← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9987

الوسيط في علوم ومصطلح الحديث

محمد أبو شهبة

Полный текст (950 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أقول: وهذا الذي ذهب إليه مبني على مذهبه في انتفاء التصحيح والتضعيف في الأعصار المتأخرة، وقد خالفه في هذا الإمام النووي والجمهور. والحق -كما قال الإمام بدر الدين بن جماعة- أنه يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الصحة أو الحسن أو الضعف والله أعلم. "التعريف ببعض كتب الصحاح": ١- "صحيح ابن حبان": مؤلفه هو الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي١ المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وكان ابن حبان كثير الارتحال للقاء الشيوخ, وجمع الأحاديث حتى قيل: إنه كتب عن أكثر من ألفي شيخ، وكان من شيوخه أبو عبد الرحمن النسائي وأبو بكر بن خزيمة الذي وصف بإمام الأئمة وأبو يعلى الموصلي وكثيرون غيرهم. ومن تلاميذه الحاكم أبو عبد الله وأبو الحسن محمد بن أحمد بن هارون الزوزني، ومنصور بن عبد الله الخالدي وغيرهم كثيرون. وكان إلى علمه بالحديث حتى عدد من الحفاظ, عالما أيضا بالطب، والفلك، والفلسفة، وغيرها من العلوم, فمن ثم انحرف عليه بعض العلماء، وجرحوه، وطعنوا فيه برقة الدين، قال أبو إسماعيل الهروي: سألت عنه يحيى بن عمار فقال: نحن أخرجناه من سجستان كان له كبير علم، ولم يكن له كبير دين. والحق أني لست مع من جرحوه لاشتغاله بهذه العلوم بينما نجد أئمة آخرين قد عدلوه وأثنوا عليه منهم الحاكم أبو عبيد الله

стр. 282

قال: "كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه، واللغة، والحديث، والوعظ ومن عقلاء الرجال", وقال الخطيب البغدادي: "كان ثقة نبيلا فهما"١. مؤلفاته: وله مؤلفات أجلها "المسند الصحيح" والظاهر إنه المعروف بكتاب "التقاسيم والأنواع" وقد نهج فيه منهجا آخر مغايرا لمناهج المحدثين في التأليف، قسمه على خمسة أقسام: ١- على الأوامر. ٢- والنوهي. ٣- والأخبار. ٤- والإباحات. ٥- وأفعال النبي ﷺ . ونوع كل قسم منها إلى أنواع، والكشف على الحديث عنده عسر جدا، لأنه غير مرتب على الأبواب ولا المسانيد. وقد رتبه على الأبواب بعض العلماء المتأخرين وهو الأمير علاء الدين أبو الحسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الحنفي النحوي المتوفى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة, وسمى ترتيبه: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان", وجرد أبو الحسن الهيثمي زوائده على الصحيحين في مجلد. منزلة صحيح ابن حبان: وقد نسب العلامة أبو عمرو بن الصلاح؛ لابن حبان تساهله في التصحيح فقال في مقدمته٢: ويقاربه -يعني مستدرك الحاكم- في حكمه صحيح أبي حاتم بن حبان البستي". قال العراقي: "إنما المراد أنه يقاربه في التساهل، فالحاكم أشد تساهلا منه". قال الحازمي: "ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم". قال السيوطي: قيل: "وما ذكر من تساهل ابن حبان ليس بصحيح, فإن غايته أن يسمي الحسنَ صحيحا، فإن كانت نسبته إلى التساهل باعتبار وجدان الحسن في كتابه فهي مشاحة في الاصطلاح،

стр. 283

وإن كان باعتبار خفة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس، سمع من شيخه، وسمع منه الآخذ عنه ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع, وإن لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل, وكان كل من شيخه والراوي عنه ثقة، ولم يأته بحديث منكر, فهو عنده ثقة, وفي كتاب "الثقات" له كثير ممن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم ثقات من لم يعرف حاله، ولا اعتراض عليه فإنه لا مشاحة في ذلك, وهذا بعض شرط الحاكم؛ حيث شرط أن يخرج عن رواة أخرج لمثلهم الشيخان في الصحيح فالحاصل أن ابن حبان، وفى بالتزام شروطه، ولم يوف الحاكم١. ٢- "صحيح ابن خزيمة": ومؤلفه: هو الإمام الحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الملقب بإمام الأئمة ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتوفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. حياته العلمية: عني بالحديث من حداثته وارتحل، وطاف البلاد وسمع من الشيوخ الكبار، وسمع منه الكثيرون من أعيانهم البخاري ومسلم في غير الصحيحين وأبو علي النيسابوري وغيرهم. وقد جمع إلى العلم بالحديث العلم بالفقه وبلغ رتبة الاجتهاد فيه وإن كان يذكره المؤلفون في "طبقات الشافعية"، شافعيا، روي عنه أنه قال: ما قلدت أحدا منذ بلغت ستة عشر وكان يرى رأي السلف في الصفات، وإن كان لم يسلم من تقولات المفترين عليه، وقد كذبهم فيما يدعون عليه٢. ثناء الأئمة عليه: وقد حظي بثناء كثير من الأئمة عليه، قال فيه تلميذه أبو حاتم محمد بن حبان البستي: "ما رأيت على وجه الأرض من

стр. 284

يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأن السنن بين عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة", وقال الدارقطني: "كان ابن خزيمة إماما ثبتا معدوم النظير", ولما سئل عنه ابن أبي حاتم الرازي قال: "ويحكم هو يسأل عنا ولا نسأل عنه، وهو إمام يقتدى به". مؤلفاته: قال الحاكم في كتابه، "معرفة علوم الحديث": "إن مصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المسائل، والمسائل المصنفة مائة جزء، وله "فقه بريرة" في ثلاثة أجزاء وكتاب "الصحيح", وهو من أجل الكتب وأنفعها، ومن مؤلفاته كتاب "التوحيد وإثبات صفات الرب" وكتاب "الفقه", والذي يهمنا هنا هو كتابه "الصحيح". وقد قالوا: صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان لشدة تحريه حتى إنه كان يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، فيقول: إن صح الخير، أو إن ثبت كذا ونحو ذلك١. أقول: ولعله تأثر في هذا بالإمام الجليل الشافعي فإنه كثير ما يعلق قوله بالحديث على صحته أو ثبوته كما نقل ذلك ثقات الشافعية عنه. ومن مميزات هذا الصحيح العناية بالتوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وليس هذا بالعجيب من هذا الإمام الذي كان ينكر وجود تعارض حقيقي بين حديثين أو أكثر ويقول: "من كان عنده شيء من هذا فليأتني به لأؤلف له بينهما". ٣- "المنتقى لابن الجارود": ومؤلفه: الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري المجاور بمكة المتوفى سنة ست أو سبع وثلاثمائة ومعنى

