فعلى الناظر في كتب الجرح والتعديل، وكتب الرجال أن يدقق ويحقق ويبحث في اصطلاحات العلماء حتى يصل إلى الحق والصواب فيما يذكرون.
فائدة مهمة:
ذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" في ترجمة "محمد بن خالد الطحان الواسطي "عن أبي زرعة١ أنه سأل أباه عنه، فقال: "هو على يدي عدل" قال الحافظ: ومعناه أنه قريب من الهلاك، وهذا القول مثل للعرب، ومورده: أنه كان لتبع٢ على شرطته رجل يقال له: عدل بن سعد العشيرة، فإذا أراد تبع قتل شخص دفعه إليه ليقتله، فضرب به المثل لمن ييأس منه الناس وقرب من الهلاك كما ذكره ابن قتيبة والثعالبي وأخطأ من ظن أنه من ألفاظ التوثيق", وفي القاموس المحيط "مادة "عدل" ج٤ ص١٣": "العدل: ضد الجور وما قام في النفوس أنه مستقيم ... وبلا لام -يعني وبلا ألف ولام- رجل ولي شرطة تبَّع فإذا أريد قتل رجل دفع إليه، فقيل لكل ما يئس منه: وضع على يدي عدل".
"تنبيه مهم":
ما ينبغي أن يعلم أن بعض الأئمة المجروحين كانوا يراعون العفة في القول، ويتحرجون من ألفاظ النقد الجارحة.
ومن هؤلاء إمام الأئمة البخاري -رحمه الله تعالى- فإنه كان يقول: فلان فيه نظر، وسكتوا عنه، وهاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه.
стр. 492
أقول: وبهذا الأدب العف العالي في النقد فليقتد الناقدون لغيرهم، ودعكم من ألفاظ السباب والفحش في النقد والمناظرة فإنها بضاعة العاجز الجاهل، أما العلماء الأصلاء فهم بمعزل عن هذه السفاهة والهجر من القول والله يعصمني وإياكم من الجهل والسفه.
стр. 493
" المسلسل من الحديث ":
تعريفه:
المسلسل: بضم الميم وفتح السين، وسكون اللام وفتح السين المهملة الثانية آخره لام اسم مفعول من سلسلت الشيء أي جعلته مسلسلا.
وهو في اللغة: اتصال الشي بعضه ببعض على نسق واحد متناسب، ومنه سلسلة الحديد فإن حلقاتها متناسبة متصل بعضها ببعض١.
وفي اصطلاح المحدثين: ما توارد فيه الرواة كلهم واحدا فواحدا على صفة واحدة أو حالة واحدة للرواة تارة، وللرواية تارة أخرى٢.
وهو من صفات الإسناد كما قال الحافظ ابن حجر، بخلاف المرفوع, والموقوف، والمقطوع, فإنها صفات المتن، وبخلاف الصحيح ونحوه كالحسن فإنهما من صفاتهما٣.
فائدة التسلسل: ومن فوائد التسلسل -كما قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح- اشتماله على الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم٤- باعتبار أنه هو مصدره الأول أقول: وهذا إنما يكون بعد ثبوت التسلسل وإلا فلا.
وهذا النوع من أنواع علوم الحديث قد اعتنى به العلماء المؤلفون في هذا العلم قديما وحديثا، فمنهم من كتب فيه على أنه نوع من أنواع
стр. 494
علوم الحديث وأصوله، ومنهم من كتب فيه وألف على سبيل الاستقلال.
أقسام التسلسل: قال الإمام النووي في "التقريب، وشارحه السيوطي في "التدريب": وصفات الرواة وأحوالهم أيضا إما أقوال، وإما أفعال، أولهما معا وصفات الرواية إما أن تتعلق بصيغ الأداء، أو بزمنها، أو بمكانها، وله أنواع كثيرة غيرها ومما زاده السخاوي في شرحه على "ألفية العراقي" ما يتعلق بتاريخ الرواية، وليس ذلك على سبيل الحصر بل له أنواع كثيرة غيرها١ قال العراقي: في ألفيته، وشارحها السخاوي، "وقسمه" أي تقسيمه "إلى ثمان" كما فعل الحاكم إنما هي "مثل" لهن ولم يرد الحصر فيها كما فهمه ابن الصلاح عنه، وتعقبه بعدم حصره فيها، إذ ليس في عبارة الحاكم ما يقتضي الحصر كما قاله الشارح لقول الحاكم بعد الفراغ منها: فهذه أنواع التسلسل من الأسانيد المتصلة التي لا يشوبها تدليس، وآثار السماع فيها بين الراويين ظاهرة، وهذا كما ترى مؤذن بأنه إنما ذكر من أنواعه ما يدل على الاتصال, وهو غاية المقصد من هذا النوع٢.
стр. 495
الأمثلة لهذه الأنواع:
١- فالمسلسل بالأحوال القولية كحديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ، إني أحبك فقل دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ١.
٢- ومن أمثلة المسلسل بالأحوال الفعلية مسلسل التشبيك باليد، وهو
стр. 496
حديث أبي هريرة قال: شبك بيدي أبو القاسم ﷺ وقال: "خلق الله الأرض يوم السبت" ١ الحديث. ولي تعليق على هذا الحديث سيأتي إن شاء الله تعالى, قال السخاوي: فقد تسلسل لنا تشبيك كل واحد من رواته بيد من رواه عنه ونحوه المسلسل بوضع اليد على الرأس، والأخذ بيد الطالب، وبالعد في يده للخمسة التي منها الصلاة على النبي ﷺ والترحم، والدعاء، وبالمصافحة ويرفع اليدين في الصلاة وبالاتكاء والإطعام، والسقي، وبالضيافة بالأسودين: التمر والماء٢.
