علم مختلف الحديث ومشكله
مختلف الحديث في اللغة
...
"علم مختلف الحديث ومشكله":
هذا العلم من علوم الحديث المهمة، وقد أحسن العلماء المتقدمون حينما تكلموا فيه وبينوا حكمه، وذلك لأن أعداء الإسلام من الزنادقة، وأضرابهم كالنظام المعتزلي قد عولوا في طعنهم في الأحاديث والسنن على ما يبدوا بادئ الرأي من تعارض: تناقض أو تضاد بين ظواهر بعض الأحاديث، ويبدو هذا المعنى جليا فيما جاء في كتاب الإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين وكذلك المستشرقين بنواجل طعنهم في الأحاديث على ما يبدو بين ظواهر بعض الأحاديث من تخالف، وقد أخذوا كلام الزنادقة والنظام المعتزلي وأمثاله وما زالوا يزيدون فيه، ويبدون، ويعيدون حتى صيروا من الحبة قبة وهذا العلم لا ينهض للكلام فيه إلا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة.
ونرى لزاما علينا أن نبين المراد بمختلف الحديث.
مختلف الحديث في اللغة:
مختلف مأخوذ من الاختلاف ضد الاتفاق ففي القاموس المحيط:
стр. 527
"واختلف ضد اتفق"١, ويقال: تخالف القوم واختلفوا إذا ذهب كل واحد منهم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر.
وفي لسان العرب لابن منظور المصري: "ويقال تخالف الأمران واختلفا إذا لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف"٢.
وقد اختلف العلماء المحدثون في ضبط كلمة مختلف فمنهم -وهم الأكثرون- على أنه بضم الميم وكسر اللام, فهو اسم فاعل من اختلف والإضافة بمعنى من أي المختلف من الحديث ومنهم من ضبطه بضم الميم وفتح الميم على أنه مصدر ميمي بمعنى الاختلاف والإضافة على هذا بمعنى "في" بمعنى الاختلاف في الحديث.
стр. 528
مختلف الحديث في الاصطلاح:
أما على أنه اسم فاعل من اختلف فيعرف بما يأتي:
أن يوجد حديثان أو أكثر متضادان في المعنى ظاهرا فيوفق بينهما أو يعتبر أحدهما ناسخا للآخر أو يرجح أحدهما على الآخر.
وإنما قلنا في التعريف ظاهرا؛ لأنه لا يوجد في الحقيقة ونفس الأمر حديثان صحيحان متضادان أو متناقضان؛ لأنه يستحيل أن يقع تضاد أو تعارض في كلام رسول الله ﷺ وذلك باعتبار أنه نبي يوحى إليه، وقد نقل عن إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة أنه قال: "ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه، ومن وجد شيئا من ذلك فليأتني لأؤلف له بينهما"١, ومراده ﵀ نفي التعارض الحقيقي.
قال الإمام الأصولي البارع أبو بكر الباقلاني٢: "وكل خبرين علم أن
стр. 529
النبي ﷺ تكلم بهما, فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين" ويقول أيضا: "متى علم أن قولين ظاهرهما التعارض، ونفي أحدهما لموجب الآخر أنه يحمل النفي والإثبات على أنهما في زمانين، أو فريقين، أو على شخصين أو على صفتين مختلفتين، وهذا ما لا بد منه مع العلم بإحالة مناقضته ﷺ في شيء من تقرير الشرع والبلاغ"١.
وأما على المعنى الثاني: فيعرف: بالتعارض والاختلاف الواقع بين حديثين أو أكثر في الظاهر.
стр. 530
" مشكل الحديث ":
وقد يطلق عليه بعض المحدثين المشكل, وذلك كما فعل الإمام الطحاوي المصري الحنفي في تسمية كتابه "مشكل الآثار", وكما فعل الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك في تسميته كتابه "مشكل الحديث".
الفرق بين "مختلف الحديث" و"مشكل الحديث":
والحق أن بين المختلف والمشكل فرقا في الاصطلاح.
فمختلف الحديث يكون بوجود تعارض: تضاد أو تناقض بين حديثين أو أكثر كما بينت آنفا.
وأما مشكل الحديث فهو أعم من ذلك فقد يكون سببه وجود تعارض بين حديثين أو أكثر، وقد يكون سببه كون الحديث مشكلا في معناه لمخالفته في الظاهر للقرآن مثلا أو لاستحالة معناه أو لمخالفته لحقيقة من الحقائق المتعلقة بالأمور الكونية التي كشفت عنها العلوم
стр. 531
والمعارف الحديثة كعلم الفلك، أو الطب، أو علم سنن الله الكونية, وهو ما يسمى في لسان الناس: علم الطبيعة.
وذلك كحديث سجود الشمس بعد الغروب تحت العرش، وحديث الذباب وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، وحديث: "من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يصبه سم ولا سحر" , وحديث: "الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء" , وحديث: فقء موسى عين ملك الموت لما جاء إليه ليقبض روحه, وحديث: "تحاج الجنة والنار", وحديث: "تحاج آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام" إلى غير ذلك من الأحاديث التي ظاهرها مشكل والتي اتخذ منها أعداء الإسلام، وأعداء الأحاديث والسنن من المستشرقين وأبواقهم وسيلة للطعن في الأحاديث النبوية الصحيحة بغير وجه حق١.
وعلى هذا يكون "مشكل الحديث" بالنسبة إلى "مختلف الحديث" أعم منه فكل مختلف يعتبر مشكلا، وليس كل مشكل يعتبر من قبيل "مختلف الحديث" فبينهما عموم وخصوص مطلق.
شرط لا بد منه في "المختلف" و"المشكل".
وهو أنه لا يعتبر الحديث من قبيل المختلف ولا من قبيل "المشكل" إلا إذا كان صحيحا أو حسنا يعني مقبولا يحتج به, أما إذا كان ضعيفا أو موضوعا فلا, ففي "مختلف الحديث" يكون المعول عليه هو الصحيح أو الحسن بقسميه أما الضعيف والواهي والساقط والموضوع فلا يلتفت إلى شيء منها, وكذلك الحديث لا يعتبر مشكلا إلا إذا كان صحيحا أو حسنا بقسميه, أما إذا كان ضعيفا ضعفا شديدا أو ساقطا أو موضوعا، أو متروكا فلا يشتغل به، وقد وضعت أحاديث كثيرة منها ما
стр. 532
هو مخالف للعقل مخالفة صريحة، ومنها ما هو مخالف للشرع، ومنها ما هو مخالف للحقائق الكونية والعلمية بقصد إظهار أهل الحديث بمظهر من يروون المستحيل، ومن يروون الأخبار التافهة والساقطة، وما تقوم التجربة والملاحظة على بطلانه إلى نحو ذلك.
