوا على الكذب أو يحصل منهم اتفاقا ومن أحسن ما يقرر به كونه المتواتر موجودا وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقا وغربا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعددا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقيني إلى قائله ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير"١. وقد عد العراقي من الأحاديث المتواترة: أحاديث الحوض وأحاديث الشفاعة، والمسح على الخفين وأحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد، ورفع اليدين في الصلاة للإحرام والركوع والرفع منه؛ وقال: إن ابن حزم قال في "المحلى": إنها متواترة؛ كما ذكر من قال بتواترها من العلماء كالقاضي عياض وابن عبد البر٢. وذكر نحو ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وعد من المتواتر حديث: "من بنى لله مسجدا" والمسح على الخفين، ورفع اليدين في الصلاة، والشفاعة والحوض، ورؤية الله في الآخرة وحديث: "الأئمة من قريش", وغير ذلك والله المستعان" ٣. ومن جزم بوجود المتواتر بكثرة الحافظ جلال الدين السيوطي

стр. 219

وألف في ذلك كتابا أسماه "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة" ثم لخصه في كتاب سماه "قطف الأزهار" أورد فيها أحاديث كثيرة منها ما ذكرناه وزاد أحاديث أخرى مثل: "نضر الله امرأ سمع مقالتي" , وحديث: "كل مسكر حرام" , وحديث: "بدأ الإسلام غريبا" وحديث: سؤال منكر ونكير، وحديث: "كل ميسر لما خلق له" , إلى غير ذلك١. وقد ذهب بعض المحققين إلى أن النزاع لفظي: فمن جزم بوجود المتواتر فيما يروي أراد المتواتر المعنوي كما يظهر من الأدلة التي ذكروها: ومن جزم بعدمه أو ندرته أراد المتواتر اللفظي. والذي يظهر لي بعد البحث والنظر في كلام الأئمة واستقراء الأحاديث المتواترة وجود المتواتر اللفظي ولكنه قليل وأن من قال بعدمه لم يصب وأما المتواتر المعنوي فكثير.

стр. 220

" أمثلة المتواتر ": ١- روى البخاري ومسلم وغيرهما بأسانيدهم إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" فقد رواه الجم الغفير من الصحابة, قيل: أربعون وقيل: اثنان وستون، ولم يزل العدد على التوالي في ازدياد وقد اجتمع على روايته العشرة المبشرون بالجنة ووصل ابن الجوزي بطرقه إلى أزيد من التسعين ووصل بها الحافظ ابن حجر في الفتح إلى مائة إلا أنها ليست كلها صحيحة كما أن بعضها في ذم مطلق الكذب على النبي من غير تقيد بهذا الوعيد الخاص ومهما يكن من شيء فالحديث بهذا اللفظ متواتر ولا ريب١.

стр. 221

٢- روى البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث بأسانيدهم إلى النبي ﷺ أنه مسح على الخفين١ قال الحافظ في الفتح٢: "وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين منهم العشرة المبشرون بالجنة وفي مصنف ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين. ٣- روى البخاري ومسلم٣ وغيرهما بأسانيدهم عن أبي هريرة "أن ناسًا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال: "هل تضارون ٤ في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله قال: "هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب" , قالوا: لا يا رسول الله قال: "فإنكم ترونه كذلك ... " الحديث, وقد ذهب إلى تواتره جمع من الحفاظ الثقات النقاد منهم القاضي عياض في الشفاء والحافظ ابن حجر وغيرهما. ٤- روى البخاري ومسلم وغيرهما بأسانيدهم عن النبي ﷺ قال: حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء، ومن شرب منه فلا يظمأ أبدًا"٥, وقد حكم بتواتره جمع من الحفاظ منهم القاضي عياض والحافظان العراقي وابن حجر والحافظ السيوطي وغيرهم. "فائدة" اشتهر عند بعض الناس أن حديث: "إنما الأعمال بالنيات"

стр. 222

متواتر وهذا غير صحيح لأنه فقد شرطا من شروط التواتر وهو العدد الكثير في كل طبقة من أوله إلى آخره وهذا الحديث لم يصح عن رسول الله ﷺ إلا من طريق عمر ﵁ ولم يصح عن عمر إلا من طريق علقمة بن وقاص الليثي ولم يصح عن علقمة إلا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يصح عنه إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري وأكثر رواته بعد يحيى هذا حتى قيل: إنه رواه عنه نحو مائتين فهو ليس بمتواتر ولا مشهور وإنما هو حديث فرد غريب صحيح وإنما اشتهر في آخره.