٣- ومن أمثلة المسلسل بهما معًا: حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه، ومره" , وقبض رسول الله ﷺ على لحيته، وقال: "آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره" وكذلك كل راوٍ من رواته كان يقبض على لحيته حين روايته ويقول هذا القول: "آمنت بالقدر ... " إلخ٣.
٤- ومثال المسلسل بصفاتهم القولية الحديث المسلسل بقراءة سورة "الصف" روى الترمذي في جامعه٤ قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: "قعدنا نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناه، فأنزل الله : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، يَا أَيُّهَا
стр. 497
الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ السورة.
قال ابن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ قال أبو سلمة: فقراها علينا عبد الله بن سلام، قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة، قال الأوزاعي: فقرأها علينا يحيى بن أبي كثير، قال محمد بن كثير فقرأها علينا الأوزاعي، قال عبد الله فقرأها علينا ابن كثير١.
قال العراقي: وصفات الرواة القولية، وأحوالهم القولية متقاربة بل متماثلة٢.
٥- المسلسل بصفات الرواة الفعلية كاتفاق أسماء الرواة كالمسلسل بالمحمدين مثلا، أو صفاتهم أو نسبتهم، فالأول كمسلسل الفقهاء مطلقا أو الشافعيين أو الحفاظ، أو النحاة، أو الكتاب، أو الشعراء، أو المعمرين -بفتح الميم المشددة- والثاني: كأحاديث رويناها كل رجالها دمشقيون، أو مصريون، أو كوفيون، أو عراقيون.
وأصح أقسام التسلسل المسلسل بالحفاظ كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر، وهو أصح الأسانيد عند البخاري، وتسمى بالسلسلة الذهبية.
٦- المسلسل بصفات الرواية المتعلقة بصيغ الأداء كالمسلسل بقول الرواة: سمعت أو حدثنا، أو أخبرنا، أو أنبأنا وذلك بأن يقول رواة السند كلهم ذلك وهو ما عليه جمهور العلماء، وجعل الحاكم منه أن تكون ألفاظ الأداء من جميع الرواة دالة على الاتصال وإن اختلفت، فقال بعضهم سمعت، وقال بعضهم: حدثنا، وقال
стр. 498
بعضهم أنبأنا، ولكن الأكثرين من العلماء على اختصاصه بالوارد على صيغة واحدة ونحوه الحلف كقوله أنبأنا والله فلان كما نص عليه ابن الصلاح أو ما يلحق به كقول الراوي: صمت أذناي إن لم أكد سمعته من فلان، أو نحو ذلك١.
٧- المسلسل بزمن الرواية كالمسلسل بالتحمل في يوم العيد، أو بقص الأظفار في يوم الخميس٢.
٨- المسلسل بمكان الرواية وذلك مثل المسلسل بإجابة الدعاء في الملتزم٣ وذلك مثل ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الملتزم موضع يستجاب فيه الدعاء وما دعا الله فيه عبد دعوة إلا استجاب له".
قال ابن عباس: فوالله ما دعوت الله فيه قط منذ سمعت هذا الحديث إلا استجاب لي, وقد تسلسل الحديث بقول كل من رواته: وأنا ما دعوت الله فيه بشيء منذ سمعته إلا استجاب لي٤.
٩- التسلسل بتاريخ الرواية لكون الراوي آخر من يروي عن شيخه وما لم أذكر له مثالا معينا فليطلب ذلك في الكتب المؤلفة في المسلسلات على سبيل الاستقلال.
стр. 499
المسلسلات لا تخلو من ضعف في التسلسل:
والمسلسلات: لا تخلو من ضعف في وصف التسلسل لا في أصل الحديث فقد يكون الحديث صحيحا ومع ذلك لا يسلم من ضعف في التسلسل قال النووي "في تقريبه": "وقلما يسلم عن خلل في المتسلسل"١.
وقال السخاوي في شرح ألفية العراقي: "وقلما يسلم التسلسل من ضعف يحصل في وصف التسلسل لا في أصل المتن كمسلسل المشابكة فمتنه صحيح والطريق بالتسلسل فيها مقال ومراده بمسلسل المشابكة الواقعة في حديث: "خلق الله التربة يوم السبت".
"تعقيبي على ذلك":
وأحر بهذا التسلسل أن يكون غير ثابت كما قال السخاوي، وأما أن المتن صحيح فلا, وأحب أن أقول: إن حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة" , قد رواه الإمام مسلم في صحيحه١، ورواه أيضا أحمد، والنسائي عن أبي هريرة.
وهذا الحديث من الأحاديث التي انتقدت على الإمام مسلم؛ لأن مقتضاه أن الله ﵎ خلق السموات والأرض وما بينهما في سبعة أيام، والثابت بالقرآن المتواتر القطعي في ثبوته أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام٢ قال عز شأنه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية٣، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية٤ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي
стр. 500
خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ١ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية٣ والحديث الصحيح مهما بلغ لا يعارض ما ثبت بالقرآن المتواتر القطعي وقد تنبه المحدثون إلى هذا من قديم الزمان فأعلوه، وتكلموا فيه:
فمنهم من قال: إنه غير ثابت، لأن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى، وإبراهيم بن أبي يحيى قال فيه الإمام أحمد: "كان قدريا معتزليا جهميا، كل بلاء فيه، ترك الناس حديثه، وكان يضع" وقال ابن معين: "كذاب رافضي فبمثل هذا السند لا يثبت الحديث، ولا المشابكة المسلسل بها، بسبب وجود إبراهيم في السند صراحة أو تدليسا"٤.
وإذا كان الحديث مختلقا مكذوبا على النبي ﷺ ، وعلى أبي هريرة ومن جاء بعده من الثقات فلا يصح أن يرتب عليه باحث حكما هو فرع عن ثبوته.