стр. 533
" أقسام مختلف الحديث ":
والمختلف قسمان:
أحدهما: يمكن الجمع بينهما أو بينها بوجه صحيح فيتعين الجمع ولا يصار إلى التعارض ولا النسخ، ويجب العمل بهما أو بها.
ومن أمثلة ذلك في أحاديث الأحكام: حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" ١, وحديث: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" ٢.
فإن الأول ظاهره طهارة القلتين تغير أم لا، والثاني: ظاهره طهارة غير المتغير سواء أكان قلتين أم قل، فخص عموم كل منهما بالآخر٣.
ومن أمثلة ذلك في غير الأحكام: حديث: "لا يوردن ممرض على مصح" , رواه البخاري ومسلم٤, وحديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" , رواه البخاري٥ مع حديث: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر" , رواه الشيخان٦.
وهي أحاديث صحيحة، بعضها يثبت العدوى وبعضها ينفيها.
стр. 534
وقد سلك العلماء في التوفيق بين هذه الأحاديث مسالك١.
أحدها: أن هذا الحديث: "لا عدوى ... " , جاء ردا لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن الأمراض مؤثرة بنفسها، فبين لهم النبي ﷺ أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها ولا بذاتها، لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لإعدائه مرضه، وقد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب, وهذا المسلك هو الذي سلكه الإمام أبو عمرو بن الصلاح في كتابه "علوم الحديث" وقد تبعه على هذا التوفيق غيره، وقد سبقه إليه الإمام البيهقي٢.
وهذا المسلك هو أحسن المسالك وأولاها؛ لأنه لا ينفي العدوي أصالة، ولكنه ينفي أن تكون مؤثرة بذاتها، وهذا لا يتنافى هو وما وصل إليه الطب الحديث من كون العدوى أصبحت أمرا مسلما، وفي الوقت ذاته فيه تصحيح للعقيدة، وهو أن تأثير العدوى إنما هو بإرادة الله ﵎، وإذا لم يرد الله ﵎ ذلك لم تحصل العدوى مع وجود الاختلاط بالمريض مرضا معديا وليس أدل على أن التأثير متوقف على إرادة الله تعالى من أن بعض الناس يختلطون بأهليهم المرضى اختلاطا يكاد يكون تاما ومع ذلك لا يتعدى إليهم المرض.
ثانيها: أن نفي العدوى باق على عمومه، والأمر بالفرار من باب سد الذرائع لئلا يتفق للذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية, فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الحرج فأمر بتجنبه حسما للمادة، وهذا هو الذي اختاره الحافظ ابن حجر في شرح النخبة، ولذلك قال السيوطي٣:
стр. 535
"وهذا المسلك هو الذي اختاره شيخ الإسلام" يعني بذلك الحافظ ابن حجر.
ثالثها: أن إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى فيكون معنى قوله: "لا عدوى ... " , أي إلا من الجذام ونحوه، فكأنه قال: لا يعدي شيء شيئًا إلا فيما تقدم تبيين له أنه يعدي، قاله ناصر السنة وقامع البدعة القاضي أبو بكر الباقلاني.
رابعها: أن الأمر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم؛ لأنه إذا رأى الصحيح تعظم مصيبته، وتزداد حسرته، ويؤيده حديث: "لا تديموا النظر إلى المجذومين"١, قال السيوطي في "التدريب" وفيه مسالك أخرى.
أقول: وقد تكفل ببيان كل ما قيل في هذه المسالك الإمام الحافظ ابن حجر في "الفتح"٢, فقد أفاض في ذلك بما لا مزيد عليه فليرجع إليه من شاء.
الثاني من القسمين: أنه لا يمكن الجمع بين الحديثين ولا الأحاديث وهذا يدخل تحته نوعان:
الأول: أن يعرف المتقدم من المتأخر, فإن كان كذلك كان المتأخر ناسخًا للمتقدم, وقد ذكرت بعض أمثلته في علم الناسخ والمنسوخ.
الثاني: أن لا يعلم المتقدم من المتأخر فحينئذ نسلك مسلك الترجيح فنأخذ بالراجح وندع المرجوح.
والترجيح يكون بصفات الرواة أي كون رواة أحدهما أتقن وأحفظ ونحو ذلك مما سيذكر، وكثرتهم في أحد الحديثين دون الآخر.
стр. 536
وجوه الترجيح:
وقد ذكر صاحب كتاب "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار" من وجوه الترجيحات خمسين وجها ووصل بها غيره إلى أكثر من مائة، كما استوفى ذلك العراقي في كتابه "التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من علوم ابن الصلاح" وقد يعبر بعض العلماء عنه "بالنكت على ابن الصلاح".
"صنيع السيوطي" وقد بينها الإمام السيوطي في "تدريب الراوي" بيانا حسنا، وأرجعها إلى سبعة أقسام كل قسم يضم وجوها من الترجيحات.
القسم الأول: الترجيح بحال الراوي وذلك بوجوه:
أحدها: كثرة الرواة كما ذكره المصنف -يريد صاحب التقريب- وهو الإمام النووي، لأن احتمال الكذب والوهم على الأكثر أبعد من احتماله على الأقل.
ثانيها: قلة الوسائط: أي علو الإسناد حيث الرجال ثقات؛ لأن احتمال الكذب والوهم فيه أقل.
ثالثها: فقه الراوي سواء أكان الحديث مرويا بالمعنى أو اللفظ؛ لأن الفقيه إذا سمع ما يمتنع حمله على ظاهره عنه حتى يطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف العامي.
رابعها: علمه بالنحو، لأن العالم به يتمكن من التحفظ عن مواقع الزلل، ما لا يتمكن منه غيره.
خامسها: علمه باللغة أقول: لأن العالم باللغة عالم بمواقع الخطاب والأساليب من غيره.
سادسها: حفظه، بخلاف من يعتمد على كتابه.
стр. 537
سابعها: أفضليته في أحد الثلاثة بأن يكونا فقيهين، أو نحويين، أو حافظين وأحدهما في ذلك أفضل من الآخر.
ثامنها: زيادة ضبطه، أي اعتنائه بالحديث واهتمامه به.
تاسعها: شهرته؛ لأن الشهرة تمنع الإنسان من الكذب كما تمنعه من ذلك التقوى.
عاشرها إلى العشرين:
١٠- كونه ورعا.