стр. 223

أخبار الآحاد المشهور من الحديث ... أخبار الآحاد: خبر الواحد: هو ما لم تجتمع فيه شروط المتواتر فيشمل ما رواه واحد في طبقة أو في جميع الطبقات، وما رواه اثنان وما رواه ثلاثة فصاعدا ما لم يصل إلى عدد التواتر. وتنقسم إلى: ١- مشهور. ٢- وعزيز. ٣- وغريب. المشهور من الحديث: هو ما رواه ثلاثة فصاعدا ولم يصل إلى حد التواتر وهذا هو المراد بالشهرة عند المحدثين سمي بذلك لوضوحه وظهوره وسماه جماعة من الفقهاء: "المستفيض" لانتشاره مأخوذ من فاض الماء يفيض فيضا، ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض يكون في ابتدائه ووسطه وانتهائه سواء والمشهور أعم من ذلك ومنهم من قال بالعكس. والمشهور يكون صحيحا وحسنا وضعيفا على حسب صفات وله والمشهور منه ما هو مشهور بين أهل الحديث خاصة, ومنه ما هو مشهور بين الفقهاء وبين الأصوليين ومنه ما هو مشهور بين المحدثين

стр. 224

وغيرهم من العلماء والعامة. مثال المشهور على الاصطلاح وهو صحيح حديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد" , رواه الشيخان ومثل له الحاكم وابن الصلاح بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" , وقد بينت الحق فيه وإنه صحيح وليس بمتواتر ولا مشهور ومثال المشهور وهو حسن حديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" , فقد قال المزي: إنه له طرقا يرتقي بها إلى رتبة الحسن ومثاله وهو ضعيف حديث: "الأذنان من الرأس" كما قال الحاكم. ومثال المشهور بين أهل الحديث خاصة حديث أنس "أن رسول الله ﷺ قنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية" أخرجه الشيخان. ومثال المشهور عند الفقهاء وهو صحيح حديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" , صححه الحاكم، ومثاله وهو حسن حديث: "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة" , حسنه الترمذي ومثاله وهو ضعيف حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد", ضعفه حفاظ الحديث. ومثال المشهور عند الأصوليين حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" , صححه ابن حبان والحاكم بلفظ: "إن الله وضع ... ". ومثال المشهور عند أهل الحديث والعلماء حديث: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" , فقد رواه في كل طبقة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أكثر من ثلاثة. وقد يطلق المشهور بحسب اللغة على ما اشتهر على الألسنة فيشمل المشهور في الاصطلاح وما ليس له إلا إسنادان وما ليس له إلا إسناد واحد بل يطلق على ما لا يوجد له إسناد أصلا، وهو ما لا أصل له،

стр. 225

وما هو موضوع مكذوب من الأحاديث مثل حديث: "كنت كنزا مخيفا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني"، وهو موضوع كما قال ابن تيمية وغيره والعجب أن بعض الخاصة يغلط في ذكره زاعما أنه حديث، ومثل: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، ومثل: "ولدت في زمن الملك العادل كسرى"، و"ربيع أمتي العنب والبطيخ"، و"الباذنجان لما أكل له" و"العدس قدس على لسان سبعين نبيا". فكلها باطلة مكذوبة على النبي -صلى الله عليه وسلم١ ومثل: "يوم صومكم يوم نحركم"، و"من بشرني بخروج آذار٢ بشرته بالجنة" فقد قال الإمام أحمد: إنهما من الأحاديث التي تدور على ألسنة الناس ولا أصل لها إلى غير ذلك من الأحاديث المشتهرة وهي مختلفة ويغلط في ذكرها العامة وبعض الخاصة وقد بينت الكثير من ذلك في كتابي: "الوضع في الحديث ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين"٣, وهو الذي نلت به إجازة العالمية من درجة أستاذ "الدكتوراه". "المؤلفات في الأحاديث المشهورة": جمع العلامة الزركشي بدر الدين "م ٧٩٤هـ" كتابا سماه "اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة" والحافظ السخاوي كتابا سماه "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" واختصره الشيخ عبد الرحمن بن الديبع الزبيدي في كتاب سماه "تمييز الطلب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث" وللحافظ السيوطي كتاب اللآلئ المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" وللعلامة العجلوني كتاب "كشف الخفا ومزيل الإلباس عما

стр. 226

اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس", وكلها عدا الأول مطبوعة, وبهذه الكتب يسر العلماء -جازاهم الله خيرا- لأهل العلم وغيرهم عرفة درجة كل حديث لا يقعون في الإثم بسبب إشاعة الكذب على رسول الله ﷺ بذكر أحاديث مشهورة وهي موضوعة باطلة أو لا أصل لها أو واهية ساقطة أو ضعيفة شديدة الضعف لا يقوم بها الاحتجاج حتى في فضائل الأعمال كما هو حاصل اليوم بين بعض المتحدثين في الندوات والمحافل أو المؤلفين والكاتبين في المجلات والصحف أو بعض الأئمة والخطباء والوعاظ والمدرسين في المدارس والمعاهد والكليات وإني في هذا المقام أذكر بالحديث الذي ذكرته فيما سبق: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" , وحديث: "من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".