стр. 285

"المنتقى" أي المختار من السنن المسندة إلى رسول الله ﷺ في الأحكام، وهو كالمستخرج على صحيح ابن خزيمة في مجلد لطيف وأحاديثه تبلغ نحو الثمانمائة, وتُتُبِّعت فلم ينفرد عن الشيخين منها إلا بيسير, وله شرح يسمى: "المرتقى في شرح المنتقى" لأبي عمرو الأندلسي. ٤- "المنتقى لقاسم بن أصبغ الأندلسي": ومؤلفه: هو الإمام الحافظ قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البياني١ محدث الأندلس أبو محمد الأموي مولاهم القرطبي المالكي، صاحب التصانيف المفيدة المتوفى بقرطبة سنة أربعين وثلاثمائة. شيوخه وتلاميذه: وقد ارتحل ولقي الشيوخ من أشهرهم بقي بن مخلد الأندلسي صاحب المسند، وإسماعيل القاضي، وابن أبي خيثمة، وقد حمل عنه التاريخ وروى عنه الكثيرون ومن بينهم حفيده قاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد الحافظ الباجي وعبد الوارث بن سليمان وغيرهم. علمه والثناء عليه: وكان إماما جليلا انتهى إليه علو الإسناد، والحفظ والجلالة في بلاد الأندلس فلا عجب أنه حظي بثناء العلماء عليه، وفي آخر عمره كثر نسيانه ولكن ما اختلط فلما أحس بذلك انقطع عن الرواية صونا لعلمه، وتحوطا للحديث. مؤلفاته: وهي كثيرة منها: ١- الصحيح. ٢- والمنتقى من الآثار وهو على نحو

стр. 286

كتاب "المنتقى" لابن الجارود، قال ابن حزم: وهو أحسن انتقاء منه، وقد جعله ابن حزم في المرتبة الأولى من كتب الحديث. وقد ذكر الإمام الذهبي في "التذكرة"١ الكتابين وأن الصحيح على غرار صحيح مسلم فالظاهر أنهما كتابان له لا اسمان لكتاب واحد. وأما العلامة الكتاني في "الرسالة المستطرفة"٢ فقد ذكر المنتقى فحسب. ٥- "صحيح ابن السكن": ومؤلفه الإمام الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن البغدادي نزيل مصر ولد سنة أربع وتسعين ومائتين وتوفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. شيوخه وتلاميذه: وقد أخذ العلم والحديث عن شيوخ كثيرين منهم: محمد بن يوسف الفربري راوية صحيح البخاري، وروى عنه أئمة أجلاء منهم: أبو عبد الله بن منده، وعبد الغني بن سعيد. مؤلفاته: وأجل مؤلفاته كتاب "الصحيح المنتقى", ويسمى أيضا "بالسنن الصحاح المأثورة عن رسول الله ﷺ " وهو كتاب محذوف الأسانيد جعله أبوابا في جميع ما يحتاج إليه من الأحكام ضمنه ما صح عنده من السنن المأثورة وقد جعله ابن حزم في المرتبة الأولى من كتب الحديث٣.

стр. 287

٦- "المختارة للضياء المقدسي": ومن الكتب التي تشتمل على الكثير من الأحاديث الصحيحة كتاب "الأحاديث الجياد المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما". ومؤلفها هو الإمام الحافظ العالم الحجة محدث الشام، وشيخ السنة ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد السعدي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي ولد سنة تسع وستين وخمسمائة وتوفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ارتحاله وشيوخه: ارتحل ولقي الشيوخ الكثيرين منهم أبو القاسم البوصيري وطبقته بمصر وابن الجوزي وطبقته ببغداد وسمع منه الكثيرون منهم ابن الخباز، وابن الخلال، والقاضي تقي الدين وغيرهم. وقد حظي بثناء العلماء عليه, قال تلميذه الشيخ الإمام عمر بن الحاجب: "شيخنا أبو عبد الله شيخ وقته، ونسيج وحده علما، وحفظا، وثقة، ودينا، من العلماء الربانيين"١. "كتاب المختارة" وله مؤلفات كثيرة منها "المختارة" التزم فيها الصحة فصحح أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها، ولم يتم الكتاب، وهي مرتبة على المسانيد على حروف المعجم لا على الأبواب، وقد سلم له فيها التصحيح إلا أحاديث يسيرة جدا تعقبت عليه، وذكر ابن تيمية والزركشي وغيرهما أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وفي "اللآلئ" للسيوطي "ذكر الزركشي في تخريج الرافعي أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح الترمذي، وابن حبان" وذكر ابن عبد الهادي في "الصارم المنكى" نحوه، وزاد، فإن الغلط فيه قليل ليس هو مثل صحيح الحاكم فإن فيه أحاديث كثيرة

стр. 288

يظهر أنها كذب موضوعة فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره"١. وقال ابن كثير في مختصره: "وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في ذلك كتابا سماه "المختارة" كان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم"٢ والظاهر أن مراده شيخه ابن تيمية. "تنبيه مهم" ومما ينبغي أن يعلم أن هذه الكتب التي التزم فيها مؤلفوها الصحة لا تبلغ درجة الصحيحين في الصحة، وأن مؤلفيها لم يبلغوا شأو البخاري ومسلم في التصحيح والتضعيف، ونقد الرجال، والعلم بعلل الحديث، ولم يبالغوا في شروط الصحيح كما بالغ الشيخان، فمن ثم تأخرت مرتبة كتبهم -مع التزامهم الصحيح- عن مرتبة الصحيحين، وأنه لا ينبغي أن يؤخذ كل ما فيها من الأحاديث الصحيحة على أنها قضية مسلمة في التصحيح، فقد وجدت في "المختارة" وغيرها من هذه الكتب أحاديث مصححة وتعقبها بعض العلماء، وخالفوا في صحتها وصدق الله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ والله أعلم. "عدد أحاديث الصحيحين": عدد أحاديث البخاري: ذكر العلامة أبو عمرو بن الصلاح في كتابه "علوم الحديث" أن عدد أحاديث صحيح البخاري سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون

стр. 289

حديثا بالمكرر وبغير المكرر أربعة آلاف حديث. وتابعه الإمام النووي في مختصره "التقريب" والحافظ ابن كثير في كتابه "اختصار علوم الحديث"، وما قالوه غير صحيح١. والذي حرره الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري: "هدي الساري" أن أحاديثه المسندة المتصلة بغير المكرر ألفان وستمائة حديث وحديثان٢ "٢٦٠٢" وأن جملة ما فيه من الأحاديث بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات سبع وتسعون حديثا وثلاثمائة وسبعة آلاف حديث "٧٣٩٧", وجملة ما فيه من المعلقات أحد وأربعون وثلاثمائة٣ حديث فجميع ما فيه بالمكرر اثنان وثمانون وتسعة آلاف حديث "٩٠٨٢"٤, وهذا عدا الموقوفات على الصحابة والتابعين٥, وقد بلغ الأستاذ المحقق محمد فؤاد عبد الباقي بأحاديث البخاري بالمكرر في النسخة التي قام بترقيمها سبعة آلاف وخمسمائة وثلاث وستون حديثا. "عدد أحاديث صحيح مسلم": وجملة ما في صحيح مسلم بدون المكرر نحو أربعة آلاف حديث. قال العراقي: وهو بالمكرر يزيد على صحيح البخاري بالمكرر لكثرة طرقه. قال: وقد رأيت عن أبي الفضل أحمد بن سلمة أنه اثنا عشر