١١- أو حسن الاعتقاد أي غير مبتدع.
١٢- وجليسا لأهل الحديث.
١٣- وغيرهم من العلماء.
١٤- أو أكثر مجالسة لهم.
١٥- أو ذكرا.
١٦- أو حرا.
١٧- أو مشهور النسب.
١٨- أو لا لبس في اسمه بحيث يشاركه فيه ضعيف، وصعب التمييز بينهما.
١٩- أو له اسم واحد وكذلك أكثر ولم يختلط.
٢٠- أو له كتاب يرجع إليه.
حادي عشريها: أن تثبت عدالته بالإخبار بخلاف من تثبت بالتزكية أو العمل بروايته أو الروية عنها إن قلنا بهما.
ثاني عشريها إلى سابع عشريها:
٢٢- أن يعمل بخبره من زكاه، ومعارضه لم يعمل به من زكاه.
٢٣- أو يتفق على عدالته.
٢٤- أو يذكر سبب تعديله.
٢٥- أو يكثر مزكوه.
٢٦- أو يكونوا علماء.
٢٧- أو كثيري الفحص عن أحوال الناس.
ثامن عشريها: أن يكون صاحب القصة كتقديم خبر أم مسلمة زوج النبي ﷺ لمن أصبح جنبا -يعني في رمضان- على خبر الفضل بن العباس في منعه؛ لأنها أعلم منه به.
تاسع عشريها: أن يباشر ما رواه.
الثلاثون: تأخر إسلامه، وقيل عكسه لقوة أصالة المتقدم ومعرفته، وقيل: إن تأخر موته إلى إسلام المتأخر لم يرجح بالتأخير لاحتمال تأخر
стр. 538
روايته عنه، وإن تقدم أو علم أن أكثر رواياته متقدمة على رواية المتأخر رجح.
الحادي والثلاثون إلى الأربعين:
٣١- كونه أحسن سياقا واستقصاء لحديثه، أو أقرب مكانا، أو أكثر ملازمة لشيخه.
٣٢- أو سمع من مشايخ بلده.
٣٣- أو مشافها مشاهدا لشيخه حال الأخذ.
٣٤- أو لا يجيز الرواية بالمعنى.
٣٥- أو الصحابي من أكابرهم.
٣٦- أو علي ﵁ وهو في الأقضية.
٣٧- أو معاذ، وهو في الحلال والحرام.
٣٨- أو زيد بن ثابت وهو في الفرائض.
٣٩- أو الإسناد حجازي.
٤٠- أو رواته من بلد لا يرضون التدليس.
القسم الثاني: الترجيح بالتحمل وذلك بوجوه.
أحدها: الوقت فيرجح منهم من لم يتحمل بحديث إلا بعد البلوغ على من كان بعض تحمله قبله، أو بعضه بعده لاحتمال أن يكون هذا مما قبله والمتحمل بعده أقوى لتأهله بالضبط.
ثانيها وثالثها: أن يتحمل بحدثنا، والأخر عرضا، أو عرضا والآخر كتابة أو مناولة أو وجادة أقول وذلك على أن أعلى أنواع التحمل السماع ثم العرض ثم ما بعده.
القسم الثالث: الترجيح بكيفية الرواية وذلك بوجوه.
أحدها: تقديم المحكي بلفظه على المحكي بمعناه والمشكوك فيه على ما عرف أنه مروي بالمعنى.
ثانيها: ما ذكر فيه سبب وروده على ما لم يذكر لدلالته على اهتمام الراوي حيث عرف سببه.
ثالثها: أن لا ينكره راويه ولا يتردد فيه.
رابعها إلى عاشرها:
٤- أن تكون ألفاظه على الاتصال كحدثنا
стр. 539
وسمعت.
٥- أو اتفق على رفعه.
٦- أو وصله.
٧- أو لم يختلف في إسناده.
٨- أو لم يضطرب لفظه.
٩- أو روى بالإسناد وعزى ذلك لكتاب معروف.
١٠- أو عزيز والآخر مشهور.
القسم الرابع: الترجيح بوقت الورود وذلك بوجوه.
أحدها وثانيها: بتقديم المدني على المكي والدال على علو شأن المصطفى ﷺ على الدال على الضعف، كبدأ الإسلام غريبا١، ثم شهرته فيكون الدال على العلو متأخرا.
ثالثها: ترجيح المتضمن للتخفيف، لدلالته على التأخر؛ لأنه ﷺ كان يغلط في أول أمره زجرا عن عادات الجاهلية، ثم مال للتخفيف، كذلك قال صاحب الحاصل٢، والمنهاج٣، ورجح الآمدي٤، وابن الحاجب٥, وغيرهما عكسه, وهو تقديم المتضمن للتغليظ؛ لأنه ﷺ جاء أولا بالإسلام فقط٦ ثم شرعت العبادات شيئا فشيئا.
رابعها: ترجيح ما تحمل بعد الإسلام على ما تحمله قبله أوشك؛ لأنه أظهر تأخرا.
خامسها وسادسها: ترجيح غير المؤرخ بتاريخ متقدم، قال الرازي: والترجيح بهذه الستة أي إفادتها للرجحان غير قوية.
القسم الخامس: الترجيح بلفظ الخبر، وذلك بوجوه:
стр. 540
أحدها إلى الخامس والثلاثين:
١- ترجيح الخاص على العام.
٢- والعام الذي لم يخصص على المخصص لضعف دلالته بعد التخصيص على باقي أفراده.
٣- والمطلق على ما ورد على سبب.
٤- والحقيقة على المجاز.
٥- والمجاز المشبه للحقيقة على غيره.
٦- والشرعية على غيرها١.
٧- والعرفية على اللغوية.
٨- والمستغني -أي عن الإضمار- على الإضمار.
٩- وما يقل فيه اللبس.
١٠- وما اتفق على وضعه لمسماه.
١١- والمومئ للعلة يعني على غير المومئ.
١٢- والمنطوق يعني على المفهوم.
١٣- ومفهوم الموافقة على المخالفة -أي مفهوم المخالفة.
١٤- والمنصوص على حكمه مع تشبيهه بمحل آخر.
١٥- والمستفاد عمومه من الشرط والجزاء على النكرة المنفية.
١٦- أو من الجمع المعرف على من، وما.
١٧- أو من الكل وذلك من الجنس المعرف.
١٨- وما خطابه تكليفي على الوضعي.
١٩- وما حكمه معقول المعنى.
٢٠- وما قدم فيه ذكر العلة.
٢١- أو دل الاشتقاق على حكمه.