стр. 227

العزيز: ما لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين وهكذا وقد يزيد في بعض طبقاته كما عرفه الحافظ ابن حجر، وهذا أحسن وأدق من تعريفه بأنه ما رواه اثنان عن اثنين وهكذا فإن هذا الثاني لا يكاد يوجد. مثاله ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة والشيخان من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" , فقد رواه من الصحابة أنس وأبو هريرة ورواه عن أنس اثنان: قتادة، وعبد العزيز بن صهيب ورواه عن قتادة اثنان: شعبة، وسعيد، ورواه عن عبد العزيز اثنان: إسماعيل بن علية، وعبد الوارث ورواه عن كل منهما جماعة. قال السخاوي: وسعيد ما يحرر فإني قلدت شيخنا١ فيه، مع عدم وقوفي عليه لعدم الفحص. ٣- الغريب: هو الحديث الذي تفرد بروايته راو واحد في كل

стр. 228

الطبقات أو بعضها، ومثاله حديث: "إنما الأعمال بالنيات ... " فهو حديث فرد غريب في أوله مستفيض في آخره وهو صحيح ثم الغريب إما أن يقع التفرد به في أصل السند وهو طرفه الذي فيه الصحابة أو لا يكون كذلك بأن يكون التفرد في أثنائه كأن يرويه عن الصحابة أكثر من واحد ثم يتفرد بروايته واحدا وأكثر. فالأول هو الفرد المطلق كحديث: "النهي عن بيع الولاء وهبته"١ تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد يتفرد به راو عن ذلك المنفرد كحديث "شعب الإيمان" وهو ما رواه البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" , ورواه مسلم بزيادة: "أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" , فقد تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم وفي مسند البزار، والمعجم الأوسط للطبراني وكذا الصغير أمثلة كثيرة لذلك قال السخاوي: وللدارقطني كتاب "الأفراد" في مائة جزء. والثاني الفرد النسبي: وسمي نسبيا لكون التفرد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين ويقل إطلاق الفرد عليه، لأن الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحا إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي وهذا من حيث إطلاق الاسمية عليهما وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان أو أغرب به فلان٢ ويدخل

стр. 229

في الغريب ما انفرد راو بروايته أو بزيادة في متنه أو سنده لم يذكرها غيره, ولا يدخل فيه أفراد البلدان كقولهم: تفرد به أهل مكة أو المدينة؛ أو الشام أو مصر إلا أن يقال تفرد به أهل المدينة ويراد تفرد واحد منهم تجوزا. أقسامه: وينقسم الغريب إلى صحيح كأفراد الصحيحين وإلى غير صحيح وهو الغالب على الغرائب قال الإمام أحمد بن حنبل: "لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء", وقال الإمام مالك: "شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس", وقال عبد الرزاق: "كنا نرى أن غريب الحديث خير فإذا هو شر" وقال ابن المبارك: "العلم الذي يجيئك من ها هنا وها هنا يعني المشهور", رواه البيهقي في المدخل وروى عن الزهري قال: "ليس من العلم ما لا يعرف إنما العلم ما عرف وتواطأت عليهم الألسن" إلى غير ذلك. وينقسم أيضا إلى غريب متنا وإسنادا كما إذا انفرد بمتنه راو واحد وإلى غريب إسنادا لا متنا كحديث روى متنه جماعة من الصحابة انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر وفيه يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه ولا يوجد غريب متنا لا إسنادا إلا إذا اشتهر الحديث الفرد في آخره فيكون غريبا متنا لا إسنادا بالنسبة إلى طرفه المشهور الأخير كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" , وقد تقدم تحقيقه١.

стр. 230

تقسيم الحديث من حيث نسبته إلى قائله مدخل ... "تقسيم الحديث من حيث نسبته إلى قائله": قسم علماء الحديث الحديث من هذه الحيثية إلى ثلاثة أقسام: المرفوع، والموقوف، والمقطوع. "المرفوع": ١- عرفه جمهور المحدثين بأنه ما أضيف إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة خِلقية أو خُلقية وسواء أكان متصلا أم منقطعا أم مرسلا، وإذا أطلق المرفوع لا ينصرف إلا إلى المضاف إلى النبي ﷺ . ٢- وعرفه الخطيب البغدادي فقال: هو ما أخبر فيه الصحابي عن قول رسول الله أو فعله أو تقريره أو صفته وعلى تعريف الخطيب لا يكون المرفوع مرسلا وهو ما سقط من سنده الصحابي. "الموقوف": هو ما روي عن الصحابة -رضوان الله عليهم- من أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم متصلا كان إسناده أو منقطعا, وإذا ذكر الموقوف من غير تقييد أريد به الموقوف على الصحابي, أما استعماله في غير الصحابي فلا يكون إلا مقيدا فيقال مثلا وقفه مالك عن نافع أو هذا موقوف على الزهري، ونافع والزهري تابعيان. ومن العلماء من لا يدخل التقرير في الموقوف، لأن تقرير النبي ﷺ حجة بخلاف تقرير الصحابي فليس بحجة. وأما فقهاء خراسان فيسمون الموقف أثرا قال أبو القاسم الفوراني