стр. 290

ألف حديث وقال الميانجي: ثمانية آلاف حديث والله أعلم١. وقد بلغ الأستاذ المحقق محمد فؤاد عبد الباقي -رحمه الله تعالى- بأحاديث مسلم بدون تكرار إلى ثلاثة آلاف وثلاثة وثلاثين حديثا بدون المكرر ويا ليته كان رقم المكرر أيضا لنعرف عدة مجموع الكتاب. وعسى أن يقبض الله لصحيح مسلم من يعده بالمكرر وبدون المكرر على غرار ما صنع الإمام ابن حجر. "المعلقات في صحيحي البخاري ومسلم": ما ذكرناه من أن أحاديث الصحيحين في الدرجة العالية من الصحة إنما هو فيما ذكراه في كتابيهما بالإسناد المتصل وكان من مقصود كتابيهما وموضوعه, وأما المعلقات٢ الموجودة في الكتابين وهي كثيرة في صحيح البخاري قليلة في صحيح مسلم حتى قيل: إنها لا تعد وأربعة عشر حديثا, فلها حكم آخر. "حكم المعلق عند البخاري": ما علقه البخاري له حالان: ١- إما أن يكون بصيغة الجزم كقال، وروى، وذكر. ٢- وإما أن يكون بصيغة التضعيف كقيل، وروي، وذُكر. فأما الأول فيقيد الصحة إلى من علقه عنه ثم النظر بعد ذلك فيمن أبرزه من رواة الحديث، فإن كان الإسناد متصلا، وكان الرواة ثقات كان الحديث صحيحا عند البخاري، وإن كان في السند انقطاع أو في الرواة من ليس ثقة فلا يكون الحديث صحيحا عنده. وأما الثاني فلا يستفاد منه الصحة ولا عدمها بل يحتمل أن يكون

стр. 291

صحيحا وأن يكون غير صحيح فينبغي البحث عنه حتى تعرف منزلته من الصحة أو الحسن أو الضعف, وقد وجد بالاستقراء والتتبع في الأحاديث التي علقها البخاري بصيغة التمريض ما هو صحيح عنده أخرجه في كتابه في موضع آخر مسندا متصلا أو ما هو صحيح عنده مسلم, أو عنده غيره مما ليس على شرطه ومنهاجه الذي التزمه في كتابه الصحيح, والبخاري أحيانا يعلق ما صح عنده بغير صيغة الجزم لمعان أخرى غير التضعيف, وهي ما إذا اختصر الحديث، أو رواه بالمعنى أو نحو ذلك، وذلك لاختلاف العلماء في جواز اختصار الحديث، أو الرواية بالمعنى فلملاحظة الخلاف يأتي به بصيغة التضعيف، ويكفي هذا القدر هنا ومن أراد زيادة وتفصيلا أكثر في هذا المقام فليرجع إلى كتابي: "أعلام المحدثين" ففيه ما يشفي ويكفي١. ومما ينبغي أن يعلم أن ما كان من التعليقات صحيحا ليس من نمط الصحيح المسند فيه الذي قصد به أصل الكتاب، وموضوعه، فقد رسم كتابه وسماه "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه" ثم إن البخاري إنما يذكر التعاليق في تزاحم الكتاب وأبوابه دون مقاصده، وموضوعه، فثبته لذلك، وكن منه على يقين. "ما يذكره البخاري عن شيوخه بصيغة الجزم": وأما ما يذكره البخاري عن شيوخه بصيغة قال، وذكر فليس من المعلق الذي حذف من مبتدأ إسناده شيء وإنما هو إسناد متصل، وهذا ما عليه جمهور المحدثين فكل ما رواه عن شيوخه هكذا فهو محمول على الاتصال. ومن العلماء المغاربة من ذهب إلى أنه معلق أيضا يذكر للاستشهاد

стр. 292

لا للاحتجاج لأنه سمعه في حال المذاكرة والمناظرة، وأحاديث المذاكرة قلما يحتجون بها وقد رد هذا القول ابن الصلاح في مقدمته، وقد قال الحافظ أبو جعفر بن حمدان النيسابوري: "كل ما قال البخاري: قال ليس فلان فهو عرض ومناولة". والصحيح ما قدمناه أولا من إنه إسناد متصل ولا انقطاع فيه, ومن ثم يتبين لك جليا خطأ ما ذهب إليه أبو محمد بن حزم إمام الظاهرية في رده ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن غنم عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: "ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحِرَ ١ , والحرير, والخمر، والمعازف" , وذلك لأن البخاري لما رواه في صحيحه قال: وقال هشام بن عمار ... وساق بقية إسناده فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام وجعل هذا جوابا عن الاحتجاج بالحديث على تحريم المعازف وما قاله ابن حزم غير صحيح والحديث معروف الاتصال وصحيح على شرط البخاري، ولا انقطاع بين البخاري وشيخه هشام. وقد روى هذا الحديث أيضا الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وخرجه البرقاني في صحيحه، وغير واحد مسندا متصلا إلى هشام مما يدل على أن الحديث صحيح ولا مطعن فيه, وقد بين الحافظ ابن حجر في "الفتح ج١٠ ص٥٣" أن السبب في إيراد البخاري له بصيغة قال مع سماعه منه هو التردد الحاصل من هشام في اسم الصحابي أهو أبو عامر أم أبو مالك والمعروف أن الحديث من رواية عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري.

стр. 293

"حكم التعليق عند الإمام مسلم": قلت فيما سبق: إن المعلقات في صحيح البخاري كثيرة، وهي في صحيح مسلم قليلة وقد ذكر الحافظ أبو علي الغساني الجياني: أن المعلق في صحيح مسلم وقع في أربعة عشر موضعًا وقد أخذ هذا عنه أبو عبد الله المازري صاحب "المعلم بشرح صحيح مسلم". ولكن الذي حققه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ونقله عنه النووي أن عدتها اثنا عشر موضعًا. أما حكم المعلق عند الإمام مسلم فهو نحو حكمه عند الإمام البخاري قال الإمام النووي في مقدمة شرحه لمسلم: "فصل": قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ ما وقع في صحيحي البخاري ومسلم مما صورته صورة المنقطع ليس ملتحقًا بالمنقطع في خروجه من حيز الصحيح إلى حيز الضعيف, ويسمى هذا النوع تعليقًا سماه به الإمام أبو الحسن الدارقطني، ويذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين وكذا غيره من المغاربة, وهو في كتاب البخاري كثير جدًّا وفي كتاب مسلم قليل جدًّا، قال: فإذا كان التعليق منها بلفظ فيه جزم بأن من بينهما وبينه الانقطاع قد قال ذلك أو رواه واتصل الإسناد منه على الشرط مثل أن يقولا روى الزهري عن فلان ويسوق إسناده الصحيح فحال الكتابين يوجب أن ذلك من الصحيح عندهما, وكذلك ما روياه عمن ذكراه بلفظ مبهم لم يعرف وأورداه أصلًا محتجين به, وذلك مثل: حدثني بعض أصحابنا, ونحو ذلك. وبعد أن ذكر كلام الحافظ أبي علي الغساني في سرد المعلقات في مسلم وتحقيق أنها اثنا عشر موضعًا، وذكر حكم المعلق بلفظ جازم عند البخاري قال: أما إذا لم يكن ذلك منهما بلفظ جازم مثبت له عمن ذكراه عنه على الصفة التي تقدم ذكرها مثل أن يقولا: روي عن فلان،

