← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9987

الوسيط في علوم ومصطلح الحديث

محمد أبو شهبة

Полный текст (950 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

" سبب ورود الحديث قد يذكر في الحديث وقد يذكر في غيره ": ١- القسم الأول: وهو ما يذكر في الحديث من أمثلته: ١- حديث سؤال جبريل ﵇ النبي ﷺ عن الإسلام، والإيمان والإحسان، وعن الساعة. روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ ، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه١, وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه". قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه!! قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر ٢ خيره وشره"، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: فأخبرني عن الساعة؟ ٣ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل".

стр. 562

قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها ١ وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" , قال: ثم انطلق، فلبثت مليا ثم قال: "يا عمر أتدري من السائل؟ " , قلت: الله ورسوله أعلم, قال: "فإنه جبريل جاء يعلمكم دينكم" ٢. والحديث رواه البخاري أيضا ولكن بدون ذكر السبب فأصل الحديث يعتبر إذا متفق عليه. ب- ومن أمثلته أيضا ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج٣ إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله ﷺ : "خذوا الشيطان -أو أمسكوا الشيطان- لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا" ٤, والحديث رواه الإمام البخاري أيضا في صحيحه من غير ذكر السبب, فهو متفق عليه والمراد شعر الهجاء, ونحوه من الشعر الذي لا يدعو إلى فضيلة وهدى وخير، ولا يحذر من رذيلة. ج- ومن أمثلته حديث القلتين, فقد سئل عن الماء يكون بالفلاة٥, وما ينوبه من السباع والدواب فقاله وهو: "إذا بلغ الماء قلتين ٦ لم يحمل الخبث" ٧. د- ومنها حديث السؤال عن دم الحيض يصيب الثوب, وهو عن

стр. 563

أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت. "سئل النبي ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب فقال: "حتيه ثم اقرصيه بالماء واغسليه، وصلي" ١. هـ- ومنها حديث السائل "أي الأعمال أفضل" وهو ما روي عن أبي ذر ﵁ قال: يا رسول الله، أي العمل أفضل، قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيله" , رواه البخاري٢. و ومنها حديث "أي الذنب أكبر" وهو ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: "أعظم الذنب أن تجعل لله ندا وهو خلقك" ٣, الحديث. ز- ومنها ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر ﵄ "أنه قدم رجلان من المشرق٤ فخطبا فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله ﷺ : "إن من البيان لسحرا" أو: "إن بعض البيان سحر" ٥. وقد ذهب الكثير من العلماء إلى أن هذين الرجلين هما الزبرقان بن بدر التميمي، وعمرو بن الأهتم التميمي، واستندوا إلى ما أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" وغيره من طريق مقسم عن ابن عباس قال: "جلس إلى رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، وقيس بن عاصم، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد بني تميم, والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ منهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك

стр. 564

يعني عمرو بن الأهتم, فقال عمرو: إنه لشديد العارضة مانع لجانبه، مطاع في أدنيه، فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو: أن أحسدك؟! والله يا رسول الله! إنه لئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مضيع في العشيرة والله يا رسول الله! لقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الآخرة، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، فقال النبي ﷺ : "إن من البيان لسحرا" ١ ويحسبنا هذا القدر من الأمثلة.

стр. 565

" القسم الثاني من أسباب ورود الحديث ": أن لا يذكر السبب في الحديث أو يذكر في بعض طرقه, فهو الذي ينبغي الاعتناء به؛ لأنه يذكر السبب يتضح الفقة في الحديث، ولذلك أمثلة منها: أ- حديث: "أفضل الصلاة صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة" , رواه الشيخان١ وغيرهما من حديث زيد بن ثابت ﵁, وقد روى ابن ماجه والترمذي في الشمائل من حديث عبد الله بن سعد ﵁، وذكر السبب قال: سألت رسول الله ﷺ : أيما أفضل الصلاة في بيتي أو في المسجد؟ قال: "ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحب إليّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة". ب- ومنها حديث "الخراج بالضمان"٢ جاء في بعض طرقه عند أبي

стр. 566

داود وابن ماجه أن رجلا ابتاع١ غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبان, فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله! قد استعمل غلامي، فقال ﷺ : "الخراج بالضمان" ٢, رواه أحمد وأصحاب السنن، والمراد بالخراج الغلة التي كانت منه, للمشتري نظير ضمانه له، وليست للبائع، وهو من جوامع كلمة ﷺ . ج- حديث: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". قال صاحب "البيان والتعريف" هذا حديث صحيح مشهور متفق عليه أخرجه الأئمة الستة في كتبهم وغيرهم عن عمر بن الخطاب ﵁. سببه: نقل الحافظ السيوطي عن الزبير بن بكار أنه قال في "أخبار المدينة": حدثني محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وُعِكَ٣ فيها أصحابه، وقدم رجل ليتزوج امرأة كانت مهاجرة فجلس رسول الله ﷺ على المنبر فقال: "يا أيها الناس! إنما الأعمال بالنيات "ثلاثا" فمن كانت هجرته ... " , الحديث, ثم رفع يديه فقال: "اللهم انقل عنا الوباء" ٤ "ثلاثا" فلما أصبح قال: أتيت هذه الليلة بالحمى فإذا

стр. 567

بعجوز سوداء مطيبة في يدي الذي جاء بها، فقال: هذه الحمى، فما ترى فيها، فقلت: اجعلوها تحم"١. أقول: الشراح للأحاديث على أن السبب في ورود هذا الحديث هي قصة مهاجر أم قيس، وقالوا: إنها السبب في ذكر قوله ﷺ : "أو امرأة ينكحها" بعد قوله ﷺ : "إلى دنيا" , ومنهم الإمام العلامة محمد بن علي بن دقيق العيد، حيث قال: "ولهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية", قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: من هاجر ينبغي شيئا, فإنما له ذلك هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس. ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش٢ بلفظ: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قال: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك, ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك"٣, وهذا من الحافظ رد لما قاله الكثيرون في سبب ورود هذا الحديث، والظاهر أيضا أن الحافظ لم يرتض ما قاله الزبير بن بكار في روايته، أو أنه لم يقف عليها والله أعلم.