стр. 231

منهم: "الخبر ما كان عن رسول الله ﷺ والأثر: ما كان عن الصحابي، وهو اصطلاح خاص لهم، ومن ثم يسمى كثير من العلماء الكتب الجامعة لما جاء عن النبي وما جاء عن الصحابة "السنن والآثار" ككتابي البيهقي والطحاوي. "المقطوع": هو ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم وأفعالهم وألحق الحافظ ابن حجر في شرح النخبة بالمقطوع الموقوف على من بعد التابعين من اتباع التابعين فمن بعدهم وإن شئت قلت: موقوف على فلان. وجمهور المحدثين والفقهاء إن المقطوع غير المنقطع فالأول من صفات المتن والثاني من صفات الإسناد وربما وقع في كلام بعض العلماء إطلاق المقطوع على المنقطع وبالعكس ومن هؤلاء الشافعي والحميدي والدارقطني والطبراني وهو تجوز وتوسع في الاصطلاح١ وإن كان يعتذر عن الإمام الشافعي بأن استعماله قبل استقرار الاصطلاح كقوله في بعض الأحاديث حسن وهو على شرط الشيخين٢ أي صحيح في غاية الصحة.

стр. 232

" مظان الموقوف والمقطوع ": نجد هذين النوعين كثيرا في مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق وتفاسير ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم. "اشتراك هذه الثلاثة في الصحيح والحسن والضعيف": وهذه الأقسام الثلاثة تشترك في الصحة والحسن والضعف فما اجتمع

стр. 233

فيه شروط الصحة منها فهو صحيح وما رواه اجتمع فيه شروط الحسن فهو حسن وما فقد شرط من شروط الصحيح والحسن فهو ضعيف. أما ما ثبت عن رسول الله ﷺ صحيحا كان أم حسنا فهو حجة ويجب العمل به باتفاق من يعتد به من العلماء. وأما ما ثبت عن الصحابة صحيحا كان أم حسنا فإن أجمعوا عليه كان إجماعا وحجة، وأما ما اختلفوا فيه فالجمهور على أنه حجة ويتخير منه ما كان أقرب إلى القرآن والسنة وخالف في حجيته البعض١. وأما ما ثبت عن التابعين ففيه خلاف من الأئمة من احتج به ومنهم من لم يحتج، ومما ذكرناه تبين سبب اعتناء بعض جامعي الأحاديث بجمع الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين. وذكر صاحب "قواعد التحديث"٢ الموقوف والمقطوع من الأنواع التي تختص بالضعيف وهو غير صحيح ولا أعلم له سلفا في هذا وقد خرج الإمام البخاري بعض الآثار الموقوفة والمقطوعة في تراجم صحيحه لا في أصل كتابه تعليقا ومنها ما هو صحيح ومنها ما ليس بصحيح كما ستعلم ذلك فيما بعد.

стр. 234

" ما له حكم المرفوع من الموقوف والمقطوع ": وهنا مسائل يحسن ذكرها هنا لنبين حكمها وما يتعلق بها. "الأولى" قول الصحابي كنا نقول كذا أو نفعل كذا ما حكمه؟ إن لم يضفه إلى زمان رسول الله ﷺ فهو موقوف عند جمهور المحدثين والفقهاء والأصوليين، وقال الحاكم والرازي والآمدي وغيرهم: إنه مرفوع ومثاله

стр. 235

قول عائشة ﵂، "كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه" وما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال: "كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا". وأن أضيف إلى زمان رسول الله ﷺ فالصحيح الذي عليه الجمهور أنه مرفوع؛ لأن الظاهر أن رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وقررهم عليه لتوفر دواعيهم على سؤاله ﷺ وتقريره أحد وجوه السنن المعروفة، ومن أمثلة ذلك قول جابر: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ", رواه الشيخان. وقوله: "كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله ﷺ "١, رواه النسائي وابن ماجه وخالف في هذا أبو بكر الإسماعيلي فقال: إنه موقوف، وهو بعيد جدا والصحيح الأول وقال آخرون: إن كان هذا مما لا يخفى غالبا فمرفوع وإلا فموقوف، فإن كان فيه تصريح باطلاعه ﷺ فمرفوع إجماعا مثل قول ابن عمر: "كنا نقول ورسول الله حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان ويسمع ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره" رواه الطبراني في المعجم الكبير والحديث في الصحيح بدون ذكر التصريح المذكور، ومن المرفوع أيضا اتفاقا الأحاديث التي فيها ذكر صفة النبي ﷺ ونحو ذلك. أما قول الصحابي: كنا لا نرى بأسا بكذا ورسول الله فينا، أو في حياة رسول الله ﷺ أو كانوا يقولون كذا في عهده أو كانوا يفعلون كذا في حياته فكل هذا وأمثاله له حكم المرفوع، ومن المرفوع قول المغيرة بن شعبة: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير", رواه البيهقي في المدخل قال ابن الصلاح: بل هو أحرى بأن يكون رسول الله اطلع عليه وأقرهم عليه. وأما قول التابعي: كنا نفعل كذا فليس بمرفوع قطعا، ثم إن لم