٢٢- والمقارن للتهديد.
٢٣- وما تهديده أشد.
٢٤- والمؤكد بالتكرار.
٢٥- والفصيح.
٢٦- وما بلغة قريش.
٢٧- وما دل على المعنى المراد بوجهين أو أكثر.
٢٨- وبغير واسطة.
٢٩- وما ذكر معه معارضه, كـ: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" ٢.
٣٠- والنص يعني على غير النص.
٣١- والقول يعني على الفعل.
٣٢- وقول قارنه الفعل.
٣٣- أو تفسير الراوي.
٣٤- وما قرن حكمه بصفة على ما قرن باسم.
٣٥- وما فيه زيادة.
القسم السادس: الترجيح بالحكم، وذلك بوجوه.
стр. 541
أحدها: تقديم الناقل عن البراءة الأصلية على المقرر لها وقيل عكسه.
ثانيها: تقديم الدال على التحريم على الدال على الإباحة والوجوب.
ثالثها: تقديم الأحوط.
رابعها: تقديم الدال على نفي الحد.
القسم السابع: الترجيح بأمر خارجي:
١- كتقديم ما وافقه ظاهر القرآن.
٢- أو سنة أخرى.
٣- أو ما قبل الشرع.
٤- أو القياس.
٥- أو عمل الأمة.
٦- أو الخلفاء الراشدون.
٧- أو معه مرسل آخر.
٨- أو منقطع.
٩- أو لم يشعر بنوع قدح في الصحابة.
١٠- أو له نظير متفق على حكمه.
١١- أو اتفق على إخراجه الشيخان.
قال الإمام السيوطي: فهذه أكثر من مائة مرجح١، وثم مرجحات أخر لا تنحصر، ومثارها غلبة الظن.
وقد حرصت على ذكر ما ذكره السيوطي حتى تتبين الدقة، وبعد النظر، وسعة العلم الذي ابتكره الأصوليون والفقهاء والمحدثون في باب وجوه الترجيحات في الأدلة التي تستنبط منها الأحكام، وليكون هذا الكتاب وافيا بحاجات المتخصصين في الحديث والفقه والأصول من طلاب العلم وذلك للتيسير عليهم، وتقريب وسائل العلم إليهم بدل كثرة الإحالات فقد ضعفت العزائم، وتقاصرت الهمم عن تحمل المشاق في سبيل العلم.
стр. 542
"إن لم يكن الترجيح فالتوقف":
قال الإمام الحافظ ابن حجر في "النخبة وشرحها" مع التوضيح: "فإن أمكن الترجيح تعين المصير إليه، وإن لم يمكن الترجيح فلم يتعين المصير إليه. بل يتوقف الحكم لا له ولا عليه، فصار ما ظاهره التعارض واقعا على هذا الترتيب:
١- الجمع إن أمكن. ٢- فاعتبار الناسخ والمنسوخ.
٣- فالترجيح إن تعين.
٤- ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين حتى يظهر حكمه ويتبين أمره، والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط وذلك على ما اشتهر على الألسنة من أن الدليلين إذا تعارضا تساقطا أي تساقط حكمهما؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة إلى المعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه والله أعلم١. وصدق الله حيث قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ٢, وأيضا فإن التعبير بالتساقط عن الأدلة الشرعية غير لائق.
стр. 543
" أشهر الكتب المؤلفة في مختلف الحديث ومشكله ":
وقد ألف العلماء المحدثون وغيرهم في علم مختلف الحديث كتبا قيمة، كما يوجد الكثير من مسائل هذا العلم وقضاياه في كتب شروح الحديث وذلك كشرح الإمام النووي لصحيح مسلم، وشرح الكرماني على صحيح البخاري, وشرح الإمام الحافظ الكبير أحمد بن علي بن حجر لصحيح البخاري في الكتاب الجليل "فتح الباري بشرح صحيح البخاري", وشرح الإمام العلامة الشيخ العيني لصحيح البخاري في كتابه القيم: "عمدة القاري", فقد ضمنوا شروحهم الكثير من المباحث التي تتعلق
стр. 544
بالأحاديث التي خالف ظاهرها بعضها بعضا، وما ذكروا في شروحهم يربي على ما ذكره العلماء المحدثون في كتب "علوم الحديث" و"أصوله" و"مصطلحه", ومن أشهر هذه الكتب:
١- أول كتاب ألف في هذا الفن هو الكتاب الذي ألفه الإمام الكبير الشافعي رحمه الله تعالى الجامع بين علم التفسير والفقه والأصول وغيرهما من العلوم والمتوفى سنة أربع ومائتين, وهو الموسوم بـ"اختلاف الحديث".
ولم يقصد الإمام الشافعي استيفاء مسائل هذا العلم وقضاياه، وهذا هو الشأن في كل مبتدئ علما لم يسبق إليه، وإنما قصد أن يذكر جملة من مسائله ينبه بها على طريقه، وليكون نبراسا يسير على ضوئه من يجيء بعده من العلماء.
ولست مع السيوطي في زعمه أن الشافعي لم يقصد إفراده بالتأليف, وإنما تكلم عليه في ضمن كتابه الأم١, وسأدع العالم بالحديث الشيخ أحمد شاكر يرد عليه في تعليقاته الجيدة على كتاب "اختصار علوم الحديث" للحافظ ابن كثير المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة. قال ﵀ وأثابه على خدمة الحديث: "ولكن هذا غير جيد فإن الشافعي كتب في الأمر كثيرا من أبحاث اختلاف الحديث، وألف فيه كتابا خاصا بهذا الاسم، وهو مطبوع بهامش الجزء السابع من الأم وذكره محمد بن إسحاق بن النديم في كتاب "الفهرست" ضمن مؤلفات الشافعي ص٢٩٥، وابن النديم من أقدم المؤرخين الذين ذكروا العلوم والمؤلفين, فإنه ألف كتاب "الفهرست" حول سنة ٣٧٧، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة الشافعي التي سماها "توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس" ضمن مؤلفاته التي سردها نقلا عن البيهقي ص٧٨, والبيهقي ﵀
стр. 545
من أعلم الناس بالشافعي وكتبه، وذكره ابن حجر في شرح النخبة"١.
أقول: ولا أدري كيف خفي هذا على الإمام السيوطي, وهو الطلعة الباقعة، ولعله وقع على نسخة مخطوطة من كتاب "اختلاف الحديث" عقب كتاب "الأم", فظن أنه منه أو كان هذا منه على سبيل السهو أو سبق القلم، والله أعلم والعصمة لله ﵎ ولرسله عليهم الصلاة والسلام.