стр. 294

أو ذكر عن فلان أو في الباب عن فلان ونحو ذلك فليس ذلك في حكم التعليق الذي ذكر ولكنه يستأنس بإيرادهما له. وأما قول مسلم في خطبة كتابه: وقد ذكر عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نُنزل الناس منازلهم"، فهذا بالنظر إلى أن لفظه ليس جازمًا لا يقتضي حكمه بصحته، وبالنظر إلى أنه احتج به, وأورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد يقتضي حكمه بصحته, ومع ذلك فقد حكم الحاكم أبو عبد الله في كتابه "معرفة علوم الحديث" بصحته١, وأخرجه أبو داود في "سننه" بإسناده متفردًا به، وذكر أن الراوي له عن عائشة هو ميمون بن أبي شبيب، ولم يدركها قال الشيخ: وفيما قاله أبو داود نظر، فهو كوفي متقدم قد أدرك المغيرة ابن شعبة ومات المغيرة قبل عائشة وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كاف في ثبوت الإدراك والاتصال" ... إلخ ما قال. "الأحاديث المنتقدة على الصحيحين": قد انتقد بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره أحاديث ذكرها البخاري ومسلم في صحيحهما أو أحدهما وليس معنى هذا أن هذه الأحاديث المنتقدة ضعيفة أو واهية، كلا، وإنما انتقدوها لكونها لم تبلغ الدرجة العالية التي التزمها كل واحد منهما في كتابه. وجملة هذه الأحاديث مائتان وعشرة أحاديث اشتركا في اثنين وثلاثين منها، واختص البخاري بثمانية وسبعين حديثا، ومسلم بالباقي وهو مائة حديث، وما انتقده على البخاري وحده أو شاركه فيه مسلم قد أجاب عنه الحافظ الكبير ابن حجر في مقدمة الفتح، وما خص مسلما أجاب عنه الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم.

стр. 295

وفي الحق أن الكثير مما انتقد كان الجواب عنه سهلا مقبولا، لا يخل بصحة الحديث في نفسه والبعض -وهو قليل جدا- قد تكلف فيه المجيب عنه غاية التكلف, وهي لا تعدو بضعة أحاديث أكثرها في صحيح مسلم, وهي على قلتها لا تَفُض من قيمة الكتابين، وبلوغهما الغاية في الصحة فلا تلتفت إلى ما يهرف به بعض من لا يعرف من الزعم بأن في الصحيحين أحاديث موضوعة أو ضعيفة واهية, فهذا تخرص وكذب على الشيخين الجليلين وكتابيهما الصحيحين, ومن أراد زيادة في تحقيق الحق في هذا المقام ليرجع إلى ما كتبته في كتابي "أعلام المحدثين"١ وكتابي "دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين", فقد أفضت في أول القول في كل المباحث المتعلقة بالصحيحين، وغيرهما من كتب الأحاديث المشهورة. "الحديث الصحيح أيفيد العلم القطعي اليقيني أم الظن؟ ": اتفق العلماء على أن الحديث المتواتر لفظا أو معنى يفيد القطع واليقين في ثبوته، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في الحديث الصحيح أيفيد العلم القطعي اليقيني أم الظن؟ فذهب الكثيرون إلى أنه لا يفيد القطع، بل هو ظني الثبوت وهو الذي رجحه الإمام النووي في التقريب. وذهب آخرون إلى أنه يفيد العلم اليقيني في ثبوته, وهو مذهب داود الظاهري والحسن بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي وحكاه ابن خويزمنداد عن مالك، وهو الذي اختاره وذهب إليه ابن حزم قال في الإحكام: "إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول

стр. 296

الله ﷺ يوجب العلم والعمل معا ... ", ثم أطال في الاحتجاج له والرد على مخالفته في بحث طويل نفيس١. هل أحاديث الصحيحين تفيد اليقين والعلم القطعي؟: ذهب العلامة ابن الصلاح إلى أن ما أخرجه الشيخان أو أحدهما بالإسناد الصحيح المتصل مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل به، وذلك لتلقي الأمة لكتابيهما بالقبول، والأمة في مجموعها معصومة من الخطأ، وقد استثنى ابن الصلاح من هذا الأحاديث القليلة التي انتقدها الدارقطني وغيره على الصحيحين٢, وقد أشرنا إليها آنفا وخالف ابن الصلاح في هذا الإمام النووي, وقال: إن المحققين والأكثرين على أنه يفيد الظن ما لم يتواتر وعلل ذلك بأنه شأن الآحاد، ولا فرق في ذلك بين الشيخين وغيرهما، وتلقي الأمة لكتابيهما بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقف بخلاف غيرهما فلا يقبل حتى ينظر فيه، ويوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما اجتماعهم على القطع بأنه كلام النبي -صلى الله عليه وسلم٣. وقد رد بعض العلماء كلام النووي: بأن العلماء متفقون على وجوب العمل بكل ما صح ولو لم يخرجه الشيخان, فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة، وليس ذلك إلا إفادة أحاديثهما العلم والقطع كما قال ابن الصلاح. وممن وافق ابن الصلاح الشيخ العلامة ابن تيمية، وقد نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة منهم القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، والقاضي أبو الطيب

стр. 297

الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية وابن حامد، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب وابن الزغوني وأمثالهم من الحنابلة وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية، وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة١. وقد وافق ابن الصلاح الحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر في شرح النخبة حيث قال بعد أن قسم الخبر إلى متواتر وآحاد: "وقد يقع في أخبار الآحاد ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار ... إلى أن قال: والخبر المحتف بالقرائن أنواع منها٢ ما أخرجه الشيخان أو أحدهما في صحيحيهما مما لم يبلغ حد المتواتر, فإنه احتلف به قرائن: جلالتهما في هذا الشأن وتقدمها في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقى العلماء لكتابيهما بالقبول وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب -أي التعارض- بين مدلوليهما في الكتابين٣ حيث لا ترجيح لأحدهما؛ لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. والحق هو ما ذهب إليه ابن الصلاح وموافقوه من أن أحاديث الصحيحين -عدا ما انتقد- تفيد العلم النظري، وهذا العلم إنما يحصل للعالم المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة وهذا العلم اليقيني النظري يبدو واضحا لكل من تبحر في علم من العلوم، وتشبعت نفسه بأصوله وقواعده ومسائله، واطمأن قلبه إليها، وإنما يستبعد هذا من لم

стр. 298

يتبحر في الحديث ولم يقف على شروطه الأئمة في التصحيح وما أخذوا به أنفسهم من التحوط البالغ والتحري الفائق في نقد الرجال ولا يضيرنا مخالفة مثل هذا، فمن ذاق عرف، ومن عرف اعترف.