стр. 236

يضفه إلى زمن الصحابة فمقطوع وإن أضاف ففي احتمالان: الوقف وعدمه وجه الأول: أن الظاهر اطلاعهم على ذلك وتقريرهم عليه ووجه الثاني: أن تقرير الصحابي قد لا ينسب إليه بخلاف تقرير النبي ﷺ . "الثانية" قول الصحابي: أمرنا بكذا ومثل له السيوطي في التدريب بقول أم عطية ﵂: "أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور١، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين" أخرجه الشيخان، وقوله: نهينا عن كذا كقولها أيضا "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" رواه الشيخان وقوله: من السنة كذا كقول علي: "من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة", رواه أبو داود من رواية ابن داسه وابن الأعرابي، وقوله: أمر فلان بكذا كقول أنس: "أمر بلال أن يشفع الآذان ويوتر الإقامة", رواه الشيخان فكل هذا وما أشبهه مرفوع حكما على الصحيح الذي قاله الجمهور لأن ذلك بظاهر ينصرف إلى من له الأمر والنهي ومن يجب اتباع سنته وهو رسول الله ﷺ ، ولا فرق بين قول الصحابي ما تقدم في حياة رسول الله ﷺ أو بعده. وخالف أبو بكر الإسماعيلي في هذا أيضا فقال: ليس بمرفوع لاحتمال أن يكون الآمر غيره كأمر القرآن أو بعض الخلفاء، أو يريد سنة غيره وأجيب عنه بأن هذا بعيد والأصل في الآمر والناهي والسنة هو الأول. ويدل على أن قول الصحابي من السنة كذا يريدون سنة النبي ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم أن

стр. 237

الحجاج بن يوسف عام نزل بابن الزبير ﵄ سأل عبد الله ﵁ كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر١ بالصلاة يوم عرفة فقال عبد الله بن عمر: صدق إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة فقال ابن شهاب لسالم أفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال سالم: وهل يتبعون٢ في ذلك إلا سنته؟ وفي رواية "يبتغون" قال السيوطي: "فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم كانوا إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي ﷺ . وأما قول بعضهم إن كان مرفوعا فلم لا يقولون فيه قال رسول الله ﷺ فجوابه: "أنهم تركوا الجزم بذلك تورعا واحتياطا" وروى البخاري أيضا عن سالم أنه قال للحجاج: إن كنت تريد السنة فأقصر الخطبة وعجل الوقوف فجعل الحجاج ينظر إلى أبيه عبد الله بن عمر فقال له: صدق قال ابن عبد البر تعليقا على هذه الرواية: هذا الحديث يدخل عندهم في المسند لأن المراد بالسنة سنة رسول الله ﷺ إذا أطلقت ما لم تضف إلى صاحبها كسنة العمرين، قال الحافظ ابن حجر: وهي مسألة خلاف عند أهل الحديث والأصول وجمهورهم على ما قال ابن عبد البر وهي طريقة البخاري ومسلم ويقويه قول سالم لابن شهاب إذ قال له: أفعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال: وهل يتبعون في ذلك إلا سنته وهي القصة التي ذكرناها قبل. ومن هذا قول أبي قلابة عن أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على

стр. 238

الثيب أقام عندها سبعا" أخرجه الشيخان قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي ﷺ أي لو قلت لم أكذب، لأنه قوله من السنة كذا هذا معناه لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى. وبعض العلماء خصص الخلاف بغير الصديق رضي الله تعالى عنه أما هو فإن ذلك فمرفوع بلا خلاف ومثل قوله من السنة كذا قول ابن عباس في متعة الحج: "سنة أبي القاسم" وقول عمرو بن العاص في عدة أم الولد: "لا تلبسوا علينا سنة نبينا" رواه أبو داود، وقول عمر ﵁ في المسح: "أصبت السنة" صححه الدارقطني في سنته وأقربها إلى الرفع سنة أبي القاسم ويليها سنة نبينا ويلي ذلك أصبت السنة. أما قول التابعي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فجزم أبو نصر ابن الصباغ في كتاب "العدة" في أصول الفقه أنه مرسل، وحكي وجهين فيما إذا قال ذلك سعيد بن المسيب أيكون حجة: أم لا؟ وذكر الغزالي في "المستصفى" فيه احتمالين من غير ترجيح أيكون موقوفا أم مرفوعا مرسلا؟ وأما إذا قال التابعي: من السنة كذا كقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات" رواه البيهقي في سننه أهو مرسل مرفوع أم موقوف متصل؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام الشافعي حكاهما النووي في شرح مسلم وشرح "المهذب" وشرح "الوسيط" وقال: "الصحيح أنه موقوف" وحكى الداودي في شرح مختصر المزني: أن الشافعي ﵁ كان يرى في القديم أن ذلك مرفوع ثم رجع عنه في الجديد لأنهم قد يطلقونه ويريدون به سنة البلد١. "الثالثة" قول الصحابي الذي لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات فيما