стр. 568

د- حديث: "أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه -وفي رواية- شعره، أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه". أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم عن جابر ﵁، وقال: على شرطهما، وأقره الذهبي وقال العراقي: إسناده جيد. وسببه عنه، كما في أبي داود قال جابر بن عبد الله: أتانا رسول الله ﷺ فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال: "أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره" ١. وهذا الحديث وسببه يدل دلالة واضحة على حب الإسلام للنظافة: نظافة الجسم والبدن، ونظافة الثياب، وأن الإسلام دين النظافة حقا. هـ- حديث: "أما والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض" , أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير", والبزار عن أبي رافع ﵁ سببه عنه, قال: أضاف رسول الله ﷺ ضيفا فلم يكن عنده ما يصلحه فأرسل إلى رجل من اليهود أسلفني دقيقا إلى رجب فقال: لا إلا برهن, قال: "أما والله ... " فذكره وزاد البزار: "اذهب بدرعي الحديد إليه" ٢. و حديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ٣ وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة ... ". أخرجه الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ سببه, عن أبي قتادة ﵁ قال: بينما نحن نصلي مع النبي

стр. 569

- ﷺ إذ سمع جلبة رجال فلما صلى دعاهم، فقال: "ما شأنكم"؟ قالوا: يا رسول الله استعجلنا إلى الصلاة قال: "لا تفعلوا" , فذكره، وتتمة الحديث: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" ١. ز- حديث: "ادفنوا القتلى في مصارعهم" ٢, أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن جابر بن عبد الله ﵄، قال الترمذي: حسن صحيح، ولهذا رمز السيوطي لصحته. وسببه ما أخرجه أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: "كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم, فجاء منادي رسول الله ﷺ : أن تدفن القتلى في مضاجعهم، فرددناهم"٣.

стр. 570

المؤلفات في هذا العلم: ١- وأول من ألف في هذا العلم الإمام أبو حفص العكبري شيخ القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي المتوفى سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمائة. ٢- أبو حامد بن كوتاه الجوباري قال السيوطي في التدريب١: "وصنف فيه -أي معرفة أسباب الحديث- أبو حفص العكبري، وأبو حامد بن كوتاه الجوباري قال الذهبي: ولم يسبق إلى ذلك"، والظاهر أن مراده بقوله هذا هو كتاب أبي حفص العكبري. ٣- ومن المؤلفات النافعة المفيدة الواسعة في هذا العلم "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" وهو للعالم المحدث السيد إبراهيم بن محمد بن كمال الدين الشهير بابن حمزة الحسيني الحنفي الدمشقي كان أحد الأعلام المحدثين، والجهابذة المتقنين، ولد عام "١٥٠٤" أربع

стр. 571

وخمسين وألف، تخرج بأبيه وشقيقه السيد عبد الرحمن، وتوسع في الأخذ عن غيرهما، واستكثر من الشيوخ حضورا عليهم واستجازة منهم حتى بلغت مشيخته ثمانين١، وكانت وفاته سنة عشرين ومائة بعد الألف٢، في صفر قافلا من الحج بمنزلة تسمى "ذات الحج" وبها دفن ﵀. قال في مقدمته: "أما بعد: فإن أربح الأعمال أجرا، وأبقاها ذكرا، وأعظمها فخرا، وأضوعها في عالم الملكوت فنا ونشرا، كسب العلوم النافعة في الدنيا والآخرة لا سيما علوم الحديث المصطفوية، الكاشفة النقاب عن جمال وجوه مجملات آيات الكتاب، وإن من أجل أنواع علوم الحديث معرفة الأسباب، وقد ألف فيها أبو حفص العكبري كتابا وذكر الحافظ ابن حجر أنه وقف منه على انتخاب، ولما لم أظفر في عصرنا بمؤلف مفرد في هذا الباب غير أوائل تأليف شرع فيه الحافظ السيوطي ورتبه على الأبواب، فذكر فيه نحو مائة حديث، واخترمته المنية قبل إتمام الكتاب, سنح لي أن أجمع في ذلك كتابا تقر به عيون الطلاب، فرتبته على الحروف والسنن المعروف، وأضفت له تتمات تمس الحاجة إليها، وتحقيقات يعول عليها، وسميته "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" وجعلته خدمة لحضرة الحبيب الأكرم ﷺ ، ووسيلة لشفاعته يوم الحسرة والندم ومن الله سبحانه أستمد العون والتوفيق"٣, وقد طبع هذا الكتاب غير مرة٤ وكنا نود لو أن السيوطي أكمل ما شرع فيه؛ لأنه ﵀ إذا ألف استوعب كل ما قيل قبله، وأتى بخلاصته، وزاد عليه ما منَّ الله به عليه.

стр. 572

" علم المصحف والمحرف ": تعريفه: التصحيف في اللغة الخطأ في قراءة الصحيفة، والصحفي -بفتح الصاد والحاء المهملتين- من يخطئ في قراءة الصحيفة، والصحيفة الكتاب. قال في "القاموس المحيط": "والصحيفة الكتاب ج -أي جمعه- صحائف وصحف ككتب نادرة لأن فعيلة لا تجمع على فعل ... والصحفي محركة من يخطئ في قراءة الصحيفة وبضمتين لحن، والمصحف مثلثة الميم -يعني بالفتح، والضم والكسر- من أصحف بالضم أي جعلت فيه الصحف، والتصحيف: الخطأ في الصحيفة وقد تصحف عليه"١. فمن ثم نرى أن التصحيف هو الخطأ في قراءة الصحيفة أي الكتاب سواء أكان الخطأ بتغير بالنقط أو بالشكل. وفي اصطلاح علماء الحديث: تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرهما كما قال السخاوي في شرح ألفية العراقي٢. وعرفه الإمام الحافظ ابن حجر: بأنه تغيير حرف، أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق٣. وقد كان معظم المؤلفين في المصحف في الحديث لا يفرقون بين ما إذا كان التصحيف بتغيير النقط أو بالشكل فالكل عندهم تصحيف. وأول من فرق بينهما فيما أعلم الإمام الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها حيث قال:

стр. 573

فإن كان ذلك أي التغيير بالنسبة إلى النقط فالمصحف, وإن كان بالنسبة إلى الشكل أي الحركات والسكنات من شكلت الكتاب قيدته بالإعراب فالمحرف، وهي تفرقة تدل على الدقة كما هو العهد به ﵀ ونشر ذكره. وما يهون من أمر الاختلاف أنه اصطلاح، ولا مشاحة -كما يقول علماؤنا- في الاصطلاح.