стр. 299

الفائدة الخامسة: مظان الحديث الصحيح: قلنا: إن البخاري ومسلما لم يستوعبا كل الصحيح ولم يلتزما ذلك، وإذا كان الأمر كذلك فلنلتمس الصحيح الزائد على ما فيها من الكتب التي جمعت بين الصحيح وغيره، أو التزم أصحابها تخريج الصحيح. ومظان الصحيح -بعد الصحيحين- كتاب "الموطأ" لإمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي المتوفى سنة ١٧٩ وكتب السنن الأربعة، وهي السنن لأبي داود السجستاني١، والسنن لأبي عيسى الترمذي٢ والسنن للنسائي٣، والسنن لابن ماجه٤ والسنن لأبي الحسن الدارقطني٥, ولا يكفي مجرد كونه موجودا في كتاب أبي داود وغيره من الكتب التي جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف, بل لا بد من أن يكون أحد هؤلاء قد نص على صحته أو صححه أحد ممن يؤخذ بقولهم, فإن لم تجد تنصيصا على صحته فلا بد من البحث والتحري عن الرواة

стр. 300

والمروي حتى يتبين لك صحته إن كنت من أهل العلم بالحديث القادرين على التمييز بين الصحيح وغيره. ومنها الكتب التي التزم أصحابها تخريج الصحيح مثل صحيح ابن خزيمة١, وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي٢, ومثل المستدرك للحاكم أبي عبد الله٣. ومما ينبغي أن يعلم أن صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح أبي حاتم بن حبان لشدة تحريه حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، وأما ابن حبان فهو من المتساهلين في التصحيح، وكذلك الحاكم يتساهل في الحكم بالصحة، وتساهله أشد من تساهل ابن حبان ولذلك لا ينبغي أن تعتمد تصحيحهما إلا بعد البحث والتحري أو أن نجد من وافقه على التصحيح من أئمة هذا العلم. ومن مظان الصحيح الكتب المستخرجة٤ على الصحيحين أو أحدهما ككتاب أبي بكر الإسماعيلي "على البخاري", وكتاب أبي بكر البرقاني٥ "على البخاري أيضا", وكتاب أبي عوانة الإسفراييني "على صحيح مسلم" وكتاب أبي نعيم الأصفهاني "عليهما" وغيرها٦.

стр. 301

ومنها كتاب "المختارة" للشيخ الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٤٣هـ, وقد قال ابن كثير فيه: "كان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم", ولعل مراده ببعض مشايخه الإمام ابن تيمية. ومنها كتب "المسانيد" كمسند الإمام الجلي أحمد١ ومسند أبي يعلى، والبزار، وعبد بن حميد وكذا يوجد في معجمي الطبراني٢ الكبير والأوسط، وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد، والأجزاء. ولا بد في كتب المسانيد، والمعاجم، ونحوها من أن ينص المخرج للحديث على صحته أو ينص على ذلك إمام معتبر آخر، فإن لم يوجد فلا بد لك من البحث والتحري, حتى تتحقق أنه صحيح إن كنت من أهل الحديث والعلم به سندا ومتنا.

стр. 302

" تعقيبات وتنبيهات ": "الأول" إذا علمت أن كتب السنن جمعت بين الصحيح وغيره تبين لك أن صنيع الحاكم أبي عبد الله، والخطيب البغدادي في تسميتها كتاب الترمذي، "الجامع الصحيح" فيه تساهل منهما؛ لأن فيه الصحيح والحسن والضعيف, وفيه أحاديث منكرة بل وأحاديث موضوعة -على قلة- ولا سيما في الفضائل. "الثاني" وكذلك ما قاله الحافظ أبو علي بن السكن، والخطيب البغدادي في كتاب "السنن" للنسائي: إنه صحيح، وإن له شرطا

стр. 303

في الرجال أشد من شرط مسلم, غير مسلم, وهو تساهل منهما أيضا لأن في سنن النسائي الصحيح وغيره, وفيه أحاديث ضعيفة، ومعللة ومنكرة، كما أن في رواته رجالا مجهولين إما عينا أو حالا، بل وفيهم المجروح. "الثالث": وكذا قول الحافظ أبي طاهر السلفي في الأصول الخمسة, وهي: ١- صحيح البخاري. ٢- وصحيح مسلم. ٣- وسنن أبي داود. ٤- وسنن الترمذي. ٥- وسنن النسائي. "إنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب" تساهل منه، وكلامه مسلم في الصحيحين أما في السنن الثلاث فلا. وقد حاول الإمام العراقي الإجابة عن السلفي، وتصحيح كلامه فقال: "إنما قال السلفي بصحة أصولها ولا يلزم من أن يكون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا"١. "الرابع": مما ينبغي أن يعلم أن الكتب الخمسة المذكورة وهي الصحيحان، والسنن الثلاث أعلى مرتبة من كتب المسانيد كمسند عبد بن حميد، وأحمد بن حنبل، وأبي داود الطيالسي٢ وغيرهم؛ لأن عادة أصحاب المسانيد أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثا محتجا به, فلهذا تأخرت مرتبتها -وإن جلت لجلالة مؤلفيها- عن مرتبة الكتب الخمسة، وما التحق بها من الكتب المؤلفة على الأبواب. "الخامس": كتاب "الموطأ" للإمام مالك بن أنس من العلماء من قدمه على الصحيحين كالإمام أبي بكر العربي، ومنهم من جعله في درجتهما, وإليه يشير كلام الدهلوي في "حجة الله البالغة" ومنهم من جعله في مرتبة دونهما وإليه يميل كلام ابن الصلاح في مقدمته٣, وابن

стр. 304

حزم في مقالة له رتب فيها كتب الحديث بحسب درجتها، وقال بعض العلماء المتأخرين: "الحق أن ما في الموطأ من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله ﷺ صحاح كلها, وهي في الصحة كأحاديث الصحيحين, وأما ما فيه من المراسيل، والبلاغات١, وغيرها فيعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها مما تحويه الكتب الأخرى". وإنما لم يعده بعض العلماء في الكتب الصحاح لكثرة ما فيه من المراسيل، والبلاغات والمنقطعات وكثرة الآراء الفقهية فيه لمالك وغيره٢. أما إفاضة القول في "الموطأ" ففي كتابي "أعلام المحدثين٣" فليرجع إليه من يشاء.