стр. 239

لا يقال بالرأي ولا مجال للاجتهاد فيه ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح كلمة غريبة له حكم المرفوع وذلك كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص وإنما كان له حكم المرفوع لأن إخباره بذلك يقتضي مخبرا له وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفا للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبي ﷺ أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة كأهل الكتاب الذي أسلموا, وقد احترزنا عن الثاني فلم يبق مخبرا وموقفا إلا النبي ﷺ ومن أمثلته قول ابن مسعود ﵁: "من أتى ساحرا أو كاهنا ١ فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " رواه أبو يعلى والبزار. ومن ذلك قول الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل في أسباب التنزيل ونحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي ﷺ ولا مدخل للاجتهاد فيه ومثل له ابن الصلاح بما روي عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ رواه مسلم أي على أي حالة شئتم. فأما تفاسير الصحابة فيما للرأي فيه مجال ولم يرفعوها إلى رسول الله فهي موقوفة عليهم ومثل ذلك تفسير الصحابي الذي عرف بالأخذ عن أهل الكتاب فيما لا مجال للرأي فيه فهو موقوف أيضا ومن هنا يتبين لنا أن الإسرائيليات التي رواه بعض الصحابة في تفسير قصص الأنبياء أو أسرار الوجود، وبدء الخلق مثلا، ولا توافق عقلا

стр. 240

ولا نقلا صحيحا, محال أن يكونوا تلقوها عن المعصوم ﷺ ، وإنما هي من معارف أهل الكتاب الذين أخذوها عن شروح التوراة والكتب القديمة التي دخلا الكثير من الزيف والتحريف، وقد نقلها بعض الصحابة عنهم إما على سبيل العظة والذكرى وإما على سبيل الغرابة والاستنكار لها أو التنبيه إلى شناعتها وكذبها لا أنهم صدقوا ذلك أو استجازوا نسبته إلى المعصوم ﷺ ، وحاشاهم أن يظن بهم ذلك. وألحق الحافظ ابن حجر في شرح النخبة بقول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه فعل الصحابي ما لا مجال للرأي فيه فينزل على أن ذلك عنده عن النبي ﷺ ومثل له بقول الشافعي ﵁ في صلاة سيدنا عليٍّ في صلاة الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين١ وهو مثال المرفوع من الفعل حكما. "الرابعة" من المرفوع اتفاقا ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة في نسبة الحديث إلى رسول الله ﷺ كالأحاديث التي يقال في إسناده عند ذكر الصحابي يرفع الحديث أو رفعه أو مرفوعا كحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي" رفع الحديث, رواه البخاري، أو يبلغ به مثل حديث الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به: "الناس تبع لقريش" رواه الشيخان، أو ينميه٢ مثل الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: "كان الناس

стр. 241

يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك. أو يرويه أو رواية أو رواه: مثل حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رواية: "الفطرة خمس أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب" , رواه البخاري في كتاب اللباس قال ابن الصلاح: "وحكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صراحة", وإنما اكتفوا بالكناية بدل التصريح إما لكونه رواه بالمعنى أو مختصرا أو لغير ذلك من الأغراض. وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: وقد يقتصرن -أي المحدثون- على القول مع حذف القائل اختصارا بناء على الوضوح ويريدون بالقائل النبي ﷺ ومثل ذلك بحديث ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال١: "تقاتلون قوما صغار الأعين" ... الحديث٢, والمراد بهم الترك, وقال الخطيب: إنه اصطلاح خاص بأهل البصرة ومنهم ابن سيرين روي عنه أنه قال: كل شيء حدثت به عن أبي هريرة فهو مرفوع. أما قول الراوي عن التابعي: يرفع الحديث أو يبلغ به ونحوهما فهو مرفوع ولكنه مرفوع مرسل لسقوط الصحابي منه. "فائدة" قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ولم يذكروا ما حكم ذلك لو قيل عن النبي ﷺ ، قال: وقد ظفرت لذلك بمثال في مسند البزار عن النبي ﷺ يرويه أي عن ربه فهو حينئذ من الأحاديث القدسية. أقول: أما ورود تصريح النبي بالرواية عن ربه فقد وردت في كثير