стр. 574

" منشأ التصحيف ": والتصحيف بمعناه اللغوي والاصطلاحي يشعر إشعارا قويا بمنشأ الغلط, وهو الاعتماد في تلقي العلم على الصحف، وهي بدعة كانت بعد القرون الأولى الفاضلة التي كان الاعتماد فيها على التلقي الشفاهي من العلماء، وما كانت الكتب والصحف إلا لتأكيد المسموع خشية السهو أو النسيان. ولم يكن التلقي من أفواه العلماء أمرا خاصا بالمحدثين, بل كانت هذه السمة الغالبة في أخذ العلوم الإسلامية في العصور الأولى حتى كتب اللغة, والأدب، والشعر كانت تتلقى هكذا، وتنقل برواية الخلف عن السلف، وإن كانت الرواية عند هؤلاء لم تبلغ مبلغها عند المحدثين، والأمر ظاهر؛ لأن اللغة, والأدب، والشعر، ونحوها لم تكن مصادر. لاستنباط الأحكام من الحلال والحرام، وإنما كان مصدر ذلك القرآن الكريم، والسنة النبوية. وتلقي العلوم الإسلامية كلها عن طريق السماع من الشيوخ، ونقلها عن طريق الرواية من الخصائص التي امتاز بها المسلمون عن غيرهم مبلغ علمي فليعِ هذه الحقيقة شبابنا وطلاب العلم في البلاد الإسلامية.

стр. 575

مقالة جيدة للحافظ ابن كثير الدمشقي ... "النادر من التصحيف معفو عنه والإكثار منه مذموم ومعيب": والإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة فأمره مبني على السهو والنسيان، وفي بعض الأحيان تعتري العالم غفلة فيقع في بعض الأخطاء غير المقصودة، فإذا فكر في ذلك فيما بعد عجب كيف يحدث هذا منه؟! ثم لا يلبث أن يقر على نفسه بالغفلة والسهو. فبعض العلماء الكبار قد يقع منه ذلك, ولكن على ندرة جدا لا تخل بحفظه وضبطه، ورحم الله ﵎ الإمام أحمد حيث قال: "ومن يعري عن الخطأ والتصحيف"١, وما ورد عن بعض الأئمة الكبار من تصحيف نادر يحمل على ذلك, والعصمة لله ولرسوله, وقد التمس الإمام أبو عمرو بن الصلاح ما وقع من ذلك من الكبار أعذارا, ولكن لم ينقلها

стр. 576

ناقلوها فقال: "وكثير من التصحيف المنقول عن الأكابر لهم فيه أعذار لم ينقلها ناقلوها"١. وليس من شك في أن الإكثار من التصحيف يخل بالحفظ والضبط ويجعل صاحبه ملوما والمشتهر به بين النقاد مذموما، وهو يحصل غالبا لمن أخذ الحديث من بطون الدفاتر والصحف, ولم يكن له شيخ يوقفه على ذلك.

стр. 577

" ذكر العلماء المثل للتصحيف للتصويب والتحذير لا للتشهير ": وما ينبغي أن يعلم أن العلماء الذين ذكروا التصحيف والمصحفين لم يقصدوا التشهير بهم, وإنما قصدوا التحذير منه, وأن يحذر الطالب للحديث أن يقع فيما وقعوا فيه. قال الإمام السخاوي في شرح ألفية العراقي ما نصه: "وكذلك صنف فيه الخطابي، وابن الجوزي لا لمجرد الطعن بذلك من أحد منهم في واحد ممن صحف، ولا الوضع منه وإن كان المكثر منه ملوما، والمشتهر به بين النقاد مذموما بل إيثارا لبيان الصواب، وإشهارا له بين الطلاب". ولهذا لما ذكر الخطيب في "جامعه": إنه عيب جماعة من الطلاب بتصحيفهم في الأسانيد والمتون، دون عنهم ما صحفوه قال: وأنا أذكر بعض ذلك ليكون داعيا لمن وقف عليه إلى التحفظ من مثله إن شاء الله. لا سيما وينبغي لقارئ الحديث أن يتفكر فيما يقرؤه حتى يسلم منه. وقول العسكري: إنه قد عيب التصحيف جماعة من العلماء، وفضح به كثير من الأدباء، وسموا الصحفية، ونهي العلماء عن الحمل عنهم محمول على المتكرر منه ذلك، وإلا فما يسلم من زلة وخطأ إلا من عصمه الله، والسعيد من عدت غلطاته"١.

стр. 578

" التصحيف في حديث لا يخل بصحته وحسنه ": والتصحيف في حديث ما لا يخل بكون أصله صحيحا أو حسنا؛ لأنه ما من حديث وقع فيه التصحيف إلا وقد ورد عن غير هذا المصحف على الصواب، فمثلا حديث: "من صام رمضان وأتبعه شيئا من شوال" , قد استفاض في كتب الصحاح وغيرها بلفظ: "وأتبعه ستا من شوال".