стр. 305

" الحديث الحسن ": تعريفه: اختلف العلماء في تعريف الحسن، وإليك أقوالهم في هذا مع نقدها وبيان المقبول منها: ١- قال الإمام الخطابي في تعريفه: الحسن: هو ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي قبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء. شرح التعريف: المخرج -على وزن مفعل بفتح العين- مكان الخروج، والمراد به هنا: رواة الحديث وبهذا يخرج المنقطع، والمعضل، والمرسل، والمدلس قبل بيانه ومعنى "واشتهر رجاله" أي بالعدالة

стр. 306

والضبط إلى أن هذا الاشتهار دون اشتهار الصحيح، ومعنى: "عليه مدار أكثر الحديث", أي أن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، وإنما قال: ويقبله أكثر العلماء؛ لأن بعضهم لا يقبله روي عن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث, فقال: إسناده حسن، فقلت: يحتج به؟ قال: لا، أما الصحيح فيقبله عامة العلماء. ومعنى: "ويستعمله عامة الفقهاء" أي يحتجون به ويعملون. "نقد التعريف": وانتقد هذا التعريف بأنه غير جامع لقسمي الحسن وهما: الحسن لذاته والحسن لغيره، وهذا ينطبق على الحسن لذاته فحسب. كما انتقد أيضًا بأنه غير مانع؛ لأن الصحيح كذلك وأجبت عن هذا بأن المراد بالاشتهار في التعريف شهرة دون شهرة الصحيح فيكون مانعًا من دخول الصحيح وبأن قوله: ويقبله أكثر العلماء يخرج الصحيح أيضًا؛ لأنه يقبله كل العلماء لا أكثرهم. كما انتقد أيضًا بأن فيه إبهامًا وعدم وضوح، وشرط التعريف الصحيح أن يكون جامعًا مانعًا لا خفاء فيه ولا غموض. ٢- قال الترمذي في كتابه: "العلل" الذي هو في آخر جامعه: "الحديث الحسن: هو الحديث الذي لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون حديثا شاذا ويروى من غير وجه نحو ذاك". شرح التعريف: "أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب" يشمل حديث المستور والمجهول ونحوهما بخلاف الصحيح, فلا بد أن يكون رواته ثقات أي عدولا ضابطين. ومعنى "ويروى من غير وجه نحو ذاك" أن يكون مرويًّا من وجهين أو أكثر، ولا يشترط فيه أن يكون وروده من طريق آخر بلفظه

стр. 307

بل يكفي وروده ولو بمعناه. نقد تعريف الترمذي: وقد انتقد هذا التعريف بأنه غير جامع فقد عرف الحسن لغيره، ولم يعرف الحسن لذاته والتعريف لا بد أن يكون جامعًا. وانتقد أيضًا بأنه غير مانع لدخول الصحيح في تعريفه، وهذا الانتقاد مردود لما بينا في شرح التعريف من أن الحسن يكتفي فيه برواية المستور بخلاف الصحيح فلا بد فيه من ثقات الراوة, وأيضًا فالحسن عند الترمذي لا بد من مجيئه من وجه آخر، ولم يشترط أحد في الصحيح ذلك فالحق أن التعريف مانع, وانتقد أيضًا ابن كثير بأن الترمذي كثيرًا ما يقول في كتابه هذا: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والجواب عن ذلك ما أشرت إليه في شرح التعريف من أن شرط مجيئه من غير وجه يتحقق بمجيئه بلفظه أو معناه، وعلى هذا يحمل قوله: لا نعرفه إلا من هذا الوجه يعني بلفظه فلا ينافي أن يكون معروفا بمعناه من وجه آخر. ٣- قال بعض المتأخرين, وهو أبو الفرج بن الجوزي المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة: "هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل". وانتقد هذا التعريف بأن ما ذكره ليس مضبوطًا بضابط يتميز به القدر المحتمل من غيره فهو مقول بالتشكيك، والتعريف بالمشكك غير جائز؛ لأنه لا يحصل به التمييز عن غيره. وقال ابن الصلاح بعد ذكر هذه التعريفات: وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، وقد أمعنت النظر في ذلك

стр. 308

والبحث، فتنفتح لي, واتضح أن الحديث الحسن قسمان، وإليك خلاصة ما ذكره ابن الصلاح مع التصرف، قال: أحدهما: وهو الحسن لذاته: أن يكون رواته من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان, ولا يعد ما ينفرد به منكرا، ولا يكون المتن شاذا ولا معللا. قال: وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي. الثاني: الحسن لغيره: هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ, ولا هو متهم بالكذب, ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر, فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا أو منكرا, وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل، وكأن كلا من الخطابي والترمذي اقتصر على أحد القسمين دون الآخر أو ذكر البعض، وغفل عن الآخر.

стр. 309

" تنبيهات وتعقيبات ": " التنبيه الأول ": وينبغي أن يلاحظ في كلا التعريفين شرط اتصال السند, فهو مراد, وإن لم يصرح به في القسمين، وعلى هذا فشرط الاتصال لا بد منه في الحسن بقسميه, فهو شرط مشترك بين الصحيح والحسن. وكذا العدالة لا بد منها في الصحيح والحسن لذاته وأما الضبط فيشترط في الصحيح الضبط التام بخلاف الحسن لذاته فيكتفى فيه بالضبط القاصر عن الكمال وأما الحسن لغيره فيكتفى فيه بأدنى درجات الضبط كما يكتفي فيه برواية المستور, وعلى هذا يكون الحسن لغيره قاصرا عن الصحيح بقسميه في العدالة والضبط، وكذا عدم الشذوذ وعدم العلة لا بد منهما في الصحيح والحسن بقسميه, ومما ذكرنا تعرف الفرق بين الصحيح والحسن بقسميه.

стр. 310

" تنبيه آخر ": لا تظن أيها القارئ الفهم أن كل حديث ضعيف إذا جاء من طرق متعددة ضعيفة أنه يرتقي إلى درجة الحسن بل الضعيف في ذلك قسمان. ١- ضعف لا يزول بتعدد الطرق كرواية الكذابين والمتروكين أو المتهمين بالكذب أو الفسق, فتعدد الطرق برواية أمثالهم لا يزيد الضعيف إلا ضعفا وذلك كحديث: "الأذنان من الرأس", فقد روي من طرق عدة إلا أنها كلها ضعيفة١. ٢- ضعف يزول بتعدد الطرق كما إذا كان راويه سيئ الحفظ مع كونه من أهل الصدق، والديانة، فإذا ما رأينا أن الحديث جاء من طرق أخرى عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه، وكذا إذا كان ضعفه جاء من جهة الإرسال أو التدليس, فإنه يزول بالمتابعات, وذلك كالحديث الذي يرسله إمام حافظ إذ فيه ضعف قريب يزول بروايته من وجه آخر, فكل هذا يرتقي إلى درجة الحسن لغيره لا لذاته. وكذلك يرتقي الحسن لذاته إلى درجة الصحيح لغيره إذا جاء من طرق عدة فالصحيح لغيره أصله حديث حسن لذاته، ثم جاء من طرق فارتقى إليه.