ومن الأئمة الكبار من أنكر رفع الحديث إلى النبي ﷺ وأن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه إنما أخذه عن كعب الأحبار، وأن بعض
стр. 501
رواته وهم في رفعه، والأصح وقفه على كعب، وإلى هذا ذهب إمام الأئمة البخاري في تاريخه فقال: "رواه بعضهم عن أبي هريرة ﵁ عن كعب الأحبار وهو الأصح" ووافقه على هذا العلامة الحافظ ابن كثير حيث قال:
"فكأن هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعا إلى النبي ﷺ بقوله: "أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال١ ... إلخ".
ومهما يكن من شيء فسيدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه بريء مما غمزه به أعداء السنن والأحاديث، وأعداء صحابة رسول الله ﷺ واتهامهم له برفع الحديث إلى رسول الله ﷺ حتى إن بعض الجهلاء المغرورين منهم قال في كتاب له بعد أن سفه على سيدنا أبي هريرة بما سفه به:
"وإني لأتحدى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث، وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أن يحلوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوة التي سقط فيها", ثم تهكم بسيدنا أبي هريرة ما شاء له أدبه أن يتهكم! ٢
وهذا الكلام كتبته في كتابي "دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين"٣ الذي قصدت به خدمة السنة النبوية المطهرة، وبيان شرفها وفضلها، وحقيقة أمرها ولم أقف على كلام لأحد في هذا الموضوع من الذين ألفوا في "علوم الحديث" قديما وحديثا فلله الحمد والمنة.
стр. 502
"التسلسل التام وغير التام":
ثم من المتسلسل ما يكون التسلسل فيه من أول السند إلى آخره، وأصح مثل لذلك الحديث المسلسل بقراءة "سورة الصف" وقد قدمناه آنفا.
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: من أصح مسلسل يروى في الدنيا المسلسل بقراءة سورة الصف.
قال السيوطي: والمسلسل بالحفاظ والفقهاء أيضا، بل ذكر في شرح النخبة: أن المسلسل بالحفاظ مما يفيد العلم القطعي.
وقد ينقطع تسلسله في وسطه أو أوله، أو آخره ومثال ذلك المسلسل بقول الراوي بأول حديث سمعته، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: "الراحمون يرحمهم الرحمن" , فإنه انتهى التسلسل فيه إلى عمرو بن دينار، وانقطع في سماع عمرو من أبي قابوس، وسماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو، وفي سماع عبد الله من النبي ﷺ على ما هو الصحيح فيه، وقد رواه بعضهم كامل السلسلة فوهم فيه.
стр. 503
" أشهر المؤلفات في المسلسلات ":
١- المسلسلات تأليف الحافظ إسماعيل بن أحمد بن الفضل التيمي المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة "٥٣٥"١.
٢- الأحاديث المسلسلات تأليف الشيخ الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة "٦٤٣"٢.
٣- كتاب المسلسلات للحافظ المحدث المؤرخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة اثنين وتسعمائة وفيه مائة حديث.
стр. 504
٤- "المسلسلات الكبرى" وهي خمسة وثمانون حديثا، و"جياد المسلسلات"١, كلاهما للإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة قال في "تدريبه": "وقد جمعت كتابا قيما وقع في سماعاتي من المسلسلات"٢.
٥- الفوائد الجليلة للعلامة الشيخ محمد بن أحمد بن سعيد، المشتهر والده بعقيلة المتوفى سنة خمسين ومائة بعد الألف "١١٥٠"٣.
٦- "التعليقة الجليلة على مسلسلات ابن عقيلة" لأبي الفيض محمد بن محمد بن محمد الشهير بمرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي ثم المصري الحنفي المتوفى بمصر سنة ١٢٠٥هـ.
٧- "المناهل السلسة في الأحاديث المسلسلة" للعلامة المحدث محمد بن عبد الواحد الأيوبي المتوفى سنة أربع وستين وثلاثمائة بعد الألف وهو يشتمل على اثني عشر ومائتي حديث٤, ولما كان صاحبه متأخر الوفاة فقد جاء كتابه أشمل الكتب في هذا.
وبالجملة فقد قال الإمام السخاوي في شرح ألفية العراقي ما نصه:
"وقد أفرد كثير من الأئمة ما وقع لهم من المسلسلات، وقع لي من ذلك بالسماع جملة: كالمسلسلات لأبي بكر بن شاذان، ولأبي محمد الإبراهيمي، ولأبي محمد الديباجي، ولأبي سعيد السمان، ولأبي سعد بن أبي عصرون، ولأبي القاسم التيمي، والقرافي، ولأبي المكارم بن مسرى. ولأبي سعيد العلائي، ولابن الفضل في الأربعين له.
стр. 505
وبالإجازة جملة أيضا: كأبي نعيم الأصبهاني، وأبي الحسن اللبان، والقاضي أبي بكر بن العربي.
واعتنى كل من حافظ دمشق ابن ناصر الدين، وحافظ مكة من أصحابنا بإفراد ما وقع له منها في تخريج.
وكذلك أفردت مائة منها بالتصنيف مبينا شأنها، ورويت ذلك إملاء وتحديثا بالقاهرة ومكة١.
إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة في المسلسلات ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى "الرسالة المستظرفة، لبيان مشهور كتب السنة المشرفة" قال: ومجموع الأحاديث المسلسلة يزيد على أربعمائة٢.
стр. 506
علم علل الحديث
مدخل
...
"علم علل الحديث":
علم علل الحديث من العلوم المهمة جدا، وقد سبق التأليف في هذا العلم على سبيل الاستقلال لكونه فرعا من فروع "علوم الحديث" بمعناها العام. التأليف فيه بعد صيروة "علوم الحديث" فنا مدونا مستقلا عن غيره من العلوم له أصوله، وله مسائله، وله أنواعه، وذلك على يد الإمام أبي محمد الحسن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى حوالي سنة ستين وثلاثمائة.