стр. 579

" أقسام التصحيف ": تقسيم أول: ينقسم التصحيف في الحديث من حيث السند والمتن إلى قسمين: "الأول": التصحيف في الإسناد: ومن أمثلته: العوام -فتح العين المهملة، وفتح الواو المشددة الممدودة، آخره ميم- ابن مراجم -بضم الميم، وفتح الراء الممدودة وكسر الجيم، آخره ميم- صحفه يحيى بن معين فقال: ابن مزاحم -بالزاي والحاء المهملة. وعتبة بن الندر -بضم النون، وفتح الدال المهملة المشددة، آخره راء مهملة- صحفه ابن جرير الطبري فقال: ابن البذر -بالباء الموحدة المضمومة، والذال المعجمة المفتوحة آخره راء. الثاني: التصحيف في المتن: ومن أمثلته: حديث زيد بن ثابت: "إن النبي ﷺ احتجر في المسجد" واحتجر بالراء في آخره أي اتخذ حجرة من حصير في المسجد ليصلي فيها النوافل صحفه عبد الله بن لهيعة -بفتح اللام وكسر

стр. 580

الهاء- فقال: احتجم بالميم في آخره". ومنها: حديث: "من صام رمضان وأتبعه ستا -بالسين المهملة والتاء المثناة من فوق- من شوال فكأنما صام الدهر كله" ١. صحفه الصولي فقال بدل "ستا" شيئا -بفتح الشين وسكون الياء، آخره همزة. ومنها: حديث أبي ذر: "تعين صانعا" بالصاد المهملة، والنون المكسورة. صحفه هشام بن عروة فقال: "ضايعا" بالضاد المعجمة، والياء التحتانية المثناة. ومنها: حديث معاوية: لعن رسول الله ﷺ الذين يشققون الخطب -بالخاء المعجمة- تشقيق الشعر -بكسر الشين، وسكون العين المهملة. صحفه وكيع فقال: الذين يشققون الحطب -بفتح الحاء المهملة، وفتح الطاء المهملة- تشقيق الشعر -بفتح الشين والعين المهملة- فوضع "الحطب" مكان "الخطب" و"الشَّعر" مكان "الشِّعر" والحطب عيدان الشجر٢. ويحكى أن ابن شاهين صحفه كذلك أيضا بجامع المنصور فقال بعض الملاحين: يا قوم كيد نعمل والحاجة ماسة يشير إلى أن ذلك -أي تشقيق الحطب من حرفته، وليست هذه اللفظة في "النهاية" لابن الأثير الحزري، قال السخاوي: والحديث في مسند أحمد، والمعجم الكبير للطبراني، والجامع للخطيب وغيرهم من حديث جابر الجعفي عن عمرو بن يحيى القرشي عن معاوية بن أبي سفيان به.

стр. 581

ومنها: ما جاء في الحديث: "أو شاة تيعر" بفتح التاء وسكون الياء المثناة وفتح العين وهو صوت الشاة. صحفه أبو موسى محمد بن المثنى بالنون بدل الياء فقال: "تنعر" ومحمد بن موسى هذا هو العنزي يلقب بالزمن، وقد روي عنه أصحاب الكتب الستة, وهو يدل على أن التصحيفة الواحدة، أو الثنتان لا تخل بضبط الراوي وحفظه.

стр. 582

" تقسيم ثان له ": وينقسم التصحيف من حيث السمع والبصر إلى قسمين: "الأول": تصحيف بصر, وهو الأكثر وكل ما ذكرنا من أمثلة يصلح أن يكون مثالا له. "الثاني": تصحيف سمع وهو قليل، وذلك بأن يكون الاسم واللقب، أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخر. ومثاله: حديث عن عاصم الأحول، رواه بعضهم فقال: واصل الأحدب قال ابن الصلاح في "علوم الحديث": فذكر الدارقطني أنه من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر كأنه ذهب -والله أعلم- إلى أنه ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة وإنما أخطأ فيه سمع من رواه. ومن أمثلته: حديث عن خالد بن علقمة، رواه شعبة فقال مالك بن عرفطة١ قال العلامة المحدث الشيخ أحمد شاكر ﵀: "وهذا المثال فيه نظر كثير عندي فإن خالد بن علقمة الهمذاني الوادعي يروي عن عبد خير، عن علي في الوضوء، وروى عنه أبو حنيفة، والصوري، وشريك وغيرهم، وروى شعبة الحديث نفسه عن مالك بن عرفطة عن عبد خير عن علي فذهب النقاد إلى أنه أخطأ فيه

стр. 583

وأن صوابه: خالد بن علقمة. قال: وقد يكون هذا، أي أن شعبة أخطأ, ولكن كيف يكون تصحيف سماع, وهذا الشيخ شيخ لشعبة نفسه؟! فهل سمع اسم شيخه عن غير الشيخ؟! ما أظن ذلك فإن الراوي يسمع من الشيخ بعد أن يكون عرف اسمه، وقد ينسى فيخطئ فيه. قال: والذي يظهر لي أنهما شيخان روى شعبة عن أحدهما، وروى غيره عن الآخر والإسنادان في المسند بتحقيقنا "رقم ٩٢٨، ٩٨٩" وقد فصلنا القول في ذلك في شرحنا على الترمذي "ج١ ص٦٧-٧٠"١.

стр. 584

" تقسيم ثالث له ": وينقسم من حيث اللفظ والمعنى إلى قسمين: "الأول": تصحيف في اللفظ, وهو الأكثر وأمثلته كثيرة فيما سبق. "الثاني": تصحيف في المعنى ولذلك أمثله: منها: ما روي عن محمد بن المثني العنزي الملقب بالزمن أنه قال: "نحن قوم لنا شرف نحن من عنزة صلى إلينا رسول الله ﷺ ". يريد ما روي أن النبي ﷺ صلى إلى عنزة -بفتح العين والنون، والزاي- والعنزة: هي الحربة التي كانت تنصب بين يديه لتكون بمثابة السترة, فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم المشهورة. والذي يترجح عندي -والله أعلم- أن الرجل قال ذلك على سبيل الفكاهة والتندر فسمعه بعضهم فحملها محمل الجد، وإني لأستبعد غاية البعد أن إمامًا محدثًا يعتبر شيخًا لأصحاب الكتب الستة يخطئ في هذا الخطأ ويقع في هذا الوهم.