стр. 311

" تنبيه ثالث ": جرت عادة بعض الحفاظ وأئمة الحديث أن يقولوا: هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد دون قولهم: حديث صحيح أو حديث حسن فلماذا؟ والسبب في هذا أن الإسناد قد يكون صحيحا أو حسنا, أي رواته رواة الصحيح أو رواة الحسن, ولا يكون المتن صحيحا ولا حسنا, وذلك لكونه شاذا أو معللا في متنه دون سنده؛ لأن العلة كما تكون في السند تكون في المتن غير أن الحافظ المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله: حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد ولم يذكر له علة ولم يطعن فيه بأي وجه من وجوه الطعن فالظاهر أن الحديث صحيح أو حسن في ذاته؛ لأن عدم العلة والقادح هو الأصل.

стр. 312

" تنبيه رابع ": ما صار إليه الإمام البغوي١ صاحب "كتاب المصابيح" من تقسيم أحاديثه إلى نوعين: ١- الصحاح. ٢- والحسان. مريدا بالصحاح ما خرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما أو أحدهما، وبالحسان ما أخرجه أبو داود، والترمذي وأشباههما في كتبهم, هو اصطلاح له خاص. وقد أنكر عليه العلامة ابن الصلاح، والإمام النووي وغيرهما من أئمة الحديث هذا الصنيع؛ لأن هذه الكتب -السنن- فيها الصحيح والحسن، والضعيف والمنكر، بل والموضوع على ندرة, وقد أجابوا عن البغوي أنه يبين الغريب والضعيف غالبا, فقد قال في خطبة "مصابيحه": "وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه". ولكنه يبقى عليه من الاعتراض والمؤاخذة مزجه صحيح السنن بحسنها من غير تمييز، اللهم إلا أن يقال: الخطب في ذلك سهل، فالصحيح والحسن كلاهما محتج به٢.

стр. 313

الاحتجاج بالحديث الحسن: الحسن وإن تقاصر عن الصحيح في درجته وشروطه لكن يشارك الصحيح في العمل به، والاحتجاج عند جميع الفقهاء، وعند أكثر العلماء من المحدثين وغيرهم, وهو بقسميه ملحق بالصحيح في الاحتجاج به, ومن العلماء من يلحق بالصحيح الحسن لذاته، وأما الحسن لغيره, فينبغي أن ينظر فيه فما كثرت طرقه، وركنت إليه النفس يحتج به، وإلا فلا١. "مظان الحسن": من مظان الحديث الحسن كتاب الترمذي, وهو أصل في معرفة الحسن، وهو الذي نوه به وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه كالإمامين أحمد والبخاري والطبقة التي قبل طبقة مشياخه كالإمام الشافعي. ومن مظانه أيضا سنن أبي داود روي عنه أنه قال: "ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه٢, ويقاربه٣, وما كان فيه من وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح, وبعضه أصح من بعض". قال ابن الصلاح ما توضيحه: فعلى ذلك ما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا أي من غير تنصيص عليه بصحة أو ضعف وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يعتمد عليه في التصحيح، ولا ضعفه هو في غير السنن، ولا أحد غيره, فهو من الحسن عند أبي داود وذلك على سبيل الاحتياط، لأن قوله: "فهو صالح" دائر بين

стр. 314

الصحيح والحسن فأخذنا بالأقل احتياطا١, وإن ثبت ما نقله ابن كثير عن أبي داود أنه قال: "وما سكت عنه فهو حسن"٢ يكن ما ذكره ابن الصلاح استنتاجا هو المتعين بالنص. ومن مظانه أيضا مسند الإمام أحمد، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارقطني فقد نص على كثير منه في سننه. "قول الترمذي: هذا حديث حسن صحيح": استشكل العلماء قول الترمذي في سننه: هذا حديث حسن صحيح؛ لأن الحسن قاصر عن درجة الصحيح كما سبق بيانه، فالجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته, وهو محال فما الجواب؟ أجيب عن ذلك بأجوبة: ١- أن ذلك باعتبار إسنادين بأن يكون الحديث روي بإسناد حسن والآخر صحيح فلك أن تقول: إنه حسن بالنسبة إلى أحدهما صحيح بالنسبة إلى الآخر فلا تناقض إذا, ولكن هذا الجواب لا يستقيم في بعض الأحاديث التي يقول فيها الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". ٢- وقال بعضهم: مراده حسن باعتبار المتن صحيح باعتبار الإسناد، وغرض هذا القائل من حسن المتن الحسن اللغوي٣ لا الحسن الاصطلاحي حتى يكون في الكلام تناقض ورد هذا الجواب أيضا بأن الترمذي يقول ذلك في أحاديث مروية في صفة جهنم والحدود والقصاص, ونحو ذلك من أحاديث الترهيب، وبأنه يلزم عليه أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ حسنا أيضا, وهو ما لم يقل به

стр. 315

أحد من المحدثين. ٣- وذهب ابن كثير في الجواب إلى أن ما قيل فيه حسن صحيح قسم ثالث مزج من القسمين يقال في الحديث الذي فيه شبه لم يتمحض لأحدهما, وأنه درجة متوسطة بين الصحيح والحسن فما قيل فيه: حسن صحيح فوق ما قيل فيه: حسن، ودون ما قيل فيه: صحيح, وانتقد بأن هذا تحكم لا دليل عليه١. ٤- وأحسن الأجوبة ما ذكره الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها، قال ما خلاصته: "إنه إن كان للحديث إسنادان فأكثر فوصفه بالصحة والحسن راجع إلى أنه صحيح بإسناد حسن بإسناد آخر, وغاية ما هنالك أنه حذف حرف العطف, وكان الأولى أن يقول: حسن وصحيح وعليه, فيكون ما يقول فيه حسن صحيح فوق ما يقول فيه صحيح فقط؛ لأن كثرة الطرق تقوي. وأما إذا لم يكن له إلا إسناد واحد فالجمع بينهما للتردد الحاصل من الإمام المجتهد في الحديث: أهو جامع لأوصاف الصحيح أم هو قاصر عنها؟ ولا يترجح أحدهما عنده فاقتضاه الأمر إلى التعبير بهذا، وغاية ما في التعبير أنه حذف منه حرف التردد، وكان حقه أن يقول: حسن أو صحيح، وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح دون ما قال فيه صحيح؛ لأن الجزم أقوى من التردد٢. "جمع الترمذي بين الحسن والغرابة": قد يقال: إن الترمذي قد صرح في كلامه بأن شرط الحديث الحسن أن يروى من غير وجه نحوه، فكيف يقول في بعض الأحاديث: حسن