стр. 242

من الأحاديث الصحيحة القدسية وعقد لذلك الإمام البخاري بابا في كتاب التوحيد فقال: "باب ذكر النبي ورواياته عن ربه" وذكر في هذا الباب أحاديث منها: ما رواه بسنده عن أنس عن النبي ﷺ يرويه عن ربه قال: "إذا تقرب العبد إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة" ومنها: ما رواه بسنده عن محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن ربكم قال: "لكل عمل كفارة، والصوم لي، وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" , وهذه الأحاديث وأمثالها مما يرويها النبي عن ربه صراحة أو كناية تعرف بالأحاديث القدسية.

стр. 243

الحديث القدسي مدخل ... "الحديث القدسي": وبمناسبة هذه الفائدة التي ذكر الإمام الحافظ ابن حجر أرى لزاما عليّ بيان ما يتعلق بالحديث القدسي فأقول وبالله التوفيق. الحديث القدسي، ويقال له أيضا: "الحديث الإلهي" ويقال له أيضا: "الحديث الرباني". وهذا المركب الوصفي مكون من كلمتين "الحديث" و"القدسي" أما الحديث فقد سبق تعريفه أول الكتاب، ولكن ليس هذا بمراد هنا قطعا وإنما المراد به ما رفعه النبي ﷺ إلى الله ﵎ وسمي حديثا لشبهه بالحديث النبوي في كون كل منهما مروي بالسند إلى قائله وذلك لو قلنا: إن لفظه من الله ﵎، وإن قلنا: إن لفظه من النبي ﷺ فتسميته حديثا ظاهر. و"القدسي" نسبة إلى القدس وهو الطهر. وقد جاءت هذه الكلمة في القرآن الكريم وصفا لجبريل عليه السلام

стр. 244

قال عز شأنه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ١ وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الروح المقدس أي المطهر، وهو الروح الأمين في قوله : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٢، وجبريل هو الأمين على وحي الله إلى أنبيائه ورسله. قال في "القاموس المحيط" مادة "القدس" ج٢ ص٢٣٩: "القدس بالضم يعني ضم القاف, وبضمتين الطهر اسم، ومصدر والبيت المقدس، وجبريل، كروح القدس ... والقدوس -يعني بضم القاف- من أسماء الله تعالى، ويفتح -يعني أوله- أي الطاهر أو المبارك، وكل فعول مفتوح -أي أوله- غير قدوس وسبوح وذروح، وفروج فبالضم، ويفتحن ... والتقديس: التطهير، ومن الأرض المقدسة، وبيت المقدس كمجلس، ومعظم، وكمحدث: الراهب، وتقدس: تطهر". فمن هذا النص نرى أن مادة القدس وما تصرف تدور على معنى الطهر ووصف الحديث بالقدسي لأن الأحاديث القدسية تدور معانيها على تقديس الله وتنزيه ذاته العلية عن النقائص وما لا يليق به سبحانه، وعلى تقديس صفاته والحديث القدسي قد يكون باعتبار سنده إما صحيحا، وإما حسنا، وإما ضعيفا ولذلك كان ذكره "في تقسيم الحديث من حيث نسبته إلى قائله، أنسب وأولى فهو مثل المرفوع، والموقوف، والمقطوع في كونها تشترك جميعا في الصحة أو الحسن أو الضعف. "أقوال العلماء في الحديث القدسي": اختلف العلماء في الحديث القدسي: أهو بلفظه ومعناه من الله ﵎ أم هو لفظه من النبي ﷺ ومعناه بوحي من الله تعالى؟

стр. 245

القول الأول: فذهب كثير من العلماء إلى أن لفظه ومعناه من الله تعالى وأنه أوحى به إلى النبي ﷺ بأي طريق من طرق الوحي وغالبا ما يكون بغير الوحي الجلي١ إما بمكالمة أو إلهام، أو قذف في القلب، أو في المنام، وعلى هذا يكون الفرق بينه وبين الحديث النبوي ظاهر ذلك أن هذا لفظه من النبي ﷺ وذاك لفظه من عند الله ﵎ وعلى هذا أيضا يكون موافقا للقرآن الكريم من حيث كونه كل منهما نزل بلفظه على النبي ﷺ ، وأن كلا منهما بوحي من الله ﵎. ويكون الفرق بينه وبين القرآن الكريم من هذه الوجوه: ١- أن القرآن الكريم كله موحى به عن طريق الوحي الجلي وهو جبريل ﵇ وهذا أمر يكاد يكون مجمعا عليه بين العلماء ومن أراد يقينا في هذا فليرجع إلى كتابي "المدخل لدراسة القرآن"٢ أما الأحاديث القدسية فهي موحى بها بطريق الوحي الغير الجلي ولم أقف على ما يدل على وقوع بعضه بوحي جلي وإن كان جائزا. ٢- إن القرآن الكريم معجز بلفظه ومعناه، ولا كذلك الأحاديث القدسية وهذا أمر ظاهر لا يخفى على البلغاء، وعلى كل ذي ملكة في الأدب والبيان. ٣- أن الصلاة لا تصح: إلا بالقرآن الكريم أما الحديث القدسي فلا تجوز به الصلاة. ٤- أن القرآن الكريم متعبد بتلاوته ففي الحديث الذي رواه الترمذي مرفوعًا: "من قرأ حرفا ٣ من القرآن فله بكل حرف عشر