٢- كتاب الإمام العالم الأديب أبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين "٢٧٦" وأسمى كتابه "تأويل مختلف الحديث" فأتى فيه بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة قصر باعه فيه, وعذره أنه لم يكن من أهل الحديث المتمرسين فيه، ولم يكن قصده الاستيعاب, ولكن بحسبه فضلا أنه يعتبر أول من رد على النظام وأمثاله من الطاعنين في الحديث وأهله في وقت لم يقم فيه بهذا الفرض الكفائي غيره من المحدثين.
ولم يأت هذا الكتاب قاصرا على "مختلف الحديث" بمعناه الفني الدقيق, ولكن جاء مشتملا عليه وعلى غيره من المشكل، فقد عرض للرد عليهم في حديث الذباب٢, وفي حديث: "أن موسى لطم عين ملك الموت فأعوره"٣, وفي حديث: "أن رسول الله ﷺ سحر وجعل سحره في بئر ذي أروان٤، وأن عليا كرم الله وجهه استخرجه، وكلما حل منه عقدة وجد النبي ﷺ خفة، فقام النبي ﷺ كأنما أنشط من عقال"٥ وغير ذلك، وهذه الأحاديث أحق أن تكون من "مشكل الحديث" وقد طبع
стр. 546
هذا الكتاب مرارًا.
٣- ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا الكتاب، "مشكل الآثار" للإمام الحافظ الفقيه أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة، الطحاوي المصري والذي انتهت إليه رئاسة الحنفية في مصر في عصره المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وهو يعتبر من أحفل الكتب وأجمعها وأنفعها في هذا الباب, ولم يقتصر فيه على مختلف الحديث بمعناه الفني الدقيق, بل جمع فيه إلى ذلك الأحاديث المشكلة التي هي أعم من المتعارضة, وقد طبع هذا الكتاب بالهند سنة ١٣٣٣هـ, فوقع في أربع مجلدات.
٤- ومن الكتب المفيدة في هذا كتاب "مشكل الحديث وبيانه" للإمام الأصولي المتكلم أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك١ الأنصاري الأصبهاني المتوفى سنة ست وأربعمائة "٤٠٦هـ", ويفصح عن مراده بمشكل الحديث ما ذكره في مقدمة كتابه. قال ﵀ وأثابه: "أما بعد فقد وفقت -أسعدكم الله- إلى إملاء كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ مما يوهم ظاهره التشبيه مما يتسلق به الملحدون على الطعن في الدين، وخصوا بتقبيح ذلك الطائفة التي هي الظاهرة بالحق لسانًا وبيانًا وقهرًا وعلوًّا وإمكانًا, الظاهرة عقائدها من شوائب الأباطيل وشوائب البدع والأهواء الفاسدة، وهي المعروفة بأنها: أصحاب الحديث"٢.
ومن ثمة نرى أنه يريد بالمشكل الأحاديث التي جاء إشكالها من طرق أخرى غير طريق التعارض بين حديثين أو أكثر الذي يعرف بـ"مختلف الحديث".
стр. 547
ومن هذا العرض يتبين للناظر أن الإمام الجليل الشافعي قد استعمل "اختلاف الحديث" في معناه الدقيق الذي ذكره علماء علوم الحديث وأصوله في كتبهم فيما بعد.
وأن الإمام أبا محمد بن قتيبة قد ذكر اختلاف الحديث, وأراد ما هو أعم منه وهو المشكل؛ لكونه أعم منه, فهو من إرادة الخاص وإرادة العام, وأن الإمام أحمد بن محمد الطحاوي قد استعمل المشكل, وأراد به ما يشمل مختلف الحديث, وهو ما كان بسبب التعارض بين حديثين أو أكثر، وما كان لسبب غير ذلك, ويتبين ذلك من قوله في مقدمة كتابه "مشكل الآثار": "فإني نظرت في الآثار المروية عنه ﷺ بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبيت فيها، والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها"١.
وإن الإمام محمد بن الحسن بن فورك إنما أراد بالمشكل من الحديث نوعا آخر خلاف "مختلف الحديث", وأنه يلتقي مع الإمام أبي محمد بن قتيبة في بعض ما ذكره في كتابه تأويل "مختلف الحديث", وهي الأحاديث التي يوهم ظاهرها التشبيه والتجسيم وغيرها مما وضعته الزنادقة بقصد الطعن في "أهل الحديث", وأنهم يروون الأحاديث التي تخالف العقل والنقل.
وهذا الذي وصلت إليه في بيان، "مختلف الحديث" و"مشكل الحديث" والفرق بينهما, قد أكثرت فيه القراءة والبحث والنظر، حتى وصلت فيه إلى هذه النتائج البالغة الغاية في التحرير والموازنة والتحقيق فلله الحمد والمنة، فعلى طلاب الحديث أن يعوه بقلوبهم، ويشدوا عليه بأيديهم ويعضوا عليه بنواجذهم.
стр. 548
علم ناسخ الحديث ومنسوخه
مدخل
...
"علم ناسخ الحديث ومنسوخه":
وهو فن مهم عني بمعرفته السلف عناية فائقة: الصحابة فمن جاء بعدهم، يدل لذلك ما روي عن أبي الحسن علي ﵁ "أنه مر على قاضٍ، فقال له: تعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا، فقال: هلكت وأهلكت؟ ", أسنده الحازمي في كتابه "الناسخ والمنسوخ من الآثار" وأسند نحوه عن ابن عباس، وأسند عن حذيفة بن اليمان: "أنه سئل عن شيء فقال: إنما يفتي من عرف الناسخ والمنسوخ، قالوا: ومن يعرف ذلك؟ قال: عمر".
وهو فن صعب، فقد روي عن الزهري أنه قال: "أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا الناسخ من المنسوخ، ولا يتأهل لمعرفته إلا الأئمة الكبار الذين لهم علم بالروايات ومقدمها ومؤخرها".
وكان للإمام الجليل الشافعي يد طولى وسابقة أولى، فقد قال الإمام أحمد لابن وارة وقد قدم من مصر: "كتبت كتب الشافعي؟ قال: لا، قال: فرطت, ما علمنا المجمل من المفسر, ولا ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعي", وأدخل فيه بعض أهل الحديث ممن صنف فيه ما ليس منه لخفاء معنى النسخ وشروطه، لذلك كان لا بد لنا من تعريف النسخ.
стр. 549
النسخ في اللغة
يطلق النسخ في اللغة على معنين
...