стр. 585

ومن ذلك أيضا ما قاله الإمام السيوطي في "التدريب"١ قال: "وأعجب من ذلك ما ذكره الحاكم عن أعرابي أن النبي ﷺ صلى إلى شاة، صحفها عنزة -بسكون النون- ثم رواه بالمعنى على وهمه فأخطأ من وجهين. ومن ذلك أيضا: ما نقل عن بعض شيوخ الإمام الخطابي في الحديث فيما حكاه عنه، وأنه لما روى حديث: "النهي عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة". قال: منذ أربعين سنة ما حلقت رأسي قبل الصلاة، فهم منه حلق الرءوس, وإنما المراد هو تحليق الناس حلقا يوم الجمعة قبل الصلاة. ومنها: ما روي أن بعضهم لما سمع خطيبا يروي حديث: "لا يدخل الجنة قتات" ٢ وبكى وقال: ما الذي أصنع وليست لي حرفة سوى بيع القت, وهو الذي يعلفه الدواب. إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرها المؤلفون في كتبهم في باب التصحيف.

стр. 586

" النتيجة ": والنتيجة التي تخرج من هذا البحث أن الكثرة الكاثرة من المحدثين كان لهم من الحفظ والضبط واليقظة العقلية والذهنية ما ينأى بهم عن التروي والسقوط في هذا الدرك المستكره, وأن من وقع منهم ذلك كثيرا إنما هم أشباه المحدثين الذين كانوا زوامل أسفار يحملون ما لا يفهمون، ويكتبون ما لا يعقلون أما الحفاظ العدول المتقنين فلا، ولا تقل كيف؟ وها هو الإمام وكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، وابن الطبري قد رويت عنهم أوهام في ذلك؛ لأن ما وقع من كل واحد من هؤلاء لا يتجاوز واحدة لا ثاني لها وصدق القائل: كفى المرء نبلا أن تعد معايبه. وأن المحدثين بلغوا من الصراحة والأصالة في النقد أنهم لا يرحمون من وقع في وهم مهما كانت منزلته في العلم، ولا يعرفون المداجاة، والمداراة في النقد مهما بلغت منزلة هذا المنقود ترون لو أنهم لم يذكروا شيئا من ذلك فهل كان أحد سيدرك ذلك؟! أو يقف عليه؟! لا والله. قد رويت عنهم أوهام في ذلك؛ لأن ما وقع من كل واحد من هؤلاء لا يتجاوز واحدة لا ثاني لها وصدق القائل: كفى المرء نبلا أن تعد معايبه. وأن المحدثين بلغوا من الصراحة والأصالة في النقد أنهم لا يرحمون من وقع في وهم مهما كانت منزلته في العلم، ولا يعرفون المداجاة، والمداراة في النقد مهما بلغت منزلة هذا المنقود ترون لو أنهم لم يذكروا شيئا من ذلك فهل كان أحد سيدرك ذلك؟! أو يقف عليه؟! لا والله.

стр. 587

المؤلفات في الصفحات ... "المؤلفات في المصحفات": هذا الفن من فنون الحديث فن جليل مهم، وإنما ينهض بأعبائه من الحفاظ الحذاق وإليك أشهر هذه الكتب: ١- أول من صنف في ذلك على ما نعلم الإمام الحافظ أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري المتوفى سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة "٣٨٢". كما ذكر ذلك تلميذه أبو نعيم في تاريخ أصبهان "ج١ ص٢٧٢" قال السخاوي: "ولهذا الإمام في التصحيف ثلاثة كتب: أكبرها لسائر ما يقع فيه التصحيف من الأسماء والألفاظ غير مقتصر على الحديث، ثم أفرد منه كتابا يتعلق بأهل الأدب، وهو ما يقع فيه التصحيف من ألفاظ اللغة والشعر، وأسماء الشعراء أو الفرسان، وأخبار العرب وأيامها ووقائعها وأماكنها وأنسابها. ثم آخر فيما يختص بالمحدثين من ذلك غير متقيد بما وقع فيه التصحيف فقط، بل ذكر فيه ما هو معرض لذلك، وفي بعض المحكي مما وقع لبعض المحدثين ما يكاد اللبيب يضحك منه١.

стр. 588

قال الشيخ أحمد شاكر: "وهذا الكتاب -يعني: "التصحيف والتحريف وشرح ما يقع فيه"- موجود في دار الكتب المصرية في نسخة مكتوبة سنة ٦٢١، وأوراقها ١٥٦ ورقة وقد طبع نصفه بمصر في سنة ١٣٢٦هـ طبعا غير جيد وليتنا نوفق إلى إعادة طبعه كله طبعا جيدا متقنا، وهو من أنفس الكتب وأكثرها فائدة"١. وقد ذكر الدكتور محمد عجاج الخطيب أنه "طبع أخيرا طبعة جيدة سنة ١٩٦٣م, وأما كتابه "تصحيفات المحدثين" الذي استخلصه من كتابه الكبير: "التصحيف والتحريف" فإنه لا يزال مخطوطا، وتوجد نسخة منه في دار الكتب المصرية تحت الرقم "٢ س مصطلح""٢. ٢- "إصلاح خطأ المحدثين" للإمام حمد -بسكون الميم- بن سليمان بن خطاب المعروف بالخطابي المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. ٣- ومن أوفى الكتب وأجمعها في باب التصحيف والتحريف كتاب الإمام أبي الحسن الدارقطني المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. والثلاثة متعاصرون لتقارب زمن وفاتهم، ولا ندري أي هذه الكتب أوسع وأحفل ولكن الظاهر أن كتاب الدارقطني هو أوسعها والله أعلم.