стр. 246

حسنات، لا أقول: ﴿الم﴾ حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" وأما الأحاديث القدسية فلا يتعبد بتلاوتها. ٥- أن القرآن الكريم كله منقول بالتواتر المفيد للقطع واليقين في نسبته إلى الله ﵎، أما الأحاديث القدسية فليست كذلك، ولا أعلم حديثا قدسيا متواترا. ٦- أن القرآن الكريم مكتوب كله في المصاحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس، ولا كذلك الأحاديث القدسية ويكفر من زاد متعمدا في القرآن حديثا قدسيا. ٧- أن القرآن الكريم لا يجوز مسه للمحدث بغير حائل، ويحرم على الجنب١ قراءته وكذا الحائض والنفساء بخلاف الأحاديث القدسية. ٨- أن القرآن لا تجوز قراءته إلا باللفظ النازل من عند الله، ولا تجوز قراءته بالمعنى بخلاف الأحاديث القدسية فيجوز روايتها بالمعنى بشروطها. ٩- أن القرآن لا يجوز إطلاقه شرعا إلا على المنزل على نبينا ﷺ أما الأحاديث القدسية فلا يجوز أن يطلق عليها اسم القرآن قط. فإن سألني سائل: لم لم يكتف بالقرآن الكريم عن الأحاديث القدسية؟ والجواب: أن الله ﵎ أراد أن يبين أن بعض كلامه معجز وهو القرآن الكريم وبعضه غير معجز وهو الأحاديث القدسية، ألا ترى أن التوراة والإنجيل المنزلين من عند الله ليسا بمعجزين وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان.

стр. 247

" القول الثاني ": وهو ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الحديث القدسي لفظه من عند النبي ﷺ ، ومعناه هو الذي أوحي به من الله ﵎. وعلى هذا يكون الفرق بينه وبين الحديث النبوي: أن معنى الحديث النبوي قد يكون بالوحي وقد يكون بالاجتهاد، والذي عليه المحققون من العلماء أن النبي ﷺ يجتهد لكنه لا يقر على الخطأ بل لا بد أن ينزل الوحي من الله مصوبا ومنبها. وإذا اجتهد النبي ﷺ وسكت عن اجتهاده الوحي كان ذلك بمثابة الموحى به، وأما الحديث القدسي ففيه التنصيص على أنه بوحي من الله وبكون الفرق بينه وبين القرآن الكريم حينئذ هي الفروق التسعة التي ذكرناها في القول الأول من باب أولى. ونزيد هنا فرقا عاشرا: وهو أن القرآن الكريم لفظه من عند الله قطعا، وأما الحديث القدسي فلفظه من عند النبي ﷺ ، والله أعلم.

стр. 248

أمثلة للأحاديث القدسية: الأحاديث القدسية كثيرة، ومن العلماء من بلغ بها إلى نحو مائة أو تزيد، ومنهم من وصل إلى أكثر من ضعف ذلك وإليك بعض الأمثلة في هذا: ١- ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن قتادة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ يرويه عن ربه قال: "إذا تقرب العبد إلي شبرا ١ تقربت إليه ذراعا ٢ وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ٣ وإذا

стр. 249

أتاني يمشي أتيته هرولة" ١, ورواه مسلم من ضمن حديث. ٢- وما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن ربكم قال: "لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزى به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" , والحديث رواه مسلم أيضا. ٣- ما رواه البخاري ومسلم في صحيحها بسنديهما عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خير من يونس بن متى، ونسبه إلى أبيه" ٢ ولفظ مسلم: "أنا خير ... ". ٤- وروى البخاري ومسلم في صحيحهما٣ بسنديهما عن زيد بن خالد الجهني قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية٤ في إثر سماء٥ كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "تدرون ماذا قال ربكم؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب". ٥- وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي ذر الغفاري عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: "يا عبادي إني حرمت

стр. 250

الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني١ أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم, وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط٢، إذا دخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها٣، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه"٤. ٦- وروى البخاري ومسلم٥ في صحيحهما بسنديهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ٦ ذكرته في ملأ هم خير منهم، وإن تقرب إليّ شبرا تقربت منه ذراعا، وإن تقرب إليّ ذراعا تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".
следующие страницы →