النسخ في اللغة:
يطلق النسخ في اللغة على معنيين:
١- الأول بمعنى الإزالة ومنه قولهم نسخت الشمس الظل أي أزالته.
٢- الثاني بمعنى النقل وذلك كقولك: نسخت الكتاب أي نقلت ما فيه إلى كتاب آخر, ومن هذا المعنى قوله : ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
والنسخ في اصطلاح الأصوليين: رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر, وهذا هو المختار في تعريفه.
شرح التعريف: المراد برفع الحكم قطع تعلقه عن المكلفين، واحترز به عن بيان المجمل، فإنه لا يكون نسخا، وبإضافته للشارع عن إخبار بعض من شاهد النسخ من الصحابة فإنه لا يكون نسخا، وإن لم يحصل التكليف به لمن لم يبلغه قبل ذلك: إلا بإخباره، واحترز بالتقييد بالحكم عن رفع البراءة الأصلية فإنه لا يسمى نسخا، واحترز بالمتقدم عن التخصيص المتصل بالتكليف كالاستثناء ونحوه، وبقولنا بحكم منه متأخر عن رفع الحكم بموت المكلف، أو زوال تكليفه بجنون ونحوه، وعن انتهائه بانتهاء الوقت كقوله ﷺ : "إنكم ملاقو العدو غدا، والفطر أقوى لكم فأفطروا" ٢, فالصوم بعد ذلك اليوم ليس نسخا٣.
стр. 550
بم يعرف النسخ ؟:
١- من النسخ ما يعرف بتصريح النبي ﷺ بذلك وذلك مثل قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ١، فزوروها، وكنت نهيتكم عن
стр. 551
لحوم١ الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا ما بدا لكم وادخروا، وكنت نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء٢، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا". رواه مسلم٣ بسنده عن بريرة.
٢- ومنه ما عرف بقول الصحابي ﵁ كحديث جابر بن عبد الله ﵄: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار", رواه أبو داود، والنسائي عن جابر.
وكقول أبي بن كعب: "كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم أمر بالغسل", رواه أبو داود، والترمذي وصححه، ومعنى: "كان الماء من الماء", أي أنه كان لا يجب الغسل على من باشر زوجته إلا إذا أنزل، ثم بعد ذلك أوجب الشارع الحكيم الغسل على من أنزل، أو لم ينزل بأن حصل له كسل وفتور, وهذا هو ما عليه جمهور العلماء سلفا وخلفا, وهو الأحوط للدين، والأليق بالورع، والأولى بالمسلم؛ لأنه أبعد من الشك, وشرط أهل الأصول في ذلك أن يخبر الصحابي بتأخره، فإن قال هذا ناسخ لم يثبت به النسخ، لجواز أن يقوله عن اجتهاده، قال العراقي: وإطلاق أهل الحديث أوضح وأشهر لأن النسخ لا يصار إليه بالاجتهاد والرأي، إنما يصار إليه عند معرفة التاريخ، والصحابة أورع ممن أن يحكم أحد منهم على حكم شرعي بنسخ من غير أن يعرف تأخر الناسخ عنه، وقد أطلق الشافعي ذلك أيضا.
٣- ومنه ما عرف بالتاريخ كحديث شداد بن أوس مرفوعا: "أفطر الحاجم والمحجوم" , رواه أبو داود، والنسائي، فقد ذكر الإمام الشافعي أنه منسوخ بحديث ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ
стр. 552
احتجم وهو محرم صائم", أخرجه البخاري ومسلم١، فإن ابن عباس إنما صحبه محرما في حجة الوداع سنة عشر، وقد جاء في بعض طرق حديث شداد بن أوس أن ذلك كان زمن الفتح, سنة ثمان, وبذلك عرف التاريخ, وكان المتأخر ناسخا للمتقدم.
٤- ومنه ما عرف بدلالة الإجماع: كحديث قتل شارب الخمر في الرابعة، وهو ما رواه أبو داود والترمذي من حديث معاوية ﵁ قال النبي ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
قال الإمام النووي في شرح مسلم: "دل الإجماع على نسخه، وإن كان ابن حزم خالف في ذلك, فخلاف الظاهرية لا يقدح في الإجماع، نعم ورد نسخه في السنة أيضا كما قال الترمذي من رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر، أن النبي ﷺ قال: "إن شرب الخمر فاجلدوه، فإن شرب في الرابعة فاقتلوه"، ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله، وقال: وكذلك روى الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن النبي ﷺ نحو هذا، قال: فرفع القتل، وكانت رخصة". ا. هـ٢.
قال السيوطي: وما علقه الترمذي أسنده البزار في مسنده، وقبيصة ذكره ابن عبد البر في الصحابة وقال: ولد أول سنة من الهجرة، وقيل: عام الفتح فالمثال الصحيح لذلك ما رواه الترمذي من حديث جابر قال: "كنا إذا حججنا مع النبي ﷺ فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان".
стр. 553
قال الترمذي: أجمع أهل العلم أن المرأة لا يلبي عنها غيرها، ثم الحديث لا يحكم عليه بالنسخ بالإجماع على ترك العمل إلا إذا عرف صحته، وإلا فيحتمل أنه غلط، صرح به الصيرفي١.
ومما ينبغي أن يعلم أن الإجماع لا ينسخ أي لا ينسخه شيء، ولا ينسخ هو غيره، ولكن يدل على ناسخ أي على وجود ناسخ غيره, وهو إما كتاب أو سنة.
стр. 554
أشهر الكتب المؤلفة في الناسخ والمنسوخ في الحديث
...
"أشهر الكتب المؤلفة في الناسخ والمنوسخ في الحديث":
لقد قلت في تاريخ تدوين علوم الحديث، وأصوله، ومصطلحه: إن بعض مسائل هذه العلوم قد وجدت مفرقة في بعض الكتب الأخرى, وذلك مثل علم الناسخ والمنسوخ من الحديث, فقد وجدت كثير من مسائله وأمثلته في كتاب "الرسالة" للإمام الجليل الشافعي رحمه الله تعالى, ثم بعد ذلك ألفت كتب أخرى مستقلة في علم الناسخ والمنسوخ فمنها:
١- كتاب "ناسخ الحديث ومنسوخه" للحافظ أبي بكر بن محمد الأثرم المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين صاحب الإمام الجليل أحمد بن حنبل، وهذا الكتاب يقع في ثلاثة أجزاء صغيرة، يوجد الجزء الثالث منه في دار الكتب المصرية تحت رقم "١٥٨٧" حديث١.