стр. 589

" معرفة الصحابة رضوان الله عليهم ": " من هو الصحابي "؟ : تعريف الصحبة: الصحبة لغة: قال في المصباح المنير: "صحبته فأنا صاحب، والجمع صحب، وأصحاب، وصحابة. قال الأزهري: ومن قال: صاحب وصحبة فهو مثل فاره وفرهة والأصل في هذا الإطلاق لمن حصل له رؤية ومجالسة، ووراء ذلك شروط للأصوليين ... والصاحبة تأنيث للصاحب وجمعها صواحب". وقال صاحب القاموس: "صحبه كسمعه صحابة ويكسر وصحبة عاشره، وهم أصحاب، وأصاحيب، وصحبان، وصحاب، وصَحابة وصحابة وصحب، واستصحبه: دعاء إلى الصحبة", ومن ثم نرى أن الصحبة بمعنى العشرة والرؤية والمجالسة طالت أم قصرت. أما في اصطلاح المحدثين فالصحابي -في تعريف بعض العلماء- كل مسلم رأى النبي ﷺ وذكر نحو ذلك الإمام البخاري حيث قال في صحيحه "ومن صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه". وقد انتقد هذا التعريف بأنه يقتضي أن لا يدخل في الصحابة من لم ير النبي لعارض كالعمى مثل ابن أم مكتوم, وهو صحابي بالإجماع، وكذلك يقتضي أن من رأى النبي مؤمنا به ثم ارتد، ولم يعد إلى الإسلام يكون صحابيا مع أن هذا لم يقل به أحد قط ولذلك كان هذا التعريف غير جامع ولا مانع وهما شرطان في التعريف الصحيح، فهذا التعريف في حاجة إلى التحرير والتدقيق. تعريف المحققين من المحدثين: الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك، وهو ما ذهب إليه الحافظان العراقي وابن حجر ووافقهم بعض الأصوليين فيدخل في التعريف من طالت صحبته أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه

стр. 590

رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالأكفاء، والمراد باللقاء في حال الحياة فأما من رآه بعد موته قبل الدفن فلا صحبة له كما وقع ذلك لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي الشاعر, فقد أسلم في حياة النبي ولم يره فقدم المدينة يوم توفي رسول الله فإذا الناس لهم ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج بالإحرام فقال: مه؟ -يعني: ما الخبر؟ - فقالوا: توفي رسول الله ﷺ فذهب إلى بيت رسول الله, فإذا هو مسجى على سريره قبل غسله, وأهله يحيطون به, فسأل عن الصحابة, فقيل له: في سقيفة بني ساعدة, فذهب إليهم وحضر مجتمع السقيفة، وإذا كان بعض المؤلفين في الصحابة ذكروا أبا ذؤيب وأمثاله في كتبهم فلقرب منزلتهم منهم للتنبيه عليهم, وإلا فهم ليسوا بصحابة باتفاق١، ويدخل في التعريف كل مكلف من الجن والإنس أما الملائكة فلا يدخلون، لأنهم غير مكلفين ويخرج عن التعريف من رآه كافرا ثم أسلم بعد كرسول هرقل فلا صحبة له، وكذلك من آمن به ثم ارتد ومات كافرا كعبد الله بن خطل، وربيعة بن أمية، ومقيس بن صبابة ونحوهم, فلا شك أن هؤلاء لا يطلق عليهم اسم الصحبة. وأما من ارتد ثم عاد إلى الإسلام في حياته ﷺ , ولقيه فالصحبة عائدة إليهم بالإجماع كعبد الله بن أبي سرح، وأما من ارتد منهم في حياته ﷺ أو بعد موته ثم عاد إلى الإسلام بعد موته كالأشعث بن قيس٢، وقرة بن هبيرة٣، ففي عودة الصحبة إليه خلاف.

стр. 591

قيل: لا تعود وهو مذهب من يقول من الأئمة: إن الردة تحبط العمل وإن لم تتصل بالموت, وهو قول الإمام أبي حنيفة, وفي عبارة الشافعي في الأم ما يدل عليه, وقيل: تعود وهو مذهب من يرى أن الردة محبطة للعمل بشرط اتصالها بالموت, وقد حكاه الرافعي عن الشافعي, وهو مذهب الإمام مالك والراجح هو الثاني, وليس أدل على هذا من أن الأشعث بن قيس لم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة, ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد والصحاح وغيرها١. قال الإمام العراقي في شرحه على مقدمة ابن الصلاح: "ووراء ذلك أمور في اشتراط أمور أخر من التمييز أو البلوغ في الرائي، واشتراط كون الرؤية بعد النبوة أو أعم من ذلك، واشتراط كونه ﷺ حيا حتى يخرج من رآه بعد موته وقبل الدفن، واشتراط كون الرؤية له في عالم الشهادة دون عالم الغيب", وقد ذكر هذا الإمام فصلا طويلا نفيسا في بيان ذلك, وإليك خلاصة ما قال مع بعض الزيادة. فأما التمييز فظاهر كلامهم اشتراطه كما هو موجود في كلام يحيى بن معين, وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، وابن عبد البر, وغيرهم, فإنهم لم يثبتوا الصحبة لأطفال جيء بهم إلى النبي ﷺ فحنكهم ومسح على وجوهم أو تفل في أفواههم كعبد الرحمن بن عثمان التيمي، وعبد الله بن معمر، وعبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله وأمثالهم، فأما عبد الرحمن بن عثمان فقال أبو حاتم: كان صغيرا له رؤية وليست له صحبة؛ وأما عبد الله بن معمر فقال ابن عبد البر ذكر بعضهم أن له صحبة وهو غلط بل له رؤية وهو غلام صغير، وأما عبد الله بن أبي طلحة فهو أخو أنس لأمه أتي به النبي فحنكه كما ثبت في الصحيح. قال العلائي: لا تعرف له رؤية بل هو تابعي وحديثه مرسل،