والعلة في اصطلاح أئمة الحديث وجهابذته: عبارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث مع أن الظاهر السلامة منها.
وعلى هذا يمكننا أن نعرف هذا العلم فنقول:
علم علل الحديث: هو العلم الذي يبحث فيه عن الأسباب الخفية
стр. 507
الغامضة التي تقدح في الحديث صحة وحسنا، وسندا ومتنا مع أن الظاهر السلامة منها.
ولن أتكلم هنا عن أقسام العلة ولا عن ضرب الأمثلة لها فقد سبق ذلك في نوع "المعل"١ من الحديث أثناء التكلم عن أنواع الحديث الضعيف.
"هذا العلم لم يتكلم فيه إلا الجهابذة":
وهذا العلم لم ينهض للكلام فيه والتأليف إلا الأئمة الكبار الجامعون للحديث، والعارفون بعلله أمثال: علي بن المديني، وأحمد بن محمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، والترمذي، والدارقطني.
"بم تعرف العلة": وتدرك العلة بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنبه العارف بهذا العلم على وهم٢ وقع بإرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو غير ذلك بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد في صحته فيتوقف فيه.
والطريق إلى معرفة ذلك جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته وفي ضبطهم وإتقانهم، قال الإمام ابن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه".
وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي٣ في نقد الدنانير والدراهم قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: معرفة علل الحديث الهام، ولو قلت للعالم بعلل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك.
стр. 508
وقيل له أيضًا: إنك تقول للشيء هذا صحيح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا بهرج١. أكنت تسأل عن ذلك، أو تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك بطول المجالسة والمناظرة والخبرة.
وسئل أبو زرعة الرازي: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته ثم تقصد ابن وارة -يعني محمد بن محمد بن وارة- فتسأله عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم -يعني الرازي- فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافًا فاعلم أن كلًّا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم، ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام.
"تعليق على كلمة ابن مهدي أن هذا العلم إلهام":
قد يوهم ظاهر هذه الكلمة أن هذا العلم لا يحتاج إلى طول بحث ونظر، وموازنة بين الروايات وجمعها كي يصل الإمام المعلل إلى الحق والصواب.
وهذا الظاهر غير مراد قطعًا بعد ما ذكرنا من كلمة الإمام علي بن المديني، وبعد ما هو معلوم من أن العلماء الذين اشتغلوا بعلل الأحاديث لم يدعوا وسيلة من وسائل العلم بالأحاديث، والبحث عن حقائق أمورها إلا سلكوها، وذلك عن طريق جمع الروايات ونقدها على حسب قواعدهم الدقيقة، والموازنة بينها حتى وصلوا إلى الحق والصواب في هذا، والكتب التي ألفت في العلل أكبر شاهد على هذا، إن في هذه الكتب ما يدل دلالة ظاهرة على سعة علم هؤلاء العلماء بالروايات، وعلى دقة أنظارهم في النقد.
стр. 509
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن أي عالم متمرس في فن من الفنون، وطالت مصاحبته له، والوقوف على حقائقه ودقائقه تحصل له ملكة١ في هذا الفن قد تصل هذه الملكة المكتسبة بطول البحث والنظر والتأمل إلى أن تجعل صاحبها ملهما في إدراك حقائق الأمور.
فمن الأطباء مثلا من حصل لهم بعد طول الممارسة لعلم الطب، ومقابلة المرضى والتعرف على أدوائهم وأمراضهم وعللهم ملكة بحيث يدرك بمجرد رؤية المريض أنه مريض بكذا، وإن لم يستعمل التفسرة٢ التي تعينه على إدراك حقيقة مرض المريض.
كذلك الكثرة الكاثرة من أئمة الحديث ولا سيما في العصور الأولى حصلت لهم بطول الممارسة والملازمة للحديث وعلومه ملكة بها يدركون الحديث المعلول من غير المعلول بحيث لا يحتاجون إلى طول بحث ونظر، وإنما تنطلق ألسنتهم بالحقيقة بحيث يخيل إلى السامع أن هذا العلم إلهام كما قال الرجل الذي ذكرنا قصته مع أبي زرعة الرازي.
إن الواحد منا نحن معاشر المشتغلين بعلم الحديث والسنن على فرق ما بيننا وبين هؤلاء الأئمة قد تحصل له هذه الملكة بحيث يميز ما بين ما هو من كلام رسول الله ﷺ ، وما ليس من كلامه، ولو لم يكن عنده علم خاص في ذلك، وأيضا فالعالم العامل بعلمه هو أحق من يلهمه الله الحق والصواب والله أعلم.
стр. 510
" المؤلفات في علل الحديث ":
١- من أقدم ما وصلنا من هذه المؤلفات كتاب "التاريخ والعلل" للإمام الحافظ يحيى بن معين المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين١.
٢- ومنها كتاب "العلل" للإمام علي بن المديني شيخ البخاري المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين.
قال فيه الحافظ ابن كثير: ومن أحسن كتاب وضع في ذلك وأجله وأفحله "كتاب العلل" لعلي بن المديني شيخ البخاري، وسائر المحدثين بعده في هذا الشأن على الخصوص٢.
٣- ومنها كتاب "العلل" للإمام الجليل أحمد بن حنبل المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين٣.
٤- ومنها كتاب "المسند المعلل" للإمام الحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي البصري المتوفى سنة اثنين وستين ومائتين. قال الإمام الذهبي في "تذكرة الحفاظ"٤: ما صنف مُسند أحسن منه ولكنه ما أتمه". قال الخطيب: أخبرنا الأزهري قال: بلغني أنه كان في منزل يعقوب بن شيبة أربعون لحافا أعدها لمن كان يبيت عنده من الوراقين الذين يبيضون المسند قال: ولزمه على ما خرج منه عشرة آلاف دينار.