٢- كتاب "ناسخ الحديث ومنسوخه" للشيخ المحدث الحافظ أبي حفص عمر بن أحمد البغدادي المعروف بابن شاهين المتوفى سنة خمس
стр. 555
وثمانين وثلاثمائة١.
٣- وللإمام الحافظ البارع النسابة أبي بكر محمد بن موسى بن عثمان الحازمي الهمذاني كتاب يعتبر من أجمع الكتب سماه "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار" المولود سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، والمتوفى سنة أربع وثمانين وخمسمائة. قال الإمام الذهبي في "التذكرة": صنف في الحديث عدة مصنفات، وأملى عدة مجالس، وكان كثير المحفوظ, حلو المذاكرة, يغلب عليه معرفة أحاديث الأحكام، أملى طرق الأحاديث التي في "المهذب" وأسندها ولم يتمه.
وذكره ابن النجار فقال: "كان من الحفاظ العالمين بفقه الحديث، ومعانيه ورجاله ألف كتاب "الناسخ والمنسوخ" وكتاب "عجالة المبتدي في الأنساب" و"المؤتلف والمختلف" في أسماء البلدان، وأسند أحاديث "المهذب" لأبي إسحاق -يعني الشيرازي- وكان ثقة حجة نبيلا زاهدا عابدا ورعا ملازما للخلوة والتصنيف وبث العلم، أدرك أجله شابا، سمعت محمد بن غانم الحافظ يقول: "كان شيخنا الحافظ أبو موسى يفضل أبا بكر الحازمي على عبد الغني المقدسي, ويقول: ما رأيت شابا أحفظ منه"٢.
ولما كان متأخرا عمن كتبوا في هذا العلم, فقد جاء كتابه أجمع الكتب وأوفاها في هذا الباب، لاستفادته ممن سبقه، وقد رتبه على الأبواب الفقهية, وبذلك سهل تناوله والاستفادة منه على العلماء والباحثين، وطلبة الحديث، ولم يكن مجرد ناقل بل كانت له شخصيته العلمية الناقدة البصيرة، فكان يناقش الأقوال، ويرجح بعضها على بعض، وقد صدر كتابه بمقدمة قيمة, وقد طبع هذا الكتاب مرارا في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية.
стр. 556
" محكم الحديث ":
وهذا النوع لم يعرض له معظم المحدثين الذين ألفوا في علوم الحديث ومصطلحه, وإنما عرض له بعضهم.
وأول من عرض له من العلماء: الحاكم أبو عبد الله في كتابه "علوم الحديث", فقد عقد له بابا في كتابه وعده من الأنواع١.
وكذا عرض له شيخ الإسلام الإمام الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها، وإليك ما قاله الحافظ مع التوضيح: "ثم المقبول ينقسم إلى معمول به وغير معمول به؛ لأنه إن سلم من المعارضين, أي لم يأت خبر يضاده فهو المحكم، وإن عورض, فلا يخلو؛ إما أن يكون معارضه -بكسر الراء وهو الحديث الآخر- مقبول بأن يكون صحيحا أو حسنا مثله -يعني في القبول- أو يكون مردودا، والثاني -أي المردود- لا أثر له -أي لا تأثير له في أن يكون مقابلا فضلا عن أن يكون معارضا ومناقضا- لأن القوي لا يؤثر فيه مخالفة الضعيف, وإن كانت المعارضة بمثله -أي حديث آخر صحيح أو حسن- فلا يخلو؛ إما أن يمكن الجمع بين مدلوليهما أولا، فإن أمكن الجمع, فهو المسمى: "مختلف الحديث" ... إلخ ما قال"٢. وعلى هذا يمكننا تعريف المحكم بما يأتي:
المحكم: هو الحديث المقبول السالم من معارضة حديث آخر مثله في القبول, وهو الذي يعمل به بلا شبهة.
أمثلة المحكم: قال الحاكم في علومه، ومن أمثلته
стр. 557
حديث: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله" ١, وحديث: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" ٢, وحديث: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء" ٣, وحديث: "لا شغار في الإسلام"٤, قال الحاكم: وقد صنف فيه عثمان بن سعيد الدارمي كتابًا كبيرًا.
стр. 558
علم أسباب ورود الحديث
مدخل
...
"علم أسباب ورود الحديث":
هذا النوع من أنواع علوم الحديث لم يتعرض له الكثيرون من الأقدمين من علماء علوم الحديث وأصوله، ولم يذكروه في كتبهم التي ألفوها في هذا الفن.
وأول من نوه به هو الحافظ البلقيني المتوفى سنة خمس وثمانمائة في كتابه القيم: "محاسن الاصطلاح وتضمين كلام ابن الصلاح", فقد اختصر المقدمة لابن الصلاح وزاد عليها بعض الأنواع.
ثم الإمام الحافظ ابن حجر في "النخبة وشرحها", فقد نوه به أيضًا, وذكره وصنف فيه أبو جعفر البكري، وأبو حامد بن كوتاه الجوباري قال الذهبي: ولم يسبق إلى ذلك.
وكذلك ذكره الحافظ السيوطي في كتابه الجليل "تدريب الراوي شرح تقريب النواوي ذكره موجزًا جدًّا لا يتجاوز نصف الصحيفة"١
стр. 559
" هذا العلم نظير علم أسباب النزول عند علماء علوم القرآن ":
وهذا العلم نظير النوع الذي يذكره علماء علوم القرآن في كتبهم, وهو النوع الخاص بأسباب النزول, والقرآن الكريم منه ما نزل على سبب خاص، ومنه ما لم ينزل على سبب خاص, بل نزل للتعليم والهداية والتفسير والإنذار.
وقد عرفوا سبب النزول: بأنه ما نزلت الآية أو الآيات مبينة لحكمه, أو متحدثة عنه إبان وقوعه, ومن أراد شرحا وافيا لهذا التعريف, فليرجع إلى كتابي: "المدخل لدراسة القرآن الكريم"١.