стр. 592

وأما محمد بن طلحة فهو الملقب بالسجاد أتى به أبوه إلى النبي ﷺ فمسح رأسه وسماه محمد, قال العلائي: ولم يذكر أحد فيما وقفت عليه له رؤية بل تابعي, وإذا كان بعض المؤلفين ذكروا أحدا من هؤلاء في كتبهم, فعلى سبيل الإلحاق لهم بالصحابة لغلبة الظن على أنه ﷺ رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عند ولادتهم ليحنكهم ويسميهم ويبرك عليهم, ففي صحيح مسلم عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم" وقد ذكرت طرفا من ذلك آنفا. وأما اشتراط البلوغ في حالة الرؤية فالصحيح أنه ليس شرطا في حد الصحابي, وإلا لخرج به من أجمع العلماء على عدهم في الصحابة كعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ﵃. وأما كون المعتبر في الرؤية وقوعها بعد النبوة, فلم أر من تعرض لذلك إلا أن ابن منده ذكر في الصحابة زيد بن عمرو بن نفيل, وإنما رأى النبي ﷺ قبل البعثة ومات قبلها، وقد روى النسائي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه يبعث أمة واحدة" , أقول: ولا يلزم من نجاته أن يكون صحابيا؛ لأنه من الموحدين ومن أهل الفترة, وقد جزم الحافظ ابن حجر بعدم دخوله في الصحبة في مقدمة الإصابة، وقد استدل العراقي لاعتبارهم الرؤية بعد النبوة بأن أكثر المؤلفين في الصحابة ذكروا فيهم ولده إبراهيم ﵇ دون من مات قبلها كالقاسم وأخويه الطاهر وعبد الله، وأما ورقة بن نوفل فقد توقف فيه الحافظ ابن حجر في شرح النخبة حيث قال: "لكن هل يخرج من لقبه مؤمنا بأنه سيبعث ولم يدرك البعثة؟ فيه نظر". ومع هذا فقد ذكره في القسم الأول من الصحابة، وكذا ذكره غيره في الصحابة. وأما كون الرؤية في عالم الشهادة فالظاهر اشتراطه حتى لا يطلق اسم الصحبة على الأنبياء الذين رأوا النبي ورآهم ليلة الإسراء والمعراج

стр. 593

قال: وفي المسألة تفصيل؛ فأما من رآه من الذين ماتوا منهم كإبراهيم، ويوسف، وموسى, وهارون، ويحيى, فلا شك أنهم لا يطلق عليهم اسم الصحبة لكون رؤيتهم له بعد الموت، وأيضا فمقاماتهم أجل وأعظم من رتبة أكبر الصحابة وأما من هو حي إلى الآن كعيسى ﵇, فإنه سينزل في آخر الزمان ويراه خلق كثير, فهل يوصف من رآه بأنه من التابعين لكونه رأى من رأى النبي ﷺ أو المراد من لقيه من أمته الذين أرسل إليهم حتى لا يدخل فيهم عيسى، والخضر، وإلياس على قول من يقول بحياتهما من الأئمة؟ هذا محل نظر ولم أر من تعرض لذلك من أهل الحديث، والظاهر أن من رآه منهم في الأرض وهو حي له حكم الصحبة فإن كان الخضر أو إلياس حيا أو كان قد رأى عيسى في الأرض فالظاهر إطلاق اسم الصحبة عليهم، فأما رؤية عيسى له في السماء, فقد يقال السماء ليست محلا للتكليف، ولا لثبوت الأحكام الجارية على المكلفين, فلا يثبت بذلك اسم الصحبة لمن رآه فيها، وقد ثبتت رؤيته لعيسى في الأرض كما في صحيح مسلم، والظاهر أنه رآه ببيت المقدس لما لقيه الأنبياء به واختلفوا به، وإذا كان كذلك فلا مانع من إطلاق الصحبة عليه؛ لأنه حين ينزل يكون مقتديا بشريعة نبينا ﷺ لا بشريعته المتقدمة، روى أحمد في مسنده من حديث جابر مرفوعا: "لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني" ١. "فائدة": هذا الذي ذكرناه من تعريف الصحابي على ما ذكره المحققون من المحدثين قد وافقهم عليه كثير من الأصوليين وهو الذي صححه الآمدي واختاره ابن الحاجب٢, وإذا كنا رجحنا هذا التعريف فليس معنى هذا أن الصحابة جميعا سواء في المنزلة والرتبة وأن

стр. 594

الأعراب الذين رأوه رؤية كمن عاشره ولازمه وغزا معه وجاهد وتحمل في سبيل الإسلام ما تحمل قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "لا خفاء في رجحان رتبة من لازمة ﷺ أو قاتل معه، أو قتل تحت رايته على من لم يلازمه ولم يحضر معه مشهدا أو على من كلمه يسيرا أو ماشاه قليلا أو رآه على بعد أو في حال الطفولية, وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع، ومن ليس له منهم سماع منه بحديثه مرسل من حيث الرواية, وهم مع ذلك معدودون في الصحابة لما نالوه من شرف الرؤية"١. تعريف بعض الأصوليين: الصحابي من طالت صحبته للنبي ﷺ ، وكثرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه وقالوا: إن الصحابي لغة هو من كان كذلك، وقد انتقد ما قالوه من احتجاجهم باللغة بأنه مردود, فقد وقع في كلام القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني إجماع أهل اللغة على خلافه, وأن الصحبة لغة تطلق على من صحب غيره قليلا كان أم كثيرا, ثم قال: ومع ذلك فقد تقرر في العرف أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن كثرت صحبته واستمر لقاؤه نقل ذلك عنه الخطيب البغدادي في "كفايته", ولكن العرف شيء واللغة شيء آخر. تعريف سعيد بن المسيب: نقل عنه أنه كان لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين, وهو قريب من قول الأصوليين ووجه قوله بأن لصحبته ﷺ شرفا عظيما فلا تنال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب، والسنة المتمثلة على الفضول الأربعة التي يختلف فيها المزاج. انتقاد هذا القول: قال ابن الصلاح وتبعه النووي: إن صح عنه