٥- ومنها كتاب "العلل" للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين وله في العلل كتابان: العلل الصغير وهو الملحق بالجامع له، وكتاب العلل الكبير وهو مستقل وقد شرحه العلامة الحافظ ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة
стр. 511
خمس وتسعين وسبعمائة١.
٦- ومنها كتاب "العلل" للإمام الفقيه العلامة المحدث أبي بكر بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي المشهور بالخلال المتوفى إحدى عشرة وثلاثمائة, وهو مؤلف علم أحمد بن حنبل، وجامعه ومرتبه، صنف "كتاب السنة" في ثلاث مجلدات، و"كتاب العلل" في عدة مجلدات، و"كتاب الجامع", وهو كبير جدا٢.
٧- ومن أحسن الكتب المؤلفة في "باب العلل" وأجمعها كتاب "علل الحديث" للإمام الحافظ الناقد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وهو مرتب على أبواب الفقه، وقد طبع في مصر في مجلدين سنة ١٣٤٣هـ.
٨- وأجمع كتاب وأشمله في هذا الباب كتاب "العلل الواردة في الأحاديث النبوية"٣ للإمام الحافظ الناقد علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
وقد حظي هذا السفر الجليل بثناء أئمة الحديث ونقاده. قال الحافظ ابن كثير: "وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتاب بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله وأكرمه مثواه"٤.
стр. 512
٩- وقد ذكر الإمام السيوطي في كتابه "تدريب الراوي" أن شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر صنف في ذلك كتابا سماه "الزهر المطلول في الخبر المعلول". قال العلامة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ في تعليقاته على "اختصار علوم الحديث": ولم أره، ولو وجد لكان في رأيي جديرا بالنشر، لأن الحافظ ابن حجر دقيق الملاحظة، واسع الاطلاع، ويظن أنه يجمع كل ما تكلم فيه المتقدمون من الأئمة من الأحاديث المعلولة.
قال: وتجد الكلام على علل الحديث مفرقا في كتب كثيرة من أهمها:
"نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ الزيلعي، و"التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير"، و"فتح الباري بشرح صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري" وكلاهما للإمام الحافظ الكبير أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني.
وفي "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار" للشوكاني، و"المحلى" للإمام الحجة أبي محمد علي بن حزم الظاهري، وكتاب "تهذيب سنن أبي داود" للعلامة المحقق ابن قيم الجوزية١.
стр. 513
علم غريب الحديث:
تعريفه:
معنى الغريب في اللغة:
يقال: غربت الكلمة غرابة إذا غمضت وخفيت معنى، وغرب الرجل يغرب غربا إذا ذهب وبعد.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي في شرح معنى الغريب واشتقاقه أن الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم كالغريب من الناس.
стр. 514
وقال: إن الغريب من الكلام يستعمل على وجهين: أحدهما أن يراد أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد، ومعاناة فكر، والوجه الآخر أن يراد به كلام من بعدت به الدار ونأى به المجلس من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم "استعربناها"١ يعني بينا معناها, وفي القاموس: "والإغراب: الإتيان بالغريب والإبعاد في الأرض كالتغريب ... وككرم: غمض وخفي"٢.
ويراد به في اصطلاح العلماء: ما وقع في متون الأحاديث من ألفاظ غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها أو لكونها من كلام العرب الضاربين في البداوة، البعيدين عن المدن والأمصار.
وهو فن مهم من فنون علوم الحديث يقبح جهله بأهل العلم بعامة، وبأهل الحديث بخاصة، وأغلب الذين تكلموا فيه كانوا من أهل اللغة الذين كانوا أئمة فيها، والبعض كانوا من العلماء الجامعين بين العلم باللغة والحديث من أمثال الإمامين الجليلين أبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي، ثم منهم من قصر كلامه على الغريب من الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ ومنهم من عم فذكر الغريب في كلام الصحابة والتابعين, رضوان الله على الجميع.
стр. 515
منشأ الغريب في الحديث:
كان رسول الله ﷺ أفسح العرب لسانا، وأوضحهم بيانا، وأعذبهم نطقا، وأسدهم لفظا، وأبينهم لهجة وأقومهم حجة، وأعرفهم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طريق الصواب، وأقدرهم على التعرف في فنون القول، تأييدا إلهيا، ولطفا سماويا، وعناية ربانية، ورعاية روحانية١ ولم يكن رسول الله ﷺ يحب الإغراب في الكلام، ولا الحوشي٢ من الألفاظ ولكنه ﷺ بعث إلى الناس كافة وصدق الله في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٣ ولم يبعث إلى قريش وحدها، وإنما بعث إلى العرب كلهم، وكانت لهجاتهم متغايرة فمنها العذب القريب الفهم الذي يحلو على الألسنة ويخف على الأسماع، ومنها الغريب الحوشي الذي لا يفهمه كل الناس، وكان رسول الله ﷺ مضطرا إلى أن يخاطب كل قوم بما يعرفون وما يفهمون حتى يقع الخطاب موقعه، ويثمر ثمرته، وكان في لسان الأعراب وأهل البوادي الكلام الغريب والحوشي، ولما جاءه وفد من اليمين وسألوه عن الصوم في السفر قال لهم: "ليس من امبر امصيام في امسفر" ٤, فأبدل لام "أل" "ميما" كما هي لغتهم.
ولذلك كان الصحابة يعجبون من قدرة رسول الله ﷺ الفائقة على مخاطبة الوفود بما يعرفون، بينما هم لا يقدرون على شيء من ذلك، مع أنهم كان فيهم الذين يرتادون البوادي، ويقابلون الأعراب الأقحاح الذين لم يفارقوا البادية, ولا عجب فهو وحي إلهي، وإلهام رباني وهي خصيصة من خصائصه ﷺ .