وعلى هذا يمكننا تعريف علم أسباب ورود الحديث فنقول:
هو علم يبحث فيه عن الأسباب الداعية إلى ذكر رسول الله ﷺ الحديث أولا, وهذا السبب قد يكون سؤالا، وقد يكون قصة، وقد تكون حادثة فيقول النبي ﷺ الحديث بسببه أو بسببها، وسيتضح بضرب الأمثلة المراد, وقد جعل صاحب كتاب "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" شاملا للسبب الذي لأجله قال رسول الله ﷺ الحديث أولا، وللسبب الذي لأجله ذكر الصحابي الحديث فيما بعد مقالة النبي ﷺ له أولا فقال في كتابه المذكور: وأفاد الحافظ ابن ناصر الدمشقي في التعليقة اللطيفة لحديث البضعة٢ الشريفة أنه يأتي سبب الحديث تارة في عصر النبوة, وتارة بعدها، وتارة يأتي بالأمرين كحديث البضعة، أما سببه في عصر النبوة فخطبة علي ﵁ ابنة أبي جهل على فاطمة ﵂, فقال النبي ﷺ : "إنما فاطمة بضعة مني". الحديث٣، وأما سببه بعد عصر النبوة فما رواه المسور٤
стр. 560
تسلية وتعزية لآل البيت ﵃، وذلك لما تلقاهم المسلمون حين قدموا المدينة بعد قتل الحسين رضي الله تعالى عنه، وكان فيمن تلقاهم المسور بن مخرمة، فحدث زين العابدين بن الحسين وأهل البيت ﵃ بهذا الحديث، وفيه التسلية عن هذا المصاب، وقد علم بما قرره أن من الأسباب ما يكون بعد عصر النبوة كما في أحاديث ذكروا أسباب ورودها عن الصحابة ﵃، وقد نظر بعض المتأخرين في ذلك ولكن ذكرها أولى، لأن فيها بيان السبب في الجملة فإن الصحابة ﵃ حفظوا الأقوال، والأفعال، وحافظوا على الأطوار والحوال, فيكون السبب في الورود عنهم مبينا لما لم يعلم سببه عن النبي ﷺ وفي أبواب الشريعة والقصص وغيرها أحاديث لها أسباب يطول شرحها, وما ذكرناه أنموذج لمن يرغب في سلوك هذه المسالك, ومدخل لمن يريد أن يصنف مبسوطا في ذلك١.
أقول: والحق أن سبب الورود إنما يراد به السبب الذي بسببه قال النبي ﷺ الحديث، أما ذكر الصحابي للحديث فيما بعد ليستدل به في مناسبة من المناسبات, فإنه لا يسمى سبب ورود, وإنما يسمى: "سبب ذكر", فنقول مثلا: والسبب في ذكر الصحابي ﵁ الحديث هو كذا.
فذكر الصحابي المسور بن مخرمة التابعي الجليل علي زين العابدين وآل البيت الكرام هذا الحديث؛ لتسليتهم وحملهم على الصبر والتحمل لا يعتبر سبب ورود أبدا، وإنما يعتبر سببا لذكره, وفرق بين الأمرين, فليتنبه إلى هذا التحقيق أهل الحديث وطلبته.
стр. 561
" سبب ورود الحديث قد يذكر في الحديث وقد يذكر في غيره ":
١- القسم الأول: وهو ما يذكر في الحديث من أمثلته:
١- حديث سؤال جبريل ﵇ النبي ﷺ عن الإسلام، والإيمان والإحسان، وعن الساعة.
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ ، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه١, وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه".
قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه!!
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر ٢ خيره وشره"، قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
قال: فأخبرني عن الساعة؟ ٣ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل".
стр. 562
قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها ١ وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" , قال: ثم انطلق، فلبثت مليا ثم قال: "يا عمر أتدري من السائل؟ " , قلت: الله ورسوله أعلم, قال: "فإنه جبريل جاء يعلمكم دينكم" ٢.
والحديث رواه البخاري أيضا ولكن بدون ذكر السبب فأصل الحديث يعتبر إذا متفق عليه.
ب- ومن أمثلته أيضا ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج٣ إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله ﷺ : "خذوا الشيطان -أو أمسكوا الشيطان- لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا" ٤, والحديث رواه الإمام البخاري أيضا في صحيحه من غير ذكر السبب, فهو متفق عليه والمراد شعر الهجاء, ونحوه من الشعر الذي لا يدعو إلى فضيلة وهدى وخير، ولا يحذر من رذيلة.
ج- ومن أمثلته حديث القلتين, فقد سئل عن الماء يكون بالفلاة٥, وما ينوبه من السباع والدواب فقاله وهو: "إذا بلغ الماء قلتين ٦ لم يحمل الخبث" ٧.
د- ومنها حديث السؤال عن دم الحيض يصيب الثوب, وهو عن
стр. 563
أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت.
"سئل النبي ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب فقال: "حتيه ثم اقرصيه بالماء واغسليه، وصلي" ١.
هـ- ومنها حديث السائل "أي الأعمال أفضل" وهو ما روي عن أبي ذر ﵁ قال: يا رسول الله، أي العمل أفضل، قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيله" , رواه البخاري٢.
و ومنها حديث "أي الذنب أكبر" وهو ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: "أعظم الذنب أن تجعل لله ندا وهو خلقك" ٣, الحديث.
ز- ومنها ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر ﵄ "أنه قدم رجلان من المشرق٤ فخطبا فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله ﷺ : "إن من البيان لسحرا" أو: "إن بعض البيان سحر" ٥.
وقد ذهب الكثير من العلماء إلى أن هذين الرجلين هما الزبرقان بن بدر التميمي، وعمرو بن الأهتم التميمي، واستندوا إلى ما أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" وغيره من طريق مقسم عن ابن عباس قال: "جلس إلى رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، وقيس بن عاصم، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد بني تميم, والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ منهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك
стр. 564
يعني عمرو بن الأهتم, فقال عمرو: إنه لشديد العارضة مانع لجانبه، مطاع في أدنيه، فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو: أن أحسدك؟! والله يا رسول الله! إنه لئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مضيع في العشيرة والله يا رسول الله! لقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الآخرة، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، فقال النبي ﷺ : "إن من البيان لسحرا" ١ ويحسبنا هذا القدر من الأمثلة.
стр. 565
" القسم الثاني من أسباب ورود الحديث ":
أن لا يذكر السبب في الحديث أو يذكر في بعض طرقه, فهو الذي ينبغي الاعتناء به؛ لأنه يذكر السبب يتضح الفقة في الحديث، ولذلك أمثلة منها:
أ- حديث: "أفضل الصلاة صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة" , رواه الشيخان١ وغيرهما من حديث زيد بن ثابت ﵁, وقد روى ابن ماجه والترمذي في الشمائل من حديث عبد الله بن سعد ﵁، وذكر السبب قال: سألت رسول الله ﷺ : أيما أفضل الصلاة في بيتي أو في المسجد؟ قال: "ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحب إليّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة".
ب- ومنها حديث "الخراج بالضمان"٢ جاء في بعض طرقه عند أبي