стр. 316

غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والجواب -كما قال الحافظ ابن حجر- أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقا، وإنما عرفه بنوع خاص منه وقع في كتابه, وهو ما يقول فيه حسن من غير ضم صفة أخرى, ذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: حسن، وفي بعضها صحيح، وفي بعضها غريب، وفي بعضها حسن صحيح، وفي بعضها: حسن غريب، وفي بعضها: صحيح غريب، وفي بعضها: حسن صحيح غريب، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته في آخر جامعه ترشد إلى ذلك حيث قال: "وما قلنا في كتابنا: حديث حسن فإنما أردنا حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا, ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن", فعرف بهذا أنه يعرف ما يقول فيه: حسن فقط, أما ما يقول: حسن صحيح أو حسن غريب أو حسن صحيح غريب, فلم يعرج تعريفه كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه: صحيح فقط أو غريب فقط, وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عند أهل الفن، واقتصر على ما يقول فيه: حسن فقط, إما لغموضه, وإما لأنه اصطلاح جديد ولذلك قيده بقوله: "عندنا" ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي, وبهذا التقرير يندفع كثير الإيرادات التي طال البحث فيها ولم يسفر وجه توجيهها, فلله الحمد على ما ألهم وعلم١. أنواع أخرى: الجيد، والقوي، والصالح، والمعروف، والمحفوظ، والمجود، والثابت، قال الإمام السيوطي في تدريبه٢.

стр. 317

خاتمة: من الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول: الجيد، والقوي، والصالح، والمعروف، والمحفوظ، والمحود، والثابت. فأما الجيد، فقال شيخ الإسلام -يعني الحافظ ابن حجر- في الكلام على أصح الإسناد لما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل، أن أصحها: الزهري، عن سالم، عن أبيه١، عبارة أحمد أجود الأسانيد كذا أخرجه عنه الحاكم. قال -يعني الحافظ: "وهذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح" ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك: "من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة, وفي جامع الترمذي في "الطب" هذا حديث جيد حسن، وكذا قال غيره: لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم إلا أن الجهبذ٢ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته، ويتردد في بلوغه الصحيح، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح، وكذا القوي. وأما الصالح: فهو شامل للصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج، ويستعمل أيضا في ضعيف يصلح للاعتبار يعني: المتابعات والشواهد. وأما المعروف: فهو مقابل المنكر، والمحفوظ مقابل الشاذ وسيأتي تقرير ذلك في نوعيهما, إن شاء الله تعالى. وأما المجود، والثابت فيشملان أيضا الصحيح والحسن. قال السيوطي: ومن ألفاظهم المشبه وهو يطلق على الحسن وما يقاربه فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح، قال أبو حاتم: أخرج عمرو ابن حصين الكلابي أول شيء أحاديث مشبهة حسانا، ثم أخرج بعد أحاديث موضوعه، فأفسد علينا ما كتبنا.

стр. 318

الحديث الضعيف أقسام الضعيف ... "الحديث الضعيف": هو كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن ويمكن إجمال شروط الصحيح والحسن بقسميه في ستة شروط: ١- اتصال السند. ٢- عدالة الرواة. ٣- السلامة من كثرة الخطأ والغفلة وهو الضبط. ٤- السلامة من الشذوذ. ٥- السلامة من العلة. ٦- مجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور ليس متهما، ولا كثير الغلط على ما ذكرنا في الحسن لغيره. فكل حديث فقدت فيه بعض هذه الشروط أو كلها هو حديث ضعيف. "أقسام الضعيف": وينقسم الضعيف إلى أقسام كثيرة أوصلها بعضهم, بحسب القسمة العقلية والتشقيقات النظرية إلى ثلاثمائة وإحدى وثمانين صورة، وأما بحسب القسمة الواقعية فهي تسعة وأربعون نوعا كلها داخلة تحت هذا التعريف, كما قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. ثم إن من هذه الأقسام ما ليس له اسم خاص, فيكون له اللقب العام, وهو الضعيف, ومنها ما له لقب خاص به كالمرسل، والمنقطع, والمعضل، والمعلق، والمدلس، والشاذ، والمنكر، والمتروك، والمعل، والمضطرب، والمدرج، والمقلوب، والموضوع، وهو شر أنواع الضعيف وأرذلها.

стр. 319

" حكم الحديث الضعيف رواية وعملا ": الحديث الموضوع أو الساقط أو الذي لا أصل له لا تجوز روايته إلا مقترنًا ببيان وضعه، أو سقوطه، أو أنه لا أصل له، ومن روى شيئًا من ذلك من غير بيان, وهو يعلم, فهو آثم أشد الإثم كما أنه لا يجوز العمل بالموضوع، وما شاكله قط لا في الحلال والحرام, ولا في باب الترغيب والترهيب، والقصص والمواعظ، ولا في التفسير؛ لأنه مختلق مكذوب فمن عمل به, فقد زاد في الشرع ما ليس منه. أما الضعيف الذي لم يصل إلى حد السقوط والوضع، وهو الضعيف المحتمل فقد اختلفت فيه أنظار العلماء وإليك آراءهم في هذا: قال ابن الصلاح: يجوز رواية ما عدا الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة، من غير اهتمام ببيان ضعفها فيهما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما, وذلك كالمواعظ والقصص، وفضائل الأعمال, وسائر فنون الترغيب والترهيب, وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد١. ومقتضى ذلك العمل به فيما ذكر قال: وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في نحو ذلك عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل ﵄. والمراد بفضائل الأعمال: الأعمال الفاضلة الثابتة قبلُ بالأحاديث الصحيحة, بمعنى أنه إذا ورد حديث ضعيف دال على ثواب مخصوص من الأعمال الثابتة قبل, فإن أصل العمل ثابت استحبابا من دليل آخر, ولم يثبت بالضعيف إلا الثواب المرتب على هذا العمل, وحينئذ لم يثبت حكم شرعي بالحديث الضعيف.

стр. 320

وقال الإمام ابن العربي المالكي١: لا يعمل به مطلقا لا في الحلال والحرام ولا في الفضائل ونحوها. وأجاز بعض الأئمة رواية الضعيف من غير بيان ضعفه والعمل به, ولكن بشروط: ١- أن يكون الحديث في القصص، أو المواعظ، أو فضائل الأعمال، أو نحو ذلك مما لا يتعلق بصفات الله، وما يجوز له، وما يستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن ولا بالأحكام كالحلال والحرام، وغيرهما. ٢- أن يكون الضعف فيه غير شديد فيخرج حديث من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب, والذين فحش غلطهم في الرواية، والحديث الذي كثرت طرقه، ولم تخل طريق منها من شدة الضعف. ٣- أن يكون ما ثبت به مندرجًا تحت أصل من أصول الشريعة لئلا يثبت ما لم يثبت شرعًا به, وحينئذ يكون الضعيف مؤكدًا لما ثبت بذاك الأصل الكلي. ٤- أن لا يعتقد العامل به ثبوته بل يقصد الاحتياط والخروج من العهدة. ٥- أن لا يعارضه دليل آخر أقوى منه٢. والحق أنه لا يجوز رواية الضعيف إلا مقترنًا ببيان ضعفه وبخاصة
следующие страницы →