وكان الصحابة بحكم فطرتهم اللغوية وسليقتهم العربية يعرفون الكثرة الكاثرة من كلامه سألوه أو سأله عنه، فيجيبهم.
ولما جاوز الرسول الرفيق الأعلى وحمل الصحابة رضوان الله عليهم
стр. 516
الرسالة من بعده لتبلغها للناس كافة لم يلبث أن دخل الكثيرون في الإسلام من غير العرب من الفرس، والرومان، وغيرهم ممن لا يتكلمون العربية، ولم يمض قرن من الزمان، أو يزيد، على الوفاة النبوية حتى بلغ الإسلام من المحيط إلى المحيط١.
فمن ثم دخلت العجمة في اللسان العربي، ووجد جيل من بعد جيل الصحابة والتابعين استعصى عليه فهم ومعرفة معاني الكثير من الألفاظ العربية ومن اللسان العربي الذي نزل به القرآن، وجاءت عليه السنة النبوية المشرفة، حتى ولو كانت غير حوشية.
وسرى اللحن في اللغة، والاستعجام لمعانيها إلى الخاصة سواء منهم من لم يكن في الأصل عربيا، ومن كان، ولو استمر الأمر على ذلك فسينشأ جيل يستعصي عليه فهم القرآن الكريم، والسنة النبوية اللذين هما أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم، وحينئذ تكون الطامة.
فمن ثم رأى الغيارى٢ على الدين وأهله من علماء اللغة، ومن علماء الحديث الذين جمعوا إلى حفظ الحديث التعمق في العلم باللغة العربية أن يؤلفوا كتبا يبينون فيها ما هو خفي وغامض من الألفاظ القرآنية والحديثية، وما هو بعيد عن الفهم، فكان هذا العلم الشريف الذي عنيت به الأمة الإسلامية حتى كان من ثمرات هذا العلم هذه الثروة العلمية الكثيرة التي لا يحصيها العد فلله الحمد والمنة.
стр. 517
التثبيت في القول في غريب الحديث
...
التثبت في القول في غريب الحديث:
وقد كان السلف الصالح يثبتون فيه أشد التثبيت، وليس أدل على هذا مما روي عن الإمام الجليل أحمد بن حنبل أنه سئل عن حرف١ منه
стр. 518
فقال: "سلوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن".
وعسى أن يكون في هذه القولة مُدَّكر لهؤلاء الذين يتسورون١ على الأحاديث النبوية، ويتكلمون في ألفاظها، ومعانيها بغير علم.
حتى علماء اللغة أنفسهم العارفون بها كانوا يتحرجون من القول في ألفاظ الأحاديث، فقد سئل الأصمعي٢ -وهو من هو من علماء اللغة الكبار- عن معنى حديث: "الجار أحق بسقبه" ٣, فقال: أنا لا أفسر حديث رسول الله ﷺ ولكن العرب تزعم٤ أن السقب اللزيق.
стр. 519
المؤلفون في هذا العلم:
١- وقد اختلف في أول من صنف في هذا العلم فقيل هو النضر بن شميل -بضم الشين وفتح الميم وسكون الياء، آخره لام على صيغة المصغر- وهو ثقة، ثبت من كبار التاسعة وكانت وفاته سنة أربعة ومائتين، روى له الجماعة كما في التقريب١ وقد قال: إنه أول من صنف في الغريب الحاكم أبو عبد الله النيسابوري٢.
٢- وقيل: أول من ألف في ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى
стр. 520
سنة عشر ومائتين هجرية, ثم النضر بن شميل ثم الأصمعي، قال السيوطي: وكتبها صغيرة قليلة١.
والأصمعي توفي سنة ست عشرة ومائتين، ومن أقرانه قطرب محمد بن المستنير المتوفى سنة عشر ومائتين وأبو زيد الأنصاري "م سنة خمس عشرة ومائتين".
٣- ثم ألف بعدُ الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام كتابه المشهور في غريب الحديث، وذلك في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث, فقد كانت وفاته سنة أربع وعشرين ومائتين، قال النووي والسيوطي: فاستقصى وأجاد، والكتاب قد جمع مادة غزيرة في "غريب الحديث" وليس ذلك بغريب على أبي عبيد القاسم بن سلام فقد كان من الحفاظ الكبار ومن أئمة اللغة الأوائل، فلا عجب أن يأتي هذا الكتاب على هذه الصفة، وقد روي عنه أنه قال: "إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وهو كان خلاصة عمري", وقد طبع هذا الكتاب القيم في "الهند" وفي "مصر" وعلى ما ذكره بدأ في تأليفه سنة ست وثمانين ومائتين.
ومع ما قال النووي والسيوطي في وصف الكتاب والثناء عليه فقد غفل عن ألفاظ تعقبها عليه من جاء بعده من العلماء.
٤- ثم جاء بعده الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين للهجرة فألف كتابه في الغريب، وقد استدرك على أبي عبيد ما فاته في كتابه الجليل، وهو يعتبر ذيلا على كتاب أبي عبيد، وله كتاب "إصلاح الخطأ" ذكر فيه
стр. 521
أوهام أبي عبيد الواقعة في كتابه١.
٥- ثم جاء الإمام قاسم السرقسطي المالكي المتوفى سنة اثنتين وثلاثمائة فألف كتابه الموسوم "بالدلائل" وهو يعتبر ذيلًا على كتاب ابن قتيبة قال فيه أبو علي القالي: "ما أعلم أنه وضع بالأندلس مثل كتاب الدلائل" ومات ولم يتمه وأتمه أبوه ثابت بن حزم الحافظ٢ المتوفى سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة.