стр. 595

فضعيف من جهة معناه كان مقتضاه أن لا يعد جرير بن عبد الله البجلي١, وأمثاله كوائل بن حجر صحابة، ولا خلاف بين العلماء أنهم صحابة؛ ولكن الإمام العراقي قال: إن نقل هذا المذهب عنه غير صحيح؛ لأن في الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف في الحديث. ولعل مما يشهد لما قاله بعض الأصوليين, ونقل عن ابن المسيب ما رواه محمد بن سعيد بسند جيد في كتابه "الطبقات" عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى السيلاني٢, وأثنى عليه خيرًا قال: أتيت أنس بن مالك فقلت له: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: "قد بقي قوم من الأعراب قد رأوه، وأما من صحبه فأنا آخر من بقي", وقد رواه الإمام مسلم بحضرة أبي زرعة، ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه أراد صحبة خاصة، ولا ينفي هذا ما اصطلح عليه الجمهور من أن مجرد الرؤية كاف في إثبات الصحبة. وهناك أقوال أخرى غير معتد بها، منها ما قاله الجاحظ: إن الصحابي من طالت صحبته للنبي وروى عنه، ومنها أنه من رآه بالغًا حكاه الواقدي، ومنها أنه من أدرك زمنه وإن لم يره، وشرط الماوردي في الصحابي أن يتخصص بالرسول ويتخصص به الرسول٣. والصحيح ما قدمناه عن محققي المحدثين، وهو الذي يشهد له صنيع جمهور المؤلفين في الصحابة، وذلك لشرف رسول الله ﷺ وجلالة قدره، وقوة تأثيره في نفس من يراه من المسلمين، فكأنه إذا رأى مسلمًا أو رآه

стр. 596

مسلم لحظة طبع قلبه على الإيمان، وجوارحه على الاستقامة على الدين؛ لأنه بإسلامه متهيئ للقبول والتأثر, فإذا قابل ذلك النور العظيم أشرق عليه، فظهر أثره على قلبه بقوة الإيمان، وعلى جوارحه بالاستقامة والعمل الصالح، والأخلاق الكريمة، وقد كان يأتيه الكافر, فينظر إليه فإذا به يصير مؤمنا صادقا, فما بالك بالمسلم؟ ويشهد لهذا الرأي الراجح الحديث المروي في الصحيحين من رواية جابر بن عبد الله الأنصاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام ١ من الناس, فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس, فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم, ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس, فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم".

стр. 597

" بم تعرف الصحبة ؟ ": تعرف الصحبة بأمور: ١- بالتواتر: كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم وسواء أكان ذلك بالقرآن على سبيل التنصيص على الصحبة كالصديق أبي بكر ﵁ فقد أجمع المفسرون على أنه المراد بالصاحب في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ , أو ذكر اسمه كزيد بن حارثة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ , أو بالسنة المتواترة. ٢- أو بالاستفاضة والشهرة كضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن وسلمة بن الأكوع وغيرهم.

стр. 598

٣- أو يقول صحابي عنه أنه صحابي كحممة بن أبي حممة الدوسي, الذي مات مبطونا بأصبهان زمن سيدنا عمر, فشهد له أو موسى الأشعري أنه سمع النبي ﷺ حكم له بالشهادة. ذكره أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" ورويت قصته في مسند الطيالسي ومعجم الطبراني. ٤- أو بإخبار بعض ثقات التابعين عنه بأنه صحابي وهذا بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح. ٥- أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي, وذلك بشرط أن يكون معروف العدالة وبشرط أن يكون ادعاؤه لذلك قبل مضي مائة سنة من وفاته ﷺ فإن ادعاها بعد المائة, فلا تقبل دعواه ويكون كاذبا وذلك كجماعة ادعوا الصحبة بعد المائة كأبي الدنيا الأشج، ومكلبة بن ملكان، ورتن الهندي, فقد أجمع أهل الحديث على كذبهم, وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". الحديث١, وفيه: "يريد بذلك انخرام ذلك القرن", وكان إخباره بذلك قبل موته بشهر كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ" , وهذه الرواية المقيدة باليوم يحمل عليها ما ورد في بعض طرق حديث جابر عند مسلم أيضا: "ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة". وبهذه المناسبة أنبه إلى أن بعض المستشرقين وتابعهم بعض الكتاب المعاصرين٢ زعموا أن الحديث يدل على قيام الساعة، والساعة لم تقم

стр. 599

بعد مائة سنة من مقالته، وقالوا: إن الحديث غير صحيح لمخالفته للواقع والمشاهدة! ولو أنهم عقلوا وتأملوا لعلموا أن المراد انخرام ذلك القرن أي انتهاء أهله كما بينته رواية البخاري, بل جاء في روايته أيضا أن بعض الناس وهموا وظنوا أن المراد قيام الساعة, ثم تبين لهم أن المراد انتهاء الجيل، والساعة كما نطلق على الساعة الكبرى تطلق على الساعة الخاصة كساعة الأمم أو الأجيال، فرد الحديث بناء على وهم وخطأ في الفهم ليس من قواعد البحث العلمي الصحيح في شيء. وكلام الأصوليين أيضا يقتضي ما ذكرناه, فإنهم اشترطوا في ثبوت الصحبة بادعائه أن يكون قد عرفت معاصرته للنبي. قال الآمدي في الإحكام: "فلو قال من عاصره: أنا صحابي مع إسلامه وعدالته فالظاهر صدقه، وحكاهما ابن الحاجب احتمالين من غير ترجيح. قال: ويحتمل أن لا يصدق لكونه متهما بدعوى رتبة يثبتها لنفسه"١.

стр. 600

" عدالة الصحابة ": ١- الصحابة كلهم عدول عند جمهور الفقهاء من المحدثين والفقهاء والأصوليين، ومعنى عدالتهم استقامتهم على الدين، وائتمارهم بأوامره وانتهاؤهم عن نواهيه, وأنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ﷺ وذلك لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور، وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو من الغلط, فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم، ولم يخالف في عدالتهم أو عدالة بعضهم إلا شذاذ من المبتدعة وأهل الأهواء لا يعتد بأقوالهم وآرائهم؛ لعدم استنادها إلى برهان وسنعرض لهذه الآراء فيما بعد ومناقشتها.
следующие страницы →