٦- ثم جاء الإمام حمد -بفتح الحاء المهملة وسكون الميم- بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي٣، الخطابي، وهي نسبة إلى جده المذكور، وقيل نسبة إلى زيد بن الخطاب؛ لأنه من ذريته المتوفى سن ثمان وثمانين وثلاثمائة بمدينة بست.
فألف كتابه المشهور "غريب الحديث" وقد استدرك في كتابه هذا ما فات أبا عبيد وما فات ابن قتيبة وهذه الكتب تعتبر أمهات كتب غريب الحديث٤.
٧- ومن الكتب النافعة المفيدة "كتاب الغريبين" غريب القرآن، وغريب الحديث، وهما في مجلد ضخم لأبي عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي المؤدب الهروي نسبة إلى هراة إحدى مدن خراسان الكبار الفاشاني نسبة إلى فاشان قرية من قرى هراة المتوفى سنة إحدى وأربعمائة.
قال صاحب "الرسالة المستطرفة"٥: "وما ذكرناه في نسبه هو المنقول كما في ابن خلكان ووجد على ظهر كتابه الغريبين أنه أحمد بن محمد بن عبد الرحمن والله أعلم", وهو
стр. 522
أحد الكتابين اللذين اعتمد عليهما الإمام ابن الأثير في كتابه الجامع "النهاية".
٨- كتاب "المغيث في غريب الحديث" في مجلد لأبي موسى المديني، كمل به الغريبين، واستدرك عليه وهو كتاب نافع١ قال الإمام الذهبي في "التذكرة" ومن تصانيفه كتاب "معرفة الصحابة" الذي استدرك به على أبي نعيم الحافظ، وكتاب "الطوالات" جودها ولم يسبق إلى مثلها مع كثرة ما فيها من الواهي والموضوع، وكتاب "تتمة الغريبين" يدل على براعته في لسان العرب.
وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين وخمسمائة في جمادى الأولى٢, وهو ثاني الكتابين اللذين اعتمد عليهما ابن الأثير.
٩- كتاب "جمع الغرائب" لعبد الغافر بن إسماعيل بن أبي الحسين عبد الغافر بن محمد. قال فيه الإمام الذهبي: الحافظ المفيد الإمام أبو الحسن الفارسي ثم النيسابوري مصنف "تاريخ نيسابور", وكتاب "جمع الغرائب" و"المفهم لشرح غريب مسلم" كان من أعيان المحدثين بصيرا باللغات، فصيحا، بليغا، عذب العبارة، ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ... وأجاز له من بغداد أبو محمد الجوهري، وسمع من جده لأمه الأستاذ أبي القاسم القشيري، وأحمد بن منصور المغربي، وأحمد بن عبد الرحمن الإسماعيلي، وأبي حامد أحمد بن الحسن الأزهري ... وجدته فاطمة بنت الدقاق, وخلق كثير تفقه بإمام الحرمين, لزمه مدة أربع سنين، وحدث عنه أبو سعيد عبد الله بن عمر الصفار وطائفة، وروى عنه أبو
стр. 523
القاسم بن عساكر بالإجازة، مات سنة تسع وعشرين وخمسمائة١.
أقول: وأما المفهم بشرح صحيح مسلم فهو للقرطبي شارح الصحيح.
"ملاحظة لي على كل من ألفوا في الغريب": ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام أنهم أهملوا تخريج الأحاديث التي تعرضوا لبيان غريبها أي عزوها إلى من خرجها من الأئمة، وبيان صحيحها من حسنها من ضعيفها, وفي كتب الغريب أحاديث كثيرة لا تثبت، وعسى أن يوفق الله بعض أهل العلم بالحديث للقيام بهذا الغرض الكفائي بالنسبة لكتاب "النهاية في غريب الأثر" لأنه أوفى وأشمل كتاب في هذا الباب ولو أن المحققين الفاضلين للنهاية استعانا بمن يخرج الأحاديث ويبين درجتها من علماء الحديث لجاء تحقيقهما غاية ما يرام.
١٠- ثم جاء الإمام الأديب اللغوي المفسر جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فألف كتابه "الفائق في غريب الحديث", وهو فائق في مادته فقد جاء شاملا لما يوجد في كتب من سبقه من المؤلفين في الغريب, وهو من الكتب القيمة التي وافق اسمها مسماها.
١١- ومن أشمل كتب الغريب وأجمعها وأشهرها كتاب "النهاية" في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات مجد الدين المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشيباني الموصلي الشافعي المتوفى سنة ست وستمائة، ولما كان مؤلفه متأخرا عن كل أولئك الذين ذكرناهم ممن ألفوا في الغريب فقد جاء كتابه أوفى كتاب وأشمله في بابه، وقد يسر الاطلاع على ما فيه للباحثين بترتيبه
стр. 524
على حروف المعجم وقد حظيت هذه الكتب السابقة بالقبول عند أهل العلم بالحديث وغيرهم، قال الإمامان النووي والسيوطي في "التقريب" وشرحه "التدريب" بعد ذكر أمهات كتب الغريب: "ثم ألفت بعدها كتب كثيرة فيها زوائد وفوائد كثيرة، ولا يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة أجلة كمجمع الغرائب لعبد الغافر الفارسي، وغريب الحديث لقاسم السرقسطي، والفائق للزمخشري، والغريبين للهروي، وذيله للحافظ أبي موسى المديني، ثم النهاية لابن الأثير، وهي أحسن كتب الغريب وأجمعها، وأشهرها الآن، وأكثر تداولا١، وقد فاته الكثير فذيل عليه الصفي الأرموي بذيل لم نقف عليه، وقد شرعت في تلخيصها تلخيصا حسنا مع زيادات جمة والله أسأل الإعانة على إتمامها"٢.
وهنالك كتب أخرى: ذكرها العلامة السيد محمد بن جعفر الكتابي في كتابه النافع المفيد "الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة"٣، وذكرها المحققان الفاضلان "للنهاية" في مقدمة التحقيق وهي أوفى ما كتب في هذا الموضوع.
قال الإمام السيوطي في "التدريب" شرح التقريب: وأجود تفسيره ما جاء مفسرا به في رواية كحديث الصحيحين في قوله ﷺ لابن صائد المدجل المشعوذ الذي كان يزعم أنه يوحى إليه: "خبأت لك خبيئا فما هو؟ " قال: الدخ. فالدخ هاهنا الدخان، وهو لغة قليلة فيه حكاه الجوهري وغيره، لما روى أبو داود، والترمذي من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في هذا الحديث, أن
стр. 525
النبي ﷺ قال له: "إني خبأت له خبأ"، وخبأ له: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ . قال المديني: والسر في كونه خبأ له الدخان أن عيسى ﷺ يقتله -أي الدجال- بحبل الدخان، فهذا هو الصواب في تفسير الدخ هنا, وقد فسره غير واحد فأخطئوا فقيل: الجماع وهو غلط فاحش، وقيل نبت موجود بين النخيل وهو غير مرضي١.
стр. 526
علم مختلف الحديث ومشكله
مختلف الحديث في اللغة
...
"علم مختلف الحديث ومشكله":
هذا العلم من علوم الحديث المهمة، وقد أحسن العلماء المتقدمون حينما تكلموا فيه وبينوا حكمه، وذلك لأن أعداء الإسلام من الزنادقة، وأضرابهم كالنظام المعتزلي قد عولوا في طعنهم في الأحاديث والسنن على ما يبدوا بادئ الرأي من تعارض: تناقض أو تضاد بين ظواهر بعض الأحاديث، ويبدو هذا المعنى جليا فيما جاء في كتاب الإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين وكذلك المستشرقين بنواجل طعنهم في الأحاديث على ما يبدو بين ظواهر بعض الأحاديث من تخالف، وقد أخذوا كلام الزنادقة والنظام المعتزلي وأمثاله وما زالوا يزيدون فيه، ويبدون، ويعيدون حتى صيروا من الحبة قبة وهذا العلم لا ينهض للكلام فيه إلا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة.
ونرى لزاما علينا أن نبين المراد بمختلف الحديث.
مختلف الحديث في اللغة:
مختلف مأخوذ من الاختلاف ضد الاتفاق ففي القاموس المحيط:
стр. 527
"واختلف ضد اتفق"١, ويقال: تخالف القوم واختلفوا إذا ذهب كل واحد منهم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر.
وفي لسان العرب لابن منظور المصري: "ويقال تخالف الأمران واختلفا إذا لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف"٢.
وقد اختلف العلماء المحدثون في ضبط كلمة مختلف فمنهم -وهم الأكثرون- على أنه بضم الميم وكسر اللام, فهو اسم فاعل من اختلف والإضافة بمعنى من أي المختلف من الحديث ومنهم من ضبطه بضم الميم وفتح الميم على أنه مصدر ميمي بمعنى الاختلاف والإضافة على هذا بمعنى "في" بمعنى الاختلاف في الحديث.
стр. 528
مختلف الحديث في الاصطلاح:
أما على أنه اسم فاعل من اختلف فيعرف بما يأتي:
أن يوجد حديثان أو أكثر متضادان في المعنى ظاهرا فيوفق بينهما أو يعتبر أحدهما ناسخا للآخر أو يرجح أحدهما على الآخر.
وإنما قلنا في التعريف ظاهرا؛ لأنه لا يوجد في الحقيقة ونفس الأمر حديثان صحيحان متضادان أو متناقضان؛ لأنه يستحيل أن يقع تضاد أو تعارض في كلام رسول الله ﷺ وذلك باعتبار أنه نبي يوحى إليه، وقد نقل عن إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة أنه قال: "ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه، ومن وجد شيئا من ذلك فليأتني لأؤلف له بينهما"١, ومراده ﵀ نفي التعارض الحقيقي.
قال الإمام الأصولي البارع أبو بكر الباقلاني٢: "وكل خبرين علم أن
стр. 529
النبي ﷺ تكلم بهما, فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين" ويقول أيضا: "متى علم أن قولين ظاهرهما التعارض، ونفي أحدهما لموجب الآخر أنه يحمل النفي والإثبات على أنهما في زمانين، أو فريقين، أو على شخصين أو على صفتين مختلفتين، وهذا ما لا بد منه مع العلم بإحالة مناقضته ﷺ في شيء من تقرير الشرع والبلاغ"١.
وأما على المعنى الثاني: فيعرف: بالتعارض والاختلاف الواقع بين حديثين أو أكثر في الظاهر.
стр. 530
" مشكل الحديث ":
وقد يطلق عليه بعض المحدثين المشكل, وذلك كما فعل الإمام الطحاوي المصري الحنفي في تسمية كتابه "مشكل الآثار", وكما فعل الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك في تسميته كتابه "مشكل الحديث".
الفرق بين "مختلف الحديث" و"مشكل الحديث":
والحق أن بين المختلف والمشكل فرقا في الاصطلاح.
فمختلف الحديث يكون بوجود تعارض: تضاد أو تناقض بين حديثين أو أكثر كما بينت آنفا.
وأما مشكل الحديث فهو أعم من ذلك فقد يكون سببه وجود تعارض بين حديثين أو أكثر، وقد يكون سببه كون الحديث مشكلا في معناه لمخالفته في الظاهر للقرآن مثلا أو لاستحالة معناه أو لمخالفته لحقيقة من الحقائق المتعلقة بالأمور الكونية التي كشفت عنها العلوم